ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري … فدون الذي تحوي أنامله خصري
وقوله: [من الكامل]
لك بين حزني والسُّرُورِ مَقَامِ … فَلِذاك أَعْذَرُ في الهوى وألام
ولك السُّرى بين الرقاد ويقظتي … فالوجدُ لا فكر ولا أحلام
يا حيرة العشاق في سُبل الهوى … إذ ليسَ يُدْرَكُ عِلْمُهُ فيُرامُ
كتب الغرام على صحيفة خَدِّهِ … مُتْ عاشقًا فَلْتَتْعَبِ اللَّوامُ
وقوله: [من السريع]
أدر علينا كأس ذكر الحبيب … فإنه يُسْكِرُ سُكرًا عجيب
لو [ل] نسيمات بنشر الحمى … تأتي مع الصبح لمات الكئيب
وارحمتا للصَّب إن عرضوا … بذكرِ من يهواه عند الرقيب
يرومُ أن يكتُمَ أحواله … وكيف تخفى لمحات المريب
وقوله في مليح له خال رقم ديباجة خدّه، وخال أنّه هو سبب صده، وأتى بلفظة خاله هنا توريةً حسنةً على ابتذالها وكثرة استعمالها: [من السريع]
وأسمر يُخجل سُمْرَ القنا … معسوله يحمى بِعَسَّالِه
تَيَّمَنِي خالٌ على خده … وآفة العشاق من حاله
وقوله: [من الطويل]
تَحمَّلْتُ فيك السُّقْمَ حتى رَحمْتَني … فحاكيت حالي والتوجعُ مُسْقِمُ
وأحرقت قلبي بالجفا وسكنته … فلا غرو أن فاحت عليك جهنَّمُ
ومذ غاض ما استودعْتُ في الخدّ من … دمي بَكَيْتُ به إلا فمن أين لي دم
وقوله: [من السريع]
لولا عيون الرشأ الأكْحَلِ … ما وصل السهم إلى مقلتي
رَقَّ لي العادل من لوعتي … فكيف لو شاهَدَه عُذلي
وقوله: [من مجزوء الخفيف]
سارَ مَزْمُوْمُ ركبهم … وَهْوَ عنّي مجنّب مَجَنِّبْ
فأنا اليومَ بَعْدَهُمْ … بالمغاني مشبب
وقوله في القوس، وبذل فيه جهد استطاعته، وأجاد في صناعَتِهِ: [من الخفيف]
أنا عون على هلاك عداكا … زادك الله نصرةً وحماكا
فادْعُني في الوغى تجدني … صبورًا نافذ السهم في العدا فتاكا
стр. 5777
رب في الحرب نلت مطلبك الأقـ … صى وما بي من قدرة لولاكا
وقوله في مليح لَعِبَ بالصوالحة، فطارت الكرة إلى وجهه فأثرت فيه، وحققت باللذم له بالبدر التشبيه: [من البسيط]
وافي وقد أثرت في وجههِ كُرَةٌ … جاءته قاصِدَةً من غيرُ مُقْتَصِدِ
لم ألق في حَرَجي من فعلها ألمًا … بقدر ما نالني من شدة الحَسَدِ
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
ربح وخذ بنسيئة … واشرب وكل وامطل ودافع
فأحق ما أكل المحا … لي مال أرباب المطامع
وقوله، وهما في جملة قطعة من قطعه السائرة، وأبياته التي علقت بكُلِّ ذاكرة (٢): [من البسيط]
لاح الهلال ابن يومَيْهِ فَأَذْكَرَني … شُرْبَ المدامة تُجلى من يد الساقي
كأنه شفق للكأس قد نقصت … بالميل والخَمْرُ شفّاقٌ على الباقي
وقوله: [من مجزوء الوافر]
تفرق عقله فرقا … كذاك يُصاب من عشقا
وأودع قلبه حجرًا … من الوجنات فاحترقا
وقوله: [من الكامل]
قابل مذلة من أتاك بعُذره … بالصفح إِنَّ العُذر خير شفيع
وإذا غفرت فلا تشوب حَلاوَةَ الـ … غفران منك مرارة التقريع
وقوله: [من الوافر]
أغايظُهُ ليُعْرِضَ بالتجنّي … فيحلو لي إذا أبدى الدلالا
وإن عرف الفتى مقدار شيء … عزيز من بضاعته تغالى
وقوله (٣): [من مخلع البسيط]
جئتُ أريدُ الحَمَّام يومًا … فغرّني النقش والحصير
أنْقُلُ خوف الوقوع رجلي … فيها كما يَنقُلُ الضرير
جهنم لا يُصاب فيها … وهج بل الكُلُّ زمهرير
وكلما جاءها زبونٌ … قلنا ألم يأتِكُم نذير
стр. 5778
وقوله: [من المنسرح]
نَفَسُ الخسيس البخيل كامنةٌ … فيه ولو حاز ملك قارون
يُعطي ويَقْري وفي مخايِلِهِ … مَنْ شحيح وكظم مغبون
وقوله (١): [من الوافر]
حمانا الترك وانتهكوا حمانا … وليس يفي التواصل بالصُّدودِ
حمونا بالصوارم والعوالي … وجاروا باللواحظ والدود
وقوله يرثي صديقًا له: [من الخفيف]
كيف نسلو يا زين أو نتناسى … خُلُقًا منك يُطرب الجلاسا
لستُ أبكي عليه لكن على نفـ … سي أبكي فقد عَدِمْتُ النَّاسا
وقوله: [من الطويل]
ولما نزلنا دوحة الزهر نجتلي … محاسن ما قد نظمتهُ يَدُ القَطْرِ
فما خِلْتُها إلا تماثيل عنْبَرٍ … وقد جُللت من فوقها شبك الدر
وقوله: [من البسيط]
أرني المنافس في الدنيا لِيجْمَعَها … حِرْصًا وللرزق حُكْمٌ يُبْطِلُ السَّببا
كلاعِبِ النَّرْدِ يُفنى في تَصَرُّفِهِ … جُهْدًا ويَمْنَعُه المقدار ما طلبا
وقوله: [من البسيط]
وباقة ألفت من نَرْجِسٍ نَضِر … تروقُ أبصارنا بالمنْظَرِ العَجَبِ
تخالُ مائدة من فَضَّةٍ وَضِعَت … وبُثَّ فيها سكاريج من الذَّهَبِ
وقوله: [من المديد]
أيُّها لحادي أقِمْ نَفْسًا … فلعمري فيك إحسان
إسأل الأحباب أن يَعِدوا … عودة فالقوم قد لانوا
رحلوا والقَلْبُ بينَهُمُ … يتوارى وهو وجلان
خِيفَةً مِمَّنْ يهيمُ بِهمْ … كلُّ من في الركب غيران
وحكي أنه كان يَعْهَدُ غلامًا مصونًا، ذا جمال رائق، وكمال فائق، وحُسْنٍ يُعْذَرُ به الوامِقُ، وانجذاب يطمَعُ بِمِثْلِهِ العاشق، وكان يَعْهَدُه يجرح قلبه ولا يُكلِّمه، ويروي نظره منه ولا يُطفأ تضرمه، فمرَّ به وقد تمادى عليه زمان في حانوت معلمه، فمن رآه افتر
стр. 5779
له بمَبْسِمِهِ، فأراد أن يجْلِسَ إليه فأشار إليه ألا يفعل، فَعَلِقٍ قَلْبُهُ بِرَحِم إيمائِه، وقوي طَمَعُهُ في الوصول إلى نجم سمائه، وكان الغلام قد خاف مُعَلِّمَه؛ لأنه كان به مفتونًا لا يَكُفُّ عنه نظرًا، ولا يُبْصِرُ غَيْرَه ولا يرى، وكان المعلّم وهو الذي راض جامع ذلك الغُلامِ، وعَلَّمَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِطَرْفِهِ تلك السهام، فانْصَرَفَ عنه وهو يقول: [من المنسرح]
أقصد حانوته فيغمزني … أن لا تقف عندنا لتهتكنا
فإنَّ هذا معلمي رَجُلٌ … قد لاط قسطًا من عمره وَزَنا
لا جمل الله من مُعلِّمه … بالسِّتْرِ عرقًا إن مات أو دفنا
علمه صنعةً يعيش بها … مَعْهُ، وأخرى بها أموتُ أنا
قلت، وقد سكن (مَعْهُ) في هذا البيت وهو معيب. وكان شيخنا شهاب الدين محمود ﵀ يقول: قلَّ أنْ نَهَضَتْ قافية مقيّدة، أو عُمرَ بَيْتٌ سُكِنتُ فيه مَعْ.
قلت: وفي قول شيخنا هذا مطلقًا نظر، و (مع)، الساكِنَةُ مع غير ضمير أخف منها ساكنة مع الضمير.
ثم نرجع إلى تتمة شعره فنقول، ومنه قوله: [من الطويل]
ألقت هواي في هواكم فراضني … فَلَم يبقَ لي نَفْسٌ تخالِفُ عن أمري
وقد كُنْتُ ذا صبر على ما ينوبني … فعلمني هجرانكُم قِلَّةَ الصَّبْرِ
وقوله: [من السريع]
لما بدا الشَّعْرُ على سالفيه … سعى به من كان يسعى إليه
ما عايَنَتْ من قَبْلِهِ مُقلَتي … بدْرًا عَراهُ النَّقْصُ من جانبيه
وقوله في الحشيشة: [من الوافر]
إذا فُرَصٌ بدت لك فانتهزها … فأعمار الشرور بها قصار
وخذها من معنْبَرَةٍ بلون … كلون الآس يلحقها اصفرار
تطوف على الأكف بغيرِ كأس … لها، وحياتها الحب الصغار
وودع غيرها إن خفت عارًا … فحسوة غيرها ذل وعار
فلو أنَّ الحشيش تَزيدُ فهمًا … لنال بفهمه الرتب الحمار
وقوله: [من السريع]
يعبثُ عجبًا بقلوب الورى … في الشُّح بالوصل وبذل السماح
يؤنس بالنرجس من يجتني … فإن لوى أطعمه بالأقاح
وقوله في الأذريون، وأهل دمشق تسمّيه (الكركاش): [من الكامل]
стр. 5780
انظر إلى الكركاش وَهُوَ محدِّقٌ … كالتِّبْرِ محتاط عليه يُدار
فكأنَّه فَمُ شادن متبسم … من فوق رأس لسانه دينار
وقوله: [من السريع]
تبًا لحمّام نَشبَّنا بها … لم نَرَ فيها خَصْلَةٌ صَالِحَه
فبابها كالفَحْم لكنّها … كالثلج منها نُقْطَةٌ رَاسِحَه
والماء كالبولة لكنّه … سُخْنٌ غليظ سَهِكُ الرائحه
فيها ضباب عاقد تغتدي … أوجُهُنا في نَفْعِهِ كَالِحَه
والسدر كالوحل على أرضها … قَدْ لَزِمَ الشَّعْرَ من البارحه
وما الذي يذهب غيابه … وليس فيه نقطة شارحه
وفيم أترف من أحْذَم … علامة الشر به لائحه
تتلو علينا كلّما جئنا … هـ نتلوسورة الفاتحه
وقوله (١): [من السريع]
نفَشَ غُصْنُ البان أذنابه … واهتز عند الصُّبْحِ عُجبًا وفاح
وقال هل في الروض مثلي وقد … عَزَوا إلى غصني قدود الملاح
فحدق النرجس يهزا به … وقال حقًا قلته أو مزاح
قال له البان ألا تستحي … ما هذه إلا عيون وقاح
وقوله: [من الخفيف]
وعدت زورةً إذا الليلُ جنّا … فتجافَى الكَرَى جفونَ المُعَنَّى
وغدا بين خوفه والدُّجَى هَلْ … لَ إليه الصباح أو هي أدنى
وقوله: [من مجزوء الرجز]
ذو مقلةٍ صحيحة … ألحاظُها مُنْكَسِرَه
كأنّها من فِعْله … بصبها معتذره
أوصافه كاملة … وفي الورى مختصره
يا رب خذ رقيبَهُ … فَهْوَ أشَدُّ العَشَرَه
وقوله: [من الوافر]
لئِنْ جَحَدَتْني العينانِ ظُلْمًا … وُجوبَ دمي فإنَّ الخدَّ يَشْهَدْ
стр. 5781
بَخِلْتَ على الخليلِ بغَيْرِ ذَنْبٍ … جناه بطيب مرشفك المُبرد
وقوله في المائدة وهي الخونجاه: [من مخلع البسيط]
وذات أصل لها زكي … يُصْلِحُ بين المغاضبين
تسعى على الرأس إن أتتنا … طورًا وطورًا على اليدين
وقوله: [من السريع]
وذات وجهين وما فيهما … عين ولا أنف ولا حاجب
لها فم ليس له مَدْخَلٌ … وَهُوَ لمّا يسقونَهُ شَارِبُ
ومنهم:
[٢٤٥] محمد بن العفيف، سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، التلمساني، أبو عبد الله، شمس الدين (١)
نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيفٌ لا بل أخف موقعًا في الكرى، لم يأت إلا بما خف على القلوب، وبرئ من العيوب، ورق شِعْرُه فكاد يُشرَبُ، ودق فلا غرو للقَصَبِ أن يرقُصَ، وللحمام أن يطرَبَ. ولزم طريقةً دخل بها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وجاء بكل لطيف، وأجاد التورية والكلُّ معها لفيف، وبرز على أقرانه ففات الرفقة، وملأ العين بما جاء من الرِّقَّة، وكان لأهل عَصْرِهِ، فمن جاء على آثارهم افتتان بشعره، وافتتان فيه وفي ذكره، وخاصةً أهل دمشق، فإنَّه بين عمائم حياضهم رُبِّي، وفي كمائم رياضهم خُبّي حتّى تدفّق نهرُهُ، وأينع زهره، وكان يرى أنهم جلدته، وأبناء بلدته، وإن كان قديمه من بلد سوى بلدهم، ولمولد غير مولدهم.
وقد أدركتُ جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا يروون له شعرًا إلا عظموه كالمشاعر، ولا ينظرون له بيتًا إلا كالبيت، ولا يقدمون عليه سابقًا، لو
стр. 5782
قلت، ولا امرأ القيس لما باليت. ومرّت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق لهم في زمانها إلا تذكره، ولا من إحسانها إلا ما تشكرُهُ. وأكثَرُ شِعْرِه - لا بَلْ كله - رشيق الألفاظ، سَهْل على الحُفَّاظ، لا يخلو من الأمثال العامية، وما تحلو به المذاهب الكلامية، فلهذا عَلِقَ بِكُلِّ خاطِرٍ، وَوَلِعَ به كلُّ ذاكر، وعاجله أَجَلُه فاخْتُرِمَ، وأُحْرِمَ أحبابه لذة الحياة وحُرِمَ.
ذكر شيخنا أبو حيان وهو آخر من ذَكَرَه في مجاني العصر، وقال: مَولِده بالقاهرة في عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وستمائة، ومما أنشد له قوله في طبّاخ (١): [من مجزوء الرمل]
رُبَّ طباخ مليحٍ … فاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكن … شغلوه بالقدور
وقوله (٢): [من السريع]
أسير أجفان بخدٍّ أَسيل … كليمُ أحشاء بطرف كليل
في حب من حظي كشعْرٍ له … لكن قصير ذا وهذا طويل
ليس خليلًا لي ولكنّه … يُضَرِمُ في الأحشاء نار الخليل
يا ردفَهُ جُرْتَ على خَصْرِهِ … رفقًا به ما أنت إلا ثقيل
وقوله (٣): [من الهزج]
وقد سود حي منـ … ك يا أبهى الورى غُرّه
سواد الخال والعارِ … ضِ والمقلة والطره
قديمُ الهَجْرِ من لفتى … قديم في الهوى هَجَرَه
رأينا من جفًا وجنًا … ولكن زِدْتَ في كره
فهل تسنح أو تسـ … مح بالوصل ولو مره
فقد أصبحت لا أملـ … ـك من صبري ولا ذرّه
وقد صيّرني هجر … ك في كس أخت ما أكره
عذيري فيه من قمر … يريك بخده الزهره
إذا قارن بالأكؤ … س إذ يشربها ثغره
стр. 5783
أراك الذهب المصري … ي فوق الفضة النقرة
ومما أنشد له الفاضل أبو الصفاء الصَّفدِي قوله (١): [من الخفيف]
ومليح كالبَدْرِ زار بليل … فجلا حُسنه الدُّجَى إذ تجلى
ما درى منزلي ولكن قلبي … بلهيب الجوى هداه ودلًا
وعجيب منه فقيه ذكيٌّ … بِمَحَلِّ النزاع كيف استدلا
وقوله (٢): [من الكامل]
ولقد أتيت إلى جنابك قاضيًا … باللَّهم للعتبات بعض الواجب
وأتيتُ أقصد زورةً أحْيَا بها … فرددت يا عيني هناك بحاجب
وقوله (٣) في رسام: [من مجزوء الرجز]
قُلْتُ لِرَسامكُم … بك الفؤادُ مُغرَمُ
قال مى أُذيبُهُ … فَقُلْتُ حين تَرْسُمُ
وقوله (٤): [من الرجز]
يا بأبي معاطف وأعيُنٌ … يصول منها رامح ونابل
فهذه ذوابل نواضرٌ … وهذه نواطر ذوابل
وقوله (٥): [من الطويل]
حَلَلْتَ بأحشاء لها منك قاتِلُ … فهل أنت منها نازل أم مُنازِل
أرى الليل من حجبت ما حال لونه … على أنه بيني وبينك حائل
أيُسعدني يا طلعة البدر طالعٌ … ومن شقوتي خط بخدك نازل
ولو أنَّ قسا واصف منك وجنةً … لأعْجَزَه نبت بها وَهُوَ باقِلُ
وقوله (٦): [من الطويل]
بلا غَيْبَةٍ للبدرِ وجْهكَ أجْمَلُ … وما أنا فيما قُلْتُه مَتَقَوِّلُ
لحاظك أسياف ذكور فما لها … كما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلّمًا … ويلزمُهُ دورٌ وفيه تَسلسل
ولا عيب عندي فيك إلا صبابةً … لديك بها كل امرئ متبدِّلُ
стр. 5784
وعهدي أنَّ الشمس بالصخو آذنت … وسكري أراه من مُحيَّاك يُقبل
وقوله (١): [من السريع]
في غَزَلي من لحظ ذاك الغزال … أخبار صبٌ قَتَلَتْهُ النبال
غُصْنُ سَقَتْهُ أدمعي ثمَّ ما … أثمر لما مال إلا الملال
وهبته ياقوت دمعي ولا … يسمح لي مَبْسِمُه باللآل
حل ثلاثًا يوم حمّامه … ذوائبًا تعبق منها الغوال
فقُلْتُ والقصد ذؤاباته … واسهري في ذي الليالي الطوال
وقوله (٢): [من الطويل]
وكَمْ يتجافى خضرُه وَهُوَ ناحِلٌ … وكم يتحالي ثغرُه وَهُوَ بارِدُ
وكم يدعي صونًا وهذبُ جفونه … تفتُّرها للعاشقين مواعد
وقوله (٣): [من الرجز]
مثل الغزال نظرة ولفتةً … من ذا رآه مقبلًا ولا افتتن
أحْسَنُ خلق الله ثغرًا وفمًا … إن لم يكن أحق بالحُسْنِ فَمَنْ
وسَنَّ في شرع الهوى تسهُّدي … وحَرَّمَ الأجفان لذاتِ الوَسَن
في ثغره وصُدْغِهِ ووجْهِهِ … (الماء والخضرة والوجه الحَسَنْ)
وقوله (٤): [من الوافر]
وبين الخد والشفتين خالٌ … كزنجي أتى روضًا صباحا
تحير في الرياض فليس يدري … أيجني الورد أم يجني الأقاحا
وقوله (٥): [من السريع]
كأنَّ ذاك الخال لما غدا … يلوح في سلسلة من عذار
أسيود يخدم في جنّةٍ … قيّده مولاه خوف الفرار
قلتُ والمذكور له محاسن كثيرة سوى هذا، منها قوله في نحوي (٦): [من السريع]
يا رُبَّ نحوي له مَبْسِمٌ … تقبيله غاية مطلوبي
قد صُغُرَ الجوهَرُ من ثغره … لكنّه تصغير تحبيبِ
стр. 5785
وقوله في مليح يعمل الوافي اسمه علي (١): [من مخلع البسيط]
اسم حبيبي وما يعاني … قد أظهرا لوعتي وحبي
قالوا عليًّا، فقلتُ: قدرًا … قالوا: كوافي، فقُلْتُ: قلبي
وقوله (٢): [من مجزوء الوافر]
غذار فيه قد عبثوا … مُحِبوه وقد عَنَتُوا
يخاف عيون واشِيهِ … فيمشي ثمَّ يَلْتَفِتُ
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
إني لأشكو في الهوى … ما راح يفْعَلُ خده
ما كانَ يَعْرِف ما الجَفا … لكن تفتح وَرْده
وقوله (٤): [من الكامل]
بعث العتابَ برُقْعَةٍ مُحْمَرَّةِ … جاءت تهدِّدُنا بفرط جفائه
فسألتها عنه فقالت إنَّه … ذَبَحَ الوداد فكنت بعض دمائه
وقوله (٥): [من الكامل]
ما أنت عندي والقضـ … ـبَ اللَّدْنَ في حال سوا
هذاك حرّكَهُ الهوا … ءُ وأنت حَرَّكت الهوى
وقوله (٦): [من الوافر]
جلًا ثغرًا وأطلع لي ثنايا … يسوقُ بها إلى قلبي المنايا
وأنشد ثغره يبغي افتخارًا … (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا) (٧)
وقوله (٨): [من الكامل]
لي من هواك بعيده وقريبه … ولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أُعِيذُ جماله بجلالِهِ … حَذَرًا عليه من العيون تُصيبه
إن لم تكن عيني فإنك نورها … أو لَمْ تَكُنْ قلبي فأنت حبيبه
стр. 5786
هل حرمة أو رحمة لمتيم … قد قل فيك نصيره ونصيبه
لم يبق لي سر أقولُ تُذيعُهُ … كلا ولا قلبًا أقولُ تُذيبه
والنجم أقرب من لقاك مناله … عندي وأبعد من رضاك مغيبه
والجو قد رقت عليَّ عيونه … وجفونه وشماله وجنوبه
هي مُقْلة سهمُ الفِراقِ يُصيبها … ويسِحُ وابل دمعها فَيَصوبُهُ
وقوله (١): [من الطويل]
دعاه ورقم الليل بالبرقِ مُذْهَبُ … هوًى بك لباه الفؤاد المعذب
بروحي يا طيف الحبيب محافظ … على العَهْدِ، يدنو كيف شئت ويقرُبُ
ومَنْ كُلّما عاتبته رَقَّ قَلْبُهُ … وأقسَمَ لا يجفو ولا يتجنَّب
يُعلِّمُه فرط القساوة أهْلُهُ … ويَعْطفُهُ الخُلْقُ الجميل فيغْلِبُ
يشق جلابيب الدُّجُنَّةِ زائري … على رغم من يلحى ومن يترقب
فأخجله مما أبت له الهوى … ويُخجلني من كثر ما يتأدب
فلو رمتُ أني عنه أثني عن الهوى … غرامي لنادى لُطْفُهُ أين تذهب
وقوله (٢): [من السريع]
أخجلت بالثغر ثنايا الأقاح … يا طُرَّةَ الليل ووجه الصباح
وأعجمت أعينُكَ السِّحْر مذ … أعرب منهنَّ صفاحٌ فِصَاحْ
فيا لها سودًا مراضًا غدت … تَسُلُّ للعشاق بيضا صحاح
يا للهوى هل مُسْعد مغرمًا … رأى حمام الأيكِ غنى فناح
يا بانةً مالت بأعطافِهِ … عَلَّمْتِنِي كيفَ مَهَزُّ الرماح
وأنتِ يا أسهم ألحاظِهِ … أثخنتِ والله فؤادي جراح
وقوله (٣): [من المنسرح]
أول عهدي بالحب فيك غدا … آخر عهدي بالصَّبْرِ والجَلَدِ
وأنتَ يا طَرْفَهُ السَّقيمَ أما … ترحَمُ ما قد حكاك من جسدي
يميل قلب لرشْفِ ريقته … من أين للنار نسبةُ البَرَد
حسبي وحسب الهوى وحسبك ما … يفعَلُهُ الهجر بي فلا تَزِدِ
стр. 5787
وقوله (١): [من الطويل]
تَعَالَوْا نُعِيدُ الوَصْلَ نَحْنُ وَأَنْتُمُ … فَلَا رَأْيَ مِنَّا عِنْدَ مَنْ دَامَ صَدُّهُ
وَلَا تَفْتَحُوا لِلْعُتْبِ بَابًا فَرُبَّمَا … يَعِزُّ عَلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ سَدُّهُ
وَمُنْتَقِمُ مِنِّي وَذَنْبِي عِنْدَهُ … مَقَالِي وَهَذَا الحُرُّ قَلْبِي عَبْدُهُ
رَعَى اللَّهُ لَيْلًا زَارَنِي فِيهِ وَالدُّجَى … يَلُثِّمُهُ لَوْلَا تَضَوُّعُ نَدُّهُ
فَلَمَّا بَدَا وَاشِي الصَّبَاحِ بِوَشْيِهِ … وَنِيطَ عَلَيْنَا مِنْ نَدَى الجَوِّ بُرْدُهُ
تَرَقْرَقَ دُرُّ الدَّمْعِ فِي مَتْنِ لَحْظِهِ … فَحَقَّقْتُ أَنَّ السَّيْفَ فِيهِ فِرِنْدُهُ
أَقُولُ لِقَلْبِي وَالغَرَامُ يَقُودُهُ … وَسَيْفُ التَّجَنِّي وَالتَّمَنِّي يَقُدُّهُ
سَأَسْرِي وَجُنْحُ اللَّيْلِ يَسْطُو ظَلَامُهُ … وَأَسْقِي وَقَلْبُ الشَّمْسِ يُلْمَحُ وَقْدُهُ
أَرُومُ بِعَزْمِي فَوْقَ مَا دُونَ نَيْلِهِ … لِوَاءُ المَنَايَا خَافِقُ الظِّلِّ بُنْدُهُ
وَلَا ذَنْبَ لِي إِلَّا الكَمَالُ عَلَى الصِّبَا … فَمَنْ لِي بِعَيْبٍ أَوْ بِشَيْبٍ أُعِدُّهُ
وقوله (٢): [من الكامل]
ولقد أقول لصاحبي برملة الـ … جرعاء ما بين النقا والغار
حثًا النياق بنا تسير ونحن في … قلب الدُّجى أخفى من الأسرار
لا تخدعنكما المعاطف إنَّها … قد أنحلت سمر القنا الخطار
وتوقيا تلك المحاسِنَ إنَّها … نارُ القلوب وجَنَّةُ الأبصار
وقوله (٣): [من الوافر]
أما وتمايل الغصن النضير … وحُسْنِ تلفت الظبي الغرير
وصُدْغِ قد حكا لما تبدى … خيال الروض في صفو الغدير
لقد نشطت لواحظه لقتلي … بِعَزْم وهي توصف بالفتور
كما جهلت ذوائبه غرامي … ذهولًا وهي توصف بالشعور
هلال في التباعد والتداني … غزال في التلفت والنفور
أعاينُ من محاسنه ودمعي … طلوع الشمس في اليوم المطير
وقوله (٤): [من مجزوء الرجز]
стр. 5788
غَادَرَني بِغَدْرِهِ … عَلَى هَجِيرِ هَجْرِهِ
كَيْفَ يَذُوقُ عَاشِقٌ … حَلَاوَةً في صَبْرِهِ
فَلَمْ يُحَرِّكْ في الهَوَى … لِسَانَهُ بِذِكْرِهِ
يَا عَاشِقِينَ حَاذِرُوا … إِذَا وَفَى في غَدْرِهِ
وَطَرْفُهُ السَّاحِرُ … إِنْ شَكَكْتُمُ في أَمْرِهِ
يُريدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ … مِنْ عَقْلِكُمْ بِسِحْرِهِ
ومنهُم:
[٢٤٦] عُمرُ بنُ مسعودِ بنِ عُمَرَ الكَتَّاني المُحَارُّ السَّرَّاجُ، أبو حَفْص (١)
هو السراجُ المُنِير، والمُحَارُّ مَحَارُه، الدُّرُّ خَاطِرُه، الحُسْنُ التصوير، والكَتَاني الذي دُونَ صِنَاعَتِهِ قَدْرُ الحَرِيري والحَرير، الحَلَبي الذي لو تقدَّم زمانه ابن حمدان لما طابت لأبي الطَيِّبِ عنده أردان، ولا كان له من الكِنْدِيِّ أو نظَرائِهِ أَخْدان، ولقال بَلْدي أنا أولى به وَهُوَ أولى بي، وأنا أحقُّ بذَهَبِهِ وَهُوَ أحَقُّ بذَهَبي، وجَاري ولا واحِدٌ جاء من تَنُوفَة، وشاعِرٌ من حَلَب ولا شاعِرٌ من أهل الكُوفة. وهو ممن اجتمعت به ورويتُ عنه ما تروي منه النَّهْلَةُ، ولقطت من عُجَالَتِهِ ما لا تُحَصِّلُه المُهْلة. وكان قد لبس زيَّ المتصوِّفة، ونَسَكَ آخر عُمره نُسك أهل المعرفة، وكان جُلُّ أدبِهِ الموشَّحات والزَّجَلُ، وأجادَهُما أَجَلْ، وكان فيهما أجلُّ، ومن شِعْرِهِ يَصِفُ مرآة من سَبَح: [من الوافر]
ومرآةٌ من السَّبْحِ المُحَلَّى … بدت في راحةِ المَلِكِ الهُمامِ
تراءى وجهُه فيها فَقُلْنا … أهذا البَدْرُ يُجْلَى في الظلامِ
ومنه قوله (٢): [من المنسرح]
رأيته في المنام مُعْتَنِقي … يا ليتَ ما في المنام لو كانا
ثم انثنى مُعْرِضًا فواعَجَبي … يَهْجُرُنِي نَائِمًا ويَقَظَانَا
وقوله (٣): [من السريع]
بَعَثْتَ نحوي المُشْطَ يا مَالِكي … فَكِدْتُ أنْ تَسْلِبَنِي رُوحِي
стр. 5789
وكيف لا تَسْلِبُ روحي وقد … بعثْتَ منشورًا لتشريحي
ومنه قوله في معالج مقيرة (١): [من الطويل]
بروحي أفدي في الأنام مُعالِجًا … معاطفه أزهى من الغُصن الغض
إذا ما امتطى لطفًا مقيرةً له … وأقْعَدَها واحْمَرَّ سالِفُه الفضي
رأيتُ مُحَياه وما في يمينه … كشمس تجلَّتْ دونها كُرَةُ الأرض
ومنه قوله يصف الجوسق الذي بناه، وأظْهَرَ بالذَّهَبِ المموه عن الأصْلِ غناه: [من الكامل]
لله جوسقك الرفيعُ مَحَلُّهُ … طال المجرة سقفه المرفوع
يغنيك عن زهر الربى إذهابه … فلديك منه مربع وربيع
مختارة منه المحاسنُ كُلُّها … فَصِفاتُهُ ما مِثْلُها مجموع
ومنه قوله يصفُ طِيبَ حماة، وما يرشُفُ العاصي الجوسق من لماه، وينزلها لدمشق منزلة الضَّرَة، ويفضّلُها على أكنافها المخضرة (٢): [من الكامل]
ياحبّذا وادي حماة وطيبه … وطلاوة العاصي بها والجوسقُ
فاتت منازِلَ جِلْق فَلِحُسْنها الـ … ـشَّقْراء تكبو خلفها والأبلق
ومنه قوله وقد ناوله صاحِبُ حماة قرص حلواء أو خشكنانكه: [من مخلع البسيط]
يامَلكًا جود راحتيه … لم يحوج السائل السؤالا
مازلت تسمو في الجود حتّى … أهديت لي الشمس والهلالا
ومنه قوله: [من السريع]
لنامُغنّ حَسَنٌ صوتُهُ … يطرب منه لحنه العَرَبُ
يرقُصُ من يَسْمَعُه طيبةً … وهكذا المرقص والمطرب
ومنه قوله في مَرْكَب: [من السريع]
وأدهم أحسن شكل يُرى … قد راق حُسْنًا وحلا منظرا
يزيد عن مَر نسيم الصبا … لطفًا على الماء إذا ما سرى
أغْرَبُ ما فيه على حُسْنِهِ … رجالُهُ تمشي به القهقرى
البرق لو جاراه قلنا انظروا … كيف يُعدِّي الأدهم الأشقرا
стр. 5790
ومنه قوله في وصف باب رخام مُشحَّم عليه جامةُ ذَهَبٍ وَحَلَةٍ، من رآه قال سبحان من علم الإنسان ما لم يَعْلَمْ وأَتْقَنَ ما خَلَّقَ: [من البسيط]
قالوا تُشبه ذا الباب الرُّخامَ فما … تقولُ في حُسْنِ هذا الجام والحَلَقِ
فقُلْتُ شمس عليها هالةٌ طَلَعَتْ … تُمزِّقُ الغيم عنها حُمْرَةُ الشَّفَقِ
ومنه قوله: [من الكامل]
قالوا هوى بابن الأميرِ جواده … فقلوبنا كادت عليه تَفَطَّرُ
فأجبتهم لا تعجبوا لوقوعِهِ … إِنَّ السّحابَ إذا سرى يتقطرُ
ومنه قوله: [من السريع]
لو جاد لي باللثم تحت اللثام … غَنيتُ عن شُرْبِ كؤوس المُدام
عذاره أوضح عذري به … لام، لمن عنف فيه ولام
إذا رنا يخجل ريم الفلا … وإن بدا يفضح بدر التمام
أو انثنى قالت غصونُ النَّقا … للهِ ما أَعْدَلَ هذا القوام
وقوله: [من المنسرح]
إنَّ بني مُزهر وإن صَغُرَتْ … أقدارُهُم من أكابر الفَجَرَة
لا يُعْرَفُ الخير عندهم فلذا … معرفةُ الخير عندهم نَكَره
إذا تأملتهم وَجَدْتَ على … وجوههم من مهانة قَتَرَه
ترهَقُها ذلة اليهود وإشـ … ـراكُ النَّصارى وخسَّةُ السَّحَرَة
أبوهم مُزهر فمذنَشَأَتْ … فروعُهُ ما رأوا لها ثمرة
ودوحة لا تُظِلُّ صَاحِبَها … فلا سقى الله تلكُمُ الشجره
ومنه قوله: [من الكامل]
أحببته ساجي اللواحِظِ أَهْيَفًا … مُرَّ الجفا عَذْبَ اللَّمَى حُلْوَ الجني
قالوا تهيم بحُسْنِهِ فَأَجَبْتُهُمْ … ماذا علي إذا عَشَقتُ الأَحْسَنَا
ومنه قوله في قنديل (١): [من البسيط]
يا حُسْنَ بهجة قنديل خلوتُ بِه … والليلُ قد أسبلت منه ستائره
أضاء كالكوكب الدري متقدًا … فراق باطنه نورًا وظاهره
تزيدُهُ ظُلْمَةُ الليل البهيم سنّى … كأنما الليل طرف وهو باصِرُهُ
стр. 5791
ومنه قوله في حمام بعض مقاصيره بطالة: [من السريع]
سقيًا لحمام الأمير التي … رقّت بها من بعدها الحال
حلّ بها الفالج من بَرْدِها … فجنبها الواحد بطال
ومنه قوله في مليح اسمه شعبان: [من السريع]
أحبُّ شعبان وأرجو بأن … أرزق في حبي له صبرا
ما اتفق الناس على نصفه … إلا وفيه الآية الكبرى
ومنه قوله في فوارة ماء تبيض جؤجؤًا، وترقص لؤلؤًا: [من الوافر]
ومائسة القوام إذا تشنّت … يروقُكَ شكلها الحَسَنُ البديع
تُريك من العيون لها قوامًا … فتثنيه وسائره دموع
ومنه قوله في مليح محموم، لازمت بَدَنَهُ ثُمَّ قَبَّلَت فَمَهُ: [من السريع]
لا أحْسُدُ الناس على نِعَمَةٍ … لكنني أحسُدُ حُماكا
أما كفاها أنها عانقت … قدّك حتى قبلت فاكا
ومنه قوله في قريب منه: [من الكامل]
قالوا حبيبك قد غدا ذا هزّة … أتقولُ تلك عقوبة الهجران
فأجبته حاشاه لكن الهوى … أبدًا يهزُّ معاطف الأغصان
ومنه قوله في إبريق فخار (١): [من البسيط]
يا حبذا شكل إبريق تميل له … منا القلوب وتصبو نحوه الحَدَقُ
يروق لي حين أجلوه وتعجبني … منه محاسن ذاك الجسم والعُنُقِ
كم قد شربت به ماء الحياة ولن … ينالني منه لا غصَّ وَلا شَرَقُ
حتى غذا خجلًا مما أقبِّلُهُ … فظلَّ يرشح من أعطافه العَرَقُ
ومنه قوله في شخص من نحاس يجري منه الماء: [من البسيط]
وصامت صامت موضوعُهُ عَجَبُ … فَأَمْرُه مُبْهَمُ المعنى وموضوح
له عيون بأعضاء يفجرها … ماء الحياة وما في جِسْمِهِ رُوحُ
ومنه قوله في مليح اسمه محمود: [من السريع]
يقولُ لي منكر حالي به … من لك في ذا الحي مقصود
فقلتُ لا تسأل عن مَقْصِدي … فيه فقصدي فيه محمود
стр. 5792
ومنه قوله يشفع في مسجون اسمه كمال: [من الوافر]
فقال أيرتجى منّي تمام … أسَرُّ به وفي السجن كمال
ومنه قوله يذكر الشتاء الكالح وثلجه المكفَهِرَّ وثغره الفاتح: [من البسيط]
يا شهر كانون أمرضت الغصون ومُذْ … أَمَتَها لَبَسَتْ أنوارها حَزَنا
والمُزْنُ غسلها من ماء أدْمُعِهِ … والثَّلْجُ حاك لها مَنْ نَسْجِهِ كَفَنا
ومنه قوله: [من المنسرح]
انظر إلى النهر في تَسَلْسُلِهِ … وصفوه قد وَشى على السَّمَكِ
توهَّمَ الرِّيحُ صَيْدَها فغدا … ينْسُجُ متن الغدير كالشبك
ومنه قوله في الياسمين قد لاحت نجومُهُ المُشْرِقةُ، وبدت وكأنّه على صدر الغواني في الأَزْرِ الخضر، صلبه المعلقة: [من المتقارب]
كأن الغصون من الياسمين … وأزهاره حين يعلوه طيب
نساء من الروم هيف الخصور … على صدر كل فتاة صليب
ومنه قوله في زهر الخوخ، وهو الدراقن: [من الوافر]
وللزهري زهر راق لونًا … تجلّى في بياض واحمرار
كأن عيونه ترنو إلينا … عيون حشوها أثر الخمار
وقوله، وقد دخل الملك المنصور من فامية إلى حماة، وتركه في مخيمه بها، وكانوا بها في حمى كله نرجس: [من الطويل]
رحلت فأصبحت روضة النرجس الذي … عهدت بها الأزهار وهي بواسم
مقرحة الأجفان خفاقة الحشا … تودّ اشتياقًا لو بكتها الحمائم
ومنه قوله في مليح يعلوه صفرة ذهبت أديمه الفضي، ووضعت أصلها نسيمه الروضي: [من الكامل]
قالوا حبيبك أصفر فأجبتهم … ما ذاك منقصة لفرط بهائه
ولذاكَ إنَّ الحسن رقَّ بخده … فأراك لون محبه في مائِهِ
ومنه قوله في معذرة في قباء أزرق كالبدر في الصحو أشرق، أو الشمس في غيم ذلك الاستبرق، إلا أن عارضه قد لوي ونام لما شرب من ماء خده وروي: [من الهزج]
ولما لاح في الأزر … ق من مزروه المزري
بخد مشرقِ اللون … عليه عارض ملوي
стр. 5793
أرانا الشمس في الغيم … وبدر التم في الصحو
ومنه قوله: [من الطويل]
أرى لابن سعد لحية قد تكاثفت … على وجهه واستقبلت غير مقبل
ودارت على أنف عظيم كأنَّه … (كبير أناسٍ في بجادٍ مزَمّل) (١)
ومنه قوله في زامرة سوداء قبيحة: [من الكامل]
ولربَّ زامرةٍ تهيج بزمرها … ريح البطون فليتها لم تزمر
شبَّهتُ أنملها على مزمارها … وسوادها الداجي القبيح المنظر
بخنافس قصدت كنيفًا فاغتدت … تدنو إليه على خيار الشنبر
ومنه قوله في أحدب يُدْعَى الحسام (٢): [من المنسرح]
وأحدب أنكروا عليه وقد … سُمِّي حسامًا وغير منكور
مالقبوه الحسام عن سَفَه … لو لم يروا قده القلا جوري
ومنه قوله في نجار مليح رآه بالمعرة (٣): [من الكامل]
قالوا المعرة قد غدت من فضلها … يُسعى إلى أبوابها وتُزار
وجبت زيارتها علينا عندما … شغف القلوب حبيبها النجار
ومنه قوله يخاطب رجلًا أهدى له زيتًا: [من الوافر]
أنور الدين يا مردي الأعادي … بصارمه إذا اشتد الهياج
أتاني الزيت منك فزدت نورًا … ولولا النور ما عرف السراج
ومنه قوله من أبيات طارت في كل سماع، وعلقت بكل الأسماع، صنعت في موضع من الغناء، ما سمع منه أطيب ولا هزّ المعاطف منه أطرب. طالما كانت لأغصان القدود مميلات، وقضيت بها ليالٍ، وإنما العمر هاتيك الليلات (٤): [من البسيط]
ما بت شكواه لولا مَسَّهُ الألم … ولا تأوه لولا شفه السقم
ولا توهم أن الدمع مهجته … أذابها الوجد حتى سال وهو دم
стр. 5794
صَبٌّ لَهُ مُدَمَّعُ صَبٌّ يَكْفُكِفُهُ … فتَستَهِلُّ غَواديهِ وتَنسَجِمُ
أرادَ إخفاءَ ما يَلقاهُ من أَلَمٍ … حَتَّى لَقَدْ كانَ بالسَّلوَانِ يَتَّهَمُ
ومنهم:
[٢٤٧] علي بن المظفر الكندي الوداعي (١)
شاعر له لسان لا ينبو له ضرب، ولا تخبو له نار حرب. أولع من النار بتخليد الفساد، ومن النار بتخليف الرماد، أفنى أعراق الأعراض قرضًا، وأنهك عظام العظام رضًا. وتتبع المساوئ ودوَّنها، والمخازي وسطر أدوَنها. وخلَّد القبائح وكتب، وأظهر الفضائح وكذب. وولع بالكبراء ولع الخمر بالعقول، وعبث بالأمراء وكان لا يبقى فيما يقول. وكان ممن غالب صباه على تأديب نفسه فتأدب، ثم ما تأدب، وصفا منهله ثم تطحلب؛ لأنه أشغله بإفشاء المعايب، وإنشاء المثالب. وكتب أول حاله للصاحب عز الدين بن وداعة، ثم كان ينقل في الوظائف التي بها ينتفع، إلا أنه لا يرتفع، ثم استكتب بالبيرة، ثم بديوان الإنشاء بدمشق. بعد عطلة ضاق بها عطنا، وضاع فيها فهمه فحار لا يهتدي، ولا يأنس فطنا، فما صدر عنه ما يثبت، ولا ظهر ما يكتب له إلا ما يكبت. فما عدم من عزاء القديم امتهانًا، ولا خلد له بالديوان إلا أنه خلد فيه مهانًا.
وكان ممن لا يؤخر في رجال الحديث، والقراءة علو رواية، وعلوم دراية، وتعاليق فيها بخطه، وكان غاية. وقرأت عليه بعض كتب الأدب، أول ما عُقَّت عني التمائم، وليثت على رأسي العمائم. وكان سريع الإفهام، سرى القدح في زناد الأفهام. وله تذكرة جمعها عدة أجزاء، وديوان شعر، أول ما بدأه بأعراض أصحابه الأعزاء، مع ما فيهما من محاسن أُخر، ومعادن درر. ووقفهما ببعض الجهات، وملأهما حرامًا وحلالًا، وبينهما
стр. 5795
شبهات. فانتدب قاضي القضاة نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن صصري التغلبي، فكشط ما ضمهما من القبائح وتطهيرهما، وقد غمس فيهما يده في دماء تلك الذبائح. وها ديوانه الآن منقى من ذلك الغلث، مبقى ما سوى ذلك العبث. أجل، إلا ما غمض على بديهة المعارف، وخفى بهرجه على بصيرة الصيارف. وكنت قد استعرت نسخة منه، فلما انقضت إفادتها، وطلب مني إعادتها، كتبت معها: [من الطويل]
بعثت بديوان الوداعي مسرعًا … إليك وفي أثنائه الذم والمدح
حكى شجر الدفلاء شكلًا ومخبرًا … فباطنه سم وظاهره سَمْحُ
وها أنا ذاكر من شعر المبتدع الوداعي، إلا أنه الدر الثمين لا الودع. فمنه قوله: [من المجتث]
يا من يلوم كريمًا … يهش للتعظيم
ما يقبل النفخ إلا … ظرف صحيح الأديم
ومنه قوله: [من مجزوء الكامل]
ياسائلي من أين تأ كل … هاك حالي عن يقين
إن الذي خلق الرَّحَى … يأتي إليها بالطحين
ومنه قوله في نصراني مليح رآه سابحًا، وكالظبي في جنبات الوادي سارحًا: [من المجتث]
وسائح وهواه … في كل قلب مقيم
مذ أشبه الظبي أضحى … في كل واد يم
ومنه قوله (١): [من السريع]
أشكو إلى الرحمن بوابكم … وما أرى من طول تعميره
ملازم الباب مقم به … كأنه بعض مساميره
ومنه قوله وقد مرّ بالنيرب فرأى من تمايل غصونه ما أطرب (٢): [من الطويل]
ويوم لنا بالنيربين رقيقةٌ … حواشه خال من رقيب يشينه
وقفت فسلمنا على الدوح غدوةً … فردَّت علينا بالرؤوس غصونه
ومنه قوله: [من السريع]
أما ترى الجامع في ليلة … النصف التي تزهى بأنوارها
стр. 5796
قد وقدوه فحكَى روضةً … ذهبيّة أوراق أشجارها
قلت: وقد ذكرت بهذين البيتين بيتين كنت قلتهما في هذا المعنى، ليلة نصف شعبان سنة تسع عشرة وسبعمائة بدمشق، ونحن بالجامع الأموي، وقد علقت مصابيح الوقود، كأنها خدود، وأقبل شاب ما طرّ شاربه، هو البدر التمام في تلك الليلة أو يقاربه، ثم طفق في الجامع يتمشى ويأخذ بمجامع القلوب ولا يخشى، فقلت: [من الطويل]
ولاحت مصابيح الوقود كأنها … عيون رأت مغنى الحبيب فحدقت
وولت تريد العود من خوف خده … وقد سرقت منه الشعاع فعلقت
عدنا إليه منه قوله، وقد وكل السلطان ابن المقدسي، وهو ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن نوحج، وكان من علمت فعلاته وعرفت عليه ولم يسرق عملاته: [من مجزوء الكامل]
قل للمليك أمدَّه … ربُّ العُلا منه بروح
إن الذي وكلته … لا بالنصيح ولا الفصيح
وهو ابن نوح فاسأل الـ … قرآن عن عمل ابن نوح
ومنه قوله، وقد طلبت منهم بغال ورميت عليهم جاري من سبي بيروت: [من مجزوء الرمل]
أيها الكتاب قد زا … ل زمان الافار
وغنينا واحتشمنا … ببغال وجواري
ومنه قوله، وقد رفعت الديادب النار منذرين بالعدو، ثم أصبح الخبر ساكنًا، والبلد آمنًا، وقد خدمت جمرة ذلك الليل وأصبحت رمادًا، وسطع بياض النهار وما رأوا في مساء تلك الليلة إلا سوادًا: [من مجزء الرمل]
لا تخافوا رفع نار … عندما لاح الواد
إنها جمرة ليل … أصبحت وهي رماد
ومنه قوله، وقد اهتم المتحدث بالشام في توسعة الميدان، عند قدوم الملك الأشرف: [من الكامل]
علم الأمير بأن سلطان الورى … يأتي دمشق ويطلق الأموالا
فلأجل ذلك زاد في ميدانها … ليكون أوسع للجواد مجالا
ومنه قوله، وقد أهدي فطرًا: [من المجتث]
أرسلت فطرًا وسؤلي … له قول وعذر
ثم الأباليج يأتي … وأول الغيت قطر
стр. 5797
ومنه قوله، وقد سبق الأعسر الأمراء في عمل ما خصَّهُ من الميدان: [من الكامل]
لقد جاد شمس الدين بالمال والقرى … فليس له في حلبة الفضل لاحق
وأعجز في هذا البناء بسبقه … وكلُّ جوادٍ في الميادين سابق
ومنه قوله في الصاحب محيي الدين، محمد بن النحاس، أحد أئمة الحنفية، وكان له ولد اسمه يوسف وأجاد: [من الطويل]
مَنْ مثل محيي الدين دامت … حياته إلى مذهب الدين الحنيفي يرشد
لقد أشبه النعمان وهو حقيقةٌ … أبو يوسف في علمه ومحمد
ومنه قوله: [من الطويل]
كَفَى أسفًا أنا جميعًا ببلدة … ولا نلتقي يومًا ولا نتزاور
وما ذاك من بغض ولكن عيوننا … على بعضنا من بعضنا تتغاير
ومنه قوله: [من مجزوء الكامل]
يفدي عدوّك سبعة … ممن يحبك في البرايا
وكذلك البقر التي … في العيد تنحر للضحايا
ومنه قوله، وقد اجتاز في طريقه بجفان كرم: [من الكامل]
لله كرم أصله وَفُروعُهُ … طابت وطالت فهو غير مُذَمَّمِ
نصبت بمدرجة الطريق جفانه … وكذاك عادات الكريم المطعم
ومنه قوله، وقد غنى الفصيح، ومال الشمع وطرب في جملة الجمع: [من مجزوء الرمل]
وفصيح ما سمعنا … لأغانيه مالا
أطرب الحي إلى أن … طرب الشمع فمالا
ومنه قوله (١): [من مجزوء الكامل]
يوم يقول بشكله … قوموا اعبدوا الله الأحد
قزح كمحراب بدا … والبرقُ قنديلٌ وَقَدْ
والرعد فيه مسبّحُ … حبّاتُ سبحته البرد
ومنه قوله: [من مجزوء الرمل]
أيها الزائر ربعي … بعدهجر ونفور
стр. 5798
ليس في الدنيا مكانٌ … يسعُ اليوم سروري
ومنه قوله (١): [من مجزوء الوافر]
رمتني سود عينيه … فأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدع … سهام الليل ما تخطي
منه قوله، وأحسن كل الإحسان: [من الوافر]
أيا أقضى القضاة ومن نداه … له نَشْر يعطرُ كلَّ نادِ
لقد جُنَّت دواتي من بياضٍ … فعوّذها بحرز من مداد
ومنه قوله: [من السريع]
ياحسنه من حمدار لقد … حارت عقول الناس في وَصْفِهِ
كأنَّه من عظم أردافه … قد حمل الكارة من خلفه
ومنه قوله، وتطارف (٢): [من الطويل]
لنا صاحب قد هذب الطبعُ شِعره … فأصبح عاصيه على فيه طيعا
إذا خمس الناسُ القصيدَ لحسنِهِ … فحقَّ لشعر قاله أن يسبعا
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
أتيتُ إلى البلقاء أبغي لقاكُمُ … فلم أَرَكُمْ فازداد شوقي وأشجاني
فقال لي الأقوامُ: مَنْ أنتَ راصد … لرؤياه، قلت: الشمس. قالوا: بحسبان
ومنه قوله (٤): [من الخفيف]
إن هذا الفتى فتى [قد] سباني … حسن نقش العذار في وجنتيه
يا نديمي في المدامة إني … أشتهي أن أدق يوما عليه
ومنه قوله، قد طلب بخيل الحجر: [من مجزوء الكامل]
حرْتُ في أمري فدلو … ني وقولوا: أين أذهب
ومتى ينجو ضعيفٌ … وهو بالخيل يطلب
ومنه قوله، وقد مَرَّ بباب عمّي الصاحب شرف الدين، ﵀، في الشتاء، فوجد كرمة هناك، لم تَرْمِ ورقها، ولا جرد الأجيرد رونقها: [من البسيط]
стр. 5799
قد أسقط البدر أوراق الغصون وفي … أبواب دارك غصن يانع الورق
هذا يحقق عند الناس كلهم … بأن ربعَكَ من ريب المنون يقي
ومنه قوله في مليح هرب فنطق على جناح الحمام الرسائلي برده: [من الرجز]
وذي دلال أهيف كم سرحوا … من الحمام نوبةً في ردّهِ
لأنها تعرفه من طول ما … غنت على مائس غصن قدّه
ومنه قوله، وقد سمع قائلًا عنه: هذا رافضي، والقائل يعيش أبوه وجده، وهما شيخان (١): [من الكامل]
فقل للذي بالرفض أن … همني أضَلَّ الله قصده
فأنا رافضي ألعن … الشيخين والده وجده
ومنه قوله: [من الخفيف]
أنا كأس من المدامة فان … كنتُ تفاحة من البستان
كنتُ ذوبًا مثل العقيق ولكن … جمدتني مخافة السلطان
ومنه قوله في كاتب مليح: [من السريع]
اسمع حديثي ثم من بعده … كن عائبي إن شئت أو عاتبي
أصبح جسمي قلمًا من ضنّى … وما براه غير ذا الكاتب
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
قالوا: حبيبك قد دامت ملاحته … وما أتاه عذار إن ذا عجب
فقلت: خداه تبر والعذار صدًا … وقد زعمتم بأن لا يصدأ الذهب
ومنه قوله (٣): [من الخفيف]
لا أرى لقط عارضيه قبيحًا … يا عذولًا عن حبه ظل ينهى
وجهه روضة وليس عجيبًا … أنه يلقط البنفسج منها
ومنه قوله (٤): [من الكامل]
أحببته رشًا عليه شقرة … من أجلها ذهب العذار مفضض
стр. 5800
قل للعواذل فيه هل أنكرتُم … أن البنفسج منه زهر أبيض
ومنه قوله في أعمى يُرمى بأبنة (١): [من الخفيف]
موسوي الغرام يهوى بسمعي … ـهِ ويشكو من رؤية العين ضرا
يتوكّا على قضيب رطيب … وله عنده مآرب أخرى
ومنه قوله: [من الوافر]
ركبدار وجندار غواني … وريس قرية وأمين خان
لئام أمهاتهم زوانٍ … وإلا أين أولاد الزواني
ومنهم:
[٢٤٨] أحمد بن أبي المحاسن يعقوب بن إبراهيم بن أبي نصر الطيبي، الأسدي، أبو علي، شمس الدين (٢)
ردنه ينفح طيبًا، وفننه بل فتنه يهتز رطيبًا. جاء من بلاد الطيب مملوء الحقائب، موفور الركائب. يساجل بطيبه الأطايب، ويضمخ لمم المفارق عنبره الذائب، ويغلف مسك نقشه رأس الطرس الشائب يعرف نفسه الطيبي، ويغرق في مسكي شعاره الخطيبي، بدائع طيبي أخملت ذكر أبي الطيب، وأذوت غرس ابن نباتة بتوالي غيثها الصَّيّب، وجعلت ورد الأبيوردي لا يضر بجعلي، وزهر زهير المتقدم والمتأخر هذا جف وهذا بلي، بكل عقيلة طائرة تمسي الغوالي نسال رياشها، وطائلة تضحي فتيت المسك فوق فراشها. نتيجة فكر تخرج اللآلي إذا جرت بحارها، ونبت قريحة تشيب نواصي المسك إذا وقدت بالمندل الرطب نارها. بديهة إذا وعتها المسامع انتشت، وإذا جازت بأودية الخواطر تضوع طيبًا بطن نعمان إذ مشت، إلا أنها ذات أرج كقهوة الديراني تعرف بشميمها، وزجاجة أبي الهندي ينم شذاها على نديمها، وروضة النوبري يفاوح مغضوض الحقائب مسكها، ومليحة الكندي قلتها وهي مسك هتكها، وكأس أبي نواس والنجم قد
стр. 5801
تصوّب، ومحبوبة امرئ القيس كلما جاء طارقًا وَجَد بها طيبًا وإن لم تطيب. لو حلَّت فيما سلف من المطيبين من آل عبد مناف، لما استطاعت أن تتعاقد عليهم الأحلاف، ولا ذعنت اللعقة للتحكيم، وغمست أيديها في الطيب من جفنة أم حكيم.
ورد الطيبي هذا دمشق، ونزل بها على ابن عمنا القاضي جمال الدين أبي محمد، يوسف بن رزق الله العمري، واتصل به اتصال الطيب باللمم، واتصف بصنائعه اتصاف الروض الأريج بالديم، وأوصله إلى والدي ﵀ فاستكتبه في بعض الثغور، ولم ينتظر له الشغور، وأطلع كواكبه إلا أنها التي لا تغور. ثم نقله إلى طرابلس، فدام في كتاب الدرج بها حتى مات، وغابت شمسه فجاءت الظلمات، وكلُّ كلمه طيب الأرج، إلا أن نظمه أعبق، ونوافحه في المسام أعلق وشذاه من بلد الطيب حيث تشام أعرق.
وكان لا يزال مائلًا بنشوة، ومائلًا مع نسوة، وقائلًا في ظل كرم أو قهوة، ومنجذبًا بين مهب صبًا أو صبوة. لم يتعظ بنذير المشيب، ولم يُنى بياضه من دنس المعيب مدمنًا في الكؤوس، يحث أدوارها، ويحلُّ من الدنان المشدودة المعاقد إزارها، ويصرف فيها دراهمه بالذهب، ويتلقاها له بالمنزل ساق توشح بالمنديل حيث وثب، ويرهن لديها روحه، فيعجز عن فكاكها، ويدخل إليها فتصيده فواقع الحبب في شباكها، وكان على ما يصل إليه من غمرة هذه السكرة، ويقع عليه في مظنة ما يكره. لا يغيب له ذهن خاطر، ولا يغيم له أفق ماطر. وما عرف في عمره يوم صحو، ولا فرق له بين إثبات ومحو، حتى لقد حكى لي من كان يحضر عنده على تلك الحال التي يعشى دونها طرف الأعشى، ويقلع الوليد ولا يخشى وينكل ابن هرمة خوفًا من أمير المدينة لا يغشى. لا يزيد ذهنه إلا حضورًا، وفهمه إلا أن يقدح من ذات الشعاع نورًا. وأدبه الطيبي إلا أن يدير كأسًا كان مزاجها كافورًا، وكلمه الطيب، إلا أن يفتح لمصعدها سماء السماع، ومدامته العاطرة الأرج، إلا أن يتقسمها شعاع الشعاع وشجرته الفارسية إلا أن يتفتح وردها.
ونسبته الأسد إلا أن يهاجم وردها، وأنديته المنسوبة إلى الطيب، إلا أن يشب ندها ويشيب بأهواله ندها.
ومن بديعه الذي طار في كل جمع، وطاف بكأسه على كل سمع، كلمته نوبة مرج الصفر، حين نُصِرَ سلطاننا الملك الناصر على جيوش السلطان محمود غازان، وهي القصيدة التي أغنته أن يغزو، وتركته وما شهد القتال بالأبطال يهزو. وهي الفائية الفائتة شأو كل قريحة، البائته لا تني عن السُّرى وركائب النجوم طليحة، المنقولة إلى أقصى البلاد، المحمولة على الرواة ورقاب الحساد التي خلت الدر
стр. 5802
أصدافا، وحَلَتْ فاؤها فما تركت نطق كلِّ شاعر هم بأن ينطق بمعارضتها إلا فافا.
وكان سبب نظمه لها، أنه قيل له وهو على مجلس الشراب، وقد أخذ منه: لقد أكثر الشعراء في وصف هذا اليوم، فلو عملت فيه. فأخذ دواة وقرطاسًا وكتب لوقته هذه القصيدة عن آخرها. هذا ونجوم الكؤوس حوله سائرة، وأدوار الترك عليه دائرة، والخمر قد ضربت على رؤوس الشرب سرادقها، والعقول قد أنكرت في أفهام القوم حقائقها. ثم لم يزل يكتب والساقي بكأسه يصافحه ويحاسبه على نوبته ولا يسامحه، وهو على طلقه كأنه يقتدح الفهم من قدحه، ويلتقط الدر من حباب كؤوسه لمدحه، وهو يغالب النوم. فلما أكملها، سقط لجنبه ونام، والسكر قد عجّل قضاء نحبه فلما بشَّرَ طائر الديك بالصباح، وهز لارتياحته به خافق الجناح نهض به جلساؤه إلى الحمام، لغسل ظاهر دنس ذلك الإثام. فلما قضوا منه أربهم، وقاربوا منقلبهم، أذكروه بما كان منه، فأنكر أن يكون أجال في هذا فكرا، أو افترع خاطره عونًا ولا بكرًا. ثم لما رأى كلمة إجماعهم، وراب كذب شكه صدق نزاعهم، قال: دعوني أبادر هذه العورة البادية لأسترها، وهذه السوءة الفاضحة لأقبرها. فكيف يكون عبثُ الخمور، وكلام من ضرب السكر بينه وبين عقله بِسُور. ثم أخذ في تعجيل الحميم، ومواثبة الخروج لتصحيح نتيجة فهمه السقيم، فخرج وخرجوا معه، لينظروا ما صنعه، فلما أتوا موضع منامه، ومصرع مدامه، أخرجوا تلك الورقة التي ضُمِّنت تلك الشذور قراطيسها، وقدحت من شرارة شعاع تلك البراح مقابيسها، فأوموا لها سجودًا، ونكسوا رؤوسًا، ومدوا إليها أيديهم ليتناولوها مما ادخروه كؤوسًا، ثم علموا أنها آيةٌ أحمدية، جاءت ببقية ما جاءت به السَّحَرَةُ لموسى، وهي: [من البسيط]
بَرْقُ الصَّوارم والأبصارُ تُختطف … والنقعُ يحكى سحابًا بالدما يكف
أحلى وأغلى وأعلى قيمة وسني … من برق ثغر الغواني حين تُرتَشفُ
وفي قدود القنا معن شغفت به … لا بالقدود التي قد زانها الهيف
ومن غدا بالخدود الحمر ذا كَلَفٍ … فإنني بخدود البيض لي كلفُ
ولامة الحرب في عيني أحسن من … لام العذار الذي في الخد ينعطف
كلاهما زرد، هذا يقيك وذا … يُردي، فشأنهما في الفعل يختلف
والخيل في طلب الأوتار صاهلة … ألذ لحنًا من الأوتار تأتلف
ما مجلس الشرب والأرطال دائرةٌ … كموقف الحرب والأبطال تزدلف
هل دارع برداء الفخرِ مؤتزر … كحاسر بشعار العار يلتحف؟
أو رامح سمقت في المجد همته … كأعزل بدنايا الهم يتصف
стр. 5803
لا تغبطنَّ مضامًا عيشه رَغَدٌ … واغبط أبيًّا وإن أودى به الظَّلَفُ
فالرزق من تحت ظل الرمح مقترن … بالعزّ، والذل يأباه الفتى الصَّلِفُ
لا عيش إلا لفتيان إذا انتدبوا … ثاروا، وإن نهضوا في غُمَّةٍ كَشَفوا
مستلئمن فلا جم ولا عزل … يوم القراع ولا ميل ولا كَشْفُ
مقحمين يخوضون الغمار إذا … ما استرعبوا بأذى آذيها اعتسفوا
ما استأكلوا الخبز بالجبن المذل ولا اسـ … ـتسقوا ندى غير عين العجز بل صَدَفوا
يقي بهم ملةَ الإسلامِ ناصرُها … كما يقي الدُّرَّةَ المكنونة الصَّدَفُ
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا … لما أصابهم فيه ولا ضعفوا
هم كسروا الشَّرك بالتوحيد إذ جبروا … كسرًا فلاحوا شموسًا بعدما كَشَفوا
وجاهدوا في سبيل الله وانتصروا … من بعد ظلم ومما شانهم أنِفوا
وهاجروا وبحق جاهروا ونكوا … في باطل دفعوه عندما قَذَفوا
لما أتتهم حشود الكفر يقدمهم … رأس الضلالِ الذي في عقله جَنَف
وأضمروا النقض للميثاق إذ … جَنَحوا للسلم وانقلبوا للغدر وانحرفوا
جاؤوا فكل مقام ظلَّ مضطربًا … منهم، وكل مقيم بات يرتجف
أبدوا، وقد أوردوا الخيل الفرات لنا … أن الذي يمموه الماء والعلف
ثم استجاشوا لنكث العهد فارتبعوا … مرعى وخيمًا أراهم غب ما اعتلفوا
زاد التتار تبارًا أن طغوا وبغوا … فهم لكيدهم في قيدهم رَسَفوا
شاموا من الشام برقًا من طماعية … فطشهم بغمام الغم إذ أزِفوا
ظنوا السراب شرابًا فاسْتَزَلَّهُمُ … غولُ الغوائل سقاهم غبَّ ما اعترفوا
وجال مكرهم فيهم وحاق بهم … وانهار من تحت ما قد أسسوا الجُرْف
جاسوا خلال حمى الله المنيع وهل … ترضى بلبس الحمير الروضة الأنف
داسوا بأنجاسهم أرضًا مقَدَّسةً … فنفظّفتهم وهم في الرجس ما نظفوا
ويوم كوم بأرض العرض عارَضَهُم … من الردى عارض شؤبوبه التلف
لما أغاروا وغاروا راجعين وقد … راعوا الرعاء كدبت الشرح واختطفوا
سُدَّتْ مسالكهم بالسيف فاقترفوا … مجدلين سدّى من سوء ما اقترفوا
وكان فيه لهم وعظ ومزدجر … لو أنهم عقلوا الأنباء أو عرفوا
وغرهم نيلهم من حمص وهو لهم … كالحب يصطاد منه الطائر الوجف
غابوا عن الرشد إذا عاثوا وسرهم … ومن وراء الشرور الهم والأسف
لجوا وعاموا من الطغيان في لجج … إلى البحيرة فانصاعوا وما اعترفوا
أوَوًا إلى جبل لو كان يعصمهم … من موج فوج المنايا حين تختطف
دارت عليهم من الشجعان دائرة … فما نجا سالم منهم وقد زحفوا
ونُكِّسوا منهم الأعلام فانهزموا … ونَكَّصوهم على الأعقاب فانقصفوا
فروا من السيف ملعونين حيث سروا … وقتلوا في البراري أينما ثقفوا
ففي جماجمهم بيضُ الظُّبَى زُبُرٌ … وفي كلاكلهم سمر القنا قُصُفُ
وما استقام لهم في أعوج نهج … ولا أجارهم من مانع كنف
وأحرقوا بعد ما قد أغرقوا ورموا … من القلال إلى الأوحال فأنخسفوا
وملت الأرض قتلاهم بما قذفت … منهم وقد ضاق منها المهمه القذف
والطير والوحش قد عافت لحومهم … ففي مراج الصواري منهم قرف
ردوا فكل طريق نحو أرضهم … تدلُّ جاهلها الأشلاء والجيف
وأدبروا فتولى قطع دابرهم … والحمد لله قوم للوغى ألفوا
ساقوهم فسقوا شط الفرات دمًا … وطمَّهم بعباب اليم فانحرفوا
وأصبحوا بعد، لا عين ولا أثر … غير القلاع عليها منهم السعف
يا برق بلغ إلى غازان قصتهم … وصف فغصتهم من فوق ما تصفُ
فقلبه وجل من أجلهم قلق … حتى يعود حزينًا دمعه ذرف
بشِّر لهلكهم ملك العراق لكي … يعطيك حلوانها حلوان والنجف
وإن يَسَل عنهم قل قد تركتهم … بالنخل صرعى فلا تمر ولا سعف
ما أنت كفء عروس الشام تخطبها … جهلًا وأنت إليها هائم دنف
قدمات قبلك آباء بحسرتها … وكلهم مغرم مغرى بها كلف
إن الذي في جحيم النار مسكنه … لا تستباح له الجنات والغرف
وإن تعودوا تعد أسيافنا لكم … ضربًا إذا قابلتها رضت الحجف
ذوقوا وبال تعديكم وبغيكم … في أمركم ولكأس الخزي فارتشفوا
كذاك والج غاب الليث يحسبه … قد غاب عنه بناب الليث يجترف
فالحمد لله معطي النصر ناصره … وكاشف الضُّرِّ حيث الحال ينكشف
قد أنجز الوعد في تصديق سيدنا … محمدِ من به أضحى لنا الشرف
نبي سيف أتتنا الأنبياء به … وبشرتنا به التوراة والصحف
عليه من صلوات الله أكملها … ومن هدايا تحيات الورى التحف
وكتبت هذه القصيدة بتمامها لإعجازها، ولأن حقيقة كل بديع في مجازها. وأما باقي شعره الطيبي الذي نفح وانتشر طيبه، لأنه روض بات يجوده الغمام بما سفح،
стр. 5806
فقف قليلًا تزود منه نفسًا، وتشهد قبسًا، ويجحد بعده في الكنوز ملتمسًا.
ومنه قوله: [من البسيط]
ترنم العود مسرورًا ومن عجب … سروره وهو في ضرب وتقييد
من أين للعود هذا الصوت تطربنا … ألفاظه بأظاريف الأناشيد
أظن حين نشا في الدَّوحِ علَّمه … سجع الحمائم ترجيع الأغاريد
ومنه قوله، وقد لبست الذمة العمائم المصبغة: النصارى أزرق، واليهود أصفر، والسامرة أحمر: [من البسيط]
تعجبوا للنصارى واليهود معًا … والسامريين لما عُمموا الخرقا
كأنما بات بالأصباغ منسهلًا … نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا
ومنه قوله (١): [من السريع]
النهر وافى شاهرًا سيفه … ولمعُهُ يختلس الأعينا
فماجت البركة من خوفه … وارتعدت وادرعت جوشنا
ومنه قوله: [من البسيط]
قامت تنبهني وسنّى الجفون وقد … رقَّ النسيم ونامت أعين الرقبا
والليل قد مدَّ سترًا من ذوائبها … والصبح من خدها قد لاح ملتهبا
واستغربت راحتاها الرّاح حين رأت … بنانها بشعاع الكأس مختضبا
ضنَّ الزمان بما قد كان جاد به … وعادة منه لي استرجاع ما وهبا
ومنه قوله: [من البسيط]
بناظري قمر اتبعته نظري … مذ حلّ في خاطري قد زاد في خطري
تحت النقاب له بدر يقابله … قد صار منزله في القلب كالقمر
ومنه قوله: [من المتقارب]
أيا ناظري أنت سقت البلا … لقلبي وذقت الهوى أولا
ويا قلب أبليتني بالغرام … ومن ناظري كان أصل البلا
ومنه قوله: [من الخفيف]
برزت في الكؤوس كالإبريز … فأعادت مسرتي بالبروز
قهوة فارسية من خبايا … أردشير لنجله برويز
стр. 5807
بنتُ كرم من عصر نعمانَ زُفَتْ … لابن ماءِ السماء غير نشوز
وجلاها زجاجها فأرانا … جامد الماء ذائب الإبريز
وهي في حلة السرور كميت … تكتسي بالحباب حلية بوز
أرقتني أني أصبت بعين … بالحميا لا بالرقى والحروز
أنا لا أرتوي بكأس وطاس … فاسقنيها بالزق والقطرميز
اسقنيها حتى أموت بسكري … وادعُ جمع القيان في تجهيزي
اسقنيها فالأرض تحكي عروسًا … تنجلي في ملونات الخزوز
اسقنيها مع الصبايا فإني … أنا شيخ الغرام وهي عجوزي
وقوله: [من الوافر]:
وكم من خَصْلَةٍ للخير غَطَّتْ … خصالًا هنَّ في الإنسان سرُّ
وحبك خصلة من كل شخص … فما كلُّ الذي في البحر دُرُّ
ومنهم:
[٢٤٩] محمد بن محمد بن محمود، أبو عبد الله، شهاب الدين عرف بابن دمرداش (١)
عدل مات على الشهادة، وعاش مدرّعًا بالزهادة، وكان في أول أمره على ما كان عليه آباؤه من معاناة الجندية، ومعاياة البروق بمخاصمة سيوفه الهندية. خدم الملك المنصور صاحب حماة، واتخذه من نداماه وأمطره بواكف نعماه، وأسرى إليه صباه ونعماه. ثم كره حماة بعد صاحبها المنصور، وعاف موردها، واستنزر إثمدها، ولم ير بعده من يرى أن يكون له خديما، أو يعدّ له نديما. وطفق يقلب يديه، وصدره طافح، وقلبه لهمه مكافح، وحاله لا يُلم شعثه، كأنه لِمَّةُ المحرم، وحظه لا يضيء، كأنه صحيفة المحرم، فخلع عن منكبه ذلك الرداء، وانتهى في معالجة نفسه إلى أن كوى ذلك الداء. وعاد إلى دمشق، وعانى بيع الكتب ومشتراها، وحصل منها الفرائد كما
стр. 5808
تراها. ثم فقد ما بيده، إلا ما حصله من ذلك الربح الظاهر، وحصنه حفظًا في خزانة الخاطر. ثم استرزق بالعدالة بما يقسم له بين الشهود، ويقدر له من المتيسر الموجود، غير منافس مثلهم في الجعالة، ولا لابسًا خلق تلك الحالة، قانعًا بما سمحت له به النفوس، وسنحت له ديم الكرم بغير عبوس.
وكان حقيقة تمنح جوهرًا، وحقيبة تنفح عنبرًا. ومن شعره المطرب نغمه، المطيب تفتيت المسك لممه، قوله مما أنشدنيه: [من البسيط]
أحسن إلى الناس مهما دمت مُقتدرًا … على الجميل ففعل الخير ينتهز
ولا تكن كأناس أخروه إلى … غد فلما أتاهم في غد عجزوا
وقوله مما أنشدنيه (١): [من الكامل]
ومُهَفهَفُ الأعطاف معسولُ اللُّمَى … كالغصن يعطفه النسيم إذا سَرَى
قال اسقني فأتيته بزجاجةٍ … مُلِئَتْ قراحًا وهو لاء لا يرى
وتأرجت برضابه وأمدها … من نار وجنته شعاعًا أحمرا
ثم انثنى ثملًا وقد أسكرته … برضابه وبوجنتيه وما درى
وقوله مما أنشدنيه (٢): [من الخفيف]
قال لي ساجي اللواحظ صف لي … هَيَفي: قلت: يا رشيق القوامِ
لك قد لولا جوارح عَيْنَيْـ … ـكَ تغنت عليه ورقُ الحمام
وقوله مما أنشدنيه (٣): [من السريع]
بالله إن جزت بوادي الأراك … وقبلت أغصانه الخضر فاك
اهد إلى عبدك من بعضها … فإنني والله ما لي سواك
وقوله مما أنشدنيه (٤): [من الطويل]
أقول لمسواك الحبيب لك الهنا … برشف فم ما ناله ثغر عاشق
فقال وفي أحشائه لاعج الجوى … مقالة صُب للديار مفارق
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى … أعلله بين العذيب وبارق
وقوله، وهو مما أنشدنيه (٥): [من الطويل]
стр. 5809
جيادك يا من طبق الأرض عدله … وحاز بأعلى الجد أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامهِ غُرَّةً … رياحُ الصَّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم يكن في ظهرها كعبة المنى … لما شبهت آثارها بالمحارب
وقوله (١): [من الطويل]
ولما التقينا بعد بين وفي الحشا … لواعج شوق في الفؤادِ تُخيّم
أراد اختباري بالحديث فما رأى … سوى نظر فيه الجوى يتكلم
وقوله (٢): [من الكامل]
حتّى لا تصل المدام فقد أتت … لك في النسيم من الحبيب وعود
والنهر من طرب يصفّقُ فرحةً … والغصنُ يرقص والرياض تميد
وقوله (٣): [من الكامل]
قد ضُنْتُ سِرَّ هواكُمُ ضنًّا به … إنَّ المتيَّم بالهوى لضنين
فَوَشَتْ به عيني ولم أك عالمًا … من قبلها أنَّ الوشاة عيون
وقوله (٤): [من الطويل]
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا … ولكنه ورى الحديث فأشكلا
وأسنده عن واقدي أضالعي … فأضحى صيحًا بالغرام معللا
وقوله (٥): [من الكامل]
وافي النسيم وقد تحمَّلَ منكُمُ … لطفًا يقصر فهمه عن علمه
وشكا السقام وما درى ما قد حَوَى … وأنا أحق من الرسول بقسمه
وقوله (٦): [من الكامل]
إن طال ليلي بعدكم فلطوله … عذر وذاك لما أقاسي منكم
لم تسرِ فيه نجومه لكنها … وقفت لتسمع ما أحدث عنكم
وقوله (٧): [من الكامل]
стр. 5810
عجبًا لمشغوف يفوه بمدحكم … ماذا يقول وما عساه يمدح
والكون إما صامت فمعظم … حرماتكم أو ناطق فمسبح
وقوله (١): [من المنسرح]
من الأسير أمست قرينته … في الدوح عن حاله تسائلة
فهو يغني مبدا الحزين لها … وهي بأوراقها تراسله
وقوله (٢): [من البسيط]
حتى إذا رق جلباب الدُّجى وسرت … من تحت أذياله مسكية النفس
تبسم الصُّبحُ إعجابًا بخلوتنا … ووصلنا الطاهر الخالي من الدَّنَسِ
وقوله (٣): [من السريع]
بالروح أفدي منطقيًا علا … برتبة النحو على نشوه
منطقه العذب الشهي الذي … قد جذب القلب إلى نحوه
وقوله (٤): [من الكامل]
يا سيدي أوحشت قومًا ما لهم … عن حُسنِ منطقك الجميل بديل
وتعللت شمس النهار فما لها … من بعد بعدك بكرة وأصيل
وبكى السحاب مساعدًا لتفجعي … من طول هجرك والنسيم عليل
وقوله (٥): [من الكامل]
انظر إلى الأزهار تلق رؤوسها … شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها … وغدا بأذيال الصبا متمسكا
وقوله (٦): [من الطويل]
ولما أشارت بالبنان وودعت … وقد أظهرت للكاشحين تشهدا
طفقنا نبوس الأرض نُوهم أننا … نصلّي الضحى خوفًا عليها من العدا
وقوله (٧): [من الكامل]
стр. 5811
ما أبطأت أخبار من أحببته … عن مسمعي بقدومه ورجوعه
إلا جرى قلمي إليه حافيًا … وشكا إليه تشوقي بدموعه
وقوله (١): [من الطويل]
يقولون شبهت الغزال بأهيف … وهذا دليل في المحبة واضح
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح … ورارًا لما تاقت إليه الجوارح
وقوله (٢): [من الطويل]
يقول لي الدولاب راضٍ حبيبك الـ … ملول بما تهوى من الخير والنفع
فإني من عودٍ خُلقتُ وها أنا … إذا مال عنِّي الغصن أسقيه من دمعي
ومنهم:
[٢٥٠] محفوظ العراقي، رشيد الدين (٣)
فحل لا يقرع له أنف، ولا يطمع أن يقاد بالعنف. قادر على الشعر ينظمه في الوقت الحاضر، ويرقمه كالروض الناضر، يدل على قوة لَحْيين، كأنما يهدر فيهما رعد، أو يشهر سيف وعيد لا وعد. بعارضة يلين لها الجماد.
ورد دمشق، ومدح والدي ﵀ بقصيدة أحرقت قلب حاسده، وأشجت فؤاد معانده، وبات لها عدوه على شوك القتاد، وضده وقد سليم إليه القياد، خلا رجل كانت منه نادرة غلط حملته على تفضيل رجل عليه، كلمة قالها بغير علم، وعثرة ما استقالها عند حلم، فمزقت عرضه هجاء، وفرّقت أرضه أرجاء، فسلط عليه ذلك الرجل بعض أقاربه، وقصد رفو عرضه الممزق بإبر عقاربه، فالتقفهم صله الأرقم، والتقمهم عقابه القشعم، وجاهرهم بالسوء من القول، وجاهدهم جهاد الفحل على الشول.
وكان قد اجتمع رأي فضلاء العصر، كالإمامين: صدر الدين أبي عبد الله محمد بن الوكيل، وكمال الدين أبي المعالي محمد بن الزملكاني، والفاضل رئيس الكتاب كمال الدين أبي العباس أحمد بن العطار، على تفضيله وتقديمه في الشعر على أهل جيله.
стр. 5812
ومن شعره في هجاء من هيج حفيظته، وأوهج توقيد نار الغضب مغيظته، مما قاله ارتجالًا في خصمه، وواجهه بنفث سمه، قوله (١): [من الخفيف]
ركب الله في فناء بني فَعْ … لان معنى النيران والحيات
أوجه القوم بالمكاره تخفَى … وفروج النساء بالشهوات
حدثني ابن عمنا القاضي جمال الدين، أبو محمد يوسف بن رزق الله العمري، وكان هذا الرشيد محفوظًا خاصًا به، وخالصًا لصاحبه، نزل عليه حال مقدمه، وأصفاه خالص خدمه. قال: حدثني الرشيد ما سأذكر أنا معناه، وهو أنه لما مر بحماة، في مقدمه إلى دمشق، مدح طائفة من كبرائها المتصلين بخدمة صاحبها الملك المظفر، منهم: ابن قرناص، كاتب سره، وصاحب أمره بأسره، وأراد منه أن يوصله إلى صاحبه لنشده مديحًا عمله فيه، قاطع عليه الكَرَى، وأشبه به النجوم إلا في السُّرى، حتى جاء به روضًا ما سقته إلا سحب القرائح التي تشب لهبًا، وتصب ذهبًا، فعلق أمله بالوعد ومنعه، فلم يصل إليه إلا فيما بعد. فلما رأى أن وعده لا يثمر، وأن قصده لا يظهر منه إلا خلاف ما يضمر، عدل إلى كستغدي أستاذ الدار وكان ممن لا يخيب المرجو، ولا يقطع رحم الأدب المرجو، لأخذه بحظ من الفضائل لا تُنقص، ولا يُعرف الذهب ما لم يُخلص، فلما أنزل به مقصده، أنشده (٢): [من الكامل]
ولقد ركبت هجين عزم ساقه … مني الرجاء إلى الأعز الأبلج
ملك توعره جنود حوله … كالروضِ بات مُسَيًَّا بالعوسج
فلما دخل على الملك المظفر، أوصل إليه جليَّةَ خبره، وأنشده البيتين بما فيهما من وخز إبره، وابن قرناص حاضر يسمع، ناطر يتوقع ما يصنع، فأمر بإحضاره، فأحضر في الحال، واستنشده البيتين: فقال:
ولقد ركبت وهجين عزم ساقه (البيت)
ثم اهتدم البيت الثاني فقال (٣): [من الكامل]
ملك تزان به جنود حوله … كالروض بات مسيجًا ببنفسج
فقال له: ما هكذا قلت. فقال: قد كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما بعد أن حضرت، فهو كما أنشدت بين يديك. فأسنى عطاءه من الذهب الخلاص، وأوسع ملامته ابن قرناص.
стр. 5813
وحدثني أيضًا عنه: أنه أتى حصن الأكراد مادحًا نائبها، ومستسقيًا من أياديه سحائبها، فأخذ ابن الذهبي كاتب درجة القصيدة ليوصلها إليه، ثم عاد إليه، فأخبره أنها ضاعت من وسط يديه، فقال: [من المنسرح]
لا الذهبي أسرى المديح ولا … أعذبه منهلًا وعذبه
أهديت مدحي تبرًا إليه فما … ذهبه بل علي أذهبه
وقوله، وقد رأى مشجر الفسيفساء بجامع دمشق: [من الطويل]
ألم تَرَ أشجارًا بجامع جلّقٍ … حكت مثلها لو أن صانعها باقي
نضارتها أن لا تدانى فروعها … بشمس ولا يسقي مغارسها ساقي
وقوله (١): [من الخفيف]
فرقت بيننا الحوادث لكن … لي نفس إليكم أُدنيها
فكأني في الود فأرة مسكٍ … أفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقوله: [من الخفيف]
هيج البرق لوعة المشتاقِ … بوميض لقلبه الخفاق
هذه مزنة إلي حدتها … نسمة الصبح من نواحي العراق
يا قساة القلوب رقوا فإنّي … لا غرامي فان ولا أنا باقي
هل لبؤس لاقيته من فراق … ونعيم فارقته من تلاقي
ومنهم:
[٢٥١] محمد ابن سبط الحافظ شمس الدين
ذكي الفطنة، زكي الفطرة، وقاد القريحة، نقاد المعاني الصحيحة، لطيف المحاضرة، خفيف المجالسة. يقع على نادر المعنى، لكنه ربما أتى بساكن بلا معنى، إذ كان مستوشل المواد، مستوحش الجواد، لا دربة له بممارسة، ولا رغبة تقدمت له في مدارسة، اعتمادًا على ضياء حسّه، وصفاء جوهر نفسه. مركب أعاريض الشعر، ولا يلحج في بحاره، ولا يدلج ليله قبل تبلج أسحاره. وخدم في الدواوين زمانًا، ثم في الجيش بصفد خدمةً أخذ بها الرامح من قبله أمانًا. وكان يُجيد حلّ المترجم ويبين ما أسَرَّهُ قلم كاتبه وجمجم، بفهم إلى قراءته، يسارعه كأنه واضعه، متى نَظَرَهُ قرأه لا
стр. 5814
يتوقف، كأنه هو الذي كتبه وسطره. ومن شعره: [من الطويل]
وذي شنب مالت إلى فيه شمعةٌ … وعادت إلى رجليه عن شفتيه
وقالت: بدا من فيه شهدٌ فهزَّني … بذكر لأوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه … فعفَّرْتُ أجفاني على قدميه
ومنهم:
[٢٥٢] محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين (١)
صائغ لا غش في ذهبه، ولا غلَّ في أدبه، ولا غبّ لزيارة سحبه. قطف غض البلاغة، وجاء بالكلام كما يقال، صاغه صياغة. وما كان ابن سباع إلا وهو شبل قسورة، ولا نُعت بالشمس إلا لأن الليالي كانت به مقمرة.
وهو ممن أخذتُ عنه العروض، وكان فيه إمامًا، وقطعت به بحوره لا أرد الماء إلا حمامًا. وتعلمتُ منه علم القوافي، وطرت في دقيقه وجليله بالقوادم والخوافي. وكانت حانوته بقيسارية الصاغة بدمشق سوق ذهب وأدب، كلاهما إبريز، وهما ما هما وله فيهما التبريز. وله أوفر قسم من النحو والعربية والمقامات الحريرية، وسائر المواد الأدبية. ومن أشعاره المولدة العربية الذهبية، قوله: [من الكامل]
وتخيروا تلك الحزون منازلًا … بالحزم للأمر الأشد الأصعب
ملأت خيامهم الجهات فلم يكد … للقرب يفرق مضرب من مضرب
ومنه قوله يذكر حريق بلد أخذ منه الكفر: [من الكامل]
طهرتها من أهلها بدمائهم … وجعلت باسمك ربعها مأنوسا
أمهرتها عزمًا ملأت به الدُّنَى … ولقد ملكت كما بذلت نفيسا
ورميت فيها النار تطهيرًا لها … مثنّى فمنها الشرك عاد يؤوسا
فكأنها والنَّارُ في جنباتها … بيت به الشيطان غر مجوسا
стр. 5815
وسلبتها ممّا حوته ذخائرًا … وجواهرًا ونفائسًا ونفوسا
وتركتهم برًا وبحرًا جيفةً … من بالقصور يظنها ناووسا
ومنه قوله في فتح عكا وصور: [من الكامل]
قلقلت أرض الشام عند دخولها … ركضًا بجيش كالسحاب عرموم
قد كان وجه الشمس غير مبرقع … لولاهم والبدر غير ملثم
فأريت عكا ما بعمورية … رأت الفوارس في الزمان الأقدم
فتح محيا الدهر موسوم به … وزمانه في دوره كالموسم
ما الرأي إلا عند قلب ثابت … والسيفُ إلا في يمين مصمم
قد حزت صورًا في تقضي فتحها … فبشكرك الإسلام رطب المبسم
ما كان بينهما سوى يوم فذا … سعد إليه كل سعد ينتمي
والجمع للأختين غير محلّلٍ … لكن بهذا الحال غير محرم
ومنه قوله يصف قصيدة مطولة: [من الكامل]
عجبًا رأينا من تزيد حسنها … مع أنها زادت على التسعين
شغلت ذوي الأسماع في إنشادها … مما حوته عن ابنة العشرين
ومنه قوله، وهو ممّا ادعاه سواه، وكان شيخنا أبو الثناء محمود لا يثبتهما لابن القماح: [من الرجز]
لو تعلم الورق حنيني نحوكم … لمزّقت من طرب أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي … صَبَامعي، لكنه ما ذاقها
ومنهم:
[٢٥٣] عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين
شاعر لا يقدر على مبالغه، ولا يعصى الحصا على ماضغه. قريحته مقتدرة، وفكرته مبتدرة، وخاطره السمح لا يقابله بالمعذرة. ولم يكن في سوق الشعر مكتسبًا، ولا بما يتسنّى من جوائزه متسببًا، بل كان يكتفي بصناعة يده، وبضاعة شمم يكفى بها منه مسترفده، مع قليل مال يصلحه فينمي، ويستسفحه فيهمي، إلا أنه رزق خياط يجنيه من حرث إبرته، وتأييد بمقدار ما يبيعه من نظر مقلته، مع أنه بدا بناظره فخاطه بالإعجاب، وخاطه بكبرياء بلغت به العجب العجاب.
ومن شعره السهل الذي لو دُعي أجاب، قوله: [من الكامل]