وقوله (١): [من الوافر]
وصالك والثريا في قرانٍ … وهجرك والجفا فَرَسا رهانِ
فديتك ما حفظت لتؤم بختي … من القرآن إلا لن تراني
وقوله: [من الكامل]
وكأنَّ عارضَهُ تَسَلْسُلُ دورَةٍ … وحَلا مراشِفِ ثغره من شَهْدِهِ
نَمْلٌ سعى يبغي ضريب رضابه … لكن توقف من تَضَرُّمِ خدِّهِ
وقوله: [من الكامل]
بالرُّعْبِ أَحْضَرَ الخُدود وشاربه … فليَهْنَ بالرِّيقِ المعَسَّلِ شارِبة
سلطانُ حُسْنِ كلّما كلمته … يزور ناظِره ويقسو حاجبه
وقوله: [من الطويل]
وقالوا عذار الخد فيه صَبَابَةٌ … وإنّ به كلُّ الجمال يُتَمَّمُ
وقوله: [من المتقارب]
عذارك والخد قد أظهرا … جميع الذي فيهما يَرْمِزُ
وأَنَّى يُصانُ الهَوَى فيهما … وهذا يَنِمُّ وذا يَغْمِرُ
وقوله: [من الخفيف]
شُغِفَ الطَّرْفُ والعِذارُ بِخَدّ … فيه ماءً وجَمْرُ نار يَشُبُّ
كُلَّمَا احْمَرَّ خَجْلَةٌ وَحَياءٌ … يَنْعَسُ الطرف والعذار يذب
وقوله: [من الكامل]
نقلوا الهوى عني وقد شاعَ الخَبَرْ … حتى درى بصبابتي كلُّ البَشَرْ
إنَّ العيون الضيقاتِ فَتَنَّني … لا الأعينُ النُّجْلُ التي فيها الحَوَرْ
يا من يُعَرِّضُ للهلال فؤاده … من سطوة الأتراك الْحَذَرَ الحَذَرْ
قوم إذا رقوا يروقوا في الوفا … فإذا قسوا قَاسَى مُحِبُّهُمُ الخَطَرْ
لا يعرفون سوى السهام ورشقها … إما بأيديهم وإما بالنظر
عند الجلاد ضراغم لكنَّهُمْ … في مجلس اللذاتِ زُهْرٌ أو زَهَرْ
من كل ريانِ القوام مهفففٍ … يختالُ في حُلَلِ الملاحَةِ والخَفَرْ
стр. 5882
من آل خاقان كَلِفْتُ بِحُبِّهِ … زِنْجِيُّ لحظ والحواجِبِ والشَّعَرْ
لما بدا للناس قالوا إِنَّ ذا … مَلَكُ أتى بالحُسْنِ ما هذا بَشَرْ
وقوله: [من المديد]
مت شهيدًا في غزال ألوفِ … لَيِّنِ الأعطافِ غير عطوف
خده دون ظُبَا مُقْلَتَيهِ … جَنَّةٌ تحت ظلال السيوف
وقوله: [من الكامل]
وإذا بليت من الهموم بلَسْعَةٍ … فَاجْعَلْ سُلافك عاجلًا درياقها
لم يظلموا راووقها في صلبه … فلقد أباح دماءها وأراقها
وقوله: [من الطويل]
بكت عندما عانقتها يوم ودعت … فقالت: لقد زاد البعاد وأفرطا
فوالله لا أدري ألؤلؤ دمْعِها … أم العِقْدُ من ذاك العناق تفرطا
وقوله: [من الكامل]
سفرت عن الوجه المنير نقابها … واستقبلت قَمَرَ الدُّجَى فتشابها
حتى إذا حاشَى الرّقيب تبرقعت … شمس غدا ذاك النقاب حجابها
لم أنسها يوم الوداع وقد دعت … دمعًا يكلل خدها فأجابها
فكأنَّهُ دُرِّ على ديباجةٍ … أو روضةٌ طَلُّ السماء أصابها
خافت غَداةَ البينَ من رقبائِها … لما رأت بل الدموع نقابها
زَجَرَتْ دموعًا مِثْلَ لؤلؤ ثغرها … حتى حَسِبنا كَلَّلَتْ أهدابها
وقوله: [من المتقارب]
خذوا حِذْرَكُمْ من سيوفِ المُقَلَّ … فليس لكم بسطاها قبل
وقوا أنفسًا إن رَمَتْ أسهمًا … فما هي إلا سهام الأجل
وإن نَفَثَتْ سِحْرَها أو رَنَتْ … فليس تُفيدُ الرُّقي والحيل
فَهَلْ لِدَمي آخذ من رَشًَا … يصول ولا يخُتشي إن قَتَلْ
وقوله: [من الكامل]
وسَرَتْ سيوفك في الكُمَاةِ كَمَا سَرَتْ … سِنَةُ الكَرَى في مقلة النوّامِ
لا يشعرون إذا قَطَعْتَ رِقَابَهُمْ … لولا التحاق الهام بالأقدام
وقوله: [من الخفيف]
وكأنَّ الكُمَاةَ صَرْعَى مُدامِ … رَقَدُوا مِنْ ظباك لا إغفاء
إذ سَقَتْهُم سيوفك البيضُ كأسًا … فتراهم صرى تفانوا دماء
стр. 5883
ومنهم:
[٢٥٩] سليمان بن داود بن سليمان بن مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الحقِّ، الحنفي، أبو الربيع، صدر الدين (١)
من بيت فقه وقضاء، وعِلْم كأَحْسَنِ وجوه الكواكب الوضاء. تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغْلِبُ على ظنّي أنّه لم يَعْلَق في المدارس بوظيفة. وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمَّ عاد. ووصل مع رُسُل جاءت منهم مشاركًا في الرسالة مشارًا إليه بينهم بالجلالة. وله أدب ما الأري المشار إلا مذاقه، ولا النَّهارُ المنير إلا إشراقه، ولا سُلاف العقار إلا ما أسْمَعَ، ولا البدور الكوامل إلا ما أطلع، ولا العرب الأتراب إلا ما أبدى من بنياتِ فِكْرِهِ فجلا أو أكنَّ فَبَرْقَعَ.
وهو في كل فنونه مبرز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحده، وملك منه ملكًا سليمانيًا لا ينبغي لأحد من بَعْدِه، بقريحةٍ عُرِفتَ بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرفت في ملك البيان تصرف سليمان وقَلَمِه الخاتم، لقُدْرة طبّ بها فخر العقود، وتصرف بها تصرف سليمان بن داود. لم يبقَ عَروض حتى زَخَرَ له بَحْرُهُ، ولا سِرُّ بلاغة حتى ضُمَّ عليه صَدْرُه، ولا تَفَنَّن أهل غرب أو شرق حتى جَمَعْ، وتَفَنَّنَ فيه حتى قَصُرَ دونَهُ كُلُّ طَمَع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حُسْنَه الصنيع، ويَنْشُرُ ملاءات الحبر من فكره السحابي أبو الربيع، مما تَقذِفُ به السُّفُن والركاب، وتجري الريح بأمْرِهِ مسخَّرَةً حيث أصاب، المحاسن أبعد فيها وأبْدَعَ، وظل كل من حضر مجلسه السليماني وكأنه الهُدْهُدُ يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وَجْهِه تخوضه العيون ثم تقول إنه صَرْح ممرد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودُرِّه الذي يفوق، قوله (٢): [من الوافر]
стр. 5884
أرومُ وصالَهُ فيَصُدُّ قلبي … بلحظ قد حَمَى رَشْفَ الثّنايا
فبين لحاظ عينيه وقلبي … وبين الوصل معْتَرك المنايا
وقوله (١): [من المتقارب]
ولما انقضى وقتُ تَوْدِيْعِها … عشيَّةَ بين وجدَّ السَّفَرْ
وقفتُ بِجِسم يُريها السُّها … وسارتْ بِوَجْهِ يُريني القَمَرْ
وقوله (٢): [من الرمل]
حظ عيني من الدُّنْيا القَذى … وفؤادي حظه منها الأذى
وَلَكم حاولت فيها راحة … ما أراد الله إلا هذا
وقوله (٣): [من السريع]
لما بدا في خده عارِض … وشاق طرفي نَبْتُهُ الأخْضَرُ
أمطر أجفاني مستقبلًا … فَقُلْتُ هذا عارِضُ مُمْطِرُ
وقوله (٤): [من الخفيف]
إن بدا لي وتُبت عن شُرْبِ راحي … ودعاني إليه دف وعود
فأدريا نديم كأسَ مُدامي … وعليَّ الضَّمان أني أعود
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
عَطِشْتُ في مَجْلِس وفيه … ساقٍ كريم يُديرُ خَمْرا
سُقِيت لما عَطِشْتُ كأسًا … ياليتني لو عَطِشْتُ أخرى
وقوله (٦): [من الطويل]
تعشَّقْتُهُ ظبيًا فنم عذاره … فناديت يا قلبي خَلُصْتَ من السَّبْيِ
فقال أتسلو عند نبتِ عذارِهِ … ألم تَدْرِ أَنَّ المِسْكَ يَنبُتُ في الظَّبْيَ
وقوله (٧): [من مجزوء الكامل]
من يَكُنْ أعمى أصَمًّا … يَدخُلِ الحان جهارا
يَسْمَعُ الألحان تتلى … ويرى الناس سارى
وقوله (٨): [من الطويل]
بدا الشَّعْرُ في الخد الذي كان مُشْتَهى … فَأخْفى عن المعشوق حالي وما يخفى
стр. 5885
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةً … من الورد وهي اليوم موردة الحلفا
وقوله (١): [من المجتث]
أهوى رشا غريرًا … لم يُبق في بُقْيَا
من مهجتي ودمعي … رَعْيًا لَهُ وسُقيا
وقوله (٢): [من الخفيف]
يا رسول الحبيب غِثْ مُسْتَهامًا … مغرمًا يعشق الغرام ديانة
حدث الخائف الكئيب من الهج … ر فهو مِمَّنْ يرى الحديث أمانه
وقوله (٣): [من الطويل]
أناديك موسى إذ رأيتُك واردًا … ومقْتَبِسًا نارًا وقد قيل لا ولا
أيا قابسًا خُذ من فؤادِيَ جذوةً … ويا واردًا رِدْ من دموعي مَنْهَلا
وقوله (٤): [من مخلع البسيط]
قل للذي حين رام رزقًا … بِكُلِّ ما لا يليق لاذا
أقْصِرْ عناءً وَنَم قريرًا … فالرِّزْقُ يأتي بدون هذا
وقوله (٥): [من الطويل]
وقائلة يوم الوداع: أرى دمًا … تفيض به عيناك، قُلتُ لها: أدري
ألم تعلمي أنَّ الفؤَادَ لِبَيْنِنا … يذوبُ وأَنَّ العينَ لا بُدَّ أَنْ تَجْرِي
وقوله (٦): [من الكامل]
وإلى مَ أمْنَحُك الوِدادَ سِجيَّةً … وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس لي … دَمْعٌ يَعِي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليَّ: [من الطويل]
نَشَأْتَ شهاب الدين بالعِلْم والحِجا … وفُقْت الوَرَى فضلًا وعِلْمًا وسُؤددا
شهابُ العُلا قد كان قبلك في … العُلا شهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله (٧): [من السريع]
ضيعتُ أموالي في سائبٍ … يَظْهَرُ لي بالود كالصاحب
لما انتهى مالي انتهى وُدُّه … واضَيْعَةَ الأموال في السائب
стр. 5886
وقوله (١): [من الطويل]
يقول نديمي عن نَصُوحٍ بكفِّهِ … لَقَدْ فَضَحَ الصَّهبا وَجَلَّ عن الخُبثِ
فقُلْتُ هو المطبوخ من جَسَدِ لها … ألم تَرَهُ قد صار منها على الثلث
وقوله: [من الطويل]
أقول لثغري والحبيب رُضابُه … مُدامي، ونقلي لَثْمُ أيدٍ وأَرْجُلِ
أيا ثغر قبل جِيْدَه وجَبِيْنَهُ … (تنقّل فَلَذَّاتُ الهَوى في التَّنقُلِ)
وقوله (٢): [من الطويل]
وساحر طرف عقرب فوق صُدْغِهِ … تَدِبُّ إلى قلبي ولم أمْلِكِ الدفعا
وحية شعر خلفها نحو مُهْجَتي … يُخيَّلُ لي من سِحْرِها أَنَّهَا تَسْعَى
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
لما حكى برقَ النَّقا … لَمَعَانُ تَغْرِكَ إِذْ سَرَى
نقل الغمام إليك عن … دمعي الحديث كما جرى
وقوله: [من مجزوء الكامل]
قد كُنْتُ أَحْسَبُ بُعْدَكُم … حتى تَوَخَّيْتُ السُّرَى
وظننتُ دَمْعِيَ بعدكم … يجري دما وكذا جرى
ومنهم:
[٢٦٠] سليمان بن أبي داود، علم الدين
صاحب الديوان العَلَمُ الفَرْدُ، الذي سادَ ذِكْرُهُ وساد الشُّكْرَ شُكْرُه، وسال بذائب النَّضارِ فِكْرُه، وسام الدُّرَ الغالي فهان لديه قَدْرُه، ووَليَ المناصب السلطانية، وكان صدر رتبها، وسِرَّ كُتبها، ورَأْسَ دواوينها، وأساس قوانينها، وآس دوحها الخضر، وَوَرْدَ أفانينها.
وتقدمت له خدمة لقراسنقر المنصوري، حلَّ فيها عِنْدَه المحل الجليل، وصَحِبَهُ مُدَّةً، وفارقه على وَجْهِ جميل، وكان معه حَيْثُ رَجَع عن قصد الحج، موجهًا إلى البرية، وأخبرني أنه وصل معه إلى الفرات، ثُم رَجَع بإذنه، حيث خلاه صاحبه، وتغلغل ووطئ
стр. 5887
ذلك البساط، وتوغل وأتى الباب الشَّريف الناصِرِي، فعرف وفاءه لصاحبه، وقيامه له من حسن الصحبة بواجبه، واتخذه موضع المعوّل، والوفاء الذي شُكر بدونه السموال. وهو أقدر الناس على نظم، وأسرع فيه تقريبًا لِفَهم، ومنه قوله: [من مجزوء الرجز]
قُلتُ له: كم تشتكي … أتشتهي خُذْ واتكي
فقال: لا. قُلتُ له: … لا تشتهي وتشتكي
وقوله في زوجة له ماتت، وكانت لخلائقه قد واتت، ثمَّ مَضَتْ كأنها ما أَصْبَحَتْ عِندَهُ، ولا باتَتْ، فَجَرَحَهُ مُصابها، وَجَرَّعَهُ صابها، فواصل حزن قلبه قطيعتها، وأنطق لسان شكواه فجيعتها: [من الطويل]
أقول لقلبي حين غيبها الثَّرى … تَسَلَّ فَكُلُّ للمنية صائر
وفي كلِّ شيء للفتى ألفُ حِيلة … ولا حِيْلَةٌ فِيمَنْ حَوَتْهُ المقابر
وقوله: [من الكامل]
قالت وقد راودتها عن حالة … يا جارتي لا تسألي عما جرى
إنِّي بُلِيتُ بعاشق في أي … هـ كبر بلا فلس ويطلب من ورا
وقوله: [من الطويل]
وبي رشا ريحانُ خطّ عذارِه … مُسَلْسَلهُ حَوْلَ الحواشي مُحَقَّقُ
على وجنة قد وردَ الوَرْدُ لونها … وقَلْبِ شقيق الروضِ مِنْهُ مُشقَّقُ
ومنهم:
[٢٦١] يحيى بن محمّد بن زكريا، العامري (١)
الخباز في التنور. وهو شاعر عَطَّل الخباز البلدي فنه، وأنفَ أن يكون من الخُبْزِ أرزي خِدْنُه، وسَجَرَ التنور وأوقده ذهنه، بقريحةٍ مُحَصِّلة لم تتكل، على حاصل ابن القماح، ولا قَنَعتْ بِمَدٌ ابن خضير الحوراني، لما تشكله على الألواح ما قَدَح خاطره إلا مثل هذا الفكر المسجور، ولا استمرئ فكره المتدفق إلا قِيلَ جَاء أَمْرُ الله وفار التَّنُّور. تتحاشد عليه المسامع تحاشد الطبون وتتحاسد تحاسد نظرائه في الزبون. تُدْرِكُ فطرته المعاني بخرصها، وتودُّ الشمس لو جرّت ناره إلى قرصها. تودُّ فحمة الليل لو أنَّها
стр. 5888
في تنوره أُحرِقَتْ، وعنبرةُ الصُّدْغِ لو استدارت بوجوهٍ أرغِفَتْهُ التي أشرقت، بتصرف لا تُتَلَوَّمُ به الأعذار، ومعنى يخرجُ من فِكْرِهِ وله الغَداةُ نوار، على خط كأنه رغيفُه على الألواح له من الشَّونيز عِذَارٌ. فلو رآه ابن الرومي لَعَدَلَ عن مدح صانع الرقاق، وقطع له دونه بالاستحقاق، ولراسله ابنُ المعتزِّ في تشبيهه السُّوقي، وقدمه على تشبيهه الملوكي، لبديهته التي في مثل اللمح بالبصر، وصناعته التي بينما هو متجمع لها كأنه كرة إذا بها قوراء كالقَمَر، وسرعته التي مقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء تلقي فيه بالحجر.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
كأنَّ هلالَ الصُّبْحِ والشُّهُبُ حَولَه … مليك عليه الخاصكية تُحْدِقُ
وكف الثريا قصةً رُفِعَتْ له … عليها لسانُ الصُّبْحِ بالبِشْرِ يَنْطِقُ
وقوله: [من الكامل]
زهرُ السَّفَرْجَلِ بالجميل رأيتُهُ … قد فاقَ زهرَ اللوز في الأوصافِ
هذا يُنَشِّرُ للنَّسيم دراهمًا … ونِثارُ ذا بخفائف الأنصافِ
وقوله: [من الطويل]
ولم أنْسَ زهرَ اللوز عند عشيّةٍ … وقد مَيَّلَتْ ريح الصَّبا لين أعطافه
طربنا لتغريد الحمائِمِ فوقَهُ … فنقط وجْهَ الأَرْضِ مِنْ جُمْلَةِ انصافه
وقوله: [من الكامل]
أين السيوف من العيون نَسُلُّها … غِلَظًا وإن كانت بِصَقْلٍ تَلْمَعُ
إنَّ السيوف قواطع بصقالها … إلا العيون إذا تصدت تقطع
وقوله: [من الطويل]
ولما رأى حبي سقامي يزيدني … فقال: إلى كم ذا المقال يزيد
فقُلْتُ: وهل لي صحة وسلامة … وَجَفْناك مرضى إن ذا لبعيد
وقوله: [من السريع]
قُلْتُ لمن يَنْتِفُ أصداغَهُ … لا يُكرَهُ الريحان حول الشقيق
واعْتِقْ لشعر الذقنِ من نَتْفِها … فالشيخ سُنّي يحبُّ العتيق
وقوله من قصيد: [من الكامل]
والياسمين كأنه من فِضَّةٍ … قد صيغ للندمان كالصلبان
ولأجل ذا قَدْ غَرَّدَ الشُّحْرُورُ في … حُلَلِ السَّوادِ كَحليةِ الرُّهْبانِ
وقوله: [من البسيط]
بادر إلى فُرَصِ اللَّذَّاتِ في الغَلَسِ … وَاجْلُ المُدامةَ تُغنينا عن القَبَسِ
стр. 5889
فَمِسْكَةُ الليل قد فتّت نوافجَها … على الرياض فأهدت أطيب النَّفَسِ
ووَجْهُ روضِكَ بَسامٌ ونَرْجِسُهُ … مُحَدِّقُ الطَّرْفِ لا يخشى من النَّعَسِ
وإن رأيت الندى في الأقْحُوانِ بَدا … فَنَزِّهِ الطَّرْفَ بين الشَّغْرِ واللَّعَسِ
وقوله: [من الكامل]
لا تعجبوا لسُرورِ مَنْ أَحْبَبْتُهُ … ودمي عليه في المحبّة يُسْفَكُ
فَدَمُ الشقيق يسيل من وَجْناتِهِ … وبِجَنْبِه ثغر الأقاحي يَضْحَكُ
وقوله في مثاقف: [من المتقارب]
لَئِنْ شبّهوا قدَّه بالغصون … أو الوَجْهَ بِالبَدْرِ خافوا عَلَيْه
وأخطا المشبه في حق من … غدا الغُصْنُ والبدرُ في قَبْضَتَيْه
وقوله: [من الطويل]
تتيمت زهر اللوز من أجْلِ سَبْقِه … يُخبِّرُنا أَنَّ الرَّبيعَ لقادِمُ
وأعْجَبُ ما عايَنْتُهُ مِنْهُ أَنَّه … يُقطعُ من أعضائِهِ وَهُوَ باسم
وقوله في أقطع: [من الطويل]
وبي أقطع ما زال يسخو بمالِهِ … ومِنْ قاصديه قطُّ ما رُدَّ سائل
تناهت يداه فاستطال عطاؤها … (وعِنْد التَّناهي يَقُصُرُ المتطاول)
وقوله مُضمّنًا: [من الوافر]
أُحِبُّ الجُحْرَ دون الكس قصدًا … ولا أبغي على ذاك ازديادا
ولي نفس تحلُّ بِيّ الروابي … وتأنف أن تَحِلَّ بي الوهادا
وقوله (١): [من السريع]
باكر عروس الروض واسْتَجْلِها … وطَلِّقِ الحُزنَ ثلاثًا بتاث
بقَهْوَةٍ حَلَّت لَنا كُلّما … حَلَّت لَآلي القطر جيد النبات
وقوله: [من الكامل]
ومُعَقْرِبِ الأصداغِ أسبلَ بُرْقُعًا … فَسَبا لكلِّ مُعَقْرِب ومُبَرْقِع
قالت لواحظه لطالب قُبْلَةٍ … في خده لا تخشَ قَلْبَ البَرْقُعِ
وقوله (٢): [من الوافر]
بعيشِكَ هاتها صفراء صرفًا … صباحًا واطرح قول النصوح
فهذي الشمس قد بزغت بعينٍ … تُغامِزنا على شُرْبِ الصَّبوح
стр. 5890
وقوله: [من الكامل]
اشرب على الغيم الجديد عتيقا … وانظر بكأسك لؤلؤًا وعقيقا
واطف اللهيب بكأس راحك ساعةً … واحْرِقْ همومك بالرَّحيقِ حَريقا
والحق صبوحك بالغبوق لذاذة … ما العيش إلا صُبحةً وغُبوقا
من كف ساق صاغه منشيه من … لُطفٍ فَلَمْ تنظر لديه عقوقا
ساقٍ أَبَعْناهُ العقول بكأسِهِ … فأقام فينا للمَسَرَّةِ سوقا
تَمِلُ المعاطف قدُّهُ من لِيْنِهِ … رشقَ القلوب به فصار رشيقا
وشققْتُ ثوبَ تَصَبُّري مِنْ خدّه … لمَّا لَهُ صار الشقيق شقيقا
شرقت لرؤيته العيون بدمْعِها … وجَرَتْ دمًا لما رأته شريقا
وبريقه زاد الحميا رقّةً … وبِشَعْرِه زاد البروق بريقا
خَرِسَتْ أساوِرُهُ وأنَّ وشاحُهُ … فَتَخالُه قلبًا عليه خفوقا
أرخى ذوائبه وقال أبَيْنَهُمْ … فَرْقٌ فَقُلْتُ له أراك دقيقا
يجفو الصَّديقُ صديقَهُ في مِثْلِهِ … ولطالما هَجَر الصَّديق صديقا
قد جاز في حد الملاحةِ مِثْلَما … فَضْلُ المؤيد جاوَزَ العيوقا
ومنهم:
[٢٦٢] مُحَمَّدُ بنُ علي، الحموي المعروف بالشت … .. (١)
ومنهم:
[٢٦٣] عُمَرُ بن المظفر بن عُمَرَ بنِ محمّد بن أبي الفوارس بن علي، الوردي، أبو حَفْصٍ، زين الدين (٢)
أحد القضاة ببلاد حلب وفي ذلك قال: [من الكامل]
стр. 5891
قد قيل لي قاض وأي فضيلَةٍ … لاسم هو المُسْتَثْقَلُ المنقوص (١)
قُلْتُ: وهذا الوردي ذو أدبٍ. حَسبُكَ ما تَشُمُّ من شذاه، وتضم من وَرْدِه تحت قَطْرِ نداه. وأقمْتُ قبل تمام هذا التأليف مدةً أسأل عنه الركبان، وأتطلبه حتى جاءني منه أوائل ورد في أواخر شعبان، فتحَرَّجْتُ بمراهقة الصيام من إدارة كؤوسه، وتحجرتُ في كِتْمَانِهِ
стр. 5892
خوفًا أن يجعل رمضان نهار أكله بشعْشَعَةِ شموسِهِ، وقُلْتُ لسابق سحابه: أمسك عنانك الصيب، ولمورد وَرْدِهِ، من أين لك هذا النَّفَسُ الطيب، ونظرتُ إلى مدبجه، وقلتُ: إنك للْعَلَمُ الفَرْدُ، ثم التفَتُ إلى أَرَجِه، وقلت: وإنّك ماء الورد إن ذَهَبِ الوَرْدُ. وتحيَّرْتُ هل هو مما أنبتت حلب أو نصيبين، وهل هو مما شحَّ به الشحرُ أو دُر من دارين. ورأيتُ ما يُنْسَبُ إلى الخد الوردي في ديباجته، وإلى المدام الوردي في زُجَاجَته. لا بل هو الوَرْدُ على رغم المنكر، وهو المضاعف حُسنُه إِنْ كُرِّر. ثُمَّ قدمْتُ حلب أتاني، وعرض عليَّ من شِعْرِهِ كُلَّ القِطاف، وردِيَّ العطاف، لا يُشكّك فيه الممتري، ولا يرتاب قبل جفاف النَّدى عن الوَرَقِ أنّه الورد الطري، فاجتنيت به الورد من غُصْنِهِ، واجْتَلَبتُ الوَرْد لكنه مما لا يَعُدُّه مرتبط الجياد في حصنه، واجتبيت الورد إلا أنه الأسد المقعقع زئير لَسَنِهِ، َواجْتَلَيْتُ الوَرْدَ إِلاّ أنّه العَنْبَرُ الوَرْدُ في يَد مختزنه، وكنتُ أستخرج منه ماء الورد إلا أنه قد أعْرَقَ، وتكلّل منه بالجوهر مثل لؤلؤ الطلّ المفرق، وقُلتُ بوركت من وردي يعير ثغور العذارى عقوده المجوهرة، وورد منسوب في نصيب نصيبين لأقطعَتْ أيدي الحوادِثِ من أنسابه شَجَرةً، وظلَلْتُ أَنشدها ويجتهد الحسود فلا يقدر يجحدها، وطَفِقْتُ أُقَلِّبُ جَنيَّهُ الوَرْدِيَّ، وأقبِّلُ شفاه وَرْدِهِ، والساقي يتوهم فيقول تارةٌ: دَعْ قَدَحِي. وتارة يقول: خلّ خدّي، وأجْتَني باكورته من فرعه المنتمي إلى علي، وأنشر نشره ورياحه تصر حاسده الجُعَليَّ. ولو عاصره ابن قلاقس وعقل لقال: دعني أتستر بورقي، وأختبئ من الأرض في نفقي، وأسْرِقُ من وَشْيِهِ الوردي خُضْرَةَ سَرَقي. ولما ادعى، وقال الحق: بَنَفْسَجَ صُبْحي، ووردي شفقي، ولو جاء بكيرًا في أوّل الأوان لما وَسِمَ الأبيوردي في اسمه بالزيادة، ولا كان إلا عَبْدَهُ أبو عبادة، ولكان صنو الصنوبري لا بل أبان عَجْزَه على التحقيق، وقصوره في وصف الروض الأنيق، وعَرَّفَه - وقد ضيّع عمره في وصف الروض وشقيقه - بأن ساعة من الورد بِعُمْرِ الشَّقيق.
وهو مِمَّنْ ضَرب إلى الفقهِ بِعِرقٍ، وظهر له في النَّحْوِ حِذْق. وولي القضاء وهو له مستحق. ومن شعره الذي يُقِرُّ له الكلام الحُرُّ بالبَرْقِ. وتسأله القرائح المماتِنَةُ الرِّفْق، ما أثبته له الفاضل أبو الصفاء خليل الصفدي. ومن خطه نَقَلْتُ، وفي أثنائه أبيات لأبي الصفاء ذكرها، واعترض بمثل أثناء الوشاح المُفصَّلِ دُرَرَها، كان قد أنشدها لقاضينا الوردي، فأخذ معناها قسرًا، ورَكَّبَها في صورة أخرى، إلا أنه استزار منها حُلُمَ الطَّيفِ، وأكرم ملقيها لما أتَتْهُ من حَلَب إلى دمشق، وقال يا كرام الورد ضيف.
ومما ذكر للوردي قوله المُستَدعي يَحثُ كؤوس المدام، وكيف لا، وهي أيام الورد في غبوق الغَمام. فمنه قوله (١): [من الكامل]
أتظُنُّني أُصْغي إلى اللوام … في حُبِّ مَنْ ذُلِّي بها إكرامي
стр. 5893
فبقدها وبخدِّها وبِشَغْرِها … غُصْنُ وتفاحٌ وحَبُّ غَمام
لما تبدت بين أترابِ وَمِنْ … سُحُبِ البراقع لاحَ بَدْرُ تمام
ناديت يا قلبي ويا طرفي معًا … أنا قد وَقعْتُ فَفارقا بِسَلام
وقوله (١): [من الخفيف]
سل وميض البروق عن خَفَقاني … وعَليْلَ النسيم عن جثماني
وَلَهِيبَ الهجير عن نارِ قَلْبي … وخَفِيَّ الخيال عن أجفاني
وقوله (٢): [من الكامل]
إن عادَ لَمْعُ البَرْقِ يُخبْرِ عَنْكُمُ … وأتى القبولُ مُبَشِّرًا بقبولي
فلأقْدَ حَنَّ البَرْقَ من نار الحشا … ولأخْلَعَنَّ على النجوم نحولي
وقوله (٣): [من الوافر]
وسود صيرتها السُّوْدُ بيضًا … فلا تَطلب من الأيام بيضا
فَبَعْدَ السُّوْدِ ترجو البيض ظُلْما … وقد سَلَّت عليها السُّود بيضا
وقوله (٤): [من البسيط]
انْهَلَّ أَدْمُعُها دُرًّا وفي فَمِها … دُرِّ وبينَهُما فَرْقٌ وَتِمْثالُ
لأنَّ ذا جامد في الثغْرِ مُنْتَظِمٌ … وذاك مُنْتشر في الخد سيال
وقوله (٥): [من الخفيف]
جاءنا الورد في بديع زمانِ … فَقَطَعْناه في منى وأمان
ونَهَبْنا فيه لذيذ وصالٍ … وَهَتكْنا فيه عروس الدنان
وَغَلِطنا فيه بِبَعْضِ ليالٍ … فَخَلَطنا شعبانَ في رَمَضانِ
وقوله (٦): [من الكامل]
أنَّى لِوَرقاءِ الغَضا تَشْكُوْ النَّوى … وَغَدَت مُضاجعة قضيب البان
لوْ طَوَّقَتْ جيدًا وَقَدْ خَضَبت يدًا … وَشَدَتْ بألحان على عيدان
وقوله (٧): [من الكامل]
ومُرنَّح الأعطاف مهضوم الحشا … يهتزُّ من هَيَفٍ بلين قَوامِ
نم العذار على صحيفة خدّه … أنا خائِفٌ من فِتْنَةِ النَّمَامِ
стр. 5894
وقوله (١): [من البسيط]
أحاط بالخال فوق الخدّ عذاره … لما تكون في نور ونيران
مكان عابد نار فوق وجنَتِه … وقد غدا راهبًا في دَيْرِ شَعْرانِ
وقوله: [من البسيط]
لما رَأَوْا حُسْنَ شامات بوَجْنَتِه … وقد نما حولها خاف من الزَّغَبِ
قالوا لَقَدْ شان شامات له شعَرُ … فَقُلْتُ والله ذا من أَفْحَشِ الكَذِبِ
لكِنَّها نَفَحاتُ المِسْكِ قد نُثِرَتْ … وَصِيْغَ منثور ذاك المسكِ بالذَّهَبِ
وقوله (٢): [من البسيط]
زَهَتْ عقارب أصداغ له مُسِخَتْ … في نار وجْنَتِه نَمْلًا ومَا احْتَرَقَتْ
حتى إذا اجْتَمَعَتْ عادت بِوَجْنَتِهِ … حَبابِ مسك على خَدَّيْه واخْتَرقَتْ
وقوله (٣): [من البسيط]
قد خُطّ في خده سطرانِ من زَغَبٍ … فقال لي عاذلي هل عنه سلوان
أما ترى نَمَّ نَبْتٌ فوقَ وَجْنَتِهِ … فَقُلْتُ مَا نَمَّهُ رُورٌ وبُهْتَانُ
وإنما كُتِبَتْ كُلُّ المحاسنِ في … صحيفة الخد والسطران عنوان
وقوله (٤): [من البسيط]
لا تحسبوا شَعَرًا من فوقِ وَجْنَتِه … يَشينُ خدًّا صقيلًا راقَ مَنْظَرُهُ
لكنّه سَلَّ من أجفانِ مُقْلَتِهِ … سَيْفًا فَمُثْلَ فِي الخَدَّينِ جَوْهَرُهُ
وقوله (٥): [من البسيط]
كَأَنَّ عارضه في الخدّ حين نَما … خَفِيٌّ غَيْم بدا في جانب الشفق
أو عَنْبَرُ الخالِ فَوقَ الخدّ مُحْتَرِقٌ … دُخَانُه قد علا في خدهِ الشَّرَقِ
وقوله (٦): [من الرمل]
بِيَ من لو قال لي مَبْسَمُهُ … ادْنُ والتُمْ غِرْتُ أَنْ أَلْتُمَهُ
غاب عن عيني نهارًا كاملًا … ليتني أَعْلَمُ من عَلَّمَهُ
وقوله (٧): [من المجتث]
إن جزت سلعًا فَسَل عَنْ … ظَبْي مِنَ الظَّبي أَحْسَنُ
مَكَنْتُه من فؤادي … ومُهْجَتي فَتَمَكَّنْ
стр. 5895
لا تطلبوا فيه صبري … فالصبر أوهى وأوهن
أفنيت فيه وجودي … وَلَسْتُ أَسْمَعُ مِمَّنْ
وقوله (١): [من السريع]
عَلِقْتُ أعرابية ريقُها … شَهْدٌ ولي فيها عذابٌ مُذاب
طرفي بها نبهان والرأسُ مِنْ … شَيْبانَ والعذال فيها كلاب
وقوله (٢): [من المتقارب]
وأفشيت سري إلى صاحبي … فَعُدْتُ له طُولَ دَهْرِي ذليلا
فوا أسفًا كيف أودعته … ليوم العداوة سيفًا صقيلا
وقوله (٣): [من مجزوء الرجز]
أنتم أحبّائي وَقَدْ … فَعَلْتُمُ فِعْلَ العِدًا
حتَّى تَرَكْتُم خَبَري … للعاشقينَ مُبتدا
وقوله (٤): [من السريع]
إذا مضى للمَرْءِ من عُمْرِهِ … خَمْسُونَ عاش العيشة السيئة
وإن شكا قال له دهرُه … أَجْمِلْ فَلِي عِنْدَكَ نِصْفُ المئة
وقوله (٥): [من الرمل]
جاءنا مُلْتَثِمًا مُكْتَتِما … فدعوناه لأكل وَعَجبنا
مَدَّ في السفرة كفًا تَرِفًا … فَحَسِبْنا أنَّ في السفرة جُبنا
وقوله (٦): [من مجزوء الرجز]
قُلْتُ وَقَدْ عَانَقْتُهُ … عندي من الصبح قلق
قال: وهل يحسدُنا … قُلتُ: نَعَمْ: قال: انْفَلَقْ
وقوله (٧): [من السريع]
باللهِ يا مَعْشَر أصحابي … اغتنموا علمي وآدابي
فالشَّيْبُ قد حلَّ برأسي وقد … أقْسَمَ ما يرحل إلا بي
стр. 5896
وقوله (١): [من الوافر]
وكُنتُ إذا رأيتُ ولو عجوزًا … يُبادِرُ بالقيام على الحرارة
فأَصْبَحَ لا يقومُ لِبَدْرِ تم … كأنَّ النَّحْسَ قَدْ وَلي الوزاره
وقوله (٢): [من المنسرح]
رامت وصالي فَقُلْتُ لي شُغُلٌ … عن كلِّ خَود تريد تلقاني
قالت: كأنَّ الخدود كاسِدَةٌ … قُلْتُ كثيرًا لقلة القاني
وقوله (٣): [من مجزوء الرجز]
لا تضحَبَنَّ أَعْوَرًا … وإنْ تَناهى زَيْنُهُ
لو كان فيه راحة … ما فارَقَتْه عَيْنُهُ
وقوله (٤): [من مجزوء الكامل]
لما شتَتْ عيني ولم … ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خدِّهِ … والنارُ فاكِهَةُ الشتا
وقوله (٥): [من السريع]
لما رأى الزهر الشقيق انثنى … منهزمًا لم يَستَطِعْ لَمْحَهُ
وقال من جاء؟ فقلنا له: … (جاء شقيق عارضًا رمحه) (٦)
وقوله (٧): [من السريع]
من كان مردودًا بِعَيْبٍ فَقَدْ … رَدَّتْني الغِيْدُ بِعَيْبَيْنِ
الرأس واللحية شابًا معًا … عاقبني الدَّهْرُ بِشَيْبَيْنِ
وقوله (٨): [من مجزوء الرمل]
دهرنا أضحى ضنينا … باللقا حتى ضنينا
ياليالي الوَصْلِ عودي … واجْمَعِيْنا أَجَمَعِيْنا
وقوله (٩): [من الرجز]
أنتم أحبائي وقد … فَعَلْتُمُ فِعْلَ العِدا
стр. 5897
حتى تَرَكْتُم خَبَري … في العالمين مُبتدا
وقوله (١): [من السريع]
وتاجر شاهَدتُ عُشّاقَهُ … والحرب فيما بينَهُمْ سَائِرُ
قال: علام اقتتلوا هكذا … قُلْتُ: على عينك يا تاجِرُ
وقوله (٢): [من الكامل]
مرض الفؤاد وصح وُدّي فيكُمُ … وأقام تذكاري وَجَفْنِيَ نازح
إنسان عيني كم سهادٍ كَمْ بُكا … ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ (٣)
وقوله (٤): [من البسيط]
يعيب شعري أقوامٌ وأَعْذُرُهُم … فَإِنَّ شِعْرِيَ وَرْدِيٌّ وهُمْ جُعَل
شعري وإن كان سهلًا فَهْوَ ذو ثِقَلٍ … على حسودي فهو السَّهْلُ والجَبَل
وقوله (٥): [من مجزوء الرمل]
العروضي فلانٌ … إِنْ بَدَتْ مِنه هناتُ
فَلَه جدّات سوء … فاعلات فاعلات
وقوله (٦): [من السريع]
مَرَّتْ نِساء كالظبا خَلْفَها … أَدْهَمُ يحميها عن الكيد
قالوا لما يَصْلُحُ؟ قُلتُ الظّبا … للصَّيْدِ، والأدهم للقَيْدِ
وقوله وزاده (٧): [من البسيط]
ديار مصر هي الدُّنْيا وساكِنُها … هُمُ الأنام فقابِلهُمْ بِتَقْبِيل
يا من يباهي ببغدادٍ ودِجْلَتِها … مِصْرٌ مُقَدَّمةٌ والسُّرْحُ للنيل
* * *
آخر السفر السادس عشر من كتاب مسالك الأبصار ويتلوه - إن شاء الله - في السابع عشر ثم لم يبقَ إِلا ذِكْرُ الشُّعراء بالجانب الغربي الحَمْدُ للهِ وَحْدَه والصلاةُ والسَّلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آلهِ وَصَحْبِهِ أجمعين طالعه وانتفع منه: يحيى بن محمد بن الحسين المدني طالعه أفقر العباد: حليم البغدادي سنة ١٢٠٩ طالعه أفقر عباد الله ربي: أحمد خليل الشافعي عفا الله تعالى عنهم سنة ٨٣٤.
* * *
стр. 5898
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبة المنتجبين.
وبعد: فهذا هو السفر السابع عشر من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وهو تتمة لتراجم شعراء الدولة العباسية وقد اعتمد مؤلفه في تصنيف هذا السفر على كتاب «المُلَح العصرية» لابن القطاع، وكتاب «مجاني العصر» لابن حبان، وكتاب «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي، وكتاب «ذهبية العصر» من تأليفه.
وكان اعتمادي في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ هي:
١ - نسخة المكتبة الوطنية - باريس رقم ٢٣٢٧.
وجعلتها (الأصل) في العمل.
٢ - نسخة أيا صوفيا - المكتبة السليمانية - استانبول رقم ٣٤٣٧.
ووقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
٣ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ١١/ ٢٧٩٧.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، الملك المؤيد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
стр. 5899
والتي قام بنشرها مصّورة العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وهي تبدأ من منتصف السفر السادس عشر حتى نهاية هذا السفر.
* * *
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة. هذا ما استطعت تقديمة للقارئ الكريم والباحث الفاضل.
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت وحسبي أني كنت مخلصًا فيه.
والله من وراء القصد
وهو حسبي ونعم الوكيل
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 5900
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[شعراء الدولة العباسية بالجانب الغربي]
على الله توكلت
ثم لم يبق إلا ذكر الشعراء بالجانب الغربي؛ وأوّل ما بدأ به منهم ابن سعيد (١)، وهو المتأخر المجيد، المنتصر لجمعهم، والمقتصر على تحسين صنعهم، من أول المائة الرابعة، وساقهم إلى زمانه في المائة السابعة، مرتبًا على المئين، منظمًا لهم نظم العقد الثمين.
وأول ما قال إذ ذكرهم ما صورته: «شعراء المغرب من أول الديار المصرية إلى البحر المحيط، الجاهلية وما بعدها إلى المائة الرابعة عاطلة مما هو من شروط هذا الكتاب» (٢).
ثم ذكرهم على الترتيب، وأدخل مصر في قسم المغرب لسوء حظها العجيب.
وقد زدنا على من ذكر ابن سعيد في عدّة الأسماء، وفي عدد المختار أضعافًا مضاعفة ممن أهملهم؛ إذ كان كتابنا هذا والله الحمد على غير نمطه، ولا على حدّ مشترطه؛ بل بينهما بعد المشرقين، ونأي ما بين الخافقين؛ ولعل جملة كتاب المُغْرِب تأليف ابن سعيد، ومن قبله لا يجيء حجمه معها قدر السدس، ولا فوائده إلا دون السبع. هذا إلى ما تضمنه كتابنا من علوم جمة، وأمور مهمة، وتراجم أعيان هم الناس، وسم من شئت منهم واستطرد في القياس، مما لا يحكم فيه إلا المنصف، ولا نريد فيه إلا قول المحق لا المسعف، وقد جعلنا المصريين في آخر الجانب الغربي منفردين على ما رأيته وتراه، وعلى ما قضى به عليها سابق القدر، وسوء الحظ الذي لا ينفع معه الحذر؛ فأما محض أهل الغرب ممن ذكر ابن سعيد. فأولهم:
стр. 5901
[٢٦٤] أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم الأموي (١)
مولاهم جده سالم مولى لهشام بن عبد الرحمن الداخل؛ أبو عمر صاحب كتاب العقد، وهو عقد كله جوهر، ومعدن إلا أنه لما عنده أظهر ما غل ما غالى فيه الناس، ولا شح بما يطهر عليه ألف رأس، بل خلَّى عقده الثمين عرضة لمن انتهب، وجاء به حصباء دُرّ على أرض من الذهب.
توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة ست وأربعين ومائتين.
وقد استفتح به ابن سعيد شعراء المغرب في المرقص والمطرب (٢)، وقال: هو بالأندلس إمام أدبائها، وفارس شعرائها.
وذكر من شعره قوله (٣): [من الكامل]
يا ذا الذي خَطَّ العِذار بخدِّهِ … سطرين هاجا لوعة وبلا بلا
ما كنتُ أقطع أن لحظك صارم … حتى رأيتُ بعارضيك حمائلا
стр. 5902
وقوله (١): وقال: إنه الذي سمعه المتنبي، حكم له به أنه شاعر الأندلس، وهو: [من الكامل]
يا لؤلؤًا يَسبي العُقولَ أنيقا … ورشًا بتعذيب القلوب رفيقا
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلِهِ … دُرًّا يعودُ مِنَ الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه … أبصرت وجهَكَ في سَناهُ غَريقا
يا مَنْ تقطَّعَ خَصْرُهُ مِنْ رِقَةٍ … ما بال قلبكِ لا يكونُ رَقِيقا
ومن شعره قوله (٢): [من الطويل]
ألا إنما الدنيا غَضارةُ أَيكةٍ … إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع … عليها ولا اللذات إلا مَصائِبُ
وكم قد سَخَتْ بالأمس عَينٌ قَريرة … وقرَّتْ عيون دمعها الآن ساكب
فلا تكتحل عيناك منها بعَبْرَةٍ … على ذاهب منها فإنَّكَ ذاهب
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
إنَّ الغَوَانيَ إِنْ رأينَكَ طاويًا … بُرْدَ الشَّبابِ طَوَيْنَ عَنْكَ وِصالا
(وإذا دَعَوْنَكَ عَمَّهُنَّ فَإِنَّهُ … نَسَبٌ يزيدك عندهُنَّ خَبَالا) (٤)
ومنه قوله (٥): [من مجزوء الكامل]
بالمنذرِ بنِ محمدٍ … شَرُفَت بلاد الأندلس
فالطيرُ فيها ساكن … والوحش فيها قد أنس
ومنه قوله (٦): [من الكامل]
ما للغراب وما لكلِّ مُتيَّمِ … والعَيْشُ أقتل منه للمَهْجُورِ
نَعَقَ الغُراب فقلتُ: أكذب طائرٍ … ما لم يُصدِّقَهُ رُغاءُ بعير
ومنه قوله؛ وهو آخر ما قاله (٧): [من الطويل]
بكيتُ وأبكتني الليالي بكرها … وصَرْفان للأيامِ مُعْتَوِرَانِ
وما لي لا أبكي لسبعينَ حِجَّةً … وعشرٍ أَتَتْ مِنْ بَعْدِها سنتان
стр. 5903
وقيل لأبي طاهر الكاتب، وقيل لأبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي.
ومنه قوله (١): [من الكامل]
ومعذرٍ نَقشِ الجَمَالُ بِخَدِّهِ … خدًا لهُ بِدَمِ القُلوبِ مُضَرَّجا
لما تيقن أَنَّ عَضْبَ جُفُونِهِ … مِنْ نَرْجِس جَعَلَ النِّجادَ بنَفْسَجا
ومنه قوله (٢): [من الخفيف]
ودعتني بزفرة واعتناق … ثم قالت: متى يكون التلاقي؟
وبدت لي فأشرقَ الصُّبْحُ منها … بين تلك الجفون والأطواق
يا سقيمَ الجُفُونِ مِنْ غيرِ سُقم بينَ عينيكَ مَصْرِعُ العُشَّاقِ
إن يوم الفراق أقطع يوم … ليتني مُت قبل يوم الفراق
ومنهم:
[٢٦٥] يحيى بن هذيل الأعمى (٣)
رجل ردّ نور بصره إلى بصيرته، وعاد ضياء ظاهره إلى سريرته، نفذ العنان إلى ربوعه، ونَفَثَ البيان في رُوعِهِ، فتوقد نورًا أغناه أن يتلمس، وأخذ بيده فلم يحتج أن
стр. 5904
يحمل عصًا ولا يتحسس. سقاه الأدب مورده نميرًا، وألقى عليه ثوبه فارتد بصيرًا.
وقد أورده ابن سعيد، وذكر له في المرقص (١) قوله: [من البسيط]
لما وضعت على قلبي يدي بيدي … وصِحْتُ في الليلة الظلماء واكبدي!
ضجَّتْ كواكب ليلي في مطالعها … وذابت الصخرة الصمّاءُ مِنْ كَمَدِي
وليس لي جَلَدٌ في الحب ينصُرُني … فكيف أبقى بلا قلب ولا جَلَدِ
لما رآني مشيرًا للسلام بها … ألقى على خدهِ مُضاعف الزَّرَدِ
قال ابن بسام (٢) وقد أنشد له البيتين الأولين: ذكر أَنَّ المتنبي أنشد من شعر أهل الأندلس حتى أنشد هذان البيتان فقال: هذا أشعر القوم.
عدنا إليه.
ومن شعر ابن هذيل قوله: [من الكامل]
ناحت على غصن وكُلُّ شجِ بَكي … يومًا بلا دمع فليس بباكي
لوكنت صادقةً وكنتِ سَخِيَّةٌ … جادت دموعك حِينَ جَدَّ بُكاكِ
وقوله (٣): [من الكامل]
ومُرِنَّةٍ والدجن ينسج فَوقَها … بُرْدَينِ مِنْ ظَلَّ ونَوْءٍ باكي
مالت على طي الجناح وإنّما … جَعَلت أريكتها قضيب أَراكِ
وتَرَنَّمَتْ لَحْنَيْنِ قَدْ حَلَّتْهما … بِغِناءِ مُسْمِعَةٍ وأَنَّةِ شاكي
فَفَقَدْتُ مِنْ نَفْسي لفرط تلهفي … نَفسَ الحياة فقلتُ: مَنْ أَبكاك
قلت: وهذا في معنى ما قبله، وهو أكمل منه.
ومنهم:
[٢٦٦] جعفر بن عثمان المُصْحَفي الحاجب (٤)
لا بل هو العين، بل المعدن معدن الذهب العين، بل النظراء من الناس الجسم
стр. 5905
وهو العين، بل هو الذي تقدّم به شأو الطلق لما ذكر معه حاجب بن زرارة، ولا استرهن كسرى قوسه وأبقى عليه عاره، وله يد في الأدب لا تعدمها أصابع النيل، ولا تجيء معها الفرات لري الغليل، ولا يعرف سيحون إلا ما ساح منها، ولا جيحون إلا ما أجيح لنقصه عنها.
ومما أورد له ابن سعيد في المرقص (١) قوله: [من الخفيف]
كلمتني فقلتُ دُرِّ سَقِيطٌ … وتأمَّلتُ عِقْدَها هل تناثر
وازدهاها تبسم فأرتْني … عِقْدَ دُرِّ مِنَ التبم آخر
سي
وقوله (٢): [من الكامل]
خَفِيتْ على شُرَابِها فَكَأَنَّهم … يجدونَ رِيًا مِنْ إناء فارغ
ومنهم:
[٢٦٧] الرمادي وهو أبو عمر، يوسف بن هارون بن الكندي المعروف بالرمادي الشاعر المعروف بالقرطبي (٣).
نبع ماؤه من غير ثماد، ونفخت ناره فأضاءت في رماد؛ عدَّته كِنْدَة مع ملكها الضّلِّيل. وكوفيها المتنبي بالتضليل، وكان في عصر أبي الطيب كل منهما يرجم الآخر
стр. 5906
من كندة في نسبه، ومرجل شعره الفاخر في منصبه، حتى فازت كندة بفضلها المعرب، وحازت بهما طرفي الفخار في المشرق والمغرب، ورأت له ما رأته أخوة يوسف ليوسفها، وحسدته فما حصلت إلا على تأسفها، وقيس به نظراؤه من أولئك الشعراء فأبى حتى ترقى برقيق غزله، وعوّذ من قسوته، وتشبه أخوانه منهم، وقيل أنّى لهم هذا ويوسف أحسن أخوته.
قال الحافظ أبو عبد الله الحميدي في جذوة المقتبس (١)، وقد ذكره: كثير الشعر، سريع القول، مشهور عند الخاصة والعامة هنالك لسلوكه في فنون من المنظوم مسالك ينفق عند الكل حتى كان من شيوخ الأدب في وقته. يقولون: فتح الشعر بكندة وختم بكندة، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون، وكانا متعاصرين. نقله ابن خلكان (٢)، وأنشد له قوله يمدح أبا علي القالي عند دخوله الأندلس (٣): [من الكامل]
في أيِّ جارحةٍ أصونُ مُعَذِّبي … سَلِمَتْ مِنَ التعذيب والتنكيل
إنْ قُلتُ في بصري فَثَمَّ مَدامعي … أو قلتُ في كبدي فثم غليلي
وثلاثُ شيبات تركن بمفرقي … فعلمتُ أَنَّ نزولهنَّ رَحِيلي
стр. 5907
فَعَزلنَني عن صبوتي فلئن ذلكـ … ـتُ لقَدْ سَمِعْتَ بذلَّةِ المَعزُولِ
ومنها:
روض تعاهده السحابُ كَأَنَّهُ … مُتعاهد عن عهد إسماعيل
قسه إلى الأعراب تعلم أَنَّهُ … أولى من الأعراب في التفضيل
حازت قبائلهمْ لُغاتٍ فُرِّقَتْ … فيهم وحاز لغاتِ كُلِّ قبيل
فكأَنَّه شمس بدتْ في غَرْبِنا … وتغيَّبَتْ عَنْ شرقهم بأفول
ومنه قوله في غلام الثغ (١): [من الكامل]
لا الراء يطمع في الوصال ولا إنا … الهجر يجمعنا ونحن سواء
فإذا خلوتُ كتبتها في راحتي … وبكيتُ منتحبًا أنا والراء
وذكر ابن سعيد في كتاب المغرب (٢): أَنَّ الرمادي المذكور اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف علم أدباء الأندلس، وهو القائل (٣): [من الخفيف]
لا تلمني على الوقوفِ بدارٍ … أهلُها صَيَّروا السقام ضجيعي
جعلوا لي إلى هواهم سبيلًا … ثمَّ سَدُّوا عليَّ بابَ الرُّجوعِ
وأنشد له ابن سعيد في المرقص (٤): [من الطويل]
ولم أر أحلى من تبسم أعين … غداةَ النَّوى عن لؤلؤ كان كامنا
وقوله الذي لم يقل مثله في وصف سحابة ممطرة انسحبت على الربي، ونقطت وجوه الغدران أحسن منه وهو (٥): [من الطويل]
هوت مثلما يهوي العقاب كأَنَّما … تخافُ فوات المحل فهي تبادر
تشم روابيها الربى فتثيرها … كما شَمَّ أذيال العروس الضفائر
كأَنَّ انتشار القطر منها ضوابط … تدور على الغدران منها دوائر
ومنه قوله (٦): [من السريع]
ورب يوم يقظُهُ مُنضِجٌ … كَأَنَّهُ أَحاء ظمان
стр. 5908
أبرز من خديه لي رشحة طلا … على ورد وسوسان
وكان في تحليل أزراره أقود … لي من ألف شيطان
فتحت الجنة من حسنه … في دعوة رضوان
ومنهم:
[٢٦٨] الشريف المرواني الطليق (١)
وما ظفرت بحقيقة اسمه، ولا طلعت له ببيت غير ما دل إليه ابن سعيد؛ فوقفت على رسمه.
وقد ذكره ابن بسام (٢) ذكرا كأنه المعاريض، وجاء به في أثناء كلامه كالاستطراد في القريض، فإنه هتف باسمه ولم يفصح، وأنبه بنظمه، ثم ستر ذكره ولم يفضح، وإنما أخفاه خوفه من بني أبيه، وكتمه ليل الطلب، وضوؤه ينم على دياجيه، خوفا أن يضرس بتلك الأنياب، ويخرق بأسهم تلك العباب.
أورد له ابن سعيد في المرقص (٣): [من الرمل]
стр. 5909
غُصُنٌ يهتزُّ في دِعْصِ نقا … يجتني منه فؤادي حرقا
سال لامُ الصُّدْع في صفحتِهِ … سَيَلانَ التبر وافي الورقا
وكأنَّ الكأس في أنملِهِ … شَفَقٌ أصبح يعلو فلقا
وإذا ما غَرَبَتْ في فمه … تركت في الخَدِّ منه شَفَقا
وقوله (١): [من الكامل]
وعلى الأصائل رقة من بعده … فكَأَنَّما تلقى الذي نلقاه
وغدا النسيم مبلغًا ما بيننا … فلذاكَ رقَّ هوى وطابَ شَذَاهُ
الروض مبسمُهُ ونكهتُهُ الصَّبا … والوَردُ أخضله الندى خَدَّاهُ
فلذاكَ أُولِع بالرياض لأنّها … أبدًا تذكرني بمنْ أَهْوَاهُ
ومنهم:
[٢٦٩] محمد بن هاني الأزدي الأندلسي (٢)
الشاعر المشهور أبو القاسم، وقيل: أبو الحسن من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وقيل: بل من ولد أخيه روح بن حاتم.
فحل الشعراء، ونحل الآذي الذي يمج الشهد بلا مراء، وذو المعاني الفصيحة، والمباني الصحيحة، والبيوت التي لا يحاول مهاجمتها، والعريسة التي لا تطاول
стр. 5910
أَجَمَتها. جرت الجزالة رونقًا في حديده، ورقم الحُسْنُ طرازًا في جديده؛ إلا أنه غالى في التشيع للدولة العبيدية، والتتبع لمنهج عقائدها الردية، فظهر على لسان شعره، وأفسد إحسان بنات فكره، فدحض وكُفّر، ورفض ليؤاخذ بذنبه فلم يستغفر.
ولد بإشبيلية، ونشأ في جوانبها، واتصل بصاحبها، وكان منهمكًا في الملاذ، متهمًا بمذهب الفلاسفة، فخرج إلى بر العدوة، لا يوقد له سوى سفه جذوة.
واتصل بالقائد جوهر - مولى المنصور - فامتدحه، ووصله ومنحه؛ ثم رحل إلى جعفر ويحيى ابني علي، وكانا واليي المسيلة من بلد الزاب فتولياه، وأسديا إليه معروفهما وأولياه.
ثم اتصل بالمعزّ؛ فلما خرج المعز شيعه، ورجع ليتبعه؛ فقيل: قتل ببرقة غيلة، وقيل مات فجأة، وذلك سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
حكى ابن خلكان (١): أنه لما بلغ المعزّ وفاته، تأسف عليه كثيرًا، وقال: هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر ذلك.
وله في المعزّ غرر المدائح، ونخب الشعر؛ ومما أنشد له من شعره قوله (٢): [من الكامل]
ولمَنْ ليالٍ ما ذَمَمْنا عَهْدَها … مُذْ كُنَّ إلا أنهنَّ شُجُونُ
المشرقاتُ كأنهنَّ كواكب … والناعماتُ كأنهنَّ غُصُونُ
بيض وما ضَحِكَ الصباح وإِنَّما … بالمِسْكِ من طُرَرِ الغَواني جُونُ
أدمى لها المرجان صفحة خدِّهِ … وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
أعدى الحمام تأوهي مِنْ بعدِها … فَكَأَنَّها فيما سَجَعْنَ رَنِينُ
بانوا سَرَاعًا للهوادج زَفْرَةٌ … مِما رأين وللمطي حَنينُ
فكأَنَّما صَبَغُوا الضُّحى بقَبائِهِمْ … أَوْ عَصْفَرَتْ فيه الخدود جفون
ماذا على حُمْرِ الشقيقِ لَوَأنَّها … عنْ لابسيها في الخُدُودِ تبين
وله أيضًا (١): [من الكامل]
أين المفر ولا مفر لهارب … ولك البسيطان الثرى والماء
ومنها:
شُمُّ العَوَالي والأُنُوفِ تبسموا … تحتَ العُبُوس فأَظلموا وأضاءُوا
وتقنعوا الفولاذ حتى المقلةُ النَّجـ … ـلاء فيها المقلةُ الخَوْصاء
فكأَنَّما فوقَ الأَكُفِّ بَوارِقٌ … وكأنما فوق المتون أضاء
وله أيضًا (٢): [من الكامل]
وكأنما الجُرْدُ الجنائبُ خُرَّدٌ … سَفَرَتْ تشوقُ مُتيَّمًا متبولا
ويجلُّ عنها قَدْرُهُ حتى إذا … راقته كانت نائلًا مبذولا
وله أيضًا (٣): [من الطويل]
أصاحتْ فقالت: وقع أجردَ شَيظم … وشامت فقالت: لمع أبيض مِحْذَمِ
وما ذعرت إلا لجَرْسِ حُلِيها … ولا رَمَقَتْ إِلا بُرّى مِنْ مخذم
ولا طمعت إلا غرارًا من الكَرَى … حذارَ كُلُوءِ العَينِ غيرَ مُهَوّمَ
حذار فتى يلقى الغيور بحتفه … ويمرق تحتَ الليلِ مِنْ جِلْدِ أرقم
وقالت: هو الليثُ الطَّرُوقُ بِذِي الغَضَا … وليس حفيف الفيل إلا لضيغم
يعز على الحسناءِ أَنْ أَطَأَ القَنَا … وأَعثر في ذيل الخميس العرمرم
وما القتل قتل الضارب الهام في الوغى … ولكنه قتل العميد المتيم
وبين حطى الياقوت لَبَّاتُ خائف … حبيب إليه لو توسدَ مِعْصَمي
وله أيضًا (٤): [من الطويل]
ألا طرقتنا والنجوم ركود … وفي الحي أيقاظ ونحنُ هُجُودُ
وقد أعجل الفجر الملمعُ خَطْوَها … وفي أُخْريات الليل منه عمود
سرت عاطلًا غضبى على الدُّرِّ وحدَهُ … فلم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما بَرِحَتْ إلا ومِنْ سِلْكِ أَدمعي … قلائد في لباتِها وعُقُودُ
وقوله (٥): [من البسيط]
أشهدتُهم كل فضفاض القميص … ضحى في سرج كُلِّ طِمِرُ العَدُو قَيدُودِ
стр. 5913
كأنَّ أرماحهم تتلو إذا هَزَجَتْ … زَبُورَ داودَة في محراب داود
لو كان للروم علم بالذي لقيت … ما هنئتْ أُمُّ بطريق بمولود
لم يبق في أرضَ قسطنطينَ مُشرِكةٌ … إلا وقد خصها نُكَلِّ بمفقود
وقوله (١): [من الطويل]
سَقَتْني بما مجَّتْ شِفاه الأراقم … وعاتبني فيها شفارُ الصَّوارم
فهل تُبلغنّيها الجياد كأَنَّها … أَعنَّتُها مِنْ طُولِ لَوْكِ الشَّكائم
منها:
من اللائي هاجت للنَّوى أريحيتي … وهَزَّتْ إلى فسطاط مصر قوادمي
وقوله (٢): [من الطويل]
وما بلغتكَ البُرْدُ انضاءَ نَيِّهِ … ولكنَّها أَرْمَاقُ رِيحٍ تُفَسِّخُ
سَرينَ فخلَّفن النجوم كأَنَّها … هجائنُ عِيْس في المَبارِكِ نُوخُ
وقوله (٣): [من الكامل]
جاؤوا وحَشْوُ الأرض منهمْ جَحْفَلٌ … لَجِبٌ وحشو الخافقين صَهِيلُ
ثم انثنوا لا بالرماح تقصد … باد ولا بالمرهفات فلول
نزلوا بأرض لم يمسُّوا تُرْبَها … حتى كأَنَّ وقوعَهُمْ تحليل
خاضته أوظفة السوابق فانتهى … منهنَّ ما لا ينتهي التحجيل
إنَّ التي رام الدُّمُسْتُقُ حربها … للهِ فيها صارم مسلول
منها:
نَحَرَتْ بها العرب الأعاجمَ إِنَّها … رُمْحٌ أَمَقُّ ولهذم مصقول
تلك الشجا قد مات مغصوصًا بها … من لا يكاد يموتُ وهو قتيل
منها:
ما ذاك إلا أَنَّ حَبْلَ قَطِينِها … بحبالِ آلِ محمد موصول
ولتعلم الأعلاجُ عِلْمًا ثاقبًا … أَنَّ الصليب وإنْ عَزَزْتَ ذليل
منها:
حتى إذا ارتعش القَنَا وتلمَّظَتْ … حرب شروب للنفوس أكول
стр. 5914
رجعوا فأبدوا ذلّةً وضَرَاعةً … وإلى الجِبِلَةِ يَرْجِعُ المجبول
ولتسمعن صليلها في هامِهمْ … إِنْ كانَ يُسمع للسيوف صليل
ولتبلغن جياد خيلك حيثُ لم … يبلغ صباح مُسْفِرُ وأصيل
وقوله (١): [من الطويل]
شَهِدْتُ لأهل البيت إلا مشاعر … إذا لم تكن فيهم وإلا مناسك
وإلا إمام غير ذي التاج تلتقي … عليهِ هَوَادي مجدهم والحَوَارِكُ
إمام رأى الدنيا بمُؤْخِرِ عَينِهِ … فمن كان فيها آخذًا فهو تارك
وقوله (٢): [من البسيط]
وهذه خيله غرًّا مسوّمةً … يخرِجنَ مِنْ هَبَواتِ النفْعِ كالشُّعَلِ
إذا سطا بادرت هام مصارِعَها … كأَنَّما تتلقى الأرض بالقُبَلِ
وقوله: [من البسيط]
فإن يكن أوسع الأملاك مغفرةً … فالسيف يسقط أحيانًا على الأجل
وإن يكن عقلُ مَنْ ناواهُ مُخْتَبَلًا … فإنَّ للفضلِ عَقْلًا غيرَ مُختبل
لم ينزل اليوم منهم غيرُ شِرْذِمَةٍ … لو أَنَّهم إِثْمِد ما حُسَّ في المُقَلِ
أو كان يُبصرُ مَنْ لقَّتْ عَجَاجتُه … رأى حَوَاليه اجامًا من الأَسَلِ
ولو تأمَّلَ مَنْ ضُمَّتْ كتيبتُهُ … لقسَّمَ الطَّرِفَ بينَ الفَجْعِ والنَّكَلِ
وقوله في فرس (٣): [من الكامل]
بأقب لا يدع الصهيل إلى القنا … حتى يلوك خطامها المتقصفا
يسري فأحسب في عناني قائِفًا … متفرّسًا أو زاجرًا متعيفا
يرمي الأنيس بمسمعي وحشية … قد أوجسا مِنْ نَبأَةٍ فتشوفا
وقوله في مثله وتخلّص إلى المدح (٤): [من الطويل]
وذي كمتةٍ قد نازع الخمر لونها … فما تدعيه الخَمْرُ إلا تنمرا
تود البزاة البيض لو أَنَّ قُوْتَها … عليه ولمْ تُرزق جناحًا ومِنْسَرا
وودت مهاة الرمل لو تركت له … فأعطت بأدنى نظرة منه جُؤذرا
ألا إنَّما يُهدي إلى خير هاشم … وأفضلِ مَنْ يعلو جَوادًا ومِنْبَرا
стр. 5915
مَنِ استن تفضيل الجِيادِ لأهلها … وأوطأها هام العدا والسَّنَوَّرا
وقرطها الدر الذي خُلقت له … وفاقًا وكانت منه أسنى وأخطرا
ألا إنما كانت طلائع جوهر … ببعض الهدايا كالعُجالة للقرى
ولَوْ لَمْ يُعَجَّلُ بعضُها دونَ بعضها … لضاق الثرى والماء طرقًا ومعبرا
هو الرمح فاطعن كيف شئتَ بصدرِهِ … فَلَنْ يَسأَمَ الهيجا وَلَنْ يتكسرا
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه … فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
ومن كانت القوادَ مِنْ قَبْلِ جوهر … لتصلح أن تسعى فتخدم جوهرا
ووكَّلْتَهُ بالجيش والأمرِ كُلِّهِ … فوكَلتَ بالغِيْلِ الهِرَيْرَ الغَضَنْفرا
كأَنَّكَ شاهدت الخفايا سوافرًا … وأعجلت وجه الغيب أن يتسترا
فعرفت في اليوم البصيرةَ في غَدٍ … وشاركت في الرأي القضاء المُقَدَّرا
وقوله (١): [من الطويل]
أَصِيحُوا فما هذا الذي أنا سامع … بوعد ولكن قعقع الحَلَقَ السَّرد
تَؤُم أمير المؤمنين طوالعًا … عليه طلوع الشمس يقدمها السعد
فتوحات ما بين السماءِ وأَرضِها … لها عنك يوم الفجر السنة لد
سيعْبَقُ في ثوب الخليفة طيبها … وما ثم كافور عليها ولا نَد
وما ركزت في جَوّها قبلَكَ القَنَا … ولا رَكَضَتْ فيها المُسَوَّمَةُ الجُرْدُ
ولا التمعت فيها القباب ولا التقت … بها لامةٌ سَرْد وقافية شرد
منها:
يقابل منك الدهر فيها شبيه … تُقابلُ مِنْ شمس الضُّحى الأعينُ الرُّمدُ
مباءة هذا الجنَّ مِنْ جِنِّ عَبْقَرٍ … فليس لها بالإنس في سالف عهد
تذوب القربِ المُزْنِ لولا جمادُها … وتحرقُ فيها الشمس لولا الصفا الصَّلْدُ
منها:
ولما تجلى جعفرٌ صُعِقَتْ لهُ … وأقبل منها طور سيناء ينهد
ولما اكفهر الأمر أعجلتَ أَمْرَها … فألقت وليد الكُفْرِ وهيَ لَهُ مَهْدُ
أَخَذْتَ على الأعداءِ كُلَّ ثنيّةٍ … وأعقبت جُندا واطئًا ذيلَهُ جُنْدُ
كأَنَّ لهم من حادث الدهرِ سائقًا … يَسُوقُهُمُ أَوْ حاديًا بهم يحدو
كَأَنَّكَ وكَّلْتَ الغَمَامَ بحريهمْ … فَمِنْ عارض يُمسي ومن عارض يغدو
стр. 5916
كَأَنَّ عليهم منك عَنقاءُ تعتلي … فليسَ لها ممَّنْ تَخَطَّفَها بدُ
فلما تقنَّصتِ الضَّراغمُ منهم … فلم يبقَ إلا تسعةٌ خَلفَهُمْ قُعْدُ
أتوك فلم يُردد مُنيبٌ ولم يُبَحْ … حَرِيمٌ ولم يُخمش لغانية خَدُّ
نهيتَ عَنِ الإكثارِ في جعفرٍ ولن … يُقاس بشيءٍ كُلُّ شيءٍ لَهُ ضِدُّ
فما ظنكم لو كان جرَّدَ سيفَهُ … إذا كان هذا بعض ما صَنَعَ الغِمْدُ
وقوله (١): [من الكامل]
والله لولا أن يسفّهني الهوى … ويقول بعض القائلين تصابي
لَكَسَرْتُ دُمْلُجَهَا بضيقٍ عِناقِها … ورشفْتُ مِنْ فيها البَرُودِ رُضابا
وقوله (٢): [من الكامل]
جَرَتِ الليالي والتنائي بيننا … أُمُّ الليالي والتنائي هابل
فكأنما يوم ليوم طارد … وكأَنَّما دهر لدهر أكل
ولقد مَرَرْتُ على الديار بمنعج … وبها الذي بي غير أني السائل
منها:
بُعدًا لليلات لنا نَفِدَتْ ولا … بَعُدَتْ ليال بالغميم قلائل
إذ عيشنا في مثل دولة جعفر … والعدل فيها ضاحك والنائل
منها:
وطيء المُحوَّل فلم يُقدِّم خُطوةً … إلا وأكناف البلادِ خَمَائِلُ
منها:
لو يدعيه غيرُ حيٍّ ناطقِ … لَغَدَتْ أُسود الغاب فيه تجادل
منها:
فانهض بأعباء الحمالة كلّها … إِنَّ المحمَّلَهُنَّ عَوْدٌ بازِلُ
منها:
تمضي ويتبعك الغمام بوبْلِهِ … فَكَأَنَّهُ لكَ حيث كنتَ مُساجِلُ
وترى الملوك فجادَ منهم جعفر … وبنو أبيه وكل ملك باطل
لو لم تطيبوا لم يقل عديدكُمْ … وكذاك أفراد النجوم قلائل
وقوله (٣): [من السريع]
وقولُهُ من كلمةٍ قالَ منْها (١): [من البسيط]
إلى الإمامِ الذي لم تَرْنُ هِمَّتُهُ … إلا إلى الهِمَمِ العُظمى من الهِمَمِ
وقالَ منها:
قَومٌ تَعَرَّوْا من الآدابِ واتَّشَحُوا … مَرادِيَ اللؤم والإخلافِ لِلذِّمَمِ
كأَنهُ صَنَمٌ من بعدِ فطنتِهِ … وما التنفُّسُ معهودٌ مِنَ الصَّنَمِ
وقولُهُ، وهي من طَناناتِهِ المشهورةِ (٢): [من الكامل]
فتقتْ لكم ريحُ الجِلادِ بعنبر … وأمدَّكُمْ فَلَقُ الصَّبَاحِ المُسْفِرِ
وجنيتمُ ثَمَرَ الوقائع يانعًا … بالنَّصرِ مِنْ وَرَقِ الحديدِ الأخضر
مَنْ منكمُ المَلِكُ المُطَاعُ كَأَنَّهُ … تحتَ السوابغ تُبَّعُ في حِمْيَرِ
القائدُ الخيلَ العِتاقَ شَوَازِيًا … خُزْرًا إلى لحظِ السِّنانِ الأَخْزَرِ
تَنْبُو سَنَابِكُهنَّ عَنْ عَفْوِ الثَّرَى … فيطأنَ في خَدِّ العزيزِ الأَصْعَرِ
جيشٌ تقدمهُ الليوثُ وفوقها … كالغِيْلِ مِنْ قُضُبِ الوشيج الأسمر
وكأَنَّما سَلَبَ القَشَاعِمَ رِيشَها … مما يُشَقُّ مِنَ العَجاجِ الأَكْدَرِ
وكأَنَّما اشتملتْ قَناهُ بِبارِقٍ … مُتألق أو عارض مُنْعَنْجِرِ
تمتدُّ ألسنةُ الصواعقِ فوقَهُ … عن ظُلْتَيْ مُزْنٍ عَليهِ كَنَهْوَرِ
ومشوا على قطعِ النفوسِ كَأَنَّما … تُثْنَى سَنَابِكُ خَيلِهِمْ فِي مَرْمَرِ
إنا لتجمعنا وهذا الحيُّ مِنْ يَمَنِ … أَذِمَّةُ سالف لمْ تُخْفَرِ
وقولُهُ (٣): [من البسيط]
الواهب الألف إلا أَنَّها بِدَرٌ … والطاعن الألف إلا أَنَّها نَسَقُ
تأتي عطاياهُ شتى غير واحدة … كما تَدَافَعَ مَوْجُ البحر يصطفقُ
منها الرديني في أنبوبهِ خَطَلٌ … يومَ الهياج وفي خَيْشُومِهِ ذَلَقُ
والماسخية والنبل الصوائبُ في … ظُباتِها الجَمْرُ لكن ليس يحترقُ
كأن أعداءهُ أسرى حبائله … فما يُحصِّنُهُمْ سَرْبٌ ولا نَفَقُ
لو أَنَّ جودك في أيدي الروائح … ما أقلعن حتى يعم الأمة الغَرَقُ
وقولُهُ (٤): [من البسيط]
стр. 5919
لا يشرح القومُ وحشي الغريبِ لَهُ … ولا يُسائِلُ عن تلك الأحاجي
وقوله (١): [من الطويل]
أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفا … وبتنا نرى الجوزاء في أُذُنِها شَنْفا
وبات لنا ساق يقوم على الدجى … بشمعة صُبْح لا تُقَط ولا تُظفا
أَغَضُّ غَضِيضُ خَفَّف اللينُ قَدَّهُ … وثَقَلَتِ الصَّهباء أجفائه الوظفا
فلم يبق إرعاش المدام له يدًا … ولم يُبْقِ إعناتُ التَّثَنِّي لَهُ عِطفا
نزِيفٌ قضاء السكر إلا ارتجاجَةً … إذا كلَّ عنها الخَصْرُ حَمَّلَها الرَّدْفا
يقولونَ حِقْفٌ فَوقَهُ خَيزرانة … أما تعرفون الخيزرانة والحقفا
جَعَلْنَا حَشَايانا ثياب مُدامنا … وقدَّت لنا الظلماء مِنْ جِلْدِهَا لُحْفَا
فمن كَبِد تدني إلى كَبِدِ هَوَى … وَمِنْ شَفَةٍ تُوحي إلى شَفَةٍ رَشْفا
بعيشك نَبِّه كأسَهُ وجُفونَهُ … فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى
وقد فكت الظلماء بعض قيودها … وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا
ودلت نجوم للثريا كأَنَّها … خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ومر على آثارها وَدَبَرانُها … كصاحبِ رِدْةٍ كُمِّنتُ خَيْلُهُ خَلْمًا
وأقبلت الشعرى العَبُورُ مَلِينَةٌ … بِمِرْزَمِهَا اليَعْبُوبِ يحييه طرفا
وقد بادرتها أختها من ورائها … لتخرق مِنْ تثني مَجَرَّتَها سِجْفا
يخاف زئير الليث قَدَّمَ نثرةً … وبَرْبَرَ في الظلماءِ يَنْسِفُها نَسْفا
كأن السماكين اللذين تظاهرا … على لِبدَتَيْهِ ضَامِنانِ لَهُ حَنْفا
هذا رامج يَهْوِي إليها سنانه … وذا أَعْزَلٌ قَدْ عَضَّ أَنْمُلَهُ لَهُمَا
كان رقيب النجمِ أَجْدَلُ مَرْقَبِ … يُقلِّبُ تحت الليل مِنْ رَيشِهِ طَرفا
كأن بني نعش ونعشًا مَطَافِلٌ … بِوَجْرَةَ قَدْ أَضْلَلْنَ فِي مَهْمَةٍ خِشَفا
كأَنَّ سُهيلًا في مطالع أُفقِهِ … مُفارِقُ الْفِ لم يجد بعده إلفا
كأن شهاها عاشق بين عُودٍ … فاونة يبدو وآونة يَخْفى
كأَنَّ مُعلى قطبه فارس له … لواءان مركوزان قد كرها الرَّحْفا
كأَنَّ قُدامى النَّسْرِ والنَّسْرُ واقعٌ … ضَعُفْنَ فَلَمْ تَسْمُ الخَوَافِي بِهِ ضَعْفًا
كأَنَّ أَخاهُ حِينَ دَوَّمَ طائرًا … أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا
كأَنَّ الهَزِيع الآبنوسي لونه … سرى بالنسيج الخُسْرواني مُلْتَفًا
كأن ظلام الليل إذ مال ميلة … صريع مُدام بات يشربها صرفا
стр. 5920
كَأَنَّ عمود الفجر خاقانُ مَعْشَرٍ … مِنَ التَّرْكِ نادى بالنَّجاشِي فَاسْتَخْفَى
كَأَنَّ لواء الشمس غرةُ جعفر … رأى القِرْنَ فازدادت طَلاقَتُه ضِعْفا
وقد جاشت الظلماء بيْضًا صَوَارمًا … ومارِنَةً سُمَّرًا وفَضْفَاضَةً رُعْفا
منها:
هم ساجلوه والسماح لأهلِهِ … فَأَكْدَوا وما أَكْدَى وَأَصْفَوا وما أَصْفى
فلو أنَّني شبهته البحر زاخرًا … خَشِيتُ يكون المدح في مثلِهِ قَذْفَا
وقوله (١): [من الكامل]
كَذَبَ السُّلُوُّ العِشْقُ أيسرُ مَرْكبا … ومنيَّةُ العُشَّاقِ أَيسرُ مَطْلَبا
مَنْ لَمْ يَرَ الميدان لمْ يَرَ مَعْرَكًا … أَشِبًا ويومًا بالسَّنَوْرِ أَكْهَبَا
فكتائبًا تَرْوِي غَوَارِبُهَا القَنَا … وفَوارسًا تغذو صوالجها الظبي
منها:
قد أطفأوا بالدهم منها فجرَهُمْ … فتكوّرت شمس النهار تَغَضُّبا
واستأنفوا بجيادِها فجرًا فلوْ … عَقَدوا نواصيها أعادوا الغيهبا
وغدا الذي يلقى ندامى ليلِهِ … مُتبسما والدارعين مُقَطبا
قُم فاخترط لي من حواشي لحظه … سيقًا يكون كما علمت مُجَرَّبا
واجعل مِجَنِّي أَنْ أَراهُ فإِنَّني … سأفضُ بين يديه هذا المقنبا
أَوَلَمْ يكن ذا الخِشْفُ يألفُ وجرةً … فاليوم يألف ذا القنا المتأشبا
وسنانُ مِنْ وَسَنِ المَلاحَةِ طَرْفُهُ … وجُفونُهُ سكران مِنْ سُكْرِ الصبا
قد واجه الأسد الضواري في الوغى … عزًَّا وقارن في الكناس الربربا
فإذا رأى الأبطال نَصَّ إليهم … جيدًا واقلع خائفًا مُتَرَقبا
قدْ سِرْتُ في الميدان يومَ طِرَادِهِمْ … فعَجِبتُ حتى كنتُ أَلا أَعْجَبا
قمر بدا قد قلدوه صارمًا … لو أنصفوه قلدوه كوكبا
خالسْتُهُ نَظَرًا وكان موردًا … فاحمر حتى كاد أن يتلهبا
هذا طراز ما العيونُ كَتَيْنَهُ … لكنهُ قَبْلَ العُيونِ تَكَتَبا
انظر إليهِ كَأَنَّهُ مُتنصّل … بجفونِهِ ولقد يكون المذنبا
وكأن صفحة خدّهِ وغدارَهُ … تفاحةٌ رُمِيَتْ لتقتل عَقْرَبا (٢)