← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

ثم لم يزل به حتى شرب، ولد معه عامة ليلته وطرب. فلما طلع ابن ذكاء، وأنار الصُّبحُ وأضاء، شكر له المنصور حلَّ عُقدة الغلام، وقال: مثلك من سَحَرَ بالكلام. ثم سنى له الجائزة، وغدا ابن تميم ويده لها حائزة. ثم استدعاه ليلة أخرى، والحندس قد أسبل جلابيبه، والظلام قد صب شآبيبه، والنجوم قد آلت أن لا تزول، وركائبُ السَّيَّارَةِ على المجرَّةِ نُزول. فبيناهم في ذلك العيش السَّجسج، وبُرْدُ السُّرورِ الذي مثلهُ ما يُنسج، وإذا بجارية في ظلامها مسفرة، ولذمامها غير مُحقرة. قد عَنَّت كالظَّبية المقبلة، تحت ذيل ذوائبها المسبلة، فقال له: إن كنت من أبناء قَيْلة، قل في هذه الليلة. فقال (١): [من الكامل] يا ليلةً قصَّرتِ زورةَ غادةٍ … سَفَرَتْ فأغنى وَجْهُها عن بدرها حتى إذا خافت هجوم صباحها … نَشَرَتْ ثلاث ذوائب من شعرها فتبسمت تضحك لشَيبِ مفرقه، وتوضح الشمس في مفرقه، فقال (٢): [من الوافر] تقول وقد وصفت لها مشيبي … بزهر في دُجَى شعري منير بودي لو يغيّبُهَا غمامٌ … ويؤمر بالمقام فلا يسير فقال له الملك المنصور: دع عنك هذا، وقل في ذوائب هذه الجارية، فقال (٣): [من الطويل] وهيفاء يسبينا اهتزاز قوامها … وتفتننا بالسحر أجفانها المرضى يطول عليها الشعر حتى إذا مشت … أَتَى خاضعًا قدامها يلثم الأرضا فقال له: بالله هل أعجبتك هذه الجارية؟ فقال: إي والذي خلق الحُب، وقيم الز … ، فضحك المنصور، وضحكت الجارية. ثم قال له: أفتحب أن تكون ملكك، على أن لا تمنعنا من عادة زيارتها؟ فقال: رضيتُ بالشَّركة. فقال له المنصور: لو قلت هذا شعرًا لكان أحسن. فقال: [من الطويل] يقولون لم نعهدك في الحب آخذًا … شريكًا ولا مستأنسًا بصديق فقلتُ طريق الحب أصعب مخطرًا … مخوفًا فلم يُسْلَك بغير رفيق فقضى معه ليلةً لم ير مثلها ابن حُجْرٍ في لياليه الغُران، ولا ابن بحر عند ابن الخيزران. وحكي أنه استدعاه في صبيحة يوم أبيض، ونور بات ياسمينه على الأرض

стр. 5742

ينفض، والثلج قد نثر كافوره، والجليد قد كسر بلوره، والسحائب قد أضحت ذيولها مجرورة، والبرقُ قد تلوّن طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة، وأواني الزجاج قد شفت من وراء مُدامها، والدنان قد فُكَ عنها ختام فدامها، ورجال الرّاح قد رادت في إقدامها، والساقي بعذارٍ كأَنَّما كُتِبَ بالريحان، أو سيج بالزُّمرُّدِ بنتَ الحان، وتحت عذاره خيلان قد خبّأت مسكها فزاد تضوُّعًا، وكَثُرَ طيبه تنوعًا. قد بارَحَ نشرها وفاح، وعلم بنقطها في خده أنه قد تم وصف التفاح. فلما دخل عليه في بِكْرَةِ ذلك اليوم الأغر، ورأى الدنيا الضاحكة تَفْتَرّ، أَنشده (١): [من الكامل] يا أيها الملك الذي بسطت له … بالجود كف دهرها لم تُقبض دنياك مذ وعَدَتْ بأَنَّكَ لم تزل … في نعمة وسعادة لا تنقضي كان الدليل على وفاها أنَّها … أضحت تقابلنا بوجه أبيض فقال له: ما لهذا طلبتك، ولا لأجله خبّأتك، لكن انظر إلى شامات هذا الساقي تحت عذاره، وقل في أسِّهِ وعذاره. فلم يقل إيهًا، حتى قال بديها (٢): [من الكامل] ومهفهف خيلانه وعذاره … قد جاوزا حَدَّ الجمال فأفرطا فكأنما كتب العذار بخطّهِ … سطرًا بحبّات القلوب ونقطا فأجزل له الصلة، وإن لم تكن عوائده منفصلة. وحكي أنه طلبه في أخريات عصرِ غَرَبت شمسه، وكاد يتساوى يومه وأمسه. وبثَّ الرُّسُلَ في طلبه من كل صوب، وتوقَّع أَوْبَتَهُ من كل أَوْب، إلى أن توقد في فحم الدُّجَى جمر الشفق، وأهزلوا الجوزاء وخفق. فلم يوجد في ناحية، ولا رئي في عشية ولا ضاحية. فلما انشق جيب الظلام، واشتعل في المشرقِ وثيب الضرام، أُلفي في بستان نائي المكان، نائي السكان. قد خَلًا فيه بنفسه منفردًا، وبقي فيه فردًا مثل السيف مجرّدًا. فأخبر بحاله، وأحضر إليه على حاله، فأمر أن يُسقَى مُداما، ثم أوسعه ملاما، فقال (٣): [من الكامل] مَنْ كان يرغب في حياةِ فؤادِهِ … وصفائِهِ فلينًا عن هذا الورى فالماء يصفو ما نأى فإذا دَنَا … منهم تغير لونه وتكدرا وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته، وقتيلُ المَحْلِ قد أُدِّيَتْ دِيَتُه، حتى خيَّم

стр. 5743

بروضة أطال إليها الخبب والإيضاع، وأَوْدَعَت النَّسيم طيبها فضاع، وبها دولابٌ تَدرُّ مآقيه، ويَسُرُّ مدير كأسه وساقيه، قال فيها (١): [من الطويل] أيا حسنها من روضة ضاع نشرها … فنادت عليه في الرياض طيور ودولابها كادت تُعَدُّ ضلوعُهُ … لكثرة ما يبكي بها ويدور فبينا هو على تلك الوسائد، وفي خدمه من قائم الشجر تلك الولائد. فلما أمست مسكة الليل من بأرضه، وصاغ النجم له خاتمًا من فضة، أخذته إغفاءة كإغفاءة المناصل، أو أخذَ المدام بأطراف المفاصل. فرأى فيما يراه النائم غلامًا كان يهواه. قد طرقه طيفًا، وبات له في سواد الليل ضيفًا، فقال (٢): [من الطويل] أقولُ لطيف الحب إذ زار مضجعي … وبات إلى وقت الصباح معانقي أيا عجبًا من ليلة قد طويتُها … بوصل حبيبي وهو فيها مفارقي ومرحت وامتدت أقاطيع الأشعة وسَرَحت أتاهُ الغلام بقد كالرديني، وطرف كاليماني، قد لبس لام عارضه، وأسكت حسنه قول معارضه، فقال (٣): [من البسيط] مَنْ لي بأهيف قد أمست على خطر … من قده مهجتي إن ماس أو خطرا قد راح بالعارض المسكي محتجبًا … والغيم عادته أن يحجب القمرا وفيه يقول (٤): [من الطويل] وأهيف مثل البدر غصنُ قوامه … عليه قلوب العاشقين تطير تدور عذاراه لتقبيل وجنةٍ … على مثلها كان الخصيب يدور وفيه يقول (٥): [من الكامل] يا حُسْنَ أَهيف حظه من حبنا … طيب النعيم وحظنا منه الشقا قدم العذار إلى نَقَا وجناتِهِ … يا مرحبًا بقدوم جيران النقا وفيه يقول، وقد عيّره بالمشيب (٦): [من الكامل] أضحى يعيرني المشيب وإنما … أبداه طول صدوده وفراقه هذا الذي أخذ الشباب فزادَهُ … في ليل طرته وفي أحداقه وحكي أنه حضر أندية بعض الكبراء، وقد غُضَ فيه قدر من بقي من الشعراء. وهو لا يبوح ببنت شفة، ولا يحترف معهم تمرةً ولا حَشَفَة، إلا أن تَلَبُّثَ خاطره قد انفجر،

стр. 5744

وخاسي فضله لهم قد زجر. فلما لم يومئ إليهم بطرف، ولا نطق بحرف، هموا بمناجاته، فعالجهم بمفاجأته، حين أعورت عينه قذاتهم، وأعولت عنده أذاتهم، وقال: لقد جهلتم غُررَ المصاع، وكِلْتُم زُمَرَ الناس كلهم بصاع، ولو اختبرتم القد على المحك، لبان الشك. فتنوعوا حينئذ في الاقتراح، وكدوا خاطره فاستراح. فقال أحدهم: صف فوّارة. فقال (١): [من الطويل] سَمَتْ فأعادت في السماء مياهها … وزادت فأجرت من مجرتها نهرا وقال الآخر: صف كلبًا أحمر، فقال (٢): [من البسيط] وثقت بالصيد لما أن ركبت له … بمستطيل على وحش الفلا ضاري بأحمر اللون خفَّت روحُهُ فَلَهُ … روح من الريح في جسم من النَّارِ وقال الآخر: قُلْ في غلام طويل الشعر. فقال (٣): [من الكامل] قال الحبيب وقد رآني خائفًا … إذ زارني من أعين النظار أرسلت شعري حين جئتُك زائرًا … خلفي فَعَفى عنهم آثاري وقال الآخر: صف روضًا به النسيم. فقال (٤): [من الكامل] روض تحلَّى بالنبات فما له … ولحسنِهِ إلا السَّماءُ نظير والزهر مثل الزهر تحسب أنها … فيه إذا هب النسيم تسير وقال الآخر: صف حديقةً قد اهتز دوحها، وابتز عَرْفُ الجنان روحها، واخضل فيها نبت النعماء، ورفت بنت الروض على ابن ماء السماء. وبينها نهر صفا ضميرًا، وغدا لأطفال النبات ضيرًا. فقال (٥): [من مجزوء الكامل] وحديقةٍ مالت معا … طف دوحها من غيرِ سُكْرِ والنهر ساع قد غدا … بسعادة الأغصان يجري وقال الآخر: إني كلف بفتى دقيق الخصر، لم يحو مثله القصر. فقل فيه. فقال (٦): [من السريع] قد أظهر المحبوبُ أُعجوبةً … حارَ بها العاشق في أمرِهِ ضاق على خنصره خاتم … فردَّهُ يقلق في خصره وحكي أنه مرَّ مرَّةً بدار كان يعهدها معاهد ظباء، ومواعد حباء. فرآها مقفرة

стр. 5745

الأبيات، من سوانح تلك الظبيات، فوقف بها باكيًا، وطاف بأطلالها شاكيًا، وهو يقول: [من البسيط] يا ليت دارهم من بعدهم رسخت … تحت الثرى واختفت عني إلى الأبد فإن رؤيتها من بعدهم سببٌ … إلى تضرُّم نار الشوق في كبدي ثم عكف عليها طائفًا، وتذكَّرَ تليدًا وطارفًا، وقال: [من الكامل] كانت ديارهم بهم مأهولةً … تغدوبها غزلانها وتروح حتى نأوا عنها فصارت بعدهم … كالجسم لما فارقته الروح ثم والى الزفير والشهيق، حتى رثى له الشفيق، ورأى الخلي أنه لا يفيق. وحُكيَ أَنَّهُ خلا بنفسه في بعض مجالس أنسه، متداويًا من هوى برح بقلبه في جارية، كاد رياها يطير بلبه في ليلة أفصحت العيدان بحروف معجمها، وقرئت صحائف الظلماء بنقط أنجمها، وجرّت كُمْتَ الكؤوس إلى وردها، وخلطت مسك الليل بوردها. وأقبلت الجواري والولدان كاللؤلؤ المنثور، وَوُصِلت الظلماء بذوائب الشعر المنشور. وأقسم السرور أن قفل الظلماء على الفجر لا يُفْتَح، وآلى أن جانب السحر له لا يفسح، فقال: [من البسيط] إن الغناء الذي قد كان يُطربني … بكم ويُنشي مسراتي وأفراحي هو الذي صار يُنشي بعد بَيْنِكُمُ … حُزني ويجعل دمعي مزج أقداحي ثم أصبح وهو ما هو وعليه من الجماح، وأَصْحَرَ وقد غنت ذوات الجناح، فجعل يبكي ويقول (١): [من الكامل] أعلمت أنَّ الورق بعدك ساعدت … أهل الهوى بالنوح والأحزان وبحقها ناحت عليك لأنها … فقدت قوامك في غصون البان وحكي أنه جلس مرّةً بالمسجد الجامع، وقد أَجابَ داعي مؤَذِّنِهِ السَّامع. فلما فرغ من أداء ما وجب، جلس إليه رجل يقرأُ كتابًا ويُظهر العجب. فلما امتد في ذلك الطلق، ولم يفة لسانُهُ ولا نَطَق، فقال له: مِمَّ تعجب، ولم تَتَخَفَّ السَّماءُ وتحجب؟ فقال: إنها درعيات أبي العلاء، ودُرِّيّاتُ ذلك اللألاء. فقال: اقرأها عليَّ، وهاك ما لدي. فقال: لا والله حتى أترح عليك وإلا فاطرح وإليك، فقال على لسان الدرع (٢): [من الطويل]

стр. 5746

هنيئًا لمن يأوي إِلَيَّ فَإِنَّه … يلوذُ بِحِصن لا يُرام حصين وأُلبِسُهُ في الرَّوْعِ ثَوبَ سلامة … وألقى الردى عن نفسه بعيون وحُكيَ أَنَّهُ دَعاهُ بَعضُ الرؤساء إليه في ليلة باردة، أصبح منها بطن الأرض مُقشَعِرًا، وظَهْرُ الرَّوْضِ من الزَّهْرِ قَدْ تعرّى، والجليد قد أقلَّ حَيْلَ الجليد، والبَرْدُ قد نهك الحديد، فسار على كُرْةٍ منه وغيظ لم يُبنه، حتى أتى مجلسًا أمامه بَحْرَةٌ لو جاراها البَحْرُ لَجَارت، أو وأُطْلِقَتْ فيها أَزِمَّةُ السُّفنِ لَسارتْ، تَرْمي فيها فَوارِهَ كَإِنْسَانٍ يَتشَهَّدُ في الماء، أو عَمودِ فِضَّةٍ يُقيمُ خِيمَةَ السماء. فقال له ذلك الرئيس: هَلْ قُلتَ في ليلتك هذه شيئًا؟ فقال: نعم. فقال: ما هُوَ؟. فأنشَدَهُ (١): [من الوافر] وليلةِ قَرَّةٍ قد هب فيها … نسيم لا تقابله الصدور نسيم يقشَعِرُّ الرَّوضُ منه … إذا وافى ويرتعِدُ الغدير فعبَّس ذلك الرئيس وجْهَهُ وقَطَّب، وقال: ظَننتُ واللهِ أَنَّكَ تَسُرُّنَا فَسُؤْتِنا، فهَلا تكفّر هذا بما تقولُه في هذه البَحْرة، فقال (٢): [من الطويل] لقد قابلتنا بالعجائب بَحْرَةٌ … مُكَمَّلةُ الأوصاف في الطول والعَرْضِ كأنَّ الذي يرنو إليها بطرْفِهِ … يرى نفسَهُ فوق السَّما وهو في الأرضِ فقال لَهُ: فَمَا شَأْنُ الفوارة؟ فقال (٣): [من الطويل] وفوارة جادت على الأرض فانثَنَتْ … عُقَيْبَ الظَّما بالرِّي كَالنَّرْجِسِ الغَضّ وقد أرسَلَتْ لما ارتوتْ فَضْلَ مائها … هدايا على أيدي السحاب إلى الأرض فقال له: لقد واللهِ عَظُمَ حَقَّكَ عليَّ فاحْتَكِمْ. فقال: إي والله، فقال: تَهِبُني السَّاقي، وكانَ غُلامًا روميًا ناعِسَ الطَّرفِ ناعِمَ الطَّرْفِ، قد فاقَ بِسِحْرِ عينيْهِ، وفَلَّ الجيوش بكَسْرِ جفنيه. فقال (٤): [من الكامل] روحي الفداء لمن أَدارَ بلَحظِهِ … صهباء في عقلي لها تأثير فاعجب لَهُ من أن يصونَ بلَحظِهِ … مَشمولَةً وإناؤُها مكسور فاستطارَ مَسَرَّة، واستقل الغلام له في المبرة. وحكي أنه جلس على بَحْرة، أشرقت سماؤها، وطاب بكفيه المجلس ماؤها، والشمس قد توسطتِ الظَّهيرة، وأَرْخَتْ ذوائِبَ أشعتها الضفيرة، واللُّجَّةُ قد نضبت في كُلِّ ناحِيَةٍ حِبَالَة، وتناوَمَتْ عينها فما رأيتُ من الشيء إلا خياله، والماء قد لَبِسَ من

стр. 5747

شُعاعِ الشَّمسِ فِضّيَّ الغَلالة، وغابتْ سِباعُ البِرْكَةِ، فَلَعبت الغزالة، فقال (١): [من الطويل] ولما احْتَمَتْ منها الغزالَةُ بالسَّما … وعزَّ على قَنَّاصِها أن ينالها نصبنا شباك الماء في الأرضِ حيلةً … عليها فَلَم نَقْدِرْ فَصِدْنا خيالها ثُمَّ، بينما هو في إملائهما على الحضور، ويومه وَسِعَ فَوق طاقته من السرور، وإذا بفتاةٍ كانَتْ تَنْتابُ محلَّهُ انتيابَ الطَّيفِ الطارق، وتطلعُ عَلَيهِ في الأحيان، طلوع النير الشارق، وقد جاءت إليه بتهادي وزارته، ولم تُفارق جفنه شهادًا، ثم لم تلبث أن تجردت من ثيابها ونزلت الماء، وَأَرَتْهُ في الأرضِ كيفَ يَحِلُّ البدرُ السَّماء، فقال (٢): [من الكامل] لو كنت إذ أبصرتها عريانة … بضفيرتين كَلَيْلَتَيْ مهجور لتراهما أَلِفَيْنِ من مسك وقد … خُطَّا على لوح من الكافور وحضر نادي المَلِكِ المنصور، وقد حُشِرَ الصَّباحُ لَهُ ونادَى، وَقَدَحِ السَّماحُ له زنادا، واليوم أوَّلُ ما قد ترعرع، وسرير الملك بوقاره قد تزَعْزَعْ، وكؤوس الرّاح ساعية، ونفوس الأفراح داعية، وقد جلس للاصطباح، والدهر قد انقاذ نيبه للاصطلاح. وإذا بغلام قد دَخَلَ كالظبي، قد تَدَرَّعَ درع الفارس الأشوس، وخافٍ أَسْوَدُ شعر مُحَيَّاهُ دراء الأطلس، فقال له: قُلْ في هذا، فقال (٣): [من الطويل] وَأَهِيفَ أَخْفَى شَعْرَهُ تَحتَ أطلس … فأصبحَ مِنَّا كُلُّ قلب به مُغْرَى أراد بأن يُطفي عن النَّاسِ فِتْنَةً … بإخفائِهِ فَاسْتَأْنَفَتْ فتنةً أُخرى فقال: أحسنت والله، فَبِحياتي قُلْ فيه أيضًا، فقال (٤): [من الطويل] وبي ساحِرُ الأجفانِ حيَّةُ شَعرِهِ … تَبَدَّتْ لنا في أطلس راق أبصارا عجبت لها ما فارقت منه جنَّةً … فَلِمْ سَكَنَتْ من ذلك الأطلس النّارا فقال: أحسنت والله، فبحياتي قُلْ فيه أيضًا، فقال (٥): [من السريع] قلتُ لِحِبِّي إِذْ خَبا شعرُهُ … في أطلس بالغ في ستره مَكِّن يدي من لمسه قال لي … مَنْ يلمس الثعبان في وكره فقال: أحسنت والله، فبحياتي انظر إلى حُسنِ هذه المنطقة في خصره، ثمَّ قُلْ

стр. 5748

فيها شيئًا. وكان الغلام قد شدَّ عليه منطقة مجوهرة، قد عانَقَتْهُ كأَنها كَلِفَتْ بِحُبِّهِ وشُغِفَت بخَصْرِهِ غَرامًا، فتعلقت به، وتلك المنطقة كأنَّما توشحت بالمباسم، أو توشُّعَت بأصل المواسم، قَدْ جَعَلت للهوى به أقوى سَبَب، وجُليَتْ صفوًا كالرّاح طفا عليها الحَبَب، فقال (١): [من الكامل] كمْ قُلتُ إذ شدَّ الحياصَةَ شَادِنٌ … كلُّ القُلوبِ بأسرها في أسْرِهِ أَتُراهُ قد شَغَفَ النُّجوم محبَّةً … فتَساقَطَتْ وتعلّقتْ في خَصْرِهِ فقال: أحْسَنْتَ، والله، فبحياتي قُلْ أيضًا، فقال (٢): [من الكامل] لما رأت عيني مناطقَكَ التي … أَضْحَتْ بِخَصْرِكَ دائمًا تتَعَلَّقُ لا تستقِرُّ رَند عَلَتْها صفرَةٌ … ونُحولُ جِسم بالصبابة ينطق أيقنتُ أنَّ الخَصْرَ ضاعَ نَحافِةً … نَلِذا تدور جوى عليه وتقلق فقال: أحسنت والله في حياتي قُلْ أيضًا، فقال (٣): [من المتقارب] بروحي حبيب إذا ما بدا … رأيتُ العيونَ بِهِ مُحدثة أعارَ التَّثَنِّي قُدرة الغصون … فأعلقة من حليها منطقة فَسَنَى له الجائزة، ثم قال له: لك الاقتراح، وكان وقت راح، فقال: أَنْ تأذن لي أن أسافر إلى مِصْرَ مدَّة، ولَكَ أن تَشْتَرِطَ في أيام الغيبة العِدَّة، فأذن له على شريط لازم، فشَمَّر تشمير عازم، ثمَّ ما بَلَّلَ ظَلَّ الشَّجَرِ أطراف الأردية، إلا وقد نَدَّ من الأندية. وخلف رقعة كتب فيها إليه (٤): [من السريع] إنّي وبعدي عنكَ يا مالكي … وأنتَ بالإحسان لي ناظر كالروض إذ جاءت عليه السَّما … والبعد ما بينَهما ظَاهِرُ فلما أتى دمشق وَحَلَّها، واستطابَ دون البلادِ محلّها، ورأى النَّيِّرَيْنِ وقد أشرق له فيهما نير البين، وهب إليه ذلك الريا، ووقف على مجرى النهر في الدوح، تحت أغصان الثريا قال (٥): [من الطويل] سقى الله وادي النيربين فإنّني … قطعتُ بِهِ يومًا لذيذًا من العمر دَرَى أَنَّني قد جئتُهُ مُتَنَزِّهًا … فَمَدَّ لأقدامي بساطًا من الزهر وأوحى إلى الأغصان قربي فأرسَلَتْ … هدايا مع الأرواح طيبةَ النَّشْرِ

стр. 5749

وأَخْدَمَني الماء القراح فحيثُ ما الـ … تَفَتُّ رأيتُ الماء في خدمتي يجري ثم خرج يُريدُ مصر في بكرةِ يوم من أيام الربيع، قد جاء فيه النَّسيم بريح الجنان مُخبرًا، وتأجَّجَ الشفق نارًا تحرِقُ من الطيب عنبرًا، وقد ألقى أبيض الغيم على مُحْمَرِّهِ ذيله الفضفاض، وإناءُ الصَّباح قد امتلأ من نَدَى الطَّلِّ وفاض، فقال (١): [من الكامل] لِلْغَيمِ في شَفَقِ الأصائل منظَرٌ … يُلْهِي برونَقِ حُسْنِه من أبصرا لا غرو أن طابَ النَّسيمُ وأُفقُنا … نارٌ مُؤججة تحرق عنبرا ثم سار أمام كُلِّ سرية، حتى أتى الاسكندرية، وهي صنعاء البلاد، وذات الحلل لا البجاد، لا يتجاوزها الأمل، ولا يعدُّ ما فيها من حُسنِ التَّفاصيل والجُمَل. فلما تمتَّع بتحبيرها وتحريرها، وتنعم في جنّتها وحريرها قال (٢): [من الكامل] لما قصدت سكندرية زائِرًا … مَلأت فؤادي بهجة وسرورا ما درتُ فيها جانبًا إلا رَأَت … عيناي فيها جنّةً وحريرا وفي المركب بمينائها يقول (٣): [من الكامل] انظر إلى قطع المراكب إذ بَدَتْ … والماء يعلو حولها ويدور مِثْلَ السَّحائب لا يفرّق بينها … نَظَرُ وكل بال بالرياح يسير وحُكِي أَنَّهُ ماتَ لَهُ يومَ مَطَر صديقٌ بكاه، وأغرى بدمعه السحاب فحكاه فقال (٤): [من الطويل] بروحي الذي جاء الغمام يعودُهُ … فَصادَفَه نَحوَ المنية قد سَرَى فما زال يبدي حرقة وتنهدًا … ويبكي إلى أن بَلَّ من دمعه الثرى وحكي أنَّه كان قد علق غلامًا توقدت نار وجنتيه، وحَلَتْ مُجاجة شفتيه، فأتاه ليلة أثر مدام، دقق غزل مُقلتيه، وشوّش سالِفَتَيْ طُرَّتَيْه، وفي يده شمْعَةٌ أزهر منها شمعة خده، وأرشق منها قامةُ قَدِّهِ، فلما رآه مقبلًا وَثَبَ وقَبَّلَ قدميه من كتب، ثُمَّ قال بديهًا فيه وفيها (٥): [من الكامل] عجبًا لَهُ أَنَّى يزورُ بشَمعَةٍ … وضياؤُهُ أبقى الظلام نهارا لما رأته ووجهُهُ أبهى سَنًى … منها أسالَتْ دمعها مدرارا وغدت لفرط الغيظ تُعطي كُلَ مَنْ … وافَى ليقطع رأسها دينارا

стр. 5750

وحُكِيَ أَنَّه خرج يومًا بحماة يتفسَّحُ في الصحراء، والربيع قد طلع في حُلَّتِه الخضراء، حتى أَتَى النَّاعورة الكُبرى، والغُروب قد جرى على النهر تبرا، ونهر العاصي في تِلكَ العَشِيَّة قد مُوهَتْ كُؤوسه، وذهبت نجوم فواقعه شموسه، فقال يصف النهر (١): [من الطويل] ونهر إذا ما الشَّمسُ حان غروبها … عليه ولاحت في ملابسها الصُّفرِ رأينا الذي أبقت به من شُعاعها … كَأَنَّا أَرَقْنَا فيه كأسًا من الخَمْرِ ثم قال في الناعورة (٢): [من الطويل] وناعورة شبهتها حين أُلْبِسَتْ … من الشَّمس ثوبًا فوق أثوابها الخُضْرِ بطاووس بُستان يدور وينجلي … وَيَنفُضُ عن أرياشِهِ بَلَلَ القَطْرِ وحكي أنه كان قد واعد صديقًا أن يخرج مَعَه غازيًا، ثم قَعَد وانطلق صديقه غاديًا، وذلك لأنه لم يتقدَّم لَهُ عليه حقٌّ يُسلِّفه، ولا ضرب له موعدًا لا يُخْلِفُه، ثم كتب إليه يعتبه، وحمله من أثقاله، ما يُعتبه، فكتب إليه (٣): [من الطويل] رَأَيْتُكَ إذ ألزمتني الذَّنب ظالمًا … وذنبك بين النَّاسِ قد شاعَ واشْتَهَرْ كقلب الذي يهوى يعذَّب دائمًا … ولم يجنِ ذنبًا إِنَّمَا الذَّنْبُ للبَصَرْ ثُمَّ لمَّا فَقَدَ ذلك الصديق، وقابل عُذره بوجهه الصَّفيق، جَعَلَ يَذكُرُ مواقف غَزَاتِه، والاعتداد بمجازاته، فقال (٤): [من الطويل] أَتَفخَرُ إذ طاعنت خيلًا مُغيرةً … فوارِسُها يوم الوغى ما لَها ذِكْرُ وفاتَكَ أَنِّي طُولَ عُمرِيَ لم أَزَلْ … (أَطَاعِنُ خيلًا من فوارسها الدهر) (٥) وحكي أنه خرج يومًا إلى الصحراء، وقد تجلت الأرض بالبيضاء والصفراء، وعيون النرجس محدقة. الفضاء مجال خيله. فألفى به غلامًا كان لَهُ. أَيَّ مُسْعِدٍ وافاه على غير موعد، فأنزل القُبُلَ بساحَةِ خِدِّهِ، وأطال في ذميل العناق إليه ووحده، وقال، وجيوبُ الشَّفَقِ مُشَقَّقَةٌ، والنسيم يتعثر بذيله، ويوسع في ذلك (٦): [من الكامل] لو لم أعانق مَنْ أُحِبُّ بروضة … أحداقُ نرجسها إلينا تنظُرُ

стр. 5751

ما شُقَّ جَيْبُ شَقيقها حَسَدًا ولا … بات النَّسيمُ بذيله يتعثَّر ثم لم يقدر على إطالة المَكْثِ معه، فَتَرَكَه وَوَدَّعه، فضاق عليه فسيح ذلك الفضاء، وقام يَشيحُ للمضاء، فمر بدولاب قد فاضت عيونه، وعبَّرت عن شأنِهِ شُؤُونُه، قد حنَّ حَنينَ المُفارِقِ للأخدان، وإن تعهد شبابه وهو أغصان لدان، فقال (١): [من الطويل] ودولاب روض كان من قبلُ أَغْصُنًا … تَميسُ فلما غيرتها يَدُ الدَّهرِ تذكر عهدًا بالرِّياضِ فَكُلُّهُ … عيون على أيام الصبا تجري وحكِيَ أنّ الملك المنصور استدعاه يومًا إلى مجلسه المطل على العاصي، المشرِفِ عَلى الدَّاني منه والقاصي، والسَّعْدُ قد خدمه، وطنب على النجوم خيمه. وقد أتاه بعضُ الخدمِ المُعدِّين للخُدَم، فعرض عليه من أعمال الجواري صنائع حسان، وبدائع إحسان، كأنما أسهمها الرَّوَضُ في حِبَرِهِ، أو سهمها النرض بإبره، فجَعَلَ يقربها ويأخذها ويقلبها، حتى أتى على مناديل ليست بمذالات، جُعِلَتْ لبدور الوجوه هالات، فأمره أن يكتب ما يُطرّز فيها، فلم يقل إيها بل قال بديها (٢): [من الطويل] إذا حملتني راحةُ المَلِكِ الذي … أنامِلُهُ جُودًا تفيض على البحر فمن ذا الذي قد حاز ما حُزْتُ من عُلا … ومن ذا الذي قد نال ما نلتُ من فَخرِ إذا كنتُ أرقى كل وقت وساعةٍ … على لُجَّةِ البحر المحيط إلى البدر وحكي أنه واعَدَ غُلامًا كان بِهِ مُغرمًا، وكان لا يرى غير وَصْلِهِ مَغْنمًا، وَقَدْ ضَربَ لَهُ العِشاء موعدًا، وأَصْبَحَ لَهُ الدَّهْرُ بِوَصْلِهِ مُسْعدًا. فجلس لانتظاره حتى طُوِيَ بساط السمر، وكفَّ الغُروب اشتطاط القمر. فلما اسودت أحشاء الظلماء، وطُفِيَ سراج السماء، طلع عليه إذ غاب القمر طلوع البَدْر، وأراهُ مِنْ تِلكَ الليلة ليلة القدر، فقال (٣): [من البسيط] كم قلت للقمر العلوي حين بدا … زه بنور على الآفاق منتشر أَغْرِب فبدرُ الدُّجَى عندي ومَن مَلَكَتْ … يداه بدر الدُّجَى لم يَرْضَ بالقمر ثُمَّ أُديرت الكؤوس، وأذيلت من الهموم مسرات النفوس، والساقي يحثها صفراء تسُرُّ النظار، وتُبْطِنُ فضَّةَ الأقداح بالنضار، والغُلام إذا أتاه الدور أطال حمل الكاس،

стр. 5752

وتشاغل بشم الآس، فقال (١): [من الطويل] حبيبي وعَدْتَ الكأس منكَ بقُبلَةٍ … وأعقب ذاك الوعد منك نفار فأوقفتها تحت الرجاء وقلبها … به خَوْفٌ خُلْفِ الوعد منك شرار وما كان هذا لونها غير أنَّها … علاها لطول الانتظارِ صَفار فلما غربت النجوم، وغرّدت الطيور حينَ همَّ الصّباحُ بالهجوم، باكَرَ الغُلامُ رِفقةً كان قد اتَّعَدَ معهم السفر، وحَكَى الظَّبْيَ الغريرَ فَنَفَر، فقال (٢): [من البسيط] لما رحلتُم بقلبي في حمولِكُمُ … وظَلْتُ حيران بين الهم والفكر سلطت دمعي على عيني وقبلَكُمُ … قد كُنْتُ أُشفِقُ من دمعي على بَصَري وحكي أنه حين أب من سفرِهِ، وانجابَ عَنهُ من ذلك النَّبكَانِ سحاب مغفرهِ دَخَلَ عليه زائرًا، وقد قلع لامَتَهُ وهنَّ عِوَضَ الرُّديني قامته، والكؤوس تُحَثُّ والمدام يقول: لا يَكُنْ للكأس في يَدِكَ لَبْتُ. وهو يخالِفُ أمرَهُ المُطاع، ويحبس الكأسَ في يَدِهِ ما استطاع، فَجُنَّ ابن تميم جنونَه، وباسَطَهُ فلم يَقْبَلْ جنونه، فقال (٣): [من البسيط] لا تحسبوا طول حَمْلِ الْكاسِ في يَدِ مَنْ … أَحْبَبْتُهُ أنَّه ساء ولا ناسي لكن رأى وجهه فيها وأَعْجَبَهُ … جَمَالُهُ فأَطالَ الحَمْلَ لِلكاس وحُكِيَ أنَّه كان له صديق يسر بموافقته، ويُصرُّ على مرافقته، كانا نجيين في السرور، ويَضَعانِ ويَرتَشِفان الحبور ويرتضعان، ثم حصلت بينهما مقاطعة وهجرة، أظلمت ما بينهما، والكؤوس ساطعة، ومكثا على الهجران، حتى أن أن يُلْقِيَ الشَّتاء الجران، فَهبَّ يومًا في منامه، وصبَّ للاصطباح كؤوس مُدامِهِ، والجو قد مَرَحَتْ فيه قطَعُ الغيم، وَلَبِسَ منه صدور البراءة وحلَّةَ الأيم. فلما بَرِئَتْ من الشَّفقِ الجراح، وتعلَّقَ السحاب دون السماء تَعَلَّقَ القطاة بالجناح، تذكَّر عهد صاحبه المفارق، وساقه إليه من شعاع المدام وميض البارق، فكتب إليه (٤): [من البسيط] إلى متى ذا التواني يا نديمُ فَقُمْ … وَالْقَ المدام بإكرام وإعزاز فيومنا بابتسامِ الجَو تحسبُهُ … مِنْ عقلِ مَنْ بات فيه صاحيًا هازي فقد تجعّد مبيض الغمام به … دونَ السَّماءِ فَحاكى جُؤجُؤ البازي فلما قرأها قام إليه، وقطع يمينًا لا يعلو بإنفاق العُمر عليه. وحُكِيَ أنه اتخذ له بادهنجًا تغيّر عليه هواه، ولم يُحسن إرساله للنسيم ولا

стр. 5753

هواؤه، فقال فيه (١): [من البسيط] قد كان لي بادهنج أستلذ به … في القيظ منه النَّسِيمَ الرَّطْبَ أَلْتَمِسُ لكنَّه، عِشتُمُ، قد مات من زمن … أما تراه وما يبدو به نَفَسُ وكذلك حكي أنه رأى وردًا يُستخرج ماؤه، وقد فارت في الأنابيب دماؤه، فقال (٢): [من البسيط] الورد قد قال لما [أَنْ] أتيتُكُمُ … ضيفًا وفضلي عليكم غير ملتبس جعلتُمُ فيض روحي نُصبَ أعينكُم … ظلمًا ولم تقنعوا أن تأخُذوا نَفَسِي وقال (٣): [من الطويل] ولم أنس قولَ الورد والنار قد سَطَتْ … عليه فأمسى دمعه يتحدَّرُ تَرَفَّقْ، فما هذي دموعي التي ترى … ولكنها نفس تذوب فتقطر وحكي أنَّ رجلًا دعاه إلى بستان نازح، ومكان لا يسمع ضيفه صوت نائح، بعيد من القرى والقرى، ما فيه للطارق إلا الحديث والمناخ في الذرى، فبات عنده بسوءة الحال. فلما أصبَحَ شَمَّر للارتحال، فأرْكَبَهُ المُضَيِّفُ له فرسًا قصيرًا، لا يُحسنُ له مصيرًا، فقال: [من الطويل] وما أنا إلا راحل فوق ظهره … ولكنّني فيما ترى العين فارس فقال له ذلك المُضيف، وكان جاهلًا لا يتقلب بين الناس والرجا، ولا يُفرِّقُ بين المديح والهجا: هبك قُلتَ هذا، ماذا يكون؟ فقال ولم يفصل بين كلاميهما سكون (٤): [من البسيط] لا تحتقر بقليلِ الشَّرِّ إِنَّ له … زيادةً كضرام النَّارِ بالقبس فحرب وائل ضرعُ النَّابِ سَعَرها … وحرب عبس جَنَتْها لَطْمَةُ الفَرَسِ وحكي أنه كان يهوى غُلامًا يهيم بوعدِهِ، ويصْلَى النَّارَ بِبُعدِهِ. وطالما قَعَدَ ينتظرُ منه موعدًا أخْلَفَه، وقد قدَّمَ له الوعد وأسلفه، فإذا عتب قال: نسيت. وإن كان لا ينسى ولا يأسف عليه ولا يأسى، فقال (٥): [من الطويل] مدحي الذي نسيانه صار عادةً … وأفرط حتى كاد يُعْدِمُهُ الحِسا فَلَوْ أَنَّهُ بالهَجْرِ أضحى مُهدِّدِي … لَمَا ساءني علمًا بِهِ أَنه يَنْسَى

стр. 5754

وحكي أنه حضر مجلس بعض الأكابر، وقد غص المجلس، وبهتت فيه عيونُ النرجس، وقمعت فيه أصابع المنثور، وأعطي فيه أميرُ الحُسْنِ ذابَة شَعْرِهِ المنشور، وطال إعمال الكؤوس، حتى غَمِضَتْ الجفون، ولم يبقَ من دور الكأس حال من الجنون، وثم أمنية ابن تميم قد تركه السُّكْرُ لَقّى، وخلا خَدُّهُ المُضَرَّجُ مخلقًا. فنهض غير مرة لتقبيله، ثم خاف أعين قبيله، فقعد بعد اللجاج، ورجع رُجوع الصادي، والماء يُجلًا عليه في الزجاج، فقال (١): [من الكامل] كيف السبيل لأن أقبل خَدَّ مَنْ … أهوى وقَد نامت عيونُ المجلس وأصابع المنشور تُومي نَحوَنا … حَسَدًا وتغمرها عُيونُ النرجس وفيه يقول (٢): [من السريع] أَبْدَى الذي أعشقه شامَةً … تزيد بلبالي ووسواسي بصحن خد لم يَغِضُ ماؤُهُ … ولم تخضه أَعينُ النَّاسِ وفيه يقول، وقد أفاض عليه درعًا، ضاقَ بِهِ ذَرعًا، وقد جَعَلَ شَعْرَهُ في كيس من الأطلس، منع بها حيته أن تسعى، أو تجدّد له لَسْعًا (٣): [من الكامل] شَهِدَ القتال وحاجباه وطرفُهُ … تُغنيه عن حَمْلِ الصَّوارم والقس أعطاه أرقم شعره جِلبابَهُ … دِرْعًا فعوّضه بثوب أطلس وأما ما لَمْ يَقع لنا فيه من شِعْرِهِ خَبَر، فقوله في البنفسج والورد (٤): [من الكامل] إن البنفسج مُذْ أتاه مبَشِّرٌ … بالورد عرض وَحْشُهُ من أُنسِهِ الورد يوردُهُ الحِمامَ فَلِبْسُهُ … ثوب الحداد لرُزْأَةٍ في نفسه وقوله يهجو (٥): [من الكامل] لمَّا جَسَسْتُكَ بالمديح ولم أكن … أدري بأنَّكَ خامل في الناس ناديت لما أن جَسَسْتُكَ بالهجا … أَكُلَيْبُ خُذْها من يَدَيْ جَسَاسِ وقوله في النرجس (٦): [من المتقارب] ولما أتى النرجس المُجتنى … بقُربِ الربيع وإيناسه نثرنا على رأسِهِ فضَّةٌ … وتبرًا فَرَاقَ لَجُلاسِهِ وأصبح يخطرُ ما بيننا … وذاك النثار على رأسه

стр. 5755

وقوله في إهداء قدح (١): [من الكامل] يا حسنَهُ قدحًا يضيء زجاجه … ليل الهموم إذا ادْلَهَمَّ وَعَسْعَسا أهْدَيْتَهُ مثلَ النَّهارِ فإن حَوَى … صرف المُدام غدا نهارًا مُشْمِسا وقوله: [من الوافر] وزورق فضَّةٍ لم تَحْظَ منه … عيون الشَّرْبِ مِنْ فَرْطِ البَرِيقِ تراه وهو يسبح في الحُمَيا … هلالًا لاح في شَفَقٍ رقيق وقوله يرثي شريفًا غرق في نهر يزيد (٢): [من البسيط] بني علي يزيد حيث كان لكم … حربًا، فمن حلَّ منكم فيه لم يَعِش لقد تَنَوَّعَ في إتلاف أنفسكم … فَظَلَّ يقتلكم بالري والعطش وقوله يصف خيال الغصون في الماء (٣): [من الكامل] وحديقةٍ ينساب فيها جدولٌ … طَرْفِي برونق حسنه مدهوش يبدو خيال غصونها في نهرها … فكأَنَّما هو معصم منقوش وقوله في النيلوفر (٤): [من الكامل] لما حَكَى زَهْرَ الكواكبِ نَوْفَرٌ … وأقامَ وهو على الكياد حريص خاف الحريق وقد رَمَتْهُ بِشُهْبِهَا … فلذاك أمسى في المياه يغوص وقوله (٥): [من الطويل] ونلوفر يحكي النجوم وماؤُهُ … يحكي سماها لا يغادرها حرفا يغيب إذا غابت ويبدو إذا بدتْ … ويُشبهها شكلًا ويفضُلُها عَرْفا وقوله (٦): [من الطويل] إذا كُنْتَ ذا فضلٍ وتَشْكُرُ ناقصًا … يقابل إعراض الورى بالقوارص فلا خير في الفضل الذي قد حويته … إذا الفضل لم يرفَعْكَ عن شُكر ناقص وقوله (٧): [من الكامل] إنَّ الشفيع إلى الجواد شريكه … في الجُود للداني معًا والقاصي وإذا شكرت البحر في إنعَامِهِ … بالدُّرِّ فاشكر حيلة الغواص

стр. 5756

وقوله (١): [من الكامل] ولرب صياد غذتني كفُّهُ … سَمَكًا يظلُّ الطرف منه حائرا يُلقي إلى قعر الخليج بدرعه … فيعود ملآن العيون خناجرا وقوله (٢): [من البسيط] لا تعجبوا من غُلامي وهو أَبْلَهُ خَلَـ … ق الله إذ راح لي في حاجةٍ فَمَضَى فالسهم وهو جماد حين أُرْسِلُهُ … من ساعتي في مُهِم يفهم الغَرَضا وقوله يذم قينة (٣): [من السريع] غانيةٌ جاءت بلا موعد ولم … تكن روحي بها راضية قضَى لي الله بها مرّةً … ياليتها كانت هي القاضية وقال يصف زهر اللوز (٤): [من الوافر] خرجنا للتَّنَزُّه في بقاع … يعودُ الطَّرف عنها وهو راضي ولاحَ الزَّهرُ من بعد فخلنًا … ضبابًا قد تقطع في رياض وقوله على لسان الياسمين (٥): [من الكامل] لما ازدرى بالياسمين ولبسه الـ … مبيضٌ زَهْرُ الرَّوضِ قال وأعرضا ما ضر [ني] إذ كان نشري طيبًا … من دونكم إذ كان ثوبي أبيضا وقوله في المديح (٦): [من البسيط] لما تفضلت في حقي وقمت إلى … نصري وبلغتني بالجُودِ أغراضي كسوتُ عِرضَكَ درعًا بالمديح فإن … أردتَهُ كان سيفًا في العدا ماضي وقوله في المشيب (٧): [من الكامل] خطبٌ أَلم، وشَيْبُ رأسي جملةً … فلقيت شرًا منهما وكذا قُضِي فاعجب لخطب أسود لم يقتنع … بفعالِهِ وأتي بخطب أبيض والله هذا الشاعرُ وحُسنُ تخيله، ولطف تحيله، انظر كيف جعل الخطب المُلِمَّ موافيًا لشيب رأسه المدلهم، وجعل خطبَ النَّوائِبِ أسودَ، وخطب الشيب أبيض، وأنه جمع فيهما بين المتضادين، وقد قال في البيت الأول: و «لقيت شرًا منهما» وهو إن

стр. 5757

حمل على ظاهره كان بليغًا، وإن حُمِلَ على أنَّ المراد بقوله شرًّا أفعل التفضيل كان أبلغ، وهذا الذي لا يقدر عليه كل شاعر، ولا يعدل به وَسْقَ الأباعر. عُدنا إليه. وقوله يخاطب شيخه علاء الدين النحاس (١): [من الوافر] علاء الدين أضحى بحر علم … يجيب السائلين بلا قُنُوط أحاط بكُلِّ ما في الأرضِ علمًا … فقُل ما شِئتَ في البحر المحيط وهذا من المقاصد الحسنة، إذ جَعَلَه قد أحاط بما في الأرض، وهو البحر المحيط، إذ هكذا حقيقته؟ عدنا إليه. وقوله وقد دعي إلى مجلسين يفضّل أحدهما: [من الوافر] دعيتُ فكان أكلي فَخْدَ طيرٍ … ولم أشرب من الصهباء نقطة وما يومي كأمس وذاك أنّي … أكلتُ إوزة وشربت به وهذا والله غاية ما بعدها. عدنا إليه (٢): [من السريع] مذ زارني المحبوب تحت الدُّجَى … مُبَرِّدًا قَلبي من قَيْظِهِ تطلَّعَ الصُّبحُ علينا ولم … يشعربِهِ فانشق من غيظهِ وقوله يحرّض على القتال (٣): [من الكامل] انهض بنا نحو العدو فإنَّهم … في غفلةٍ من قبل أن يَتَيقظوا فجيادنا للغيظ تأكُلُ لحمَها … حَنَقًا عليهم والظبى تتلمظ وقوله في مطرب (٤): [من الكامل] يا مَنْ يُلازم موضعًا في شَدْوِهِ … قسمًا لقد شرفت مني مسمعي لو كان لي سعد وحقِّكَ لم تزل … أبدًا تعنيني بهذا الموضع وقوله يصف نارًا (٥): [من الكامل] وكأن نارًا أُضْرِمَتْ ما بيننا … ولهيبها يخشَى سَطَاهُ ويجزع سوداء أُحْرِقَ قلبها فتكلَّمَتْ … بسفاهة فينا كلامًا يَلْزَعُ وقوله (٦): [من الكامل]

стр. 5758

لا ذنب للنيران إن هي أُخْمِدَتْ زمنًا … فَضَنَّ العرق فيه بنبضهِ كانونُ أَرْعَدَها فصبح جسمها … للبرد يدخل بعضُهُ في بعضه وقوله يصف فانوسًا (١): [من الكامل] انظر إلى الفانوس تلقَ مُتيَّمًا … ذُرِفَتْ على فَقْد الحبيب دموعُهُ يبدو تَلهُبُ قلبِهِ لنحولِهِ … وَتُعَدُّ من تحت القميص ضلوعه وفيه يقول (٢): [من الطويل] يقول لها الفانوس لما بدت له … وفي قلبه نار من الوَجْدِ تَسْعَرُ (خذي بيدي ثم اكشفي الثَّوْبَ تنظري … ضَنَى جسدي لكنني أَتَسَتَّرُ) (٣) وفيه يقول (٤): [من البسيط] أُبدي اعتذارًا لذا الفانوس حين غدا … في حالة من هواه ليس ينكرها رأى الهوى مُضْرَمًا ما بين أَصْلُعِهِ … نارَ الجَوَى فغدا بالثوب يسترها وقوله يصف درعًا (٥): [من الطويل] ودرع إذا ألقيتها وسط مَهْمَهٍ … رأيتَ القَطا فيها يغب ويكرعُ يكاد إذا عاينت ضَحْضَاحَ ما بِها … يلوحُ بِها للصَّفْرِ حُوْتٌ وضفدع إذا ما أتاها الرُّمح ظَنَّ بأنّها … غديرٌ نَشَا في مائِهِ فهو يخضعُ ويرعد متن السيفِ علمًا بأنه … متى زارها في شهره يتقطع ولو كان أن في ضلوعه … من الغمد يلقاها لما كان يطلع وإن جاءها سهم ينادِبُها سَرْدَها … أرى النُّصح يا مغرور أنك ترجع إذا كان هذا في قنا اللحظ والظُّبَى … صنيعي فقل لي ما بضعفك أصنعُ فلو لجأت نفس إليَّ وجاءها … رسولُ المنايا لم تكن منه تجزع وقوله (٦): [من الوافر] ونهر كلما هبت عليه الـ … تواسم في الذهاب وفي الرجوع يؤثر فيه تجعيدًا خفيفًا … كوطء الصَّافنات على الدروع وقوله في غلام ينظر وجهه في مرآة (٧): [من الكامل]

стр. 5759

طوبى لمرأة الحبيب فإنها … حُمِلَتْ براحةِ غُصنِ بانٍ أينعا (واستقبلت قَمَرَ السّماءِ بوجهها … فأرتني القمرين في وقت معا) وقوله في غلام لابس قباء أصفر (١): [من الطويل] ولما ارتدى من أصفر اللّونِ حُلَّةً … كَسَا عاشقيهِ حُلَّةٌ من طباعها وما هي إلا شَمسُ خَديو أشرقت … فألقت على أثوابه من شُعاعِها انظر إلى رأي هذا الشاعر الأصيل، ولطف معناه الذي خضعت له شمس الأصيل، هل يقال أحسن منه في لابس أصفر أو يجلي مثله الصباح إذا أسفر. هدنا إليه. وقوله يصف ناعورة (٢): [من الكامل] ناعورة قالت لنا بأنينها … قولًا ولم تدر المقال ولم تعي كم في من عيب يُرى مع أنني … أبدًا أسير ولا أفارق موضعي لا رأس في جسدي وقلبي ظاهر … للناظرين وأعيني في أضلعي وقوله (٣): [من الطويل] أيا ذا الذي قد كف كفّيه عامدًا … عن الجُودِ خوف الفقر ما ذاك سائغ أتخشى، سهام الفقر ما دُمتَ مُنفقًا … تُصيبُكَ، والنُّعمى عليك سوابع وقوله (٤): [من الكامل] حاذر أصابع من ظلمت فإنه … يدعو بقلب في الدُّجَى مكسور فالورد ما ألقاه في جَمْرِ الغَضَا … إلا دعاء أصابع المنشور وقوله (٥): [من الكامل] لما دعا المنثور أن الورد لا … يأتي وإن يصلى بنار سعير ودت ثغور الأقحوان لو أنّها … كانت تعض أصابع المنثور وقوله (٦): [من الكامل] أنعم على المنثور منك بزرورة … فلقد أراه والسقام حليفه ما أصفر إلا حين غبتَ ولم تزل … تدعو بأن يأتي إليه كفوفه وقوله (٧): [من الكامل]

стр. 5760

مذ لاحظ المنثور طرفَ النَّرجس الـ … مِزْوَرٌ قال وقولُهُ لا يُدْفَعُ: فتح عيونك في سوايَ فَإِنَّهُ … عندي قبالة كل عين أصبع وقوله (١): [من الكامل] مُذ قلتُ للمنثور إنَّ الورد قد … وافى على الأزهار وهو أمير بسمت ثغور الأقحوان مسرّةً … بقدومه وتلون المنثور ومنهم: [٢٤٠] الأمير السليماني (٢) رجل من أبناء الأمراء، وبطل تجلى بأبناء الأسود بلا مراء، كان من أَضْرَى الضراغم، وأعزّ الفوارس. إذا أنفَ شمَّ الرّغام أنف الرّاغم، ثم خلع تلك الملابس، وولع بما كان له أفخر لابس. واجتنب الأمراء وصحب الفقراء، ولبس رداء التصوف، وترك رياء التصرف، وترك دُوَيْرَةَ أبي القاسم الشميساطي بباب الجامع الأموي. وأصبح عن الناس بمعزل، وقال: (ما مثل الدويرة منزل). وخمدت منه تلك السطا الفاتكة، ولم يجنح مع دويرة الشميساطي أن يقول: (يا دار عاتكة). وكان من صاغةِ الشعر، وباعة القصائد بأغلى سعر. ومما اختار لنفسه، ومن خطه نَقَلْتُ، ومن ظبائه السوانح عقلت، قوله: [من البسيط] لو عاين اللائم اللاحي محاسنَهُ … لَمَا خَلًا قلبه من حبه أبدا شمس سنّى غصنًا قدًا نقًا كفلًا … سَهْمًا لحاظًا طلًا ريقًا طلا جيدا يزيد قلبي لهيبًا في محبّته … إذا ترشَّفْتُ من ذاك اللمى بردا

стр. 5761

وقوله: [من الكامل] ولقد سريتُ على أغرَّ كأنّه … لَهَبُ الهشيم أصاب ريحَ الشَّمألِ وله إذا ضاق الفضاء وحُطَّمَتْ … سُمْرُ القَنَا، وَعَلَتْ سماء القسطل دوران زوبعة وخفَّةُ شَمأَلٍ … وصدام جُلمودٍ وعطفة جدول وقوله: [من الكامل] إن مس ذاك الوجه من كُره أذًى … أخفاه عن لحظ العيون فلم تَرَه فَكَذا أخوه البدر عند كَمالِهِ … يعتاده مس الكسوف من الكُرَه وقوله: [من الكامل] لك معنيان إذا طرقت أراهما … وإذا ذكرتُكَ في النَّسيبِ أُريهما بيني وبينك من جمالك عامر … فالحسن والإحسان يظهر فيهما وقوله: [من الكامل] أَعْلَقْتُكُم حَبْلَ الوداد وجئتكم … بمودة ما زال ثابِتُ أُسها مثل السَّفين تجشمتْ صُعُدا وجا … دَبها على علاتها من نفسها وقوله: [من الكامل] قولوا لمن أضحى سواء عندهم … ما يُوجِبُ الإعراض والإلمام بإضافة الأعلام لا تَتَعرَّفُ … النَّكرات بل تُتَنَكَّرُ الأعلام وقوله: [من الكامل] لا غرو أن وَصَفَ امرؤٌ وَصْفِي ونا … لَ لمكانتي يومًا وليس بطائل تجري الصفات على أمر ليست له … ويقام مفعول مقام الفاعل وقوله: [من المنسرح] لا تَكُ ممن يقول أعرف هـ … ـذا الأمر جهلًا منه وما عَرَفَة سَلْ غير مستكبر فإن حيا … ة الجهل بين الحياء والأنفة وقوله: [من المنسرح] في الناس من يُخطى الصَّواب فإِن … رُدَّ إليه يعود كالناسي وإنما من يرى الصواب ولا … يعرفه لا يُعدُّ في الناس وقوله: [من الطويل] الخاتم المنقوش زينة لابسٍ … وحرز لما يحوي من العين والقد فمن جاءني كالصخر عاد كما بدا … ومن جاءني كالشمع حصل ما عندي

стр. 5762

وقوله (١): [من الطويل] إليك أمير المؤمنين بعثتُها … عروسًا تَهادَى في صوان وفي خِدْرِ سليلة أعراب بنجد بيوتُها … وما بَرِحَتْ من قصرِ عيسى إلى النَّهْرِ لدى ناهب عُجْمَ الطُّغَاةِ نفوسهم … وأموالُهُ نَهْبُ الفَصيح من الشعر أليلة قدرٍ قُمتُ أنشدُ مِدْحَةً … لديه، وما أدراك ما ليلة القدر أُوْمِّلُ نُعْمَى ثَيِّبًا أستزيدها … على حُسْنِ ما أهديتُ من ناهد بِكْرِ وقوله: [من البسيط] إن لم يُصِبْ من عدو سهمُهُ غرضًا … يومَ النِّضال فإن الرأي صائِبُهُ وإن سرى في بهيمِ الخَطْبِ سائرهُ … تُريك محتوم ما يأتي تجاربه ومنها: غيث يسح على الداني فيغرقُه … جودًا وتنشر للقاصي ذوائِبه وكل ما جل من مالٍ ومن نَشَبِ … فالعدل جامعه والجود ناهِبه وقوله: [من الطويل] إذا ساس ملكًا سار كالشَّمس أشرقت … عليه فنجمُ الظَّلم في الأفق آفل وإن حك مسود الخطوبِ برأيهِ … جَلاهُ كما تجلو الصفاح الصياقل ومنها: إذا اعتقلوا سُمْرَ الرِّماحِ فعقْلُهم … بمولاهُمُ صِيد وبيض عقائل وإن نُكِحَتْ بيضُ الصُّدُورِ فإنَّها … تحيض دمًا في الرَّوْعِ وهي حوامل وقوله: [من الطويل] فلا تتخذ عونًا على الدهر دائبًا … سوى العَرْمسِ الوجناء والفرس النَّهْدِ فإني حَلَبتُ النَّاسَ ثم مخضتهم … فما حصلت كفاي منهم على زُبْدِ وقوله: [من البسيط] عزيز إذا عاززته في عظيمة … ألمت، فإن لا يَنْتَهُ لانَ جَانِبُهْ إذا اضطر لم يَحْلُمْ ويَحْلُمُ قادرًا … على مُذنب والغيظ يَزْوَر حاجِبُهُ وقوله: [من الرجز] إن القضاء قاذف المرء إلى … مقدوره أو جاذب بطوقه

стр. 5763

أُفٍّ لِمَنْ يَجْبُنُ عن أقرانِهِ … إنَّ الجبان حتفه من فوقه وقوله: [من الرجز] ندعوك للأمر الذي يعزّنا … دفاعه عنا فليس يبرح ليس لهذا الأمر إلاك فتى … إن الحديد بالحديد يُفْلَحُ وقوله: [من الكامل] وكأَنَّ بركة مائها ماوية … تحكي النُّجوم الزُّهرَ في جريانها فتريك لامع مائها في سَقفِها … وتُريكَ زُخْرُفَ سقفها في مائها ومنها: وكأنَّ ألواح الرخام موائلًا … في لونها وصقالها وصفائها أمواهُ آنيةٍ تُخالِفُ لونَها … فَتَشَبَّهت كل بلون إنائها ومنها: تَمَّتْ محاسِنُها بحمام لها … تتخلَّلُ الضَّرَّاءُ فِي سَرَّائها كالكير يخلص سِرُّهُ بحريقِهِ … فَنَعِيمُ داخلها بطولِ شَقَائها تبدو لعينك في القبابِ بِدُورها … وتضيء في أرجائها وسوائها وبكل أنبوب سكوبٍ قَنْيةٌ … فدموعُها تجري جوًا والنار في أحشائها ومنها: و دمشق، زاد الله ملككَ، جَنَّةٌ … جدواكَ فيها مثلُ قِسمةِ مائها عَلِّمْهُ يرقى مثل جودِكَ في ذَرًى … أوغالها ويصب في بطحائها وقوله: [من البسيط] إنّي لَيُحزنني ذكرى مآربه … وقصده الشرف المقصود بالدَّأَبِ جرت أمانيه تتلوها مَنِيَّتُهُ … شدًّا فما وقفا إلا على الأرب قَضَى وفي قلبه من فَقْدِ صِبْيتهِ … حُزنٌ يدوم مع الأيام والحقبِ كالعظم ليس بذي رُوحٍ ويؤلمُهُ … أَذَى المشارك مثل العرقِ والعَصَبِ وقوله: [من البسيط] ملك له من بني العباس منزلةٌ … علياء يقصر عن إدراكها زُحَلُ سمت جلالًا فلو مُدَّت لتلمسها … كفُّ الخضيب عراها الضعفُ والشَّلَلُ وقوله: [من مجزوء الرجز] إياك يا منتحلًا … حديثَ شِعري مُتَّضَحْ

стр. 5764

شعري كالمسكِ فَمَنْ … يسرقُ منه يُفْتَضَحْ وقوله: [من الطويل] صفاتُكَ أصفى من سماءِ سحابة … رأت من مديحي حيث مازجها بحرا ولكنها تهمي عليَّ فرائدًا … فأخذها ماء وأقذفها دُرّا وقوله: [من الكامل] لا تركنن إلى صفاء مصاحِب … إن لم تكن أحكمته تجريبا فالماء يصفو للعيون وإنّه … لَيُريك كلَّ مُمَثَلٍ مقلوبا وقوله: [من الطويل] نصبت على التمييز إنسان مقلتي … أشاهد قدًا منه نصبًا على الظَّرْفِ أخشى فراقًا بعدها أو قساوة … وقد جاؤوا والصدع للجمع والعطف وقوله: [من الخفيف] لم يُوفّق من أعوزته المدارا … ةُ ولا طال من يطول عناده وإذا المرء صير الحِقْدَ طبعًا … مات غُبنًا ولم تَمُتْ أحقاده فاجعل الحلم والسَّماحَ جَناحَيْـ … ـكَ تصيدُ ما لم تكن تصطاده واقتصد في الأمور إن لبيب … الناس من أعجب اللبيب اقتصاده هي منّي نصيحة لك والنُّصْـ … ح كبيرٌ نَفاقُهُ وكساده وقوله: [من مجزوء الرمل] قُلْ لمن علَّمَ خطًّا مرّةً … لا يَلْتَ عِلما زدت عينَ الشَّرِّ شرًّا … وسَقَيْتَ السَّهم سُمّا وقوله (١): [من الكامل] إنِّي لأعرف في الرّجالِ مخادعًا … يُبدي الصفاء ووده ممذوق مثل الغدير يُريكَ قُرْبَ قرارِهِ … لصفائِهِ والقَعْرُ منه عميق وقوله: [من الخفيف] لِمْ تُغيّر يا أحسن النّاسِ وُدّي … بدوام الصدود والتعذيب شافعٌ واحد من الحُسْنِ يَمْحُو … أَلفَ ذَنبٍ لا سيما من حبيب وقوله: [من الطويل]

стр. 5765

وقد كان روح الأرضِ حال حياتِهِ … وأَيَّةُ روح لا يفارقها الجسم لقد عدم المعروف بعد وفاتِهِ … ولو أنَّه حي لما عُرِفَ العُدْمُ وقوله: [من مجزوء الرجز] يا هرمًا كأنَّه … نَصْلٌ يراه مَنْ لَمَحْ وصغيره من شاهد … الوضع اتضح فلو تهيّا سهمُهُ … ورُكَّبَ السهمُ وصَحْ رَمَى بِهِ عِفريت بلقيـ … ـس على قَوْس قُزَحْ وقوله: [من الطويل] أَسَاكِنَ مِصر قر عينًا ولا تَخَفْ … فقد كَفَلَ الجَبَّارُ رَعْيَ مُقامِها وقد صَحَّ نقلًا أن مصر كنانةٌ … وأهرامها منها يصول سهامها وقوله: [من الوافر] تبين أن صدر الأرضِ مصر … ونهداها من الهرمين شاهد وَوَاعَجَبًا وقد ولدت كبيرًا … على هَرَم وذاك النهد ناهد وقوله: [من البسيط] يا ويح ناعورة باتت تؤرقني … فواصَلَتْ حزن أصالي بأسحاري باتت تَئِنُّ وتبكي في تقلُّبها … لكن على غير أوطان وأوطار فَهَيَّجَتْ أَنتي شوقًا إلى سكني … وأرسلت دمعي الجاري على الجار وقوله: [من مجزوء الكامل] لا تعذلني في العرو … ض ولو رأيت القصد حائر دارت عي دوائرٌ … فجَهِدتُ في فك الدوائر وقوله: [من الكامل] فتَّ التتار على عتيق مقرب … ورجعت لكن فوقَ جَد مقرف وإذا اصطفى الملك الخؤونُ لنفسِهِ … ولمُلْكِهِ فالذنب ذنب المصطفي وأخوك خانك قبل ذاك فما نجا … فابكوا مليكًا خانَهُ الأخ والصَّفي والعين تشبه أختها في خلقها … ولربما اختلفا كعيني أخيف ومنها: تتلو الجواسقُ فاطرًا أسفًا وقد … كانت بقربك تالياتِ الزخرف وقوله: [من الوافر]

стр. 5766

أميل إلى سكون وانقطاع … مُريح والزمان به ضنين وكيف يُرام من حركات دهر … يدور بأهله أبدًا سُكونُ وقوله: [من الخفيف] نَمَّ فوق الخدين منه عذارٌ … لا تراه العيون إلا خيالا كإناءٍ من عسجد فيه ماء … نقشت تحته الصناع مثالا وقوله: [من الوافر] تقاطع صاحباي على هناة … جرت بعد التصافن والتصافي وذا مالا يضمُّها مكان … كأنهما معاقَبَةُ الزخارف وقوله: [من الطويل] وصلت فلما أن ملكت حشاشتي … هجرتَ فَجُدْ وَارْحَمْ فقد مسَّني الضُّرُّ فليت الذي قد كان لي منك لم يكن … وليتك لا وصل لديك ولا هَجْرُ فلا عبرتي ترقا ولا فيكَ رِقَّةٌ … ولا منك إلمام ولا عنك لي صَبْرُ وقوله: [من البسيط] إن دامَ بُعدُكُمُ لا شك في تلفي … أنتم دوائي وأنتم في الهوى دائي بقاي بعدكم يا من كَلِفْتُ بهم … كالحوت في البر أو كالضَّب في الماء وقوله: [من الكامل] أَنَّى تكيَّفُ أَوْ تَمَثَّلُ ذاتُ مَنْ … عجزت عقولُ الخَلْقِ عن أوصافه مهما تَمَثَّلَ ناظر أو خاطر … فالله جل ثناؤه بخلافه وقوله: [من المتقارب] أنام إذا حَدَّثْتُهُ … لأن حديثي لا ينفع نشاط المحدث في لفظِهِ … على قدر فهم الذي يسمعُ وقوله: [من مجزوء الكامل] يغتابني فإذا التفت … أبان عن محض صحيح وتبًا كوتب البحتري … من النسيب إلى المديخ وقوله: [من الخفيف] مَنْ مُجيري من أسمر اللون كالأسـ … ـمر قامت علي فيه القيامه حَسَدَ البدرُ حُسْنَهُ فلهذا … ذاب غيظًا حتى بدا كالقُلامه لعبت خلفَهُ الذُّؤابة فاستكـ … ـبرَ تِيهًا فقبلت أقدامه

стр. 5767

وقوله: [من الكامل] والشَّعْرُ كالدينار جيّده … ورديتهُ كالفلس في الصرف ضرب كضرب العُودِ تسمعُهُ … وقَعاقع كالطبل والدف ومنهم: [٢٤١] الحسام الأحدب، وهو أبو العوف، منقذ بن سالم بن منقذ بنِ رافع بن جميل بن منير بن مزروع المخزومي شاعر وُلِدَ بالمعرة، وعقد راحَهُ بالمسرّة، ومن ثمَّ بين نُبَلائِها نجم، ومن يم فضلائها انسجم ونشأ بدمشق منذ كان في سنّ اليافع، واخضَرَّتْ فيها فروعه، فقيل لَهُ أبو الغُصنِ لِغُصنِهِ اليانع. ولم يكن مثله في الحدبانِ والهلال الذي تقوس، ولا شبيهه في الأغصان ولو تهوس، إلا أنه ما سُدَّت بمثله محرومة محروم، ولا سَدَّتْ قريش على نظره نطاق مخزوم. وقد ذكره الفاضل أبو العباس ابن العطار الكاتب. قال: «وكان قامته دون قعدة الرجل» خلاف قول سَلْمِ الخاسر: [من المتقارب] إلى مَلِكٍ من بني الخيزرا … ن كان القيام لديه قعود وقد أنشده من شعره قوله (١): [من الكامل] لولا ظماي إلى جَنَى رَشَفاتِها … عفتُ الكؤوس وما شربتُ مُداما وممنّعِ الزَّورَاتِ زَوْرَ خياله … من أجله أنا أعشق الأحلاما يهوى الزيارة في الظلامِ مجالسًا … فأوَدُّ لو عاد الصَّباحُ ظلاما من لي بممشوق الشَّمائلِ لم يَنَل … بدر التمام إذا رآه تماما رشًا لقتل محارب ومسالم … إن لم يهز الرُّمح هر قواما وقوله: [من الطويل] سلوا وُرْقَ بانات الحمى عن تشوقي … وجز بالمنحنى عن تحرقي ففي دين بعد البين ما بعضُ بثّهِ … يدل على قلب المعنى وما لقي وليس الذي عندي من الوَجْدِ … والأسى بمستحدث عن بُعْدِ يومِ التَّفَرُّقِ

стр. 5768

ولكنها نارٌ تُشِبُّ ضرامَها … نَوانا فما تخبو إلى حين تلتقي وفي ذلك الحي التهامي كاعبٌ … كَغَصْنِ النَّقا غَضُّ النَّضارة مُونِقُ إذا طلعت شمس النهار رأيتها … تحاذِرُ ذاك الحي منها وتتقي وقوله: [من الكامل] وفتور لحظك وهو آفةُ سُكرنا … لا ما أَتَى في الكأس والإبريق ما فاتك الحر الحلال وإنّما … حلو حديثك فيه مر عتيق وقوله: [من الخفيف] لا تزدني على شديد اشتياقي … فكفاني من الأسى ما ألاقي فإلى من وأنت خصمي ووالي الـ … ـحسن أشكو جناية الأحداق ونصوح يقولُ نَمْ لترى الطيـ … ـف فتحظى منه ببعض التلاقي يا رفيق المحبّ أطنبتَ في التّع … ـنيف، ما هذه شروط الرفاق وقوله: [من الكامل] ما للغواني قلَّ منها ناصري … لما رأت خُذلانَ شَيبي الناصل عَطْلِي من الأحباب أبقاني على … حال الأسى فاعجب لحال عاطل وقوله: [من الكامل] زَمَنَ الصَّبا هل ما تولّى يرجع … هيهات ذلك والشباب مودِّعُ كم قد بكيتُ عليك لو أجْدَى البُكا … وأسفتُ لو أنَّ التَّأسف ينفع لا تُنكرنَّ لهم خضوعي ذِلَّةً … مَنْ ذا يُحِبُّ ولا يَذِلُّ ويخضعُ وحمائم بالغورِ بِتُّ مؤَرَّقًا … أشكو الذي تشكو وباتت تسجع وأحبَّة قطعوا حبال مودَّتِي … لم يبق لي في الوصل منهم مطمع قالوا تعرَّض بالخيال وطيفِهِ … والطَّيفُ كيف يزور من لا يهجع وقوله: [من الطويل] تجمعت الأحزان من كل جانب … عليَّ كَشمل الحي لما تفرقا حبستُ على أطلالِهِ الدَّمعَ سافحًا … ففي سفح ذاك المنحنى راح مطلقا أطلتُ إليه بت شكوى صبابتي … [ومثلي] يطيل البث من كان شيقا ولما اجتمعنا للوداع عَشيَّةٌ … جزعت ولما يبعد العهد باللقا وإن تبت عنكم كارهًا فأليةً … بحبِّكُمُ لا بِتُ إلا مؤرقا

стр. 5769

وقوله: [من الطويل] سرى البرقُ من نحو الحمى يتألَّقُ … فهاج لمسراهُ الحمام المطوق وَغَرَّدَ حتى قلتُ مثلي مُتَيَّمٌ … وأعلن حتى قلتُ مثلي مُؤَرَّقُ وبت أناجي الشوق حتى إذا بدت … عن الصبح أثواب الظلام تشقق وقفت بربع الدار عنهم مسائلًا … فكادت لما بي دمنة الدار تنطق وقوله: [من الطويل] مرير التَّجنِّي ثَغْرُهُ خَصَر الجَنَى … بصدري به قبض وعذري له بسط أباح دم العشاقِ خَطَّيُّ قَدَّهُ … فهل جاءَه غير العذار به خط وقوله: [من مجزوء الكامل] طاب الصبوح مع الغبوق … فامزج لنا راحًا بروح مشمولةً قد عُتقت … في دنها من عهدِ نُوحٍ حمراء صرفًا إن بَدَتْ … في كأسها أَزْرَتْ بِوح أو ما ترى راووقها … يبكي على الزّق الذبيح خُذها وإلا ما النصيـ … ـح فلا تطع قوال النصيح وقوله: [من الخفيف] يانسيم الصباح عَيَّ لساني … قِصَرُ والغرامُ شَرْحُ يطول أنت مأمونة على السِّرِّ فاستَمـ … ـلي حديثي وحققي ما أقول جددي بيننا المواثيق فاللـ … ـه على ما نقول وكيل في عدول عن السِّلُوِّ وفي أُذُ … نيَّ وَقْرٌ عما يقول العذول ما عليهم لو خففوا من غرامي … إن عبء الغرام عبء ثقيل وبذاك الصريم ريم لقتلي … فاعل وَعْدُ صَدِّه مفعولُ قمر من جبينه ومن الفر … ع لرائيه بكرة وأصيل أشبهت لون قده حُرَّة الثغـ … ـر فذا عاسل وذا معسول ا عنيدًا بالصد هل لِظَمَا الصبْـ … ـبِ إلى رائق الوصول وصول إن نار الجفا التي أنت مصل … فوق ما يستحق منك الخليل وقوله: [من الكامل] كرر عليَّ فإنّ أخبار النَّقا … أمست أحقَّ لمسمعي أن تطرقا وأعد علي حديث من حلَّ الحمى … فلربما ناب الحديث عن اللقا

стр. 5770

وقوله: [من الطويل] أهاجَكَ نَجدٌ أَمْ شَجَتْكَ المَنازِلُ … فَأَكنافُ سَلْعِ فاللِّوَى فَالمَعاقِلُ فيا حُبَّ وَصْلٍ لم تشبه قطيعةٌ … ويا طيب حب لم تشنه العواذل ولم أنسَ سُكَانَ الحمى وقد اعتدوا … رواحل قد شُدَّت لديهم رواحل فما أوْسَقُوا يوم الترحل أو سَقَوْا … مطيَّهم إلا ودمعي مناهل ولما نأوا نأيًا تولَّيْتُ إثرهم … أسائل بعد القوم والدمع سائل فلو قصدوا الإنصاف أدنوا وباعدوا … ولو عدلوا في الحكم صدوا وواصلوا أيا فالقًا هام الدُّجَى بقلوصِهِ … توقَّ النَّقا إن كنت نجدًا تحاول وإياك أن تأتي الأراك مخافةً … أراك وقد أصمى فؤادك نائل وقبل إذا أقبلت أحجار حاجر … ومثل به فالرسم للرسم ماثل وحي به حيًا متى رُمْتَ رَيْحَهُ … يصدُّكَ عنه الذابل القد ذابل فكم علقتنا من هواه علائقُ … خُذلنا بها والحب للمرء جاذل وكم قد توسلنا إليه بمدمع … فسال ولم تنفع لديه الوسائل ولما رأيتُ السِّحر بدعة طرفةٍ … تيقنتُ حقًا أن عيناه بابل وقوله: [من البسيط] وعاذِر في الهوى أن دان جاهِلَهُ … فللهوى مَسْلَكُ مستوبلٌ زَلِقُ يُردي الكمي وإن جَلَّتْ بسالَتُهُ … ويُستباحُ حِماهُ المِدْرَهُ العَرِقُ هل أنت عاصم باك سوف يدهمُهُ … إما حريق بنار الشوق أو غَرَقُ لله من واله ولم ترم بسكان النقا … ولما يزل ما اعتاده القَلَقُ فلا تعجب من ذلي وعزهم … فطالما ذلَّ أقوام إذا عشقوا وإنْ حُرمت لذيذًا من وصالِهِم … فالمستحقون شيئًا قلَّما رُزِقُوا ومنهم: [٢٤٢] عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، أبو محمد، موفق المعروف بالورن الواعظ، الكحال، المتطبب (١) واعظ لا يُغر، ولافظ بلفظ الدر، وطبيب يمسح بيده السقام، وكحال لا تروعُ

стр. 5771

بعده العيون بالمنام. دَمِثُ الأخلاق، غيثُ الروض فخاب سعي نسيمه الخفاق، وتنقل في السكنى بمصر والشام، ثم اتخذ بعلبك من مساكنها دارا، ورضي بساكنها جارا، ثمَّ لما حُمَّ حِمامُه، وقارَبتِ الممات أيامه، رَحَلٍ إلى مِصْرَ فتوسّد بها فراش التراب، وحطّ بها رَحْلَهُ، ثمّ لَمْ يُبْعَث له ركاب، وشعره ألذ من غفلة الرقيب، وزورة الحبيب، فمنه قوله (١): [من الطويل] يُساءل طرفي عن خيالك في الكَرَى … فيخبرُ سُهدي أنَّ طَرْفَك راقد ويَحْسَبُ وكرًا ناظري طائر الكَرَى … وما هو إلا للشهاد مصايد وقوله (٢): [من الكامل] قلبي وطرفي في ديارهم … هذا يهيم وذاك يهمي رَسَمَ الهوى لما وَقَفْتُ بِها … للدمْعِ أن يجري على الرسم وقوله (٣): [من السريع] تشابَهَتْ والصُّبحَ في نورها … ففرّق الساقي بقرق دقيق ومزقت ثوب الضحى فانثنى … من بزلها يرفي بخيط رقيق وقوله (٤): [من الكامل] رق النسيم لطافة فكأنما … في طيه للعاشقين عتاب وسرى يفوح معطرًا وأظنُّه … لرسائل الأشواق فيه جواب وقوله (٥): [من الكامل] إن ضيعوا عهدي فَعَهْدُ هواهم … بين الجوانح سره مكنون وحياتهم، أما السُّلُوُّ فإنَّه … شكٍّ وأما حبهم فيقين وقوله (٦): [من الكامل]

стр. 5772

شَمِتَ الحسود لأني ضَنيتُ وما درى … أنّي بأثواب الصني أتشرف يا غائبين وما ألذَّ نَدَاهُمُ … وحياتكم قسمي وعزَّ المُصْحَفُ وقوله (١): [من الطويل] رتق الحمى حدّق بأخبار لوعةٍ … لها مِنْ فؤادي بالجفون تواتر ويا نسمات الصبح قولي لراقد … هناك الكرى، إِنِّي لَبُعْدِكَ سَاهِرُ وقوله (٢): [من الطويل] خليلي ما للبرق يخفقُ غَيْرَةً … أَبَرْقُ حماها مثل قلبي عاشق وما للمطايا قد حداها اشتياقها … حتى لها مثلي تحن الأيانق تميل غصون البانِ شوقًا لقدِّها … فتنطِقُ إشفاقًا عليها المناطق وينشقُّ قَلْبٌ للشقائق غيْرَةً … إذا حدَّقت حينًا إليها الحدائق وقوله (٣): [من الكامل] نَقَلَ الأراك بأنَّ ريقةَ تَغْرِهِ … من قهوة مزجت بماء الكوثر يا طيب ما نقل الأراك لأنه … يرويه نقلا عن صحاح الجوهري حكى الفاضل أبو العباس بن العطار، الكاتب، أنَّ أخت الشيخ قطب الدين موسى بن القويني كان مزوّجة في الرحبة، فلما مات زوجها توجّه أخوها قُطب الدين لإحضارها فأقام عندها لتَقْضِيَ مُدَّة العِدّة، ثمَّ يُحْضِرَها، فَكَتَبَ إليه الورن: [من الكامل] مولاي قطب الدين موسى دعوة … من نازح يسلو قطيعة وَصْلِهِ أتراك ما آنَسْتَ نار تشوقي … يا مَنْ قضى أجلًا وسار بأهْلِهِ قال: وكان بالبقاع قاضي يُلقَّبُ شهاب الدين، وله ولد مليح اسمه موسى فأتاه فقيه مشهورٌ يحبُّ الغلمان، وكان قد أطلَّ شهر رمضان فتلقاه القاضي، وأنزله عند ابنه، فكتب إليه الورن: [من السريع] قُلْ لِشهاب الدين يا حاكمًا … في سرعة الحب على الجار جار آويت في ذا الشهر ضيفًا يرى … أن دبيب الليلِ مِثْلُ النهار وَهُوَ فقيه أشْعَرِيُّ الخُصى … يُعَلِّمُ الصبيان باب الظهار

стр. 5773

إياك إن لاحت له غَفْلةٌ … لفَّ كبار البيت بعد الصغار قال: وكان بالبقاع وال من أهل الأدب، يُعْرَفُ بابن درباس، واسمه علي، وكان ينظم الشِّعر ويتوالى، والوزير بدمشق إذ ذاك بدر الدين جعفر بن الآمدي، وكان يتوالى أيضًا. فاتفق أنّه ولّى عنده بالبقاع كاتبًا ممن سَلِمَ من التشمير من ديوان المطابخ، وكان من حديث هؤلاء أنهم سرقوا قندًا كبيرًا، كان قد حُمِلَ من غور الكرك، ليُطْبَخَ بدمشق للسلطان، فبلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس، فأمر بهم فسُمِّروا، وطيف بهم على الجمال، إلا هذا الكاتب، فإنّه شُفِعَ فيه، فأُطْلِقَ بعد أن قُدِّمَ الجمل ليُسَمَّرَ، فلما استخدمه ابن الآمدي بالبقاع، ضيّق على ابن درباس، فأقام يُعْمِلُ قريحته فيما يكتبه إلى ابن الآمدي فيه، فلم يأتِ بشيء، فَسَأَلَ الوَرْنَ في ذلك فكتب: [من البسيط] شَكِيّة يا وزير العصر أرفعها … ما كان يا أملي ذا من ولاك علي لم يبق في الأرض مختار … إلا فتى من بقايا وقعه الجَمَلِ فضحك ابن الآمدي، وقال: قال الحق والله، ثم عزل ذلك الكاتب، ولم يستخدمه بعدها. ومنهم: [٢٤٣] يُوسُف بن أحمد بن محمود، الأسدي، أبو العز وأبو المحاسن، جمال الدين عُرِفَ بابن الطحان وهو المسمى بالحافظ اليغموري، لنسبته إلى صحبة ابن يغمور (١). مُحدِّثُ لا يَمَلُّ، ومؤرّخ لا يُخِلُّ، وحافظ مدد بحره لا يقلُّ، وفاضل لا يعجز أن يَسْتَدلَّ، ملأ بخطّهِ الوَرَقَ، ورمى بخُطَبِهِ الفِرَقَ، وكتب أوقار أحمال، وأوراق تعاليق تقيد خُطى الجمال. صدوق، نقله محقق، وقوله مُصَدَّق، وحديثه موثق. كم له

стр. 5774

من مجموع حسن، ومسموع ما أطرب به طائر على فنن، وكان له طرفٌ تَشِفُ، ولُطَفٌ تخف، وأدب شُكْرُهُ واجب، كأنه الغمر بالحواجب. وحُكِيَ أَنه مَرِضَ لابن يغمور مملوك كان يعزُّ عليه، وكان يعوده طبيب من أخصاء أصحابه، فمات المملوك، فلما خرجت جنازته، خرج الطبيب فيمن خرج معها، فلما حَضَرَ الدفنُ قَعَدَ الطبيب على القبر وهو يُحْفَرُ، ثم بقي يقول للحفار احفر كذا، اعمل كذا، افعل كذا، فقال له الحافظ اليغموري: يا سيدنا أنت قد عَمِلْتَ ما يجب عليك وما قصرت، ولازمته حتى وَصَّلته إلى هنا، وأما من هنا ورائح، ما بقي يتعلّق بك الذي عليك أنت عَمِلْتَهُ، وبقي الذي على هذا، وأشار إلى الحفار، فخزي الرجُلُ، وضَحِكَ كلُّ من حضر الدفن. ورأيت بخط ابن العطار ما صورته وقد ذكره، فقال: وكتب إليه الأديب شهاب الدين محمد بن عبد المنعم ابن الخيمي، وكلاهما أرمد (١): [من الوافر] أبثك يا خليلي أنَّ عيني … غدت رمداء تجري مثل عين حديثًا أنت تعرفه يقينًا … لأنَّك قد رمدت وأنت عيني فكتب جوابه (٢): [من الوافر] كفاك الله ما تشكو وحيّا … محاسن مقلتيك بكل زين فإني من شفائك ذو يقينٍ … لأني قد شفيتُ وأنت عيني ومن شعره قوله (٣): [من الرمل] رجع الوُدُّ على رغم الأعادي … وأتى الوصل على وفق مرادي ما على الأيام ذنب بعدها … كفّر القرب إساءات البعاد ومنه قوله (٤): [من الرمل] أنا مرآة فإن أبصرتُمُ حَسنًا … أنتم بها ذاك الحسن أو تَرَوا ما ليس يرضيكم فَقَد … صَدِئَتَ إذ لم تروها من زمن ومنهم:

стр. 5775

[٢٤٤] جوبان القواس واسمه رمضان، ولقبه أمين الدين (١). لسانٌ ينفِقُ دُرًّا، وبيان ينفث سحرا، وسنان يُصيب نحرا، وحسّان يؤيد بروح القُدُسِ إذا قال شعرا، كان لا يقرأ ولا يكتب، ولا سلف له سابق بأديب، ولا درس، بل كان شُغْلُه صنعة القِسِيّ يُطلِعُ أهِلَّتها، ويصنع من سقام الأصيل حُلَّتها. وحكى لي شيخنا شهاب الدين محمود الحلبي الكاتب عنه، أنه كان يدعي الأمية، وكان بخلاف ما يدعيه، قرأ وكتب وحفظ المفصل في النحو. وحكي لي صاحبنا الشيخ جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن الغويرة السلمي عنه، أنه كان يأخُذُ الخطوط المنسوبة الفائقة بخط ابن البواب، والولي التبريزي، وأمثالها ويضعها قدامه بحيث يراها، ثم يقص من التَّو مثلها ويلصقها أسطرًا على الدروج، لا يفرق بين ما قصه منها بالمقص وبين ما كتبه أولئك الكتاب بالقلم، وحكى لي حَسَنُ بن المحدث الكاتب أنه كان يكون قاعدًا في عمل صناعته وهو ينظم القطعة من الشعر، النظم الجيد المرضي، وفي شعره ما يُبلِّلُ بقطره الغمائم، ويلطم بنشره اللطائم، ومنه قوله (٢): [من الطويل] وعهدي بوجه الأرض مبتسمًا فَلِمْ … يُغَرْغِرُ منه الدَّمْعُ في مُقَلِ الخُدْرِ إذا أرجف الماء النسيمُ لِوَقْتِهِ … كساه شعاع الشمس درعًا من التبر وقوله: نصون الحميا بالقناني وإنّما … نصون القناني بالحميا ولا ندري ولما حكى الراووق في العين شكله … وقد عَلِقَ العنقود في سالف الدهر تذكَّر عهدًا بالكروم فكله … عيون على أيام عصر الصبا تجري يناولنيها مخطف الخَصْرِ أَغْيَدٌ … فلله ذاك الأعيدُ المخطف الخضر يقول وفرط السكر يثني لسانه … إلى غَيْرِ ما يُرضي التقى وهو لا يدري

стр. 5776

ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري … فدون الذي تحوي أنامله خصري وقوله: [من الكامل] لك بين حزني والسُّرُورِ مَقَامِ … فَلِذاك أَعْذَرُ في الهوى وألام ولك السُّرى بين الرقاد ويقظتي … فالوجدُ لا فكر ولا أحلام يا حيرة العشاق في سُبل الهوى … إذ ليسَ يُدْرَكُ عِلْمُهُ فيُرامُ كتب الغرام على صحيفة خَدِّهِ … مُتْ عاشقًا فَلْتَتْعَبِ اللَّوامُ وقوله: [من السريع] أدر علينا كأس ذكر الحبيب … فإنه يُسْكِرُ سُكرًا عجيب لو [ل] نسيمات بنشر الحمى … تأتي مع الصبح لمات الكئيب وارحمتا للصَّب إن عرضوا … بذكرِ من يهواه عند الرقيب يرومُ أن يكتُمَ أحواله … وكيف تخفى لمحات المريب وقوله في مليح له خال رقم ديباجة خدّه، وخال أنّه هو سبب صده، وأتى بلفظة خاله هنا توريةً حسنةً على ابتذالها وكثرة استعمالها: [من السريع] وأسمر يُخجل سُمْرَ القنا … معسوله يحمى بِعَسَّالِه تَيَّمَنِي خالٌ على خده … وآفة العشاق من حاله وقوله: [من الطويل] تَحمَّلْتُ فيك السُّقْمَ حتى رَحمْتَني … فحاكيت حالي والتوجعُ مُسْقِمُ وأحرقت قلبي بالجفا وسكنته … فلا غرو أن فاحت عليك جهنَّمُ ومذ غاض ما استودعْتُ في الخدّ من … دمي بَكَيْتُ به إلا فمن أين لي دم وقوله: [من السريع] لولا عيون الرشأ الأكْحَلِ … ما وصل السهم إلى مقلتي رَقَّ لي العادل من لوعتي … فكيف لو شاهَدَه عُذلي وقوله: [من مجزوء الخفيف] سارَ مَزْمُوْمُ ركبهم … وَهْوَ عنّي مجنّب مَجَنِّبْ فأنا اليومَ بَعْدَهُمْ … بالمغاني مشبب وقوله في القوس، وبذل فيه جهد استطاعته، وأجاد في صناعَتِهِ: [من الخفيف] أنا عون على هلاك عداكا … زادك الله نصرةً وحماكا فادْعُني في الوغى تجدني … صبورًا نافذ السهم في العدا فتاكا

стр. 5777

رب في الحرب نلت مطلبك الأقـ … صى وما بي من قدرة لولاكا وقوله في مليح لَعِبَ بالصوالحة، فطارت الكرة إلى وجهه فأثرت فيه، وحققت باللذم له بالبدر التشبيه: [من البسيط] وافي وقد أثرت في وجههِ كُرَةٌ … جاءته قاصِدَةً من غيرُ مُقْتَصِدِ لم ألق في حَرَجي من فعلها ألمًا … بقدر ما نالني من شدة الحَسَدِ وقوله (١): [من مجزوء الكامل] ربح وخذ بنسيئة … واشرب وكل وامطل ودافع فأحق ما أكل المحا … لي مال أرباب المطامع وقوله، وهما في جملة قطعة من قطعه السائرة، وأبياته التي علقت بكُلِّ ذاكرة (٢): [من البسيط] لاح الهلال ابن يومَيْهِ فَأَذْكَرَني … شُرْبَ المدامة تُجلى من يد الساقي كأنه شفق للكأس قد نقصت … بالميل والخَمْرُ شفّاقٌ على الباقي وقوله: [من مجزوء الوافر] تفرق عقله فرقا … كذاك يُصاب من عشقا وأودع قلبه حجرًا … من الوجنات فاحترقا وقوله: [من الكامل] قابل مذلة من أتاك بعُذره … بالصفح إِنَّ العُذر خير شفيع وإذا غفرت فلا تشوب حَلاوَةَ الـ … غفران منك مرارة التقريع وقوله: [من الوافر] أغايظُهُ ليُعْرِضَ بالتجنّي … فيحلو لي إذا أبدى الدلالا وإن عرف الفتى مقدار شيء … عزيز من بضاعته تغالى وقوله (٣): [من مخلع البسيط] جئتُ أريدُ الحَمَّام يومًا … فغرّني النقش والحصير أنْقُلُ خوف الوقوع رجلي … فيها كما يَنقُلُ الضرير جهنم لا يُصاب فيها … وهج بل الكُلُّ زمهرير وكلما جاءها زبونٌ … قلنا ألم يأتِكُم نذير

стр. 5778

وقوله: [من المنسرح] نَفَسُ الخسيس البخيل كامنةٌ … فيه ولو حاز ملك قارون يُعطي ويَقْري وفي مخايِلِهِ … مَنْ شحيح وكظم مغبون وقوله (١): [من الوافر] حمانا الترك وانتهكوا حمانا … وليس يفي التواصل بالصُّدودِ حمونا بالصوارم والعوالي … وجاروا باللواحظ والدود وقوله يرثي صديقًا له: [من الخفيف] كيف نسلو يا زين أو نتناسى … خُلُقًا منك يُطرب الجلاسا لستُ أبكي عليه لكن على نفـ … سي أبكي فقد عَدِمْتُ النَّاسا وقوله: [من الطويل] ولما نزلنا دوحة الزهر نجتلي … محاسن ما قد نظمتهُ يَدُ القَطْرِ فما خِلْتُها إلا تماثيل عنْبَرٍ … وقد جُللت من فوقها شبك الدر وقوله: [من البسيط] أرني المنافس في الدنيا لِيجْمَعَها … حِرْصًا وللرزق حُكْمٌ يُبْطِلُ السَّببا كلاعِبِ النَّرْدِ يُفنى في تَصَرُّفِهِ … جُهْدًا ويَمْنَعُه المقدار ما طلبا وقوله: [من البسيط] وباقة ألفت من نَرْجِسٍ نَضِر … تروقُ أبصارنا بالمنْظَرِ العَجَبِ تخالُ مائدة من فَضَّةٍ وَضِعَت … وبُثَّ فيها سكاريج من الذَّهَبِ وقوله: [من المديد] أيُّها لحادي أقِمْ نَفْسًا … فلعمري فيك إحسان إسأل الأحباب أن يَعِدوا … عودة فالقوم قد لانوا رحلوا والقَلْبُ بينَهُمُ … يتوارى وهو وجلان خِيفَةً مِمَّنْ يهيمُ بِهمْ … كلُّ من في الركب غيران وحكي أنه كان يَعْهَدُ غلامًا مصونًا، ذا جمال رائق، وكمال فائق، وحُسْنٍ يُعْذَرُ به الوامِقُ، وانجذاب يطمَعُ بِمِثْلِهِ العاشق، وكان يَعْهَدُه يجرح قلبه ولا يُكلِّمه، ويروي نظره منه ولا يُطفأ تضرمه، فمرَّ به وقد تمادى عليه زمان في حانوت معلمه، فمن رآه افتر

стр. 5779

له بمَبْسِمِهِ، فأراد أن يجْلِسَ إليه فأشار إليه ألا يفعل، فَعَلِقٍ قَلْبُهُ بِرَحِم إيمائِه، وقوي طَمَعُهُ في الوصول إلى نجم سمائه، وكان الغلام قد خاف مُعَلِّمَه؛ لأنه كان به مفتونًا لا يَكُفُّ عنه نظرًا، ولا يُبْصِرُ غَيْرَه ولا يرى، وكان المعلّم وهو الذي راض جامع ذلك الغُلامِ، وعَلَّمَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِطَرْفِهِ تلك السهام، فانْصَرَفَ عنه وهو يقول: [من المنسرح] أقصد حانوته فيغمزني … أن لا تقف عندنا لتهتكنا فإنَّ هذا معلمي رَجُلٌ … قد لاط قسطًا من عمره وَزَنا لا جمل الله من مُعلِّمه … بالسِّتْرِ عرقًا إن مات أو دفنا علمه صنعةً يعيش بها … مَعْهُ، وأخرى بها أموتُ أنا قلت، وقد سكن (مَعْهُ) في هذا البيت وهو معيب. وكان شيخنا شهاب الدين محمود ﵀ يقول: قلَّ أنْ نَهَضَتْ قافية مقيّدة، أو عُمرَ بَيْتٌ سُكِنتُ فيه مَعْ. قلت: وفي قول شيخنا هذا مطلقًا نظر، و (مع)، الساكِنَةُ مع غير ضمير أخف منها ساكنة مع الضمير. ثم نرجع إلى تتمة شعره فنقول، ومنه قوله: [من الطويل] ألقت هواي في هواكم فراضني … فَلَم يبقَ لي نَفْسٌ تخالِفُ عن أمري وقد كُنْتُ ذا صبر على ما ينوبني … فعلمني هجرانكُم قِلَّةَ الصَّبْرِ وقوله: [من السريع] لما بدا الشَّعْرُ على سالفيه … سعى به من كان يسعى إليه ما عايَنَتْ من قَبْلِهِ مُقلَتي … بدْرًا عَراهُ النَّقْصُ من جانبيه وقوله في الحشيشة: [من الوافر] إذا فُرَصٌ بدت لك فانتهزها … فأعمار الشرور بها قصار وخذها من معنْبَرَةٍ بلون … كلون الآس يلحقها اصفرار تطوف على الأكف بغيرِ كأس … لها، وحياتها الحب الصغار وودع غيرها إن خفت عارًا … فحسوة غيرها ذل وعار فلو أنَّ الحشيش تَزيدُ فهمًا … لنال بفهمه الرتب الحمار وقوله: [من السريع] يعبثُ عجبًا بقلوب الورى … في الشُّح بالوصل وبذل السماح يؤنس بالنرجس من يجتني … فإن لوى أطعمه بالأقاح وقوله في الأذريون، وأهل دمشق تسمّيه (الكركاش): [من الكامل]

стр. 5780

انظر إلى الكركاش وَهُوَ محدِّقٌ … كالتِّبْرِ محتاط عليه يُدار فكأنَّه فَمُ شادن متبسم … من فوق رأس لسانه دينار وقوله: [من السريع] تبًا لحمّام نَشبَّنا بها … لم نَرَ فيها خَصْلَةٌ صَالِحَه فبابها كالفَحْم لكنّها … كالثلج منها نُقْطَةٌ رَاسِحَه والماء كالبولة لكنّه … سُخْنٌ غليظ سَهِكُ الرائحه فيها ضباب عاقد تغتدي … أوجُهُنا في نَفْعِهِ كَالِحَه والسدر كالوحل على أرضها … قَدْ لَزِمَ الشَّعْرَ من البارحه وما الذي يذهب غيابه … وليس فيه نقطة شارحه وفيم أترف من أحْذَم … علامة الشر به لائحه تتلو علينا كلّما جئنا … هـ نتلوسورة الفاتحه وقوله (١): [من السريع] نفَشَ غُصْنُ البان أذنابه … واهتز عند الصُّبْحِ عُجبًا وفاح وقال هل في الروض مثلي وقد … عَزَوا إلى غصني قدود الملاح فحدق النرجس يهزا به … وقال حقًا قلته أو مزاح قال له البان ألا تستحي … ما هذه إلا عيون وقاح وقوله: [من الخفيف] وعدت زورةً إذا الليلُ جنّا … فتجافَى الكَرَى جفونَ المُعَنَّى وغدا بين خوفه والدُّجَى هَلْ … لَ إليه الصباح أو هي أدنى وقوله: [من مجزوء الرجز] ذو مقلةٍ صحيحة … ألحاظُها مُنْكَسِرَه كأنّها من فِعْله … بصبها معتذره أوصافه كاملة … وفي الورى مختصره يا رب خذ رقيبَهُ … فَهْوَ أشَدُّ العَشَرَه وقوله: [من الوافر] لئِنْ جَحَدَتْني العينانِ ظُلْمًا … وُجوبَ دمي فإنَّ الخدَّ يَشْهَدْ
следующие страницы →