ما أبطأت أخبار من أحببته … عن مسمعي بقدومه ورجوعه
إلا جرى قلمي إليه حافيًا … وشكا إليه تشوقي بدموعه
وقوله (١): [من الطويل]
يقولون شبهت الغزال بأهيف … وهذا دليل في المحبة واضح
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح … ورارًا لما تاقت إليه الجوارح
وقوله (٢): [من الطويل]
يقول لي الدولاب راضٍ حبيبك الـ … ملول بما تهوى من الخير والنفع
فإني من عودٍ خُلقتُ وها أنا … إذا مال عنِّي الغصن أسقيه من دمعي
ومنهم:
[٢٥٠] محفوظ العراقي، رشيد الدين (٣)
فحل لا يقرع له أنف، ولا يطمع أن يقاد بالعنف. قادر على الشعر ينظمه في الوقت الحاضر، ويرقمه كالروض الناضر، يدل على قوة لَحْيين، كأنما يهدر فيهما رعد، أو يشهر سيف وعيد لا وعد. بعارضة يلين لها الجماد.
ورد دمشق، ومدح والدي ﵀ بقصيدة أحرقت قلب حاسده، وأشجت فؤاد معانده، وبات لها عدوه على شوك القتاد، وضده وقد سليم إليه القياد، خلا رجل كانت منه نادرة غلط حملته على تفضيل رجل عليه، كلمة قالها بغير علم، وعثرة ما استقالها عند حلم، فمزقت عرضه هجاء، وفرّقت أرضه أرجاء، فسلط عليه ذلك الرجل بعض أقاربه، وقصد رفو عرضه الممزق بإبر عقاربه، فالتقفهم صله الأرقم، والتقمهم عقابه القشعم، وجاهرهم بالسوء من القول، وجاهدهم جهاد الفحل على الشول.
وكان قد اجتمع رأي فضلاء العصر، كالإمامين: صدر الدين أبي عبد الله محمد بن الوكيل، وكمال الدين أبي المعالي محمد بن الزملكاني، والفاضل رئيس الكتاب كمال الدين أبي العباس أحمد بن العطار، على تفضيله وتقديمه في الشعر على أهل جيله.
стр. 5812
ومن شعره في هجاء من هيج حفيظته، وأوهج توقيد نار الغضب مغيظته، مما قاله ارتجالًا في خصمه، وواجهه بنفث سمه، قوله (١): [من الخفيف]
ركب الله في فناء بني فَعْ … لان معنى النيران والحيات
أوجه القوم بالمكاره تخفَى … وفروج النساء بالشهوات
حدثني ابن عمنا القاضي جمال الدين، أبو محمد يوسف بن رزق الله العمري، وكان هذا الرشيد محفوظًا خاصًا به، وخالصًا لصاحبه، نزل عليه حال مقدمه، وأصفاه خالص خدمه. قال: حدثني الرشيد ما سأذكر أنا معناه، وهو أنه لما مر بحماة، في مقدمه إلى دمشق، مدح طائفة من كبرائها المتصلين بخدمة صاحبها الملك المظفر، منهم: ابن قرناص، كاتب سره، وصاحب أمره بأسره، وأراد منه أن يوصله إلى صاحبه لنشده مديحًا عمله فيه، قاطع عليه الكَرَى، وأشبه به النجوم إلا في السُّرى، حتى جاء به روضًا ما سقته إلا سحب القرائح التي تشب لهبًا، وتصب ذهبًا، فعلق أمله بالوعد ومنعه، فلم يصل إليه إلا فيما بعد. فلما رأى أن وعده لا يثمر، وأن قصده لا يظهر منه إلا خلاف ما يضمر، عدل إلى كستغدي أستاذ الدار وكان ممن لا يخيب المرجو، ولا يقطع رحم الأدب المرجو، لأخذه بحظ من الفضائل لا تُنقص، ولا يُعرف الذهب ما لم يُخلص، فلما أنزل به مقصده، أنشده (٢): [من الكامل]
ولقد ركبت هجين عزم ساقه … مني الرجاء إلى الأعز الأبلج
ملك توعره جنود حوله … كالروضِ بات مُسَيًَّا بالعوسج
فلما دخل على الملك المظفر، أوصل إليه جليَّةَ خبره، وأنشده البيتين بما فيهما من وخز إبره، وابن قرناص حاضر يسمع، ناطر يتوقع ما يصنع، فأمر بإحضاره، فأحضر في الحال، واستنشده البيتين: فقال:
ولقد ركبت وهجين عزم ساقه (البيت)
ثم اهتدم البيت الثاني فقال (٣): [من الكامل]
ملك تزان به جنود حوله … كالروض بات مسيجًا ببنفسج
فقال له: ما هكذا قلت. فقال: قد كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما بعد أن حضرت، فهو كما أنشدت بين يديك. فأسنى عطاءه من الذهب الخلاص، وأوسع ملامته ابن قرناص.
стр. 5813
وحدثني أيضًا عنه: أنه أتى حصن الأكراد مادحًا نائبها، ومستسقيًا من أياديه سحائبها، فأخذ ابن الذهبي كاتب درجة القصيدة ليوصلها إليه، ثم عاد إليه، فأخبره أنها ضاعت من وسط يديه، فقال: [من المنسرح]
لا الذهبي أسرى المديح ولا … أعذبه منهلًا وعذبه
أهديت مدحي تبرًا إليه فما … ذهبه بل علي أذهبه
وقوله، وقد رأى مشجر الفسيفساء بجامع دمشق: [من الطويل]
ألم تَرَ أشجارًا بجامع جلّقٍ … حكت مثلها لو أن صانعها باقي
نضارتها أن لا تدانى فروعها … بشمس ولا يسقي مغارسها ساقي
وقوله (١): [من الخفيف]
فرقت بيننا الحوادث لكن … لي نفس إليكم أُدنيها
فكأني في الود فأرة مسكٍ … أفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقوله: [من الخفيف]
هيج البرق لوعة المشتاقِ … بوميض لقلبه الخفاق
هذه مزنة إلي حدتها … نسمة الصبح من نواحي العراق
يا قساة القلوب رقوا فإنّي … لا غرامي فان ولا أنا باقي
هل لبؤس لاقيته من فراق … ونعيم فارقته من تلاقي
ومنهم:
[٢٥١] محمد ابن سبط الحافظ شمس الدين
ذكي الفطنة، زكي الفطرة، وقاد القريحة، نقاد المعاني الصحيحة، لطيف المحاضرة، خفيف المجالسة. يقع على نادر المعنى، لكنه ربما أتى بساكن بلا معنى، إذ كان مستوشل المواد، مستوحش الجواد، لا دربة له بممارسة، ولا رغبة تقدمت له في مدارسة، اعتمادًا على ضياء حسّه، وصفاء جوهر نفسه. مركب أعاريض الشعر، ولا يلحج في بحاره، ولا يدلج ليله قبل تبلج أسحاره. وخدم في الدواوين زمانًا، ثم في الجيش بصفد خدمةً أخذ بها الرامح من قبله أمانًا. وكان يُجيد حلّ المترجم ويبين ما أسَرَّهُ قلم كاتبه وجمجم، بفهم إلى قراءته، يسارعه كأنه واضعه، متى نَظَرَهُ قرأه لا
стр. 5814
يتوقف، كأنه هو الذي كتبه وسطره. ومن شعره: [من الطويل]
وذي شنب مالت إلى فيه شمعةٌ … وعادت إلى رجليه عن شفتيه
وقالت: بدا من فيه شهدٌ فهزَّني … بذكر لأوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه … فعفَّرْتُ أجفاني على قدميه
ومنهم:
[٢٥٢] محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين (١)
صائغ لا غش في ذهبه، ولا غلَّ في أدبه، ولا غبّ لزيارة سحبه. قطف غض البلاغة، وجاء بالكلام كما يقال، صاغه صياغة. وما كان ابن سباع إلا وهو شبل قسورة، ولا نُعت بالشمس إلا لأن الليالي كانت به مقمرة.
وهو ممن أخذتُ عنه العروض، وكان فيه إمامًا، وقطعت به بحوره لا أرد الماء إلا حمامًا. وتعلمتُ منه علم القوافي، وطرت في دقيقه وجليله بالقوادم والخوافي. وكانت حانوته بقيسارية الصاغة بدمشق سوق ذهب وأدب، كلاهما إبريز، وهما ما هما وله فيهما التبريز. وله أوفر قسم من النحو والعربية والمقامات الحريرية، وسائر المواد الأدبية. ومن أشعاره المولدة العربية الذهبية، قوله: [من الكامل]
وتخيروا تلك الحزون منازلًا … بالحزم للأمر الأشد الأصعب
ملأت خيامهم الجهات فلم يكد … للقرب يفرق مضرب من مضرب
ومنه قوله يذكر حريق بلد أخذ منه الكفر: [من الكامل]
طهرتها من أهلها بدمائهم … وجعلت باسمك ربعها مأنوسا
أمهرتها عزمًا ملأت به الدُّنَى … ولقد ملكت كما بذلت نفيسا
ورميت فيها النار تطهيرًا لها … مثنّى فمنها الشرك عاد يؤوسا
فكأنها والنَّارُ في جنباتها … بيت به الشيطان غر مجوسا
стр. 5815
وسلبتها ممّا حوته ذخائرًا … وجواهرًا ونفائسًا ونفوسا
وتركتهم برًا وبحرًا جيفةً … من بالقصور يظنها ناووسا
ومنه قوله في فتح عكا وصور: [من الكامل]
قلقلت أرض الشام عند دخولها … ركضًا بجيش كالسحاب عرموم
قد كان وجه الشمس غير مبرقع … لولاهم والبدر غير ملثم
فأريت عكا ما بعمورية … رأت الفوارس في الزمان الأقدم
فتح محيا الدهر موسوم به … وزمانه في دوره كالموسم
ما الرأي إلا عند قلب ثابت … والسيفُ إلا في يمين مصمم
قد حزت صورًا في تقضي فتحها … فبشكرك الإسلام رطب المبسم
ما كان بينهما سوى يوم فذا … سعد إليه كل سعد ينتمي
والجمع للأختين غير محلّلٍ … لكن بهذا الحال غير محرم
ومنه قوله يصف قصيدة مطولة: [من الكامل]
عجبًا رأينا من تزيد حسنها … مع أنها زادت على التسعين
شغلت ذوي الأسماع في إنشادها … مما حوته عن ابنة العشرين
ومنه قوله، وهو ممّا ادعاه سواه، وكان شيخنا أبو الثناء محمود لا يثبتهما لابن القماح: [من الرجز]
لو تعلم الورق حنيني نحوكم … لمزّقت من طرب أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي … صَبَامعي، لكنه ما ذاقها
ومنهم:
[٢٥٣] عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين
شاعر لا يقدر على مبالغه، ولا يعصى الحصا على ماضغه. قريحته مقتدرة، وفكرته مبتدرة، وخاطره السمح لا يقابله بالمعذرة. ولم يكن في سوق الشعر مكتسبًا، ولا بما يتسنّى من جوائزه متسببًا، بل كان يكتفي بصناعة يده، وبضاعة شمم يكفى بها منه مسترفده، مع قليل مال يصلحه فينمي، ويستسفحه فيهمي، إلا أنه رزق خياط يجنيه من حرث إبرته، وتأييد بمقدار ما يبيعه من نظر مقلته، مع أنه بدا بناظره فخاطه بالإعجاب، وخاطه بكبرياء بلغت به العجب العجاب.
ومن شعره السهل الذي لو دُعي أجاب، قوله: [من الكامل]
стр. 5816
يُغنيه عن بعث الكتائب كتبُهُ … وكأنما في كل سطر فيلقُ
والمرء يفتن بابنه وبشعره … وكلاهما شيء لعمرك يعشقُ
ورأيت بخط المجير المذكور فصلًا أتبعه بشعر لخصتهما وهو: ولقد ورد علي رجل من مصر يتعاطى أنه شاعر، ولم يكن خبيرًا بما يحتاج إليه، بل كان نظامًا لحانًا، يخطئ الأوزان، ويخالف اللغة في غير مكان، فأصلحتُ من هذيانه على ما أفضى إليه حال لفظه، ونسقت له أساليب من كلامي زينت بها قبح ما جاء به من بشاعة نظمه، وبرد سرده، ولم يُخل من قصده وضيعًا ولا رفيعًا، ولا عبدًا ولا حرًا. وكل هذا وأنا أنظم له القصائد، وهو بحبالي الصائد، ثم ثلبني، فنُقِلَ إليَّ، فقلت: [من الوافر]
عتبتُ وقلت إني قيل عني … مقال ما سمعنا منه أكذبُ
وإني قانع بقليل شكر … فقل لي ما لكثر الذم أوجب
ولا تعجب لقلب الخير سرًّا … فذمّك لي بظهر الغيب أعجب
وإن تَرَ أنَّ في عتبي صوابًا … فترك العتب منك علي أصوب
وقد قلت الذي عندي وهذا … نهاية حالنا فاجتنب أو اركب
ولم أسلفك إلا كلَّ خيرٍ … وإن تعتب فإني غير معتب
ومن شعره قوله: [من المجتث]
صبح العوافي تنفّس … في ليل سقمي وعسعش
وعاد نطق حياتي … وكان بالموت أخرس
ونافس البُرْءُ سقمي … فكان بالنفس أنفس
والموت لم ينج منه … سم العرانين أخنس
وكل عال ونكس … في هوَّةِ الهلك ينكس
ومنه قوله: [من المنسرح]
يدافع الموت في تقلبه … موج المنايا وسيلها دفعُ
وليس من تحت سبع أرقعة … يبقى ذباب كلا ولا سبع
ومنه قوله: [من المنسرح]
سد علي النهيج والأرق … وساقني في لجامه العرق
واتسعت في للردى سُبْلٌ … فيها تضيق الأنفاس لي طرق
وفي عروقي وأعظمي ودمي … جرت خيول الحمام تستبق
أظل لا أطعم الطعام فإن … طُعمتُ منه أكاد أختنق
وفي سحاب الحياة بارقة … في جو جوفي بالموت تأتلق
стр. 5817
ولي بتقدير خالقي علق … من حيثُ لا نطفة ولا علق
ومنه قوله في وزن درعية المعري التي أولها (١):
«هم الفوارس بات في إدراعها»
قصيدة منها: [من الكامل]
ماذية لو أُرسلت من خالقٍ … في سيله فاتته في إسراعها
لو أن أرجل نملةٍ دبَّت على … سربالها ما غَاصَ طرف ذراعها
عادية تنبو الصوارم في الوغى … عنها لرقّتها وغلظ طباعها
لو أُلقيت في قفرة دويَّةٍ … حامَ القطا طمعًا بحومة قاعها
خصراء محكمة القتير لسردها … حبك يضيع الفكر في أوضاعها
زغف دلاص ستر كل مقنع … إن آذنت حرب بكشف قناعها
كم قُطعت بيضُ الظَّبا بوصالها … وتدافعت سمر القنا بدفاعها
وثوابت الخرصان لو قارَعْنها … لتقصفت وتقصدت بقراعها
لطفت على فرط الكثافة حلَّةً … قد طرزت بالبرق من تلماعها
سمح الزمان بحين عصر ولادها … ومسامعُ الدنيا ثدي رضاعها
ومنه قوله يصف مقتل أفعى: [من الكامل]
نفر الحباب فخلتُ سيل الجدول … متدفقًا نحو الأباطح من عل
أو أسمرًا متأطرًا يوم الوغى … في كفّ مشبوح الذراع شمردل
يرنو بأخزر شبه جذوة قابس … متوقدًا في جنح ليل أليل
فهو الشجاع مدربًا بإهابه … فمسربل درعًا وغير مسربل
وكأنما حدق الجراد لباسه … أو رقش وشي فوق برد أسحل
بادرته بمهند ضم الصفا … بفرنده يغري بضربة فيصل
وكأنه ليل سطا بسواده … عند الصدام بياض صبح منجلي
متململا من فوق مفرش تربه … يعلو أعالي رأسه بالأسفل
وكأنما هو بالدماء مضمّخُ … ليل كقنو النخلة المتعثكل
تملو لهازمه لفرقة نفسه … بتكشُر عن كل ناب أعصل
стр. 5818
فقتلتُ منه أفعوانًا قاتلًا … كم قد أصاب ضريبةً في المقتل
ومنه قوله: [من مجزوء الرمل]
أين من أعطافهم … كانت تهز الأريحية أريحية
وعلى الشعر يجازو … ن الجوائز السنية
ذهبوا لم يبق في … الدنيا منهم بقيّة
غبروا لذكر منهم … عطَّرَ أفواه البرية
ومنه قوله: [من المجتث]
لا ترفعن دنيًا … فرفعه لك خفض
وَدُسْهُ حيث تراه … بتركه فهو أرض
ومنه قوله: [من الكامل]
لا شيء فوق الموت تألمه … إلا إذا أضيافه ارتحلوا
لو أن كعب الجود عاصره … بسماحه لم يُضرب المثل
ومنه قوله في حائك صار خطيبًا: [من السريع]
وحائك صار خطيبًا ومذ … صار خطيبًا قد بدا منصرما
ظنّ وقد صار على منبر … بأنه قد صار فوق السما
وهو الذي من نفق في الثرى … إلى الثريا قد رقى سلما
ومنه قوله، وقد ولي شمس الدين محمد بن الرزيز خطابة الجامع الكريمي بقبيبات دمشق، وقام شخص اسمه ابن العديسة واعظًا: [من المجتث]
في الدهر شيء عجيب … مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزيز خطيب … وابنُ العديسة واعظ
ومما أملانا من نثره قوله مع قصيدة كتب بها إلى بعض الرؤساء، وهو: فأرسلتها كالمهدي قطرةً إلى البحر المحيط، أو النافخ بفيه ليزيد بنفسه في الهواء البسيط.
ومنهم:
[٢٥٤] أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل، شهاب الدين، أبو جعفر (١)
عرف بابن غانم. أي لا يصبر على ضيم، ولا يتغافل لمساورة أيم، بل أي بلد نبت
стр. 5819
به أرضُها، ونَبَتَ له مُمضَّها، طلقها طلاق البنات، وقوَّض عنها خيامه قبل البيات. جوال آفاق، وجواب مهامة بلا رفاق. طار بغير جناح، واخترق حيث تهب الرياح.
وقد تقدم ذكر أخيه في الكتاب (١) في هذا الكتاب. وكان أبوهما ممن أحب له داعي الفلاح، وأجيل قلمه في سهام القداح، ثم غضب ابنه هذا عليه غضبة حملته على الاغتراب، وحلّقت به حيث لا يحلق الغراب. هذا وبدره ما اكتمل، وجلباب الورق على غصنه ما اشتمل. فأتى العراق في رفقة، سلكوا به السماوة، لا يصحبه إلا أبيض مسلول، ولا يؤنسه إلا أرقط زهلول، ولا يظلله إلا سمرة في يهماء، ولا بَرْدٌ إلا أداوة يترشف منها الماء. ونزل بها على خفاجة مخفيًا لنفسه، مظهرًا له أدب درسه، فلما تسمى لهم واكتنى، وكتم من أمره معلنا - وكان العهد إذ ذاك قريبًا بأخذ بغداد، وشتات شذاذ الخلافة في أقطار البلاد - ظنوه ابنًا للمستعصم، كان قد فقد على الجسر، بعد اقتحام التتار شوارعها الفساح، والتهام أفواه قسيهم الفاغرة مضغ الأرواح، وأبناء الخلائق لديهم نهبٌ صِيحَ في حجراته، وهضب ذيد عن سمراته.
ولقد حكى لي أن هذا صار فيه عقد دينهم، وعقل يقينهم، فقدموه عليهم إمامًا، وسلموه لهم زمامًا، وأنه لم يفسدهم بكشف باطنه، وإخراج خبيئه من مواطنه. وأتى الملك الظاهر هذا النبأ، فخاف منه فتقًا لا يرقعه، وخرقًا لا يجمعه، فكتب إلى ملك العرب عيسى بن مهنا يطلب منه إحضاره، ووكل به انتظاره، فاستدرجه إليه، ثم بعث به حتى أقدمه عليه، فلما حضر بين يديه، تعرّف إليه بأبيه، وشهد له بعض من حضر، فسلَّم وقد أهوى إليه الحجر، وأمر باستدعاء أبيه من دمشق، فلما وصل سلَّم إليه، وسُلَّ من قنصة الموت وألقى لديه، وقيل له: لا بورك لك، ثم رد ضائعه عليه.
ثم إنه كتب الإنشاء في الممالك، وتنقل بمصر ودمشق، ثم أبى حمل المشق.
стр. 5820
كان قد أفرد للكتابة في مجلس الوزارة بدمشق، والمتحدث إذ ذاك، الصاحب شمس الدين عبد الله المعروف بغبرال، فأمره يومًا بكتابة كتاب، فضمنه شيئًا من الصناعة التي لا عهد بها لمن كتبت عنه، وقرأ ما فيها فلم يستبنه، فأنكر ما لم يحط به علمه، ولا تصوره فهمه، فسأله عن موضع منها كالمستفسر، فظنه كالمستنفر، فركب القفار يضربها أذرعًا في أذرع، ويودع منها أربعًا في أربع، وظن أنه قد تفلت من يده تفلت المملق من يد الغريم المقلق، وتقحم مهالك بحار الرياح في قطعها، ومهاوي لا تكتحل جفن الغزالة بنقعها، بتلاعب يد الإقتار، ويقذف به في الفجاج البعيدة الأقطار، إلى أن نزل بالملك المؤيد صاحب اليمن في بحبوحة مجد، وأرجوحة جد، وسعادة أراشت جناحه المحصوص، وأطارت طائره المقصوص.
ثم ضاقت به تلك الرحاب، ونغصت إليه تلك المحاب، لأمراض تناوبت بنيه، وأعراض هدت مبانيه، فسيرهم من طريق لاقاهم إليه، إلى مكان لم يخلف لهم فيه موعدًا، ولا تجاوزه مبعدًا، إلى أن حل حضرة صنعاء متذممًا بإمامها، وطالبًا منه صنيعةً يتمسك بذمامها، فوجد لديه إكرامًا، وحواليه لاقى كرامًا.
ثم وجه على طريق السراة ميممًا مكة المعظمة، فوافها والموسم قد أقمرت لياليه، ورقمت خدود الأيام غواليه، فحضر الموسم وشهد أيامه المعلومات، ولياليه الرافلة حلله المرقمات. وقد التقى كل ذي دَين وماطله، وهدت به سنابك البين وأياطله، ثم قصد الباب الشريف الناصري، فلقي برًا بحسن الخلف، وحلمًا لا يؤاخذ بما سلف، وأمر باستخدامه، ثم تنقل في مصره وشامه، وتنقل ببره وإنعامه.
ولما فوّض إلينا الأمر بالشام في أخريات شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، أبى إلا أن يحفظ عهدنا، وأن لا يقيم بمصر بعدنا، فجاء على آثارنا مستصحبًا لحال المودة، مقضيًا معنا عمره إلى آخر مدة. ثم منعه الهرم أن يعود معنا إلى مصر، في جمادى الأولى من السنة القابلة، حين قلدنا بها ثانيًا، وقعد عجزًا لا توانيًا، لفتور عزم قيد خطاه، وفند رأيه لحلو الأجل فما تخطاه. وبلغنا على الأثر أنه غلب عليه سوء مزاج، لم يفد فيه حسن علاج، إمضاء لإرادة الله في خلقه، وإفضاء به إلى نهاية أجله ورزقه.
وكان فاضل بيته، ومستدرك فوته ناقلة لغة، وعاقلة أدب، مع إلمام بطرف كل فضيلة، وطرف ود أوى به إلى ضوء كل قبيلة.
فأما الشعر، فكان نبعته التي قرع بها القرناء، وصنعته التي ما خلا بعده لمن عاناها إلا العناء.
стр. 5821
وله طرائف وظرائف. حكى عنه قريبنا القاضي جمال الدين، أبو محمد، يوسف بن رزق الله العمري. قال: اجتمعت به يومًا في سماع، فرقص الناس ثم جلسوا، فأقامهم شخص استمع هو ورجال مثله، عليهم سيماء البادية، وطال الحال في الوقوف، وشهاب الدين ساكت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، فقال له رجل على سبيل الهزء به: ما لي أراك ساكنًا كأنه يُوحَى إليك؟ فقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١).
وحكى عنه بعض أقاربه، أن الملك المنصور صاحب حماة، خرج إلى باب الشجريات بالمعرة، وشهاب الدين في صحبته، فاحتاج شهاب الدين إلى الخلاء، ولم يكن من رأيه دخول الخربشت (٢)، وكان الفضاء مسدودًا بالوطاق الظاهري، وهو إذ ذاك مخيم به، فصعد شهاب الدين إلى شجرة تين ليتخلّى، والملك المنصور يراه، ولم يعلم ما يصنع، فجهز شخصًا لينظر ما يفعل، فقال: خذ وسلح عليه، حتى ملأ وجهه وعينيه. فقال: ويلك، ما هذا؟ فقال: أطعمتك من التينة. فأتى الملك المنصور الخبر، وفهم الصورة، فانقلب يضحك حتى أغشي عليه.
وحكي أنه اجتمع يومًا هو ونور الدين بن هلال الدولة مقدم يمن بكفر عامر، في مجلس لهو فيه شيء من آلات الطرب، فأخذ شهاب الدين آلة منها ليضرب بها على سبيل العبث، وكان لا يعرف هذا، وابن هلال الدولة متهم بالرفض، فقال له ابن هلال الدولة: أحسنت، بالله سمعنا غليظ ما نكره، فقال: رضي الله عن أبي بكر.
وحكي عنه، ثم حكى هو لنا عن نفسه، أنه كان عند واحد الدهر القاضي كريم الدين عبد الكريم الناصري في خيمة جمع القرّاء بها بالقرافة، وأنه أوى إلى القاضي علاء الدين، علي بن الظاهر، وجلس إليه يحدثه، فبعث إليه بآخر هناك يعرف بالطواشي معاوية، يقول له: بقيت نوبتي، يعني قم تعال إليَّ، وألح عليه. فقال له: ويلك! من يخلي عليًا ويروح إلى معاوية؟ فيما أوردناه مقنع، وفي بعضه ممتع.
ومما أنشدنا من شعره تلفظًا أو إجازة قوله (٣): [من السريع]
والله ما أدعو على هاجري … إلا بأن يُمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى … منه وما قد تم في حقي
وقوله (٤): [من المجتث]
يا حسنها من رياض … مثل النضار ناره
стр. 5822
كالزهر زهرًا وعنها … ريح العبير عباره
وقوله (١): [من مخلع البسيط]
طرفك هذا به فتور … أضحى لقلبي به فنون
قد كنت لولاه في أمان … لله ما تفعل العيون
وقوله: [من الكامل]
يا نازحًا عني بغير بعاد … لولاك ما علق الهوى بفؤادي
أنت الذي أفردتني مني فلي … بك شاغل عن مقصدي ومرادي
سهرت بحبك مقلتي فحلالها … فيك السهاد فلا وجدت رقادي
ورضيت ما ترضى فلو أقصيتني … أيام عمري ما نقضت ودادي
أنت العزيز علي أن أشكو لك الـ … ـوجد الذي أهديته لفؤادي
وقوله (٢): [من الخفيف]
أيُّها اللائمي لأكلي كروشًا … أتقونها في غاية الإتقان
لا تلمني على الكروش فحبي … وطني من علائم الإيمان
وهو ومن قول النصير الحمامي، وقول النصير أحسن، وهو (٣): [من السريع]
رأيت شخصًا آكلًا كرشة … وهو أخو ذوق وفيه فطن
وقال: ما زلت محبًا لها … قلت: من الإيمان حب الوطن
وكذلك قوله، أعني أبا جعفر بن غانم (٤): [من الخفيف]
ما اعتكاف الفقيه أخذًا بأجر … بل لحكم قضى به رمضان
هو شهر تُغَلُّ فيه الشياطـ … ين ولا شك أنه شيطان
وقوله: [من البسيط]
تعجب الناس للبطيخ حين أتى … بحين حينٍ وإذ وافي بطاعون
وكيف لا يقطع الأعمار مقدمه … وليس يؤكل إلا بالسكاكين
وقوله في مولود سمّي مباركًا: [من مجزوء الرجز]
تهنَّ يا مباركًا … بالولد المبارك
بمن سموه أنسًا … لكونه ابن مالكِ
وقوله، مما كتب به إلى قاضي القضاة، جمال الدين بن واصل، وقد أقعده عاقدًا
стр. 5823
بحماة في مكتب فيه السيف علي بن المغيزل (١): [من مخلع البسيط]
مولاي قاضي القضاة يا مَنْ … له على العبد ألفُ مِنه
إليك أشكو قرين سوء … بُليتُ منه بألف محنه
شَهَرتَهُ بيننا اعتداء … أغمده فالسيف سيف فتنه
وقوله في زركشي: [من مجزوء الكامل]
بأبي أُفَدِّي زركشيًا قد … سَبَى كل الورى
عشق الشريط جماله … فغدا نحيلًا أصفرا
وقوله مناقضة للبيتين المشهورين، والذي قاله: [من المتقارب]
تأمل دمشق وجاور بها … فقد زانها الجامع الجامع
فَسِر السرور به مودع … وسعد السعود به طالع
وأما البيتان المنقوضان فيهما، فهما: [من المتقارب]
تجنّب دمشق ولا تأتها … وإن شاقك الجامع الجامع
فسوقُ الفُسوق به قائم … وفجر الفجور به طالع
عدنا إلى تتمة ما نذكره له ..
فمنه قوله في مقصوص الشعر (٢): [من البسيط]
صدغان كان فؤادي هائمًا بهما … فكيف أسلو وكلُّ الشعر أصداغ
قالوا: ذؤابته مقصوصة حسدًا … فقلت: قاطعها للحسن صواغ
ومنه قوله، نقلته مما كتبه لي من شعره القاضي نجم الدين أحمد ابن أخيه، واستثبته في قوله، فقال: إنه سمع هذا من فيه، وهو: [من الطويل]
أعاهد قلبي في اجتناب هواكم … ويغلبني شوقي إليكم فأنكت
وأحلف لا واصلتكم ما بقيتم … وأعلم أن الوصل خير فأحنث
ومنه قوله (٣): [من الخفيف]
بأبي صائغ ميلح التثني … بقوام أزرى لغصن البان
أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب … من غزال في كفه كلبتان
وحكي أنه كان قد دعاه صاحب له ليضيفه، فلما جاءه قال له: اقلع قماشك
стр. 5824
واقعد عندنا اليوم. فلما قلع قماشه واطمأن، سرق جبته وخبّأها على سبيل اللعب. ثم جاءه بصحن كبير مغطى، فلما كشفه لم يجد فيه إلا سبع حبات من القطائف في غاية الصغر. فقال: ويحك ما هذه؟ فقال له: كُلْ، فإن استطبتها زدناك. فلما أكلها لم يأته بشيء آخر، ثم أمره بالانصراف. فلما قام لينصرف، لم يجد جبته، فسأل عنها. فقال له: أخذناها ثمن القطائف التي أكلتها. فقال (١): [من مجزوء الرجز]
قل لِلَّذي ضيَّفَني … في بَيْتِهِ سَبْعَ لُقَمْ
ورامَ أَخْذَ جُبَّتي … هَذا على الرِطلِ بِكَمْ
قلت: وعلى طول مدته في ديوان الدرج، واسترزاقه بقلم الإنشاء، وما يتلاظم في حفظه من أمواج المواد، وما تعاظم لديه من وافر الفضل لا يد له في تنميق النثر، ولا في تحقيق طريق الكتابة، بل هو مُخَلَّى فيها، ونَفَسُه يركد ولا يهب، ويقعد ولا يقوم، حتى في كتب السفيل، لا يرضى منها له كتاب، ولا تُحلَّى بشيء مما عنده من الأدب، بل هي في معزل، والكتابة في مغزل، وقد سدّ بينهما باب، وضيّع خازنه المفتاح، حتى لا يفتح ذلك الباب. انتهى كلامنا فيه.
* * *
وهذا آخر ما ذكرت من شعراء الجانب الشرقي، ممن ضمت حنايا القبور أسرارهم، وأخفت مغارب اللحود أقمارهم، ووسدهم التراب حشاياه، وكدّر لهم الدهر عشاياه، وصادَ وُرْقَهم الساجعة بازي الحمام المطل، وشبرق ثوب الشفق بدمهم سبع منونهم المطل، وها هم الآن كما رأيتهم أرواحًا، يتصوّر بالتمثيل عيانهم، وتُفض من مدارج الصحف أكفانهم.
* * *
стр. 5825
[شعراء الجانب الشرقي - عصر المؤلف]
وها أنا الآن أذكر من بقي من شعراء الجانب الشرقي ممن هو حي موجود، هم على آثار سبقهم مجدون، ولسلف موتاهم ممدون: [من الكامل]
وما نحن إلا مثلهم غير أننا … أنخنا قليلًا بعدهم وتقدموا
فنسأل الله أن يكشف غطاء قلوبنا، ويرشدنا لما فيه صلاح أمورنا، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
فأما من وعدت بذكرهم من الأحياء الموجودين، فأقول وبالله التوفيق:
ومنهم:
[٢٥٥] عبد العزيز بن سرايا الحلّي، أبو الفضل، صفي الدين (١)
التاجر، ملء فكيه لسان، وحشو لحييه إحسان، وبين جنبيه بحر إلا أنه إنسان،
стр. 5826
ولا لبس برديه شاعر ولكنه حسان. وزن به بلديه الحلي فخفَّ راجح، وقُرنَ به سَلْمٌ فَسَلَّمَ أن الخاسر غير رابح لو نازع الحكمي لحكم له عليه من أجمع، أو السلمي لعلم من منهما أشجع. وله شرف نفس يرى الجوزاء دون مرامه، والبدر أقل من تمامه. أخذ ثأر خاله وقد قُتِلَ قهرًا بيده، وابتزَّ دَمَهُ من مخالب الأسود قسرًا بمهنده، ولم يُنفق سوقه على السوق، ولا لبس عقائله إلا الحرير وحاشاه من السوق. ولم يتخذ من الشعر سببًا، ولا علق لأطماعه بأوتاده طنبًا، ولا رضي لفواضله من فواصله مكسبًا، إلا ما جاء من عفو إنعام الملوك هنيئًا بلا تعب، وهينًا لم يستصعب. أو ما سامح به من حقوق متجره، ويصالح به على ما لا يقوم من جوهره. ووفد على سلطاننا متشرّفًا بمدحه، تشوفًا إلى منحه، فأقبل عليه بفضله ووصله ملء حقيبة رحله. ثم عاد إلى ماردين، مصاحبًا لملوكها الكرماء، مواظبًا لهم دون سائر الندماء. وتردد إلى حماة، أيام الملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل، ثم أيام ابنه الأفضل. وما منهما إلا من كان يعدُّ لوفوده الليالي، ويعد لوروده الذهب ثمنًا للآلي. وهو اليوم باق يمتاح، وحي إليه كل قلب حي يرتاح. ومن شعره الغرد، وسلسله المطرد قوله (١): [من الكامل]
لولاك ما نافقتُ أهلَ مَودَّتي … وظَلِلتُ فيكَ نَفيس عمري أُنفِقُ
وصحبتُ قَومًا لستُ من نظرائِهِمُ … فكأنّني في الطرس سطر مُلحق
وقوله (٢): [من الكامل]
وأغر أدهم ذي حُجولٍ أربع … مُبيَضُها يزهو على مُسوَدِّهِ
خَلَعَ الصباح عليه سائلَ غُرَّةٍ … منه، وقمصه الظلامُ بجِلدِهِ
قلق المراح، فإن تَلاطَمَ خَطوه … ظَنّ المُطارِدُ أَنَّهُ في مَهْدِهِ
أرمي الحصى من حافِرَيه بمثلِهِ … وأروعُ ضَوء الصبح منه بضدّه
وقوله (٣): [من الكامل]
عاتبته، فتضرّجَتْ وجَناتُهُ … وازور ألحاظًا وقَطب حاجبا
فأرابني الخد الكليمُ وطَرفُهُ … ذو النون إذ ذهبَ الغَداةَ مُغاضِبًا
لا غرو أن وَهبَ النّواظر حُظوَةً … من نُورِهِ ودَعاهُ قلبي ناهبا
فمواهب السلطان قد كست الوَرَى … نِعَمًا وتَدعوه القساوِرُ سالِبا
стр. 5827
مُلْكٌ يَرَى تَعَبَ المَكارِمِ رَاحَةً … ويَعُدُّ راحَاتِ القِرَاعِ مَتَاعِبَا
لَمْ تَخْلُ أرضٌ من ثَنائِهِ وإنْ خَلَتْ … من ذِكْرِهِ مُلِئَتْ قَنًا وَقَواضِبَا
تُرجَّى مَوَاهِبُهُ ويُرهَبُ بَطْشُهُ … مِثْلَ الزَّمانِ مُسالمًا ومُحَارِبَا
كَالسَّيلِ يُحْمَدُ مِنْهُ عَذْبًا واصِلًا … ويَعُدُّهُ قومٌ عَذَابًا واصِبا
فإذا نَظَرتَ نَدى يَدَيهِ ورَأيَهُ … لمْ تُلفِ إلا صائِبًا أو صائِبا
وقوله (١): [من الرمل]
شَامَ بَرْقُ الشَّامِ صُبحًا، فصَبَا … وَتَرَاهُ عِشَاءً فَعَشَّا
لاحَ واللَّيلُ بهِ مُكتَهِلٌ … وَجَنينُ الصُّبحِ حَمْلٌ في الحَشَا
وَهِلالُ الأفْقِ يَحْكِي قَوسَهُ … جانِبَ المَرأةِ يَبْدُو من غِشَا
وحَكَى المِرِّيخُ في صَبْغَتِهِ … خَدَّ مَحبوبِ بِلَحْظٍ خَدَشَا
وَسُهَيلٌ مثل قلب خافِقٍ … مُكِّنَ الرُّعبُ به فارتَعَشَا
والثريَّا سَبعةٌ قد أشْبَهَتْ … شَكْلَ لَحَيَانِ بتَحْتِ نُقِشَا
وَوَمِيضٌ غادَرَتْ غُرَّتُهُ … أَدْهَمَ اللَّيلِ صَباحًا أبْرَشَا
وقوله (٢): [من البسيط]
والريحُ تَجري رَخاءً فوقَ بَحْرَتِها … وماؤها مُطلَقٌ في زي مأسور
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها … والماءُ يُجمع فيها جمع تكسير
والريح ترقم في أمواجها شبكًا … والغيمُ يرسم أنواع التصاوير
والماء ما بين مصروف وممتنع … والظلُّ ما بين ممدود ومقصور
والريح قد أطلقت فضل العنان به … والغصن ما بين تقديم وتأخير
والنرجس الغضُّ لم تُغضض نواظره … فزهره بين منفَضٌ ومزرور
كأَنَّهُ ذَهَبٌ من فوق أعمدة … من الزمرد في أوراق كافور
والأقحوان زها بين البهارِ بها … شبه الدراهم ما بين الدنانير
وزامرُ القومِ يَطوينا وينشرُنا … بالنفخ في الناي لا بالنفخ في الصور
وقد تَرنَّم شاد صوتُه غَرِدٌ … كأنّهُ ناطِقٌ من خَلقِ شُحرور
بشامخ الأنف قوام على قدم … يشكو الصبابة عن أنفاس مهجور
شَكَتْ إلى الصحبِ أحشاء … وأضْلُعُهُ قَرضَ المقاريض أو نشرَ المناشير
стр. 5828
والراقصات وقد مالت ذوائبها … على خُصور كأوساط الزنانير
كأن في الشيز يُمناها إذا ضربَتْ … صبحًا تَقَلقَلَ فيهِ قلب ديجور
ترعى الضروب بكفيها وأرجُلها … وتَحفَظُ الأصل من نقص وتغيير
وتُعرِبُ الرِّقَص من لحن فتُلحِقُهُ … ما يَلحَقُ النحو من حذف وتقدير
وحامل الكأس ساجي الطّرفِ ذو هَيَفٍ … صاحي اللواحظ يثني عطفَ مَخمور
يُدير راحًا يَشُبُّ المَرْجُ جُدْوَتَها … فلا يَزيدُ لظاها غير تسعير
نارًا بَدَتْ لكليم الوجد آنسها … من جانب الكأس لا من جانب الطور
وللأباريق عند المَرْجِ لَجَلَجَةٌ … كنُطقٍ مُرتَبِكِ الألفاظ مذعور
كأنها وهي في الأكواب ساكبةٌ … طيرٌ تَرق فراخًا بالمناقير
أقول والرّاح قد أبدتْ فَواقعها … والكأس يُنفُثُ فِيها نَفتُ مَصدُورِ
أسأت يا مازج الكاسات حليَتَها … وهَلْ يُتوج ياقوت ببلور
وقائل إذ رأى الجنّات عالية … والحُورَ مقصورة بين المقاصير
لمن ترى الملك في ذا اليوم قلتُ لهُ … مَقالَ مُنبسط الآمال مسرور
لصاحب التاج والقَصرِ المَشَيد ومَن … أتَى بعَدل برحب الأرض منشور
فقال: تعني به كسرى؟ فقلت له: … كسرى بن أُرتق لا كسرى بن سابور
لا تَفخَرُ الشَّمسُ إلاّ أنّها لَقَبٌ … له، وشبه له في العز والنور
رأت بنو أُرتُقِ نَهجَ الرّشادِ بهِ … وليس كل زنادٍ في الدجى يُوري
كم عُصِبَةٍ مُذ بَدا سُوءُ الخِلافِ بها … بادَتْ بصارم عزم منه مشهور
مشوا كمشي القطا، حتى إذا حمَلوا … ثقلَ القُيود مشوا مشي العصافير
إن كان بالجوسق النعمان ساد، فكم … من جوسق لك بالشعبين معمور
في كلّ مُستَصعَبِ الأرجاءِ قَصدِكُمُ … تُبنى القناطر فيه بالقناطير
لا أدعي العذر عن تأخير قصدِكم … ليس المحب على بعد بمعذور
بل إن غدا طولُ بعدي عن جنابكم … ذنبي العظيم فهذا المدح تكفيري
فاستجل بكر قريض لا صداق لها … سوى القبول وود غير مكفور
على (أبي الطيب) الْكُوفِي مَفخرُها … إذ لم أُضِعْ مِسكَها في مثل (كافور)
رَقَتْ لتُعرِبَ عن رِقّي المَجدِكُمُ … حبًّا وطالت لتمحو ذنب تقصيري
وقوله (١): [من الكامل]
стр. 5829
يا مَنْ يُعير الغُصن لين قوامه … ويغير بدر التم عند كماله
ما حَلَّت الواشونَ ما عَقَد الهوى … تَفَنَى الليالي والغرام بحاله
وقوله (١): [من الكامل]
زوجت أبكار الظبا بنفوسهم … وجعلت أطراف الرماح شهودا
كفروا فآمنت الرؤوس لأنها … خَرَّت لسيفك رُكَعًا وسجودا
وجرت على الخيل الدماء مذالةً … فكأنما كُست به جلودا
بقساورٍ قلّت عديدًا في الوغى … ومن الشجاعة أن تقل عديدا
رفضوا الدروع عن الجسوم وأسبغوا … فوق الجسوم من القلوب حديدا
وقوله (٢): [من الوافر]
ومجلسنا الأنيقُ تُضيء فيه … أواني الراح من وَرَقٍ وعَين
فأطلقنا فم الإبريق فيه … وباتَ الرِّق مغلول اليدين
وشمعَتُنا شبيه سنان تبرٍ … تركب في قناة من لجين
ونحنُ نُزف أعياد النّصارى … بشَطٌ مُحَوّل والرقمتَين
نُوَحْدُ راحنا من شركِ ماء، … ونُولَعُ في الهوى بالمَذْهَبَينِ
وورد كالمداهن من عقيق … وقدّاحٍ كأزرار اللجين
وقوله (٣): [من الطويل]
وبكرِ فَلَاةٍ لَمْ تَخَفْ وَطْء طامث … ولا افتضها من قبل مَهْري ناكح
كشفتُ حِمارَ الصَّونِ عن حُرّ وَجهها … ضُحًى، ولثام الصبح في الشرق طائح
وأنكحتها يقظانَ من نَسلِ لاحقٍ … فأمسَتْ به مع عُقَمِها وهي لاقح
أخوض به بحر الدّجى وهوَ رَاكِدٌ … وأُورِدُهُ حَوض الضحى وهو طافح
وقوله (٤): [من الكامل]
أهلًا بها كالقُضبِ في كُثبانِها … جَعَلتْ شُوَا النّارِ من تيجانها
باحَتْ أسرة وجهها بسرائر … ضاقتْ صُدور الناس عن كتمانها
وقوله (٥): [من السريع]
أهلًا بشهب عند إشراقها … يحكي الدُّجى من نورها الواضح
стр. 5830
يَنضبُ بحرُ الليلِ إِذْ تَعْتَدي … ناهِلَةً من لجه الطافح
كأنما أيماضُهَا عَزمَةٌ … من عزماتِ المَلِكِ الصالح
وقوله (١): [من الخفيف]
يا ضعيف الجُفون أضعفت قلبًا … كانَ قَبلَ الهَوَى قويًّا مَلِيّا
لا تُحارِب بمقلتيكَ فُؤادي … فضعيفانِ يَغلِبانِ قويا
وقوله (٢): [من السريع]
ما زال كحل النوم في مقلتي … من قبل إعراضك والبين
حتى سرقت الغمض من مُقلتي … يا سارِقَ الكحل من العَينِ
وقوله في غلام سلم عليه ابتداء (٣): [من الوافر]
تَنَبّأ فيكَ قلبي فاسترابَتْ … به قومٌ وعَمهُمُ الضَّلال
وصَدّهمُ الهوى أن يؤمنوا بي … وقالوا: إن مُعجزة مُحال
فمُذْ سلَّمتَ سلَّمت البرايا … إليّ، وقيل: كلمه الغزال
وقوله (٤): [من السريع]
ورُبَّ لَيلِ خُضتُ تَيَارَهُ … بأدهم يَسبُقُ جَرِيَ الرِّياح
مُحَجَّلِ الأربع ذي غُرّةٍ … مَيمونةِ الطَّلِعَةِ ذاتِ اتضاح
كأنه قد شَقَّ بحرَ الدّجى … وبعده خاص غدير الصباح
لم تعلم الأبصارُ في جَرِيهِ … قادِمَةٌ خَفَّتْ بهِ أَمْ جَناح
وقوله (٥): [من الوافر]
لحى الله الطبيب لقد تَعَدّى … وجاءَ لقَلع ضرسك بالمُحال
أعاق الظبي في كلتا يَدَيْهِ … وسَلّطَ كَلَبَتين على غزال
وقوله (٦): [من السريع]
قلوبنا مُودَعَةٌ عندكم … أمانَةً يُعجز عن حملها
إنْ لَمْ تَصونوها بإحسانكم … ردوا الأمانات إلى أهلها
وقوله (٧): [من الوافر]
стр. 5831
لعمرك ما تجافي الطيفُ جفني … لفقدِ العُمضِ إِذْ شَطَ المَزار
ولكن زارني من غَيرِ وَعدٍ … على عَجَلٍ فلم يرَ ما يُزارُ
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
عاتبت من أهواهُ في … هَجري وأكثرت الملامه
فأجابني: أقللت حبَّكَ لي … فأبديت الجهامه
فأجبت: إِنَّ كَرامَتي … فرضٌ عليك إلى القيامه
فاجابني: مَنْ لا لَهُ … حُبُّ فليس له كرامه
وقوله (٢): [من الوافر]
وساق من بني الأتراك طفل … آتيه به على جمع الرفاق
أُمَلكُهُ قِيادي وهو رقي … وأفديه بعيني وهو ساقي
وقوله في القلم (٣): [من الوافر]
خَفيُّ الكَيدِ تَعرِفُهُ المَنايا … إذا ما أنكَر السيف النجادا
ترى الأسياف قد مَطَرتْ نَجيعًا … إذا أوداجه قطَرَتْ مِدادا
وقوله (٤): [من المتقارب]
ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام … تصيروا بذلك أعداءهم
لذلك قد قال ربّ العباد … (ولا تسألوا الناس أشياءهم) (٥)
وقوله (٦): [من الكامل]
قال العَذولُ: لم اعتزلت عن الورى … وأقمتَ نفسكَ في المقام الأوهن
ناديت طالب راحة، فأجابني … أتعبتها بطلاب ما لم يُمكِن
وقوله (٧): [من الكامل]
اسمَعْ مُخاطبة الجليس ولا تكن … عَجِلًا بنُطقِكَ قَبلَما تَتَفَهُمُ
لم تعط مع أُذُنَيكَ نُطقًا واحدًا … إلا لتَسمَعَ ضعف ما تتكلّم
وقوله (٨): [من السريع]
стр. 5832
أنا الذي خالفتُ كلَّ الورى … في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرًا … أنمتُهُ ثم تنبَّهْتُ
وقوله (١): [من الخفيف]
ومليح له رقيب قبيح … يتعنى وغيره يتهنى
ليس فيه معنى يُقال ولكن … هو عند النحاة جاء لمعنى
وقوله (٢): [من الوافر]
عَرَضنا أنفُسًا عَزّتْ لدينا … عليكم فاستخف بها الهَوانُ
ولو أنا دفعناها لعَزّتْ … ولكن كلُّ مَجلُوبٍ مُهان
وقوله (٣): [من الوافر]
أتَهجُرُني وما أسلفتُ ذَنبًا … ويَظهَر منكَ زُورٌ وازورار
إذا اختل الخليل لغيرِ ذنب … فلي في عَودِ صُحبَتِهِ الخيار
قلت: انظر إلى هذا الشعر ما أظرفه، وما أرق مزاج كأسه وألطفه. ولقد أحسن إذ قال: فلي في عود صحبته الخيار. إذ كان لا يعرف ما يلجأ إليه وقت الاضطرار، فإن المرء قد يهون عليه قدر البلوى قبل وقوعها، ثم لا يجدها من نفسه إذا وقعت. ولقد تطارف في قوله (٤): [من الوافر]
إذا صدَّ الحبيب لغير ذنب … وقاطعني وأعرض عن وصالي
أُمثّلُهُ وأنكح عند صلحي … بأيرِ الفكر في ثقب الخيال
وقوله (٥): [من الطويل]
تزوج شيخ في جوارٍ صبيَّةً … فلم يستطع غشيانها حين جاءها
ولو أنني بادرتها لتركتها … يُرى قائم من دونها ما وراءها
وقوله في رجل اسمه أحمد، كان يُرمى بأبنة، وهو يدعي حبَّ غلام اسمه عمر (٦): [من المتقارب]
توالت على أحمدٍ أُبنةٌ … فأقبل يشكو إلي الألم
فقلتُ له: إنها فتنةٌ … فنبَّه له عمرًا ثم نم
стр. 5833
وقوله في غلام اسمه لؤلؤ (١): [من الكامل]
وَصَفوك عندي بالجواد فلم أزل … متعجبًا حتى رأيتك تركب
وعجبتُ إذ سمتكَ أُمِّكَ لؤلؤًا … فكأنها علمت بأنك تثقب
وقوله (٢): [من الكامل]
وبه الجواري المنشآتُ كأنّها … أعلام بيد أو فروع قنانِ
نهضت بأجنحة القلوع كأنّها … عند المسير تهم بالطيران
والماء يُسرع في التدفق كلّما … عَجِلَتْ عليه يد النسيم الواني
طورًا كأسنمة القلاص وتارةً … مُتَفَتل كأكارع الغزلان
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
نِسَجَ الغُبار على الجيادِ مَدارِعًا … موصولَةً بمدارع الفرسان
ودمًا بأذيال الدروع كأنّهُ … حَولَ الغَدير شقائِقُ النعمانِ
وفللتَ حَدَّ جموع جموعهم بصوارم … ككراك نافرة عن الأجفان
وقوله (٤): [من الخفيف]
قيل إنّ العقيق يبطل السِّحْرَ … تَختيمه لسر حقيقي
فأرى مُقلَتَيكَ تَنفُثُ سِحرًا … وعلى فِيكَ خاتم من عقيق
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
ورنَّح الرقص منه عطفًا … حفّ به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف … وردفه خارج ثقيل
وقوله (٦): [من الخفيف]
حَرِّضُوني على السلو وعابوا … لكَ وَجهًا بهِ يُعاب البدر
حاش لله ما لعُذرِيَ وَجهٌ … في التّسلّي ولا لوجهك عُذرُ
وقوله (٧): [من البسيط]
وقهوة كوميض البرقِ صافيةٍ … كأنّها من أديمِ الشَّمسِ قد رَشَحَتْ
стр. 5834
رقيقة الجرم يستخفي الزُّجاج بها … كأنّها دون جرم الكأس قد سفحَتْ
باكرتها وعيونُ الشُّهبِ قد غَمِضَتْ … خوفَ الصّباح وعين الشمس قد فُتِحَتْ
وبَشِّرَتْ بوفاة الليل ساجعَةٌ … كأنّها في غَدير الصُّبح قد سَبَحَتْ
مخضوبة الكف لا تَنفَكُ نائحة … كأنّ أفراخها في كَفَّها ذُبَحَتْ
ومنها قوله:
تلوي يداه صفيحَ الهِندِ عن غَضَبٍ … حتى إذا ظفرَتْ عن قُدرَةٍ صَفحَتْ
ما إن تَزالُ مَقاليتًا خَزائِنُهُ … لأنّها بوَليدِ المَالِ ما فَرِحَتْ
أثنت عليه بنو الآمال حينَ غَدا … يُعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت
قالوا: وردنا نداه، قلتُ: عادته … قالوا: وجادت يداه، قلتُ ما برحت
وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تُحرَّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبيء عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلُّ ما أورد منها نادرًا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط. فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كل دم مهراق، وهو (١): [من البسيط]
ما دامَ وَعدُ الأماني غير مُنتَجِز … فطُولُ مَكْثِكَ مَنسُوبٌ إِلى العَجَزِ
هذي المغانم فامدُدْ كفّ مُنتهب … وفُرصةُ الدهر فاسبق سبق منتهز
واغر العدا قبل تغزونا جيوشهم … إنّ الشّجاع إذا مَلَّ الغزاة غُزي
والق العدو بجاش غيرِ مُحترِسٍ … مِنَ المنايا وجيش غير محترز
ما عُذرنا وبنو الأعمام ليس بهم … نَقص ولا في صفاح الهند من عوز
وكلُّ ذي صمم في كَفَّ ذي هِمَم … وكلَّ ذِي مَيس في كَفَّ ذِي مَيَزِ
فاقمع بنا الضد ما دامَتْ أوامِرُنَا … مُطاعَةً، ومعالينا على نَشَرِ
إنَّ الولايَةَ ثَوبٌ قد خُصصت به … جاءَتْ كَفافًا فلم تَفضَلْ ولم تَعِزِ
ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله (٢): [من المتقارب]
وَعَدتَ جَميلًا وأخلَفتَهُ … وذلك بالحُرٌ لا يَجمُلُ
وقلت بأنّك لي ناصر … إذا قابل الجحفل الجحفل
لا يظهرُ العَجزُ منّا عن بلوغ مُنّى … ولو رأينا المنايا في أمانينا
ما أعوزتنَا فَرامينُ نَصُولُ بها … إلاّ جَعَلنا مَواضينا فرامينا
نغشى الخطوبَ بأيدينا فنَدفَعُها … وإنْ دَهَتنا دفعناها بأدينا
ومن غرر محاسنه ودرر قلائده أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي (١): [من الرجز]
دارت على الدوح سلافُ القَطرِ … فَرَنْحَتْ أعطافه بالشكر
ونَبّهَ الوُرْقَ نَسيمُ الفَجرِ … فَغَرّدت فوق الغُصون الخضر
تُغني عن العُودِ وصوت الزمر
تَبَسّمتْ مَباسِمُ الأزهار … وأشرَقَ النوار بالأنوار
وظلَّ عِقدُ الطّلِّ في نِثارِ … وباكَرَتها دِيمُ الأمطار
فكَلّلَتْ تيجانها بالدر
قد أقبلت طلائعُ الغُيومِ … إِذْ أَذِنَ الشتاء بالقدوم
فمذ حداها سائِقُ النّسيمِ … جَفَتْ رُبَى العقيق والعميمِ
وباكرَتْ أرض ديار بكر
أما ترى الغيم الجديد قد أتى … مُبَشِّرًا بالقرب من فصل الشتا
فاعقر همومي بالعقار يا فتى … فتَركُ أيّام الهنا إلى متى؟
وإنّها محسوبَةٌ مِنْ عُمري
فانهض لنهب فرصةِ الزمانِ … فلستَ من فجواه في أمان
واشرب على النايات والمثاني … إنَّ الخريف لربيع ثاني
كأنه بالصرع عيد النحر
هذي الكراكي نحونا قد قَدِمَتْ … َفاقِدَةً لإلفِها قَدْ عَدِمَتْ
لو عَلِمَتْ بما تُلاقي نَدِمَتْ … فانظُرْ إلى أخياطها قد نُظِمَتْ
شبه حروفٍ نُظمت في سطر
تَذكَّرَتْ مربعها فشاقها … فأقبَلَتْ عاملة حاملة أشواقها
تُجيلُ في مطارها أحداقَها … تَمُدُّ مِنْ حنينها أعناقها
لم تَدرِ أنّ مدّها للجزر
стр. 5837
ياسَعدُ كُنْ في حُبّها مُساعدي … فإنّها مُذْ عِشتُ من عوائدي
ولا تَلُمْ من باتَ فيها حاسدي … فَلَوْ تَرَى طير عذار خالد
أقمت في حبّ العذار عُذري
طير بقدرِ أنْجُمِ السّماءِ … مُختَلِفُ الأشكال والأسماء
إذا جَلا الصبح دُجى الظلماءِ … يَلوحُ مِنْ فَوقِ طَفيح الماءِ
شبه نُقوش خلتها في سِترِ
في لجة الأطيار كالعساكر … فهن بين وارد وصادر
جَليلُها ناء عن الأصاغِرِ … مَحدودَةٌ منذ عهود النّاصِرِ
معدودة في أربع وعر
شُبَيطَرٌ ومرزم وكُركي … وصنف تم واوز تُركي
ولعْلَغُ يُشبِهُ لونَ المِسكِ … والكيُّ والعَنازُ يا ذا الشك
ثمّ العُقاب مقرن بالنسر
ويَتبَعُ الغرنوق صِنْفٌ مُبدع … أنيسَةٌ إِنسيّةٌ إِذْ تُصْرَعُ
والصوعُ والحبرج فهنَّ أجمَعُ … خَمس وخمس كملت وأربع
كأنها أيام عُمرِ البَدرِ
باكر إلى دجلة والأقطاع … فإنّها من أحمد المساعي
واعجب لما فيها من الأنواع … من سائر الجليل والمراعي
وضجّة السبق وصوت الخضر
ما بين تم ناهض وواضِعِ … وبَينَ نَسر طائر وواقع
وبين كي خارج وراجِعِ … ونَهضَةِ الطير من المرابع
كأنها أمثالُ غَيم تسري
أما ترى الرماة قد تَرَسمُوا … ولارتقابِ الطير قد تَقَسْمُوا
بالجفت قد تَدَرِّعوا وعُمِّمُوا … لمّا على سَفْكِ دماها صَمِّمُوا
جاؤوا إليها في ثياب حمر
قد فزعوا عن كلّ عُرْبٍ وعَجَم … وأصبحوا بين الفيافي والأكم
من كل نجم بالسعودِ قد نَجم … وكلّ بَدر بشهاب قد رَجَمْ
عن كل محني شديد الظهر
محنيّةٌ في رفعها قد أُدمِجَتْ … أدرَكَها التثقيفُ لَمَّا عُوجَتْ
стр. 5838
قَدْ كُبِسَتْ بيوتُها وسُرِّجَتْ … كأنّها أهِلَّةٌ قَدْ أُخرِجَتْ
بِنَادِقًا مثلُ النّجوم الزُّهرِ
قَدْ جُوِّدَتْ أربابُها مَتاعَها … وأُتعبت في حِزَمِهَا صُنّاعَها
وَهُذِّبَتْ رُماتُها طباعُها … إذا لمست خابرًا أقطاعها
حَسِبتُها ملمومةً من صخر
إذا سَمِعتَ صَرخَةَ الجَوارحِ … تَصبو إلى أصواتها جوارحي
وإن رأيتُ أجَمَ البطائح … ولم أكن ما بَينَها بِطائِحِ
يضيقُ عن حمل الهموم صدري
من لي بأني لا أراك سائحا … بين المرامي غاديًا ورائحا
لو كان لي دهري بذاك سامحا … فالقُرب عندي أن أبيت نازحا
أقطع في البيداء كل قفر
نَذَرْتُ للنفس إذا تمّ الهَنا … وزُمِّتِ العيس لإدراك المنى
أن أقرن العز لديها بالغِنَى … فمذ رأت أن الرحيل قد دنا
فطالبتني بوفاء نذري
تقول لي لما جفاني غُمضي … وأنكرت طول مقامي أرضي
وعاقني صرف الردى عن نهضي … ما لليالي أُولِعَتْ بخَفضِي
كأنّها بَعضُ حُروفِ الجر
فامض ركابَ العَزم في البيداء … وازور بالعيس عن الزوراء
ولا تُقِم بالموصل الحدباء … إن شهاب القلعة الشهباء
يحرق شيطان صُروف الدهر
نجم به الأنامُ تَسْتَدِلُّ … مَنْ عَرِّ في حِماهُ لا يَذِلُّ
في القر شمس والمصيفُ ظِلُّ … وَبْلٌ على العُفاةِ مُستَهِلُّ
أغنى الأنام عن هتون القطر
وقال في الفهد (١): [من الرجز]
ويوم دجن معلمِ البُردَينِ
سماؤه بالغَيم في لونين
стр. 5839
كأنها وقد بَدَتْ للعين
فيروزجٌ يَلمَعُ باللجين
قضَيتُ فيه بالسرور ديني
وسِرْتُ أفلي مفرق الشعبين
بأدهم مُحجَّلِ الرّجلين
سبط الأديم مطلق اليدين
خصب القَطَاةِ ماحل الرسغين
وسرب وحش مُذْ بَدالعَيني
عارضتُهُ في مُنتَهَى السفحين
بارقط مُخَطَّطِ الأَذْنَينِ
ناتي الجبين أهرَتِ الشدقين
أفطس سبط الشعر صافي العين
يَنْظُرُ في الليل بجمرتين
ذي كَحَل سال من العينين
فخط لامين على الخدين
مُحَدَّدِ النّابَين والفرين
كأنّما يكشِرُ عن نَصلَينِ
ليس لها عَهد بضَربِ قَينِ
رقيق لحم الزند والساقين
ذي ذنب أملس غير شين
فخاتَل السرب بخُطوتين
وأردف الخطو بوثبَتَينِ
فكانَ فيها كغُراب البين
فَرِّقَها قَبْلَ بلوغ الحين
ونال منها أعفر المتنين
أجيد مصقول الإهاب زين
جَدّلهُ في مُلتَقَى الصفين
ولم يَحُل ما بَينَهُ وبَيني
стр. 5840
نِلتُ بمُهري وبه كفلين
يالهماللصّيدِ عُدْتَينِ
لا يحسنُ اللّهوُ بِغَيرِ ذَينِ
وقال في ذلك (١): [من الرجز]
وليلة في طول يوم العرض
سماؤها من دُكْنَة كالأرضِ
مخضت فيها العيش أي مخض
وفُرْتُ فيها بالنعيم المَحْضِ
وغض جفن الدهر أي غض
فبت من صروفه أستقضي
أرفَعُ قَدر عيشتي بالخفض
لا أكحل الجفن بها بغمض
مع كل ساق كالقضيب الغض
يدير راحًا بالسرور يقضي
ساطعة كالبرق عند الومض
حتى إذا آن قضاء الفرض
وشُقَّ جَيب الفلق المبيض
عرضتُ خَيلي فأجدتُ عرضي
واخترت منها سابقًا لي يُرضي
يفوتُ لمح الطرفِ حين يمضي
كأنما الأرض به في قبض
لا فَرْقَ بينَ طُوله والعرض
جعلته وقاية لعرضي
ثمّ غَدوتُ لمرامي أقضي
من كل سرب شارد منقض
بأرقط الظهرِ صَقيلٍ بَضِ
стр. 5841
كسِبَج في ذهب مرفض
أهرت رحب الصدر نائي الغمض
مستثقل الشلو خفيف النهض
عريض بسط الكف عند القبض
مدرب النّابِ لغَير عض
منتصب الأذنين عند الركض
فخاتل السرب بغيرِ وَفض
مُنخَفِضًا للختل أيَّ خَفضِ
مصافحًا بالبطن ظهر الأرض
يَجُسُّها بالكف جس النبض
حتى إذا أمكن قرب البعض
عاجلها كالكوكب المنقض
فعانق الأكبر عند النهض
عناق ذي حبّ لرَبِّ بُغضِ
فها منه العَظمَ عندَ النَّهَضِ
ورض منه الصَّدرَ أَيَّ رَضِ
فقمتُ أسعى خيفَةً أن يقضي
خضبت كفّي بالدم المرفض
أرضيته من نحره ببرض
وعُدت مسرورًا بعيش مرضي
راض من الدهر بمالي يقضي
أغض عن زلاته وأغضي
وقال فيه (١): [من الرجز]
وأهرت الشدقين محبوك المطا
محدد الأنياب مرهوب السطا
стр. 5842
أفطس تبري الإهاب أرقطا
كلُونَ تبر بمداد نُقطا
البَسَهُ الخالق حُسنًا مُفرِطا
وخط في الخَدَّينِ منهُ خُططا
مُستثقل الجسمِ خَفيف إن خطا
مجرب الإقدام مأمون الخطى
يَسبُقُ في إرسالِهِ كُدر القطا
أضحى على قنيصِهِ مُسَلَّطا
حتى إذا من العقال نشطا
وفي لنا فعلًا بما قد شرطا
قلتُ وقد بت به مُغتَبِطا
والشَّلو من قَنيصِهِ مُعتَبَطا
بذاك أم بالخيل تعدو المرطى
وقال يصف الكلب (١): [من الرجز]
وأخطل من الكلاب أعل
يُخال مرحوضًا وإن لم يُغسل
أعصم مثل الفرس المحجل
مختصر الشلو ثقيل المحمل
منفسح الهامة ناتي المقلِ
آذانه كالسوسن المهدل
منسرح الزور فسيح الكلكلِ
منهضم الخصر عريض الكفل
ذي أيطل خال ومتن ممتلي
خصيب أعلى العضد محل الأسفل
قصير عظم الساعد المفتل
مقتصر الأيدي طويل الأرجل
стр. 5843
مزدحم الأطفارِ ثبت العَضَل
ذي ذنب سبط قصير أفتل
أملس في دقته كالمغزل
يبيتُ غضبان إذا لم يرسل
قيد الأراوى وعقال الأيل
رُعْتُ به سرب الظباء الجُفَّل
فاعتصمت منه بأعلى الجبل
حتى إذا انقض انقضاض الأجدل
فما ارتضى منها بدون الأول
غادره مجندلًا في الجندل
فظل صحبي في نعيم مقبل
لهم غريض لحمه والشكر لي
وقال في صيد النعام (١): [من الرجز]
ورُبّ يوم أدكن الام
مُمتزج الضّياءِ بالظلام
سرنا به لقنص الآرام
والصبح قد طوّح باللثام
كراقِدٍ هَبَّ من المَنامِ
بضُمّرٍ طامية الحوامي
معتادة بالر والإقدام
تُحجِمُ في الحرب عن الإحجام
حتى إذا أن ظهور الجام
والبر بالآل كبحر طامي
عن لنا سرب من النعام
مشرفة الأعناق كالأعلام
فاغرة الأفواءِ للهيام
стр. 5844
كأينُقٍ فَرّتْ من الزمامِ
وحش على مثنى من الأقدام
مِلْ طيرِ تُدعى وهي كالأنعام
تطير بالأرجل في الموامي
كأنّما أعناقها السوامي
أراقم قد قمن للخصامِ
فحينَ هَمّ السرب بانهزام
الحِمَتِ القِسِّيُّ بالسهام
وأُرسلَ النَّبلُ كوبل هامي
فعن رأَلٌ عارض أمامي
كأنما دُرّعَ باللام
نِيطَتْ جَناحاه بعنق سامي
كأنها في حُسنِ الالتئام
هاء شقيق وصلت بلام
عارضته تحت العجاج النامي
بسابق ينقض كالقطامي
خلو العنان مفعم الحزام
يكاد يلوي حلق اللجام
ذي كفل راب وشدق دامي
وصفحَةٍ ريّا ورسغ ظامي
فحين وافى عارضًا قدامي
أثبت في كلكله سهامي
فمَرَقتْ في اللحم والعظام
فَخَر مصروعًا على الرُّغام
قد ساقه الخوف إلى الحمام
فأعجب الصحبَ بِهِ اهتمامي
حتى اغتدى كل من الأقوام
يقول: لا شُلَّتْ يمين الرامي
стр. 5845
وقال يصف فرسًا أدهم محجلًا (١): [من البسيط]
وأدهم يققِ التحجيل ذي مرّحٍ … يَميسُ من عُجبه كالشَّارِبَ الثَّمل
مُطهَّم مُشْرِفِ الأَدْنَينِ تَحْسَبُهُ … موكَّلًا بارتقاب السمع عن زُحَلَ
ركبت منه مطاليل تسيرُ بِهِ … كواكبٌ تُلحق المحمول بالحَمَل
إذا رَمَيتُ سِهامي فوقَ صَهوتِهِ … مَرَّتْ بهاديه وانحطت على الكَفَلِ
قلت: وهذا معنى ظنَّهُ أبا عُذرته، وهو لابن السراج. ولقد اجتمعنا ليلة نحن، وهو عند شيخنا شهاب الدين محمود، ودار بيننا في هذا ما ليس هذا موضعه، إلا أنه لم يسعه الجحود.
عدنا إلى ذكره فنقول، وله (٢): [من الكامل]
شكرتك عني شاردات قصائد … بصنائع فاهت بشكر صنائع
تنفي الحداة بها عن الجفن الكرى … وتخيط من طرب جفون السامع
وله (٣): [من الوافر]
غَدًا رَجَبٌ يؤمِّنُ حينَ أدعُو … المَجدِكَ أن يزيد به ارتقاء
أَصَمَّ ظَلَّ مُستَمِعًا دُعائي … فَها أنا أُسمعُ الصُّمَّ الدعاء
وله (٤): [من الطويل]
قدمت، وقد لاح الهلالُ مبَشِّرًا … بعَودِكَ، إِنَّ السعد فيه قرينه
ويُخبر أن النصر فيهِ مُقَدَّرٌ … ألم تَرَهُ قد لاح في الغَربِ نُونُه
وله (٥): [من الكامل]
قوم يُعِزّونَ النّزيل، فطالما … بَخِلَ الحَيا، وأكُفَّهم لم تبخل
يفنى الزَّمانُ وفيه رونَقُ ذِكرِهم … كبلَى القميص، وفيهِ عَرفُ المَندَل
قلت: هذا هو العذب المنسجم الذي لا كلفة عليه، ولا تقعر فيه. قوي التركيب، حسن الأساليب، لا كما رغب فيه أهل العصر من حب اللين الذي لا يتماسك رغبة في التورية، التي لا تسع أفهامهم سواها من البديع، ولا تعرف غيره من الحسن.
عدنا إلى تتمة مختاره.
ومنه على مذهب المديح، قوله (٦): [من البسيط]
стр. 5846
يُقَبِّلُ الأرض عبد تحتَ ظِلُّكُمُ … عَليكُمُ بَعدَ فضلِ اللهِ يَعْتَمِدُ
ما دارُ مَيّة من أسنى مطالبِهِ … يومًا، وأنتُمْ له العلياء والسند
وله (١): [من الخفيف]
حَرَّضُوني على السلو وعابوا … لكَ وَجهًا بهِ يُعاب البدر
حاش لله ما لعذريَ وَجهُ … في التسلّي ولا لوجهك عُذرُ
وله (٢): [من الطويل]
وخل دعاني للصبوح أجَبتُه … وقلتُ له: أهلًا وسهلًا ومرحبا
وأبرزها صفراء تحسب كأسَها … غِشاءً من البَلُّورِ يَحْمِلُ كَهربا
وله (٣): [من الطويل]
وراح لها طبع كعكس حروفها … تصير ضيق الصدر من حرِّها رحبا
إذا لمعت في الليل غرَّةُ وجهها … تصيّرُ دُهم الليل من نورها شهبا
وله (٤): [من الخفيف]
قد أتانا الربيع والزهرُ يُبدي … لهبًا خلته مشاعل جمر
وبدا النرجس المحدق يحكي … شائبًا فوق رأسه طاس تبر
وله (٥): [من المديد]
وشدت في الدوح صادحة … بضروب السجع والمُلح
كلما ناحت على شجنٍ … خلتها غنت على قدح
وله (٦): [من الوافر]
وراح في لجين الكأسِ تَحكي … بصفرة لونها ذوب النضار
وقد عَقَد الحباب لها نطاقًا … لمعصَم كأسها شبة السوار
وله (٧): [من البسيط]
قد مَرَّ لي ليلة بالدير صالحةٌ … مع كل ذي طلعة بالبدرِ مُشتبه
стр. 5847
وقد عَزَمتُ بأن أغشاهُ ثانيةً … فهَل تُعينُ على غَيْ هَممتُ بهِ
وله (١): [من الوافر]
ولما شاقنا نظم بديع … وقد أرخى المدام لنا نقابا
جعلنا الماء شاعرنا فلما … جرت في فكره نظم الحبابا
وله (٢): [من الخفيف]
إن أكن قد جَنَيتُ في السكر ذنبًا … فاعفُ عني يا راحة الأرواح
أي عقلٍ يبقى هناكَ لِمثلي … بينَ سُكر الهوى وسكر الراح
قلت: وهذا وإن كان متداولًا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه.
ومن بقية ما له قوله (٣): [من المنسرح]
قد أضحك الروض مدمعُ السُّحبِ … وتَوّجَ الزّهر عاطل القُضُبِ
وقهقة الورد للصبا فغَدًا … تَملأُ فاهُ قُراضَةُ الذَّهَبِ
وأقبلت بالربيع مُحدِقَةً … كتائب لا تُخلّ بالأدب
فغُصنُها قائمٌ عَلى قَدَم … والكرم جاب له على الرُّكَبِ
وقوله (٤): [من المتقارب]
وللنرجس الغَضّ ما بَينَنا … وُجُوهٌ بِحَضرَتنا ناضره
كأن تَحَدُّقُ أزهارها … عيون إلى ربها ناظره
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
جدتَ بخَطَّ بِغَيرِ وَجهِ … وذاك حال علي يبطي
وليس ذا مذهبي، ولكن … أُريدُ وَجهًا بِغَيرِ خَط
وقوله (٦): [من الطويل]
عذرتُكَ إذ حالت خلائقُكَ التي … أطلت بها باعي وقصرت آمالي
لأنك دنياي التي هي فتنتي … فلا عَجَبٌ ألا تدوم على حال
стр. 5848
وقوله (١): [من السريع]
يا مالكًا أصبحَ لي صارمًا … أُعِدُّهُ يومَ الوَغَى للضراب
حاشاك أن ترضى بقولِ العِدًا … سَيفُكَ هذا لا تَفُلُّ القراب
وقوله (٢): [من الخفيف]
يا مُهيني عند المغيب ومُبدٍ … مع حضُوري خضوع عبد المولى
لا تَقُمْ لي مع التقاعُدِ عَنِّي … فقيامُ النفوس بالود أولى
وقوله (٣): [من الكامل]
حالي وحالك كالهلال وشَمسِه … مُذ أكسبته النور في إشراقه
فإذا نأى عنها حظي بكَمالِهِ … وإذا دنا منها رُمي بمحاقِهِ
وقوله (٤): [من الكامل]
لما استعرتُ من المُهذَّبِ جُوخَةً … وَلّى وأولاني جفًا وصُدُودًا
حاولتها عاريةً مَردودَةً … فَرَجَعتُ منها عاريًا مردودا
وقوله (٥): [من البسيط]
إنَّ البُخَيري من فارقتُموهُ غَدًا … يَسفي الرماد على كانونه الحرب
لو شئتُمُ أَنَّهُ يُمْسِي أَبا لَهَبٍ … جاءت بغالُكُمُ حَمَالَةَ الحطب
وقوله (٦): [من السريع]
سألتكمُ رَدّ جوابي فكم … يدلكم من قبلها عندي
فقلدونا منّةً واعجبوا … من سائل يقنع بالرد
وقوله (٧): [من المتقارب]
تركت إجابة كُتبي إليكَ … لَحَقِّ يَشَبّه بالباطل
لأني سألتُكَ رَدّ الجَوابِ … ولا تعرِفُ الرّد للسائل
وقوله (٨): [من الخفيف]
كنتُ أخشَى عَدَلَ العَواذِلِ حتى … صِرتَ مُستثقلًا لرد جوابي
فتركت التثقيلَ في بَعثِ كُتبي … واستراحَتْ عواذلي من عتابي
стр. 5849
وقوله في ذم ماطل للوعود (١): [من البسيط]
لما تطاول بي إفراط مَطلِكَ لي … وضاعَ وَقتي بَينَ العُذْرِ والعَذَلِ
أيقنت أن لست إنسانًا لبطئِكَ ذا … لقولِهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢)
وقوله في طبيب يدعى إسحاق (٣): [من الطويل]
مباضع إسحاق الطبيب كأنّها … لها بفَناء العالمين كفيل
مُعوَّدَةٌ ألا تُسَلِّ نِصَالُها … فتُغمَدَ حتى يُستَباحَ قَتيل
وقوله: [من الكامل]
إني مدحتك كي أُجيد قريحتي … وعلمتُ أَنَّ المدح فيك يضيع
لكن رأيتُ المسك عند فساده … يدنوه من بيت الخلا فيضوع
وقوله: [من الكامل]
صدقوا بأنَّ النَّجمَ مُحْتَشِمُ … بالمالِ لا بالفضل والخطر
لكنه مع فرط حشمَتِهِ … كقميص يوسف قُدَّ من دُبُرِ
قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بَرْيَ المُدى، وقَرْضُ المقاريض على طول المدى. لقد أكل، عرضه وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزقه كل ممزق. وبمثل هذا تطير السمع، ويضحك الأعداء.
عُدنا إلى قوله.
ومنه (٤): [من الخفيف]
طفلةٌ غضة الحياء من … الدَّل ولكن خدودها جمريه
هي مع حسنها حريرية الجس … ـم ولكن أشفارها صوفية
وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.
عدنا.
وقوله (٥): [من الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها … وقلتُ لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خُلقي بالرضا … ولم يعلُ من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأتِ … وذاك ضراط لم يتم له نضج
وقوله (٦): [من الكامل]
стр. 5850
ولقد تعاطيتُ اللواط فلم أجد … علقًا لأقسام الصناعة يكمل
بل ضاع بينهما الصواب فواسع … يخرًا علي وضيق لا يدخل
وقوله (١): [من الطويل]
ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشة … (كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من عل) (٢)
فقلتُ لها مهلًا إذا رمتِ عودَةً … (وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي) (٣)
فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.
عدنا.
وقوله في عمر (٤): [من السريع]
أنا الذي خالفت قول الورى … في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرًا … أنمته ثم تنبهتُ
وقوله (٥): [من الطويل]
ولم أر كالمحبوب ليلةَ وصله … وقد راضَه لومي له وعتابيا
إذا كان غضبانًا لقيني بوجهه … وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا
وقوله (٦): [من الطويل]
تعلمتُ فعل الخيْرِ من غَيْرِ أهله، … وهذب نفسي فعلهم باختلافه
أرى ما يسوء النفس من فعل جاهل، … فأخُذُ في تأديبها بخلافه
قلت: وهذا مبتذل، إلا أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب مطلعها.
عدنا إلى قوله.