فلما خافَ وَشْكَ الفَوْتِ مِنهُ … تشبّث بالقوائم والمُحَيا
ومنه قوله (١): [من الطويل]
يخيل لي أنَّ النجوم أسنَّةٌ … يُنَهْنِهُ عنها البرقُ سَلَّةَ صارم
وأَنَّ الكَرَى سهم إلى كلّ مقلة … ترقرق فيها والردى طيف حالم
كأن الدجي مالت عليه كتيبةٌ … فنبّه من أهواله كلَّ نائم
ومنه قوله (٢): [من الكامل]
أَخْفَيتُ آية حبكم فتوهمت … روحي بأن جوانحي أحبابي
وكذا توهمت الجوارح أنّكم … روحي وكل ليس يعلم مابي
فالوَجْد لا تجد الجوانح حَرَّهُ … والسُّقم لا تدري به أثوابي
ومنه قوله (٣): [من الوافر]
ومَنْ طلب النجوم أطال صبرًا … على بُعدِ المسافة والمَنَالِ
وَتُثْمِرُ حاجةُ الإنسانِ نُجحًا … إذا ما كان فيها ذا احتيال
وقوله من قصيدة (٤): [من الكامل]
ما كدتُ أعرف عيب مَنْ أحببته … حتى سلوتُ فَصَرْتُ لا أشتاقُ
وإذا أفاق الوجد واندمل الهوى … رأتِ القلوب ولم ترَ الأحداق
وأعيش بالبلل الذي لو أنه … دمع لما رويت به الآماق
ويزيدني عدم الدراهم عفّة … وعلى الدراهم تضرب الأعناق
ومنه قوله في السيف (٥): [من الطويل]
وأبيض بالأبصار يلعب لونُهُ … فعال شعاع الشمس في الأعين الرُّمْدِ
كذي شَوَسٍ تُنْبِيكَ رَوْعَةُ لحظه … على ما حواه في الضمير من الحِقْدِ
ومنه قوله في الغزل (٦): [من الرمل]
طلعت من جانب الخِدْرِ لنا … في بُدُورٍ كشفتهنّ الكِلَلْ
فكتمتُ الحبَّ حتى شفني … وإذا ما كُتِم الداءُ قَتَلْ
стр. 5462
وقوله (١): [من الرمل]
وسنان مثل مصباح الدجى … زان أعطاف قضيب معتدل
ثغرة القرن بهِ فاعلةٌ … مثل ما يفعلُ بالخَدِّ الحَجَلْ
لا يخافُ الضَّيمَ مَنْ يحملهُ … عُقِلَ العزُّ بأطراف الأسل
ومنه قوله (٢): [من المتقارب]
ومولي يكاتمني ضِغْنَه … ولا تكتم العين ما قد كَتَمْ
له لحظةٌ غير مأمونةٍ … كما يلحظ الحاسدونَ النَّعَم
وقوله (٣): [من الوافر]
مَلَكْنَ على المفاوز كل تيه … خفيّ السَّمْتِ منخرق الفجاج
كأطراف الرماح مسدَّدات … إلى ثغر الهواجر والدياجي
رَفَعْنَ ذَلاذِلَ الظلماء حتى … بدامنهن ورد ذو انبلاج
إذا مرت ركائبها بقاع … خلعنَ عليه أردية العَجاج
ومنه قوله في الحية (٤): [من الطويل]
وصل صفًا بالسن دون سميرةٍ … له في عقول الناظرين وجار
يخادع ألباب الرجال كأنّه … إذا ما تطوى للأكف سوار
وقوله (٥): [من مجزوء الكامل]
سقيًا لأيامِ مَضَيْنَ … كأنّها أحلام نائم
متناسقات بالسرو … رِ كما يَعُدْ العِقْدَ ناظم
وقوله (٦): [من الكامل]
طُوبَى لهم لو كنت جارَهُمُ … مِنْ أينَ يَعْرِفُ جَارَكَ الخَطْبُ
تهوي النجوم لأنهنَّ عُلًا … ومرامُهنَّ لأنه صعب
ومنه قوله في الغزل (٧): [من المتقارب]
стр. 5463
غَبَطْتُ الذي لامني فيكم … ولم أدر أنّي حَسَدْتُ الحَسودا
فليت العيونَ وَجَدْنَ الدموع … وليت الدموع وجدن الخُدُودا
وقوله في المدح (١): [من المنسرح]
أنتَ عليهم وإنْ أَخَفْتَهمُ … أشفق من والد على ولد
كنتَ عليهم بالغَيبِ مُؤتَمنًا … والروحُ مأمونة على الجسد
لا تأمَنَن نبوةَ العَدُوِّ وإِنْ … ناصَحَ يومًا فغشه لِغَدِ
شيمةُ غَدرٍ وإن أخل بها … كامنة في طبيعة الأسد
ومنه قوله في المدح (٢): [من الخفيف]
مَنْ به فخرُه ومَنْ جَلَّ أن تُنْسَـ … بَ أفعاله إلي منسوب
بَهَرَ النّاس هيبةً وجمالًا … فهو في العين مثله في القلوب
همَّةٌ تَقْصُرُ الكواكب عنها … وذكاء يُغني عن التجريب
وقوله في مثله (٣): [من الوافر]
فتي ما هيب هيبته مَلِيكٌ … ولا انتقادت رعيته لراع
سَمَا للمجد يطلب منتهاه … فأدرك فوقَ ما تسع المساعي
وقوله:
ولا يرعى الأمانة يوسفي … مودَّتُهُ على حَبْلِ الذراع
إذا مُحيث ضغائنُهُ بِغَدْرٍ … نَبَتْنَ نبات أنياب الأفاعي
وقوله في الحض على المصالحة لأخ (٤): [من البسيط]
بلِّغْ بَلَغْتَ سلامًا أو معاتبة … أخًا بفارس نرميه ويرمينا
ما بالنا بالندى نُدْنِي أباعِدَنا … ولا نقرِّبُ بالقربي أدانينا
ولو ترافدت الأيدي لما وَجَدَتْ … فينا العِدَاةُ مساغًا حين تبغينا
هَلُمَّ ننسى الذي قلنا وقيل لنا … ولا نؤاخذ بالزلات جانينا
نكف صُمَّ العوالي عن مَقَاتِلِنا … ونجعل الحد منها في أعادينا
ومنه قوله (٥): [من الخفيف]
стр. 5464
نَصَرَ اللهُ كلَّ مَنْ صَعُبَ الضيـ … مُ عليهِ فصادف الموت سهلا
وورود الحمام حينَ يُعَافُ الـ … ذلّ حلو والعيش في العز أحلى
ومنه قوله في الجمل (١): [مجزوء الرجز]
أهوج براقُ النَّظَرْ
بَنَّ المَطَايا وَحَسَرْ
لو أنه داس النُّغَرْ
من خفّةٍ لما شعر
وقوله (٢): [من الخفيف]
قيل: إنَّ الهوى فراغ جهولٍ … وكفى بالهوى لذي اللب شغلا
ما استحق الفراق نجد فيشتا … قَ ولا استأهل الحمى أن يُملا
وقوله في المدح (٣): [من المتقارب]
ترى القوم حين يفاجيهم … كريم له شرف المجلس
قيامًا لهيبتِهِ خُشَّعًا … ومنْ وطي النار لم يجلس
كأنَّ عيونهم حيرةً … لرؤيته أعين النرجس
تدير عليهم كؤوس المَنُونِ … مدارَ المُدامة في الأكوس
وأنت بجدهم لاعب … كما يلعب الموت بالأنفس
وقوله (٤): [من الكامل]
يا غائبًا وعتابه إفراق … ما هكذا يتحاسب العُشاق
يا مَنْ يعلّلُ نفسه بلقائنا … يفنى الحَنِينُ ويذهل المشتاق
ما كدت أعرفُ عيب مَنْ أحببته … حتى سلوتُ فصرتُ لا أشتاق
وإذا أفاق الوجد واندمل الهوى … رأتِ القلوب ولم ترَ الأحداق
وقوله في الحكمة:
حاول جسيماتِ الأمور ولا تَقُلْ … إِنَّ المحامد والعلا أرزاق
وارغب بنفسِكَ أنْ تكونَ مُقصِّرًا … عن غايةٍ فيها الطلاب سباق
стр. 5465
لا تُشفقن فإنَّ يومَكَ إِنْ أتى … ميقاته لم ينفع الإشفاق
وإذا عَجَزْتَ عن العدو فداره … و امزح له إن المزاح وفاق
يعتاضُ مِنْ قدري بمن هو دونَه … والدّر ليس يشينه الإنفاق
وأعيش بالبلل الذي لو أنَّهُ … دمع لما رُوِيَتْ بهِ الآماقُ
ويزيدني عدم الدراهم عِفَّة … وعلى الدراهم تُضرب الأعناق
وقوله في المدح (١): [من الكامل]
بلغوا من الدنيا نهايتها … وجَرَى بهم في صَرْفِها المَثَلُ
وإذا الرجال بغيرِهِمْ عُرفوا … لم يُعرفوا إلا بما فعلوا
تبقى لهم أخبارُ مَنْ غلبوا … فكأَنَّهمْ أُحْيُوا وقد قُتلوا
من كل منشق الكعوب له … نَصلِّ على الأرواح تتصل
منقصَّةُ الأطرافِ تحسبها … طيرًا على اللباتِ تنتضل
وقوله في مصلوب (٢): [من الطويل]
على الجذع موف لا يزالُ كأَنَّه … سليب دعا قومًا إليه فأقبلوا
فقام يماريهم وقد مَدَّ باعَهُ … يقول لهم: عَرضِي أم الطول أطول
وقوله (٣): [من الطويل]
سهامي من حظي سهام أعدها … عطائف نَبع لحمُهنَّ يُنالُ
يَرِدْنَ وأطراف الرماح حَوَائم … وهنَّ قِصار والرماح طوال
وقوله (٤): [من المنسرح]
وصارم في الضراب نَفْخَتُه … يتبعها المَنْكِبان والعُنُقُ
ومن نطاق الجوزاء مطرد … كأنّها في كُعُوبِهِ نَسَقُ
وقوله في الساقه (٥): [من الرجز]
قد برأت أحلامها من النَّزَق
وانتقلت أخفافهنَّ بالعلق
стр. 5466
عالجنَ خَبثًا طبقًا بعد طبق
ظلًا يُماشيها وظلًا قد أبق
وقوله:
أَخْزَرُ ما في جَفْنِ عينيهِ طَرَقْ … لو أَنَّهُ يُخْرَقُ طَرفٌ لخُرِقْ
وقوله في الفرس (١): [من السريع]
كأن هاديه إذا عُجتَهُ … يرغب بالبعض عن البعض
وكلما زدت إلى جيده … عنانه زادك في الركض
كأنه البرق إذا رُعْتَه … أو هَرَبُ السَّهم مِنَ النَّبضِ
تذعر منه ناشطات الملا … بكوكب في الجو منقض
إذا سَمَا في صَيَدٍ رأسُهُ … أكرمتَ فَوْدَيْهِ عَنِ الغَضِ
لا عيب فيه غير تيسيره … وأنَّه يمشي على الأرض
ليس بمحدود إذا قسته … يُعلم منه الكل بالبعض
وهو إذا حل بديمومةٍ … لم تعرف الطول من العرض
وقوله في الحكمة (٢): [من الطويل]
أقلًا فإنَّ العيش مال وصحةٌ … إذا عدَّها لم يَحْمَدِ العيش حامد
ولا تأمنا لبس السقام سلمتما … على جَسَد فالسقم للموت رائد
ومنْ لم يمت بالسيف مات بغيره … تخالفتِ الأسباب والداء واحد
وقوله في رثاء بنت (٣): [من الخفيف]
ولعمري للبنتُ أَصْنتُ للقلـ … ب وأدنى إلى نوال البخيل
لا كَمَنْ مات في البنات ولا مث … لك للحادث الملم الجليل
لا عقوق البنينَ يُعْهَدُ منهنَّ … ولا جَفْوَةُ الأب المملول
ولهن الحظ الجزيل منَ الحُرْ … قَةِ والحزن والحنين الطويل
والزيارات للقبور على اليأ … س وبعد الرجاء والتأميل
ولهذا يُقال في المثل السا … ئرِ: لا وَجْدَ فوقَ وَجْدِ الشكول
وقوله في عتاب أخ نصحه في الحفلة فنسبه إلى تقريعه (٤): [من البسيط]
стр. 5467
هلًا خَلَوْتَ بسمعي يوم تنصحني … إنَّ النصيحة وسط القوم تقريع
صنيعة خفت أن تخفى فَبُحْتَ بها … لقد أضعت وبعض الحفظ تضييع
يا زفرةً قُدحت نارُ الهُمُوم بها … إِنَّ الهموم لها في الصدر ينبوع
قطعت حبل إخاء كان متصلًا … وكلّ مَنْ قطع الإخوان مقطوع
وقوله في الحكمة (١): [من الطويل]
وإن أخي مَنْ لا يَمَلّ خليقتي … ومَنْ لا يراني قائمًا وهو جالس
يجانسني في كلّ حالٍ وإنّما … لكل امرئٍ مِنْ صَحْبِهِ مَنْ يُجَانِسُ
وكنتُ مثال الكفّ منه ففاتني … وقد يحبس الشيء القريب الحوابس
وقوله في النياق (٢): [من الطويل]
وطارت بهم حدب الظهورِ كأَنَّها … سفائنُ في لُجِّ الفلاةِ تَمُورُ
إذا سألوها الوَحْدَ عَانَد سيرها … خوائف من جذبِ الأَعِنَّةِ زُورُ
تضل فتهديها بحد نسورها … قوادح مرو ليلهن بصير
كأن مخاضات الفراتِ صحائف … وهز به حتى عَبَرْنَ سطور
وقوله في الذكرى (٣): [من الكامل]
علل جفونك بالرُّقادِ فإنَّه … ما كان ذاك العيس غير منام
وإخالُه حلمًا لكثرة ما أرى … أيامه في طارق الأحلام
وقوله (٤): [من الخفيف]
أي عذر للدهر أو أي معنى … في محلّ يُمحى وآخر يُبنى
وإذا مرَّتِ الجنائز أعرض … نا كأنا بمرها ليس نُعْنَى
وقوله: [من الطويل]
رأيتُ أبا نصر يثمر مالَه … ولا تحفظ الأيام ما هو حافظ
وإن امرءًا تنعى الجنائز نفسه … لفي عِظَةٍ لو أيقظته المواعظ
ومنه قوله في المدح (٥): [من الطويل]
стр. 5468
ومَنْ مثله فيكم إذا الخيل طوردت … وقد وردت وِرْدَ الحَمام ضوائعا
وما زال مذ مَلَّ الرهان عنانَهُ … يقطعُ أنفاس السوابق وادعا
في الهجاء (١): [من السريع]
قلتُ لحلو راقني قوله: … ما أحوج القول إلى فاعل
أعيا على الغامز تقويمُه … ومَنْ يداوي مرض الجاهل
وقوله في الجيش (٢): [من السريع]
يلتهم البر برجراجة … كأنّها البحر بلا ساحل
مرنّقُ الطير على ضَرْبِها … يكاد يدنو من يد النائل
كأنما النَّسْرُ بها رايةٌ … بين سنان الرُّمح والعامل
وقوله في السيف والرمح والقوس (٣): [من الكامل]
وقواطع مأثورة آياتها … في الدراعين خفية الآثار
من كل مطرد الكعوب سنانُه … كالبرق ينبض أو لسان النار
يحبو الكمي إذا اجتداه مرشّه … مجنونة الإقبال والإدبار
تعارة تطغى إذا هي رُوغِمَتْ … بالفتكِ رجع فواقها الهدار
وقوله في السُّرى إلى روضة:
حاولت قَصْدَكَ في قَصِيَّاتِ المُنَى … بسرى إلى اللذات غير سرار
في ليلةٍ سَرَقَ المحاقُ هلالها … فكأنَّه في الأفق نصف سوار
واستودع الوسمي كل وقيعة … من فضل صيبة وكل قرار
حتى إذا بهر الأباطح والرُّبى … نظرت إليك بأعين النوّارِ
وقوله في المدح:
وبنو خفاجةً من عقابك عالجوا … يومًا طويل الشر بالأنبار
ولقد وَعَظْتَ بهم مسامع غيرهم … وبلغت أقصى العذر في الإعذار
ولَعَمْرُ جَدّهم لقد أنذرتهم … لو أنهم أصغوا إلى الإنذار
وقوله في الحكمة (٤): [من المتقارب]
стр. 5469
تربَّص بيومك ما في غدٍ … فإنَّ العواقب قد تعقب
رضيت بميسور ما نلته … فلا أستزيد ولا أطلب
وقوله في الخيل (١): [من الطويل]
إذا سار أعْدَته على البيد والعدى … شوادن من آل الوجيه وقُرَّحُ
حوافرها من راعف ومثلم … يُرض بها الصخر الأصم ويفلح
وقد بَرَحَتْ والسن سن سميرة … به أثر من وطئها ليس يبرح
وما استصحب الفتيان مثل مثقَّفٍ … يماجُ به ماءُ القلوب ويُمْتَحُ
ولا مِثْلَ مُرتاع المهزّ كأنَّه … عقيقةُ بَرْقٍ يستطيرُ ويُلْمحُ
وقوله في الفرس (٢): [من الكامل]
وطمرَّةٍ مأطورةٍ بلجامِها … قوداء سالمة النساة الأشعر
يومًا يطارد في الرياض ضلالها … أشرًا فيومًا في ظلال العثير
وقوله (٣): [من الخفيف]
وقسي معطفات من النبـ … ع تطيعُ الأكف بعد نزاع
كضلوع الأوعال تحفرُ نبلًا … غَير مأمونة على الأضلاع
وتنمي إلى العُلا غير وانٍ … رُبَّ وانٍ في حاجة وهو ساعي
أريحي يخاله القومُ مرعيـ … يًَا إذا كان فيهم وهو راعي
وقوله (٤): [من مجزوء الكامل]
ضاح يكون مقيلُهُ … في ظِلِّ ألوية العساكر
صُلب فإنْ لا يَنْتَهُ … ألفيته هش المكاسر
مِنْ معشر لا يتركون … لوارث إلا الماثر
وقوله: [من الخفيف]
أنتَ شمسي على النهار ظهيرًا … وعلى الليل أنت بدري ونجمي
عرف الناسُ رغبتي عن سواكم … فإذا ما مدحتكم لا أسمي
وقوله: [من البسيط]
стр. 5470
ورُبَّ ماء يقل النازلون به … عذب الموارد لا فيض ولا وشَل
وَرَدْتُهُ والدّجى حيران قد صَدَرَتْ … عنه النجوم وفي أعناقها مَيَلُ
ومنه قوله في البرق (١): [من الطويل]
ألا مَنْ لبرق في جوانح ليلة … كأنَّ الدجى من حمله يتأود
إذا قلت يبدو الصبح لي من خلاله … مَحَا ضوءَهُ جُنحٌ من الليل أسود
يشب حريقًا في السماء وميضُهُ … كنارِ قِرّى في دارة الحي توقد
أقام رهينًا بالصّباح كأنه … على الليل أسياف تُسلّ وتغمد
ومنه قوله (٢): [من الكامل]
نَصَر العواذل والدموعُ خَوَاذلي … الآنَ سالَمَتِ السهام مقاتلي
بَخِلَتْ دموع العين لي وسمحتم … أنتم دموع العين وهي عواذلي
وقوله (٣): [من الكامل]
ما بال سيف الدولة المَلِكِ اعتدى … وهو الوسيلة أن يرد وسائلي
فكأنّني وقلتُ: الكواكب مثلُهُ … أو قلتُ: إن الرزق ليس بجاهل
وقوله: [من الكامل]
وكأن لي في كل جارحةٍ … كبد مقلية على الجَمْرِ
و مدامع بيضٌ بأعيننا … تنحلّ مِنْ أكبادنا الحُمْرِ
وقوله: [من الهزج]
وأير طؤله باع … ولكنْ عَرْضُه شبر
إذا أفرغ ما فيهِ … تَدَلّى وهو يَنْجَر
في الهجاء: [من المجتث]
يحبّ فَيْشَلَ أير … مفرطح الرأس أعجر
إذا رآه كبيرًا … صلّى عليه وكبَّر
ورده بدَ عَر … مثل الحرير المجندر
إن يكتَهُ فتقدم … عليه ثم تأخَّرْ
لهُ كيما تَرَاهُ … مثلَ الحُسَامِ المُشَهر
واردده رًا عنيفًا … كأنّه رأس خنجر
فإنَّه مِنْ غَبَاهُ … يهوى الحديث المُكَرّر
стр. 5471
ومنهم:
[١٨١] الوزير أبو نصر، أحمد بن يوسف المنازي السليكي (١)
مجيد على الإقلال، ومفيد يرمي الدرر بالاستقلال، لا تحوي مثله دارة الهلال، ولا تروي بغزارة مدد السُّحُب ذوات الاستهلال، ولا يُعرف له ديوان يجمع شعره فيه، ولا صوان يتدفق نهره بين حواشيه، إلا أنَّ ما يوجد به ينازع الأهيف الألمى ما بين شفتيه، ويغالب الظَّبي الأغنّ على ما في مقلتيه، كأنَّما شَقَّ عنه الزَّهرُ من الكمام لبتيه، أو آواه الروض في الخمائل بين لابتيه.
ولقد تطلب القاضي الفاضل ﵀ ديوان المنازي فعر حتى كأنه لم يكن موجودًا، ولا كان إلا الى أن لا يفارقه فجاوز معه ملحودًا، على أنه الباقي بما تَتَفَرَّقه الألسنة وجودًا المشرق كالشمس على صفحات الأيام فلا تستطيع له جحودا. وأجاب مَنْ طلب الفاضل منه هذا الديوان بجواب قال فيه:
وأقفر من شعر المنازي المنازل
فأعجب الفاضل بجوابه، وقال: إن فاتنا نجح طلابه فما فاتنا حسن خطابه.
وكان بين المنازي والمعري اجتماع طرب له وضرب له بسهم رقص الحباب له على جنبات النهر، وكان ذا إلْفٍ للحدائق تفيأ ظلالها، وتهيأ طبعه السلسال لرشف زلالها ومصابحة خلقه البهي لوسيمها، ومقامة خلقه السري لنسيمها، ومراوحة ما تديره كؤوس الورد من سُلاف رحيقها، ومراودة أبكار الرياض على فض ختام الأرج وافتضاض عذرة شقيقها.
стр. 5472
وزر للمروانيين ملوك ديار بكر وزارةً ناطت نجادي سيفها بلواء، ووادي سيبها بكشف لأواء، وترسل إلى خلفاء مصر، فنزل بذلك القبيل، ومسح جناح الفرات بالنيل، ورجع إلى مرسله أحسن مرجع، وأخصب به ثرى رائده بأكرم مستنجع. وكان في الدولة المروانية حيث لا مَثَلَ له في أولاها، ولا نَصْلَ أمضى من قلمه في المناضلة عن علاها حتى كانت به في بُعد اللَّمْس كأنَّها دولة بني مروان الأولى من بني عبد شمس، فقام في دولة المروانيين مقام عبد الحميد عند مروان، أو رجاء بن حيوة عند عبد الملك في ذلك الأوان إلا أنه تأخر عن ذلك العصر، وجاء بما يجيء به من مذهبات الألوان، وكان لا يعبأ بذي همم، ولا يعيا بجدال رمح يتشاوس موهمًا أنه في أذنه صمم، ولا بحجّةِ سيف شامخ المضارب في عرنينه شمم، وله إدلال بشعره، وإذلال بنظمه الدرّ على غلو سعره.
ومن بدائع نظمه الذي لا تُسَاقِط مثله النجوى ولا تريق شبيهه على خدود الحبائب دمعة الشكوى، قوله يخاطب أبا العلاء، وقد فاوضه في شيء فأعجبه كلامه: [من البسيط]
لله لؤلؤ الفاظ تساقطها … لو كنَّ للغيد لاستأنَسْنَ بالعَطل
ومن عيون معان لو كَحَلْنَ بها … نُجْلَ العيون لأغناها عن الكحل
سخر من اللفظ لو دارت سلافتُه … على الزمان تمشى مِشْيَةَ الثَّمِلِ
ومنه قوله في ولد له توفي ولم يكن له غيره: [من الطويل]
أطاقَتْ يد الموتِ انتزاعك من يدي … ولم يُطِقِ الموتُ انتزاعك من صدري
لئن كنت مبثوث المحاسنِ في الحَشَا … فَإِنَّكَ ممحو المحاسن في القبر
رَجَوتُكَ طفلًا فوق ما يرتجي الفتى … كذاك هلال الشهر أرجى من البدر
فلا وَصْلَ إلا بين عينيَّ والبكا … ولا هجر إلا بين قلبي والصبر
ومنه قوله في الوزير أبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي: [من الكامل]
اصفح لطَرْفِ الصب عن نظراته … إن كنت آخذه بما لم يأتِهِ
سقيًا لوجهك فهو أول روضة … زهرت أقاحيه أمام بناته
لما خططت مثاله في ناظري … مدَّ الحجاب عليه من نظراته
حالت حماتك دون وِرْدِ غديرِه … وشميم زهرته ورشف قرته
الماء يلمع في أريضِ جنابِهِ … والنار تسفع من ضلوع رعاته
وإذا ادعى بدر التمام بهاءه … وأنار للساري قلا زَعَماتِه
стр. 5473
منها:
ولئن جَزَتْ نِعَمَ الحسين محامد … فلتجزينَّ الغيث عن هَطَلاتِهِ
أقنى وأغنى فانقلبت ولي به … شغلان بين صفاته وصلاته
حاولتُ عَدَّ خِلالِه فوجدتها … يشقى الرواة بها شقاء عداته
أبصرتُ سُبْلَ المجد من لحظاتِه … وأفدتُ حُسْنَ القول من لفظاته
فأرى الفصاحة والسماحة والغنى … ومكارم الأخلاق بعض هباته
ورث المعالي عن علي وابتنى … رتبًا مشيدة إلى رتباته
وكذاك لابن القيل إرث علائه … فرضٌ ولابن القين إرث علاته
وقوله: [من البسيط]
لو قيل لي وهجير الصيف متقد … وفي فؤادي جوى بالحر يضطرم
أهم أحبُّ إليك الآن تشهدهم … أم شربةٌ من زلال الماء؟ قلتُ: هُمُ
وقوله: [من الطويل]
هي الشمس حالت دونَها حُجب خدرها … ولو برزت كان الضياء لها حُجبا
إذا جهرت ألحاظها قَصْدَ غافل … أغار على قلب أو استهلكت لُبا
ألم يأن في حُكْمِ الهوى أن ترق لي … من المدمع الريان والكبد اللَّهبَى
ومن زفرة حرّى إذا ما تقطت … شُعاعًا تدمي الجفن أو تحرقُ الهدبا
شَجَتْنِي ذاتُ الطوق عجماء لم تَبن … وشِيمَةُ عُجْمِ الطَّير أَنْ تشجو العربا
دنا الفُها واخضلّ أطراف عيشها … فهاجت إلى البلوى وقد هَدَلَتْ عُجْبَا
هفا بك مَتْنُ الغصن لو أنَّ قدرةً … سلبتك حلي الطوق والغصن الرطبا
ولكن إخوانًا أعد فراقهم … خَسَارًا ولو سافرت أقتنص الشهبا
وخلَّفْتُ قلبي بالعراق رهينةً … لقصدِ بلاد ما اكتسبت بها قلبا
وإني ليحييني على بُعد داره … نسيم نُعاماه ولو حملت تربا
ومن شيمتي أن أستمدَّ له الصَّبا … وأستتبع النعمى وأستمطر السُّحْبا
وأعمرَ من ذكراه كلَّ مفازة … وألهي بعلياه الركائب والركبا
وأذكره بالضيف إن جاء طارقًا … وبالطيف إن أسرى وبالسيف إن هَبًا
وبالبدر إن أوفى وبالليث إن سطا … وبالغيث إن أروى وبالبحر إن عبا
وأشتاق أيامًا تقضّتْ كأنّما … أُسِرَتُ عن الأيام أو أدركت غصبا
يَحنُّ حنين البعد والشملُ جامع … ويزداد حبًّا كلّما لم يَزُرْ غِبًا
إخاء تعالى أن يكون أخوَّةً … وقربى ودادٍ لا تُقاس إلى قربي
стр. 5474
وقوله يصف دار حرب جلا ساكنها: [من الوافر]
جلا حتّى الذباب الخُضْرَ عنها … ذباب من حسامك ذو اخضرار
ونَفَّر ضارياتِ الأُسْدِ منها … ثعالب من أسنَّتك الضواري
وقوله: [من الطويل]
لَا اللهُ مَنْ يستنصِرُ ابن عدوّه … سَفَاهًا ولا يستنصر ابن أبيه
من الشطرنج يحمي ويحتمي … بقاطبة الشطرنج غير أخيه
وقوله (١): [من الوافر]
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ … وقاهُ مُضاعَفُ النَّبتِ العميم
نزلنا دَوْحَهُ فَحَنَا علينا … حُنُوَّ الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالًا … ألذ من المُدامة للنديم
يصدُّ الشمس أنّى واجَهَتْنا … فيحجبها ويأذن للنسيم
يَرُوعُ حَصَاه حاليةَ العَذارى … فتلمس جانب العِقْدِ النّظيم
وقوله: [من الوافر]:
غَزَالٌ قده قد رطيب … يليق به المدائح والنسيب
جهدت فما أصبتُ رضاه يومًا … وقالوا كل مجتهد مُصِيب
ومنه قوله: [من الوافر]
ومبتسم يثغر كالأقاحي … وقد لبس الدجى فوق الصباح
له وجه يل به وعين … يُمَرِّضُها فيُسكِرُ كلُّ صاحي
تَثنّي عِطْفَهُ خَطَرَاتُ دَلَّ … إذا لم تُنه نشواتُ راح
يميل مع الشاةِ وأيُّ غصنٍ … رطيب لا يميل مع الرياح
وقوله: [من الوافر]
لقدْ هَتَفَ الحمام لنا بشَدْرٍ … إذا أصغى له ركب تلاحي
شَجَا قلب الخليّ فقال: غَنّ … وبرَّح بالشجي فقال: نَاحًا
ومنهم:
[١٨٢] الماهر الحلبي (٢)
لفظه حال كما جال الوشاح، عالٍ كما طَفَتْ على نهر زهرات أقاح، رقيق كما
стр. 5475
رقت الراح، خفيف كما خَفَّتِ الجسومُ بالأرواح، خَلوبٌ كما خامر الهوى لب صب فباح، مطرب كما اهتز خفاق الجناح فناح على كل بيت له عَلَم تأوي إليه كواكبه، ونور أضاء حتى نظم اللؤلؤ من فكره ثاقبه.
وقد أورد له الباخرزي في الدمية بيتين حسنين، زينهما منهما بعقدين مستحسنين، وإن كانا في رثاء من قلب حزين فإنهما أعربا عن أدب غزير، وعقل رزين. قال الباخرزي في وصفهما والإشادة بصحة رصفهما: هذا أرقّ ما يكون من المراثي، يكاد يفجر عيون الأحجار، فتسيل بمدودِ النهار، بل بأمواج البحار، وهما (١): [من الوافر]
برُغْمِي أن أعنف فيك دهرًا … قليل همه بمعنفيهِ
وأن أرعى النجوم ولستَ فيها … وأن أطأ التراب وأنت فيه
وقوله (٢): [من الطويل]
ترى منهم يوم الوغى كلَّ ناشرٍ … من النقع فوق الدارعين مطاردا
ينالونَ مَنْ أمسى بعيدًا منالُهُ … كَأَنَّهُمُ أُعطوا الرماح سواعدا
وقوله يشبب بغلام أثرت فيه الحمى، وأحسن في التخلّص إلى المدح (٣): [من المديد]
وأسيل الخد شاحِبُهُ … تُحِلَتْ عيناه بالفِتَنِ
تركت حماه وجنتَهُ … في اصفرار اللون تُشبهني
وأرى خَدَّيهِ وَرْدُهما … ما جنى ذنبًا فكيف جني
نُهِباحتي كأَنَّهما … ما حَوَتْ كفَّا أبي الحَسَنِ
منها:
ذو جُفُونٍ تَشْتَري أبدًا … غَبَرَاتِ النقع بالوَسَنِ
ويد تندى ندى وردى … تَجْمَعُ الدِّينِ في قَرَنِ
وقوله (٤): [من السريع]
стр. 5476
يُجدي وقد يثبت في نفسِهِ … فضيلةُ المُجْدَى على المُجْدِي
لو كان من أحببته بعض ما … في يده زار بلا وَعْدِ
ومنهم:
[١٨٣] أبو عبد الله بن السراج الصوري
من سمع شعره المرقوم، ورأى دره المنظوم، عرف كيف يستخدم النجوم، وكيف يستخرج السرَّ المكتوم. وكيف تنوب الخواطر عن السحب المواطر إلا أن هذه تفتح زهرًا باللمس يذوي، وهذه تُنقَّح كلمًا يُروى كلّما تُروي ألفاظه منتقاة، ومعناه يقطع على السحر رقاه. وقد وصف الفهد وصفًا أخذه من العيون، وأقام به الليل والنهار على حد موزون، لو أنه للنمر للان خلقه الشرس، وأنس طبعه المفترس، وارتاض ما فيه من نَزَق، ورضي فلم يكن به على الحيوان ذلك الحنق.
وهذه قطعة من شره المنقوشِ ديناره المنقود نضاره المعقود بالشعرى العبور سيارة، من ذلك قوله الأبيات الموعود بها في وصف الفهود: وهي: [من البسيط]
وأهْرَتِ الشدق في فيه وفي يده … ما في القواضب والعسالةِ الذُّبُل
والشمس مذ لقبوها بالغزالة لم … تطلع على وجهه إلا على وَجَلِ
ونقطته حباءً لا يسالمها … على المنونِ نعاج الرمل بالمقل
ومنهم:
[١٨٤] أبو عبد الله، أحمد الخياط الدمشقي (١)
توفي سنة سبع عشرة وخمسمائة. قدر الشعر ثم فصله، وحرّز مقاديره ثم وصله،
стр. 5477
ومسح الألفاظ على المعاني، فجاءت سواء، وجادت رواء، وجالت على المعاطف تامة حللها، ضامةً لآيات حُسْنٍ يتلوها مفصلها، قد فاقت تحصيلًا، وراقت جملةً وتفصيلًا، ثم برزت تلك الخُرَّدُ العِيْن تُجلى في تلك الملابس، وتزهى على الأقمار والظباء الأوانس.
كان ولوعًا بتصحيح المعنى يبيت طول ليلته يلوطه، ويفتق له ذهنه كأنه يخيطه، من كلّ معنى لو تصوّر لما عَدَتْ نفسه سجاياها، ولا عَدَّتْ ولائد النجوم إلا سباياها.
قصائد تركت والحسن في قَرَن، وملكتِ الحبَّ كله بلا ثمن، تبتسم لسقيط الردّ ثم تريبها، وتخاف العين وهي تصيب بالعين وتصيبها، إذا وُصِفَتْ كان واصفُها وإن جهد كأنه يعيبها، وإذا غابت وشبهها بالبدر كان كأنَّه يستغيبها. عُرْبٌ كرائم ما خُلِطْنَ بهجان، أبكار لم يطمئنَّ إنس ولا جان تخال خلال بيوتها دمى، وتظن خلال ريقتها سلافة راح لا لمى، وكان جزال القول كأنه صليل سيوف، أو صرير أقلام في مخوف.
فاض أيَّتها على المدارج، وآضَ إلى الآكام يصعد بلا معارج، قد نور كلامه أضواء من المسارج، وتطوّر فكأنه اطرد من مأرج يانع المسارج، ضائع الأرج وهو ليس ببارح، وكان من تغلب في أسرة لا يجد لكلبها شفاء إلا أن يجد في الدماء ولوغًا، ولا تعد لمنقلبها إذ تعد إلا نزوغا، ما تحلَّتْ جيادها إلا بتحجيل الصباح رسوغا، ولا حلت راية للأعداء إلا لتعقد عوضها لواء بالدماء مصبوغا.
منذ نظم حَسَدتِ الشعرى شعره، وود الغزال لو أنَّ روقيه أحدهما له قلم والآخر لأبيه الخياط إبرة. ومن أبنائه أبناء سنى الدولة، وهم قضاة أخذت بأيديهم الأقلام من السهام سدادها، والسجلات من النهار ما اتخذت منه ومن الظلام مدادها. حكام عرفوا الحق فسلكوا طرقه، وشرفوا السجل بعلائمهم بالقضاء وملكوا رقه. وكان ابن الخياط في وقته ممن له القدر العلي، والصدر الرحيب لفضله الجلي، وهو دمشقي الدار، شقي الحظ باللئام لا بِغَلَبة الأقدار. هجي بما نبه على جلالته، ونوّه بقدر أصالته، وشُبِّه على
стр. 5478
حسوده، فأكد له المدح بما يشبه الذمّ، وأراد به النقص في حقه، وأراد الله خلافه فتم، وتحيل في إخفاء مسكه المتضوّع وريحه قد نم.
ومن شعره الذي هو الدرّ تتزيّن به إلا أنه العنبر الذي يُشمّ قوله (١): [من الوافر]
إذا عاينت من عُودٍ دُخانًا … فأوشك أن تُعاين منه نارا
وما هِمَمُ الفتى إلا غصونٌ … يكون لها مطالبه ثمارا
منها:
لقد لبست بك الدنيا جَمَالًا … فلو كانتْ يدًا كنتَ السوارا
يضيء جبينك الوضاح فيها … إذا ما الركب في الظلماء حارا
وقوله من أخرى (٢): [من الطويل]
يقيني يقيني حادثات النوائب … وحزمي حزمي في ظهور النجائب
سينجدني جيش من العزمِ طالما … غلبت به الخطب الذي هو غالبي
وقوله (٣): [من الطويل]
وما زال شُومُ الجَد من كل طالب … كفيلًا ببعدِ المَطْلَبِ المُتَداني
وقد يُحرم الجلد الحريصُ مَرَامَهُ … ويُعطى مُنَاهُ العاجز المُتَوَاني
وقوله (٤): [من الوافر]
فلا تُغْرُ الحوادث بي فحسبي … جفاؤكمُ مِنَ النُّوبِ الشَّدادِ
إذا ما النار كان لها اضطرام … فما الداعي إلى قَدْحِ الزِّنادِ
وقوله (٥): [من البسيط]
لئنْ عَدَاني زمان عن لقائكم … لما عداني عن تذكار ما سلفا
وإن تعوَّضَ قومٌ مِنْ أحبتهم … فما تعوّضتُ إِلا الوَجْدَ والأَسَفَا
ما أحدث الدهرُ عندي بعد فُرْقَتِكُمْ … إلا وُدَادًا كماء المزنِ إنْ رُشِفا
كالوَرْدِ نشرًا ولكن من سجيّتِهِ … أنْ ليس يبرح غصنًا كلّما قُطِفا
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 5479
وكنت إذا ما اشتقت عولت في البكا … على لبة إنسان عيني غريقها
فلم يبق من ذي الدمع إلا نشيجه … ومن كبد المشتاق إلا خفوقها
فيا ليتني أبقى لي الوجد عبرة … فأقضي بها حق النوى وأريقها
منها:
وخرق كأن اليم موج سرابه … ترامت بنا أجوازه وخروقها
كأنا على سفن من العيس فوقه … مجاديفها أيدي المطي وسوقها
وقوله (١): [من البسيط]
ألح دهر لجوج في معاتبتي … وكلما رضته في مطلب صعبا
كخائض الوحل إذ طال العناء به … فكلما قلقلته نهضة رسبا
منها:
يا رب أجرد ورسي سرابله … تكاد تقبس منه في الدجى لهبا
إذا نضا الفجر عنه صبغ حلته … أجرى الصباح على أعطافه ذهبا
وقوله (٢): [من المتقارب]
صباح صبيح بأمثاله … تقر العيون وتشفى الصدور
شربنا به العز صرفا فمال بنا … طربا واتقتنا الخمور
وما لذة السكر إلا بحيث … تغني المنى ويدور السرور
وقوله في تهنئة بمولود (٣): [من الكامل]
لم تلحظ الأبصار يوم ظهوره … إلا كؤوسا للسرور تدار
فغدوت تشرع في حلال مسكر … ما كل ما طرد الهموم عقار
وقوله يرثي (٤): [من المتقارب]
بكيتك للبين قبل الحمام … وأين من التكل حر الغرام
وما كان ذاك الفراق المشت … إلا دخانا لهذا الضرام
فأنشد مثواك عند الهبوب … وأرقب طيفك عند المنام
стр. 5480
وبكتك كُلُّ عَرُوضيةٍ ترنّ … لها كل ميم ولام
إذا ضُنَّ عنكَ بِنَوْر الرياضِ … حَبَتْكَ غرائب نَوْرِ الكَلامَ
وقوله (١): [من الخفيف]
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي … حبّذا أنتَ لو مررت بنجد
أجْرِ ذكرى نعمت وأنْعِتْ غرامي … بالحمى ولتكن يدًا لك عندي
ولقد رابني شذاك … فبالله متى عهده بأطلال هند
إنَّ خير المعروف ما جاء لا سيـ … ن سؤال فيه ولا واوُ وَعْدِ
عاقدتني به الليالي فما تخـ … فرُ عهدي ولا تغيّر عَقْدي
وقوله (٢): [من الوافر]
وشعر لو يكون الشِّعْرُ غيثًا … لبات ونوؤه الشعرى العبور
معان تحت ألفاظ حسان … كما اجتمع القلائد والنحور
وقوله (٣): [من الوافر]
سأبكي والقوافي مسعداتي … بندب من ثنائك أو مناح
إذا ما خانني دمع بليد … بكيتُ بأدمعِ الشِّعْرِ الفصاح
وقوله يعاتب (٤): [من الطويل]
لئن كانَ عُزّي قبلها عنْ مَوَدَّةٍ … صديقٌ لقدْ حَقَّ الغَدَاةَ عَزَائي
وفي أي مأمول يصح لأمل … رجاء إذا ما اعتل فيك رجائي
أعيذك بالنفس الكريمة أن تُرَى … مُخِلًّا بفَرضِ الجُودِ في الكُرَماءِ
وبالخُلق السهل الذي لو سَقَيْتَه … غليلَ الثَّرَى لم يَرْضَ بعد بماء
وقوله (٥): [من المتقارب]
فيا ليتني لم أكن قبلها … شَغَفْتُ بحبك يومًا فؤادي
فإنَّ القطيعة أشهى إلي … إذا أنا لم أنتفع بالوداد
ولولا شَمَاتَةُ مَنْ لامني … على بثّ شُكْرِكَ في كل نادي
стр. 5481
وقولُهم ودَّ غير الودودِ … فَجُوِزي على قربه بالبعادِ
لما كنتُ بعد نيل الصفاء … لأرغب في النائل المستفادِ
ومنه قوله: [من الطويل]
وما هي إلا حرمة لو رعيتها … رعيت فتى عن شكرها لا يقصر
كريمًا متى عاطيته كأس عشرة … تعلَّمْتَ من أخلاقه كيف يشكر
وقوله (١): [من الكامل]
يا مُحرقًا بالنار جسم محبّه … نارُ الجَوَى أخرى بأن تُؤذيه
ولحَرِّها بَرْدٌ على كبدي إذا … أيقنت أن تحرقي يُرضيه
عَذِّبْ بها جسدي فدَاكَ معذِّبًا … واحذر على قلبي فإنك فيه
وقوله (٢): [من السريع]
أذلني حُبُّكُمْ في الهوى … فما حَمَتْني ذلَّةٌ منكُمُ
ومذهب ما زالَ مُسْتَقْبَحًا … في الحرب أن يُقتل مُستسلم
وقوله في مخلص مليح (٣): [من الطويل]
وخيل تمت بي وليل كأَنَّه … ترادف وفد الهم أو زاخر اليم
شققت دجاه والنجومُ كَأَنَّها … قلائد نظمي أو مساعي أبي النَّجْمِ
وقوله (٤): [من الطويل]
عليكم سلام لم أقل ما يُريبُكُمْ … ولكنّه عتب تجيش بهِ النَّفْسُ
حَبَسْتُ القوافي قبل إغضابِ ربِّها … وما للقوافي بعد إغْضَابِها حَبْسُ
إذا العَرَبُ العَرْباءُ لم تَرْعَ ذَمَّةً … فغير ملوم بعدها الروم والفرس
وقوله (٥): [من الطويل]
خُذا من صبا نجد أمانًا لقلبه … فقدْ كادَ رياها يطير بلبهِ
وأيكما ذاك النسيم فإنّهُ … إذا هب كان الوَجْدُ أيسر خَطبه
خليلي لو أحببتُما لَعَلِمْتُما … محلَّ الهوى من مُغْرَمِ القلب صَبِّهِ
تذكّر والذكرى تشوقُ وذو الهوى … يتوق ومَنْ يَعْلَقُ بِهِ الحُبُّ يُصْبِهِ
стр. 5482
غرام على يأس الهوى ورجائِهِ … وشوقٌ على بُعدِ المَزَارِ وقُربِهِ
وفي الركب مطوي الضلوع على جوّى … متى يَدْعُهُ داعي السقام يُلبه
إذا خطرت من جانب الرّمل نفحةٌ … تضمّن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة والظَّبَى … وفي القلب من إعراضه مثلُ حَجْبِه
أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنَّةً … حذارًا عليه أن تكون لحبه
ويوم الرضا والصَّب يحملُ سُخْطَهُ … بقلب ضعيف عن تحمل عتبه
جلالي براق الثنايا شتيتَها … وحَلاني عن باردِ الوِرْدِ عَذْبِه
فيالسقامي منْ هَوَى مُتجنّب … بكي عاذلاه رحمةً لمحبه
ومن ساعة للبين غير حميدة … سمحت بطل الدمع فيها وسَكْبِهِ
وقوله (١): [من المتقارب]
ويوم أخذنا به فُرْصَةً … من العيش والعيش مُسْتَفْرص
ركضنا مع اللهو فيه الصبا … وأفراسُهُ مَرَحًَا تَقْمُصُ
إلى جنَّةٍ لا مَدَى عَرْضِها … يضيقُ ولا ظلّها يقلص
وشَرْبِ تعاطوا كؤوس المُدَامِ … فما كدروها ولا نصوا
سَدَدْنا بها طُرُقاتِ الهُمُوم … فعادت على عقبها تنكص
فلو هَمَّ هَم بنا لم نجد … طريقًا إلينا بها يخلص
لدى بكرةٍ حُرِّكَتْ راؤها … فليست تقل ولا تنقص
تغنّى لنا طربًا ماؤها … وقامت أنابيبها ترقص
يريك الجواهر تقبيبها … وهنَّ طوافٍ بها غُوص
ومستضحك ذهبي الشفاهِ … بما جزّعوا منه أو فصصوا
نيف يجرُّ بذوبِ اللُّجَينِ … على ذَهَبِ سبكه المُخْلَصُ
ترى الطير والوحش من جانبيـ … ـه يشكو البطين بها الأخمص
دوان روان فلا هذهِ … تُراع ولا هذهِ تُقْنَصُ
وفوارة ما يفي وصفها … جرير ولا رامه الأحوص
كأن لها مطلبًا في السماء … فهي على نيله تحرص
إذ ما وفي قدها بالسموّ … أخلفها عُنُق يوقَصُ
وتَوَّجَها الشَّرب نارنجةً … فَخِلْتُ المذبة تستخوص
стр. 5483
مشجرة الماء تحليَّهُ … كَجُمَّةٍ شَمْطَاءَ لا تُعقصُ
وروح أغاني قمريه … تهز اللبيب تسترقص
وروض جَلَا النَّورُ خشخاشه … تحارُ لهُ العين أو تشخص
فمِنْ أبيض يَقَقٍ لونُهُ … يروقك كافوره الأخلص
ومن أحمر شابَهُ زُرْقَةٌ … حكى الوجنات إذا تُقرص
وقوله (١): [من المتقارب]
وباتت ثناياه عانِيَّةَ الـ … مَراشفِ داريّة المنتشق
وبت أخالج شي به … أَزَوْرٌ طرا أم خيل طرق
أفكر في الهجر كيف انقضى … وأعجب للوصل كيف اتفق
فللحب ما عزَّ منّي وهانَ … وللحُسنِ ما جَلَّ منه ودَقَّ
وقوله (٢): [من الطويل]
أغالب بالشك اليقينَ صَبَابَةً … وأدفعُ في صدر الحقيقة بالوهم
فلما أبي إلا البكاء لي الأسى … بكيتُ فما أبقيتُ للرسمِ مِنْ رَسْمِ
وقوله (٣): [من الخفيف]
ومِنَ العَجْزِ أَنَّ شكري نَسِيءٌ … كلَّ وقت وأنَّ برَّكَ نَقْدُ
كرم لا أبيت إلا ولي منـ … ـه على ما اقترحت زاد معد
وقوله (٤): [من الكامل]
لو كنت شاهد عبرتي يوم النقا … لمنعت قلبك بعدها أن يَعْشَقَا
ولكنت أول نازع من خطّتي … يدَهُ ولو كنتَ المُحِبَّ المُشفِقا
وَعَذَرْتَ في أنْ لا أطيق تجلّدًا … وعجبت من أن لا أذوب تحرقا
كلني إلى عُنْفِ الصُّدودِ فربما … كان الصُّدُودُ مِنَ النوى لي أرفقا
قد سال حتى قد أسال سوادَهُ … طَرْفي فخالط دمعه المترقرقا
واستَبْقِ للأطلال فَضْلَةَ أدمع … أفنيتهنّ قطيعة وتفرقا
أو فاستمح لي من خليّ سلوة … إن كان ذو الإثراء يُسعفُ مُمْلِقا
стр. 5484
إنَّ الظباء غداة رامةَ لم تدع … إلا حَشًا قلقًا وقلبًا شيّقا
سَنَحَتْ وما منحت وكم من عارض … قد مر مجتازًا عليك وما سَقَى
ولكم نهيت الليث أغلب باسلًا … عن أن يرود الظبي أتلعَ أَرْشَقا
فإذا القضاء على المضاء مركَّبٌ … وإذا الشقاء موكل بأخي الشقا
ولقد سريت إذا السماء تخالُها … بُردًا براكدة النجوم مُشبرقا
والليل مثل السيل لولا لُجَّةٌ … تغشى الربي ما عم فيه وأعمقا
وقوله من أخرى (١): [من الطويل]
وما أنس لا أنسى الحِمَى وأهلةً … تُضِلّ ومِنْ حق الأهلة أن تهدي
وما إن خال الجهل فيه منَ النّهى … وحبُّ أعدُّ الغي فيه من الرُّشْدِ
غنين وما نوّلْنَ شيئًا سوى الجَوَى … وبنَّ وما زوّدن شيئًا سوى الوجد
عواطف يُغني عطفها كلَّ رائضِ … ضعائفُ يُوهي ضعفها قوة الجَلْدِ
وقوله يشبه الهلال وفوقه كوكبان (٢): [من الكامل]
لاح الهلالُ كما تعوّج مُرْهَفًا … والكوكبان فأعجبا بل أطرفا
متتابعين تتابع الكعبين في رُمْح … أقيم الصدر منه وتقفا
فكأنه وقد استقاها فوقهُ … كَفَّ تُخالف أكرتين تلقفا
وقوله (٣): [من الكامل]
لاح الهلال فما يكادُيُرى … سَقَمًا كصب شفه الخَبْلُ
كالفتر أم كالحجل قد فتحت … منه الكعاب لتدخل الرجل
والزهرة الزهراء تقدمه في الجو … وهو وراءها يتلو
كالقوس فُوِّقَ سهمها فبدا … مُتألقًا في رأسه النَّصْلُ
وقوله يصف النرد (٤): [من الرجز]
والنرد كالناورد في مجالها … أو كالمجوس ضَمَّها ما شوشها
كأنها دساكر للشرب أو … عساكر جائشةٌ جيوشها
وللفصوص جولة وصولةٌ … تحيّرُ الألباب أو تطيشها
قاتلها الله فلا بنوجُها … يرفع لي رأسًا ولا يشوشها
стр. 5485
أرسلها بيضًا إذا أرسلتها … كأنّها قد مُحيت نقوشها
كأنَّ نُكرًا أن أبيتَ ليلةً … مقمورها غيري أو مقموشها
كأنني أقرأ منها أسطرًا … من الزبورِ درِسَتْ رقوشها
تُطيعُ قومًا عمَّهم نَصُوحُها … وخصني من بينهم غَشُوشُها
يجيبهم متى دعوا أخرسها … وإن يقولوا يستمع أطروشها
مذبذبين دأبهم غيةٌ فما … تَسْلَمُ منهم عيشة أعيشها
كأن روحي بينهم أيكيّة … راحَتْ وكف أجْدَل تنوشها
وقوله (١): [من الكامل]
لم يَبْقَ عندي ما يباع بحبَّةٍ … وكفاكَ شاهد منظري عن مَخْبَري
إلا بقيّةُ ماء وجهِ صُنْتُها … عنْ أنْ تُباع وأين أين المشتري
وقوله (٢): [من المتقارب]
مرضتُ فَهَلْ منْ شِفاءٍ يُصاب … وهيهات والداءُ طَرْفٌ وَجِيدُ
ويا حبذا مرضي لو يكونُ … مُمَرِّضي اليوم فيمن يعود
أيا غُرْمَ ما أتلفت مقلتاه … وقد يحمل الثأر مَنْ لا يَقِيدُ
ومنهم:
[١٨٥] أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي (٣)
مؤلف [دمية القصر] كتابًا طرزه بأدبه، وطرفه بذهبه. وذكر له في أثنائه دُرَر كلم تنطق بثنائه.
стр. 5486
وكان في أوّل حاله فقيهًا صحب الجويني والد إمام الحرمين صحبة أثمرت أفانينها، وعمرت بالفوائد أحايينها، ثم شغل بالأدب، ورقم طرزه، ونظم دره لا خرزه.
ما نُسب بالباخرزي إلا إلى باخرز، ولا حسب له إلا الجوهر، وما هو من ذلك الطرز وباخرز ناحية من نواحي نيسابور أخرجت جماعة من الفضلاء، وما خرجت جماعة إلا بالغلاء. وصادف الهوى قبولًا من قابليته انطبع في مرآته، وانقطع كل سابق عن مجاراته، واحتاج كلَّ مَنْ يؤثر عنه من هذا الشأن إلى مداراته لحسن يحسن في إظهاره، وقبيح يُحمل في مواراته، توقعًا لما يقوله في الدمية، أو توقيًا وإتقاء منه إذ يَسِمُ هذا انحطاطًا وهذا ترقيًا، فكم خلص واحدًا من عاب، وأحل آخر علياء الشعاب، وكسى آخر فخرًا لا يبلى جديده ولا يقصر مديده، وترك آخر نجابه عرضه منجي الذباب، وخيف ضرره خيفة الوزغ لا الحباب.
وكان ذا ذهن حَدٌ لا يصدأ صقيله، ولا يهدأ في المباحث صليله، ولا يعرف شرار النار إلا أن يكون هو أو سليله، ولا طريق إلى الاختراع إلا في شعره وما هو سبيله، ولا رحيق المراشف إلا ما أداره لمى غزاله أو سلسبيله ببدائع ما الروض غاداه السحاب، وهداه السخاب، ومرَّ به النسيم مثل الجلباب معتل الهبوب في طفل الشباب، قد أخذت الأرض زينتها وجُبِلَتْ بكافور القطر الذائب في عنبر الأرض طينتها حتى تسلسل ماؤها وهو مطلق، وأطلق فيها النظر وهو موثق، وجاوبت قيانُ ورقها الصوادح، وتطايرت شرارات جلنارها في كف كل قادح، وبرزت شقائقها مجامر، وَبَدَتْ مخاضات أقاحها معابر، وتورّد وردها بالخجل حياءً من مقل النرجس، وطال لسان سوسانها عتابًا على المنثور حيث أُجلس، وتنمّر البنفسج في ورقه وازرق من حنقه، وبان على البان في قُضُبه، وعلى باقي الزهر ما فرَّ به إلى رؤوس كُتُبِهِ، إلى غير هذا من محاسن جُمعت، وميا من أودِعَتْ بأبدع من تلك البدائع، ولا بأبرع من ذلك الفضل الرائع.
وسنورد من بديعه ما يشف كتمانه على لسان مذيعه. منه قوله: [من الطويل]
وذي زَجَلٍ والى سهام رهامه … وولى فألقى قوسه في انهزامه
ألم تَرَ خدَّ الورد مُدْمّى لوقعِها … وَأَنصُلَها مخضوبة في كمامه
стр. 5487
وقوله: [من مخلع البسيط]
ومطرب صوته وفوه … قد جَمَعَا الطيّباتِ طُرًا
لو لم يكن صوته بديعًا … ماملا الله فاه درا
وقوله وقد أصابه مع محبوبه جَرَب: [من الطويل]
لنا جَرَبٌ بين البنانِ نحكُهُ … رضينا به والكاشحونَ غِضَابُ
وكنا كمثل الخمر والماءِ صُحْبَةٌ … عَلاها بطول الامتزاج حَبَابُ
وقوله (١): [من الطويل]
وإني لأشكو لَسْعَ أصداغك التي … عقاربها في وجنتيك تحوم
وأبكي لدر الثغر منك ولي أب … فكيفَ نُديم الضحك وهو يتيم
وقوله في شدة البرد (٢): [من الكامل]
لبس الشتاء من الجليدِ جُلُودا … فالبس فقد برد الزمان برودا
كم مؤمن قَرَصَتْه أظفار الشتا … فغدا لسكان الجحيم حَسودا
وترى طيور الماء في وُكُنَاتِها … تختار حرَّ النارِ والسُّفُودا
فالرِّيقُ في الأشداق أصبح جامدًا … والدّمعُ في الآماقِ صار برودا
وإذا رميت بِفَضْل كأسك في الهوا … عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العُودين لا تُهملهما … حَرِّقْ لنا عودًا وحَرِّك عودا
وقوله من أبيات (٣): [من البسيط]
يا فالق الصبح من لآلاءِ غُرّته … وجاعل الليل من أصداغه سكنا
بصورة الوثن استعبدتني وبها … فَتَنْتَني وقديمًا هِجْتَ لي شَجَنَا
لا غرو أن أحرقت نارُ الهَوَى كبدي … فالنارُ حَقٌّ على مَنْ يعبدُ الوَثَنَا
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
زكاةُ رؤوس الناس في عيدِ فِطْرهم … بقولِ رسول الله صاع من البر
ورأسكِ أغلى قيمة فتصدقي … بفيكِ علينا فهو صاع من الدر
ومنه قوله في معذّر يكتب خطًا مليحًا (٥): [من الكامل]
قالوا التحى ومحا الإله جماله … وكساه ثوب مذلَّةٍ ومُحَاقِ
стр. 5488
كتب الزمان على محاسن خده: … هذا جزاء مُعَذِّبِ العُشّاقِ
ومنه قوله (١): [من مخلع البسيط]
عجبتُ من دمعتي وعيني … مِنْ قبلِ بين وبعد بين
قد كان عيني بغير دمع … فصار دمعي بغير عين
وقوله (٢): [من البسيط]
وشاغل بالنوى قلبي ليجرحه … أمسى جريحًا بنزع الروح مشغولا
مشي برجليه عمدًا نحو مصرعه … ليقضي الله أمرًا كان مفعولا
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
إنِّي لأعجب من عقارب صُدْغِه … سلمت وملعبها خلال حريقه
وتظل ترقص فوق وَرْدَةِ خدّه … طَرَبًا إذا شُربتْ مُدامة ريقه
وقوله (٤): [من الوافر]
رَنَا ظبيًا، ذَكَا وَرْدًا تثنى … قضيبًا، ماجَ دِعْصًا لاح بدرا
يُسائِلُ: كيف حالك بعد عهدي … فديتُكَ ما السؤال وأنت أدرى
ومنه قوله (٥): [من الوافر]
عزاؤك أن حُبِسْتَ وليس عَيْبًا … فتلك الراح تُحبس في الدنان
وهذا الوَرْدُ قد يزداد طيبًا … إذا حَبَسَتْه أطراف البنان
وصبرك إن ضُربت فليس عارًا … كذلك يُضرب السيف اليماني
ومنه قوله (٦): [من الطويل]
يروقك بشرًا وهو جذلان مثلما … تخاف شباه وهو غضبانُ مُحْنَقُ
كذا السيف في أطرافه الموتُ كامنٌ … وفي متنه ضوء يروق ورونق
[ومنه قوله] (٧): [من الكامل]
قالت وقد ساءلت عنها كلّ مَنْ … لاقيته من حاضر أو بادي:
стр. 5489
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه … ترني فقلت لها: وأين فؤادي؟
ومنه قوله: [من المتقارب]
أطلت الحنين وزدت الأنين … وأصبحت من سوء حالي بحال
كذاك القسي تُطيلُ الأنين … إذا كلَّفوها فراق النبال
وقوله في مليحة مات أبوها فأفرط بها الجزع عليه: [من الطويل]
ودرّةُ حُسْنٍ أَنْفَدَتْ حُسْنَ صبرها … وفاة أبيها فهي تبكي وتجزع
فقلتُ: أصبري فاليتم زادك قيمة … أليس يتيم الدر أبهى وأبدع
وقوله في ذم الشراب: [من البسيط]
لا تسقنيه فإنّي أيها الساقي … أخافُ يومَ التفاف الساق بالساق
هذا الشراب تهيج الشر نشوتُه … فميّز الشرّ عنه واسقني الباقي
وقوله في عيادة (١): [من الخفيف]
لا يَرُوْعَنَّهُ الذبولُ فَقِدْمًا … قد حَمِدْنا مِنَ القناةِ الذُّبُولا
ونسيم الرياض لا يكتسي … الصحة إلا بأن يهب عليلا
ومنه قوله (٢): [من الكامل]
لا تُنكري يا عز إن ذل الفتى … ذو الأصل واستغنى لئيمُ المَحْتِدِ
إنَّ البزاة رؤوسهن عواطل … والتاج معقود برأس الهدهد
وله نثر يروع حالية العذارى، وتغور منه الدراري غيارى، ويريك السامعين من الطرب سكارى، وما هم بسكارى ولكنها نشوة استحسان، ونشأة رَوْح وريحان.
ومنه قوله في خطبة الدمية، وقد حمد الله وأثنى عليه، وانتهى إلى ذكر النبي ﷺ فقال حيث ساق الصلاة والتسليم إليه (٣):
صلاة تكبو بالإضافة في حلبات نسيمها دُخَنُ الكِباء، وتسرّر باستعارة نفحات شميمها سرر الظباء، وما نفجت السُّحب بذنابها، ولألأت الفُورُ بأذنابها.
وأقول: إني لم أزل قلق التشوق إلى التفكه بثمار الأدب الغض، صادق الرغبة في أخذ الحَظِّ من راحه بالعب ومن تُفاح بالعض، وارتفع عن مثاقفة المعلمين أمري، وكبر عن تقلّد طوقهم عمري، ثاقب العزيمة كما يَلسُنُ في الظلام شُوا النار، نافذ الصريمة،
стр. 5490
كما طَنَّ في العِظام ذُبَابُ البَتّارِ، مُغرمًا بمطالعةِ الكُتب، أُلزِمُها العين شطرًا فشطرًا، وأكاد أقشِرُها بمحَكَ النَّظَرِ سطرًا فسطرًا، وبلغني أنَّ بعضًا من جُناةِ ثَمَرتي ورماة مَدَرَتِي، يَزْعُمُ أنَّ عَليًّا قد أنجب به إزمانُ والدَيْهِ، وليس كذا ولا ردًّا عليه، ولكن ربما أخلف وميض المُزْنِ الراعِدِ، وكذبَ صَلِفٌ تحتَ الغَيم الراعِدِ، وما عِندي من هذه الصناعة إلا تكثير سوادها، وإن كُنْتُ فُسْكل آمادِها، ولما أضرَّ بي طول الجمام، وقَرِمتُ إلى علكِ شكيمة اللجام، خلعتُ عِذاري على الاسْتِنانِ، ورقصتُ مَرَحًا في سير العنان، وعَهْدُ الصبا مُخيّم ما انتقَلَ، والوجه بالنبتِ موشّمٌ هَمَّ وما بقلَ، والخطان المتوردان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضّدّانِ المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا.
ومنه:
وسرتُ والمُشيعون يدرون على الهواء فُتات الأكباد، والمودّعون يزرّون لعناق التوديع أعضادهم على الأجياد.
ومنه:
فلم يحفل بحمارة قيظ حَوها محموم، ورشحها يحموم، يتوسَّدُ وَحشُها ظِلَ الأرطاةِ، وتَسجرُ رمضاؤها وطيس الأفحوص على القطاة، واعتنق على التهاب الصّرامِ أمرها، والتقط التقاط النعامِ جَمرَها، وكفى بالعلم مَفْخرًا، يقدعُ به أنوف المفاخرينَ، وبالثناء الجميل مدخرًا، وهو لسان الصدق في الآخرين.
ومنه:
وقد وليتُ وجهي شطر الفضلاء والوجاءِ، وبسطتُ حِجْري لالتقاط دُرَرِ الشَّفاءِ، وتركتُ اليراع، التي هي أنبوب من رمح البراعة، يطول انضمامها إلى أناملي سادسةً لخامسها. والمداد الذي هو مُستسقى أَرشية الأقلام مَنْهلًا مُنْهلًا لخوامسها. لا جرم أحمدتُ سُراي عند الصباح، ونادى بي داعي الخَيرِ: حَيَّ على الفلاح، وهَيَّأَ الله لي من أمري رُشْدًا، وثَمَّر لي من طُولِ مُعاناة المخْضِ زُبدًا، وتحقَّقَ لي كل ظن بما تَجمَّعَ لي من كلّ فَن، فكأنَّ الأرضَ ذُلِّلَتْ لي على امتناع جوانبها، فمشيتُ في مناكبها، وزُوِيتْ لي الفضلاء من مشارِقِها ومغاربها، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم، قبلي من اللواقح السَّواحِبِ، ذُيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي من السوافح النوافخ في صُورِ رَعدِها على الرَّوضَةِ الهائجة إنشارًا لنباتها. فلله سلّم فيه ارتقيتُ، وأعيان بهم التقيتُ، ونُجوم بأيهم اقتديت اهتديت، وإنْ لم يَتَيَسَّرِ الوصول إليها والفراغ منها، إلا وقد وَخَط القَتيرُ، وطلع النذير، وانضم الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشَّعرِ، فَخَلَّى الفَوْدَ مُشتعِلًا والفؤادَ مُشتغلًا، وأضاف
стр. 5491
الدود إلى الذود فصارت إبلًا.
ومنه في تقريظه لبعض مَنْ لقيه:
عهدته بها وبنانه ضُرَّة المزن في السخاء، ولسانه خليفة السيف في المضاء.
فهؤلاء سادات من عظام الصدرو، وصارت صدروهم عظامًا، وكبار من هامات الرؤوس، أطارت رؤوسهم هاما: [من الطويل]
رُبى حولها أمثالها إن أتيتَها … قَرَيْنَكَ أشجانًا وهُنَّ سكون
وقد بعثرتُ من دفائنهم ما تَعْظُم أخطاره عند أولي المروءة، وملكت من خزائنهم ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القُوَّة ثم نقفُ منهم على أطلال الماضينَ نَتَرسَّمُها، ولا نكاد نعينها إلا أوارِي لأيًا ما أُبينها، فنُباكي حَمامَ الأَيكِ شَجوًا، ونصوغ على وزان أسجاعها شدوًا.
ومنه:
وما أشبه ذلك الفاضل إلا بخصب ورثناه في رحالنا من أمدادِ سيولٍ غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها، أو بعنبر دَسَره إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت فتلهفنا على فوات فيضها، فأصبح كلّ منهم ممتلئ الصرة على فراغ الجنان مثني الحقيبة على سكوت اللسان، فهي الرتبة العالية قربت درجتها للمُرتَقين، والجنة العاجلة أُزْلفتْ طَيِّبَاتُها للمتقين.
ومنه:
وهذا حين أسوقُ صدر الكتاب إلى العجز، كما يُساق الماء إلى الأرضِ الجُرُز. وكنت على ألا أوارد الثعالبي في يَتِيمَتِهِ، ولا أزاحمه في كريمته، إلا ما تجذبني شُجونُ الأحاديث إليه، فأفرغ كلامي عليهِ. ممن رأيته فكان لقاؤه لعيني كحلًا، أو سمعتُ به فكانت أخباره لِسَمْعي نُحلًا، ولولا تكرار الكؤوس، لما استقرت الأطرابُ في النفوس، ولا استَقلَّتْ صُبابَ الخُمارِ عن الرؤوس، والحياة على حُسنِ مَساقِها وطيب مذاقها ما جاوزت النَّفَسَ إلا ودّت مَعادَهُ، وحُبّها لِكُلِّ من الحيوانات عادة. حتى أنَّها تُمل إذا كُرَّرتْ عليها، ولا تُكْرَهُ إِذا رُدَّتْ إليها، فإِنَّ فِي الزَّوايا منهم بقايا، قد أُرخي لَهُمْ إلى عصرنا هذا طول البقاء، وبقي مِمَّا أَسْأَرَتْهُ شِفاهُ الفَناء صُبابة في قعر الإناء، وأنا إذا كسرت على ذكر شعراء العصرِ جريدةً فريدةً، ثم انْتَهيتُ إلى مكانهم منها، فأسقَطْتُ شُدُورَهُم مِنَ النِّظام، وطفرتُ إلى مَنْ وَراءَهم طفرة النظام، لمن آمن أنْ يُقال: هذا رجلٌ ضَيقُ العَطن، قصير الشَّطَنِ، قليلُ الثَّباتِ، نَزِقُ الوَثَباتِ، يَتَخَطّى رقاب الأحياء إلى رُفاتِ الأموات والوجه يملكُهُ الحَياءُ، وما يستوي الأموات والأحياء.
стр. 5492
ومنه:
وألا استعير من تلك الحقائق حليا، ولا أن أرعى من تلك الرياض خليا، وأقتصر من ذلك الأديم على مقدود من السير، وأسلو بغثي عن سمين الغير، فالضرغام على اقتضاض مضجعه من الرغام لا يفترش غير إهابه عند المام، وسينقل إليك من فرائد أشعارهم من جود نقلها أو لم يجود، ويأتيك بنوادر أخبارهم من زودته أو لم تزود. وما كل من نشر أجنحته بلغ الإحاطة، ولا كل من نثر كنانته قرطس الحماطة.
وقال بعد الفراغ من الخطبة:
لما كان كتابي هذا بين رعايا الكتب أميرا، أمطيته من عروش الإمارة سريرا، وجعلت رأسه بسماء الفخر مظللا، وبتاج العز مكللا.
ثم أخذ يذكر الخليفة القائم بأمر الله، وساق شعرا له في مدحه.
منه قوله (١): [من البسيط]
أليس من عجب أني ضحى ارتحلوا … أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا
وأن أجفان عيني أمطرت ورقا … وأن ساحة خدي أنبتت ذهبا
أأن توقد برق من جوانبهم … توقد الشوق في جنبي والتهبا؟
كأن ما انعق عنه من معصفرة … قميص يوسف غشوه دما كذبا
منها:
ومهمه يتراءى آله لججا … يستغرق الوخد والتقريب والخببا
تصاحب الريح فيه الغيم لم ينيا … أن يشركا في كلا حظيهما عقبا
فالريح ترضع در الغيم إن عطشت … والغيم يركب ظهر الريح إن لعبا
أنكحته ذات خلخال مقرطة … والركب كانوا شهودا والصدى خطبا
ومنهم:
[١٨٦] الوزير شرف الدين، أبو الحسن، علي بن الحسن بن علي البيهقي (٢)
وزير لا تقتحم لججه، ولا تخصم حججه، بلسان طلق، وسنان ذلق، وبيان
стр. 5493
ترجم ما في صدور الخلق، وإحسان لو تطلبت مثله لم تلق. تقلبت به الأحوال تقلب الأيام والليال، وتصرفت به الدهور تصرُّف السنين والشهور، ولم يكسه طول المدة إلا جدة، ولم يكسبه تصريف الزمان إلا تشريف المكان، وما زال في قطر المشرق أُفُقه المشرق الطالع، ومفرقه الذي يحتقر له التيجان ولو رُصعت بالنجوم الطوال.
شرفت به بلاد العجم شرفًا ما له براح، وعرفت له مهابة لو أذم بها الليل لما هجم عليه الصباح، وكان صدر خراسان، وملء صدر كلّ إنسان، بدرًا لا يدركه السرار، وعودًا لا ينهكه السفار. طودُ نُهى، وجُود لهى، وكان في دولة آل سلجوق لمعاقد الوزارة مرشّحًا، ولقلائد السفارة موشحًا، ودفعه تصريف الدهر في صدره دفعة أقعدته على عجزه، وردته ردَّةً عاد بها إلى أوّل مركزه لولا كرم رجل انتاشه، وأضفى كذنَب الطاووس رياشه، وصحبه حتى قدمت الجنائز تهزّ نعوشها، وتصرمت بقايا ليال كان يعيشها.
وقد ذكره العماد الكاتب في الخريدة (١)، وآثره بالصفات الحميدة.
ومن أشعاره التي تدبّ كالخمر في المفاصل، وتهبّ كنار المضاء في بريق
المناصل. قوله: [من السريع]
كأَنَّما بغداد في جانبي … بنيتها حِبُّ له عاشق
والحسن ما بينهما فاقد … والنهرُ من غَيْرَتِهِ خافق
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
تُشير بأطرافٍ لِطَافٍ كأَنَّها … أنابيب مسكِ أو أساريعُ مَنْدل
وتومي بلحظ فاترِ الطَّرفِ فاتن … بمرودِ سحر بابلي مكحلِ
ينمّ على ما بيننا من تجاذُب … نسيمُ الصَّبا جاءت بريا القرنفل
стр. 5494
وقوله (١): [من السريع]
يا خالق العرشِ حملت الورى … لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طَغَى ماؤُهُ … في الصُّلب فاحمله على جاريه
[١٨٧] سعد بن علي الحظيري الكتبي (٢)
محظور على غيرة البلاغة، محذور البيان فلا يؤمل بلاغه، قرأ واطلع وامتلأ واضطلع حتى ألف وجمع، وصنف ما أضاءت له هذه اللُّمَع، وله من سرّ الصناعة ما يحق له به أن لا يبوح، لا بل هو المسك أقل رتبة أن يفوح، والبدر لو جهد الغمام في إخفائه لا بد أن يلوح، والسجع المطرب فلا غرو للحمام لقصوره عنه أن ينوح.
وله تأليفات أبدعها، وأودعها فوائد نوعها، وفرائد في عقود الآداب رضعها، منها زينة الدهر، نحى بها منحى اليتيمة، ومنها لمح الملح، ويشتمل على بديع أجاد تقسيمه لمن أراد تعليمه.
ومما نذكره من جنيه الملتقط، وشهيه الذي لا يلام مَنْ ترك المدام، واقتصر عليه فقط.
стр. 5495
هذا كتاب قد غدا روضةً … ونزهة للقلب والعين
جعلتُ منْ شِعري له عَوْذَةً … خوفًا وإشفاقًا من العين
ومنه قوله: [من البسيط]
شابت ذوائب صبري يا معذبتي … في ليلتي وعذار الليل لم يَشبِ
ودون صبحي ستر من زمردةٍ … مستر بمسامير من الذهب
وقوله: [من الطويل]
شكوتُ إلى مَنْ شفّ قلبي ببعده … توقد نار ليس يُطفا سعيرها
فقال: بعادي عنك أقرب راحةً … فلولا ارتفاع الشمس أحرق نورها
وقوله: [من مخلع البسيط]
قد حجبتْ شَمْسَ وجنتيه … سحاب شعر من العذار
فاعتضتُ من حرِّها ببَرْدٍ … وقر في حبه قراري
وقوله: [من السريع]
مد على ماء الشباب الذي … بخدِّهِ جِسْرًا مِنَ الشَّعْرِ
صار طريقًا لي إلى هجره … وكنتُ فيه مُوْثَقَ الأَسْرِ
وقوله: [من الخفيف]
أحْدَقَتْ ظلمةُ العِذار بخدّبي … ـهِ فهاجَتْ في حبه زفراتي
قلت: ماء الحياة في فمِهِ الاّ … نَ فدعني أخوض في الظُّلُماتِ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
إن لم ينم لك وهو أمْ … ردُ، نام وهو معذّرُ
والنوم يعسر في النها … رِ وفي الدجى يتيسر
وقلت في معناه: [من الكامل]
قد كان أمرد فالتحى وبَدَتْ على … كافور وجنته سحائب عنبر
وتسهلت للعاشقينَ حِبالُه … من بعدِ طول تمنع وتعشر
فكأنَّه نَوْمٌ تيسر في الدجى … لما تعذر في الصباح المُسْفِرِ
وقوله: [من الخفيف]
كنت فيما مضى أحبّ فُلانًا … وثناني عنه سواد العذار
نار وجدي توقدت فوق خديـ … ـه وهذا رماد تلك النار
وقوله (١): [من مخلع البسيط]
стр. 5496
وذات طرف قد طرفته … تسبقُ في الوهم كل نعتِ
كأنه في البياض علمي … قد اختبا في سوادِ بَخْتِي
وقوله (١): [من الكامل]
قالوا: به عَرَجٌ فقلتُ: ضللتم … حاشاه أن تسطو العيون عليه
ما ذاكَ مِنْ عَرَج به لكنّما … قدماه لم تنهض برادفتيه
وقوله: [من السريع]
كأنّني الحَمَّامُ من زَفْرَتي … وأدمعي الهامية الجارية
الماء يجري من أنابيبه … والنار في أحشائه وارية
وقوله: [من السريع]
(نصر) علينا زاد في تيهِهِ … وهَجْوُنا ينقص من مجده
والظُّفْرُ إن أسرف في طُوْلِهِ … يُرَدّ بالقص إلى حَدِّهِ
وقوله (٢): [من المنسرح]
وأشقر الشعر من لطافتِهِ … يجرحُ لحظ العيون خديه
فإن بدا مَنْ يشك فيه فلي … شاهد عدلٍ من لون صُدْغَيهِ
وقوله (٣): [من المنسرح]
وأشقر الشعرِ بِتُ من كَلَفي … به على النار من محبته
كأنَّ صُدغيه في احمرارهما … قد صُبغا مِنْ مُدَامٍ وَجْنَتِهِ
ومنه قوله (٤): [من البسيط]
ما أَشْقَرٌ شَعْرُ حبيبي إنَّ وجنته … سقته من خمرها يومًا وقد خجلا
وإنما لفحت خديه من كبدي … نار ودبّت إلى صدغيه فاشتعلا
وقوله: [من المنسرح]
تحت فم الحب شامةٌ كملتْ … حُسْنًا وحاز الجمال مبسمه
كأنها قد غَدَتْ تراصد أن … يغفل عنه الواشي فتلثمه
ومنه قوله (٥): [من الخفيف]
قل لمن عاب شامةً لحبيبي … دونَ فيهِ: دع الملامة فيه
стр. 5497
إنما الشامة التي قلت عيبُ … فَصُّ فيروزح لخاتم فيه
وقوله: [من مخلع البسيط]
أقول والليل في امتداد … وأدمع الغيث في انفساح
أظنّ ليلي بغيرِ شَكٍّ … قدباتَ يبكي على الصباح
ومنه قوله: [من الكامل]
وخريدة قبلتها وجبينُها … فَلَقُ الصباح وشعرها جُنحُ الدُّجى
وقرصتُ خديها لأَجْنِيَ وَرْدَها … فكأنّما أَنْبَت فيه بنفسجا
وقوله: [من السريع]
قد وضع الكف على كشحِهِ … وسمعُهُ مُصغ إلى المُنشِدِ
خاف من الردف على خَصْرِه … فقدْ غَدًا يُمسِكُهُ باليد
ومنه قوله: [من الكامل]
قد كان يجمعُ صُحْبَةً وقرابةٌ … فتفرقوا عنه لكثرة مالِهِ
مثل لهلال ترى الكواكب حوله … فإذا استتم تناقصوا لكماله
وقوله (١): [من الكامل]
لم يحبس المولى الكريم نوالَه … بُخْلًا علي ولم يكن بالساخط
أنشدتُ في علياهُ شِعْرًا باردًا … والبرد يقبض كل كف باسط
وقوله (٢): [من الطويل]
بدا الشيب في فَوْدِي فَأَقصَرَ باطلي … وأيقنت قطعًا بالمصير إلى قَبْرِي
أتطمع في تسويد صحفي يد الهوى … وقد بيضت كفّ النُّهَى حُسْبةَ العمر
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
ومستحسن أصبحت أهذي بذكره … وأمسيتُ في شغل من الوجد شاغل
وعارضني من سحر عينيهِ جِنَّةٌ … وقَيّدني من حبه بسلاسل
وقوله: [من المتقارب]
لئن قيل: أبدع تشبيهه … ولم يكس معناه لفظًا سليما
فمن عنب الكرم تُجنى السُّلافُ … وإن لم يكن غصنُهُ مستقيما
стр. 5498
ومنه قوله لغز في القلم: [من الوافر]
وممشوق القوام إذا تثنّى … رأيتَ الحُسن في ذاك التثني
تراهُ يَطا بطونَ البَيْضِ طَوْرًا … وطَوْرًا فوق أظْهُرِهِنَّ يمني
يواصل في الشباب فحين يبدو … مشيب الرأس يعروه التجنّي
ومنه قوله: [من البسيط]
لما حنى الشيب ظهري صِحْتُ واحَزَنا … دنا أوان فراق الروح للجد
أما ترى القوس أُحْنى ظهرُها فَدَنَا … ترتُّلُ السهم عنها وهي في الكبد
ومنه قوله لغز في الناعورة: [من المتقارب]
وصامتة تتغنّى لنا … وأدمُعُها بينَ سَفْحٍ وَسَفْكِ
تراها كذا أبدًا ودهرًا … تدور على غير شيء وتبكي
وقوله: [من الهزج]
إذا المعنى عدا الشعرَ … فتعليقي لهُ جَهْلُ
ولولا الدُّر في البح … ر لما رِلما كان له فضل
ومنهم:
[١٨٨] القاضي، ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد الأرجاني (١)
قرأ الفقه حتى ثبت ورسخ، والأدب حتى نَبَت غصنُه وما فسخ، وكتب حتى ظنّ
стр. 5499
خَطَّ العذار البديع أنه مما نسخ. وحصل جوائز الثناء من بعض ما به رَضَخ، وصاد المعاني وما امتدَّ له من النجوم شِباك ولا نُصِب له من الهلال فخّ. إمام في الغوص لا يُبلغ مبلغه، وغمام لا شيء يفرغه، ومورد فَضْل لك وارد يسوغه، ومقصد أمل أقل رتبة أنّه يبلغه. تفقه أول زمانه ثمّ تأدب، وتنبه به خصبُ التحصيل وما كان أجدب، وولي قضاء تستر، وعسكر مكرم، ووجد الكرامة من كل مكرم، وهو ممن أثنى عليه ابن سعيد ثناءً صريحًا، بل جعل له غناء لا يدع إلا مَنْ هو من فواضل غناه مستميحًا، [ … (١)] له حُلل هذا التقريظ الأريض، وحلي ذهب هذا الوميض، إذ كان لا يُلز بقرين في القريض، ولا يستفزّ بقريب ولا بعيد معه يفيض، من كل قصيدة تسكن الأوجَ والنجوم الحضيض، ومعنى أَسْحَرُ من الجفن الصحيح المريض، وأبعد في التصور من اجتماع النقيض والنقيض، بخاطر إناؤه بالذكاء يفيض، وقلب قراره للأذن مغيض، وذهن تطاير شرارًا، وفنّ تناثر كواكب لا تعدم الهلال سرارًا، وعني بجمع ديوان شعره العماد الأصفهاني الكاتب، وعلا به أشرف المراتب، ولأهل بلاد العجم فيه رغبة الضنين، وطربة الحنين، على أنه ليست من تراب العجم طينته، ولا إلى أتراب فارس سكينته، وإنَّما سكن بلاد فارس سَلَفُه فغلب على نسبه العربي نسبته العجمية حتى غطى على نهاره سُدَفُه.
قال العماد الكاتب في حقه في الخريدة (٢): « … . وهو وإن كان في العجم مولده فمن العرب مَحْتِدُه، سَلَفَه الكريم من الأنصار، لم يسمح بنظيره في سالف الأعصار أوسي الأس خزرجيه قسّيُّ النّطق إياديّه فارسي القلم، وفارس ميدانه، وسلمان برهانه من أبناء فارس نالوا العلم المتعلّق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا». انتهى كلام العماد.
ومختاره الذي لا يثلم له غرار، ولا يهدم له منار قوله (٣): [من الكامل]
علق القضيب مع الكَثِيبِ بقده … متجاذبين لحسنه وبهائه
حتى إذا خافا النزاع تراضيا … للفصل بينهما بعقد قبائِهِ
стр. 5500
ذو غُرَّةٍ كالنجم يلمعُ نُورُهُ … في ظلمة أخفته من رقبائه
أترعت في حجري غديرًا للبكا … فَعَسى يلوح خيالها في مائِهِ
بيضاء لما آيست من وصلِها … وَبَدَتْ بُدو البدر وسط سمائه
ومنه قوله (١): [من الخفيف]
وَعَدَتْ باستراقة للقاء … وبإهداءِ زَوْرَةٍ في خَفَاءِ
ثم غارتْ مِنْ أَنْ يَماشِيَهَا الـ … ـظُلُّ فزارت في ليلة ظلماء
ثم خافت لما رأت أنجم اللي … ل شبيهات أعين الرُّقَبَاءِ
فاستنابت طيفًا يُلم ومَنْ يمـ … لك عينًا تهم بالإغفاء
هكذا نيلها إذا نوَّلتنا … وعناء تسمح البخلاء
لَسْتُ أنسى يوم الرحيل وقد غَرْ … رَدَ حادي الركاب للإفضاء
فتباكت ودمعها كسقيط … الطَّلِّ في الجلنارة الحمراء
وَأَرَتْ أَنَّها مِنَ الوَجْدِ مثلي … ولها للفراق مثل بكائي
فترى الدمعتين في حمرة اللو … ن سواءً وما هما بسواءِ
وقوله (٢): [من الكامل]
يا دمية من دون رَفْعِ سُجُوفِها … خوضُ الفتى بالخيل بحر دماء
دمعي وبخلك يسلكان طريقةً … تُغني عن الواشين والرقباء
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
يا ماءُ ها أنا من فنائِكَ راحل … فلقد أطلتُ ولم يَنَلْكَ رِشَائي
بَخِلَ الغمام عليك بخلَكَ ظالمًا … وجَفَا ذراك كما أَطَلْتَ جفائي
وإذا تَفَروزِ المياه بخضرة … فبقيت غير مُدَبِّج الأرجاء
وإذا الربيع كسا البلادَ بُرُودَهُ … فتجاوزتك فسائح الأنواء
وقوله (٤): [من الطويل]
وإني لأستشفي بسقْمِ جُفُونِها … وهل عند سقم مَطْلَبُ الشفاء
ولما تلاقينا وللعين عادةٌ … تُثيرُ وشاةً عند كل لقاء