يُقَبِّلُ الأرض عبد تحتَ ظِلُّكُمُ … عَليكُمُ بَعدَ فضلِ اللهِ يَعْتَمِدُ
ما دارُ مَيّة من أسنى مطالبِهِ … يومًا، وأنتُمْ له العلياء والسند
وله (١): [من الخفيف]
حَرَّضُوني على السلو وعابوا … لكَ وَجهًا بهِ يُعاب البدر
حاش لله ما لعذريَ وَجهُ … في التسلّي ولا لوجهك عُذرُ
وله (٢): [من الطويل]
وخل دعاني للصبوح أجَبتُه … وقلتُ له: أهلًا وسهلًا ومرحبا
وأبرزها صفراء تحسب كأسَها … غِشاءً من البَلُّورِ يَحْمِلُ كَهربا
وله (٣): [من الطويل]
وراح لها طبع كعكس حروفها … تصير ضيق الصدر من حرِّها رحبا
إذا لمعت في الليل غرَّةُ وجهها … تصيّرُ دُهم الليل من نورها شهبا
وله (٤): [من الخفيف]
قد أتانا الربيع والزهرُ يُبدي … لهبًا خلته مشاعل جمر
وبدا النرجس المحدق يحكي … شائبًا فوق رأسه طاس تبر
وله (٥): [من المديد]
وشدت في الدوح صادحة … بضروب السجع والمُلح
كلما ناحت على شجنٍ … خلتها غنت على قدح
وله (٦): [من الوافر]
وراح في لجين الكأسِ تَحكي … بصفرة لونها ذوب النضار
وقد عَقَد الحباب لها نطاقًا … لمعصَم كأسها شبة السوار
وله (٧): [من البسيط]
قد مَرَّ لي ليلة بالدير صالحةٌ … مع كل ذي طلعة بالبدرِ مُشتبه
стр. 5847
وقد عَزَمتُ بأن أغشاهُ ثانيةً … فهَل تُعينُ على غَيْ هَممتُ بهِ
وله (١): [من الوافر]
ولما شاقنا نظم بديع … وقد أرخى المدام لنا نقابا
جعلنا الماء شاعرنا فلما … جرت في فكره نظم الحبابا
وله (٢): [من الخفيف]
إن أكن قد جَنَيتُ في السكر ذنبًا … فاعفُ عني يا راحة الأرواح
أي عقلٍ يبقى هناكَ لِمثلي … بينَ سُكر الهوى وسكر الراح
قلت: وهذا وإن كان متداولًا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه.
ومن بقية ما له قوله (٣): [من المنسرح]
قد أضحك الروض مدمعُ السُّحبِ … وتَوّجَ الزّهر عاطل القُضُبِ
وقهقة الورد للصبا فغَدًا … تَملأُ فاهُ قُراضَةُ الذَّهَبِ
وأقبلت بالربيع مُحدِقَةً … كتائب لا تُخلّ بالأدب
فغُصنُها قائمٌ عَلى قَدَم … والكرم جاب له على الرُّكَبِ
وقوله (٤): [من المتقارب]
وللنرجس الغَضّ ما بَينَنا … وُجُوهٌ بِحَضرَتنا ناضره
كأن تَحَدُّقُ أزهارها … عيون إلى ربها ناظره
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
جدتَ بخَطَّ بِغَيرِ وَجهِ … وذاك حال علي يبطي
وليس ذا مذهبي، ولكن … أُريدُ وَجهًا بِغَيرِ خَط
وقوله (٦): [من الطويل]
عذرتُكَ إذ حالت خلائقُكَ التي … أطلت بها باعي وقصرت آمالي
لأنك دنياي التي هي فتنتي … فلا عَجَبٌ ألا تدوم على حال
стр. 5848
وقوله (١): [من السريع]
يا مالكًا أصبحَ لي صارمًا … أُعِدُّهُ يومَ الوَغَى للضراب
حاشاك أن ترضى بقولِ العِدًا … سَيفُكَ هذا لا تَفُلُّ القراب
وقوله (٢): [من الخفيف]
يا مُهيني عند المغيب ومُبدٍ … مع حضُوري خضوع عبد المولى
لا تَقُمْ لي مع التقاعُدِ عَنِّي … فقيامُ النفوس بالود أولى
وقوله (٣): [من الكامل]
حالي وحالك كالهلال وشَمسِه … مُذ أكسبته النور في إشراقه
فإذا نأى عنها حظي بكَمالِهِ … وإذا دنا منها رُمي بمحاقِهِ
وقوله (٤): [من الكامل]
لما استعرتُ من المُهذَّبِ جُوخَةً … وَلّى وأولاني جفًا وصُدُودًا
حاولتها عاريةً مَردودَةً … فَرَجَعتُ منها عاريًا مردودا
وقوله (٥): [من البسيط]
إنَّ البُخَيري من فارقتُموهُ غَدًا … يَسفي الرماد على كانونه الحرب
لو شئتُمُ أَنَّهُ يُمْسِي أَبا لَهَبٍ … جاءت بغالُكُمُ حَمَالَةَ الحطب
وقوله (٦): [من السريع]
سألتكمُ رَدّ جوابي فكم … يدلكم من قبلها عندي
فقلدونا منّةً واعجبوا … من سائل يقنع بالرد
وقوله (٧): [من المتقارب]
تركت إجابة كُتبي إليكَ … لَحَقِّ يَشَبّه بالباطل
لأني سألتُكَ رَدّ الجَوابِ … ولا تعرِفُ الرّد للسائل
وقوله (٨): [من الخفيف]
كنتُ أخشَى عَدَلَ العَواذِلِ حتى … صِرتَ مُستثقلًا لرد جوابي
فتركت التثقيلَ في بَعثِ كُتبي … واستراحَتْ عواذلي من عتابي
стр. 5849
وقوله في ذم ماطل للوعود (١): [من البسيط]
لما تطاول بي إفراط مَطلِكَ لي … وضاعَ وَقتي بَينَ العُذْرِ والعَذَلِ
أيقنت أن لست إنسانًا لبطئِكَ ذا … لقولِهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢)
وقوله في طبيب يدعى إسحاق (٣): [من الطويل]
مباضع إسحاق الطبيب كأنّها … لها بفَناء العالمين كفيل
مُعوَّدَةٌ ألا تُسَلِّ نِصَالُها … فتُغمَدَ حتى يُستَباحَ قَتيل
وقوله: [من الكامل]
إني مدحتك كي أُجيد قريحتي … وعلمتُ أَنَّ المدح فيك يضيع
لكن رأيتُ المسك عند فساده … يدنوه من بيت الخلا فيضوع
وقوله: [من الكامل]
صدقوا بأنَّ النَّجمَ مُحْتَشِمُ … بالمالِ لا بالفضل والخطر
لكنه مع فرط حشمَتِهِ … كقميص يوسف قُدَّ من دُبُرِ
قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بَرْيَ المُدى، وقَرْضُ المقاريض على طول المدى. لقد أكل، عرضه وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزقه كل ممزق. وبمثل هذا تطير السمع، ويضحك الأعداء.
عُدنا إلى قوله.
ومنه (٤): [من الخفيف]
طفلةٌ غضة الحياء من … الدَّل ولكن خدودها جمريه
هي مع حسنها حريرية الجس … ـم ولكن أشفارها صوفية
وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.
عدنا.
وقوله (٥): [من الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها … وقلتُ لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خُلقي بالرضا … ولم يعلُ من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأتِ … وذاك ضراط لم يتم له نضج
وقوله (٦): [من الكامل]
стр. 5850
ولقد تعاطيتُ اللواط فلم أجد … علقًا لأقسام الصناعة يكمل
بل ضاع بينهما الصواب فواسع … يخرًا علي وضيق لا يدخل
وقوله (١): [من الطويل]
ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشة … (كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من عل) (٢)
فقلتُ لها مهلًا إذا رمتِ عودَةً … (وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي) (٣)
فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.
عدنا.
وقوله في عمر (٤): [من السريع]
أنا الذي خالفت قول الورى … في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرًا … أنمته ثم تنبهتُ
وقوله (٥): [من الطويل]
ولم أر كالمحبوب ليلةَ وصله … وقد راضَه لومي له وعتابيا
إذا كان غضبانًا لقيني بوجهه … وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا
وقوله (٦): [من الطويل]
تعلمتُ فعل الخيْرِ من غَيْرِ أهله، … وهذب نفسي فعلهم باختلافه
أرى ما يسوء النفس من فعل جاهل، … فأخُذُ في تأديبها بخلافه
قلت: وهذا مبتذل، إلا أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب مطلعها.
عدنا إلى قوله.
стр. 5851
ومنه (١): [من المنسرح]
من لم تَضُمّ الضيوف ساحتُهُ … فسِترُهُ أن تَضُمّه الحفره
ومن غدا عرضه المهلب في النا … س غدا وجهه أبا صفره
وقوله (٢): [من الكامل]
عجبًا لفودي بعد فقد شبيبتي … وكأنّ ضوء الشيب فيه ظلامُ
لما نَضَتْ عَنْهُ الليالي صِبعَها … خلعت عليه ضياءها الأيام
وقوله (٣): [من السريع]
لا غَرْوَ أن قص جناحي الردى … فعُذْرُهُ في فعله واضح
يضرب عن ذي النقص صفحًا ولا … يُقَصُّ إلا الدرهم الراجح
قلت: والأشبه بهذا أن يكون قول ملك متظلم أعيا لحاقه القرناء، وعنى بعده الأمثال، فوقفوا وجرت سلاهيه، وَتَصَنَّعوا وأتت طبعًا مواهبه، تلتهب ذكاؤه والخلق تغشاه، وينهب نائله والأسد تخشاه رأى نفسه فوق الجوزاء، وخدين الشهب الأغراء.
قد جعل للآمال مألفًا، وللآمال ملتفًا، يسدي الرفد إلى أربابه، ويحسب المجد من آرابه، فبلي بداهية الدهر وشنعاء الحادث النكر، وقدم عليه من لا يدرك أدنى شوطه إذ يسعى على مهل، ولا تقمص بخلق جلبابه إلا إذا فضل. فلم يجد إلا تنفس الصعداء، ويتحمل الداء. لا يقعده إذا بدر إلا سابق، القدر، وإلا فهو أوثب من أرقم، وأمر إذا غضب من علقم. لو قد قام لاقتادَ دُهم الليل في رسنه واخضر الشجر مخبلًا بوسنه، ولكنه فردد لا يغالب، وسؤدد هدر ما ثم من به يطالب.
عدنا إليه.
قال أيضًا في البازي (٤): [من الرجز]
قد ارتدى ذيل الصباح الأكهب
والصبح مثل الماء تحت الطحلب
مثَقَّل الكف بباز أشهب
مُنتَصِب القامة سامي المنكب
ذي عُنُقٍ خَصب ورأس مجدب
стр. 5852
عيونه مثلُ الجُمان المُذهَبِ
قد بدلَتْ من سَبَ بكَرَبِ
محدد المنسر شينِ المِخلَبِ
حتف الحبارى وعقال الأرنب
مُهَذَّبِ الخُلق قليل الغَضَبِ
يرتاح للعود وإن لم يُطلب
كفاضل حاول حفظ المنصب
وقال (١): [من الطويل]
سوابقنا والنقع والسُّمَرُ والظَّبى … وأحسابنا والحلم والبأس والبشر
هبوب الصَّبا والليل والبرقُ والفَضا … وشمس الضحى والطود والنار والبحر
وقوله، وفيه استخدامان (٢): [من الطويل]
لَئِنْ لم أَبَرْقِع بالحيا وَجْهَ عِنّتي … فلا أشبَهَته راحتي في التكرّم
ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوَغَى … إذا أنا لم أغضضه عن رأي مَحرَمِ
وقال (٣): [من الكامل]
ولقد أسير على الضلالِ ولم أقل … أينَ الطريق وإن كَرِهْتُ ضَلالي
وأعاف تسأل الدليل تَرَفُّعًا … عَنْ أَنْ يَفوه فمي بلفظ سُؤال
وقال (٤): [من الطويل]
ولائي لآل المصطفى عقدُ مَذهَبي … وقلبي مِنْ حبّ الصحابةِ مُفعَمُ
وما أنا مِمَن يستجيزُ بحُبِّهِمْ … مَسَبَّةَ أقوام عليهم تقدَّموا
ولكنني أعطي الفريقين حقهم … وربي بحال الأفضلية أعلَمُ
فمَنْ شاءَ تعويجي فإنّي مُعوَّجٌ … ومَن شاءَ تقويمي فإنّي مُقَوَّمُ
وقال: [من الكامل]
لما رأت علياك أني كالذي … أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارم … فنداك لي صلة وأنت العائد
وقال (٥): [من مجزوء الكامل]
стр. 5853
ولقد ذكرت القرب منـ … ـك وطيب أيامي الخوالي
فطفقت أصفُقُ راحتي … وعندَ صَفقهما مقالي
كيف السبيل إلى سُعا … د ودونَها قلل الجبال
وقال (١): [من الطويل]
وعُود به عاد السرور لأنّهُ … حوَى اللّهوَ قدمًا وهو رَيَّانُ ناعم
يُغَرِّبُ في تغريده وكأنّهُ … يُعيدُ لَنا ما لَقْنَتهُ الحمائم
وقال (٢): [من السريع]
عُودٌ حَوَى في الروض أعواده … كل المعاني وهوَ رَطْب قويم
فحاز شدو الورق في سجعه … ورقة الماء ولطف النسيم
وقال في جملة وصف رسالة (٣): [من المتقارب]
فكم بكرِ معن حو طرسُها … وإن كان في حُسْنِ لفظ الغواني
إذا ما شققت صدور البيوتِ … وجدت بهن قلوب المعاني
وقال من أبيات (٤): [من الكامل]
وشدت فأيقظت الرقود بشدوها … وأعارت الأيقاظ طيب رقودها
خود شدت بلسانها وبنانها … حتى تشابه ضربها بنشيدها
وكأن نغمة عودها في صوتها … وكأن رقّة صوتها في عودها
إنِّي لأحسد عودها إن عانقت … عطفيه أو ضمته بين نهودها
وأغار من لثم الكؤوس لثغرها … وأذوب من لمس الحلي لجيدها
وقال (٥): [من الوافر]
ومجلس لذة أمسى دُجاهُ … يُضيءُ كَأَنَّهُ صُبح مُنير
تَجمّع فيه مشمومٌ وراح … وأوتار وولدان وحور
تلذذت الحواس الخمسُ فيه … بخمس يُستَتم بها السرور
فكانَ الضّم قسم اللمس فيه … وقسم الذوق كاسات تدور
стр. 5854
وللسمع الأغاني والغواني … لأعيننا وللم البخُور
وقال في إبريق (١): [من الوافر]
وإبريق له بطنُ عَجيب … إذا ما أُرسلت منه السلاف
كتمتام تلجلج في حديث … يردِّدُ لَفظه والتاء قاف
وقال في رواقص (٢): [من البسيط]
بحر من الحسن لا ينجو الغريق به … إذا تلاطم أعطاف بأعطاف
ما حركته نسيمُ الرّقص من مرح … إلا وماجت به أمواج أرداف
وقال: [من الوافر]
ليَهنِكَ أنْ لي وَلَدًا وعَبدًا … سَواءٌ في المقال وفي المَقامِ
فهذا سابق من غَيرِ سين … وهذا عاقل من غَيرِ لامِ
وقال في باب (٣): [من المتقارب]
وباب إذا أمه قاصد … رآه من الغيث أدنى وأندى
له الفتح دأب ومن شأنه … يُرَدّ وقاصده لن يُردا
وقال في النيل (٤): [من الطويل]
وفي النيل إذ وفي البسيطة حقها … وزاد على ما جاءَهُ من صنائع
فما ذا يقول الناس في جودِ مُنعم … يُشار إلى إنعامه بالأصابع
وقال: [من البسيط]
وكيف أنسى مليكًا فضل أنعمه … فرضي ونفلي في سري وإعلاني
جعلت نفسي كشطر اسمي لخدمته … وكيف لا وهو عندي شطره الثاني
وقال (٥): [من الطويل]
أحنّ إليكم كلّما ذَرِّ شارِقٌ … ويَشتاقُ قلبي كلّما مَرٌ خاطِفُ
وأهتز من خفق النسيم إذا سرى … ولولاكم ما حركتني العواصف
وقال (٦): [من الطويل]
رعى الله من فارقتُ يومَ فِراقِهم … حُشاشةَ نَفسٍ ودَعَتْ يومَ ودَعُوا
ومن طعنت روحي وقد سارَ ظَعنهم … فلم أدر أي الظَّاعِنينَ أُشَيعُ
стр. 5855
وقال (١): [من الخفيف]
يا قرير العيون رق لعين … فجرتها دموعها تفجيرا
لم تطلق من بعدك الغمض إلا … لترى منك نظرة وسرورا
وقال: [من الكامل]
لي في ضميرك شاهد فيه غنى … لك عن قراءة ما حوى قرطاسي
ولئن وقفت عليه معتبرا له … (ما في وقوفك ساعة من باس)
وقال (٢): [من الكامل]
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه … مُطِلُ الغنى وسوء عيش المعسر
والشؤوس يبين مُجْدل في جندل … منا ويبين مُعقر في معفر
فطننت أنني في صباح مُشرق … بضياء وجهك أو مساءً مقمر
وتعطرت أرض الكفاح كأنما … فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقال (٣): [من الكامل]
ولقد ذكرتك والجماجم وَقْعُ … تحت السنابك والأكُفُّ تطير
والهام في أفق العجاجة حُومُ … فكأنها فوق النسور نسور
فاعتادني من طيب ذكرك نشوة … وبدت علي بشاشة وسرور
فظننت أنني في مجالس لذتي … والراح تجلى والكؤوس تدور
وقال (٤): [من الكامل]
ولقد ذكرتك حين أنكرت الظبي … أغمادها وتعارفت في الهام
والنبل من خلل العجاج كأنه … وبل تتابع من فروج غمام
فاستصغرت عيناي أفواج العدا … وتتابع الأقدام في الأقدام
ووجدت برد الأمن في حر الوغى … والموت خلفي تارة وأمامي
وقال (٥): [من السريع]
غارت وقد قَلَّت لمسواكها … أراك تجني ريقها يا أراك
قالت: تمنيت جنى ريقتي … وفاز بالترشاف منها سواك
وقال (٦): [من الكامل]
стр. 5856
يا مَنْ حَمَتْ عَنّا مذاقَةَ ريقها … رفقًا بقَلب ليس فيه سواك
فلكم سألتُ الثّغر وصف رضابه … فأبى وصرّح لي سقيه سواك
وقال (١): [من الخفيف]
قد شَهِدْنا فعل البلى بمغانيـ … ـكِ ودمعُ الغيوم فيها سِجامُ
واقترضنا منها الدموعَ فقالَتْ: … كلُّ قَرضِ يَجرَّ نَفْعًا حَرامُ
قلت: لقد أتى من الفقه بهذه اللطيفة فإن قيل: فما الذي جره البكاء من النفع؟ قلنا: أشياء نحو سقيا المعاهد، وإطفاء حرّ الفؤاد الواقد، وتخفيف ثقل البكاء عن العيون التي كثر بكاؤها. وقد قال الأول: وأثقل محمول على العين ماؤها. وقد ذكرت بالدمع بيتين كنت قلتهما، وإن لم يكن معناهما من هذا في: [من الخفيف]
عما جرى لي من … دموع كأنهن اللآلي
خففت وطأة الغرام ولكن … غرقت في الجفون طيف الخيال
عدنا إليه.
قال: [من الهزج]
ألا يا مالك الرّق … فـ[مَنْ] مَلَكَكَ الرقا
إذا لم تقض أن أسْعَـ … ـدَ لا تقض بأن أشقى
تَصَدَقُ بالذي يفنى … وخُذْ أجر الذي يبقى
وذَكِّرْ عِطفَكَ المَيّا … لَ والردف بما ألقى
وقال (٢): [من المجتث]
وجه من البدر أحلى … ومنه بالمدح أحرى
طرفي به يتَحَلّي … وخاطري يتحرى
بمنظرِيَ يتجلّى … وناظر يَتَجَرى
خَدُّ يَقِرُّ بقَتلي … وردفُهُ يَتَبَرَّا
وقال (٣): [من الطويل]
ولم أنس إذ زار الحَبيبُ بروضة … وقد غَفَلَتْ عنا وشاةٌ ولُوّامُ
وقد فرَشَ الوردُ الخُدُودَ ونُشْرَتْ … لمَقدَمهِ للسوسن الغَضّ أعلام
أقولُ وطرفُ النّرجس الغضّ … شاخص إلينا وللنمام حولي إلمام
أيا ربّ! حتى في الحدائقِ أعين … علينا وحتى في الرِّياحينِ نَمّامُ
стр. 5857
قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه: أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذه أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه: وقد غفلت عنا وشاة ولوام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس النمام، وهذا في غاية التمام.
وقال (١): [من المتقارب]
رَعَى اللهُ لَيلَتَنا بالحِمَى … وأمواه أعيُنِهِ الزَّاخِرَه
وقد زين حُسن سماء الغصون … بأنجُم أزهاره الزاهره
وللنرجس الغَضّ ما بَينَنا … وُجُوهٌ بِحَضرَتِنا ناصِرَه
كأنَّ تَحَدُّقَ أزهارها … عين إلى ربها ناظره
وقال (٢): [من مخلع البسيط]
قالَ الحَيَا للنّسيمِ لَمّا … ظَلَّ بِهِ الزهر في اشتغال
وضاعَ نَشرُ الرّياضِ حَتى … تَعَطَّرَتْ بُرَدَةُ الشمال
أما ترى الأرض كيف تُثني … عليّ منها لسان حالي
فاعجب لإقرارها بفضلي … وسكرها بي وشكرها لي
وقال (٣): [من الخفيف]
خلياني أجر فضلَ بُرودي … رائعًا في رياض عين البرود
كم بها من بديع زَهر أنيق … كفُصول منظومةٍ وعُقُودِ
زَنبَقٌ بَينَ قُضَبِ آس وبان … وأقاح ونرجس ووُرُودِ
كجبين وعارِضِ وَقَوامِ … وثُغُور وأعين وحدود
وقال يعاتب من اعتذر بالثلج (٤): [من المنسرح]
عذرك بالثلج عن زيارتنا … مُبْدَلَةٌ باؤه من الكاف
والغير لما أراد زورتنا … سعى إلينا من نشره حافي
وعندك المال والرجال وما … في تاسع النحل وافر واف
بل أبدلت ذلك الولاية يا … أحمد لما وليت بالقاف
قوله: تاسع النحل وافر واف أراد بذلك قوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (٥).
стр. 5858
وكتب مع طبق حلاوة أهداه مع غلام (١): [من الرجز]
عبدك قد أرسل أدنى خدمة … إليك يا من بالجميل قد سبق
فانظر بعين الجبر أو عين الرّضَا … نحوَ غُلامٍ وكتاب وطبق
وقال ملغزًا في القوس (٢): [من الطويل]
وما اسم تراه في البروج وإنما … يحلُّ به المريخ دون الكواكب
إذا قدر الباري عليه مصيبة … عدته وحلت في صدور الكتائب
ولا جسم إلا فيه يدرك قلبه … ويدركه في قلبه كل طالب
قلت: وقوله: وإنما يحل به المريخ دون الكواكب، أراد به نصل السهم أو السهم، إذ كان من شأنهما القتل، وهو من طبيعة المريخ كما يزعم أهل النجامة. أو ليلطخه بالدماء، فإذا نظر، كان المريخ بحمرته واشتعاله. وهو إذا صح على هذا، لا يصح على ظاهره، إذ كانت القوس محلًا لكلِّ من السبعة السيارة، وهو بيت المشتري، فلا وجه لتخصيص المريخ به. وفي جملة على المعنيين اللذين أرادهما نظر.
وقال في السهم (٣): [من الطويل]
وأهيف منسوب إلى التُركِ أصله … رشيق براه ربُّه وهو راشق
يقرب من أفواههم وهو فاجر … ويرسل في أعراضهم وهو مارق
يبيت عديم النفع وهو مواصل … ويرضيك في الأفعال وهو مفارق
إذا اعتبروا أفعاله فهو طائر … وإن نسبوه فهو بالنَّبتِ لاحق
وقال فيه (٤): [من الطويل]
وأهيف ماض في الأمور مسدّد … إذا رام قصدًا لا يميل عن القصد
ينضنضٌ مثل الأفعوان لسانه … لشدَّةِ ما لاقى من الحر والبرد
تقربه الأملاك وهو ممانع … ويجهد في تقريبه غاية الجهد
إذا صحفوه مرةً كان بينهم … وإن تركوه كان منهم على بعدِ
وقال في قلم (٥): [من الطويل]
وأخرس بادي النطق حلو فؤاده … حليف ضنّى يبكي وما هو عاشق
يُشَقُّ مرارًا رأسه وهو طيع … ويُقطَعُ أحيانًا وما هو سارق
إذا أرسل البيض الصفاح لعادة … يتابع طورًا أمره ويفارق
يحاجي به ما ناطق وهو صامتٌ … يُرى ساكتًا والسيف عن فيه ناطق
وقال في الدواة والقلم (٦): [من الطويل]
стр. 5859
وما اسمان كلُّ صالح لقرينه … إذا اتفقا يستصغرُ الصَّارِمُ العَضْبُ
وقد وجدا في الذكر أول سورة … ولولاهما لم يوجد الذكر والكتب
فهذا له قلب وما حَلَّ جسمه … وهذا له جسم وليس له قلب
وقال في الخط (١): [من مجزوء الكامل]
ومعلق في قُنَّبِ … طورًا وطورًا في حرير
ولقد تراه مسلسلًا … بيد الإمارة والصدور
ولقلد يكون على الجبا … هـ وفي البطون وفي الظهور
ويُرَى بأعضادِ الرجا … ل وفوق أجنحة الطيور
قلت: وهذا شعر بديع، ونظم صنيع، ونمط عالي رفيع، لا يقدر عليه كل قائل، ولا يحظى معه معارض بطائل. ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله: ومعلق! وانظر هذه التورية ما أتمها وأحسنها وأقواها وأمكنها. ثم أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال: في قنب طورًا وطورًا في حرير! وظاهره على مجرى اللغز، يوهم أنَّ شيئًا له جسم يمس، علق بخيط حرير، أو حيل قنب، وباطنه يريد الورق. وهو يصنع من هذين حيث يعهد الشاعر. وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح، وكان تمامًا موفيًا بالمراد. وكذلك قوله في البيت الثاني: ولقد تراه مسلسلًا. يجري مجرى قوله: ومعلق. فأما البيت الثالث، فمعناه أكثر من لفظه، وتفهمه أكبر من حفظه. فأما كونه جعله يكون معلقًا على الجباه، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ، وما هو من هذا النوع. وأما قوله: وفي البطون وفي الظهور، فكذا يكتب: تارةً في بطون الأوراق، وتارة في ظهورها. وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة، لم يعدم فيه رونق المجاز. والبيت الرابع نوع منه آخر. وقوله: وفوق أجنحة الطيور، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي. فانظر إلى محاسن ما أتى به، واعجب لإيجازه.
عدنا إليه.
قال في دود القز (٢): [من الطويل]
وما حيوان عكسه مثل طردِهِ … له جسد سبط وليس له قلب
ضعيفٌ وكم أغنت مجاجة ريقه … فقيرًا به أمسى ومربعه خصب
يرى من خشاش الأرض طورًا وتارةً … من الطير لكن دونه تسبل الحجب
شقي لنفع الغير يسجن نفسه … وليس له في السجن أكل ولا شرب
стр. 5860
وقال (١): [من السريع]
وأعجمي أخرس ناطق … له لسان مستطاب الكلام
مناجيًا في الحجرِ ربًا له … طورًا وفي البيت العتيق الحرام
قلت: ولله مذهبه في هذين البيتين، لو وصف هذا الألمعي العود بأطيب من نغمه وأرجه. وقوله: أعجمي، وصفًا له، قول صدق، إذ العود عود الشجر أعجم لا ينطق، والعود عود الطرب من وضع الأعاجم. ولسان العود هو الذي يحرك به الوتر. وقوله مستطاب الكلام وهو طربه. وقد أتبعه بقوله: مناجيًا في الحجر ربًا له؛ لأنه كان كأنه يناجي ربه، وهو الضارب به. وقوله: وفي البيت العتيق الحرام، هو العود الهندي.
يقال: إن عهد البيت الحرام زاده الله شرفًا منه. فاعرف لهذا الرجل حقه، واعلم حذقه.
عدنا إلى بقية مختاره.
قال في الحشيشة يحسّن قبيحها، ويدعي تفريحها (٢): [من الوافر]
تغاني بالحشيش عن الرّحيقِ … وبالوَرَقِ الجديد عن العتيق
وبالخضراء عن حمراء صِرف … وكم بين الزمرد والعقيق
وقال أيضًا فيها (٣): [من البسيط]
في الكيس لي عِوَض عما حوى الكاس … وفي القراطيس عمّا ضَمِّتِ الطَّاسُ
وبالجديد غرامي لا مُعَتَقَة … وَسواسُها في صُدُورِ النَّاسِ خَنَاسُ
مُدامَةٌ ما لها في الرّأسِ وَشَوَشَةٌ … تُطغي النّفوس ولا في الصدر وسواس
ولا تُكَلِّفُ نَفسًا غير طاقتِها … ولا يُخافُ بها ضُر وإفلاس
كم بَينَ خَمْرٍ يَخافُ الحدَّ شاربها … وخَمرة ما على شرابها باس
ولا نبيتُ إذا شئنا نُعاقِرُها … لَنا على الباب حفاظ وحُرّاس
حوض الدواة لها حان ومِزْوَدُها … دَنَّ وكاساتها ظفر وقرطاس
وقال أيضًا (٤): [من السريع]
في الكيس لا في الكأس لي قهوَةٌ … من ذَوقِها أسكر أو شمها
لم يَنهَ نَصَّ الذكر عنها ولا … أُجمِعَ في الشرع على ذمها
ظاهرة النفعِ لها نَشوَةٌ … تَستَنقِذُ الأَنفُسَ من همّها
فشكرها أكثر من سكرِها … ونَفعُها أكثر من إثمها
стр. 5861
وقال (١): [من السريع]
جاءت بوجه بن قرطن … شبه بدر بين نجمنِ
فامتدت الأعين منا إلى … عينين منهاتحت نونين
قالت لكي تعبث بي لا تكن … للنفس نونًا بعد ميمينِ
فقلت إن عارضتني بعدها … قطعت سنا بن كافن
وقال من قصيدة قوامها بيتًا في ديوانه: [من المنسرح]
عنفتها إذ فست على ذكري … وهو لعمري في غاية الكبر
قالت دع اللوم والعتاب فلو … دفعت هذا في است البعير خري
لو أن ضعفيه جاء من قُبل … ما كان عندي لذاك من أثر
لكنه مع جفاء جنَّتِه … صالَ فقد القميص من دُبُرِ
قلت: فشيخي قد قال مبتدئًا … وذاك في العلم صادق النظر
الأير للجحر حربةٌ خلقت … لو كان للكس كان كالطبر
وقال (٢): [من الطويل]
وذات حر جادت به فصددْتُها … وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خُلقي بالرضا … وفي قلبها مما تكابده وهج
وظلت تقاسي من فعالي شدَّةً … ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيه تجشأت … وذاك ضراط لم يتم له نُضج
وقال (٣): [من المنسرح]
ولي غلام كالنجم طلعتُهُ … أخدمه وهو بعض خُدامي
تراه خلفي طول النَّهارِ فإن … دجالنا الليل صار قدامي
جعلته في الحضور مع سفري … كفروة الحارث بن همام
وقال (٤): [من الوافر]
وليلة عانقت كفَّاي بدرًا … كأن ضياء مبسمه نجوم
لثمت الثغر منه فقام أيري … فعنفني وأقبل لي يلوم
وأسكتني الحياء فقال أيري … أقم عذري فإنَّ اللوم لوم
أيقدر من له عقل ولب … ومعرفة يراك ولا يقوم
стр. 5862
وقال (١): [من السريع]
قالوا اخضب الشيب فقلتُ اقصروا … فإنَّ قصد الصدق من شيمتي
فكيف أرضى بعد ذا أنّني … أوّلُ ما أكذب في لحيتي
وقال يعتب ابن المعتز عن قوله (٢): [من المتقارب]
ونحن ورثنا ثياب … النبي فكم تجذبون بأهدابها
لكم رحم يا بني بنته … ولكن بنو العم أولى بها
ومنها:
قتلنا أمية في دارها … ونحن أحق بأسلابها
إذا ما دنوتم تلقيتم … زبونًا أقرت بجلا بها
وقوله (٣): [من المتقارب]
وقلت ورثنا ثياب النبيـ … ـي فكم تجذبون بأهدابها
وعندَكَ لا يُورث الأنبياء … فكَيفَ حَظيتُم بأثوابها
أجَدُّكَ يَرضَى بما قُلتَهُ … وما كان يومًا بمرتابها
وإذ جُعِلَ الأمرُ شُورَى لها … فهل كان من بعض أربابها
وقولك أنتُمْ بَنو بنتِهِ، … ولكن بنو العم أولى بها
بنو البنتِ أيضًا بنو عَمِّهِ … وذلك أدنى لأنسابها
وقلت بأنكُمُ القاتلو … نَ أُسودَ أُميّة في غابها
ولولا سيوف أبي مُسلمٍ … لَعَزَّتْ على جُهد طلابها
وقال (٤): [من الرجز]
انهض فهذا النجم في الغرب سقَط … والشَّيبُ في فود الظلام قد وخط
والصبح قد مد إلى نحرِ الدَّجَى … يدًا بها در النجوم تلتقط
وألهب الإصباح أذيال الدّجَى … بشَمعَة من الشعاع لم تُقط
وضجت الأطيار في أوراقها … لما رأت سيف الصباح مُختر
стр. 5863
وقام من فوق الجدار هاتفٌ … مُتَوَّجُ الهامة ذو فرع قطط
يُخبّر الراقد أن نَومَهُ … عند انتباهِ جَدِّهِ من الغَلَط
والبدر قد صار هلالًا ناحلًا … في آخر الشهر وبالصبح اختلط
كأَنَّهُ قَوسُ لَجَينِ مُوتَر … والليل زنجي عليه قد ضُبط
وفي يديهِ للثّرَيَّا نَدَبٌ … يَزيدُ فَردًا واحدًا عن النمط
فأيُّ عُذر للرماة والدجى … قد عُدّ في سلك الرماة وانخرط
أما تَرَى الغَيمَ الجَديدَ مُقبِلًا … قد مَدّ في الأفق رِداهُ فانبسط
يلمَعُ ضوء البرق في حافاته … كأنّ في الجو صفاحًا تُختَرَط
وأظهر الخريف من أزهارِهِ … أضعاف ما أخفى الربيع إذ شحط
ولان عطف الريح في هبوبها … والطّلُّ من بعد الهجير قد سَقَط
والشمس في الميزان موزون بها … قِسطُ النّهار بعدما كان قسط
وأرسلتْ جِبالُ دَربند لنا … رُسُلًا صَبَا القَلبُ إليها وانبسط
من الكراكي الخزرياتِ التي … تَقَدَمُ والبعض ببعض مرتبط
كأنها إذ تابعت صفوفها … ركائب عنها الرحال لم تُحط
إذا وعاها سَمعُ ذي صَبابَةٍ … مِثْلِي، تَقضاه الغرام ونَشَط
فقم بنا نَرفُلُ في ثوب الصبا … إنّ الرّضا بتركه عين السخط
والتقط اللذة حيث أمكَنَتْ … فإنّما اللذات في الدهر لقط
إن الشباب زائرٌ مُودِّعُ … لا يُسطاع ردُّه إذا فرط
أما ترى الكركي في الجو وقد … نَغَمَ في أُفقِ السّماءِ ولَغَط
أنساه حبُّ دِجلَةٍ وطيبها … مَواطِنًا قد زق فيها ولقط
فجاءَ يُهدي نفسه وما درى … أنّ الرّدى قَرينه حيث سقط
فابرز قسيًّا من كَمَنداناتِها … إنّ الجياد للحروب تُرتبط
من كل سبط من هدايا واسط … جعد التلاع منه في الكعب نُقط
أصلَحَهُ الصالِحُ باجتهادِهِ … فكلُّ ذي لب له فيه غبط
وما أضاع الحزم عند حَرْمِها … بل جاوَزَ القيظ وللفصل ضَبَط
حتى إذا حَرٌّ حَزيران خَبَا … وتَمّ تَمّوز وآب وشحَط
وجاءَ أيلول بحر فاترٍ … في نضج تعديل السماء ما فرط
أبرز ما أحرز من آياتِهِ … وحَلّ من ذاك المتاع ما ربط
ومد للصنعَةِ كَفَّ أوحَدٍ … مُنَزَّه عن الفسادِ وَالغَلَط
وظَلَّ يَستَقري بَلاغَ عُودِها … فَسَبّرَ الأطراف واختار الوسط
стр. 5864
وجود التَّدقيق في لِحامِها … فأسقَطَ الكرشات منه والسَّقَط
ولم يَزَلْ يُنقلها مَراتِبًا … تَلزَمُ في صَنعَتِهِ وتُشْتَرط
فعندما أفضت إلى تطهيرها … صحّحَ دارات البيوت والنقط
حتى إذا قَمّصَهَا بدهنها … جاءت من الصحة في أحلى نمط
كأنها النونات في تعريقها … يعرُجُ منها بندق مثل النقط
مثل السوار في يد الرامي فلو … شاء طواها وحواها في سَفَط
لو يقذف اليم بها مالكها … ما انتقض العود ولا الزَّور انكشط
كأنما بندقُها نَيازك … أو من يد الرامي إلى الطير خطط
من كل محني البيوتِ مُدمج … ما أخطأ الباري به ولا فرط
كأنّه لام عليها ألِفٌ … وقال قوم: إنها اللام فقط
فاجل قَذَى عُيوننا ببَرزَةٍ … تنفي عن القلب الهموم والقنط
فما رأت من بعدِ هُورِ بابل … ومائِهِ التيار عيشًا يُعْتَبَط
ونحن في مروجهِ في نَشوَةٍ … عند التحري في الوقوف للخطط
من كل مقبول المقال صادق … قد قَبَضَ القوس وللنفس بسط
يقدمنا فيها قديم حاذق … لا كَسَلٌ يَشينه ولا شطط
يحكُمُ فينا حكم داود فلا … يَنْظُرُ منّا خارجًا عما شرط
لا يشبك الأسباق من جَفّتِهِ … ولم يكُن مثل القرى في النمط
إذا رأى الشر تعلى وإذا … لاح له الخير تدلى وهَبط
ما نعم المزهرُ والدُّفُ إذا … فصل أدوار الغُروبِ وضَبَط
أطيب من تَدَفَدُفِ البَم فذا … دق على القبضِ الجَناحَ وخَبَط
والطير شتى في نواحيه فذا … قد اكتسى الريش وهذا قد شَمَطْ
وذاك يرعى في شواطيه وذا … على الروابي قد تحصى ولقط
فمن جليل واجب تعداده … ومن مراعٍ عَدُّها لا يُشترط
يعرُجُ منها نحوها بنادِقٌ … لم يَنجُ منها مَنْ تَعَلَّى وَاختَبَط
فمن كسير في العبابِ عائم … ومن ذبيح بالدّماءِ يُعْتَبَط
وقال، وورى وكأن قصده كان طلب الدرياقين (١): [من الخفيف]
قيل لي تعشق الصحابة طُرًّا … أَمْ تَفَرّدْتَ منهم بفريق
стр. 5865
فوصفتُ الجميعَ وصفًا إذا ضُو … ع أزرى بكُلِّ مِسك سحيق
قيل هذي الصفاتُ والكُلُّ كالدِّرْ … ياقِ يَشفي من كل داء وثيق
فإلى من تميل؟ قلتُ إلى الأرْ … بَع لا سيما إلى الفاروق
وقال في السلطان وقد لعب بالكرة (١): [من الكامل]
مَلِكُ يُرَوِّضُ فوقَ طِرْفٍ قارعًا … كُرَةٌ بجوكان حكاه بابا
وكأن بدرًا في سماء راكِبًا … بَرقًا يُزَحزح بالهلال شهابا
وقال في أدهم ذي حجول (٢): [من الكامل]
ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي … في متنِ أدهم كالظَّلامِ مُحَجَّلِ
رام الصباح من الدجى استنقاذه … حسَدًا فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنّه صبغ الشبيبة هابَهُ … وخَطُ المشيب فجاءَهُ من أسفل
وقوله (٣): [من الكامل]
لا غرو أن يصلى الفُؤاد لبعدكم … نارًا تُؤجِّجُها يَدُ التذكار
قلبي إذا غبتم يُصَوِّرُ شخصَكُم … فيهِ وكلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ
وقوله (٤): [من الكامل]
ولما سطرت الطرس شوَّهتُ لفظَهُ … وجئتُ بما شاهدت من لحنه عمدا
عساك ترى عيبًا به فترد لي … جوابًا لأنَّ العيب قد يوجب الردا
وقوله (٥): [من الطويل]
لئن سَل الزمان لنا مَناصِلٌ … فصُنعُ الودّ عندي غير ناصل
فإن يك قد تأخر عنك سعيي … فإني بالدعاء لكم مواصل
ولم تثن النوى أوتاد ودي … بأسباب القطيعة والفواصل
وإني إن وصفت لكم ودادي … كأنّي طالب تحصيل حاصل
وقوله يصف غلامًا تركيًا على فرس يرمي الظباء بالسهام (٦): [من الطويل]
وظبي بقفر فوق طرف مفوّق … بقوس رمى في النقع وحشًا بأسهم
كبدر بأفق فوق برق بكفّه … هلال رمى الليل جنًا بأنجم
قال في فرس (٧): [من الوافر]
стр. 5866
وعادية إلى الغارات صبحًا … تُريكَ لقدح حافرها التهابا
كأن الصبح البسها حُجولًا … وجِنح الليل قمصها إهابا
جواد في الجبال تخالُ وعلًا … وفي الفَلَواتِ تحسبها عُقابا
إذا ما سابقتها الريحُ فرّتْ … وأبقَتْ في يد الريح الترابا
وقال (١): [من الطويل]
وإني لألهو بالمُدام وإنّها … لِمَورِدُ حَرْمٍ إِنْ فَعَلْتُ ومَصْدَرُ
ويُطربني في مجلس الأنْسِ بَينَنا … أنابيب في أجوافها الريحُ تَصفِرُ
ودهم بأيدي الغانياتِ تَفَعَقَعَتْ … مفاصلها من هول ما هي تَنظُرُ
وصفّرِ جفون ما بكت بمدامع … ولكنّها رُوح تذوب وتقطرُ
وأشمَطَ مَحني الضلوع على الضَّنَى … به الضّر إلا أنه يتَسَترُ
إذا انجاب ستر الليلِ ظَلَّتْ ضُلوعه … مجرَّدَةً تضحى لديك وتحصر
وقال (٢): [من السريع]
قد نَشَرَ الزنبق أعلامه … وقال: كلّ الزهر في خِدْمَتي
لو لم أكن في الحُسنِ سلطانه … ما رُفِعَتْ من دونه رايتي
فقَهقَة الوَرد به هازئًا … وقال: ما تَحذَرُ مِنْ سطوتي
وقال للسوسن: ماذا الذي … يَقُولُهُ الأشيب في حضرتي
فا متعضَ الزّنبَقُ من قَولِهِ … وقال للأزهار: يا صُحبتي
يكون هذا الحُسْنُ بي مُحدِقًا … ويَضحَكُ الوَرد على شيبتي
قلت: وهذا قول يقطر ظرافة ويحسن، وإن كان حديث خرافة.
وهذا آخر ما اخترت من جميع ديوانه، وبديع ما ضمنه من الفريد في صوانه. وقد وقفت عليه، وكله ناطق بصنيعه، مذهب بشعاع توشيعه ولم أقتصر على هذا لأن بمثله يُكتفى، وإنما أقللتُ للقناعة، وأتيتُ من عينه بمقدار ما تُعرف به بقية البضاعة. وقد وقفت له على نثر لا يقاس بنظمه، وإن كان الكلُّ درّ، ولا يقاربه، وكلٌّ منهما يسر، وإنما هو في طبقة هذا الشعر حيث ترى، وأين الثريا من الثّرى. وقد كان كتب إليَّ كتابًا وددت لو حضرني لآتي به، وإن كنت جد ضنين وأسمح به، وإن كان لا يسمح بالثمين.
ومنهم:
стр. 5867
[٢٥٦] محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الحنفي
الفقيه العَدْلُ، الأديب، الشاعر. أبو عبد الله شمس الدين الخياط الدمشقي (١).
قادر أتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تُطِعْهُ إلا قسرًا أنداد الفضائل، لا يجيء البحر له إلى كَعْبٍ، ولا يحاوِلُ إلا النجوم، لا يعجزه مرامها الصَّعْب. وكان خَصْمَ نَفْسِهِ في الأدب، يَدْرُسُ فنونه النافعة، ويغرس أفنانه اليانعة. فاحتذى مفارق الرؤوس وانتَعلَ، وعُرفت الرِّجالُ بغيرهم وعُرِفَ بما فَعلَ، سدَّ الفجاج على المعايب، وعد صفو المزن رنقًا بالشوائب. وله قصائد أدرك منها ما رامه ابن الرومي في مطولاته، وتم لأبي تمام تطولاته وفات حوليات زهير بن أبي سلمى، وخوليات ابن العبد، وطرف طرفة أعمى، وما منها إلا أُلْحِقَ بالسبع الطوال، وحاربت في جو النسور العوال، فكأنها كانت لتلك القصائد كامنة، [و] لتلك السبع المعلقات ثامنة، بل ما أتت ومنه بعد تلك السبع الشداد، إلا كالعام الذي فيه ﴿يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٢) يجنون ويهصرون. وله قطع تقطعُ كُلَّ أجْدَع، وتقرِّعُ كلَّ حمي أنفه لا يُجدع. فيومه يومان، وطعمه طعمان، بكلِّ كَلِمَةٍ هي إبَرُ النَّحْلِ او مَشَارُهُ، وفخر الدهر أو عاره، تلعبًا بالكلام كيف شاء صَرَفَهُ، ومن شاء وضَعَهُ به أو شرفَه، فطالما أوقد حائن وهَدَفٌ عَرَّضَهُ
стр. 5868
لِرَمْيِهِ فَدَفَعَ بيديه حدّ المدى، ووضع إصْبَعيه في فم الرّدى، على أنه خير أخ في الشدائد، وأعظم مقاوم لسم الليالي الأساوِد، وكَلِمُهُ لا يغشى بوارقها بالسُّحُب، ولا ثلاث رودها إلا بالرماح منصلةً بالشُّهُب. ومن شعرِهِ المحرِّكِ للأطراب، المبيض لقادمة الليل والفجر في آخِرِه كما شاب جناح الغُراب، قوله: [من السريع]
كم نِلْتُ في الأسفار من شدّة … لم تُحْصَ في عد ولم تُحْصَرِ
فهذه عين وذا مِحْجَرٌ … والموت بين العين والمِحْجَر
ومنه قوله: [من السريع]
ديارُ مِصْر جنّةٌ فُتِّحَتْ … أبوابها في الحُسْنِ للمُبصِرِ
وغير بدع أنها جنّةٌ … ونيلها جار من الكوثر
ومنه قوله: [من الطويل]
شَكَتْ زوجة القاضي من الطلق شدّةً … فنالَ الإمام الهم وهُوَ همام
فقُلْتُ له صبرًا جميلًا فَرُبَّما … يكونُ مع الطلق الشديد غلام
ومنه قوله: [من الوافر]
وما طلبي الشهادة خوف نقص … على مالي ولا طمع الزياده
ولكني لإسلامي وديني … وتوحيدي حَرَصْتُ على الشهاده
ومنه قوله: [من الطويل]
تهن فلان الدين شهرًا مباركًا … فَصِبْ لك فيه بالعلاء المكارِمُ
وإن تك قد باشرت في يوم موسم … فسائِرُ أيامِ الكِرامِ مواسم
ومنه قوله: [من السريع]
الحبْسُ حَبْسُ النَّفْسِ عن قَصْدِها … وإنّما نِقْمَتُهُ نَعْمَة
لاسيما إن كان أعجوبةً … كثرةُ ناموس بلا حُرْمَة
ومنه قوله: [من السريع]
مولاي سيف الدين يا من له … أصل زكي في انتساب الملوك
أَسْمَعْتَني وَعْدَ ديوك وقد … أكَلْتُ كفّي قبل أكل الديوك
ومنه قوله وقد ردّد مقصود المعنى وزاده: [من السريع]
كم ليلة بالبرد قضيتُها … في شِدّةٍ والعين لم تَهْجَعِ
وليس لي أكل سوى راحتي … وليس لي شرب سوى أدمعي
ومنه قوله: [من السريع]
حفيت من طول طوافي على بشر … لأحظى بالندى الوافي
стр. 5869
فاعجب لعكس الحال ما بيننا … هذاكَ بشر وأنا الحافي
ومنه قوله: [من الطويل]
إلى كمْ أُمَنِّي النَّفْسَ في طَلَبِ الغنى … أقول عسى ينزاح فقري وربّما
وما العار إلا أن أرى عاريًا وما … عَليَّ كما قالوا سوى مَطَرِ السَّما
ومنه قوله: [من الوافر]
عَجِبْتُ من الزمان ومن بنيْهِ … ورفْضِهِمُ الأهاجي والمدائح
أروح على منازلهم وأغدو … وليس أشم للجدوى روائح
ومنه قوله: [من الكامل]
يا سيدي قد طال مُكْثُ قصيدتي … وأعيذُ سيدنا من النسيان
إن كان في يوم المعاد إجازة … أمَّلْتُها من كفّة الميزان
ومنه قوله: [من الكامل]
رَقَبَ الهلال الناس واجتهدوا … فَلَمْ تَره العيون وكفّها عنه العمى
لا غَرْوَ أَنْ خَفِيَ الهلال عن الورى … ورآه في الأرْضِ ابن ناطور السما
ومنه قوله: [من الطويل]
يقولون في سم الخياط قناعة … فلا ترم شُكْرَ العيش في القنع بالدم
فقُلْتُ لهم إنّي أخافُ من الرَّدى … ولا آمل البقيا ورزقي من سم
ومنه قوله: [من مخلع البسيط]
يا سيدًا لم يزل بحمدي … بين بني جِنْسِهِ مُحَلَّى
أسلفتني موعدًا جميلًا … فاسمح بإنجازه وإلا
ومنه قوله: [من البسيط]
قالوا تردّد فبيت المالِ فيه غنّى … لكلِّ مُشتمل بالفقر محروم
فحين وافيته لم ألق فيه سوى … مسودات لتأخير وتقديم
فيه صناديق أوراق بلا وَرَق … قد أوسقوها بتحديد المراسيم
قبض وصَرْفٌ ومردودٌ وفَذْلَكَةٌ … بلا حساب وتخريج لمعلوم
فاحذر إذا جُزْتَ بيت المال فهو بلا … لام وفيه مخاريم بلاميم
ومنه قوله: [من السريع]
وقيم مُغرّى بِسفْكِ الدِّما … كلُّ سَلِم بده سلم
صُعِقْتُ خوفًا مِنْهُ لما عدت … في كفه موسى وراسي الكليم
стр. 5870
ومنه قوله: [من السريع]
إن تهجروا الخياط عَمْدًا فما … له إلى غيركم هجره
يقص أخباركم ناقلًا … حديثَكُم بالخيط والإبْرَة
ومنه قوله: [من الوافر]
أرى المحبوب يفْعَلُ كُلَّ ذَنْبٍ … ويَغْضَبُ والهوى أمر عجيب
وأسأله الرضا والذنبُ مِنْهُ … كأنّي من إساءته أتوب
ومنه قوله: [من السريع]
لم أنس والمحبوب في مجلسي … كالبدر يسقيني كؤوس الرحيق
يجمعُ لي ضدّين من عارض … له جديد ومدام عتيق
ومنه قوله: [من مخلع البسيط]
عذار حبي دقيق معنى … تجلُّ من حُسْنِه الصفات
حلا لرائيه وهو نبتُ … هذا هو السكر النبات
ومنه قوله (١): [من السريع]
خلفت بالشام حبيبي وقد … يمّمتُ مصرًا لغنى طارق
والأرض قد طالت فلا تبعدي … بالله يا مِصْرُ على عاشق
ومنه قوله: [من الوافر]
صبرت على صروف الدهر حتى … رماني من هويت بسهم صد
وأسقمني بهجران طويل … وقال دواؤه بالوصل عندي
ومنه قوله: [من البسيط]
سار الحبيب بقلبي يوم ودعني … ولم يدع لي صبرًا ساعة البين
وقال إن كنت مشتاقًا إلى نظري … أجْرِ المدامع حُمْرًا قلتُ: من عيني
ومنه قوله: [من البسيط]
قلبي شكا حب خياط يمزّقه … فكيف من قلق لي فيه تثبيت
قد كفَّ عن طرفه غيري ونمنم … لي خدًا كأنَّ عذارًا فيه تنبيت
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
لرَبوَتِنا واد حوى كلَّ بهجةٍ … فعيش الورى يحلو لديه ويعْذُبُ
стр. 5871
يروق لنا الأنهار من تحت حنكه … فلا عَجَبٌ أَنَّا نخوض ونلعب
ومنه قوله: [من مجزوء الخفيف]
رُبَّ عِلْق عوبه … عدد الرمل والحصى
يأخذ الأير ضاحكًا … ثمَّ يبكي على الخطى
ومنه قوله: [من السريع]
يا من على عينيه شعريّةٌ … قد أضرمت في القَلْبِ نار الغرام
يُشْبِهُ بدرًا طالعًا نصفُهُ … ونصفه الآخر تحت الغمام
ومنه قوله: [من السريع]
لا تحسبوا شطبًا على خده … قد لاح من فِعْلِ سيوف الجُفُونْ
وإنما من رِقَةِ خدِّهِ … قد أثرت فيه لحاظ العيون
ومنه قوله: [من السريع]
قد طال فكري في القريض الذي … من نَفْعِهِ لستُ على طائل
أقرَّني زُورًا فصِرْتُ امرءًا … صاحب ديوان بلا حاصل
ومنه قوله: [من الخفيف]
لي بأرض الشام شر مقامِ … لا مكاني يرجى ولا إمكاني
أسهر الليل في مكابدة الشع … ر وأبكي النهار للحرمان
ومنه قوله: [من الخفيف]
قل لمن حضني على الدين أقصر … عن ملامي فليس لي تقصير
لا تسلني عن الصلاة فبيتي … مَسْجِدٌ غير أنه مهجور
ومنهم:
[٢٥٧] حسن بن علي العزي
ابن نفسه، وصاحِب يومه لا أمْسِه. يُعْرَفُ بالزعاري، نسبةً إلى غور زعر، لا إلى الكلاب، وإن كان قد فغر فمه فأشبهها، وغرَّ بأنّه بشر إلا أنه سود صورته وشوهها. أعقل منه سكان المارستان، وآمن عاقبة من حنش البستان، وأقلُّ غيبة منه وجوه أهل البهتان، وأملك منه لشهوته الحمار، شم بولة الأتان. لا دين يرجع إليه، ولا عقل يرد عليه، ولا محتسب يقيم عليه الحدَّ، ويُمْسِكُ يديه، بعقيدة لا يغْسِلُ السيف عارها، ولا
стр. 5872
يواري الليلُ عُوارَها، أثقَلُ من مَنِّ، وأشحَذُ من مِسَنٌ، وأَبْغَضُ من مساء رقيب، وأشأمُ من صباح ذيب، وأقدر من قمل، وأحْرَصُ من نَمْلٍ، وأسقط من الذباب، وأسمج من الذِّئاب. بِعِرْضِ أَسْرَعُ تفطرًا من الزجاج، وآكل للقدر من الدجاج. لا له زاجرُ يَرْدَعُهُ، ولا آمر من العفافِ يَسَعه، يطير مع كل ناعق، ويعوي لكل ناهق، إذا شَعَرِ نَبَحَ، وإِذا أَنْشَدَ كَبَحَ. يتهادى إلى كلِّ مجلس كأنّه زلزلة، ويتباذى وما خرج من الخطوة الحاضرة قَدْرَ أَنْمُلَه. على أنه حام تتحامي صَرْحَهُ الذِّئاب، ويُعْرَفُ فضله على كثير ممن لبس الثياب. يرعى العظام ولا يلج بيت جاره إلا أنه يسعى حول الخيام، ذو حَمِيَّةٍ مَا شَهِدَ شبهها يوم الكلاب، وحفيظة ما عُرِفَ مثلها لبني كلاب، ببَصَر حديد، وساعد شديد، وفطنة لو تقيد بها عِلْمُ الطب أو تنحَلَ عَلِمَ أبقراط فصار الأكحل لا يخاف الغارة الشعواء ولا يهاب في السماء العواء. ولا يزال في الحي منه طائف يسعى، ومقدام الأسد إذا أقعى، تتوقى الأعداء من كلبه، وتتطاول الرؤوس ولا تَصِلُ إلى ذنبه. فاتك أخلا رامة من ظباتها السوانح، وسبق بطشه الجوارح. إذا رأته كلاب الحيّ بَصْبَصَتْ أذنابها، وأكرمَتْ مقدمه كأنّها تَعْرِفُ أَنْسابَها. إذا نُبذت له الحصاة ينزو لوقعها، وينبو لسُمْعَتِها. وله خط يروقُ وشي قَلَمِهِ، ويطولُ بِعِصِيّ يراعه كأنّما يهش بها على غَنَمِه. هذا مع رجوعه إلى أكرومته وعفافه، وقنعه بقليل الدم يَلِغُهُ، واللحم موفّر لأضافه، وعَدَم تهافته على آمال تتنافس طلابها، ودنيا تزاحم منها على جيفة وتهارس كلابها.
وحكى لي من لا أتهمه، ممن كان يَصْحَبُه ويَلْزَمُه، ويبيْتُ عِنْدَه ولا يُضْجِرُهُ ولا يُبْرِمُهُ، أنّه كان ينام عنده الليلة الطويلة بتمامها، ويُصبحُ النَّهار ويتضحى وهو نائم، فإذا حَضَرَ الغداء، أنبهه فقعد فأكَلَ، لا يغْسِلُ وجهًا ولا يدًا، ولا يقف مع أمر كأنه خُلِقَ سُدى. ما استيقظ وتوضا، ولا صلى سنة ولا فرضا، هذا مَعَ إِصرار لا يَهُمُّه منه لُبْسُ القبائح، ولا يخيفه تشيع الفضائح، ولا يضُرُّه أن يبيتَ جِسْمُه سماط السياط، وعرضه قرى القوابح. وعلى هذا فهو شاعر يملأ السمع عجبًا، ويهز الجماد طربًا، لا يفوته صيد معن شارد، ولا ليلٌ يَسْهَرُه الراقد. بديهة في التحصيل اعتادها، وقدرة على صَيْدِ شوارد المعاني لا يُنكَرُ له إذا صادها. عجبًا له وهو في هذا النَّسَبِ العريق، والمشابهة في التخليق، كيف خالف عادة مِثْلِهِ في الوفاء، وكيف حُمِدَ في نوعِهِ كُلُّ مُضمَرٍ، وَوُصِفَ وهو بالجفاء، إلا أنَّ محاسنَ شِعْرِه نطقت، ويد المعرفة به سبقت، وله حق الصحبة التي كانت إنفاقًا، فلَيْتها لا كانت ولا أنفقت. ومن بدائعه قوله فيما كتب به إلي: [من الكامل]
أبدالي يُجدد الحمام إذا شدا … ذكراك في الليل البهيم إذا هَذا
стр. 5873
يا غُصْنَ بانٍ طار قلبي نَحْوَه شوقًا … فبلَّ جَنَاحَهُ قطر الندى
أترى دمي في وجنتيك فإنَّني … عاينت خدك لا يزال موردا
أم نار حُسْنِك أوقدت في صحنِهِ … فوضَعْتَ قلبي منه خالًا أسودا
عقد الجفون بكُلِّ نجم طالعِ … طَرْفٌ يُطالعني على بعد المدى
شَرِقَتْ به عَيْنٌ وعَصَّ بِشَخْصِهِ … صدري وضم علي وارده يدا
ثمَّ انتَضَتْهُ يد الفراق بيقظة … من مقلتي وكان فيها مغمدا
ومنها:
نجل الخليفة من قريش والذي … حاز المفاخر طارفًا أو مُتْلَدا
سلك الطريق إلى عَدِيٌّ جَدِّهُ … في المجْدِ والحَسَبِ والصريح فما عدا
وَجَلتْ مخايله الرئاسة إذ نضا … عنه الغمامة ثم لا السؤددا
أورى زناد الدين بعد خمودِه … حينًا ونار الجاهلية أخمدا
وعصى دعاء اللات بعد بلوغه … وأطاع في الله النبي محمدا
بُنيت معاليه على قَصْدِ القنا … ال خطّي إذ سَلَكَ الطريق الأقصدا
وأقام أعمدة المآثر وارتقى … دَرَج المعالي في السيادة مُصْعِدا
وأحل أسرار الممالِكِ صَدْرَه … فحنَتْ أضالِعُهُ عليه تودُّدا
فلو استطاع الماردونَ لِوَحْيِه … سمعًا عَلُوا صَرْحًا إليه مُمَردا
لكنَّهم مُنعوا برجم شها به … أن يقعدوا للسمع منه مقعدا
وقوله من أخرى كتب بها إليَّ: [من الطويل]
عفا بَعْدَهم بطنُ العقيقِ فَلَعْلَعُ … فوادي الغضا فالمنحني فطويلع
منازل عفاها البلى فتأبدت … معالِمُها بعد النَّوى فَهْيَ بَلْقَعُ
هي الدار يصبيني صباها ولم يَزَلْ … تُجرِّعني فيها الأمرين أجْرَعُ
وزِعْني بها الصبر الجميل عن الأسى … دموع على ليل الصدود توزَعُ
سقى الله أيامي بها وإن انقضت … مراجعتي فيها لمن ليس يَرْجِعُ
وحي ليالي التي زالت المُنى … وقد زِلْنَ والأيام تُعطي وتَمْنَعُ
ومنها:
فساروا بمثل الشمس حطت لثامها … وكم دون تلك الشَّمسِ بَدْرٌ مقنع
لَوَتْ جيدها فيما ترى العَيْنُ دُمْيَةً … تُحاط بألحاظ الكماة وتُمْنَعُ
يراقبنا فيها غيور كأنّما … ترى الشمس منها بين قرنيه تطلع
стр. 5874
إذا زلَّ عنها سجنها أحدقت به … لواحظ قد غطت عليهنَّ أَدْمُعُ
يشُقُّ إليها الدَّمْعَ وَهْيَ سريعَةٌ … يشُقُّ عليها والقنا وَهْيَ شُرَّعُ
ومنها:
شهاب يضيء الخطب رأيًا مهذّبًا … عليه الحسام الهندواني يُطبَعُ
سليل أبي حَفْصِ إلى مثل هَدْيِهِ … وآثاره في صالح الذكر ينزع
فتًى عَدَوِيٌّ يجبنُ السيل دونَه … إذا هم ناجاه فؤاد مشيع
إذا ناب خطب ناب فيه عن القنا … يراعٌ له أنف الكريهة يُجدَعُ
وألفاظ حُرِّ حُرَّة لا يُديرها … خداع إذا مرّت وذو الحرب يخدع
يصيح على الأعداء في كلِّ بُقعَةٍ … غراب لها بالطرس والنَّفْسِ أبْقَعُ
وقوله من أخرى كتب بها إليَّ: [من الوافر]
سقى عهد الحمى صوب العهادِ … بكلِّ أجش مُنْفَتِقِ المزادِ
كأنْ حُبيبك ريقه إذا ما … تراكم قطره رجلا جراد
يفُضُّ عراه لمع البرق فيه … كما هتك الدُّجى شرَرُ الزِّنادِ
فَيَسْرِقُ منه أجفان الخزامى … ندى كالدَّمع في الأجفان بادي
فلو أن الجماد يُطيقُ شُكرًا … له لَنطَقنَّ السِنَةُ الجماد
حَيَا يُحيى مواتُ التُّربِ مِنْهُ … بنفث الروح أفواه الغوادي
ثر دار وجدتُ بها شجوني … ولكنّي عَدِمتُ بها فؤادي
منازِلُ باعَدَتْ ما بين قلبي … وسلواني وجفني والرقاد
يعارض ذكرها ريقي فتشجى … لهاتي منه بالعَذبِ البَرادِ
ويَبْرَأَ من نسيم المسك أنفي … إذا هبت صبا تلك البلاد
منها:
إذا الحلماء والفصحاء جاؤوا … وجيء بهم الإسداء الأيادي
فَمَنْ قيس بن عاصم وابن قيس … ومن قس بن ساعدة الإيادي
ذكرتك يا ابن فضل الله ذكرى … علًا هي والكواكب في عداد
وقد نوّهت باسمي فهو فرد … أجوز به النجوم علي انفرادي
وألبسني احتفالكَ بي رداءً … خُلِعْنَ عليه أفئدة العبادِ
وقد أوطَأتَ آثاري أناسًا … على آثارهم وطء الجيادِ
فكنتُ لهم عليانًا ودوني … إذا ما حاولوا خَرطَ القتادِ
وقوله من أخرى كتب بها إليَّ: [من الكامل]
أطروق طيف من خيالِكِ عائِدِ … يُعنى بوسنان اللواحظ هاجد
стр. 5875
قطع السماوة بعْدَ هَدْءٍ قائمًا … بالودٌ في حفظ العهود القاعد
ومن العجائب أن يُحِس دنوه … بعد الجفاء لنازح متباعد
أصبو إليه ودون مَنْهَل ثغره … ما دون مورد كلِّ عَذب بارِدِ
خفقان ألوية وَلَمْعُ أَسِنَّةٍ … زُرْقٍ تفارط في أنامل ذائد
للماء تحت طلا لهى وضاءة … الخد المورد تحتَ فَرع واردِ
منها:
براق شعر الجود يُشْعِر نشره … بالرِّي إشعار الغمام الراعد
وترى السكينة في حقافَي عِطفه … كالصَّفْوِ في ماء الغدير الرّاكِدِ
يسطو فييرأ تاجُ كلِّ مُمَلَّكٍ … لسطايديه من بنان العاقد
وإذا اجتتى للجود ناط منه … بالنيرات إلى يمين القاصد
وتظلُّ تحسده الملوك فإنني … لأرى الملوك على نداه حواسدي
أطناب غُرَّته على هام السُّها … موصولةٌ من عزمه بقواعد
يتعثر الخطب المفاجئ بينها … ويُقيلُ عثرة كل جد صاعد
وقوله مضمنًا: [من الكامل]
أفديه أغْيَدَ شَعْرُه وجبينهُ … نُورٌ تلألأ في ظلام داجي
والفرق بين الشعر فوق جبينه … عريان يمشي في الدجى بسراج
وقوله: [من الرجز]
قد بِعْتُهُم قَلْبِي يوم بينهم … بضمة التوديع وهو محترق
ولم أجد من بعدها لِرَدّه … وجهًا، وكان الرد لو لم نفترق
وقوله: [من المتقارب]
أتى ابن نباتة ديوانه … يوقعُ والجَهْلُ قد أوقَعَه
قلما تصدر لم يَدْرِ ما … يَصُدِّرُ في الكُتُبِ المُصْفَعَة
فقالوا حمار وهذا الجمودُ … يَدُلُّ على أنَّه بَرْدَعَهْ
وقوله: [من المتقارب]
أرى ابن نباتة لما غدا … يُعَرِّض في كتبه بي غوى
فإِنْ كُنْتَ كَلْبًا فقد حَمَّلوا … على عِرْسِهِ كلَّ كَلْبِ عوى
وقوله: [من المنسرح]
كأنما الورد حمرة وندى … خد مليح أبكاه توبيخ
انْظُرْ إليه في أفق مجلسنا … كواكِبًا كُلُّهُنَّ مِرِّيخُ
стр. 5876
وقوله: [من البسيط]
يا سيدي أهل دار الطعم قد كَذَّبوا … حتى علي بوعد غيرِ مُنْضَبِطِ
فاعْلَمْ على كلِّ حالٍ أنّهم سقَطٌ … لا يُفلِحونَ فلا تغتر بالسَّقَط
وقوله في يوم ثلج: [من الطويل]
كأن مغاني جلق حين أشرفت … وقد عم منها الثلج كل طريق
كواعب قامت في انتظار الزائرِ … بَسَطْنَ لممشاه ثياب دبيقي
وقوله: [من الوافر]
بدا والليل مضموم الجناح … بريقٌ مِثلُ مُنْبَلِج الصباح
سريع الومض في وطفاءَ تشكُو … تثاقُلَ خَطوها هيمُ البطاح
أصاخ لها الثرى وقد ارجحنَّتْ … وشافَه وقَعَها ثغر الأقاحي
فأولد بطن ذاك السَّفْحِ زَهْرًا … كواعِبُه التقين على سفاح
فمن قان يُخال دمًا وزاءٍ … أغرّ كأنّه بَيْضُ الأداحي
كأنَّ المُزنَ والأغصانَ خَيْلٌ … عَطَفْنَ على الربى بكؤوس راح
فَوَالَهْفِي علي جفن وثغر … رقيقِ الخَصْر مجدول الوشاح
أَغَنَّ إِذا نَضَا بُرْدَيْهِ لاحَتْ … معاذير المتيم للواحي
شكا خَدّاهُ مِنْ طَرفي جراحًا … وَقَلْبي مِنْهُما دامي الجراح
فَلَمْ أَرَ مثل ناظره وقَلْبي … وكُلُّ منهما شاكي السلاح
ومن قصيدة: [من الطويل]
سرى ونقاب اللَّيْلِ بِالفَجْرِ قَدْ حَطَّا … وخطَّت يَدُ الإصباح في فَوْدِهِ وَخْطَا
وقد شغلت أيدي الضحى بنجومه … أَنامِلَها يَلقُطْنَ جَوْهَرَها لَقْطا
وأَلْقَتْ خواتيم الثريا اليد الّتي … لَها فَكَتِ الجوزاء من أُذُنِها القُرْطا
وَشَقَّتْ على اللَّيْلِ البَهِيم ابتسامةٌ … مِنَ الصُّبْحِ شَقَّتْ عَنْ تَرَائِبِه مَرْطا
وخادع مطرود الكرى كلَّ ناظِرٍ … وسَدَّ عن الرمل أبردِهِ الأرطى
خيال إذا أدْنَتْه مِنْ كبدي المنَى … سَفَاهًا فقد يدنو المَزَارُ وإِن شَطَّا
خليلي ما أَوْلاكُما بتحيَّة … تَرُدُّ إلى من شَطَ إِنْ جِئْتُما الشَّا
يُذادُ لها ماء الفرات إذا انتهت … إلى كَبِد تشتاقُ مِنْ عاته السقطا
ومن قصيدة: [من الكامل]
للهِ مُطَّلعون من قُلَل الحمَى … تُدنيهمُ الذكرى وإن لم يسعفوا
بين البروق ثغورهم تجلو الدُّجَى … ومع الشموس وجوههم تُسْتَشْرَفُ
стр. 5877
أنكرت منزلهم بعيني والحَشَا … يَدْرِيه لِلشَّغَف القَدِيم ويَعرِف
ومن قصيدة: [من الكامل]
غادي الديار فِتاحُ فيها فِعْلنا … وشكا الذي نشكو الحمائم موهنا
صَبُّ بكى إِثْرَ الخليط وعاقَهُ … أَنْ يَسْتَقِلَّ وراءَهُم فَرْطُ الضَّنَى
زالَتْ حَمُولُهُم وفيها أَنْفُسُ … قد أبدلوها بالضلوع المنحنى
للهِ ما سَتَرتْ غمائمُ خُمْرِهِم … من أقمرٍ تَبْدُو فَيَحْجُبها السَّنَى
هي والبدور على قوالب أفرغت … لكن أرى الآذي إلينا الأَحْسَنا
بانوا وأتبعهم فؤادي حسرةً … يستصحب الأكباد فيها الأعينا
يتلفتون إلى قتيل نواهم … وهم الظباء وأي ظِبْيٍ ما دنا
ويلينهم مَرُّ النَّسيم لطافةً … وَهُمُ الغُصُونُ وأَيُّ غُصْنٍ مَا انْثَنى
واها لها ولِكُلِّ غُصْنٍ لَيِّنٍ … لو ضَمَّ مِنْهُ الصَّدْرُ قَلْبًا لَيِّنا
وقوله: [من الخفيف]
ومليح ما زال طائرُ عَقْلي … واقفًا في الهَوى عَلَى غُصْنِ قَدِّه
ضَمَّ نَبْتُ الشَّقِيقِ زَهْرًا وَكَانَتْ … عِلَّةُ الضَّمِّ أَنَّه جِنْسُ خَدِّه
وقوله: [من الكامل]
أَعْطى أَزِمَّتَه الصَّبا والشَّمْأَلا … وانقاد أدهم بالبروقِ مُحَجِّلا
غَيْثُ قفا إثر الكواكب ذَيْلُهُ … فَعَفا وَأَرسَلَها سَحائب جُفَلا
ما قَبَّلَتْ مِنْهُ الكَمائِم هَيْدبًا … إلا وقَدْ حَسِبَتْهُ كُمًَّا مُسْبَلا
لبِسَتْ لَهُ الغُدْر الدروع وَقَدْ رَأَتْ … بَرْقا يَهِزُّ على الأُبَيْرِقِ مُنْصِلا
وقوله: [من الوافر]
جرت كبدي مع الدمع المندي … حواشي وحشتي غب العقاب
فكانا لؤلؤًا رطبًا أضيفت … فرائِدُهُ إلى ذهب مذاب
فيالك حلية لو فزت منها … بشيء لافتديت به شبابي
وقوله: [من الوافر]
حبست الدمع ثم جعلتُ جفني … سياجًا ما له عنه انفراج
فما زلتم بجودكم إلى أن … تجرى الدَّمْعُ وانْخَرَقَ السِّياج
وقوله: [من المتقارب]
وأغْيَدَ الْثغَ خاطبته … وقد أبْدَلَ السِّيْنَ في اللفظ ثا
فقلت له زر فقال الرقيـ … ـب أراه مع الصُّبْحِ قد غَلَّثا
стр. 5878
فقُلْتُ أرى جبلًا لا يرق … فؤاك لي قال لي قد رثا
وقوله: [من السريع]
كأنما طابعه المشتهى … من تحت تِلكَ الشَّفَة الزاهرة
مركز بيكار الجمالِ الذي … صلَّحَ وضْعَ الطلعة الباهرة
فاعجب لأيدي الحسن إذ قَرَّرَتْ … مركَزَهُ في طَرَفِ الدائرة
وقوله: [من الرجز]
أعجب ما في مجلس اللهو جرى … من أدمع الراووق لما انسكَبَتْ
لم تزل البطة في قَهْقَهَةٍ … ممَّا بنا تضحك حتى انقلَبَتْ
وقوله: [من الرجز]
أنا القليل العقل في خَرْقي الذي … أهَلَكَه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوى … تصفية الكاسات في شواربي
وقوله: [من مخلع البسيط]
قالت وقد أنكرت سقامي … لم أَرَ ذا السُّقم يوم بينك
لكن أصابتك عين غيري … فقلت لا عين غير عينك
وقوله: [من الطويل]
جَرَتْ من بُعَيْدِ الدار لي نفحة الصبا … فقد أقبلت حَسْرَى من السَّيْرِ ظَالِعَةً
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى … ومن تعب أنفاسها متَتَابِعَةً
وقوله: [من الكامل]
لي عند مُشْتَجَرِ الرماح إذا التقى الـ … جَمْعانِ واستن الجيادُ الضَّمَّرُ
وتراكمت سُحُب المنايا واعتلى … في الجو من وقع السنابكِ عِثْيَرُ
وانهَلْ من زرق الأسنّة فوق مغـ … بَرِّ التُّراب دم عبيط أحْمَرُ
وعلى الثرى من كل شهم أروع … ثوب بتفضيل المنون مشهرما
من أبيض في مفرقَيْهِ أَبيضُ … أو أسمر في جانبيه أَسْمَرُ
قلب نُخَيلك الظنون له فما … تُصْبِيهِ حادثة ولا تتغير
وقوله: [من المتقارب]
فُتِنْتُ بأسمرٍ حُلْوِ اللَّمى … لسلوانه الصَّبُّ لم يستطع
يُقطِّعُ قلبي وما رق لي … ودمعي يرق وما ينقطع
وقوله: [من الطويل]
لقد نَبَتَتْ في الصالحية دوحة … من العِزّ يحلو لي جناها ويَعْذُبُ
стр. 5879
فَطَابَ لَدَى قَاضِي القُضَاةِ مَحلُّلُها … (وَكُلُّ مَكَانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ)
وقوله: [من الكامل]
رَكِبَ البَريدَ سِوايَ نَحْوَ قُمَامَةٍ … لِلرِّزْقِ كَابْنِ نُبَاتَةَ النَّجَامِ
وأَتَوْا وَأَجْرِبَةُ البَرِيدِ وَرَاءَهُم … وَأَتَيتُ لا خَلَفي وَلا قُدَّامي
وقوله: [من الوافر]
تَوَهَّمَ إِذْ رَأَى حُبًّا يُحَاكِي … على شفتيه درًا في عقيق
فَقُلْتُ له وحقك ليس هذا … سوى حَبَبٌ على كَأسِ الرَّحيق
وقوله: [من مجزوء الرمل]
يا فَمَ المَعْشُوقِ سَبْحَا … نَ الَّذِي زَانَك زِيا
قَدْ تَحَلَّيْتَ بُدْرٌ … فَتَحَبَّيْتَ إِليْنَا
وقوله: [من الطويل]
أَتَى سَرَطَانُ الشَّامِ مِصْرَ مُهاجِرًا … ليلجأ في النَّيْلِ السَّعيد إلى جُرفِ
فإن مَنَعوهُ النِّيلَ خوف نجاسةٍ … فقل نهرُ قُلُّوط عليه إلى الأنف
ومنهم:
[٢٥٨] الطُّنْبُغَا العَلَمي الجاولي، أبو جعفر، علاء الدين (١)
هو اليوم واحد في جِنْسِه، لا أعرف له ثانيًا، ولا لفضله مدانيا. يتبارى سيفه وَذِهْنُه، ويتجارى جواده و خاطره، وكلاهما يُحرز له رهنه. لو اجتمع هو والفارابي في مجلس ابن حمدان، لأراه بمعانيه كيف الطَّرَبُ. أو جاوره الجوهري لقيل له لقد حَكَيْتَ ولكن فاتكَ النَّسَبُ. أو جالسه أَيدْمَرَ السّنائي لاسْتَمدَّ من مواده الغزيرة. أو وقف على ديوانه ابن العديم، لأقرَّ بأنَّه فخر التُركِ لا مولى وزير الجزيرة.
стр. 5880
لقد أسمع من كَلمِهِ ما رَقَّ كأسه حتى شُرِبَ، ونفح من شذاه ما سُلِّم به إلى أنَّ خيار المسك ما كان من بلاد الترك قَدْ جُلِبَ. فيا له فارس جواد وإجادة، أصبح فيهما بلا نظير، وبلغ منهما غاية كُلِّ مضمار وغاية كل ضمير، وأتى بالدر كأنه مَبْسِمُهُ، أو من فلول سيفه لما اخْتَرَطَهُ.
هذا وقد طبع على سجايا لو تَمَثَّلتْ كالزجاج الشفت، ومرايا لو قلقل طوارق الليل لكفت. شيمةٌ ممازجة، وسجيّةً كريمة. تحلّى بملابسها. وأحْسَنُ ما فيها أنها تركية ساذجة.
ومن شعره الفائق قوله (١): [من البسيط]
سَبِّحْ فقد لاح برق الشَّغْرِ بِالبَرَدِ … وَاسْتَسْقِ كأس الطلا من كف ذي ميد
ستغرب اللفظ للأتراك يَسْبَتُهُ … له على كل صب صولة الأسد
يا عادلي خلني فالحُسْنُ قَلدَهُ … عقدًا من الدُّر لا حبلًا من المَسَدِ
ويل لمن لامني فيه ومُقْلَتُهُ … نفَائةُ النَّبْلِ لا نفَّاثَةُ العُقَدِ
وقوله (٢): [من الكامل]
خود رها فوق المراشِفِ خالُها … وَلَئِنْ فُتِنْتُ به فَلَسْتُ أَلام
فكأنَّ مَبْسمها وأسْوَدَ خالِها … مِسْكٌ على كأس الرحيق ختام
وقوله (٣): [من المجتث]
وبارد الثغر حُلْوِ … بِمَرْشَف فيه حُوّه
وخَصْره في انتحالٍ … يُبدي من الضعف قوه
وقوله (٤): [من الخفيف]
ردفه زاد في الثقالة حتى … أقْعَدَ الخَصْرَ والقوام السُّوِيا
نَهَضَ الخَصْرُ والقوام وقاما … وضعيفان يغلبان قويا
وقوله (٥): [من الطويل]
تخاطبني خودٌ فأبدي تَصَامُمًا … فَتُكْثِر تكرار الخطابِ وَتَجْهَرُ
فَأَصْغِي لها أذنًا وأُظْهِرُ عُجمةً … لكيما أرى دُرًّا من الدُّرُ يُنْتَرُ
وقوله: [من البسيط]
قال النحاة بأن الاسْمَ عِنْدَهُمُ … غَيْرُ المسمى وهذا القول مردود
الاسم عينُ المُسَمَّى والدليل على … ما قُلْتُ أنَّ شهاب الدين محمود
стр. 5881
وقوله (١): [من الوافر]
وصالك والثريا في قرانٍ … وهجرك والجفا فَرَسا رهانِ
فديتك ما حفظت لتؤم بختي … من القرآن إلا لن تراني
وقوله: [من الكامل]
وكأنَّ عارضَهُ تَسَلْسُلُ دورَةٍ … وحَلا مراشِفِ ثغره من شَهْدِهِ
نَمْلٌ سعى يبغي ضريب رضابه … لكن توقف من تَضَرُّمِ خدِّهِ
وقوله: [من الكامل]
بالرُّعْبِ أَحْضَرَ الخُدود وشاربه … فليَهْنَ بالرِّيقِ المعَسَّلِ شارِبة
سلطانُ حُسْنِ كلّما كلمته … يزور ناظِره ويقسو حاجبه
وقوله: [من الطويل]
وقالوا عذار الخد فيه صَبَابَةٌ … وإنّ به كلُّ الجمال يُتَمَّمُ
وقوله: [من المتقارب]
عذارك والخد قد أظهرا … جميع الذي فيهما يَرْمِزُ
وأَنَّى يُصانُ الهَوَى فيهما … وهذا يَنِمُّ وذا يَغْمِرُ
وقوله: [من الخفيف]
شُغِفَ الطَّرْفُ والعِذارُ بِخَدّ … فيه ماءً وجَمْرُ نار يَشُبُّ
كُلَّمَا احْمَرَّ خَجْلَةٌ وَحَياءٌ … يَنْعَسُ الطرف والعذار يذب
وقوله: [من الكامل]
نقلوا الهوى عني وقد شاعَ الخَبَرْ … حتى درى بصبابتي كلُّ البَشَرْ
إنَّ العيون الضيقاتِ فَتَنَّني … لا الأعينُ النُّجْلُ التي فيها الحَوَرْ
يا من يُعَرِّضُ للهلال فؤاده … من سطوة الأتراك الْحَذَرَ الحَذَرْ
قوم إذا رقوا يروقوا في الوفا … فإذا قسوا قَاسَى مُحِبُّهُمُ الخَطَرْ
لا يعرفون سوى السهام ورشقها … إما بأيديهم وإما بالنظر
عند الجلاد ضراغم لكنَّهُمْ … في مجلس اللذاتِ زُهْرٌ أو زَهَرْ
من كل ريانِ القوام مهفففٍ … يختالُ في حُلَلِ الملاحَةِ والخَفَرْ
стр. 5882
من آل خاقان كَلِفْتُ بِحُبِّهِ … زِنْجِيُّ لحظ والحواجِبِ والشَّعَرْ
لما بدا للناس قالوا إِنَّ ذا … مَلَكُ أتى بالحُسْنِ ما هذا بَشَرْ
وقوله: [من المديد]
مت شهيدًا في غزال ألوفِ … لَيِّنِ الأعطافِ غير عطوف
خده دون ظُبَا مُقْلَتَيهِ … جَنَّةٌ تحت ظلال السيوف
وقوله: [من الكامل]
وإذا بليت من الهموم بلَسْعَةٍ … فَاجْعَلْ سُلافك عاجلًا درياقها
لم يظلموا راووقها في صلبه … فلقد أباح دماءها وأراقها
وقوله: [من الطويل]
بكت عندما عانقتها يوم ودعت … فقالت: لقد زاد البعاد وأفرطا
فوالله لا أدري ألؤلؤ دمْعِها … أم العِقْدُ من ذاك العناق تفرطا
وقوله: [من الكامل]
سفرت عن الوجه المنير نقابها … واستقبلت قَمَرَ الدُّجَى فتشابها
حتى إذا حاشَى الرّقيب تبرقعت … شمس غدا ذاك النقاب حجابها
لم أنسها يوم الوداع وقد دعت … دمعًا يكلل خدها فأجابها
فكأنَّهُ دُرِّ على ديباجةٍ … أو روضةٌ طَلُّ السماء أصابها
خافت غَداةَ البينَ من رقبائِها … لما رأت بل الدموع نقابها
زَجَرَتْ دموعًا مِثْلَ لؤلؤ ثغرها … حتى حَسِبنا كَلَّلَتْ أهدابها
وقوله: [من المتقارب]
خذوا حِذْرَكُمْ من سيوفِ المُقَلَّ … فليس لكم بسطاها قبل
وقوا أنفسًا إن رَمَتْ أسهمًا … فما هي إلا سهام الأجل
وإن نَفَثَتْ سِحْرَها أو رَنَتْ … فليس تُفيدُ الرُّقي والحيل
فَهَلْ لِدَمي آخذ من رَشًَا … يصول ولا يخُتشي إن قَتَلْ
وقوله: [من الكامل]
وسَرَتْ سيوفك في الكُمَاةِ كَمَا سَرَتْ … سِنَةُ الكَرَى في مقلة النوّامِ
لا يشعرون إذا قَطَعْتَ رِقَابَهُمْ … لولا التحاق الهام بالأقدام
وقوله: [من الخفيف]
وكأنَّ الكُمَاةَ صَرْعَى مُدامِ … رَقَدُوا مِنْ ظباك لا إغفاء
إذ سَقَتْهُم سيوفك البيضُ كأسًا … فتراهم صرى تفانوا دماء
стр. 5883
ومنهم:
[٢٥٩] سليمان بن داود بن سليمان بن مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الحقِّ، الحنفي، أبو الربيع، صدر الدين (١)
من بيت فقه وقضاء، وعِلْم كأَحْسَنِ وجوه الكواكب الوضاء. تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغْلِبُ على ظنّي أنّه لم يَعْلَق في المدارس بوظيفة. وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمَّ عاد. ووصل مع رُسُل جاءت منهم مشاركًا في الرسالة مشارًا إليه بينهم بالجلالة. وله أدب ما الأري المشار إلا مذاقه، ولا النَّهارُ المنير إلا إشراقه، ولا سُلاف العقار إلا ما أسْمَعَ، ولا البدور الكوامل إلا ما أطلع، ولا العرب الأتراب إلا ما أبدى من بنياتِ فِكْرِهِ فجلا أو أكنَّ فَبَرْقَعَ.
وهو في كل فنونه مبرز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحده، وملك منه ملكًا سليمانيًا لا ينبغي لأحد من بَعْدِه، بقريحةٍ عُرِفتَ بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرفت في ملك البيان تصرف سليمان وقَلَمِه الخاتم، لقُدْرة طبّ بها فخر العقود، وتصرف بها تصرف سليمان بن داود. لم يبقَ عَروض حتى زَخَرَ له بَحْرُهُ، ولا سِرُّ بلاغة حتى ضُمَّ عليه صَدْرُه، ولا تَفَنَّن أهل غرب أو شرق حتى جَمَعْ، وتَفَنَّنَ فيه حتى قَصُرَ دونَهُ كُلُّ طَمَع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حُسْنَه الصنيع، ويَنْشُرُ ملاءات الحبر من فكره السحابي أبو الربيع، مما تَقذِفُ به السُّفُن والركاب، وتجري الريح بأمْرِهِ مسخَّرَةً حيث أصاب، المحاسن أبعد فيها وأبْدَعَ، وظل كل من حضر مجلسه السليماني وكأنه الهُدْهُدُ يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وَجْهِه تخوضه العيون ثم تقول إنه صَرْح ممرد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودُرِّه الذي يفوق، قوله (٢): [من الوافر]
стр. 5884
أرومُ وصالَهُ فيَصُدُّ قلبي … بلحظ قد حَمَى رَشْفَ الثّنايا
فبين لحاظ عينيه وقلبي … وبين الوصل معْتَرك المنايا
وقوله (١): [من المتقارب]
ولما انقضى وقتُ تَوْدِيْعِها … عشيَّةَ بين وجدَّ السَّفَرْ
وقفتُ بِجِسم يُريها السُّها … وسارتْ بِوَجْهِ يُريني القَمَرْ
وقوله (٢): [من الرمل]
حظ عيني من الدُّنْيا القَذى … وفؤادي حظه منها الأذى
وَلَكم حاولت فيها راحة … ما أراد الله إلا هذا
وقوله (٣): [من السريع]
لما بدا في خده عارِض … وشاق طرفي نَبْتُهُ الأخْضَرُ
أمطر أجفاني مستقبلًا … فَقُلْتُ هذا عارِضُ مُمْطِرُ
وقوله (٤): [من الخفيف]
إن بدا لي وتُبت عن شُرْبِ راحي … ودعاني إليه دف وعود
فأدريا نديم كأسَ مُدامي … وعليَّ الضَّمان أني أعود
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
عَطِشْتُ في مَجْلِس وفيه … ساقٍ كريم يُديرُ خَمْرا
سُقِيت لما عَطِشْتُ كأسًا … ياليتني لو عَطِشْتُ أخرى
وقوله (٦): [من الطويل]
تعشَّقْتُهُ ظبيًا فنم عذاره … فناديت يا قلبي خَلُصْتَ من السَّبْيِ
فقال أتسلو عند نبتِ عذارِهِ … ألم تَدْرِ أَنَّ المِسْكَ يَنبُتُ في الظَّبْيَ
وقوله (٧): [من مجزوء الكامل]
من يَكُنْ أعمى أصَمًّا … يَدخُلِ الحان جهارا
يَسْمَعُ الألحان تتلى … ويرى الناس سارى
وقوله (٨): [من الطويل]
بدا الشَّعْرُ في الخد الذي كان مُشْتَهى … فَأخْفى عن المعشوق حالي وما يخفى
стр. 5885
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةً … من الورد وهي اليوم موردة الحلفا
وقوله (١): [من المجتث]
أهوى رشا غريرًا … لم يُبق في بُقْيَا
من مهجتي ودمعي … رَعْيًا لَهُ وسُقيا
وقوله (٢): [من الخفيف]
يا رسول الحبيب غِثْ مُسْتَهامًا … مغرمًا يعشق الغرام ديانة
حدث الخائف الكئيب من الهج … ر فهو مِمَّنْ يرى الحديث أمانه
وقوله (٣): [من الطويل]
أناديك موسى إذ رأيتُك واردًا … ومقْتَبِسًا نارًا وقد قيل لا ولا
أيا قابسًا خُذ من فؤادِيَ جذوةً … ويا واردًا رِدْ من دموعي مَنْهَلا
وقوله (٤): [من مخلع البسيط]
قل للذي حين رام رزقًا … بِكُلِّ ما لا يليق لاذا
أقْصِرْ عناءً وَنَم قريرًا … فالرِّزْقُ يأتي بدون هذا
وقوله (٥): [من الطويل]
وقائلة يوم الوداع: أرى دمًا … تفيض به عيناك، قُلتُ لها: أدري
ألم تعلمي أنَّ الفؤَادَ لِبَيْنِنا … يذوبُ وأَنَّ العينَ لا بُدَّ أَنْ تَجْرِي
وقوله (٦): [من الكامل]
وإلى مَ أمْنَحُك الوِدادَ سِجيَّةً … وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس لي … دَمْعٌ يَعِي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليَّ: [من الطويل]
نَشَأْتَ شهاب الدين بالعِلْم والحِجا … وفُقْت الوَرَى فضلًا وعِلْمًا وسُؤددا
شهابُ العُلا قد كان قبلك في … العُلا شهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله (٧): [من السريع]
ضيعتُ أموالي في سائبٍ … يَظْهَرُ لي بالود كالصاحب
لما انتهى مالي انتهى وُدُّه … واضَيْعَةَ الأموال في السائب