← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ومدينة خيما خيث (١)؛ مدينتان على نهر يسمّى شوران (٢)، فالجنوبية منها كثيرة الزراعات والأشجار، ويجلب إليهم خشب كثير من جبال نجرغ ثم يخرج منها إلى كثير من البلاد، وهي عامرة يدبغ بها جلود النمور، وأما الشمالية فهي على وادي سوران (٣). ومدينة حيثان (٤) وهي مدينة كبيرة على جداولها أرحاء ودواليب. ومدينة أرصاه (٥): على ضفة نهر وهي مدينة واسعة الأرجاء، كثيرة المياه والأنهار والكروم والمزارع، وتقارب جبلًا (٦) عاليًا لا يفارقه ثلج أبد الدهر لا في شتاء ولا في صيف، وفي حضيض هذا الجبل مدينة نجرغ (٧)، وهي مدينة فيها خلق كثير. وعالم عظيم، وبها أجناد ورجال أولو نجدة وبأس، وخلف هذا الجبل من الترك الغزية طائفة تسمى خنغاكث (٨) رحالة، ربما طرقوا بلاد سمريقي وغاروا عليها، ثم عادوا إلى بلادهم، وجبلهم (٩) هذا حاجز بينهم وبين بلاد برغار (١٠)، وينحدر منه نهر يجري في جهة الشمال ويبحر بها، وبه أحجار كبار ملس، لا يقدر أحد يجوزه لأجلها، وإنما يجاز فيما عمق منه في مراكب، ومن العجائب ما ذكره الشريف (١١): أنه شديد البرد، وإذا عُجِن به العجين أغناه عن الخمير وفي مشارق الأرض المنتنة المشار إليها بلاد سيسبان (١٢) الخراب التباب الدائرة، وطولها سبعة وعشرون يومًا إلى السد، كانت طوائف يأجوج ومأجوج تشُنُّ عليها الغارات فتزلزل أطرافها وتقلقل أكنافها، فتدهك الديار، وتنهك العمارة والعمار، ويحتمل أن يكون منهم من قال للإسكندر: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض حتى بنى السد، فاستمرت خرابًا دائرًا، لا يتدبر معظمها متدبر، ولا يسكنها ساكن، قال الشريف في كتاب أجار (١٣): وأرض سيسبان هي البلاد الخراب التي أتت عليها وأفسدتها يأجوج ومأجوج وهي بلاد وحشة متباعدة الأقطار،

стр. 597

بعيدة الأسفار، قليلًا ما يدخل التجار المتجولون، لوحشة أرضها وكثرة وبائها وتوالي الأمطار فيها، وإنما يتصرف فيها أهلها، وفيها ثلاثة مدن منها اثنتان شمال الأرض المنتنة، وهما مدينة سقمافية (١)، ومدينة طغورا، والأولى على رأس جبل طغورا، وهو جبل منيع ومعقل رفيع ولأهلها في حضيض الجبل مزارع ومرافق، والثانية: مدينة طغورا (٢)، وهي أصغر من أختها ولها عمارة وافية وأحوال كافية، والمدينة الثالثة مدينة رقوان (٣)، وهي في وسط البلاد الخراب، وليس لأهلها اتساع أسباب وهي أرض لا حاجة للسالك فيها فلهذا لا يقتحم مشقة الدخول إليها، وقطعة من أرض خفشاخ (٤). وأرض التركش وسدّ ياجوج، فأما بلاد التركش فهي تتاخم الروم، وهي بلاد كثيرة الثلوج، وبها الأمطار وكذلك أرض خفشاخ، وأما ردم يأجوج ومأجوج فشيء قد نطقت به الكتب وتوالت الأخبار عنه. ومن ذلك ما حكاه سلام الترجمان، أخبر بذلك عبد الله بن خرداذبة في كتابه (٥). وكذلك أخبر به أيضًا أبو نصر الجيهاني (٦). قالا: إن الواثق (٧) لما رأى في المنام كأن السدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج مفتوح (٨) أحضر سالمًا (٩) الترجمان وقال له اذهب وانظر إلى هذا السد وجئني بخبره وحالِهِ، وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يسيرون معه عددهم خمسون رجلًا، ووصله عند ذلك بخمسة آلاف دينار، وأعطاه ديته عشرة آلاف درهم، وأمر أيضًا أن يُعطى لكل واحد من أصحابه خمسون ألف درهم، ورزق سنة، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد قال سلام الترجمان: فشخصنا من سرّ من رأى بكتاب الواثق

стр. 598

إلى إسحاق بن إسماعيل (١) صاحب أرمينية بالنظر في تنفيذنا من هناك، فوجدناه بتفليس، فلما اجتمعنا به كتب لنا كتابًا إلى ملك السرير، وأنفذنا إليه فلما وردنا عليه، أشخصنا إلى ملك اللآن، وأصبحنا إليه مكاتبةً، فلما وصلنا إليه أشخصنا أيضًا إلى صاحب فيلان شاه (٢)، فلما وردنا عليه، قمنا عنده أيامًا، فاختار لنا خمسة أدلاء يدلون على الطريق التي نحن سائرون (٣) … إليها، فسرنا من عنده سبعًا وعشرين يومًا في تخوم بلاد بسجرت إلى أن وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدة كريهة الرائحة، فشققناها في عشرة أيام، وكنا قد تزوّدنا لقطعها بأشياء نشتمها خوفًا من أذى روائحها الكريهة، ثم انفصلنا عنها فسرنا مدة شهر في بلاد خراب قد دَرَسَتْ أبنيتها، ولم يبق بها إلا رسوم يُستدلّ بها عليها. فسألنا مَنْ معنا عن تلك المدن، فأخبرونا أنها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخربونها، ثم سرنا إلى حصون بالغرب من الجبل الذي في شعبة السد وذلك في ستة أيام، وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، وهناك مدينة يُدعى ملكها خاقان أذكش، وأهلها مسلمون لهم مساجد ومكاتب فسألونا من أين أقبلنا فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين الواثق، فعجبوا منا ومن قولنا أمير المؤمنين، ثم سألونا عن أمير المؤمنين أشيخ هو أم شاب، فقلنا شاب فعجبوا أيضًا، ثم قالوا: وأين يكون؟ فقلنا: هو بالعراق في مدينة تسمى سُرَّ من رأى، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما سمعنا بهذا قط، فسألناهم عن إسلامهم، ومن أين وصلهم ومن علمه لهم، فقالوا: إنه وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة اليدين والرجلين لها في موضع صلبها حَدَبة، فعلمنا أنهم يصفون الجمل. قالوا: فنزل بنا وكلمنا بكلام فهمناه ثم علّمنا شرائع الإسلام وتوابعها فقبلناها، وعلمنا أيضًا القرآن ومعانيه، فتعلمناه وحفظناه. قال سلام: ثم خرجنا بعد هذا إلى السد لنبصره فسرنا عن المدينة نحو فرسخين. فوصلنا السد، فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعًا وله وسط هذا القباء باب من حديد طوله خمسون ذراعًا قد اكتنفه عضادتان عرض كل عضادة منها خمسة وعشرون ذراعًا والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وكله مبني بلبن الحديد مُغيّب في النحاس، وارتفاع العضادتين خمسون ذراعًا، وعلى أعلى

стр. 599

العضادتين دروند حديد طوله مائة وعشرون ذراعًا والدروند العتبة العليا، وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع، وفوق الدروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب في النحاس إلى رأس الجبل وارتفاعه مدى البصر، وفوق ذلك شرافات (١) حديد في طرف كل شرافة قرنان مثنيا الأطراف بعضها إلى بعض، وللباب مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خمسون ذراعًا في ثخن خمسة أذرع، وقائمتاهما في دوازَةٍ على قدر الدروند وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعًا وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة دندانجة (٢). كل دندانجة منها كأغلظ ما يكون من دساتج الهواوين، مُعلّق كل واحد منها في سلسلة على قدر حلقة المنجنيق، وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذراع، سوى ما تحت العضادتين، والظاهر منها خمسة أذرع وكلها مكتالة بالذراع السوادي (٣)، ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس، مع كل فارس إرزبة حديد في كل إرزبة خمسة أمناء فيضرب القفل بتلك الإرزيات، في كل يوم ثلاث مراتٍ، ليسمع مَنْ خلف الباب فيعلمون أن هناك حفظةً، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يحدثوا في الباب حدثًا، وإذا ضرب صاحب (٤) الإرزبات القفل وضعوا آذانهم مستمعين لما وراء الباب، فيستمعون لمن داخل الباب دويًا يدل على أن خلفه بشرًا. وبالقرب من هذا الموضع حصن يكون عشرة فراسخ في عشرة (٥)، ومع هذا الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع، وبين هذين الحصنين عين ماء عذبة، وفي آخر هذين الحصنين آلة البناء التي بُني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد، وهذه القدور فوق ديد كانات على كل ديداكان أربع قدور مثل قدور الصابون، وهناك أيضًا بقايا من لبن الحديد التي بني بها السد، وقد التصق بعضها ببعض من الصدأ، وطول اللبنة ذراع ونيف (٦) في ارتفاع شبر. قال سلام الترجمان: وقد سألنا من خاطبناه مِنْ أهل ذلك المكان: هل

стр. 600

رأوا أحدًا من يأجوج ومأجوج قط؟ فأخبرونا (١): أنهم رأوا منهم عدة فوق شرف الردم، فَهَبّت عليهم ريحُ عاصفٌ فَرَمَتْ منهم ثلاثة إلى ناحيتها، وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصف شبر. قال سلام الترجمان: فكتبت بهذه الصفات كلّها وأخذتها معي، ثم انصرفنا مع الأدلاء من تلك الحصون، فأخذوا بنا على ناحية خراسان، فسرنا من تلك الحصون إلى مدينة لخمان (٢) إلى مدينة غريان إلى مدينة برساخان إلى الطراز (٣) إلى سمرقند، فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر (٤)، فأقمنا عنده أيامًا، فوصلني بمائة ألف درهم وَوَصَل كلَّ مَنْ معي بخمسة آلاف درهم خمسة آلاف درهم، وأجرى أيضًا للفارس من أصحابي خمسة دراهم، وللراجل ثلاثة دراهم في كل يوم، ثم سِرْنا إِلى الري ثم رجعنا إلى سر من رأى بعد خروجنا عنها، ومغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرون شهرًا. فهذا جميع ما حدث به سلام الترجمان من الأخبار عن السد والأرضين التي قطعها إليه، وما وقع بينه وبين مَنْ لقيه فيها من الخطاب، وقطعة من أرض يأجوج ومأجوج. قال الشريف (٥): وما عندنا شيء نتكلم به على هذه القطعة إلا ما وصفه بطليموس (٦) في كتاب الجغرافيا، فإنه ذكرها بين المدينتين. ولم يُسمها، وإنما ألحقها بالطول والعرض فقط. وأما ما وقع في هذا الإقليم السادس من الجزر بالبحر المظلم، وما مر عليه من بحر نيطش ومن بحر الخزر سنذكر المشهور منه إن شاء الله تعالى مفصلًا. فأول ما ابتدأ هذا الإقليم في المغرب من البحر المظلم. وبه جزيرة برطانية (٧)

стр. 601

وليست بجزيرة، ولكنها كالجزيرة، وقد تقدّم الكلام عليها في أول هذا الإقليم ونبهنا على ما هو عليه هذا البحر. وبه جزائر كثيرة غير مسكونة، ولا طريق إليها لقلة سلوك هذا البحر إلا في القليل النادر؛ لأنّه (١) غليظ الجوهر. كدر الجو، ثقيل الموج، عاصف الريح، صعب الركوب والذين يسلكونه لا يُلججون فيه ولا يُخاطرون بأنفسهم. ولا يتعدى أحد منهم ما يعرفه منه في المشي مع ساحله. لا يفارقون البر في شهرين من السنة خاصة. وهما شهر أسطريون وشهر أوسو (٢). ومما وقع به جانب من جزيرة أنقلطارة (٣) والذي مَرَّ عليه هذا الإقليم من مدنها: مدينة غرهم (٤)، ومدينة هنيتونة (٥)، ومدينة شرهام (٦)، ومدينة دبرس (٧)، ونحن (٨) لعظم هذه الجزيرة وغرابة أخبارها لموقعها في بحر الظلمة لا نقطع ذكرها. وإنما نذكرها جميعها جملةً واحدة عند تتمتها مما وقع في الإقليم السابع ونفصل هذا إن شاء الله في مكانه. ومما وقع في بحر ينطش (٩) جزيرة دفتر (١٠)، وجزيرة أنوشروة (١١)، وجزيرة نوشكة (١٢)، وجزيرة أزلة (١٣)، وجزيرة أنبلة (١٤)، وجزيرة غردية، وجزيرة (١٥) سيوسة (١٦). وقد تقدم ذكرها، ومما وقع في بحر الخزر بعض جزيرة سهلان. وبتمام

стр. 602

هذا ثم الإقليم السادس برًا وبحرًا من البحر المحيط في المغرب إلى السد في نهاية المشرق. ولله الحمد والمنة (١). وهذه صورة الإقليم السابع وما وقع فيه من المدن والجزائر العامرة برًا وبحرًا من أول المغرب إلى آخر المشرق (٢). [الاقليم السابع] وأما الذي وقع في هذا الإقليم السابع من المدن والجزائر العامرة مما وقع في بحر الظلمة، فسنذكره. وأول ما نبدأ من المغرب على حكم خط الأقاليم، وأول مبدأ هذا الإقليم من البحر المحيط، وهو هناك بحر مظلم، وجزائره بأسرها مغمورة غير معمورة، وأكبر جزائره جزيرة إرلاندة (٣)، وهي تقدم ذكرها، وهي جزيرة كبيرة، بين رأسها الأعلى وبين برطانية ثلاثة مجار ونصف، وبين طرفها الأسفل وجزيرة إسقوسية (٤) الخالية مجريان. وحكى صاحب كتاب العجائب (٥): أن بها ثلاث مدن، وأنها كانت معمورة، وأن المراكب كانت تحط بها، وتجتاز عليها، فتشتري من أهلها العنبر والحجارة الملوّنة، فأراد بعضهم أن يملك عليهم وحاربهم بأهله … فحاربوه، وَوَقَعَتْ بينهم العداوة، فتفانوا وانتقل بعضهم إلى عدوة الأرض الكبيرة، فخربت مدنهم ولم يبق بها ساكن، وغالب معمور هذا الإقليم شديد البرد والجمد والثلوج المتراكمة. ولهذا السبب كثر الخلاء بهذا الإقليم، وقَلَّ به المعمور والمقيم للثلوج الدائمة، والأهوية الدائبة، والبرد المشتدّ والبرد الممتد. ويقع في هذا الإقليم قطعة من أرض الروسية، ومن مدنها الواقعة هنا: مدينة مرتوري (٦): وهي على مخرج نهر دنست. وتتمة أرض القمانية.

стр. 603

ومن مدنها الواقعة هنا: مدينة سنوبلي (١)، ومدينة تونيشفة (٢)، ومدينة طرويا (٣) ومدينة أقليبة (٤)، وهي مدن عامرة، متقاربة الحالات، وفي شمالها بحيرة تسمى هناك بحيرة غنون (٥)، وماؤها جامد مجلّد أبد الدهر، لا ينحل إلا بعض تحلّل في أيام الصيف الشديد، ويصب بها ثمانية أنهار، أحدها نهر شروى (٦)، وهو نهر لا يقدر أحد على جوازه في غير أيام نقصه (٧) في قوة الصيف لشدة برده. ويتولد في هذه البحيرة السمك الذي يتخذ منه الغراء الكثير، وحولها غِياضُ محتفّة يوجد بها الحيوان المسمى بالببر. وتتمة أرض بلغار، ويقع بها: مدينة ثابون (٨) وهي مدينة حصينة على رأس جبل، وبها عمارة وخصب كثير. وبلاد فنمارك (٩): وهي كثيرة القرى والعمارات والأغنام، وليس بها إلا مدينتان وهما: مدينة أبورة (١٠)، ومدينة قلمار (١١)، وهما مدينتان كبيرتان، تبدو عليهما البداوة وتعلو عليهما سيماء الشقاوة، وأقوات أهلها مقدّرة أقل ما يكفيهم. وأرض طبست (١٢): وهي كثيرة القرى والعمارات، غير أن مدنها قلائل، وهي أشدّ بردًا من بلاد فنمارك (١٣)، والجَمَدُ لا يكاد يفارق ماءها، وأرضها طرفة عين. ومن مدنها: مدينة طبست، وإليها تُنسب الأرض. ومدينة أنهر (١٤) وهي مدينة حسنة عامرة.

стр. 604

وبلاد استلاندة (١): ومن مدنها مدينة قلوري (٢)، وهي مدينة صغيرة. كأنها حصن أو قلعة للطافة حَجْمها. وأهلها، فلاحون، وإصابتهم في الزرع قليلة. ولكن أغنامهم كثيرة. وحصن فلموش (٣)، وهو يعمر في الصيف، فإذا حان الشتاء فارقه أهله إلى كهوف بعيدة عن البحر، فيأوون إليها، ويوقدون النيران فيها مدة أيام الشتاء لا يفترون ولا يقرون. وأرض المجوس: ومن مدنها الواقعة هنا، مدينة مدسونة (٤)، وأهلها عباد النار، وهي مدينة كبيرة جامعة كثيرة البشر، يُرمى منهم من جاوَرَهم بشر. ومدينة صونو (٥)، ومدينة قابي (٦)، ومدينة جنتيار (٧)، وهي مدينة كبيرة عامرة آهلة في أعلى جبل لا يمكن الصعود، يتحصن بها أهلها من طراق الرومية. وتتمة أرض (٨) بسجرت، ومن مدنها الواقعة هنا: ماسترة، وتاسترة، وهما مدينتان صغيرتان، وقلما يدخل إليهما التجار، وتمرُّ عليهما أقدام السفار؛ لأن أهلها يقتلون مَنْ وطئ أرضهم أو طَرَق بلادهم من غيرهم، وهاتان المدينتان على نهر يمد نهر أثل. وتتمة أرض البجناك. قال الشريف (٩) ولم يتصل بنا أن لهم مدينة أكبر من مدينة ياقاموني، وبها أمم كبيرة، أتراك يحاربون الرومية (١٠) وما جاورهم من بلاد الروم، وهم ممتنعون في الجبال والأشجار. لا يقدر عليهم أحد، ولا يصل إليهم واصل، وقد تقدم في الإقليم السادس ذكر بعض البجناك وقد ذكر الشريف (١١) أنهم من الرسيّة، يحرقون موتاهم، ويحلقون لحاهم، وبعضهم يظفرها، ولباسهم القراطق الصغار. ويقع في هذا الإقليم شمالي الأرض المنتنة. بلاد قفراء (١٢)، وبها الأرض المحفورة، وقد ذكرها الشريف في كتاب أجار (١٣)

стр. 605

فقال: وهي من عجائب الدنيا. قال: وحكى الجيهاني في كتابه: إن هذه مروا (١) بها بعد خروجهم من الأرض المنتنة فرأوها، ومشوا مع طولها يومًا، وهي بقعة من الأرض لا يقدر أحد على النزول إليها من جميع جوانبها لبعد قعرها وصعوبة جنباتها، وهي معمورة، وعلموا ذلك بأن رأوا الدخان منها في النهار في مواضع كثيرة، ورأوا النيران بالليل كهيأة النجوم تتقد مرة، وتخفى مرة. وأغرب ما فيها أن بها نهرًا يظهر فيها خيالًا يشق أرضها من الجنوب إلى الشمال، وعليه العمارة. ولا يقدر أحد ينزل إليها البتة. ولا يصعد منها إِذْ ذلك ممتنع جدًا، فسبحان الذي أنشأهم فيها، وقدّر أقواتهم منها، فهو الخلاق العليم. وقطعة من (٢) أرض يأجوج ومأجوج الداخلة. وقطعة من (٣) البحر الزفتي،، وهو آخر البحر الشرقي، وهو أيضًا مظلم، وحكى صاحب كتاب العجائب: أن في داخل بلاد يأجوج ومأجوج نهرًا يسمى المشهر لا يُعرف له قعر، فإذا تقاتلوا وأسر بعضهم بعضًا، طرحوا الأسرى في ذلك الوادي فيرون عند ذلك طيورًا عِظامًا تخرُجُ إلى من يُطرح منهم في كهوف في جنبتي الوادي، فتخطفهم قبل أن يصلوا إلى آخره، فترتفع بهم إلى تلك الكهوف فتأكل جسومهم. ويقال: إن في أسفل هذا الوادي نارًا تتأجج مع الأزمان، والله أعلم بحقيقة ذلك. ونهاية هذا الإقليم في البحر المحيط في المشرق كله بحر مظلم لا عمارة فيه البتة، ولا يُعلم ما خلفه، وأما ما وقع في هذا الإقليم من الجزائر في البحر المحيط، فهو ما نذكر: فأما الواقع في أول هذا ا الإقليم من الغرب فهو جزيرة انقلطارة (٤)، وقد نبهنا في جزائر الإقليم السادس على وقوع جزء منها فيه، وهي جزيرة كبيرة تشبه رأس النعامة، وبها مدائن عامرة، وجبال شاهقة، وأودية جارية، وأرض سهلة، وفيها خصب زائد، ولأهلها جلادة وعزم وحزم والشتاء بها دائم، وأقرب بَرّ إِليها وادي شنَتْ من أرض إفلاندرش (٥). وبين هذه الجزيرة والبر الكبير مجاز سعته اثنا عشر ميلًا. فمن مدنها التي في أقصى الغرب من هذه الجزيرة وعلى طرف من أضيق مكان فيها: مدينة سه ستار (٦) وبينها وبين البحر اثنا عشر ميلًا، وهي مدينة حسنة عامرة على

стр. 606

نهر كبير يأتيها من جهة الشمال فيصب في البحر بشرقيها، ومن هذه المدينة إلى مدينة غرهم على الساحل ستون ميلًا، وكذلك من مدينة سه ستار المذكورة إلى الطرف الغربي من الجزيرة ثلاثمائة ميل وثمانون ميلًا. ومنها أيضًا إلى مَرْسي درته موده (١) ثمانون ميلًا، ثم إلى طرف الجزيرة المسمى قرفواليه (٢) مائة ميل، وهذا الطرف الرقيق منها شبيه بمنقار طائر. ومن مدينة سهستار المذكورة إلى مدينة سلابرس (٣) في البر من جهة الشمال ستون ميلًا، وهي مدينة جليلة على شرقي النهر الذي يصب في سهستار. ومن مدينة غرهم أيضًا إلى طرف مدينة هنتونة، وهو قرطيل يدخل في البحر خمسة وعشرين ميلًا، وعلى طرفه من ناحية المشرق مدينة هنتونة، وهي مدينة عامرة ويصب بها من ناحية شرقيها نهر عونسترة (٤). وعونستره مدينة ترية (٥)، وبين هتيونة وعونستره ثمانون ميلًا. ومن عونسترة إلى سلابرس أربعون ميلًا في جهة المغرب. ونهر عونسترة يخرج من جبل معترض في وسط الجزيرة. ومن هيتونة إلى مدينة شرهام (٦) ستون ميلًا. وهي على نحر البحر. وهي مدينة جليله متحضرة فيها إنشاء وعمارة ومنها مع الساحل إلى مدينة هستينكش (٧) خمسون ميلًا، وهي مدينة مقدرة الكبر، كثيرة البشر، عامرة جليلة، ذات أسواق وفَعَلَة وتجار مياسير. ومنها مع الساحل شرقًا إلى مدينة دبرس (٨) سبعون ميلًا، وهي أيضًا مدينة كبيرة، وهي على رأس المجاز الذي يُجاز منه إلى الأرض المتصلة بالأرض الكبيرة. ومن مدينة دبرس إلى مدينة لوندرس (٩) في البر أربعون ميلًا، وهي على نهر كبير يصب في البحر بين مدينة دبرس ومدينة جرنومدة (١٠) حسنة على ضفة البحر، فمن مدينة دبرس إلى موقع نهر لوندرس في البحر عشرون ميلًا. ومن موقع هذا النهر إلى مدينة جرنومدة على البحر ستون ميلًا ونهر لوندرس اسمه رطانزة (١١) وهذا النهر كثير الجري، كثير الماء، وجريه من وسط الجزيرة فيصل إلى مدينة غركة قُرب (١٢) على

стр. 607

مقدار خمسين ميلًا، وهي مدينة صغيرة، ثم يمر من لوندرس فيصب في البحر كما ذكرناه. ومن مدينة جرنومدة إلى مدينة نرغيق (١) تسعون ميلًا. ومدينة نرغيق مرتفعة عن البحر مقدار عشرة أميال، ومن مدينة نرغيق إلى مدينة إغريمس على البحر ثمانون ميلًا، فذلك من مدينة جرنومدة إلى إغريمس على البحر مائة ميل وخمسون ميلًا. ومن مدينة جرنومدة المذكورة ينعطف البحر آخذًا في جهة الشمال على استدارة. ومن مدينة أغريمس المذكورة إلى مدينة افرويك (٢) ثمانون ميلًا، وهي على بعد من البحر المظلم، وعلى طرف جزيرة سقوسية المتصلة (بجريرة) (٣) إنقلطارة (٤)، وهي جزيرة ذات طول آخذة في شمال الجزيرة المذكورة. وليس بها عمارة ولا مدينة ولا قرية، وطولها مائة وخمسون ميلًا. ومن مدينة أفرويك إلى موقع نهر بشكة مائة وأربعون ميلًا، وبشكة (٥) حصن على هذا البحر مرتفع عن النهر اثني عشر ميلًا. ومن مدينة اغريمس المذكورة قبل إلى مدينة نقولس (٦) في البر مائة ميل، والنهر يشق وسطها، وينصب منها إلى مدينة أغريمس، فيصب بجنوبها في البحر كما قدمناه، ومن نقولس إلى مدينة أفرويك أيضًا تسعون ميلًا، ثم إلى مدينة دونالمة (٧) ثمانون ميلًا شمالًا على بعد من البحر، وبين طرف جزيرة سقوسية الخالية إلى طرف جزيرة إرلاندة (٨) مجريان من جهة الغرب، وقد ذكرناها، ومن طرف جزيرة إنقلطرة (٩) إلى جزيرة دنس بحري، ومن طرف اسقوسية في جهة الشمال إلى جزيرة رسلاندة ثلثا مجرى، ومن طرف جزيرة رسلاندة في جهة المشرق إلى جنوب نرباغة (١٠) اثنا عشر ميلًا. وطول جزيرة رسلاندة أربع مائة ميل، وعرضها مائة وخمسون ميلًا، وفي البحر المظلم جزائر كثيرة غير عامرة، وفيه مما يلي الشمال من الجزائر العامرة جزيرتان، وهما جزيرتا امرنيوس (١١) المجوس، فالجزيرة

стр. 608

الغربية منها يعمرها الرجال فقط، وليس بها امرأة. والجزيرة الثانية فيها النساء ولا رجل معهم وهم في كل عام يقطعون مجازًا بينهم في زوارق لهم وذلك في زمن الربيع، فيقصد كل رجل منهم امرأته فيواقعها، ويبقى معها أيامًا نحوًا من شهر، ثم يرتحل الرجال إلى جزيرتهم فيقيمون بها إلى العام المقبل، إلى ذلك الوقت فيقصدون الجزيرة التي فيها النساء فيفعلون ما فعلوا في العام الأول من أن الرجل يقيم مع زوجته نحوًا من شهر ثم يعودون إلى جزيرتهم، وكذلك يفعلون دائبًا، وهي عادة معلومة عندهم وسيرة قائمة بينهم، والدخول إليهم أقرب ما يكون من مدينة أنهو، وبينهم ثلاثة مجار، وقد يدخل إليهم من مدينة قلمار ومن مدينة رغولدة (١). وهذه الجزائر لا يكاد يصيبها أحد من الداخلين إليها لكثرة غمام هذا البحر وشدّة ظلمته. وبتمامه تم الإقليم السابع برًا وبحرًا ولله الحمد والمنة. وأما المعمور وراء خط الاستواء في النصف الشرقي والمعمور وراء الإقليم السابع فقد تقدم كلامنا عليه، وإيضاحًا له في صدر هذا الكتاب بعروضه، والذي نقوله الآن: إن جملة ما وقع من المعمور فيما وراء خط الاستواء في البحر الهندي مضاف إلى الهند بأسره، وجملة ما وقع من المعمور وراء الإقليم السابع للروسيةأو لما غلبت عليه الرُّوسيّة ثم الزمهرير الشديد والبرد والجليد والله أعلم بغيبه وعلى الله توكلت وإليه أنيب. [مشاهير ممالك عبّاد الصليب] وأنا أتبع ذكر هذه الأقاليم بكلام جملي في أمر مشاهير ممالك عبّاد الصليب في البر دون البحر، والذي أقوله: حدثني بلبان الجنوي، أحد مماليك بهادر المعزي (٢). وهو عارف بما يحدث.

стр. 609

قال: أجل ملوك الفرنج قدرًا الريدفرنس صاحب فرنسة، والاذفونش صاحب بلاد النصارى بالأندلس نائبه، وأما أعظم الفرنج شوكة، فهو الأنبروز ملك اللمان وهذان الريدفرنس والأبروز هما أعظم ملوك الفرنج بأسرهم، وجميع الطوائف تقرّ لهما بالتقويم، وتقرر لهما موجبات التعظيم فأما الريدفرنس فهو صاحب إفرنسة وبلادها وبرها وبحرها، وما هو معها مما بيد الأذفونش من جزيرة الأندلس وما هو مضاف إلى ذلك. والريدفرنس عريق النسب في الملك القديم والمملكة المأخوذة عن السلف، وهو أكبر ملوك بني الأصفر مكانةً، وأتمهم بختًا وأعظمهم تاجًا وتختًا. وله مدن كبيرة عامرة، وعساكر كثيرة وافرة، ولكنه لا يقارب عدد ملك اللمان ولا يُباريه في قوة الخياله والفرسان، ومع هذا فهو حيث حلّ طبق المضارب والخيم، وصدَّق ببوارقه مخايل الديم، وهم أهل فخار تغالب أقرانها في الشيم وتغالي أثمانها في شؤم القيم، وهذا الملك الكافر يفحص عن مآثر نسبه ويحرص على مفاخر رتبه، فإذا قدم للتمليك، وتقرب إلى التخت وقَرُبَ منه التاج يقول لأمه: من أبي ثلاث مرات، وهي تسمي اباه ليحقق نسبه ثم يلبس التاج ويجلس على التخت، وله ما ليس لأمثاله من الرخت. ومن أهل هذا البيت مَنْ (١) كان حضر إلى الثغور المصرية، وأخذ دمياط، ثم أخذت منه في الدولة الأيوبية، وأمسك الريدفرنس واعتقل بدار الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب الإنشاء، ورَسَمَ عليه الطواشي الكبير صبيح إلى أن قرّر عليه المال وَمُنَّ عليه بالإطلاق على مالٍ قُرر وحالٍ حُرّر، وعهد أخذ عليه أن لا يعود ولا يقصد سواحل الإسلام منهم راكب فرس ولا قاعد في مركب على عود. وفي هذه الواقعة يقول الصاحب المنشئ جمال الدين يحيى بن مطروح (٢)

стр. 610

كاتب الإنشاء (١): [من السريع] قُلْ للفرنسيس إِذا جئتَهُ … مقال صدقٍ مَنْ شفيق نصيح أتيت مصرًا تبتغي مُلْكها … أتحسبنَّ الزَّمر يا طبل ريح (٢). أجرك الله على ما مضى … مِنْ قبلِ عُبّاد يسوع المسيح رحت وأصحابك أودعتهم … بقبح أفعالك بطن الضريح (٣). خمسين (٤) ألفًا لا تَرَى منهم … إلا قتيلًا أو أسيرًا جريح فردك الله إلى مثلها (٥) … لعلّ عيسى منكم يستريح وقل لهم إن أضمروا عَوْدةً … لكشف (٦) ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح وقال فيه بعض المغاربة وقد نزل على تونس (٧): [من الخفيف] يا فرنسيس هذهِ أختُ مصر … فتأهّب (٨) لما إليه تصير لك فيها دار ابن لقمان قبر … وطواشيك منكر ونكير ثم نعود إلى ما كنا فيه، وهو أن هذا الملك ملك جليل الخطر، لا يكاد يُخطئه إدراك وَطَر، وليس في ملوك الفرنجة أعرقُ منه نسبًا، ولا أرسخ في العلياء أصلًا، وهو في عساكره في البر أطول منه في البحر يدًا وأثبت رجلًا، وما له اصطول ولا مراكب، فإذا احتاج إلى مراكب اكتراها من بقية الأجناس، ولو شاء لعمر منها ما أراد، ولأربى على ملوك البحر في كثرتها وزاد، ولكنّهم أهل بَرّ ومحلّ صبر، لا يتنغص بالموت منهم شارب ولا يتخصص بتوفر نفسه في مواقف الحرب منهم صاحب على صاحب. ونائبه الأذفونش، من تهبّ في كل وقت بالأندلس وبلاد المغرب جمرته، وتحبُّ إليهم من السفن بزله وترسي عليهم أسرته. وأما ملك اللمان، فهو ذو البلاد المتسعة، والأعداد المجتمعة، والعساكر التي

стр. 611

تروّع الطيف في المنام، وتروّض كلّ أرض بمساقط جثث وهام، لا تحصى عدد جيوشه … ولا تُحْصَرُ، ولا جمع مثلها كسرى وقيصر. وهم تتار الفرنج في كثرة الخلائق وشدّة الباس، وأثرة المضايق وطول مدة المراس. وقال المستفيض: عندنا أن له ثلاثمائة كند، للكند منهم من العسكر ما بين ثلاثين ألف فارس إلى خمسة آلاف، فارس، ومنهم من يصل إلى مائة ألف فارس، وكل كند للآخر في القوة والأيد يُنافس، وعندي فيما قاله نظر، وقال: وطائفة اللمان لا تعرف البحر بالجملة الكافية، ولا لَهُمْ فيه غربانٌ مُسِفَة ولا كافية، بل هم أهل بر كالعرب، رحالة نزالة ومدنهم مدن بر لا أسوار عليها، ولا تُحصن بسوى المقاتلة لها، وهم أهل بأس شديد كأنهم خُلِقوا من حجارة أو حديد، ولقد قصد الشام فيما سلف منهم طائفة جاءت من بلاد الروم على الدروب، ثم رماهم الله بالهلاك وسرعة الآجال، ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١). وبلاد اللمان كأنها بلاد العرب في اتساع البر وتنقل أهله فيه، وتخلل سكانه جميع خلال دياره ونواحيه لكنه أندى من بلاد العرب أرضًا، وأوفق للمسرات، وأرض بلاد ترب وفواقع حصباء، لا بلاد سباخ ورملة شهباء، فيها كل مرج تزهر قناديله، وتظهر من دمى الكنائس تماثيله، ويُسرِّحُ فيه الطرف نَظَرَهُ، ويُرَوِّحُ فيه الطرف مُحضره، يهب نسيم كأنه بالعبير مضمخ أو بالمسك مُلَطَّخ، تتلوّى بها أنهار كأنها سرائر عشاق، وخمائل تلتف الساق بالساق، وحولها أشجار تتباعد وتتقرَّب، كأنها طالبة عناق، وأطيار تسكب وتتجاوب كأنها مُنافسات ابن جميع وإسحاق، وهناك نزهة في أوقات الربيع لا يتخطاها، وتُقضى بها لذات في غيرها لا تتعاطاها. وطوائف اللمان مع ما هم عليه من إباء أنوف وأنباء سيوف، وخوض نجيع وخوف عار لا يبيت معه لهم غمد. وهو لسيفه ضجيع لهم بالطرب وأهله غرام واكتئاب، وهيام وانتياب. وملك اللمان ممن قهر الريدفرنس وغَلَبَهُ، وليس من التاج ما سلبه، وابتر تخت الملك وقَعَدَ عليه، ونَظَمَ الممالك واطاعَتْ ملوكها له، وخَضَعَتْ هيبةً لديه. وليس الآن في ملوك الفرنج أعلى منه رايةً نرجو أن تنكس، ولا أسْلَطَ من جنوده أباليس نؤمل أن تُبَلس، ومن عادته أن يباشر الحروب بنفسه، ويقاتل بسيفه ويتلقى بترسه، ويقتحم الهيجاء والخيل تحمل بفوارسها والقسيّ تَفْتَحُ أفواهها لأكل فرائسها، والسيوف تتبسم

стр. 612

وهي عوابس، والرماح يورق عودها وهو يابس، والسهام تتساقط وكان الرنح (١) في كل منها شعلة قابس، ولا يهاب وبين الفريقين رؤوس قد أينعت لقطاف، ونفوس أَزْمَعَتْ لاختطاف، وقد ابتلى طوائف بني الأصفر من هذا الملك وأتباعه بِبَلِيَّةٍ لا تُطاق، وحمية لا تذر معها رؤوس في أعناق. وهو مع ما هو عليه من هذا الجبروت، والإخلاد إلى الخلود حتّى كأنه لا يموت، يعم رعاياه بالعدل والإحسان، ويكف عن التعدي عليهم كل إنسان، حتى إن نوابه وكنوده وعساكره وجنوده وجموعه وحشوده. لا يستطيع أحدٌ منهم أن يظلم أحدًا من الرعايا، ولا يحيفُ عليهم فيما قلَّ ولا كثر، ولا يغصب لهم ما عز ولا ما هان، وهم معه في رفاهية أمان، وعدلٍ لا يتغيّر، وعد من الفضل لا يتكدر، وهم به في طمأنينة زائدة، وحماية وارفة، وبهذا اتسَعَتْ ذات أيديهم، وكثرت أموالهم، وزادت نِعَمُهم، وعَمُرت أوطانهم وبلادهم. وكُبِتَتْ أعداؤهم وحسادهم، وطابَتْ أوقاتهم. يقال: إنهم في راحة الدنيا ومَنْ سواهم في تعبها، وإنهم تجيئهم الفوائد، وغيرهم لا يجدها وهو يجد في طلبها. وأما ملك ابرنسة: وهو الريدريت، وهو من بيت الريدفرنس، فهو صاحب تخت وتاج، ومال ملو قلاع وأبراج، وعساكره لا تُعدّ،، وهي دون ما للريدفرنس. ولكنهم بأنواع الحروب أمس، فإِنَّ فيهم فرسان بَر وبحر وسفن وخيل، وسراة نهار وليل، وله أصطول لا تُحَطُّ قلوعُهُ، ولا تحلُّ في غير ميناء عدو جموعه، ولو شاء لَعَمَّر ألف غراب، وحام بجناحها في الخافقين ومدَّ لها الأسباب. وإنما هو بالقتال في البر وعلى ظهور الخيل أكثر ولوعًا، وإلى ما قرب إليه دون ما يعد أشد نزوعا. قال: وهذا الملك القائم بها الآن ممن صَحَّ مَعَه علم الكيمياء وعمل بيده الذهب، وادخر منه ما لا يُحصى ووهب، وبلاده قد ثَقِلت ظهورها بحمل الكنوز، وتفسخت بها أبراج مع كثرة ما يهب منه وقلة ما يجوز، وبلاده يعتنقها نهر لا يفارقها طورًا يُقبلها وطورًا يعانقها، وعليه من جانبيه خمائل، كأنه نصل سيف تعلق بحمائل، تتوقد غالب السنة بها مجامر الزهر، وتتوقَّلُ قُضُبُهُ المائِسة على ديوان النهر، يأخُذُ بمجامع مَنْ أناخ بها ركابه، وضرب على هضبها قبابَهُ، وقد تفتح نوارها وفاح رياه العطر، وتسرح ماؤها وتدفّق جدوله المسبطر، وتروّح قضيبها وترنّح وماس قده المتأطر، وعلى سماء ذلك النهر في مواضع كثيرة منه نجوم مناظر، يحوم عليها نظر كل ناظر، وهو نهرٌ لا يكتم الماء حصباه، ولا تخفى قلائد الحصباء أجياد رباه، ولأهل

стр. 613

هذه البلاد أطراب وأشجان، وعليه أيام ليال ليس فيها هجان، ولهم عليه بساتين وغراس، وفواكه شتى تتلاعب غصون أشجارها بكل فرع أثيث، وتتمايل كأنها تميل لبت شجو أو تصغي لحديث، وبينها فيما ارتفع عن مجرى النهر دواليب تساعد الكئيب على شجنه، وتبكي قواديسها وتئن معه حزنًا لحزنه، ولهم فيها مربع ومصطاف، ومرتع واقتطاف، ويخرج في أعيادهم وشعانينهم القسوس والرهبان، وتفرش أرضها بالديباج والصلبان، ويخرج الأرغل وآلات الطرب، وتغني لهم وتذكر وقائع سلفهم مع العرب، وتتأسف على خروج ملك الشام عن أسرتها، وانتزاع أرضه من تحت أسرتها ولهم في ذلك ومثله أشعار يُغنّى بها عن جلوات عرائسهم وخلوات كنائسهم، ويُناحُ بها في المحافل والمجامع، ويباحُ سِرُّها المصون عندهم لكل سامع، قل موتوا بغيظكم. وأما اللنبرد، فَمَلَكَهُم مَلِكان الواحد في مدينة بنفرا، والآخر في مدينة فرارة، وملك بنفرا في وقتنا هذا هو رومي من ملوك القسطنطينية اسمه مركيز، وهو عم صاحب القسطنيطينة القائم الآن، واسم هذا صاحب القسطنطينية أندرنيكوس بن كرميخال. وهذا مركيز صاحب بنفرا هو أخو كرميخال. وعساكر بنفرا من اللنبرد نحو خمسين ألف فارس، فرسان برار وبحار، وقنطاريّات تُقبَّن بالقبّان وتوزن بالقنطار، تكلّب فرسانها بسلاسل الحديد حتى لا تجد سبيلًا إلى الفرار. وأما فرارة فعساكرها نحو ثمانين ألف فارس، من جملتهم عساكر برغنون، فإنها تحت يده وفي حكمه في مصدره وموردِهِ، قد استخدمهم صاحب فرارة واستجاش بهم في حروبه وملاقاة أعدائه، وأهل هؤلاء البرغون من طوائف اللمان، ولا ملك لهم ولا للأبنروز ملك اللمان حكم عليهم. وأهل اللنبردية فرسان خيل لا تعرف البحر ولا تركبه، ولا يذل لهم صهوته، ولا يُقاد مركبه، وإلى صاحب هذه البلاد ينضاف برغونية الفرنج، وبهم تصاف الأعداء، وبحجة سيوفهم يُحتج. وأما سيسرين فملكهم يُسمّى الريفر دريغ، وهم قوم بحارة، لا مجال لهم في البرّ، ولا على ظهور الخيل، فأما إذا ركبوا البحار وادرعوا من السفائن مدارع من قار، اقتادوا أزمة الرياح، وطلعت بصوارمهم في الليل تباشير الصباح وجاز البحر أصطولهم شرقًا وغربًا، وجال بُعْدًا وقربًا، وأزمَعَ به سُدًى في كل مكان، وأزْعَجَ كل قاعد على رِجْلٍ وساكن على سُكّان، وحاز ما هم به في البحر نهبًا، وجار على ما جاراه وأخَذَ كل سفينةٍ غَصْبا، وأما البنادقة: فلا ملك لهم، وإنما حكمهم كمون، وهو

стр. 614

الاتفاق على رَجُلٍ يحكمونَهُ عليهم باتفاق رأيهم عليه، ويُسمَّى البنادقة فينسين (١) ورنكهم صورة آدمي بوجه تزعم أنه صُورة مُرقص، أحد الحواريين، والرجل الذي يحكم عليهم يكون من أحد بيوت معروفة فيهم، وعساكرهم ليست من صليبة أنفسهم، وهم مجمعة من أخلاط الأجناس، يستخدم في أوقات الحاجة بالدراهم (٢). والبنادقة من أكثر الفرنج مالًا وأوسع حالًا، وبلادهم ضيقة، وبها دار ضرب فضة جليل المقدار تنشأ منها سحبه وتصبُّ على الأقطار، وهي دراهم متساوية الأوزان، على أحد الوجهين صورة شخص وعلى الآخر صورة شخصين. وأما البيزان، فهم كالبنادقة، لَا مَلِكَ لهم، بل حكهم كمون، ولا لهم عسكر من أنفسهم، بل يستخدم أوقات الحاجة، وكانوا أهل عزّ وبأس، فغلبوا، وأخذ نجمهم في الهبوط، وأمسوا كأنهم ما أصبحوا، ولانوا كأنهم ما جَمَحُوا، وَمَضوا فلا يُحسُّ لملوكهم حسيس، ولا يأنس بديار ملكهم أنيس. وأما الدشقان، فعلى مثل ذلك في كل أحوالهم. وأما انكونيينن: فكذلك، وحكمهم كمون. وأما افرنتين: فحكمهم كمون باتفاق أهل الرأي منهم، على رجل من أهل بعض بيوتهم. ولهم دار ضرب للذهب، وهو الذهب الافرنتي الفائق على كل ذهب، يقذف به إليهم من البحر ببره فيؤخذ ويستخرج ويخلّص، ثم لو علق وحيف عليه لا ينقص. وأما الكيتران: وهم الكيتلان، وهم عرب الفرنج، وأصلهم من متنصرة غسان أصحاب جبلة بن الأيهم دخلوا بلاد الروم وتوغلوا فيها وراءهم حتى استوطنوا ببلادهم التي هم بها الآن وصاروا من أهلها، ولهم ملك منهم، وفيهم أهْلُ بَر وبحر، لا يبدأون بشرما لم يُنبَّهُ نائمهم وينهَنهُ قائمهم، فإذا حُرِّكوا أسكنوا كل حراك، وأسكتوا لسان كل سنان افاك. وأما أهل جنوة فحكمهم كمون، ولا ملك لهم ولا يكون. وحكمهم الآن في أهل بيتين، يحكم الرجل من كل بيت منهما مدة سنة، ثم يكون له سيارة البحر، ويحكم

стр. 615

الرجل الذي من البيت الآخر هكذا سنة، ثم يكون له سيارة البحر، هم والبيت الواحد بيت دوريا، وهذا بلبان المخبر لي منهم، والبيت الثاني بيت اسبيزا. قال: ودون هذين البيتين في جنوة بيت غرمادي وبيت مالون وبيت داما، وبيت سيبوطرطرو، وبيت دافشكي، وأهل هذه البيوت أهل المشورة عند من يحكم، ولهم نسب عريق فيهم، وما دخلوا تحت حكم ذينك البيتين إلا قهرا بالسيف، وقد كان الحكم فيهم قديما في بيت غرمادي وبيت مالون، يدور بينهما على حكم الكمون، ودون هذه البيوت فيهم: بيت اغرلي، وبيت قنتيلو، وبيت ديلورط. ومملكة جنوة مفرقة لهم، غلطة جنوبي القسطنطينية، وكفا على بحر نيطس، ولو اجتمعت بلادهم جاء دورها قريب ثلاثة أشهر، ولكنها مفرقة لا يجمعها نظام، ولا يضمها ملك همام، وعساكرهم إذا اجتمعت ولا تكاد تجتمع نحو ستين ألف فارس، فأما الرجالة فأمم، وقدرتهم في البحر أكثر من البر، ولكل من أهل هذه البيوت غربان، ولو اجتمعوا على الاتفاق لقدروا على عمارة خمسمائة غراب. وليس لعساكر جنوة إقطاعات ولا نقود بل لكل منهم املاك وأسباب عليها فرسان مقررة، تركب في وقت حاجتهم برا وبحرا. وأهل جنوة صلح مع سلاطيننا، ولهم تردد إلى مصر والشام في التجارات، ومن ظفروا به من أعدائهم من أهل دينهم أخذوا ماله وقتلوه، فأما إن كان من المسلمين، فإنهم إذا أخذوا ماله أبقوه وباعوه. ولهذا الجنوية لا يرفع الباب لهم راسا، ولا يبسط لهم إيناسا، ومعاملتهم بالدراهم البندقية والذهب الافلوري ودينار يسمى قراين وهو أربعة دراهم بندقية، ورطلهم يسمى ليرا، وهو نظير المصري سواء، وقنطارهم مائة وخمسون رطلا، ويسمى قنطارا، وبه تشترى الغلات إلا من يشتري الكثير، فإنه يشتريه بالكيل، وهذا الكيل يسمى موزرا، وهو أرجح من اردب المصري بقليل. وأما سيسرية: فهي جزيرة عظيمة قبالة البندقية، بها نحو ألف وأربعمائة قلعة، وبنت ملكها مزوجة بالتكفور صاحب سيس، القائم الآن. قال: وهي أعظم جزر البحر. قال: وأما بقية جزر البحر كصقلية وميورقة، ومينورقة، فدونها، ولا تعد في عديدها، ولا تحسب معها. قال: وجميع بلاد الفرنج ذوات خير وفواكه إلا الفواكه الجرومية، فإنها لا توجد بها. قال: والأسعار بها إما رخية وإما متوسطة، هذه جملة ما أخبرني به من تفاصيل أحوالها، وما هو من الأمور الجامعة أحوى لها.

стр. 616

وأما ما أقوله: فهو أن شوكة الفرنج الملاعين قوية لا يقاوم حمتها سنان، ولا يقاول على دفعها مالك قلع ولا عنان، ولقد كانوا في سواحل البلاد الشامية لا يذهب بكرة ولا أصيل إلا ولهم في أطراف البلاد غارة شعواء، وببروج الآفاق الإسلامية منهم نابحٌ عَوّاء، وعَظُمَتْ بليّة المسلمين بهم تلك السنين الشداد، وبقيت مئين تارةً في نقص وتارةً في ازدياد، حتى أزعجوا أطراف دمشق عن مستقرّها، وأحوجوا أهلها إلى الدنية في دينها، وقَرَّرُوا عليهم مالًا فُرِض على بيوت الأموال وأرباب الأملاك والتجار، وكانت ملوك الشام تستأديه وتحمله إلى الفرنج على سبيل القطيعة، ووَقَفْتُ على عِدّة مناشير وتواقيع وجرائد قديمة يُذكر فيها ما على الإقطاعات والأملاك من وجوه الخراج والحقوق، وقد كتب فيها من كذا كذا ومن كذا كذا، ومن قطيعة الفرنج كذا، فرأيتُ توقيعًا لابن الصوفي رئيس دمشق بمسامحته بما على ملكه من قطيعة الفرنج، وكان الحال مع الفرنج بالشام على هذا وأشدّ، ثم دب دبيبهم إلى مصر، وأرادوا في أواخر الدولة العبيدية انتزاعها، ثم قرّروا عليها القطائع، ورتبوا في وقت على أبوابها الشحاني، إلى أن أنقذ الله مصر على يد أسد الدين أبي الحارث شيركوه ﵀ من هذه البلية، وغسل عنها بسيوفه العار، ودفع عن تاريخ ملكها هذه السبّة. وكانت إلى أيام الشهيد نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي ﵀ دمشق في وهاد هذه الرذيلة وتحت سجوف هذه النقيصة، تصل غارات الفرنج إلى أسوار القلاع، وتخطفُ من أبواب إلى أن نبّه الله لهم ملوك الإسلام وأرسل إليهم خيلهم في اليقظة وخيالهم في الأحلام، فوالوا قصدهم مواشات وغارة، ومناوبات في الحرب تارةً وتارة، وكانوا مع كَلبِ كلابهم واستئساد ذئابهم لا يقابلون إلا في حصار، ولا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار، تحبسهم البغضاء مقتًا، وتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، إلى أن قلع الله قليعتهم، وقطع قطيعتهم، وطهّر بسيوف الإسلام نجس شركهم، وَدَنَس إفكهم، فأنزلوا من صياصيهم، وعُزِلُوا للجرّ إلى مصارع الحتوف بنواصيهم، فأخذت منهم الممالك، ونُبِذَتْ مُنتهم في المهالك، وقدّموا جزرًا للسيوف أو للأسار وجُملًا للحتوف أو للفرار، وتَنَجَّزَ الدين الحنيف بها فتحًا قريبًا، وعاد الإسلام إليها غريبًا كما بدأ غريبًا، وامتدت أصابع صوامعها بالشهادة، وخَضَعَتْ جباه بيعها بهذه البشرى وتوخت الزيادة، وتبدلت النواقيس بالأذان، والنواميس الموضوعة على الإنجيل والقرآن، وعلت المحاريب، وخَرَّت المذابح للأذقان، وقامت بها قامات المنار، وقصفت أصلاب الصلبان. وأوّل ما شَرَعَ في ذلك الشهيد نور الدين أبو القاسم

стр. 617

محمود بن زنكي (١)، ثمَّ ثنّى صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب (٢)، وأقبل بكليته على اقتلاع شأفة الفرنج، ثم مات ﵀. واختلفت أحوال الدولة الأيوبية، فما كان بَعْدُ إِلا ما حصل من المضافرة نوبة/دمياط، وناهيك نوبة أهانت عبّاد الصليب، وألانَتْ عودهم الصليب، ثم كانت فترةً وكادت تزيع قلوب البلاد بهم آخر مرة، ولو تطاول الأمر لارتد الناس كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، ويكفّر كل منهم الآخر، فمنهم من سلّم إلى الفرنج القدس الشريف (٣)، ومنهم مَنْ سلّم صفد والشقيف. ومنهم من استنصر بالفرنج واستعان بعدوّ الإسلام عليه، حتى أتى الله بالملك الظاهر بيبرس (٤) البندقداري أثابه الله، فتحامل على ظلعه، وتحامى على ضرعه، وتجاسَرَ على توقيه ممن حوله من الأعداء، وجَزَعه، وتباكى للإسلام وشدّة الحذر تجفّف بلل أدمعه، وحاكى من تقدمه في قصد الفرنج على كثرة خوفه من بأس التتار وهَلَعِهِ، واستعاد ﵀ من الفرنج قلاعًا كثيرة، وأمهات

стр. 618

مدن جليلة، وخَلفَهُ الملك المنصور قلاوون (١) قدس الله روحه، فسلك سبيل صاحبه، ولم يشغله مهم التتار عنهم، ولا قسم فكره تقسم فئة الإسلام واعتصام من اعتصم بصهيون والكرك، بل صرف إلى كل وجهةٍ وجهًا … وجرَّدَ إلى كل ناحيةٍ عَزْمًا، وفتح طرابلس والمرقب (٢) وغيرهما. وطرابلس (٣): كرسي ملك، ودار علم، وإقليم بلاد. وأما المرقب (٤)، فلا يفتر البَرقُ إلا في ثنايا شُرفاتها، ولا يتمثل محيا الصباح إلا في صفاء صفاتها وقد شَمَخَت على النجوم فما رضِيتْ بها إلا حصباء في مدارج طرقها، وبذخت على الشموس وضربتها عليها سرادق في أفقها، وما أهمل ﵀ أمر الفرنج ولا ألهاه ما سواه، وللفتن بمملكته على كل يفاع نار تشب، وللخوارج عليه في كل ناحية اقتلاع قلاع وأمور تستتب. ثم كان ابنه الملك الأشرف أبو الفتح خليل (٥) تغمده الله برضوانه فأفرغ لهم جعبته، وسدّد إليهم نبله، ولبس لها جلد النمر وأعلق بها براثن الضيغم، وحَلَّق إليها تحليق العقاب، وانقض عليها انقضاض النجم، ونادى نفيرُهُ إِلى الجهاد، وأسمع داعيه كل ذي أذن، ونَهَدَ إِليهم بالعساكر المحمدية والجيوش الإسلامية وجميع أهل الآفاق، حتى أخذ عكّا (٦)، و وجميع ما بقي بأيدي الفرنج الملاعين (٧)، ورفع عليها

стр. 619

الرايات المحمدية وتلقاها باليمين، وكانت عكا هي أم بلاد بلاد الساحل، فلما أخذها أيقنت توابعها بأنه لا طاقة لها بالممانعة فسلمت للاستسلام. وأسْلَمَتْ بإِسلام أمها، ودَخَلَتْ بحكم المتابعة معها في الإسلام، فما مات ﵀ حتى نظف الساحل من دَرَنِ الفرنج، وطهره من رجس الكفر، وصارت البلاد كلها من الفرات إلى أسوان أهل ملة واحدة ودين واحد، إلا الذمة أو مَنْ أوْثَقَهُ الأسر، ومَنْ جرى عليه حكم الرق، وكان في أيامه تمام الفتوح، وختام ما فارقَتْ عليه الدنيا تلك الروح. ولولا تنظيفه للبلاد منهم، وتوظيفه على أيامه أن لا يؤخر بقية لهم لكانوا في سنة تسع وتسعين وستمائة عندما قدم السلطان محمود غازان (١) البلاد وعاد، قد ملكوا الشام، وأهلكوا الأنام، واغتنموا الفرصة في غيبة العساكر وبعد الأمراء، وتفرق الآراء، وأبادوا الأمة، وقلعوا من هذه البلاد شجرة الملة، ولكن الله سلّم، فله الحمد في الدنيا والآخرة عليه توكلت وإليه أنيب، وما ذكرنا هذه الجملة من أخبار الفرنج إلا لدخولها في خفارة ما تقدم في تقسيم الأقاليم من ممالك الفرنج، وإلا فليست هي من شرط هذا الكتاب، على أنها ما خَلَت من فائدة لا يستغنى عن مثلها في هذا الباب، ولا أخلت بما يتطلع إلى معرفته من يستسقي نوء هذا السحاب. ولا أقلَّتْ قارئها وفيها مع ما يستطال ما يستطاب. والله الموفق وبه نستعين.

стр. 620

الفصل الثالث: في أطوال النهار بالنسبة إلى كل إقليم ونحن نبدأ بحمد الله هذا الفصل بما نعرف به مبلغ طول النهار في كل إقليم من الأقاليم السبعة بما بينهما من التفاوت في الزيادة والنقص على ما ظَهَرَ لنا بالتحرير أو بالتقريب والله أعلم بغيبه: وأول ما نقول: إن طول الأقاليم اثنا عشر ساعة من دور الفلك، وبين عرض كل إقليم والذي يليه نصف ساعة معتدلة من النهار الأطول. فالأول: يمر وسطه على المواضع التي يكون طول النهار الأطول بها ثلاث عشرة ساعة، والسابع يمرُّ وسطه على الموضع الذي نهاره الأطول ست عشرة ة ساعة. والثاني: وسطه من حيث يكون النهار الأطول اثنتي عشرة ساعةً وربعًا إلى حيث يكون طوله ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة، ومن حيث يرتفع القطب عن الأفق ستة عشر جزءًا وثلثي جزء إلى حيث يكون ارتفاعه عشرين جزءًا ونصف جزء وذلك مسافة أربع مائة ميل وأربعين ميلًا، وهي من أقصى بلاد الصين إلى أن ينتهي إلى المغرب، وبه سكسولي مرقًا للصين. الثاني من حيث يكون طول النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة إلى حيث يكون ارتفاع القُطب أربعة وعشرين جزءًا وعُشر جزء إلى حيث يكون سبعةً وعشرين جزءًا ونصف جزء، وهذا مسافة أربعمائة ميل يبتدئ من المشرق فيمر على الصين ثم على بلاد الهند، ثم على بلاد السند، ومنه المنصورة والبيروز، ثم فيما بقي من البحر الأخضر وبحر البصرة، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة وفيه عن المدن المشهورة هناك: اليمامة والبحرين وهجر وطيبة والحجاز ومكة والطائف وجدة، ثم يقطع عرض القلزم، ثم يمر بصعيد مصر فيقطع النيل وفيه من المدن هناك أسوان وقوص وأخميم والبهنسا وأنصتا، ثم يمر في أرض المغرب على وسط إفريقية إلى بحر الغرب. الثالث: وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة إلى حيث يكون طوله أربع عشرة ونصفًا، ومن حيث يكون ارتفاع القطب ثلاثين جزءًا، وثلاثة أخماس ونصف خمس إلى حيث يكون أربعة وثلاثين جزءًا وذلك مسافة ثلاثمائة ميل وخمسين ميلًا، وهو يبتدئ من المشرق، فيمرُّ على شمال بلاد الصين، ثم يمر على بلاد الهند، وفيه من المدن المشهورة: القندهار، ثم يمر على شمالي بلاد

стр. 621

السند على كابل وكرمان وسجستان، وشيراز وعلى سواحل بحر البصرة وفيه من المدن المشهورة اصطخر وجرويسا وسابور، وسيراف وحنايا، وسيدير وبهرويان، ويمر بكور الأهواز والعراق والبصرة وواسط، وبغداد والكوفة والأنبار، ثم يمر على بلاد الشام، وفيه من المدن هناك الحيار وسلمية وحمص ودمشق وصور وعكّا وطبرية وبيت المقدس والرملة وعسقلان وغزّة والقُلزم. ثم يقطع أسفل أرض مصر، وفيه هناك الفرما وتنيس ودمياط وفسطاط مصر والفيوم ثم يقطع الإسكندرية، ثم يمر على بلاد برقة وإفريقية وفيه مدينة طرابلس الغرب والقيروان وفاس، وينتهي إلى بحر المغرب. الرابع: وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصفًا إلى حيث يكون تسعة وثلاثين جزءًا، وذلك مسافة ثلاثمائة ميل يبتدئ من المشرق، فيمر ببلاد التبت إلى خراسان، وفيه من المدن فرغانة وخجندة وأشروسنة وسمرقند وبخارى وبلخ وآمل وهراة، ومَرو الروذ، وسرخس، وطوس، ونيسابور، وجرجان، وقوس، وطبرستان، ودوناوند، وقزوين، والديلم، والري، وأصبهان، وقمر ونهاوند، والدينور، وحلوان وشهرزور، وسُرَّ من رأى، والموصل، ونصيبين، ورأس العين، وقالي قلا، وسمسياط، وحرّان والرقة، وقرقيسيا، ثم يمرّ على الشام ومدن الروم وفيه من المدن هناك: بالس ومنبج وبلطة وأذنة، وطرسوس، وعمورية ولاذقية، ويمر في بحر المغرب، وفي هذه الأقاليم تقع قرطبة وما يليها، لأن طول نهارها في تناهيه أربع عشرة ساعة وثلثا ساعة، فبينهما وبين الإقليم الرابع نصف سدس ساعة، وذلك خمسة وعشرون ميلًا. الخامس: وسطه حيث يكون طول النهار الأطول خمس عشرة ساعة وربع ساعةٍ، ومن حيث ارتفاع القطب إحدى وأربعين جزءًا إلى حيث يكون ثلاثة وأربعين جزءًا ونصف جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وخمسًا وخمسين ميلًا، وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على بلاد خراسان وفيه من المدن: الطرّار وبوكث واسبيجاب والشاش وخوارزم وأذربيجان، وكور أرمينية، وبردعة، وسجستان وخلاط، ثم يمرّ على بلاد الأندلس حتى ينتهي إلى بلاد المغرب، وفي هذا الإقليم تقع بلنسية، وشرقي الأندلس؛ لأن طول نهارها في تناهيه خمس عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة، وارتفاع القطب خمسة وأربعون جزءًا، فعليها يمر وسط الاقليم الخامس بالسواء. السادس: وسطه حيث يكون النهار خمسة عشر ساعة ونصف ساعة إلى حيث يكون خمس عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة. وارتفاع القطب خمسة وأربعون جزءًا وربع

стр. 622

جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وعشرة أميال، وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق فيمر على بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على الجزر فيقطع وسط بحر طبرستان على الروم وبلاد برجان، وينتهي إلى بحر المغرب ويقع به، بلاد فرنجة وساخنس. السابع: وسطه حيث يكون النهار ست عشرة ساعة إلى حيث يكون ست عشرة ساعة وربع ساعة، وارتفاع القطب ثمانية وأربعين جزءًا ونصفًا، وذلك مسافة مائة ميل وخمسة وثمانين ميلًا، وهذا الإقليم ينتهي من المشرق عن شمال يأجوج ومأجوج، ثم يمر على بلاد الترك على سواحل طبرستان مما يلي الشمال، ثم يمر ببلاد برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب إلى جزائر السابينس. وإذ انتهى الكلام في أطوال النهار بالأقاليم السبعة فلنذكر ما قيل في المعمور الخارج عنها، فأما ما وراء خط الاستواء في جزء المعمور بالنصف الشرقي المماس لخط الاستواء، فإنه يكون طول الأطول به اثنتي عشرة ساعة ونصف ساعة، وهو جزءان مقدّران بإقليم فحكمه حكم الإقليم الأول، لأنه كأنه أول لإقليم آخر ينشأ في الجنوب كما نشأت الأقاليم السبعة في الشمال، ويكون حكم الذي يليه حكم الإقليم الثاني، فيكون الأول منها وهو الذي يلي خط الاستواء لطول النهار به ثلاث عشرة ساعة، ويكون الثاني منها أطول النهار به ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة، ويدل على ما قلناه ما ذكره صاحب الجغرافيا في وسط العروض من عروضها؛ لأنه جعل عرض هذا الأول كالأول، وعرض الثاني الذي يلي هذا كعرض الثاني الذي يلي ذاك، وقد تقدم الكلام عليه. وأما الجزء المقدّر بنصف إقليم وراء السابع، فيكون أطول النهار به ست عشرة ساعة ونصف ساعة والله أعلم. وإذ فرغنا من هذا نذكر لفظ صاحب جغرافيا بنصّه، قال: وقد ذكر الأقاليم وعروض هذه الأقاليم بقدر ما يتزايد النهار الأطول في الصيف بنصف ساعة، وعلى هذا الوضع تكون ساعات وسط الإقليم الرابع الذي هو وسط هذه الأقاليم عند غايتها في الزيادة أربع عشرة ساعة ونصفًا، وإذا تناقصت عن هذه الساعات على الترتيب المذكور، كان غاية طول نهار وسط الإقليم الأول اثنتي عشرة ساعة، وإذا ضوعفت كانت زيادة النهار الأطول في وسط الاقليم السابع ست عشرة ساعة، ثم قال وقد ذكر آخر الشمال: وههنا يكون النهار أربعًا وعشرين ساعة لا ليل فيه، ويكون الليل أربعًا وعشرين ساعة لا نهار فيه، وذلك إذا كانت الشمس في الجدي أو في السرطان، انتهى كلامه في هذا.

стр. 623

والذي أخبرنا به حسن الرومي التاجر قال: استقصرت ليل البلغار فسألت مسعودًا المؤقت بها عن مقدار الليل بها، فقال حرّزنا هذا بالآلات الرصدية فوجدناه أربع ساعات ونصفًا، وهو غاية نقصان الليل عندنا بالبلغار. وأما قصبة أفتكون، فحرزناها فوجدنا أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف ساعة تحريرًا، أقصر من ليلنا بالبلغار، وافتكون مسافة عشرين يومًا بالسير المعتاد. وحدثني الفاضل شجاع الدين عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان لما سألته عن حدود مملكة أزبك فقال: ينتهي آخر ملكه في الشمال إلى السبر، وليس بعدها عمارة، وليليها أقصر شيء. قال: وجاء إلى جدي من أهلها فتوى يسألون أي وقت يصلي العشاء أهل بلد يطلع الصبح به قبل أن يغيب الشفق. وقد ذكر مثل هذا الشيخ شهاب الدين العراقي في كتاب «اليواقيت في المواقيت» قال: جاءت فتوى من بلاد البلغار إلى فقهاء بخارى بأن طول الليل عندهم ثلاث ساعات، وقالوا: إن اشتغلنا بالفطر، فاتنا وقت الصلاة، وإن اشتغلنا بالصلاة، طلع علينا الفجر، ويفوتنا الإفطار، فأي شيء نقدم، فافتناهم فقهاء بخارى بتقديم الإفطار، وتأخير الصلاة. قال العراقي: وذلك صحيح من فتواهم طردًا لقاعدة المصلحة، ولعل هذا في شمالي البلغار؛ لأن حسن الرومي التاجر ثقة، وأخبرنا عن موقت البلغار ما ذكرناه. ومع هذا فقد ذكر أبو عبيد البكري ما لا يمكن سكنه بالجنوب والشمال، فقال: فأما الذي لا يعمر من الأرض ولا يكون فيه حيوان ولا نبات فهو ما كان في الجنوب عرضه على خط الاستواء تسع عشرة درجة؛ لأن الشمس إذا صارت في السنبلة في خمس درجات وثبت عليه فأحرقت كل شيء هناك، وما كان في الشمال بعده عن مدار السرطان تسعين جزءًا؛ لأن الشمس إذا صارت إلى البروج الجنوبية لا تطلع عليه ستة أشهر فتنعقد هذه البخارات هناك ولا ترتفع، فلا يكون هنالك حيوان ولا نبات، وهذا أبلغ من كل ما تقدم، ولا تنكره العلماء بالهيأة. وقد ذكر البكري أيضًا المعمور وراء الإقليم السابع، فقال: وطول نهارهم زائد على ست عشرة ساعة ونصف ساعة إلى نحو سبع عشرة ساعة، ثم قال: وقيل: إن المعمور يبلغ إلى أطول ما يكون أطول النهار به ثمان عشرة ساعة، كما قيل: إن الإقليم الأول إلى خط الاستواء بلاد السودان الذين يأكلون الناس، انتهى كلام أبي عبيد البكري في ذلك. فأما ما ذكره في الجنوب من أنه لا يعمر منه ما كان عرضه على خط الاستواء تسع عشرة درجة، فصحيح مُسَلَّم إليه فيه؛ لأننا وجدنا العمارة في لوح الرسم قد انتهى

стр. 624

المعمور فيما وراء خط الاستواء بالنصف الشرقي إلى خمس عشرة درجة لم يتجاوزها، وهو المقدّر بثلاثة أجزاء وهي عرض إقليم ونصف إقليم، وقد تقدم ذكرها، ولا شك، إنما تجاوز ذلك لا يكون به حيوان ولا نبات لقوة سلطان الشمس عليه إذا تمكنت الشمس في السنبلة، كما ذكره، وأما ما ذكره في الشمال مما لا تطلع عليه الشمس ستة أشهر فلم تنازع أنه داخل تحت الإمكان، لأن علماء الهيأة لا تنكره. وأما قوله عن مبلغ طول النهار في المعمور على جانب الإقليم السابع ففيه نظر، مع ما حكاه العراقي (١) وأخبرنا به الثقات والله بكل شيء عليم.

стр. 625

الباب الثالث: في البحار وما يتعلق بها وفيه فصول: الفصل الأول: في ذكر البحار اعلم أن البحر هو العنصر الأعظم والمخلوق الأكبر والعجيب والمألوف الغريب، وجميع العالم في دائرته، وعلى بعض ما انكشف عنه وفيه أوضح الدلالات على قدرة خالقه وعظيم خلقه وبديع صنعه، وقد ذكره الله في غير موضع من القرآن الكريم، كلها في مقام التعظيم له، وضرب المثل به كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (٢) فلو لم يكن البحر الغاية في العظمة وأنه لا يتخيل أحد أنه ينفد لما ضرب المثل به، وأنه ينفد ولا تنفد كلماته ولو جيء بمثله مددًا. وفي الآية الثانية مبالغة، أي أنه لو أن هذا البحر وهو هذا العظيم في أذهانكم، الكبير في صدوركم، ومثله سبعة أبحر تمدّه لنفد وما نفدت كلمات الله، وهذا غاية في تعظيمه؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وكلام الله صفة من صفات الله لا يتناهى، ومثله بأكثر ما هو مستقر في صدور بني آدم أنه لا يتناهى، ومن تأمل هذا بعين التحقيق وقف منه على لطيفة لا يمكن التعبير عنها في تعظيم خلق البحر، وهو على ما في ركوبه من الخطر العظيم والضرر الكبير يُفيدُ الأموال الجمّة والنعم الضخمة، ويخرج اللؤلؤ، ويقذف العنبر، ويُنقِدُ الذهب، وقد تقدّم في هذا الكتاب ما يُعرف به مواضع ذلك منه، وأي مكان بَعُدَ عن البحر الملح أربعة عشر يومًا لا يمكن سكنه لإفراطه في الوخامة وسوء الأبخرة، إذ كان الملح مُلطّفًا للهواء ومُفتحًا للسُّدَد، ولهذا يعرض لمن بَعُدَ عن البحر تولّد البرودة القاتلة لغلظ جوهر الهواء وضعفه عن التحليل وما ذكر البحر في

стр. 626

موضع من القرآن الكريم. ولا مكان من الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام إلا في موضع التعظيم، وقَدْ مَنَّ الله به على خَلْقِهِ، وسَخَّرَهُ للعباد، وسجرَهُ عن البلاد، وجعله آية لمعتبر، وغايةً لمتفكّر، وهو أحَدُ السبيلين، ومكاسبه أوفر من البرّ، وربحه أعظم بما لا يُقاس، ولا يدخل في حد قياس والتجار تقول: البحر يُعطي جزافًا ويأخذ جزافًا. وفي البحر خزائن الرزق، ووجوه المنافع، وقد خَلَقَه الله فأبدع خلقه، وشقق به أقطار الأرض لما اقتضته دقائق الحكمة لحمل الأثقال وركوب الرفقة الكثيرة إلى الأماكن البعيدة، والبلاد الشاسعة، وقد كرم الله بني آدم بركوبه وحملهم عليه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (١) فسبحان من خلقه وأبدعه، وأتقن منه ما صنعه، وبثَّ فيه أنواع الحيوان، وأصناف الدواب، وصَرَّف فيه نوع الإنسان، وذلل لهم مناكبه، وسَهَّل مذاهبه، ويسر لهم مراكبه ويسر راكبه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ (٢) وقد جعل منه رزقًا طيبًا، وملبسًا فاخرًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾ (٣) وجعل أعلامها يهتدى بها في ظلماتها ويُعرف بها مواضع جهاتها، وقال تعالى وقد ذكر البحرين الشروب والمالح وما للناس فيهما من عموم المصالح فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ (٤). ومن أمعن التفكر في هذه الآيات، عرف ما جعل الله في البحر من ضروب المنافع وأشتات المصالح، وهو الآية الكبرى لمن عرف عميم نفعه وعظيم قدرة الله في تسخيره وجليل صنعه. والبحر تختلف أحواله وأحوال الراكب عليه، فيكون مرةً هاديًا مطاوعًا ومرةً هائجًا ممتنعًا، ومرةً موافقًا ممكنًا، فإذا كان هاديًا مطاوعًا وهو أجود أحواله وأحسن أَوْصَافِهِ، ولا يكون ذلك غالبًا إلا في الفصل المناسب والريح الموافق، وذلك الوقت يتصرف راكبه كيف أراد ويحط على حسب اختياره، وإذا كان هكذا، كان أسهل من البر

стр. 627

وأقل مشقّة وأخف كلفة، وأجمع شملًا للمسافر ومتاعِهِ وأتباعه وغلمانه وسائر ما يكون معه وهو مقيم سائر وحال ظاعِنٌ، كأنه في وسط داره على فراشه، متمرفقًا على وسادته بين أهله وأولاده وغلمانِهِ، ومعه زاده وماؤه، وطعامه يطبخ له بكرةً وعشاء، يُغدى عليه ويُراح بما يُريد، ولا يتأخر له مأكل ولا مشرب ولا نوم عن وقته المعتاد، وعادته المألوفة، هذا كله والريح مطاوع، والبحر متابع والأمواج قد ألْقَتْ ما فيها وتخلَّتْ، أو رَفَعَتْ سجوف غواديها وتجَلَّتْ، والبحر يلين متنه لراكبه، وينيل المسافر ما يُريد من السعي في مناكبه، وقد هدأ حتى كأنّه كفّ، واستقر حتى كأنه صف، ورق جوُّهُ فَبَرَزَ في غلائله، وقرَّ صحوُهُ فَعُرِف بلطف شمائله، وجرت الرياح بما تشتهي سَفُنه، وتنتهي معه كيفما امتدَّ رَسَنُه، وتطاوِعُه فلا تجاذبه ولا تلج في دفعه ولا يتخبط طائره الواقع ليتخلص من حبائل قَلْعِهِ، والسماء تماثل البحر في لون مائه، ويُنظر وجهها في مرآة صفائه، والسفن عليه قارّة لا تزول عمّا تَوَجَّهَتْ إِليه، ولا تزلُّ عما مَشَتْ في النهج القويم عليه. وركاب البحر قد نَدِموا على فائت أوقاتهم الذاهبة في البر وضياعها، لم ينعموا فيها بأهنأ مركب ومستقر، كما قال ﷺ وقد استيقظ من منامه: «رأيتُ قومًا من أمتي يركبون ثبج هذا البحر كأنهم الملوك على الأسرة» فهم لسكون البحر في دوام راحة ومَسَرَّة، وموافقة باحَ لهم معها بما عنده وعَرَّفَهُم سِرَّه، لا يُمِلُّهم ما يُمل الراكب من التعب، ولا يضايقهم كور بجانبيه ولا رحل ذو ثلاث شُعب، وهم يقطعون أوقاتهم بأنواع كل مرآها جميل، وكل من رآها يرنحه الطرب إليها ويميل، فأما في الليل فهو أقل أوقاته لراكبه انبساطًا، وأكل لسيفِهِ المرهف انتضاء واختراطًا، فإنه يكون بين سمائين تَمَاثَلَتا بدرر الكواكب، وتقابلتا، هذه هُوَ إليها بالناظر ناظر، وهذه هو عليها بالمراكب راكب، فإن أجرى عليها القمر لجينه الذائب ودبَّ قتير شيبه في مفرق الليل وجرَّ على البحر الذوائب، فإنه يرى ما يفتن نظرًا، ويُحْسِنُ بعد كل عين أثرا، فأما إن نظر في السحر فعاين الليل وقد كف، والسيل الآتي بفوافع زَبَدِهِ وقَدْ خفَّ، والنسيم وقد هب طائره من وكره، والصبح وقد جال وهمًا في ضمير فجره، ثم اتبعه وقد طما الصباح، وطم جدوله وفاض على الأقاح، فوثَبَ مبادرًا إلى الليل فألقى مرطه وطاح، وذَهَب مباكرًا إلى الصبوح، وفي كلّ أفق له كأس راح، ثم استمر حتى تشرق الشمس وتستقر في البحر على عمودها المُغرق، فتمدّ شعاعًا على الشفق، فمنه المتوقد ومنه المحترق، ثم إذا ارتفع الضحى ودارتْ في موجه المضطرب كالرحى فَسَرَتْ في أقطار الأرض بعوثُهُ، وَفَسَّرت في دقائقه بحوثه، ثم إذا كان في وسط النهار، وقد مالَ عليه جُرفُ الشمس وانهار، والتقى الشعاع بالشعاع وامتد معه الباع بالباع،

стр. 628

وبدا كأنّه صفيحة صيقل أطبق عليها أخرى، وحديقة نوار أطلق عليها نهرًا، ثم إذا كان العصر، وقد جنح الأصيل، وطرح شُعاع شمْسِهِ على مرآة الصيقل، وقد هم النهار وما ذهب، وخالط لازورد سمائه ذائبُ ذَهَبْ، ثم إذا آذن النهار بذهاب وأذن مؤذن المساء بالاقتراب، ترى الشمس كيف تُعلَّل، وكيف تمتد لتجذب إلى الغروب بأمراس كتان، إلى صم جندل، فإنه في تقلّبات هذه الأحوال، وتنقلات أحوالها من حال إلى حال، يكحل طرفَهُ بالعَجَب، ويُنحل أيامه شكرًا الله وَجَبْ، وهو لهذا كله تراه عيانًا إذا تطلع في فرنده الصقيل، وتُحققه بالنظر لا بالدليل، وأكثر ما يكون الأمر على هذا إذا كان في البر الشامي، وما هو منه في أواخر الربيع إلى أوائل الخريف، فأما في البحر الهندي، وما هو منه فبالعكس، وأما إذا كان هائجًا ممتنعًا فإنه يكون بخلاف هذه الأوصاف، وأهون أموره يُخاف، ولا يكون ذلك غالبًا إلا في الفصل المنافي والريح المباين، على أن البحر إلى هذا الحال في كل وقتٍ أقرب مما سواه، والعطب فيه أكثر من السلامة، وراكبه في هذا الوقت ليس بمحمود وإن سلم، لا يهدأ فيه راكب ولا يحمده مسافر، ولا يسلكه إِلا مُغَرَّر، ولا يركب فيه إلا مخاطر، وقد عرض راكبه نفسه وأهله وماله ومن معه وما معه للهلاك، فإن سلم وقَلَّ أنْ يَسْلَم كان عُرضةً لمقاساة الشدائد، ورؤية الأهوال، ولا يبلغ مراده على ما في خاطرِهِ، ويكون طوع الريح يؤديه كيف اراد، ويلعب به كيف شاء، يرى الموت في كل وحي طرفٍ وإيماء يد، ألقى بيدِهِ إلى التهلكة، وسلّم نفسه إلى العدوّ المهلك والسبع المغتال، يقاسي البحر وقد تنكر وجهه العبوس، وتغيّر وتبدّل نعيمه ببوس، واضطربت أمواجه، واقتربت أمداده، وضاقت في مجاله الفسيح فجاجه، واكفهر وبَسَر واسبطر، ورَدَّ خوفًا أن يدركه تبصر وماج وهدر ورغا، وماد وقدر وبغى، ومال وقهَرَ وطغى، وصال وكثر ونال ما ابتغى، وهال هديره وطال هريره، وقَدَحت ناره وهب زمهريره، وكلَحَتْ وجوه مذاهبه، وشقشقت قراقيره، وجاءت أفواجه تترامى على الطرق وأمواجه تتسامى في الأفق، وزماجره تقتلع كلّ مرسية حصينة، وكواسره أسدًا فاغرة تبتلع كل سفينة، ونظر بطرفه إلى السماء، وتشاوس وخطر بطرفه إلى السحاب، وشَمَسَ أو تشامس وسلك بموجه مسلكًا صعبًا، وملك فجار، وأخذ كل سفينة غصبا، وهلك راكبه فتارة يكون في قراره، وتارةً يثب إلى السماء وثبا، وأقبلَتْ دُفَعُهُ لا تُدْفَع، ودُفَقُه لا يغيض لها منبع، وراكبه مثله كلاهما ترعد فرائصه، وتبعد نقائصه، ومراكبه تصطدم كأنها فحول، وتصطلم كأنها فيول، قد برزت مداريها كأنها نصول وبرزت صواريها كأنّها أنياب غول، قد أصبحت لراكبها ردى في كل مذهب، وصدى أينما تذهب به الريح يذهب.

стр. 629

فأما في الليل وقد غشي البحر بمثله ظلامًا، وخشي أن يُضيء له البرق فسد أنقابه عليها الغمام لثامًا، وقد خَفَق الريح العقيم في يمه، ونَفَثَ فألقى نافِثَ سُمِّه، فزمجر وتطاير زبده، وجرجر وارتعدت مفاصله ويده. فولول الجو وتكدر صفيحه وهول. وتغير على راكب البحر ريحه، واعتم الغمام وجادت (١) مجاديحه، وأظلم الأفق وطفت سُرُجُه وخَبَتْ مصابيحه. ثم إذا قيل: ها قد طلع الفجر مَطَلَ بضوئه، وهَطَلَ في غدير الصباح بنوئه، ثم يُصْبِحُ كأنه أمسى، ويُقلعُ غراب الليل كأنه أرسى، فإذا طلع النهار وأوقد في تلك الظلمات مصباحه، وعلم أن الليل قد ذَهَبَ أوان رواحه، ظَهَرَ هول البحر وبان، وبَرَزَ ما كان يتوهّمه بالظنّ إلى ما يراه بالعيان، ثم تحيّن وقت الظهر والأمر لا يزداد إلا شدة، والبحر لا يَنْفَكُ هو وراكبُهُ في رِعْدَةٍ، لا تخرج به غادة الشمس من خدرها ولا تتبرّج، ولا تتحرّى في إثم من تقتل ولا تتحرّج، والريح تخفق قوادِمه، وتخف قوائمه، ويكف الموج بعضه ببعض، وتتراكض خيوله وتتقاطع صوارمه، حتى إِذا أَذَّنَ مؤَذِّن العصر وأوقدت السّرُج، وقيل قد حان وقت الليل وآن أن يتلاقى مرج البحرين، البحر المزبد ودفع السيل، أَخَذَ أهل السفينة في التأهب لمقاساة الهول، ومعاناة أمثال ما تَقَدَّمَ فيه القول، فلا يكون أهول من مرآه. ولا أهون من الموت على من يراه، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ورأوا البر قريبًا ورآهم بعيدًا، وقد تقدم القول: إن هذا هو حكم غالبِ أوقات راكب البحر، وقد قدمنا ذكر وقت اضطرابه، وهو في جنبي الأرض بحسب اختلاف الريح في كلِّ منهما وانقلابه، وأما إذا كان موافقًا ممكنًا وتلك أوسط حالاته، وذلك غالبًا، إذا كان أحد الشيئين مناسبًا والآخر منافيًا أما الفصل أو الريح وهذه يحكم فيها الأغلب، فأما على التساوي فأجودهما أن يكون الريح موافقة، وَدَعْ لا يكون الفصل مناسبًا وفي ذلك تظهر جودة السفينة وطول يد الرائس والبحرية العاملين عليها، فإن الرائس يُسايس البحر ويُداريه، ويُساير موكبه ويأخذ الماء من مجاريه حتى يروّض نافِرَه ويقود شكيمته ويخوض زاخره، ويسلّ سخيمته وهو يلاين سائره في كل إبّان ويلائم كاسِرَه ويُراضي ساخطه الغضبان، فإن اشتدَّ به الريح، أرخى القلوع ودارى، أو هاج عليه البحر جرى معه وجارى، يعمل في

стр. 630

كل وقت بما ظهر له واستبان، ويعلم من أموره ما يتقنها ويَعْمَلُها بحسبان، فتجول سوابق سفائنه، بَلْ سوائر مدائنه، وكأنّها في خَلَلِ الأمواج عقارب دبت على زجاج، وتَنْبَثُ في البحر شرقًا وغربًا، وتجري دهمًا وشهبًا، وتجول يمينًا وشمالًا، وتُقلع طيورًا، وتحط جبالًا، وتسير كأنها في السماء نجوم، وتسح كأنها في الماء غيوم، ويقيد الموج خطوها كأنها تحجل، ويُطلق الريح عنانها فتطير بها أيد سراع وأرجل، والعارف النحرير يمشي معه متابعًا حتى يستقيم، ومخادعًا حتى تنقلب الريح وتعود له وهي نسيم، فحينئذ تقتاد زمامه مطاوعًا، ويعتاد لزامه فلا يزال له إلى كل قصد متابعًا، ويُصبح ويمسي والبحر تخطه المراكب كأنه كتاب، والريح تحطه للراكب كانه عتاب، ويكون الراكب في أحواله حين يضطرب ويستقيم، وتُصرّفه ريح صبًا أو عقيم، تارة وتارةً ومرةً يتشاغَلُ بهمه ومرّةً يغتر بموادعة البحر له، فطورًا يغني وطورًا ينوح. وآونةً يؤمل الربح وآوِنَةً يقنع من رأس ماله بسلامة الرّوح، فهذه أحوال راكب البحر في هذه الأحوال الثلاثة ولا رابع لها. فأما حالاته العجيبة، ومخلوقاته الغريبة، فشيء لا تكيفه العقول ولا تَسَعُهُ الألباب. ولا يدخل في حدّ ولا يُحْصَرُ في عَدّولا ينتهي إلى كله، ولا يُحاط ببعضه، وفي المثل السائر: حدّث عن البحر ولا حَرَج، وقد أكثر أرباب التصنيف في هذا الباب، وبالغ أهل التأليف في هذا الطريق، واختلط القول واختلف الحديث، وكان رأيي أن أسُدَّ هذا الباب وأعرض عن هذا القصد، ثم دعاني الاحتفال بأمر هذا العجب العجيب، والعُباب الزاخر إلى إثبات شيء مما سمعته بأذني من الثقات. وأنا أذكرُهُ إِنْ شاء الله موجزًا فيه ولا أعرّج على ما تضمنته كتب العجائب، ولا أعرض بما يُحكى في ملفّفات الصحائف لعدم الوقوف فيه على حقيقة والوثوق منه بالعلم اليقين والخبر الصحيح. اللهم إلا ما ورد من حديث العنبر الذي رُوي من حديث الزبير عن جابر. قال: بعثنا (١) رسول الله ﷺ ، وأمر علينا أبا عبيدة نتلقّى عيرًا لقريش (٢)، وتزوّدنا جرابًا من تمر لم نَجِد غيره، فكان أبو عبيدة يُعطينا تمرةً تمرة. قال فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا

стр. 631

إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الحبط ثم نبله بالماء، فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيأة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هي دابةٌ تُسمّى العنبر. قال: قال أبو عبيدة: مَيِّتَةٌ ثم قال: لا بل نحنُ رُسُلُ رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلثمائة حتى سَمِنًا، قال: ولقد رأيتنا نغترف جَرَّ وَقْبِ عَيْنِهِ بالقلال الدهن ونقتطع منه الفِدَر كفدر الثور، فلقد أخَذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وَقْبِ عينهِ، وأخَذَ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعْظَمَ بعير معنا فمر من تحتها وتزوّدنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك لَهُ، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه، فأكله، وفي حديث عمرو عن جابر قال: وأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه، فمرّ تحته. ثم إن جنحنا إلى ذكر شيء مما قيل فلعلنا لا نُغَلْغِلُ ولا ننصب ما نلم به هدفًا لرواشق الألسنة، ولا نعدل به إلى السيئة عن الحسنة، وأما ما نتكلم عليه من أمر البحار، فقد قال الشريف (١): ويخترق هذه الأقاليم السبعة سبعة أبحر (٢)، ستة منها مُتصلة، وبحر (٣) منفصل لا يتصل بشيء من البحور، ثم ذكر السبعة. والستة المتصلة هي: البحر الهندي والخليجان الخارجان منه وهما الفارسي والقلزم. والبحر الشامي والخليجان الخارجان منه وهما خليج البنادقة وبحر نيطش (٤)، والبحر السابع المنقطع هو بحر طبرستان. قلت: وعلى الشريف استدراك أنه خرج من البحر الشامي خليجان البندقي ونيطش، ولم يذكر الثالث وهو الخليج القسطنطيني، فإنه لم يُفْرِده بذكر كما أفردهما. والذي نقول: إن البحور ثلاثة منها الأمهات الخارجات من المحيط اثنان: الهندي ومنه الفارسي والقلزم، والشامي، ومنه البندقي والقسطنطيني ونيطش وَمِنْ نيطش مانيطش، وقيل بالعكس فيهما. ويسمى البحر الأسود وهو بحر القلزم، وذهب بعضهم إلى أنه من المحيط نفسه وهذا محال، فأما الطبرستاني، فبحر في الأرض لا

стр. 632

مخرج له من المحيط ولا مما خرج منه، وتكون حينئذ البحور المحققة ثمانية والمختلف فيهما اثنان سنذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما الشائع الذائع في قول الناس سبعة أبحر، فإن كان مستندهم فيه مجرد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (١). من غير دليل آخر من منقول صحيح أو معقول صريح، فما لَهُمْ في هذا مستند؛ لأنه جاء مجيء المثل، وأما أقوى مستند لهم أن لا يُعدّ الطبرستاني في الأبحر فتبقى الأبحر سبعة بلا خلاف، وهذا هو مرادهم والله أعلم. وأكثر هذه البحور وأعظمها طولًا وعرضًا هو البحر الهندي. قال الشريف في كتاب أجار (٢): وهو بحر الصين والهند والسند واليمن ومبدؤه من جهة المشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة ممتدة مع خط الاستواء إلى جهة المغرب فيمر بالصين أولًا ثم بالهند ثم بالسند ثم باليمن على جنوبها وينتهي إلى باب المندب، وهناك مَبْلَغ طوله، وطوله على هذه المسافات على ما حكاه الثقات المسافرون والمتجولون (٣) الخائضون فيه المغلغلون (٤) من بلد إلى بلد أن مبدأ بحر القلزم أن الواق واق أربعة آلاف فرسخ وخمسة مائة فرسخ. وقال البكري: إن طوله ثمانية آلاف ميل وعرضه ألفان وتسع مائة ميل، ويدق في موضع آخر حتى يكون ألف أو تسع مائة ميل، وقال بعض المتأخرين (٥): مبدؤه من لوقين وهي أوّل مرافئ الصين ثم يمر بخانقو فرجة (٦) للصين العظيم، ثم بسمندر (٧) من بلاد الهند ثم بحارتين (٨) ثم بقندرينة ثم تانة ثم بسندابور ثم بصيمور (٩) ثم بسندان ثم بسويارة (١٠) ثم بكنباية، وإليها ينسب القماش الكنباني (١١)، ثم

стр. 633

بالدبيل، وهو أول مرافئ السند ثم سرون (١) ثم بالتيز (٢) من بلاد مكران، وهي أحد ركني الخليج الفارسي الآتي ذكره (٣)، ويمر على ظفار (ثم) على الشحر على ساحل مهرة (٤) على شرمة وكسعا (٥) (ساحلي بلاد حضرموت)، ثم على أبين (٦) ثم على عدن، ثم المخنق ثم العارة ثم يأتي إلى باب المندب، ومن هناك يخرج خليج القلزم (٧)، وهو أجمعه يُطلق عليه البحر الهندي. وفي المصطلح إنه مدّة مروره على الصين من أوّل مخرجه من الشرق إلى سمندر يقال له: البحر الصيني، ثم مدّة مروره بالهند والسند من سمندر (٨) إلى التيز يقال له: الهندي، ثم من تيز إلى المندب يقال له: اليمني. وقال النويري (٩) وهو ممن فحص وسأل السفار والمتجولين: وهذا البحر أعني الهندي جملته قسمه السالكون له ست قطع، وضعوا لها أسماء مختلفة، فالذي يمر بأرض الصين يسمى بحر صنجي (١٠) ينسب لمدينة في جزيرة من جزائره، وهو بحر كثير الأمواج مهول، فإذا كان في أوّل هياجه، ظهر فيه بالليل أشخاص سود طول الواحد منهم خمسة أشبار واقل من ذلك، يصعدون إلى المراكب ولا يضرون أحدًا، فإذا عاينهم السفارة أيقنوا بالدمار، وإذا قدر الله تعالى نجاتهم من هذه الشدة أراهم على رأس الدقل طائرًا أبيض كأنما خُلِق من النور، فيتباشرون به، فإذا ذهب عنهم الروع فقدوه. وفيه من الجزائر المعمورة جزيرة سومرة (١١) يحيط بها ألف ميل، ومائتا ميل وفيها مدائن كثيرة، أجلها المدينة التي تُنسب إليها، ومنها يجلب الكافور، وجزيرة صنجي وإليها تنسب هذه القطعة، وطولها مائتا ميل، وعرضها أقل من ذلك، وفيها

стр. 634

جواميس وبقر بغير أذناب. وجزيرة ألفُوجة، يُحيط بها أربعمائة ميل، عمارتها متصلة. ثم بحر الصنف (١) في جزيرة من جزائره، مدينة، وهو بحر خبيث، كثير الأمطار والرياح الشديدة، وفي جباله معادن الذهب والرصاص، وفيه مغاص اللؤلؤ، وفي غياضه الخيزران، وفيه مملكة المهراج، ويَشْتَمل على جزائر لا تحصى ولا يمكن المراكب أن تطوف بها في سنة، وفيها أنواع الطيب من الكافور والقرنفل والعود والصندل، والجوزبوا والبَسْبَاسة والكتابة. ومن جزائره المشهورة، جزيرة الزانج (٢)، وتكسيرها سبعمائة فرسخ وبها يكون المهراج، وهو اسم يطلق على كل من ملكها. وجزيرة البركان؛ وهي جزيرة فيها جبل يرمي بالشرر ليلًا وبالرعود والعواصف نهارًا، وهي أحد آطام الدنيا المشهورة. وجزيرة قمار (٣): إليها يُنْسَب العود القماري، وبها شجر الصندل دورها أربعة أشهر وهي مأوى عبّاد الهند وعلمائهم، ويسمّى ملكها قامرون. وجزائر الرامي (٤)، وهي نحو ألف جزيرة، كلها معمورة، بها الملوك، وفيها معادن الذهب وشجر الكافور. وجزائر لنجيالوس، ويقال: لنكالوس وهي كبيرة، وأهلها سود، مشوّهو الصور لقربها من خط الاستواء، وبها معادن الحديد. ثم بحر لاروي (ويقال له بحر كله) (٥)، وبحر الجاوة، وبحر فنصور، وإنما ترادفت عليه هذه الأسماء بحسب ما يمر عليه من البلاد والجزائر وهو بحر لا يُدْرَكُ قعره. وفيه نحو ألف جزيرة تسمى جزائر النارجيل لكثرته بها، وكلها عامرة بالناس، وبين الجزيرة والجزيرة الفرسخ والفرسخان، وليس يوجد في سائر جزائر البحر ألطف صنعةً من أهل جزائره في سائر المهن. وبيوت أموالها الودع.

стр. 635

ومن جزائره المشهورة مما يلي أول بلاد الهند جزيرة الماند (١) وهي جزيرة يحيط بها ألف ميل وأربعمائة ميل، وفيها ثلاث كبار. وجزيرة كرموه (٢)، يحيط بها ثلاثمائة ميل. وجزيرة بلي، منسوبة لمدينة من الهند على ساحله، يأتيها التجار لأجل الفلفل. وجزائر الذئاب، وهي كثيرة وأكبرها جزيرة ديبي (٣) وسكانها قبائل من العرب يحيط بها أربع مائة ميل، وفيها الموز وقصب السكر. وجزيرة السيلان: وطولها ستمائة ميل، وعرضها قريب من ذلك، وفيها مدن كثيرة، وإليها ينسب العود السيلي. وجزيرة كله (٤)، وإليها ينسب البحر، وهي جزيرة خطيرة طولها ثمانمائة ميل، وعرضها ثلاثمائة ميل وخمسون ميلًا، وبها من المدن فنصور فيها شجر الكافور وفيها العود الفاخر. وملاير ولا روى وكله، وإِليها يُنسَبُ الدُّهن. ولكل مدينة من هذه المدن خَوْرٌ تعبره المراكب من البحر. وجزيرة صندابولات (٥)، وطولها نحو من مائتي ميل، وعرضها نحو مائة ميل، تُنسب إلى مدينة هي فيها. وجزائر بداميان، فيها أمم سود قباح الوجوه، قامة الرجل منهم أقل من ذراع، ليس لهم مراكب، فإذا وقع إليهم غريقٌ أو من يتيه من التجار أكلوه. ثم بحر هر كند (٦). وفيه جزائر كثيرة، يقال: إن عدتها ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة يقع فيها العنبر الذي تكون القطعة منه كالبيت، وسكانها أحذق الناس في الحياكة، ينسجون القميص بكميه ودخاريزه قطعةً واحدةً. وفيه من الجزائر المشهورة: جزيرة سرنديب (٧)، وهي مدوّرة الشكل يحيط بها ألف فرسخ يشقها جبل الراهون، وهو الجبل الذي هبط عليه آدم ﵇ من الجنّة،
следующие страницы →