← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

كَأَنَّ عليهم منك عَنقاءُ تعتلي … فليسَ لها ممَّنْ تَخَطَّفَها بدُ فلما تقنَّصتِ الضَّراغمُ منهم … فلم يبقَ إلا تسعةٌ خَلفَهُمْ قُعْدُ أتوك فلم يُردد مُنيبٌ ولم يُبَحْ … حَرِيمٌ ولم يُخمش لغانية خَدُّ نهيتَ عَنِ الإكثارِ في جعفرٍ ولن … يُقاس بشيءٍ كُلُّ شيءٍ لَهُ ضِدُّ فما ظنكم لو كان جرَّدَ سيفَهُ … إذا كان هذا بعض ما صَنَعَ الغِمْدُ وقوله (١): [من الكامل] والله لولا أن يسفّهني الهوى … ويقول بعض القائلين تصابي لَكَسَرْتُ دُمْلُجَهَا بضيقٍ عِناقِها … ورشفْتُ مِنْ فيها البَرُودِ رُضابا وقوله (٢): [من الكامل] جَرَتِ الليالي والتنائي بيننا … أُمُّ الليالي والتنائي هابل فكأنما يوم ليوم طارد … وكأَنَّما دهر لدهر أكل ولقد مَرَرْتُ على الديار بمنعج … وبها الذي بي غير أني السائل منها: بُعدًا لليلات لنا نَفِدَتْ ولا … بَعُدَتْ ليال بالغميم قلائل إذ عيشنا في مثل دولة جعفر … والعدل فيها ضاحك والنائل منها: وطيء المُحوَّل فلم يُقدِّم خُطوةً … إلا وأكناف البلادِ خَمَائِلُ منها: لو يدعيه غيرُ حيٍّ ناطقِ … لَغَدَتْ أُسود الغاب فيه تجادل منها: فانهض بأعباء الحمالة كلّها … إِنَّ المحمَّلَهُنَّ عَوْدٌ بازِلُ منها: تمضي ويتبعك الغمام بوبْلِهِ … فَكَأَنَّهُ لكَ حيث كنتَ مُساجِلُ وترى الملوك فجادَ منهم جعفر … وبنو أبيه وكل ملك باطل لو لم تطيبوا لم يقل عديدكُمْ … وكذاك أفراد النجوم قلائل وقوله (٣): [من السريع]

стр. 5917

أُحَيِّنُ وَلَّتْ أَنْجُمُ الأُفُقِ … وانْهَزَمَ الغَرْبُ مِنْ مَعْرَكِ الشَّرْقِ وَخَلَتْ خَيَلًا جُذَلًا فِي مَعْرَكِ … قَبَانَتْ الدُّهْمُ مِنْ الْبَلَقِ الْبُلْقِ وَنَبَّهَ الإصْبَاحُ مِنْ نَوْمِهِ … شُدُوُّ حَمَامِ الأَيْكَةِ الْوُرْقِ وانْشَقَّ عَنْ زَائرَةٍ لَمْ تَدَعْ … قَلْبًا لِأَضْلُعِ غَيْرِ مُنْشَقِ زَارَتْ خَيالًا فَالْتَقَى فِي الدُّجَى … عَمُودُ فَجْرٍ وَسْنَىً بِبَرْقِ لِكُلِّ قَوْمٍ سَيِّدٌ مَاجِدٌ … لَكِنْ يُحَيِّي سَيِّدُ الْخَلْقِ يُصَرِّحُ الْمَجْدُ إِذَا مَا بَدَا … وَيَسْجُدُ الْبَاطِلُ لِلْحَقِّ ذَوُ الضَّرْبَةِ الفَوْهَاءِ والطَّعْنَةِ … النَّجْلاءِ ذَاتِ اللَّجَجِ الْعَمْقِ كأَنَّ بَنْتَ السَّرْدِ مِنْ تَحْتِهَا … عِقَارَةٌ مِنْ رِبْطَةِ لِفْقِ تَحْسَبُ فِيهَا طَرَفَيْ رُمْحِهِ … قَوْسَ هِلالٍ كُرَّ فِي مَحْقِ منها: صَهْصَلَقُ الرَّعْدِ إِذَا مَا قَفَا … لَيْلَ الْمَطَايَا لَامِعُ البَرْقِ فَلَيْسَ إِلاَّ عَسَلًا لِلضُّحَى … وفِلْذَةٌ مِنْ شَلْوِ مَا يُبْقِي وقوله (١): [من الكامل] أَيُّ الحَيَاةِ أَلَذُّ عِيشَتُهَا … مَنْ بَعْدَ عِلْمِي أَنَّنِي بَشَرُ؟ خَرِسَتْ لَعَمْرُ اللَّهِ أَلْسُنُنَا … لَمَا تَكَلَّمَ فَوْقَنَا القَدَرُ منها: فَقَفُّوا تَصَرُّحَ ثُمَّ أَنْفُسَ … لَا الصَّافِنَاتُ الجُرْدُ والعُكُرُ سَفَحْتَ دِمَاءَ الدَّارِعِينَ بِهَا … حَتَّى كَأَنَّ جُفُونَهَا شُعْرُ الهَاتِكِينَ بِهَا الضُّلُوعَ إِذَا … مَا رَدَّدُوا الذِّكْرَاتِ أَوْ زَفَرُوا فكَأَنَّمَا نَامَتْ سُيُوفُهُمُ … وَاسْتَيْقَظَتْ مِنْ بَعْدِ مَا وَتَرُوا فَتَقَطَّعَتْ أَغْمَادُهَا قِطَعًا … وَأَتَتْ إِلَيْهِمْ وَهْيَ تَعْتَذِرُ منها: لَمْ يَخْلُ مَطْلَعُهَا وَلَا أَفَلَتْ … وَبَنُو أَبِيهَا الأَنْجُمُ الزُّهُرُ إِنَّ الَّتِي أَخْلَتْ عِرِينَهُمُ … أَضْحَتْ بِحَيْثُ الضِّيْغَمُ الهَصْرُ بَلَغَتْ مُرَادًا مِنْ فِدَائِهِمُ … والأَمْرُ فِي الأَنْبَاءِ يَغْتَفِرُ قَسَّمَتْ عَلَى ابْنَيْهَا مَكَارِمَهَا … إِنَّ التُّرَاثَ المَجْدُ لَا البَذْرُ فتأمل هذا الكلام، واعجب لإحكام صنعته واجتذابه للقلوب.

стр. 5918

وقولُهُ من كلمةٍ قالَ منْها (١): [من البسيط] إلى الإمامِ الذي لم تَرْنُ هِمَّتُهُ … إلا إلى الهِمَمِ العُظمى من الهِمَمِ وقالَ منها: قَومٌ تَعَرَّوْا من الآدابِ واتَّشَحُوا … مَرادِيَ اللؤم والإخلافِ لِلذِّمَمِ كأَنهُ صَنَمٌ من بعدِ فطنتِهِ … وما التنفُّسُ معهودٌ مِنَ الصَّنَمِ وقولُهُ، وهي من طَناناتِهِ المشهورةِ (٢): [من الكامل] فتقتْ لكم ريحُ الجِلادِ بعنبر … وأمدَّكُمْ فَلَقُ الصَّبَاحِ المُسْفِرِ وجنيتمُ ثَمَرَ الوقائع يانعًا … بالنَّصرِ مِنْ وَرَقِ الحديدِ الأخضر مَنْ منكمُ المَلِكُ المُطَاعُ كَأَنَّهُ … تحتَ السوابغ تُبَّعُ في حِمْيَرِ القائدُ الخيلَ العِتاقَ شَوَازِيًا … خُزْرًا إلى لحظِ السِّنانِ الأَخْزَرِ تَنْبُو سَنَابِكُهنَّ عَنْ عَفْوِ الثَّرَى … فيطأنَ في خَدِّ العزيزِ الأَصْعَرِ جيشٌ تقدمهُ الليوثُ وفوقها … كالغِيْلِ مِنْ قُضُبِ الوشيج الأسمر وكأَنَّما سَلَبَ القَشَاعِمَ رِيشَها … مما يُشَقُّ مِنَ العَجاجِ الأَكْدَرِ وكأَنَّما اشتملتْ قَناهُ بِبارِقٍ … مُتألق أو عارض مُنْعَنْجِرِ تمتدُّ ألسنةُ الصواعقِ فوقَهُ … عن ظُلْتَيْ مُزْنٍ عَليهِ كَنَهْوَرِ ومشوا على قطعِ النفوسِ كَأَنَّما … تُثْنَى سَنَابِكُ خَيلِهِمْ فِي مَرْمَرِ إنا لتجمعنا وهذا الحيُّ مِنْ يَمَنِ … أَذِمَّةُ سالف لمْ تُخْفَرِ وقولُهُ (٣): [من البسيط] الواهب الألف إلا أَنَّها بِدَرٌ … والطاعن الألف إلا أَنَّها نَسَقُ تأتي عطاياهُ شتى غير واحدة … كما تَدَافَعَ مَوْجُ البحر يصطفقُ منها الرديني في أنبوبهِ خَطَلٌ … يومَ الهياج وفي خَيْشُومِهِ ذَلَقُ والماسخية والنبل الصوائبُ في … ظُباتِها الجَمْرُ لكن ليس يحترقُ كأن أعداءهُ أسرى حبائله … فما يُحصِّنُهُمْ سَرْبٌ ولا نَفَقُ لو أَنَّ جودك في أيدي الروائح … ما أقلعن حتى يعم الأمة الغَرَقُ وقولُهُ (٤): [من البسيط]

стр. 5919

لا يشرح القومُ وحشي الغريبِ لَهُ … ولا يُسائِلُ عن تلك الأحاجي وقوله (١): [من الطويل] أليلتنا إذ أرسلت واردًا وحفا … وبتنا نرى الجوزاء في أُذُنِها شَنْفا وبات لنا ساق يقوم على الدجى … بشمعة صُبْح لا تُقَط ولا تُظفا أَغَضُّ غَضِيضُ خَفَّف اللينُ قَدَّهُ … وثَقَلَتِ الصَّهباء أجفائه الوظفا فلم يبق إرعاش المدام له يدًا … ولم يُبْقِ إعناتُ التَّثَنِّي لَهُ عِطفا نزِيفٌ قضاء السكر إلا ارتجاجَةً … إذا كلَّ عنها الخَصْرُ حَمَّلَها الرَّدْفا يقولونَ حِقْفٌ فَوقَهُ خَيزرانة … أما تعرفون الخيزرانة والحقفا جَعَلْنَا حَشَايانا ثياب مُدامنا … وقدَّت لنا الظلماء مِنْ جِلْدِهَا لُحْفَا فمن كَبِد تدني إلى كَبِدِ هَوَى … وَمِنْ شَفَةٍ تُوحي إلى شَفَةٍ رَشْفا بعيشك نَبِّه كأسَهُ وجُفونَهُ … فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى وقد فكت الظلماء بعض قيودها … وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا ودلت نجوم للثريا كأَنَّها … خواتيم تبدو في بنان يد تخفى ومر على آثارها وَدَبَرانُها … كصاحبِ رِدْةٍ كُمِّنتُ خَيْلُهُ خَلْمًا وأقبلت الشعرى العَبُورُ مَلِينَةٌ … بِمِرْزَمِهَا اليَعْبُوبِ يحييه طرفا وقد بادرتها أختها من ورائها … لتخرق مِنْ تثني مَجَرَّتَها سِجْفا يخاف زئير الليث قَدَّمَ نثرةً … وبَرْبَرَ في الظلماءِ يَنْسِفُها نَسْفا كأن السماكين اللذين تظاهرا … على لِبدَتَيْهِ ضَامِنانِ لَهُ حَنْفا هذا رامج يَهْوِي إليها سنانه … وذا أَعْزَلٌ قَدْ عَضَّ أَنْمُلَهُ لَهُمَا كان رقيب النجمِ أَجْدَلُ مَرْقَبِ … يُقلِّبُ تحت الليل مِنْ رَيشِهِ طَرفا كأن بني نعش ونعشًا مَطَافِلٌ … بِوَجْرَةَ قَدْ أَضْلَلْنَ فِي مَهْمَةٍ خِشَفا كأَنَّ سُهيلًا في مطالع أُفقِهِ … مُفارِقُ الْفِ لم يجد بعده إلفا كأن شهاها عاشق بين عُودٍ … فاونة يبدو وآونة يَخْفى كأَنَّ مُعلى قطبه فارس له … لواءان مركوزان قد كرها الرَّحْفا كأَنَّ قُدامى النَّسْرِ والنَّسْرُ واقعٌ … ضَعُفْنَ فَلَمْ تَسْمُ الخَوَافِي بِهِ ضَعْفًا كأَنَّ أَخاهُ حِينَ دَوَّمَ طائرًا … أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا كأَنَّ الهَزِيع الآبنوسي لونه … سرى بالنسيج الخُسْرواني مُلْتَفًا كأن ظلام الليل إذ مال ميلة … صريع مُدام بات يشربها صرفا

стр. 5920

كَأَنَّ عمود الفجر خاقانُ مَعْشَرٍ … مِنَ التَّرْكِ نادى بالنَّجاشِي فَاسْتَخْفَى كَأَنَّ لواء الشمس غرةُ جعفر … رأى القِرْنَ فازدادت طَلاقَتُه ضِعْفا وقد جاشت الظلماء بيْضًا صَوَارمًا … ومارِنَةً سُمَّرًا وفَضْفَاضَةً رُعْفا منها: هم ساجلوه والسماح لأهلِهِ … فَأَكْدَوا وما أَكْدَى وَأَصْفَوا وما أَصْفى فلو أنَّني شبهته البحر زاخرًا … خَشِيتُ يكون المدح في مثلِهِ قَذْفَا وقوله (١): [من الكامل] كَذَبَ السُّلُوُّ العِشْقُ أيسرُ مَرْكبا … ومنيَّةُ العُشَّاقِ أَيسرُ مَطْلَبا مَنْ لَمْ يَرَ الميدان لمْ يَرَ مَعْرَكًا … أَشِبًا ويومًا بالسَّنَوْرِ أَكْهَبَا فكتائبًا تَرْوِي غَوَارِبُهَا القَنَا … وفَوارسًا تغذو صوالجها الظبي منها: قد أطفأوا بالدهم منها فجرَهُمْ … فتكوّرت شمس النهار تَغَضُّبا واستأنفوا بجيادِها فجرًا فلوْ … عَقَدوا نواصيها أعادوا الغيهبا وغدا الذي يلقى ندامى ليلِهِ … مُتبسما والدارعين مُقَطبا قُم فاخترط لي من حواشي لحظه … سيقًا يكون كما علمت مُجَرَّبا واجعل مِجَنِّي أَنْ أَراهُ فإِنَّني … سأفضُ بين يديه هذا المقنبا أَوَلَمْ يكن ذا الخِشْفُ يألفُ وجرةً … فاليوم يألف ذا القنا المتأشبا وسنانُ مِنْ وَسَنِ المَلاحَةِ طَرْفُهُ … وجُفونُهُ سكران مِنْ سُكْرِ الصبا قد واجه الأسد الضواري في الوغى … عزًَّا وقارن في الكناس الربربا فإذا رأى الأبطال نَصَّ إليهم … جيدًا واقلع خائفًا مُتَرَقبا قدْ سِرْتُ في الميدان يومَ طِرَادِهِمْ … فعَجِبتُ حتى كنتُ أَلا أَعْجَبا قمر بدا قد قلدوه صارمًا … لو أنصفوه قلدوه كوكبا خالسْتُهُ نَظَرًا وكان موردًا … فاحمر حتى كاد أن يتلهبا هذا طراز ما العيونُ كَتَيْنَهُ … لكنهُ قَبْلَ العُيونِ تَكَتَبا انظر إليهِ كَأَنَّهُ مُتنصّل … بجفونِهِ ولقد يكون المذنبا وكأن صفحة خدّهِ وغدارَهُ … تفاحةٌ رُمِيَتْ لتقتل عَقْرَبا (٢)

стр. 5921

وقوله (١): [من الخفيف] لا عجيبٌ بأَنْ لَعِبَتْ بدهرٍ … نائم جَفْنُهُ وخَطْبِ عنيف ولذا صارَ كُلُّ ليثٍ مَصُورٍ … قانعًا في زمانه بالرغيف وقوله (٢): [من البسيط] ألؤلؤ دمع هذا الغيثِ أَمْ نُقَط … ما كان أحسنه لو كان يلتقط بينَ السَّحابِ وبينَ الرِّيحِ قَعْقَعَةٌ … صواعق وظُبّى في الجو تخترط كأَنَّهُ ساخط يرضى على عَجَلٍ … فما يدوم رضًا منه ولا سَخَط وللجديدين مِنْ طُولٍ ومِنْ قِصَرٍ … حَبْلانِ مُنقبض عنا ومنبسط كأَنَّما هي أنفاسُ المُعزِّ سَرَتْ … لَا شُبْهَةٌ للورى فيها ولا غلط كَأَنَّ هتانها في كلِّ ناحيةٍ … مَدَّ مِنَ البحر يعلو ثم ينبسط والريح يبعث أنفاسًا مُعطَّرةً … مثل العَبير بماء الورد يختلط إنّي وإن كانت الأنواءُ تُشْبِهُهُ … ما مرَّ بؤسٌ على الدنيا ولا قَنَطُ لا يغتدي فارحًا بالمالِ يجمعُهُ … ولا يبيتُ بدنيًا وهوَ مُغْتَبِط إنَّ الملوك إذا قيسوا إليكَ معًا … فأَنتَ مِنْ كَثْرَةِ بحرٌ وهمْ نُقَط وقوله (٣): [من الطويل] يقول بنو العباس: قد فتحت مصر … فقل لبني العباس قد قُضي الأمر فما جاء هذا اليوم إلا وقد غدت … وأيديكم منها ومن غيرها صِفْرُ وذا ابن نبي الله يطلبُ وِتْرَهُ … وكان جزاء لا يضيعُ لَهُ وِتْرُ ذَرُوا الوِرْدَ في ماء الفُراتِ لخيله … فلا السخط منه تمنعون ولا العمر وما ضرَّ مِصْرًا حينَ ألقتْ قيادها … إليك أمد النيلُ أَمْ عَالَهُ زَجْرُ فلم يُهرِقوا فيها لذي ذِمَّةٍ دَمًا … حرامًا ولم يُحمل على مسلم إصْرُ غدا جَوْهَرٌ فيها غمامة رحمةٍ … تَقِي جانبيها كُلّ حادثةٍ تُعْرُو كأني به قد سار في القومِ سِيرةً … تَوَدُّ لها بغداد لَوْ أَنَّها مِصْرُ وقوله (٤): [من الطويل] ولم أنسها تثني يدي بمطرفٍ … لطيف على المسواك مُختَضبٍ بِدَمْ

стр. 5922

أنازعها باللحظ سِرًّا كأَنَّما … تَعَلَّمَ منها اللحظ ما نسيَ القَلَم وقوله (١): [من الكامل] المُدْنَانِ مِنَ البَرِيَّةِ كلّها: … جسمي وطرف بابلي أحور والمشرقاتُ النيراتُ ثلاثة: … الشمس والقمر المنير وجعفر وقوله: [من الطويل] ولولا دفاع الأمر عن مُهجاتِهم … لخانتهم أقدامهم والقوائم فما ظنكم إن أيقظ العزم سيفه … إذا كان هذا فعله وهو نائم وما مِنْ قليل سُدْتَ أبناء هاشم … وإنْ كانَ فيهم سادة وأكارم وفي الجسم أشباءٌ حِسَانٌ وإِنَّما … تُخَصُّ بفضل اللثم منها المباسم وقوله: [من الطويل] كأَنَّكَ تعتد الوشيج حدائقًا … مُفوّقة للبشر فيها جداول فلا جنّةٌ إلا لها منك قائل … ولا أَسَدٌ إلا له منك آكل وقوله (٢): [من البسيط] كانت محادثة الركبان تُخْبِرُني … عَنْ جعفر بن فلاح أطيب الخَبَرِ حتى رأيتُ فلا والله ما سمعت … أذناي أحسن مما قد رأى بَصَرِي وقوله: [من الكامل] سامي العدال بمسعيهِ عِيافَةً … تحتَ الدُّجى ولطرفه تنجيم خرق العيون فضل عنها لونُهُ … وصَفَا فقلنا: ما عليهِ أَديمُ فكأنما جَمَدَتْ عليهِ مُزْنَةٌ … وانجابَ عنهُ عارضٌ مَرْكُومُ وكأَنَّما نُحرث عليهِ بَوَارِقٌ … وكَأَنَّما كُسِفَتْ عليهِ نُجُومُ وقوله: [من البسيط] خُذا بشاري جزاء بالذي فَعَلا … واقتله عنِّي فإني بعضُ مَنْ قَتَلا ما أنس لا أَنْسَ أيام الغرام بهِ … كأَنَّما كُنَّ فَيئًا فاء فانتقلا وقوله (٣): [من الطويل] ولا كابنه أذكى شهابًا بمعرك فأجمحَ في رمي العِنانِ والمحا وقوله في وصف بناء شُيّد ووُثّق، وحُسن ونُمق، حتى جاء لا تَعْدِلُهُ المدائن، ولا يعرفه إلا المعاين، علت قبابها على مشرق الصباح، وعَتَتْ على مقلق الرياح، وحلّقت

стр. 5923

أروقتها وكلٌّ منها طائر ممدود الجناح، وعظم إيوانُها أن يقاس بإيوان آل ساسان، أو مَنْ بنى سمرقند واختط خراسان (١): [من الكامل] الشمس عنهُ كَليلةٌ أَجفانُها … عَبْرَى يضيق بسرها كتمانها إيوانُ مَلْكٍ لو رأَتُهُ فارسٌ … ذُعِرَتْ وخرَّ لِسَمْكِهِ بُنيانها واستعظمت ما لم يُخلّدٌ ذِكْرَهُ … سابورُها قدمًا ولا ساسانها سَجَدَتْ إلى النيرانِ أَعْصُرُها ولو … بَصُرَتْ بِهِ سَجَدَتْ لهو نيرانها تغدو القصور البيضُ في جَنَباتِهِ … صُورًا إليهِ يكلُّ عنهُ عِيانُها والقُبَّةُ البيضاءُ طائرةٌ بِهِ … تَهْوِي بِمُنْخَرِقِ الصَّبا أعيانها ضربت بأروقةٍ تُرفرفُ فَوقَهُ … فهفَا بِفُتْحَ قَوادِم خَفَقانُها علياءُ مُوفية على عليائِهِ … في حيثُ أسلم مقلة إنسانها بطنانُها وَشْيُ البرود وعَصْبُها … وكأَنَّما قويها ظهرانها فأَدِرْ جُفونك واكتحل بمناظرٍ … غَشى فِرِنْدَ لُجَيْنِها عقيانُها لترى فُنُونَ السِّحْرِ أمثلة وما … يدري الجهول لعلها أعيانها وقوله (٢): [من الكامل] قامت تميس كما تدافعَ جَدولٌ … وانسابَ أَيْمٌ في نقًا يَتَهَيَّلُ وأَتَتْ تُزَبِّي رِدْفَها بقَوَامِها … فتأطَّر الأعلى وماجَ الأَسْفَلُ ووراء ما يحوي اللثام مُقبَّلُ … رَتْلٌ بمسواك الأراكِ مُقَبّلُ قُلْ للتي أَصْمَتْ فؤادَكَ خَفْضِي … وقعَ السِّهام فقد أُصِيبَ المَقْتَلُ فلأسطون على الزمانِ بِمَنْ له … نَفْسي الوَدُودُ ومَدْحِيَ المُتنخلُ لولا معد والخلافةُ لَمْ أَكُنْ … أَعتدُّ مِنْ عُمُرِي بما أستقبل مَلِكٌ لَهُ اللُّبُّ الصَّقِيلُ كَأَنَّما … عَكَسَتْ شُعَاعَ الشَّمْسِ فِيهِ سَجَنْجَلُ ذو الحزم لا تتدبر الآراء في أعقابها … ما الرأي إلا الأَوَّلُ إنَّ التجارِبَ لَمْ تَزِدْهُ حَزامةٌ … هل زائد في المشرفي الصَّيْقَلُ لكِنَّما يحلو دقيقُ فِرِنْدِهِ … حتى يبيت وناره تتآكل أَمَّا العِيانُ فلا عِيانَ بِحَدِّهِ … لكنْ رَوَاؤُكَ في الضميرِ مُمَثَلُ جاءَتْ بني القفقاس منكَ عَزِيمَةٌ … قَدْ كانَ يحذرها المَليكُ الهِرْقِلُ حَمَلُوا منايا الخوفِ بين ضلوعِهِمْ … إِنَّ الحِذَارَ هُوَ الحِمَامُ الأَعْجَلُ

стр. 5924

حَسْبُ الدُّمُسْتَقِ مِنْكَ ضَرْبٌ أَهْرَتٌ … هَدِلٌ مشافِرُه وطَعن أَنْجَلُ وعجاجة منها شفت سيوف الهند … مِنْ أَكْمَامِها فكأَنَّما هي خَيْعَلُ فيفت فوق البدر منها عنبر … ويُذَر فوق الشمس منها صندل ورجا البطارق أن يكون لغزوهم … بابًا فغودر وهو عنهم مُقْفَلُ فكتائب أَعْجَلْتَها لم تَنْجَفِل … وكتائب في اليم خاضت تَجْفُلُ كُنا نُسمّي البحر بحرًا كاسمه … ونقول فيه للسفائن مَعْقِلُ فإذا به من بعض عُدَّتِكَ التي … ما للأماسي عن رداها مرجل فكأنه لك صارم أعددتهُ … وكَأَنَّهُ مُذْ أَلْفِ عَامٍ يُصْفَلُ وقوله (١): [من الخفيف] قمن في مأتم على العشاقِ … وَلَبِسْن الحداد في الأحداق وبكين الدماء بالعنم الرطـ … ـب المُقنى وبالحدود الرقاق ومَنَحْنَ الفِراقَ رِقَةً شكوا … هِنَّ حتى عشقتُ يوم الفراق ودنوا للوداع حتى ترى الأجـ … ياد فوق الأجياد كالأطواق والأباريق كالظباء العَوَاطِي … أوجست نبأة الجياد العتاق مضغيات إلى الغناءِ مُطلًا … ت عليه كثيرة الإطراق وهي شُمُّ الأنوفِ يَشْمَحُنَ كِبْرًا … ثُمَّ يَرْعُفن بالدم المهراق قدمتها الشقاء كي يُوقِرُوها … صَمَمًا عن سماع شاد وساقي فهي إما يشكون ثقلًا مِنَ الوَقْ … ـرِ وإما يبكين بالآماق جنبوها مجالس اللهو والوصـ … ـل إذا ما خَلَونَ للعشاق فهي أدهى من الوشاة على مكنون … سر المُتَيمِ المُشتاق ردني بالكمام عنها حياءً … وهيَ غِيدٌ يَتْلَعْنَ بالأعناق لا تسلني عن الليالي الخَوَالِي … وأَجِرْني مِنَ الليالي البواقي وقوله (٢): [من الطويل] وإِنَّكَ فُت السابقين كأَنَّما … مساعيك في سُوْقِ الرِّجَالِ أَدَاهِمُ فمهلًا فقد أخر ستمونا كأَنَّما … صنائعُكُمْ عُرْبٌ ونحن أعاجم مَدَدْتَ يدًا تهمي على المُزْنِ مِنْ عَل … فهل لك بحر فوقها متلاطم لئن كان هذا فعل كفيك باللهي … لقد أصبحت كلًا عليك المكارم

стр. 5925

وقوله (١): [من الطويل] أمنك اجتياز البرق يلتاح بالدُّجى … تبلجتِ مِنْ شَرِقِيهِ فَتَبَلَّجا كأن يدًا شفت خلال غُيُومِهِ … جُيُوبًا أَوِ اجتابت قباءٌ مُفَرَّجا مواطن هند في تَرَى مُتَنَفِّسٍ … تَضَوَّعَ مِنْ أردانها وتأرجا أَجَدَّكَ مَا أَنْفَكُ إِلا مُغَلِّسًا … يجوبُ الفَلا أَوْ ساري الليل مدلجا تَرَفْعَ عنها سِجْفُه فكأَنَّما … يُحيي بيحيى صُبْحَهُ المُتَبَلِّجا سرينا وفود الشكرِ مِنْ كُلِّ تَلْعَةٍ … إذا ما وَزَعنا الليل باسمك أَسْرَجا مطلًا على الأعداء ينهج بينها … بسمْرِ العَوَالي والقَواضِبِ مَنْهَجا وقوله (٢): [من الكامل] فَتَكاتُ طَرْفِكِ أَمْ سُيُوفُ أَبيك … وكؤوس خمرك أَمْ مَرَاشِفُ فِيكِ أَجِلادُ مُرْهَفَةٍ وَفَتْكُ مَحَاجِرٍ … لا أنت راحمة ولا أهلوك يا بنت ذي البرد الطويل نجاده … أكذا يجوز الحكم في ناديك عيناي أَمْ مَغْناك موعدنا … وفي وادي الكرى ألقاك أم واديك منعوك من سِنَةِ الكرى وسروا … فلو عثروا بطيف طارق ظنوك وَلُّوا مُقَبَّلَكِ اللثام وما دَرُوا … أَنْ قَدْ لُمتِ بِهِ وَقُبِّلَ فُوكِ فَضَعِي القِناعَ فَقَبْلَ خَدِّكِ حُمِّرت … رايات يحيى بالدم المسفوك وقوله في سيف جناه قَيْنُهُ من وَرَقِ الحديد، وحلاه صيقله مموهًا بدم الوريد … برقه، وهمع وَدْقُهُ، وتوقدتْ شُعَلُهُ في يد المغير، ووقفت … تمشي على الماء أو تدوس على السعير، من خير ما ذخرت الملوك، وصال به الصعلوك، تود سود المقل لو شطت .... ومباسم الثغور لو حبيبت بوميضه، كأن مقتنيه تيه مقايس أعلاقه، وبعد ما له المكتسب لا ملاقه، وجرى به للمعز يوم أغر، وصباح عن النصر بعد فتق بنهر، ويؤس ما راع العدا فيه إلا طليعة سيفه المشهر (٣): [من الرجز] وأبيض من غير طبع الهند … يحول بين حده والحد أشبه بالماءِ مِنَ الْفِرِيدِ … أَقدم من رام ويزدجرد تُرَاتُ يحيى عن أب وجد … من بعد ما قطَّعَ أَلفَ عِمْد جرده بين يدي مَعَد … قد ينصر المولى بسيف العبد

стр. 5926

وقوله في مثله (١): [من البسيط] وذي نجادٍ هِرَقْلِيّ يُشرِّفُهُ … كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْطُوبِهِ قَدَرُ كأَنَّما مَسَحَ القَينُ الجريء بهِ … كفًّا وقدْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ ذَكَرُ وقوله فيه (٢): [من البسيط] قد أكمل الله في ذا السيفِ حِلْيَتَهُ … واختالَ باسم مُعزّ الدين منتقشا كأن أفعى سَقَتْ فُولاذَهُ حُمَة … وأَلبَسَتْ جِلَدَهُ مِنْ ريشها نَمَشا وقوله فيه (٣): [من البسيط] لي صارم وهو شيعي كحامِلِهِ … يكاد يسبق كَراتي إلى البَطَلِ إذا المُعز معز الدينِ سَلَّطَهُ … لمْ يرتقب بالمنايا مُدَّةَ الأَجَلِ وقوله فيه (٤): [من الطويل] هو السيف سيف الصدقِ أَمَّا غِرارُهُ … فعضبٌ وأما متنه فصقيل يشيعُ له الإفرندُ دَمْعًا كأَنَّما … تذكَّرَ يومَ الطَّفِّ فهو يسيل وقوله فيه (٥): [من مخلع البسيط] أكوكب في يمين يحيى … أَمْ صارم باتك الغرار حامله للمعزّ عَبْدٌ … والسيف عبد لذي الفَقَارِ وقوله (٦): [من الكامل] وثلاثة لم يجتمعن بمجلس … إلا لمثلك والأديب أديب الورد في رامسنَةٍ مِنْ نرجس … والياسمين وكُلُّهنَّ غَرِيبٌ فاحمر ذا واصفر ذا وابيض ذَا … فَبَدَتْ دلائل أمرهِنَّ عَجِيْبُ فكأنَّ هذا عاشق وكأنَّ ذا … كَ مُعَشَّقٌ وكأَنَّ ذاك رقيب وقوله (٧): [من الكامل] يَجلُو لهُ الغَيْبَ المُسَتَرَ هاجسٌ … ثَقِفُ النَّباهةِ ظَنُّهُ كيقينه لو يستطيعُ هَدَى الرّكابَ القَصْدِهِ … وأَعارَ ليل الركب نورَ جَبِيْنِهِ وقوله (٨): [من الرمل] سقني الخمر بكفي قاتلي … لا يلاقي الله مثلي عطشا

стр. 5927

بات ساقيها كراقي حَيَّةٍ … فإذا مَدَّ يمينًا نُهِشا وقوله (١): [من الطويل] رأيتُ بعيني فوق ما كنتُ أسمع … وقد راعني يومٌ مِنَ الحَشْرِ أَرْوَعُ غَدَاةَ كَأَنَّ الأُفْقَ سُدَّ بمثلِهِ … فعاد غُروب الشمس مِنْ حيثُ تَطْلُعُ ألَا إِنَّ هذا حَشْدُ مَنْ لَمْ يذق لهُ … غِرارَ الكَرى جَفْنَ ولا باتَ يَهْجَعُ بِصُحْبَتِهِ للمَلْكِ سُدَّتْ مَذَاهِبي … فما بين قيد الرُّمح والرُّمح إصْبَعُ فلا عَسْكَرٌ مِنْ قَبْلِ عسكرِ جَوْهِرٍ … تخبُّ المطايا فيه عشرًا وتُوضع إذا حَلَّ في أرض بناها مدائنًا … وإنْ سارَ عَنْ أَرْضٍ ثَوَتْ وهِيَ بَلْقَعُ كأَنَّ ظلال الخافقاتِ أَمامَهُ … غَمَائِمُ نصر الله لا تتقسعُ كأَنَّ السُّيوف المُصَّلاتِ إِذا طَمَتْ … على البَرِّ بحر زاخر الموج مُتْرَعُ كأن أنابيب الصعادِ أَراقِمٌ … تَلَمَّظُ في أَنيابها السُّمُّ مُنْقَعُ لقدْ جَلَّ مَنْ يقتاد ذا الخَلْقَ كُلَّهُ … وَكُلٌّ لَهُ مِنْ قائِمِ السَّيفِ أَطْوَعُ وسَلَّ سيوف الهند حَوْلَ سريرِهِ … ثمانون ألفًا دارعٌ ومُقَنَّعُ فلله عينًا مَنْ رَآهُ مُخيّمًا … إذا جَمَعَ الأَبصار للاذنِ مَجْمَعُ يسوسُهُمُ منهُ أَبٌ مُتَكَفِّلٌ … بَرَعْي بنيه حافظ لا يُضَيعُ فستر عليهم في المُلمّاتِ مُسبَلٌ … وكنز لهم عند الأئمة مُودَعُ ولما جَنَّبْتَ الجيش لاحَ لأهلِهِ … طريق إلى أقصى خراسانَ مَهْيَعُ ولو قدْ حَطَطْتَ الغَيْثَ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ … كَشَفْتَ ظَلامَ المَحْلِ عَنْهُمْ فَأَمْرَعُوا إلى أين تبغي ليسَ خَلْفَكَ مَذْهَبٌ … ولا لجواد في لَحَاقِكَ مَطْمَعُ (٢) ومنهم: [٢٧٠] أبو الحسن العقيلي (٣) من ولد عقيل بن أبي طالب.

стр. 5928

يودع جواهره كنوز المطالب، لكنني لم أعرف من ذكره إلا ما أتيت، ولا وقفت من شعره إلا على طَلَلِ بيت. أورده له ابن سعيد في المرقص (١) وهو: [من البسيط] وللأقاحي قُصُورٌ كلَّها ذَهَبٌ … مِنْ حَولِها شُرُفاتٌ كُلُّها دُرَرُ ومنهم: [٢٧١] منصور الفقيه (٢) خُلِّيَ والدر ينتقيه، وتُركَ هوَ والذهب لا يبقيه، ما جاراه إلا من استجار منه بمنصور، وعرف أن فكره إن رام مطاولته محصور. ولست أعرف من فاخر دره المجلوب، ولا من زاخر بحره المطلوب، إلا ما أورده له ابن سعيد في المرقص، وهو (٣): [من مخلع البسيط]

стр. 5929

قالوا: العَمَى مَنْظَرٌ قَبِيْحٌ … قُلْتُ: لِفَقْدِي لَكُمُ يَهونُ تَاللهِ ما في الأنامِ حُرٌّ … تَأَسَّى على فَقْدِهِ العُيُونُ ومنهم: [٢٧٢] ابن فَرَج الجَيَّاني (١) صاحب كتاب «الحدائق» التي يرتع فيها البصر، ويرقع بها فرج الغُصون إذا هَصَر، ويجمع أطراف المحاسن إذا أكبّ عليها واقتصر ماست به معاطف جيّان في حريرها، ومالت قُضُبها طربًا لأصوات مياهه وخريرها، ولم يقع إلى سمعي منه إلا ما أورده له ابن سعيد في المرقص (٢). قوله: [من الوافر] بَدَتْ في الليل سافِرَةً فَبَاتَتْ … دياجي الليلِ سافِرَةَ القناعِ وما من لحظةٍ إلا وفيها … إلى فِتَنِ القُلوبِ لها دواعي فمَلَكَتِ النُّهَى حَجَبَاتِ شَوقي … لأَجْرِي في العِفافِ على طِباعِ وبت بها مَبِيْتَ السَّقْبِ يَظْمَا … فيمنعُهُ الحِمامُ مِنَ الرِّضاعِ كذاك الروضُ ما فيه لمثْلِي … سِوَى نَظَرٍ وشَمٌّ مِنْ مَتَاعِ ولستُ مِنَ السَّوَائِمِ مُهْمَلاتٍ … فَأَتَّخِذُ الرِّياض مِنَ المَرَاعِي قلت: أما الأربعة فمن أناشيد ابن سعيد، وأما الزائدان وهما: وما من لحظة … البيت، وبت بها … البيت، فمما ردَّهما فيها، وهما من محاسن هذه القطعة لم يدخلا في اختيار ابن سعيد. ومما للجياني أيضًا في نحو مقطوعه الأول فهو قوله: [من الوافر] سَهَى فازْدَرَى أَمَلي ولكن … عَفَفْتُ فلم أَنَلْ منهُ مُرادي وما في النومِ مِنْ حَرَجٍ ولكن … خَرَجْتُ مع العَفَافِ على السَّدادِ

стр. 5930

ويروى على اعتيادي، وهو أحسن وأمكن. ومنهم: [٢٧٣] إسماعيل بن محمد، الملقب بحبيب (١) أبو الوليد وزير ابن عباد، والفاتك في … العُبّاد. كوكب سحر ما كان أقصر عمره، وهلال شهر ما أعجل ما أدرك الكسوف بدره، وحيث ما زاد حتى ودع، وأديب … تكلّم حتى خرس فما أسمع، لو عُمّر لسلت به الدروب موت غريبها، وطوت طب به ذكر حبيبها، ولقام ابن المعتز حوله يستسقي لمنزلة اللوى وكثيبها. قال ابن بسام فيه: «وابن الأبار هو الذي أقام قناته، وصقل - زعم - مرآته، ولو تخطاه صرف الدهر، وامتد به طلق العمر، لسد طريق الصباح، وغبّر في وجوه الرياح» (٢). ومما أنشد لَهُ قوله في الباقلاء (٣): [من الطويل] أرى الباقلاء الباقل اللون لابسًا … بُرُودَ سماء من سَحَائِبها غُذِي ترى نوره يلتاح في ورقاتِهِ … كَبُلْقِ جِيادٍ في جلالٍ زُمُردِ وقوله في نور الكتان (٤): [من المنسرح] كأَنَّ نَوْرَ الكتان حينَ بَدا … وقدْ جَلًا حسنهُ صَدَا الأَنْفُسْ أَكُفُ فَيرُوزَجٍ مَعَاصِمُها … قدْ سترتهنَّ خُضْرَةُ المَلْبَسُ أَوْ لا فَزُرْقُ اليواقيتِ قدْ وُضِعَتْ … على بساط يروقُ مِنْ سُنْدُس وقوله في الراح (٥): [من المنسرح] وقهوة لا يحدها بَصَرٌ … راقت ورقَتْ في أَعيُنِ النَّظر كأَنَّها والحَبَابُ يحجبها … بحرٌ مِنَ التِّبْرِ يَقْذِفُ الجَوْهَر

стр. 5931

وقوله (١): [من الطويل] وكأس له كَبْسٌ على اللُّبِّ والعَقْلِ … شَمُولٌ يُرِيكَ الأُنْسَ مُجْتَمِعَ الشَّمْلِ كأَنَّ حَبَابَ الماء في جَنَباتِها … دروعُ لُجين قدْ جَلَتْهَا يَدُ الصَّقْلِ تزيد ذوي الألباب فضلًا ولم تزل … تزيلُ بطَبْعِ الجُودِ مِنْ طَبَعِ البُخْلِ غَنِيْتُ بِمنْ أَهْواهُ عَنْ نَشَواتِها … فَمِنْ طَرْفِهِ خَمْرِي وَمِنْ رِيْقِهِ نُقْلِي وقوله (٢): [من المتقارب] حمام بلحظكَ قَدْ حُمَّ لي … فما زال يهدي إلى مَقْتَلِي مدام تعتق بالناظرين … وتلك تعلّق بالأَرْجُلِ قلت: هذا البيت الذي ترك الألباب حائرة، والألسنة طائرة، والكواكب حيث أنشد غائرة، والمدام التي وصفت به بائرة. وقد قال ابن بسام فيه: «وهذا البيت مما أغرب فيه على الألباب، وأعرب فيه عن موضعه من الصواب، وبينه وبين قول أبي الطيب شبه بعيد، ولكن لأبي الوليد فضل التوليد (٣)». ومنهم: [٢٧٤] أحمد بن الدراج، أبو عمر القسطلي (٤) فاضل نحاه الدهر بصَرْفِه، ورماه دون مرمى، طرفه وزاحمه بمنكب نكباته حتى

стр. 5932

حطم أضالعه، وحرم الجفاف مدامعه، وأبلاه بالاغتراب، وألقاه بموماة نائية الاقتراب، ثم تركه سائرًا يتجوّل، وسائلًا كُلّ أرض إلى أين يتحوّل، إلى أن أقام بسر قسطة محسنًا إليه ولاتها، غير مرخص في قيمة غلاتها، أقام يعلم اللغة والنسب، ويُعيد نَدِيَّ أندية العرب، ويُعرّف في هذا كيف انشق، وفي هذا كيف انشعب. وقد ذكر [هـ] ابن بسام في أهل الجزيرة (١): ثم ذكره فقال: كان «بهجة أرضها وسمائها، وأسوة كتابها وشعرائها، أحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره، وكانت الشام والعراق أدنى خطى ذكره تراخت أيامه، وأغضى عنه حمامه». ثم قال: وأنا أقول (٢): «إنَّ من ذكره لم يوفه حقه، ولا أعطاه وفقه، ولا استوفى تقدمه وسبقه». وقال ابن حيان (٣): «هو سباق حلبة الشعراء العامريين، وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين». وقال أبو منصور الثعالبي في اليتمية (٤): بلغني أن أبا عمر القسطلي كان عندهم بالأندلس كالمتنبي بالشام، وهو أحد شعرائهم الفحول هنالك. قلت: وأنشد ابن سعيد له من شعره، قوله (٥): [من الكامل] ومعاقلٍ مِنْ سَوْسَن قَدْ شَيَّدَتْ … أَيدي الربيع بناءها فوقَ القُضُبْ شُرُفاتُها من فِضَّةٍ وحُماتُها … حول الأمير لهم سيوفٌ مِنْ ذَهَبْ ومن شعره قوله (٦): [من الطويل] وأكدها عَهْدٌ لأكرم مَنْ وَفَى … بعهْدٍ زَكَتْ مِنهُ عُهودٌ وأَيمان وما حاكمت فيه السُّيوف وحازَهُ … إليكَ أبو الأملاكِ جَدُّكَ مروان وقدْ لَمَعَتْ حَوْلَيكَ ثَمَّ أَسِنَّةٌ … تُخيّلُ أَنَّ الحَزْنَ والسَّهْلَ نيران

стр. 5933

وكل زناني كأن حسامه … وهامةُ مَنْ لاقاه نار وقربان وأبيض صنهاج كأَنَّ سِنَانَهُ … شِهَابٌ إِذا أَهوى القرن وشيطان وفازت قِدَاحُ المشتري بسعودها … وساعد بهرام وأعتبَ كَيْوَانُ ومنه قوله (١): [من الكامل] كلا وقد أنستُ مِنْ هُودٍ هُدًى … ولقيتُ يَعْرُبَ فِي القَبُولِ وحِمْيَرَا تلك البدور تتابعت وخَلَفْتَها … سَعْيًا فكنتَ الجوهر المُتَخيَّرا ومنه قوله (٢): [من الطويل] أمرُّ بهم أسقي الثَّرَى فكأَنَّما … فؤاديَ مِنْ أَحداقهِم غَرَضُ النَّبْلِ ومن شيمة الماء القراح وإِنْ صَفَا … إذا اضطرمتْ مِنْ تحته النارُ أَنْ يغلي أبا الأصبغ المعني هلْ أَنْتَ مُصْرِخِي … وهلْ أَنْتَ لِيْ مُغْنٍ وهَلْ أَنْتَ لي مُعْلِي وأكسو لك الأيامَ مِنْ حُرِّما أَشِي … وأملأُ سمعَ الدَّهْرِ مِنْ سِحْرِ مَا أَمْلِي ومنه قوله (٣): [من البسيط] فيا ظلام نجوم الليل إِذْ عَدِمَتْ … بدَرَ السَّماءِ وفي حِجْرِي مَضاجَعُهُ حتى بدا الصُّبحُ مُشْمَطًَا ذَوائِبُهُ … يُطَاردُ الليل موسيًا أكارعُه كأَنَّ جمع ضَلالٍ حاز مصرعه … وأنتَ بالسيف يا منصور صارعُه ومنه قوله معارضًا لقصيدة أبي نواس التي أولها: [من الطويل] أجارةَ بِيْتِينا أَبُوكِ غَيُورُ … ... … ... … ... أَلم تعلمي أَنَّ الثَّواءَ هُوَ النَّوَى … وأَنَّ بُيُوتَ العاجزين قُبُورُ (٤) يُخوّفُني طُولَ السِّفارِ وإِنَّهُ … لتقبيل كف العامري سفيرُ دَعِيني أَرِدْ ماءَ المفاوز اجنًا … إلى حيثُ ماء المكرماتِ نَمِيرُ فإِنَّ خَطِيراتِ المَهالِكِ ضُمَّنُ … لراكبها أَنَّ الجزاءَ خَطِيرُ ولما تدانت للوداع وقد هَفَا … بِصَبْرِيَ منها أَنَّةٌ وزَفِيرُ يناشدني عهد المودَّةِ والهَوَى … وفي المهدِ مَبْعُومُ النداء صغير عَبِيٌّ بمرجوع الخطابِ ولحظه … بموقع أهواء النفوس خبير فكلّ مُفَدَّاةِ التّرائب مُرْضِعٌ … وكلُّ مُحَياةِ المَحاسِنِ ضِيرُ عصيت شفيع النفس فيه وقادَني … رَوَاحٌ لتَدابِ السُّرَى ويَكُورُ

стр. 5934

وَطَارَ جَناحُ البَيْنِ بي و وهَفَتْ بِها … جَوَانِحُ مِنْ ذُعْرِ الفِرَاقِ تَطِيرُ لئنْ وَدَّعَتْ مِنِّي غَيُورًا فإِنَّنِي … على عَزْمَتِي مِنْ شَجْوِهَا لَغَيُورُ ولو شاهدتني والهواجرُ تَلْتَظِي … عليَّ ورَقْرَاقُ السَّرابِ يَمُورُ أُسلِّطُ حَرَّ الهاجرات إذا سطا … على حُرِّ وجهي والأصيل هَجِيرُ وأستنشق النكباء وهي لواقح … وأستوطئ الرمضاء وهي تَفُورُ وللموت في غير الجِبَانِ تَلَوُّنٌ … ولِلذَّعْرِ في سَمْعِ الجَرِيءِ صَفِيرُ لبان لها أَنِّي مِنَ الضَّيْم جازع … وأَنِّي على مَضَ الخُطُوبِ صَبور ولو بَصُرَتْ بي والسُّرَى جُلُّ عَزْمتي … وجَرْسِي لِجِنانِ الفَلَاةِ سَمِيرُ واعتَسِفُ المَوْماةَ في غَسَقِ الدُّجى … وللأسد في غيل الغياضِ زَئِيرُ وقدْ حَرَّمَتْ زُهْرُ النُّجومِ كَأَنَّها … كواعب في خُضْر الحدائقِ حُور ودارت نجوم القطب حتى كأَنَّها … كؤوسُ مَهى والى بهنَّ مُدير وقد خُيِّلَتْ طُرْقُ المَجرَّة أَنَّها … على مَفْرِقِ الليل البهيم قَتِيرُ وثاقب عزمي والظلامُ مروّعٌ … وقَدْ غَضَّ أَجفانَ النُّجومِ فُتُورُ لقد أيقنتْ أَنَّ الْمُنَى طَوْعَ هِمَّتي … وأَنِّي بعطف العامري جدير قلت: ومن وقف على هذه القصيدة، وقصيدة أبي نواس عرف فضله على من تقدم، وشهد له بأنه سبق وإن تأخر، وجزم بأنَّ الرجال معادن وأن لكل زمان محاسن، ولم يشك أنَّ الخواطر موارد لا تنزح، وأنَّ الأوكار مصابيح لا تطفأ، وأَنَّ الأفهام مرايا لا تتناهى صورها، وأَنَّ العقول سحائب لا ينفد مطرها، وعلم أنَّ المعاني غير متناهية، والفضائل غير متوارية، ولم يعد يخالج نفسه شك الجهال، فيقول كما قالوا: إنَّ الأوائل ذهبوا بالفضل كله، وسبقوا إلى الحسن جميعه. إنَّ أُمَّ الليالي لولود، وإنَّ الفضل في كل حين لمشهود، وإنَّ هذا الشاعر في قصيدته هذه التي عارض بها أبا نواس لمجيد. قال: فلم يدع له عارضًا يستمطر، ولا عارضة تذكر. وإنَّه لحقيق بأن ينشد: [من الطويل] وإنّي وإن كنتُ الأخير زمانه … لآت بما لم تستطعه الأوائل ومنهم: [٢٧٥] إدريس بن اليمان العبدري، أبو علي اليابسي (١) ويابسة من الجزائر الشرقية بالأندلس على سمت مدينة دانية، وسمة الثريا

стр. 5935

وقطوفها الدانية، أثار معدنها منه ذهبًا، وأطار زندها منه لهبًا، وقر حلمًا رجح، وأنبت شيعًا نجح، وكفل أبناء الأدب كفالة زكريا لمريم، وأقبل على هذا الطلب إقبال قيصر على جبلة بن الأيهم، وسمّي وسميًّا وَوَلْيًا، وعلا قدرًا وعز لإدريس إذ رفع مكانًا عليًا. قال ابن بسام (١): «وبدانية قرأ، وبها نشأ، ومنها انبعث انبعاث السيل، وأدرك إدراك الليل، حتى تضاءلت الهضاب عن قدره، وماجت الأرض ببحره، وطفق يتردد على ملوك الطوائف بالأندلس تردد الكأس على الشَّرْب، ويجري في أهوائهم جري الماء في الغصن الرطب. وكان كلما قال قصيدة لا يضرب عليها حجابًا، ولا يضمنها كتابًا، حتى يأخذ بها مائة دينار. وقد سأله عباد أن يمدحه بقصيدة فعارض بها السينية التي مدح بها آل حمود، فقال له: إشارتي مفهومة، وبنات صدري كريمة، فمن أراد أن ينكح بكرها، فقد عَرَفَ مهرها. وقد اخترتُ من أشعاره، ما يشهد بسمو مقداره، ويعرف عن غرائب أخباره». ومما أنشده قوله (٢): [من المديد] قُبْلَةٌ كانتْ على دَهَشٍ … أَذْهَبَتْ ما بي مِنَ العَطَشِ ولها في القلبِ منزلةٌ … لو عَدَتْها النفسُ لمْ تَعِش طرقتني والدُّجى لابس … خِلَعًا مِنْ جَلدة الحنش وكأَنَّ النَّجْمَ حِينَ بَدَا … درهم في كفّ مُرْتَعِش وقوله (٣): [من الكامل] صفراء تُهدِيها بنان صورت … كهواك من عنم ومِنْ عُنَّابِ أجني مراشفها العذاب وفي الحَشَا … حُرَقُ فأمزج رحمة بعذاب وقوله (٤): [من الكامل] وكأَنَّ نور الصبح راية فارس … حمراء يتبعها خَمِيسٌ أَشْهَبُ

стр. 5936

وكأن قرن الشمس وجه مجاهد … لما أنار سنى فكادت تغرب وقوله (١): [من المتقارب] لقد شربت شرب نومي فلو … شربت سلاف الهوى لم أنم خدود غلائلها من شقيق … وأيد أناملها من عنم ظلام قلوب الهوى من غدون … يضفرن فوق الشموس الظلم ولما أقمن رماح النهود … فذأنت لهن رماح البهم رفعن الهوى علما خافقا … فكان فؤادي جناح العلم وفي شيم الناس ما في العيون … ومن ذلك الناس شتى الشيم وقوله (٢): [من الكامل] تفلق رجاجات أنفسنا فرعا … حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت تستطير بما حوت … وكذا الجسوم تخف بالأرواح وقوله في الحمام (٣): [من الكامل] تشدو على خضر الغصون بألسن … صيغت ملانمها بلا مسواك وكأن أرجلها القوافي ألبست … نغلا من المرجان دون شراك وقوله (٤): [من الطويل] حضرت به الدنيا فمالت رطيبة … على مترد تحت أوراق نعمان وما ضحك النوار من شق جيبه … ولكن أياديه التي أضحكت فاه وقوله (٥): [من الكامل] متسربلين لكل حرب مرة … بأسا تقرع كل من لا يقرع فلؤ أنهم رفضوا الأسنة والقنا … قامت قلوبهم بها والأدرع وقوله (٦): [من الكامل] يلوي القنا في نحر كل مدجج … ليا كما قتل السوار الفاتل بأسا كما نزل القضاء يديره … رأي كما صقل الحسام الصاقل

стр. 5937

وقوله (١): [من الطويل] سَرَتْ في قميص الصُّبحِ وهو جسيد … فأبلتْ قميص الليل وهو جديد ولما استمد الأفقُ مِنْ نُورِ وَجْهِها … تقاصَرَ باع الليل وهوَ مَدِيدُ كأَنَّ جُفُوني فوقَ عَيني لأَجْلِها … ثِيابٌ دوام تحتهنَّ شَهِيدُ أَوَحشية الإعراض عنّا ومالَها … مِنَ الوَحْشِ إِلا مُقْلتان وجيد مِنَ الهِيْفِ تَسْتَجْفِي النَّسِيمَ إذا جَرى … عليلًا على أعطافها فتَمِيدُ وتحتمل الياقوت يَرْسُو ثَقِيلُهُ … فَيَجْفُو على صدرٍ زَهاهُ نُهُودُ أَيُعْطى مُناهُ مِنْ تَرَائِبكِ الحَصى … ويُحْرَمُ مَشْغُوفُ الفَؤَادِ عَمِيدُ منها: بحيث البحار الخُضْرُ وهي كتائب … عليها السَّحابُ الحُمْرُ وهيَ بُنُودُ خُيُولٌ كعِقبانِ النُّجُونِ وكُلُّها … لِكُلِّ صَيُودٍ في العَجَاجِ صَيُودُ لها من ذُؤاباتِ الحِسانِ مَقَاوِدٌ … ومِنْ لَبَدِ الأَسْدِ الوِرَادِ لُبُودُ فتى يَخْرِقُ الأغيال وهيَ أَسِنّةٌ … ويَقْتنص الأبطال وهي أُسود [٢٧٦] ابن شُهَيد (٢) وهو أبو عامر، أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان بن أحمد بن عبد

стр. 5938

الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي الأندلسي؛ وهو من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط. وهو آية من الآيات، وغاية من الغايات، وواحد في العالم فرد، ونادرة لا قَبْلَ له مثله ولا بعد. بحر يتدفق، وسحاب يتشقق، وبرق يتألّق، ومعنى وضح ثم ذهب وما تحقق، فهمه ينتج كل حيال، والناس كلهم عليه في الكلام عيال. ذكره ابن بسام، وقال: «نادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار، إن هزل فسجع الحمام، أو جد فزئير الأسد الضرغام، نظم كما اتسق الدرّ على النحور، ونشر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود (١)».

стр. 5939

وذكره ابن حيان، فقال (١): «كان يبلغ المعنى ولا يطيل سَفَرَ الكلام، والعجب منه أنه كان يدعو قريحته إلى ما ما شاء فيزود الكلام، كما يريد من غير اقتناء لكتب، ولا اعتناء بطلب، ولا رسوخ في أدب. وكان من أصح الناس رأيًا لمن استشاره وأضلهم عنه في ذاته». ثم قال ابن بسام (٢): «وقد أخرجت من أشعاره الشاردة، ورسائله الباقية الخالدة، ما يَحِلُّ له السمع حباه، ويحنّ معه الكبير إلى صباه» وأنشد له شعرًا منه قوله (٣): [من الطويل] وتدري سباع الطيرِ أَنَّ كُمَاتَهُ … إِذا لَقِيَتْ صِيْدَ الكُماة سباعُ تطيرُ جياعًا فوقَهُ وتَرُدُّها … ظباه إلى الأوكار وهي شباع ومنه قوله (٤): [من المتقارب] ولما تملأ مِنْ سُكْرِهِ … فنام و نامت عيون العسس دَنَوتُ إليهِ على بُعْدِهِ … دُنُوّ رفيق درى ما التمس أَدِبُّ إليه دبيب الكرى … وأَسْمُو إليهِ سُمُوَّ النَّفَس وبت به ليلتي ناعمًا … إلى أَنْ تَبَسَّمَ تَغْرُ الغَلَس أقبّلُ منه بياض الطُّلَى … وأَرْشُفُ منه سَوادَ اللَّعَس ومنه قوله (٥): [من مجزوء الكامل] أَمَّا الرياح بجو عاصِمٌ … فَحَلَبْنَ أَخلاق العمائم سهِرَ الحَيَا بِرِياضِها … فَأسالها والنُّورُ نائم حتى اعتدت زَهَرَاتُها … كالعِيدِ باللُّجَجِ العَوائِم وَرْد كما جَحَدَتْ خُذُو … دَ العِيْنِ مِنْ لَحَظَاتِ هَائِمْ وشَقِيقُ نُعْمانِ شَكَتْ … صَفَحَاتُهُ مِنْ لَم لاطم وغُصُونُ أَشجارٍ حَكَتْ … رَقْصَص المآثم للمآثم بكَرَ الحِسانُ يَرِدْنَها … مِنْ كُلِّ واضحةِ المَلاغِم وضحكنَ عُجبًا فالتَقَتْ … فيها المباسم بالمباسم قَدِمَتْ فَبَادَرَ نَرْجِسُ … يشكو عَمَاهُ إلى حمام وجرى بها فلك الصبا … باللهو وانقضت اللوائم

стр. 5940

وَكَأَنَّهَا فيها العَقَا … رُبٌّ وَالكُؤُوسُ مِنْ الأَرَاقِمْ وَعَلًا بِهَا شَكَّرُ أَبْي … إِلَّا الإِنَابَةَ لِلْمُحَارِمْ نَرْمِي فَلَا نَالَهُ … وُنْجِرٌّ مِنْ عَذَبٍ عُمَائِمْ وَأَغَنُّ مِنْ سَدَنِ المُلُو … كِ سُلَيْلُ أَقْبَالِ خُضَارِمْ يَشْكُو الرُّعَاةُ تَرَنُّمًا … وَيَضِجُّ مِنْ حَمَلِ السَّمَائِمْ وَافْتَدَّتْهُ بِشَكَّائِمِي … فَانْقَادَ فِي تِلْكَ الشَّكَائِمْ فَوَرَدْتُ مَأْمُولَ المُنى … وَكَرِمْتُ عَنْ حَمَلِ المَآثِمْ وَأَغَنُّ قَدْ لَبِسَ الدُّجَى … بُرْدًا فِرَاقُكَ وَهُوَ فَاحِمْ يُحْكِي بِغُرَّتِهِ هِلَا … لً الفِطْرِ لَاحَ لِعَيْنِ صَائِمْ وَكَأَنَّمَا خَاضَ الضَّبَا … حَ فَجَاءَ مُبْيَضَّ القَوَائِمْ وَيَسِيرُ فِي يَبَسِ الثَّرَى … فَكَأَنَّهُ فِي البَحْرِ عَائِمْ حَتَّى إِذَا غَلَّمَ الضَّبَا … حُ أَشَارَ مِنْ تِلْكَ المَعَالِمْ وَتَمَايَلَتْ أَيْدِي الثُّرَيَّا … وَهْيَ مُذَهَّبَةُ الخَوَاتِمْ وَدَنَتْ ذَكَّاءُ بِنَاظِرٍ … رَمِدٍ مِنَ الأَفْدَاءِ سَالِمْ طَلَعَ الظُّوَارُ لِعَيْنِهِ … وَكَأَنَّهُ المَوْجُ المُرَاكِمْ أَوْ عَسْكَرٌ رَكِبُوا الخُيُو … لَ الشُّهْبَ وَاحْتَقَرُوا أَدَاهِمْ فَاشْتَدَّ سُقْمُنَا لَهُ … يَكْشِرْنَ عَنْ مِثْلِ اللُّهَادِمْ وَكَأَنَّنَا فِي رُمَيَّها … نَسْتَلُّ مِنْ بِيضِ الصَّوَارِمْ فَتُبَادِرُ الفِتْيَانَ مِنْ … جَنْبَاتِهِ أَشْهَى المَطَاعِمْ وَبِبَارِدَةِ الأَرْجَاءِ نَا … زَحَةٌ عَلَى أَيْدِي الرَّوَاسِمْ عَمِهَتْ بِهَا أَحْلَامُنَا … فَكَأَنَّهَا أَضْغَاثُ حَالِمْ ومنه قوله (١): [من الكامل] وَرُعِيتُ مِنْ وَجْهِ السَّمَاءِ خَمِيلَةٌ … خَضْرَاءُ لَاحَ البَدْرُ مِنْ غُدْرَانِهَا وَكَأَنَّ نَشْرَ النَّجْمِ ضَانٌ وَسْطَهَا … وَكَأَنَّمَا الجَوْزَاءُ رَاعِي ضَانِهَا وَكَأَنَّمَا فِيهِ الثُّرَيَّا جَوْهَرٌ … نُثِرَتْ فَرَائِدُهُ يَدَا دَبْرَانِهَا ومنه قوله (٢): [من الرمل] أَذِنَ السُّدَيْكَ فُشُبْ أَوْ ثُؤُبْ … وَانْضَحِ القَلْبَ بِمَاءِ العِنَبِ

стр. 5941

وتأمل آيةً مُعْجِزَةً … ما قَرَأْنا مثلها في الكُتُبِ رَكَعَ الإبريق مِنْ طَاعَتِهِ … وبَكى فابْتَلَّ ثَوْبُ الأَكْوبِ ورَبِيب قام فينا ساقيًا … كالرِّشَا أُرْضِعَ بينَ الرَّبْرَبِ طِينَةٌ دونَ الصَّبايا فُضّضَتْ … فأَتَتْ عَذْرَاءَ شِبْهَ الذَّهَبِ فَمَشَتْ نَحْوي وقدْ مُلّكْتُها … مِشْيَةَ العُصْفُورِ نَحوَ الثَّعْلَبِ وغَمَامِ باكَرَتْنا غَيْتُهُ … تَرَعَ الماق بدمع صيب مثل بحرٍ جاءَنا مِنْ فوقِنا … جِرْمُهُ من لؤلؤ لم يُثْقَبِ فَدَنا حتى حسبنا أَنَّهُ … مَسَحَ الأَرْضَ بِفَضْلِ الهَيْدَبِ منها: تُبْصِرُ العَينانِ منهُ إِنْ بَدَا … قَمَرَ السَّرْجِ وشمس الموكب أنجبته للمعالي أُسْرَةٌ … نَزَلوا للمجد أعلى الرتب بوجوه مشرقاتٍ أَوْمَضَتْ … ضاحكات في وُجُوهِ الكُرَبِ ومنه قوله (١): [من المتقارب] وكنتُ مَلِلْتُكَ لا عَنْ قِلَّى … ولا عَنْ فَسَادٍ جرى في ضميري كَمِثْلِ مَلالِ الفتى للنعيم … إذا دام فيهِ وعَيْش الرور ومنه قوله (٢): [من الطويل] إذا جَرَتِ الأفواه يومًا بذكرها … تُخيَّلُ لي أَنِّي أُقَبِّلُ فاها فأَغْشَى ديار الذاكرينَ وإِنْ نَأَتْ … أُجارعُ مَنْ داري هوى لهواها ومنه قوله (٣): [من الكامل] وإذا ارتَمَتْ نَحْوِي المُنى لأنالها … وقف الزمان لها هناك فعاقها فإذا أبو يحيى تأخَّرَ رُتْبَةً … فمتى أُؤَمِّلُ في الزمانِ لَحَاقَها ومنه قوله (٤): [من الطويل] أفي كلِّ عامٍ مَصْرَعُ لعظيم … أَصابَ الرزايا حادثي وقديمي فكيف لقائي الحادثات إذا سَطَتْ … وقَدْ فُلَّ سَيْفي منهم وغَرِيمي هَوى قَمَرًا قيس بن غيلان آنفًا … وأَوْحَشني كَلْبٌ مكان زعيم

стр. 5942

وكيف اهتدائي للخطوب إِذا دَجَتْ … وقَدْ فَقَدَتْ عيناي ضوءَ نُجُومي ومنه قوله (١): [من الخفيف] وارتكضنا حتى سطا الليلُ نَسْعى … وأتى الصُّبْحُ قاطع الأسباب وكأنَّ النجوم في الليل جيش … دخلوا للكُمُونِ في جَوفِ غابِ وكأَنَّ الصَّبَاحَ قائِصُ طَيرٍ … قبضتْ كَفُهُ بِرِجْلِ غُراب ومنه قوله (٢): [من الرمل] هَبَّ مِنْ مَرْقَدِهِ مُنكَسِرًا … مُسْبِلًا للكُم مُرْخ للردا يَمْسَحُ النَّعْسَةَ مِنْ عَيْنَي رَشًا … صائد في كُلِّ يَوْمٍ أَسَدًا كلَّما كَلَّمني قبلتُهُ فهوَ أما … قال قولًا رَدَّدَا كادَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ لثمي له … وارتشا في الثَّغْرِ منهُ أَدْرَدَا شَرِبَتْ أَعطافه خمر الصبا … وسقاه الحُسنُ حتى عَرْبَدًا قام في الليل بجيدٍ أَتْلَع … يُنفُضُ اللّمةَ مِنْ دَمع الندى رشا بل غادة ممكورةٌ … عممت صُبْحًا بليل أسودا أخَخَتْ مِنْ عضَّتي في نهدها … ثم عضت حُرّ وجهي عمدا فأنا المجروح مِنْ عَضَتِها … لا شفاني الله منها أَبَدًا قلت: ما أظرف قوله أخخت من عضتي في نهدها وحكاية قولها وقد عضها آخ آخ كما جرت به عادة النساء في القول لاستمالة قلوب الرجال، ثم الله هو إذ قال بعد أن ذكر عضتها هي له: فأنا المجروح من عضتها .. وأعقب بقوله: «لا شفاني الله منها أبدًا». هذا والله لا يقدر عليه كل مجيد، ولا يصل إليه إلا كل فريد، ولا يقدر أحد على مقاومته إلا من بعيد. يمثل هذا فلتات البلغاء إن قدروا، وليصغ الشعراء إن وحدوا، أو إلا فليمت بكمده كل مناظر، وليقل أنا وَزَانُ وما أنا شاعر. عدنا إليه. ومنه قوله (٣): [من الطويل] تَردَّد فيها البرقُ حتى حَسِبْتُهُ … يُشيرُ إلى نجم الثرى بالأنامل ثَرَى نَسَجَتْ أَيدي الغمام للبسها … غلائل صُفرًا فَوقَ بيضِ غلائل

стр. 5943

ومرَّتْ جُيُوسُ المُزْنِ زَهْوًا كَأَنَّها … عساكرُ زَنْجِ مُذْهَبَاتُ المَناصِلِ وخلَّفتِ الخَضْراء في غُرِّ نَجمها … كَلُجَّةِ بَحْرٍ كُلِّلَتْ باليَعَالِلِ تخال بها زُهْر الكواكب أَنْجمًا … على شط واد للمجرة حافل وتلمحُ مِنْ جَوزائِها في غُروبِها … تَساقُطَ عَرْشِ وَاهِنِ الرَّقم مائِلِ وتَحْسَبُ صَقْرًا واقعًا دَبَرانَها … بعُشُ الثَّرَيَّا فَوقَ حُمْرِ الحَوَاصِلِ ومنها: وأصبحتُ في خلف إذا ما التَمَحْتُهمْ … تبيَّنتُ أَنَّ الجهل إحدى الفضائل وما طاب في هذي البَرِيَّةِ آخِرٌ … إذا هُوَ لَمْ يُنْجِدْهُ طِيبُ الأوائل ومنه قوله (١): [من الطويل] وبلغتُ أقوامًا تجيشُ صُدُورُهُمْ … عَلَيَّ وإني منهم فارغ الصَّدْرِ أَصاخُوا إِلَى قَوْلِي فَأَسْمَعْتُ مُعْجِزًا … وغاصوا على سِرِّي فأعجزَهُمْ أَمْرِي فقال فريقٌ ليس ذا الشَّعرُ شِعرَهُ … وقال فريقٌ أيمن الله ما ندري فمن شاء فليخبر فإنّي حاضِرٌ … ولا شيءَ أَجْلى للشكوك مِنَ الخُبْرِ ومنه قوله يصف ذئبًا (٢): [من الطويل] إذا اجتاز علوي الرياح بِأُفْقِهِ … أَجدَّ لعرفانِ الصَّبايتنفس إذا انتابها مِنْ أَذُوبِ الليلِ طَارِقٌ … حَثَيْتُ إذا ما استشعر اللحظ يهمس تذكر روضًا ذا شوى وتأقد … تُولّته أحراس مع الليل تحرس أَزَلٌ كَسَا جُثمانَهُ مُتستّرًا … طيالس سُودٍ للدُّجى وهوَ أَطْلَسُ فَدَلَّ عليهِ لَحْظُ خِبٌ مُخادِعٍ … تَرى نارَهُ مِنْ بين عينيهِ تُقْبَسُ ومنه قوله (٣): [من الطويل] وَقَفْنا على جَمْرٍ مِنَ الموتِ فوقَهُ … صُليُّ لَظَاةٍ دَأْبُ قَوْمِي ودَأْبُها إذا الشمس رامتْ فيهِ أَكْلَ نُجُومِها … جرى خُشعًا فوقَ الجِيادِ لُعَابُها ومنه قوله (٤): [من الكامل] الله في أرضِ عَدِمْتُ هواءَها … وعصابة لم تتهم إشفاقها نَكَزَتْهُمُ أفعى الخُطوبِ وعُولجوا … بمشمل منها فكن درياقَهَا

стр. 5944

وافتخ مُعاقِلًا بعزمة فيصل … لو حاولتُ سوقَ الثّريّا ساقها ولو أنّه منها إذا ما استملَّها … بتعرُّض الجوزاء حَلَّ نطاقها ومنه قوله (١): [من الكامل] لا تبكينَّ من الليالي أنَّها … حرمتْكَ نُغْبَةَ شَاربٍ من مَشْرَبِ فأقَلَّ مالكَ عندها سيفُ الدُّجى … يُستلُّ من شعر القذال الأشيب ورحيل عيس كلُّ رحلة ساعة … وفناء طيبُكَ في الزمان الأطيب فإذا بكَيْتُ فَبَكِّيتُ عُمرَكَ إنه … زَجَلُ الجَناح يمرُّ مَرَّ الكَوكب ومنه قوله (٢): [من مخلع البسيط] أفدي أسيمَاء من تديم … ملازم للكَؤوسِ راتِب قد عُجّبوا في الشهاد منها … وهي لعمري من العجائب قالوا: تجافي الرُّقَادَ عنها … فقلتُ: لا ترقد الكواكب ومنه قوله (٣): [من المنسرح] مَنْ لا أُسمّي ولا أبوح به … أصلح بيني وبين من أهوى أرسلْتُ من كابد الهوى فدرى … كيف يُداوي مواضع البلوى ومنه قوله (٤): [من البسيط] أَمِنْ جنابهم النَّفْحُ الجنوبيُّ … أسرى فصال به في الغور غاري أهدى إلَيَّ ظِلامًا رَدْعَ نافجةٍ … أَدْمَاء شَقَّ بها الدّأماءُ هندي والليل قد قام في أثواب نائبة … كأنه فوق ظهر الأرض نوئي والنَّجمُ تَحْسَبُهُ قُدامُ تابعه … حمامة رامها في الجوّ بازي وجدول الأفق يجري من منافسه … ماء سقى زهرة الخضراء فضي أهدى اللّمى لي من زهراء فكرته … نَشْرًا فقال الدُّجى: أين اللّمائي فقيل: مات، فقال الليل: قارن ذا … فانهل من مُقْلتي نَوْءُ سِماكي وبتُّ فردًا أناجي مُهجة شفقًا … كأنني في نُقوب الدار جني إن الكريم إذا ما مات صاحبه … أودى به الوَجْدُ والشَّكلُ الطبيعي أو مِتُّ قبلي فما مَنْعاكَ لي عجبٌ … إن الكريم إلى الأصحاب منعَي ومن بديع نثره قوله (٥):

стр. 5945

«لا نعمة على المرء أسنى من لسان مبين يعبر عن نفسه، ويكشف عن حقيقة ذاته قال علي ﵁: «قيمةُ كُلِّ امرئٍ ما يحسن»، وقال: «المرء مخبوء تحت لسانه»، ولذلك كانت الملوك تعدل ببنيها عن التنعم إلى شظف العيش، وتدني مجالسهم من البادية، وتبوّئهم منازل الفصاحة لتتحد أفئدتهم، وتمتد ألسنتهم، ولينسابوا في لصاب الدهناء، ومزاحف النكراء، فيجيدوا الحرَّ، ويطبقوا المفصل، وييؤسسوا النوب، ويكبوا الخصوم، ويخرجوا من الغماء، ويمضوا قدمًا في الشنعاء، كما قال عمرو لمعاوية: [من الطويل] فإن تُعطني مِصرًا فأَربُخُ بصُفْقةٍ … أُخذتُ بها شيخًا يضُرُّ وينفَعُ وإن امرءًا يقابلُ ابنَ هندٍ بهذا لهو المفاض قميص الأدب، طويل نجاد المعرفة، مؤفٍّ على ذروة الفضل». ومنه قوله (١): «واصل الجهاد، واستأصل الكفر والعناد، واتخذ ظهر الجواد بيتًا، وظل اللواء كمينًا … . يمشي في الهجير، ويسري في الزمهرير». ومنه قوله (٢): وهو: «قد يخلف الغمام، ويغدر اللئام، وتقطع الأرحام من عزّ بزّ، ومن ريش طار، ومن سارت به الأيام سار، وعلى الجدَّ المدار، جدّ كبا وحسام نبا، وآمال تفَرَّقت أيدي سبا … . تعاطينا كأس الشكوى، وتجاذبنا حبل البلوى، والزمان غَرَّ، وحواصلنا صفر، نترنم ترنم الحمّام، على زُرْق الجُمام … . وامتبطيت ظهر الجوزاء، وافترشت لُبدة العواء، وكلّما دُعيت إلى النزال والعراك، تترست بالثريا وطعنت بالشمالك، فكان أول حيصتك عن الوفاء، وحيدتك عن رعاية الإخاء، أن تركت المخاطبة، وأضربت عن المكاتبة». ثم قلت: حمل أحسن الظنّ أجمل، قد تشغل الرؤساء، وتجاذب العظماء، وعينه مع ذلك راعية، وأذنه واعية، وإنما الوصل بالفؤاد لا بالمداد. ومنه قوله (٣): «وضح الصبح لذي عينين، وأمكن البطش لذي يدين، هذا حبيبك قائد أعنتها،

стр. 5946

وذا خيلك مالك أزمتها … . أن لذهب العلم أن يزف، وحان لجوهر الفهم أن يشف». وحكى ابن بسام (١) أن ابن شُهَيْد «أوصى أن يدفن بجنب صديقه أبي الوليد الرجالي، ويكتب على قبره في لوح رخام: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٢) هذا قبر أحمد بن عبد الملك بن شهيد المذنب، مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور». «وهو قوله - يعني أبا الطيب (٣): [من البسيط] أنظر إذا اختلف السُّيُوفَانِ في رَهْجِ … إلى اخْتِلافِهِما في الْخَلْقِ والْعَمَلِ هذا الْمُعِدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ مُنْصَلِتًا … أُعِدَّ لهذا لرأس الفارس البطل وقال الآخر، وإن لم يكن منه (٤): [من البسيط] بالهند تُطْبَعُ أسْيافُ الحديد وفي … بغداد تُطبع أسياف من الحدق قلت: أما هذا البيت الأخير وهو: «بالهند تطبع أسياق الحديد» فهو عندي أنسب من بيتي أبي الطيب لبيت أبي الوليد. على أن ابن بسام قد قال حين ذكره، وقال الآخر وإن لم تكن منه: وفي هذا بيتي أبي الطيب أشبه بقول أبي الوليد وعندي بينهما بون بعيد، إلا أن ابن بسام أدرى بتشقّق الكلام وهو أعرف بنواره من أين يقطف، وبأنواره من أين تختطف. ومنهم: [٢٧٧] علي بن حسن الشبلي الإشبيلي (٥) أبو الحسن وذو الحسن، قولًا حسنًا خضرًا نباتُه، خَضْلًا على وجه الصباح

стр. 5947

إثباته، نوّه قدر أشبيلية وأطار ذكرها، واجم في وصفها القرائح وقدح فكرها، وجلاها عروسًا، وأذاب شمس عصرها في جوانب النهر كؤوسًا. وقال ابن بسام فيه (١): أحد من راش سهام الألفاظ بالسحر الحلال، وشق كمائم المعاني عن أفتن من محاسن ربات الحجال، بين طبع أرق من الهواء، وأعذب من الماء، وعلم أعود من القطر، وأوسع من الدهر، إذا ذُوكر شعرًا ظن أنه صانعه، أو ديوانًا توهم أنه مؤلفه وجامعه، وإني لأعجب من قوم من أهل أفقنا لم يعرفوه، ولم يُنصفوه، وهيهات فضله أشهر، وإحسانه أكثر، ولو تأملوا له من قصيدة في ابن عباد قوله (٢): [من الخفيف] بكَرَتْ سُحْرَةً قُبَيْلَ الذَّهَابِ … تنفضُ المسكَ عَنْ جَناحِ الغُرَابِ وقوله على أنها من غثا غثاثاته (٣): [من المجتث] علي أَنْ أَتَذَلَّلَ لهُ … وأَنْ يَتَدَلَّلْ خَذْ كأَنَّ الثُرَيَّا … عليهِ قُرْطٌ مُسلسل لعلموا أنه رأس الصناعة، وإمام الجماعة». ثم ذكر منازعة كانت بينه وبين ابن زيدون، ثم قال (٤): «ولم يزل أبو الوليد يُطرق ويَحْلم، وابن حصن يَعْثُر ويقدم ففاز ابن زيدون بحلمه وتوقره، وهوى نجم ابن حصن باغتراره وتهوّره، فزلت قدمه، وطاح دمه، وعند الله تجتمع الخصوم، وإليه ينتهي الظالم والمظلوم». ومما أنشد له قوله (٥): [من المجتث] وربَّ شُعْلَةِ نارٍ … شَفَيتُ منها أواري أليس ذاك عجيبًا … يُطفى الغليل بنار كأَنَّما عُصرتْ مِنْ … شَقائق الجُلنار إذا بدَتْ لكَ في قِطْ … عَةٍ مِنَ البُلار حَسِبْتُها شَفَقًا صُبَّ … في زُجاج نار

стр. 5948

وقوله (١): [من الكامل] قُمْ يا غُلامُ فَسَقْنِيها واطْرَبِ … واشربْ عَتَبْتُ عليكَ إِنْ لمْ تشرب مِنْ قَهوة صفراء ذاتِ أَسِرَّةٍ … في الكأس تأتلق ائتلاق الكوكب خَضَبَتْ بنانَ مُديرها بشُعاعِها … فِعْلَ الغَرارَةِ في شِفاءِ الرَّبْرَبِ وقوله (٢): [من المتقارب] غزال كحيل له رِيقَةُ … يُشابُ بها المِسْكُ والقَرْقَفِ كأنَّ العِذَارَ على خَدِّهِ … نِجادٌ ومُقْلَتُهُ مُرْهَفُ وقوله (٣): [من الوافر] شَرِبنا من كميت اللون حتى … رأيت الفجر قد وضع النقابا عجوز عُلِّقَتْ حججًا ولكنْ … تَرُوقُكَ كُلّما شابت شبابا وأَحْسَبُ أَنَّها كانتْ عَقِيقًا … جرتْ أَنفاسنا فيه فذابا وقوله (٤): [من السريع] حجب عنها الدن فاستعبرتْ … حُزنًا كما قُوِّسَ إِحْلِيلُ كأَنَّها في الكأس مُنْصَبَّةٌ … خيطٌ مِنَ الفِضَّةِ مَفْتُولُ وقوله (٥): [من السريع] اشرب على طيب نسيمِ السَّحَر … وانظر إلى غُرَّةِ ذاكَ القَمر كأَنَّهُ مَاءً غَدير صَفَا … والمَحْوُ فِيهِ مثلُ ظِلَّ الشَّجَر وقوله (٦): [من الطويل] وما راعني إلا ابن ورقاء هاتفًا … على فَنَن بينَ الجزيرة والنَّهْرِ مُفَسْتَقُ طَوْقٍ لا زَوَرْدِيُّ كَلْكَلٍ … مُوَشى الطُّلَى أَحْوَى المَقَادِمُ وَالظَّهْرِ أدار على الياقوت أَجْفَانَ لُؤلؤ … وصاغَ مِنَ العِقيانِ طَوْقًا عَلَى الشَّعْرِ حَدِيدُ شَبَا المنقار داج كَأَنَّهُ … شَبَا قَلَمِ مِنْ فِضَّةٍ مُدَّ فِي حِبْرِ تَوَسَّدَ مِنْ عُودِ الأَراكِ أَرِيكَةً … ومال على طَيِّ الجَنَاحِ مَعَ النَّحْرِ ولما رأى دَمْعِي كعِقْدِ جَوَاهِرٍ … بَكَانيَ فاستولى على الغُصْنِ النَّضْرِ

стр. 5949

فَحَثَّ جناحيه وصَفَّقَ طائرًا … فَطارَ فؤادي حيث طارَ ولا أَدْرِي وقوله (١): [من الطويل] عاجوا، المهارى بالعَقِيقِ فَمَنْعِجِ … وأَوْضَحَ منهمْ تُوْضِحٌ كُلَّ مَنْهَجِ على نُؤْي دار قد سقى كَأَنَّهُ … وقَدْ مُحَحَّ عَنْهُ شَطْرُهُ نِصْفُ دُمْلِ بَعِيدَةُ مَهْوى القُرْطِ مُصْمَتَةُ البُرى … لطيفةُ طَيِّ الكَشْحِ رَيَّا المُدَمْلَجِ تَعَضُّ على العُنَّابِ بالبَرَدِ اللَّمى … وتمسح ماءَ الطَّلِّ فَوقَ البَنَفْسَجِ ومنها: جَلَتْ بعقيق جَوْهَرًا فَتَبَسَّمَتْ … وذَبَّتْ عَنِ الوَرْدِ النَّدِيِّ بِصَوْلَجِ فقلتُ: صِلِي قَدْ ضِقْتُ ذَرْعًا مِنَ النَّوى … فقالتْ: صَهِ، قَدْ ضِقْتُ ذَرْعًا بِدُمْلِجِيَّ وقوله (٢): [من الطويل] يَعِزُّ على واديهمُ أَنْ أَزُورَهُ … فلا يَرِدُونَ الماء غيرَ مُكَدَّرِ إلى كَمْ أُناجِي كُلَّ أَبيض صارم … هَوَى كُلَّ أَحْوى بالصَّرِيمةِ أَحْوَرٍ وقائع تختان النفوس كأَنَّها … وقائعُ عَبَّادٍ لَدَى كُلِّ عَسْكَرِ فتى كَفِرِنْد السَّيفِ أُرْهِفَ حَدُّهُ … يَهُولُكَ في مَرْأَى نبيل ومَخْبَرٍ أَمُسْتَخْبِرٌ مِنِّي عَنِ الدَّهْرِ لا تَسَلْ … فَقَبْلِي قَدْ أَعْيا على كُلِّ مُخْبِرٍ أَأَرْقَى إلى السَّبْعِ الشَّدادِ تَخرُّصًا … وآتِي بما في قَعْرِ سبعةِ أَبْحُرِ (٣) ومنهم: [٢٧٨] عبد الجليل بن وهبون المرسي (٤) وصل إلى الغاية وبلغ، وانتأى عن اللذات وما راهق، ولا بلغ، ما انشق ليل

стр. 5950

ميلاده حتى طلع بدرُه وبزغ، ولا أفرغ على لسانه النطق حتى أكمله وفرغ، فرَّ عند الفتنة التي عمَّت ملوك الطوائف، وعرّت مناكب الملوك بعد الخلائف، وكادت تأتي على بقية ذَمَاءِ الأندلس، وتولغ المشرفية دماء الجحاجحة الشمس، فلقيته خيل النصارى المغيرة تحت صُلبها، المغيمة تحت بوارق قُضبها؛ فوقف لها وقفةً علا قتامها، ثم تجلى عنه مجدلا، وتفرّى ليله عنه وهو مقيم لا يبرح بالفلا. قال فيه الفتح (١): «أحد الفحول البريء من المطروق والمنحول». وحكى عن عبد الجليل ما صورته (٢): «أنه ركب بإشبيلية زورقًا في النهر الذي لا يدانيه السراة، ولا يضاهيه الفرات، في ليلةٍ تنقبت بظلمائها، ولم يلح قمر في سمائها، وبين أيديهم شمعتان، قد انعكس شعاعهما في اللُّجَّة، وزادا في تلك البهجة، فقال: [من المنسرح] كأَنَّما الشُّمعتان إِذْ سَمَتَا … خَدُّ غُلام مُحسنِ الغَيَدِ وفي حَشَا الماءِ مِنْ شُعاعِهما … طريقُ نارِ الهَوى إلى كَبِدِي» قال الفتح، وله هذا اللفظ (٣): «وله في غلام وسيم كاد يرشفه شاربه، نام وتقلّد سمطًا من دُرّ العرق شاربه، وقوله: [من البسيط] وشادن قد كساه الرُّوضُ حُلَّتَهُ … يستوقفُ الغَيْرَ بَيْنَ الغُصْنِ والكُتُبِ مُمَوَّهُ الحُسْنِ لمْ يعدَمْ مُقَبِّلُهُ … في خَدِّهِ رَوْنَقًا مِنْ ذلِكَ الشَّنَبِ يدعو إلى حُبِّهِ لمياءَ كَلَّلَها … زَبَرْجَدُ النَّبْتِ يَجْلُو لُؤلؤ الحَبَبِ وقوله يصف بازيًا: وصارم في يديكَ مُنْصَلِتٍ … إنْ كانَ للسيف في الوغى رُوحُ يجتابُ ممَّا لَبِسْتَ ضافيةً … لها على مِعْطَفَيهِ تَوْشِيحُ مُسَعَّرُ اللحظ مِنْ شَهامَتِهِ … فالجَوُّ مِنْ ناظريه مجروح والرِّيحُ تَهْفُو كَأَنَّما طَلَبَتْ … سَلِيلَها في يمينك الرِّيحُ»

стр. 5951

وقوله (١): [من الخفيف] رُبَّ فُرْنٍ رَأَيْتُهُ يَتَلَظَّى … وربيعٌ مُخالطي وعقيدي قال: شبهه، قلت: صدر حسود … خالطته مكارم المحسود قلت: وقد ذكره أبو الحسن علي بن بسام في الذخيرة؛ ومما قال فيه (٢): «شمس الزمان وبدره، وسرّ الإحسان وجهره، ومستودع البيان ومستقره، آخر من أفرغ في وقتنا فنون المقال، في قوالب السحر الحلال، وقيد شوارد الألباب، بأرق من ملح العتاب، وأرف من غفلات الشباب. وكورة تدمير أفقه الذي منه طلع، وعارضه الذي منه لمع؛ وإنما ذكرته في هذا القسم الغربي مع أهل إشبيلية؛ لأنها نبت شرفه المشهور، ومسقط عيشه المذكور، ووافق من المعتمد ناقدًا بصيرًا، فأغلى بتلك الأعلاق، وأقام له الدنيا على ساق». قلت: وقد قال ابن بسام، وقد ذكر واقعة أدنفونش مع يوسف ابن تاشفين، فقال (٣): «وكان أدنفونش قد اضطره الخور إلى الفرار فتسنم الجبال الشاهقة، والأوعار العائقة، إلى أن جنَّ الظلام فنجا منجي الحارث بن هشام، برأس طمرة ولجام، فدخل طليطلة مع شرذمة من أتباعه قليلة، ونفر من طائفته مخذولة»، فقال ابن وهبون وذكر له شعرًا منه (٤): [من الوافر] نمى في حِمْيَرٍ وَنَمَتْكَ لَخْمٌ … وتلك وشائج فيها التحام فيوسف يوسف إذ أنتَ منه … كيامن يَظُمُّكُما التئام نَهَجْتَ لسيلهِ نَهْجًا فَوَافي … وفي آذِيّه الطامي عُرام فَهِيْلَ بهِ كَثِيبُ الكفرِ هَيْلًا … وكلُّ دقيقة منهُ رُكام وصاروا فوقَ ظَهْرِ الأَرضِ روضًا … كأَنَّ وسادَهُمْ منها إكام عديد لا يشارفه حساب … ولا تحوي جماعته زمام تألفَتِ الوحوش عليهِ شَتى … فما نَقَصَ الشراب ولا الطعام فإِنْ يَنْجُ اللَّعِينُ فلا لحر … ولكن مثلما ينجو اللئام ومما أنشده له قوله (٥): [من] إذا مَدَحْتُ ففي لخم وسيدها … عَنِ الأَنامِ وعَمَّا أَخْرَقوا شُغُلُ

стр. 5952

وإن وَصَفْتُ فكاليوم الذي عَرَفَتْ … بك القريحةُ فِيهِ كُنْهَ ما جَهِلُوا تَرَسَّلُوا آلَ عَبَّادٍ فَرُبَّما … لم يُدْرِكِ الوصف ما تأتون والمَثَلُ إذا أَسَرْتُمْ فما في أَسْرِكُمْ قَنَطٌ … وإِنْ عَفُوتُم فما في عَفْوِكُمْ جَلَلُ يُقَبِّلُ الغِلَّ مُرتاحًا أَسِيرُكُمُ … فهو البشير لَهُ أَنْ تُسْحَبَ الحُلَلُ جيش فوارسه بيض كانصله … وخيله كالقَنَا عَسَّالَةٌ ذُبُل وقوله يذكر ركوب البحر (١): [من البسيط] ركبت في الله حتى البحر حيث طما … أذيه وبسوط الريح ينحصر طرفٌ يَزِلُّ عليه سَرج فارسه … وليس مما يضم الحَزْمُ والحَذَرُ كأَنَّ رَاكِبَهُ في مَتْنِ ذِي لُبَدٍ … غضبان يقدحُ مِنْ أَنفاسِهِ الشَّرَرُ عَذَرْتُ لو أنه ميدان معركة … يسمولهُ رَهَج في الجو مُنتشر. في حيث لمكر والإقدام مُضْطَرَبٌ … وحيث تملك ما تأتي وما تَذَرُ عَسَاكَ خِلْتَ حَبَابَ المَاءِ مِنْ زَرَدٍ … تَعَوَّدَ الخَوضَ فِيهِ طِرْفُكَ الأَشرُ أو قلت في الموج خرصانٌ مُعَرَّضَةٌ … تحارب الجيش أَوْ مصقولة بتر إن كان ثوبك مختصًا بلابيه … فقد تعلق في أذيالِهِ البَشَرُ كأنما النهر لما سرت سار إلى … ذاك المجاز فأجرى فُلْكَكَ النَّهَرُ كأَنَّما قُمْتَ بالجَدْوَى تُساجله … فنالَهُ دَهَسٌ أَوْ نَابَهُ حَصَرُ أحاط جودك بالدنيا فليس لَهُ … إلا المحيط مثال حين يُعْتَبَرُ وما حَسِبْتُ بأنَّ الكُل يحمله … بعض ولا كاملًا يحويه مُخْتَصَرُ لم يشن عنك يدًا أرجاء ضفته … إلا ومُدَّتْ بهِ أرجاؤه الأخر ومنه قوله في صفة الأسطول (٢): [من الكامل] يا حُسْنَهُ يومًا شَهِدْتُ رفاقها … بنت القضاء إلى الخليج الأزرق ورقاء كانت أيكة فتصوَّرَتْ … لك كيف شِئْتَ مِنَ الحَمَامَ الْأَوْرَقِ حيثُ الغُراب يجرُّ شَمْلَةَ عُجْبِهِ … وَكَأَنَّهُ مِنْ غَرْهِ لَمْ يَنْعِقِ من كُل لابسة الشَّبابِ مُلاءَةً … حَسْبَ اقتدار الصانع المتأنق شَهِدَتْ لهنَّ العَيْنُ أَنَّ شَوَاهِنا … أسماؤها وتَصَحْفَتْ في المنطق مِنْ كُلِّ ناشِرَةٍ قَوَادِمَ أَفْتَحْ … وعلى معاطفها وهاده شودق

стр. 5953

وأَرَتْ زَئِير الأسد وهيَ صَوَامِتٌ … ووَجَفْنَ وَجْفَ مَوَاكب في مأزق ومجادف يحكي أراقِمَ رَبْوَةٍ … نَزَلَتْ لِتَكْرَعَ في غَدِيرٍ مُتَأَقِ والماء في شَكْلِ الهَواءِ فلا … تَرَى في شَكْلِها إلا جوارح تلتقي وقوله في وصف القصر المعروف بالزاهي (١): [من الوافر] وللزاهي الكمال سنى وحسنًا … كما وَسِعَ الجلالة والكمالا يحاط بشكلِهِ عَرْضًا وطولًا … ولكن لا يحاط به جمالا تَوَاصَلَتِ المَحاسن فيه شتى … فوفد اللحظ ينتقل انتقالا وفور مثل ركن الطودِ ثَبْتٌ … ومُختال من الأنس الحتيالا يدافع من جوانبه ائتلافًا … فكاد المستبين يقول مالا فلو أذَنُوا حَرَامَ السِّخر منه … لأضحى يَعْبُدُ السحر الحلالا سماء ترتمي بعبابِ تِبْرِ … كأَنَّ بها إكامًا أو تلالا فقد كاد اللبيب يُهال منه … ويحسبُ أَنَّ بحر الجود سالا فما أبقى شهابًا لم يصوّب … ولا بدرًا يُنير ولا هلالا وللبهو البهي سماءُ نورٍ … تُمثلُ شَكْلَها خُلقًا وحالا مزخرفة كأَنَّ الوَشْي ألقى … عليها مِنْ طَرَائِقِهِ خَيالا وما خلتُ الهواء يكون رَوْضًا … ولا شَفَقًا يكون كذاك آلا الى حققت أنَّ النار كانت … له ظهرًا وعنصرة ذلالا فلم أعدل بجامدِهِ مُذابًا … ولم أنكر لندويه اشتعالا وكُلُّ مُصَوّرٍ خَلَّى جمادًا … يُبين فيه زَهُوًا أَوْ دلالا له عمل وليس له حَرَاتٌ … وإفهام وما أدى مقالا ويقرع فيه مثل النَّصْلِ بِدْعَ … مِنَ الإقبال لا يشكو ملالا دعا رطب اللجين فجاءَ صَلْدًا … وَقاحًا قل ما يخشى هزالا كأَنَّ به على الحيوانِ عَتْبًا … فلم يرفع لرؤيتها فذالا وأوصى بالرياحين اغتراسًا … همام طالما غَرَسَ الرجالا فكم طلب العويص فما تأبى … وكم قلب العيان فما استحالا منها في المدح:

стр. 5954

ولكنَّ المؤيَّدَ عَزَّ وصفًا … وأعيتنا حقيقتُهُ مَنَالا إذا استوضحته أبصرت دهرًا … لوَ أَنَّ الدَّهْر لم ينسخ مقالا وفيهِ أَناةُ مُقتدر حليم … يكاد يغر بالأسد النمالا تألق وجهُهُ وذَكَتْ نُهاه … فقلتُ: مثالُهُ مَحَقَ الضَّلالا ومنها في ذكر نفسه: تَزَاحَمَتِ الهُمُومُ خِلالَ صَدْري … فما تركت لأنفاسي مجالا كأني كلما استنشقتُ رِيحًا … أُرَدِّدُ منه للكبد النصالا ومنه قوله ويصف القصر (١): [من الطويل] أَرَبْعَ النَّدَى تَهْمي بهِ فَتَصُوبُ … ومَغْنى العُلا تأوي له وتَؤُوبُ بحيث استقل المجد فوق سريره … وقام لسان المجد وهوَ خَطِيبُ سقاك غمام مثلُ ودِّيَ ضاحِكَ … كأَنَّ سماء الصبح منه تذوب ولا انفك للخطي حَوْلَكَ هِزّةٌ … ولا للأَعْوَجيَّاتِ الجِيادِ دَبِيبُ طلعت كريعان الشبيبةِ رُوْقُهُ … فَكُذِّبَ في دعوى البياضِ مَشِيبُ أراق على عِطْفَيكَ منهُ طُلاوَةً … مدى الدهرِ مُلتاحُ الجَبِينِ مَهِيبُ فيا أيها القَصْرُ المُبارك لا تَزَلْ … وأنتَ جديدُ الحُلَّتينِ قَشِيبُ ويا أيها المَلْكُ المُؤيَّدُ دُمْ بِهِ … ليشربَ كُوبٌ أَوْ يُشار عكوب ستنطره أُمُّ النجومِ تَخَالُهُ … لها كوكبًا لا حان منهُ غُرُوبُ محيط بما أحببتَ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ … يروقُكَ حتى شَكْلُهنَّ مُرِيبُ ومِنْ حُبكِ دُونَ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا … أَفاوِيْفُ رَوْضِ الحَزْنِ وَهُوَ هَضِيبُ إلى طُرَّرٍ تحكي أصائل سلكة … تكادُ بأنداء النضارِ تَصُوبُ ومِن مَرْمَرٍ أَجْدَاهُ رَوْنَقُهُ ألهي … فأخطأ فيه اللحظ وهوَ مُصيب وبحر عليه للرياحينِ فَيْئَةٌ … كيمناكَ مُحضر البُرُودِ لحوب لئنْ كانَ مَحْظُومًا كَغَيْظَكَ إِنَّهُ … كعرضِكَ مَصْقُولُ الأَدِيمِ خَشِيبُ أَجَلْ إِنَّما يجتابُ منكَ بَشَاشَةً … لها جَيْنَةٌ مِنْ فَوقِهِ وذُهُوبُ وإلا فمِنْ آدابِكَ الزُّهْرِ تَجْتَلِي … فِرِنْدًا له دُرِّ عليهِ رَطِيب كما ضاعَ مِنْ أَهْدَابٍ ثَوْبِكَ نَشْرُهُ … وكُلُّ صَعِيد مس وصالِكِ طيب

стр. 5955

ومنها في المديح: إِليكَ أَشَارَتْ أَعيُنُ وَأَنَامِلُ … وَفِيكَ أَجِيْلَتْ أَلْسُنُ وَقُلُوبُ كَأَنَّكَ مِنَ الْقُلُوبِ مُرَكَّبُ … فَأَنْتَ إِلَى كُلِّ الْقُلُوبِ حَبِيْبُ وقوله (١): [من البسيط] مَا الشِّعْرُ مُرْتَجِلًا أَوْ غَيْرَ مُرْتَجِلٍ … بَالِغُ كُنْهُ ذَاكَ السُّوددِ الجَلَلِ بِأَيِّ لَفْظٍ أَحْيِي مِنْكَ ذَا شِيَمِ … لولا حَلَاهَا لَكَانَ الدَّهْرُ ذَا عَطَلِ وَسائِلُنِي أَجِدًا فِي مُبَاحَثَتِي … حَذَا حَدِيْثِي عَنِ الأَمْلَاكِ وَالدُّوَلِ جَيْشُ المُؤَيَّدِ يَقْضِي مِنْ خَلَائِفِهِ … أَنَّ المُلُوكَ لَهُ ضُرْبٌ مِنَ الخُؤُلِ سَلِ المَكَارِمَ عَنْهُ كَيْفَ تَعْلَمُهُ … أَوْ لَا تَسَلْ شَفَرَاتِ الْبِيْضِ وَالأُسَلِ وَارِى البَصِيْرَةَ لَا تُرْزِي الأَنَاةُ بِهِ … وَلَا تَعُودُ عَلَيْهِ آفَةُ العَجَلِ كَذَلِكَ الحِلْمُ فِي الأَعْدَاءِ قَدْ عَلِمُوا … فَشَكُّ يَسُدُّ طَرِيْقَ الأَمْنِ بِالوَجَلِ يُجِيْزُنَا كُلَّمَا حَكَّنَا مَدَائِحُهُ … وَالصُّبْحُ عُرْيَانُ مُّسْتَغْنٍ عَنِ الحُلَلِ لِلَّهِ آَذَارُ مِّنْ شَهْرٍ سَمَوْتُ بِهِ … حَتَّى لَقِيْتُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ فِي الْحَمَلِ مَا بَيْنَ نُوْرِ جَبِيْنٍ مِّنْكَ مُؤْتَلِقٍ … وَبَيْنَ فَضْلٍ طِبَاعٍ مِّنْهُ مُّعْتَدِلِ وَنَائِلٌ أُسْدِيَ النُّوءَ طَوْعُ يَدٍ … تَسْطُو عَلَى القَرْنِ أَوْ تَسْطُو عَلَى النُّحَلِ لِشُمَّتِهَا فَرَشَفَتِ العِزَّ مُمْتَزِجًا … فِيْهِ الغِنَى وَوَجَدْتُ الرِّيَّ فِي النَّهَلِ ومنه قوله (٢): [من البسيط] قل للرشيد وقد هَبَّتْ نَوَافِجُهُ … أُشْرِفَتْ … المعروف فاقتصد أَشْكُو إِليْكَ النَّدَى مِنْ حَيْثُ أَحْمَدُهُ … لَوْ فَاضَ فيضًا عليه البحر لم يزد قال ابن بسام (٣): «أخبرني من لا أرد خبره أنه دخل على عبد الجليل - يعني ابن وهبون المرسي - يوما وقد تطاول حتى كاد يمس رأسه السماء، فقال: قد أتيت ببيت فلم تزد، وما أحسنت حسنة لأحد، فأنشده هذا البيت. قال الحاكي له؛ فأين أنت من قول أبي عبادة (٤): [من البسيط] [و] انتصب البرق مختالا فقلت له … لو جدت جود بني يزداد لم يزد قال: فبدأ عبوسه، وتضاءل حتى كدنا ندوسه، وقال: كسرتني والله لو خطر لي هذا ما قلت ذاك».
следующие страницы →