وقوله (١): [من الخفيف]
رُبَّ فُرْنٍ رَأَيْتُهُ يَتَلَظَّى … وربيعٌ مُخالطي وعقيدي
قال: شبهه، قلت: صدر حسود … خالطته مكارم المحسود
قلت: وقد ذكره أبو الحسن علي بن بسام في الذخيرة؛ ومما قال فيه (٢): «شمس الزمان وبدره، وسرّ الإحسان وجهره، ومستودع البيان ومستقره، آخر من أفرغ في وقتنا فنون المقال، في قوالب السحر الحلال، وقيد شوارد الألباب، بأرق من ملح العتاب، وأرف من غفلات الشباب. وكورة تدمير أفقه الذي منه طلع، وعارضه الذي منه لمع؛ وإنما ذكرته في هذا القسم الغربي مع أهل إشبيلية؛ لأنها نبت شرفه المشهور، ومسقط عيشه المذكور، ووافق من المعتمد ناقدًا بصيرًا، فأغلى بتلك الأعلاق، وأقام له الدنيا على ساق».
قلت: وقد قال ابن بسام، وقد ذكر واقعة أدنفونش مع يوسف ابن تاشفين، فقال (٣): «وكان أدنفونش قد اضطره الخور إلى الفرار فتسنم الجبال الشاهقة، والأوعار العائقة، إلى أن جنَّ الظلام فنجا منجي الحارث بن هشام، برأس طمرة ولجام، فدخل طليطلة مع شرذمة من أتباعه قليلة، ونفر من طائفته مخذولة»، فقال ابن وهبون وذكر له شعرًا منه (٤): [من الوافر]
نمى في حِمْيَرٍ وَنَمَتْكَ لَخْمٌ … وتلك وشائج فيها التحام
فيوسف يوسف إذ أنتَ منه … كيامن يَظُمُّكُما التئام
نَهَجْتَ لسيلهِ نَهْجًا فَوَافي … وفي آذِيّه الطامي عُرام
فَهِيْلَ بهِ كَثِيبُ الكفرِ هَيْلًا … وكلُّ دقيقة منهُ رُكام
وصاروا فوقَ ظَهْرِ الأَرضِ روضًا … كأَنَّ وسادَهُمْ منها إكام
عديد لا يشارفه حساب … ولا تحوي جماعته زمام
تألفَتِ الوحوش عليهِ شَتى … فما نَقَصَ الشراب ولا الطعام
فإِنْ يَنْجُ اللَّعِينُ فلا لحر … ولكن مثلما ينجو اللئام
ومما أنشده له قوله (٥): [من]
إذا مَدَحْتُ ففي لخم وسيدها … عَنِ الأَنامِ وعَمَّا أَخْرَقوا شُغُلُ
стр. 5952
وإن وَصَفْتُ فكاليوم الذي عَرَفَتْ … بك القريحةُ فِيهِ كُنْهَ ما جَهِلُوا
تَرَسَّلُوا آلَ عَبَّادٍ فَرُبَّما … لم يُدْرِكِ الوصف ما تأتون والمَثَلُ
إذا أَسَرْتُمْ فما في أَسْرِكُمْ قَنَطٌ … وإِنْ عَفُوتُم فما في عَفْوِكُمْ جَلَلُ
يُقَبِّلُ الغِلَّ مُرتاحًا أَسِيرُكُمُ … فهو البشير لَهُ أَنْ تُسْحَبَ الحُلَلُ
جيش فوارسه بيض كانصله … وخيله كالقَنَا عَسَّالَةٌ ذُبُل
وقوله يذكر ركوب البحر (١): [من البسيط]
ركبت في الله حتى البحر حيث طما … أذيه وبسوط الريح ينحصر
طرفٌ يَزِلُّ عليه سَرج فارسه … وليس مما يضم الحَزْمُ والحَذَرُ
كأَنَّ رَاكِبَهُ في مَتْنِ ذِي لُبَدٍ … غضبان يقدحُ مِنْ أَنفاسِهِ الشَّرَرُ
عَذَرْتُ لو أنه ميدان معركة … يسمولهُ رَهَج في الجو مُنتشر.
في حيث لمكر والإقدام مُضْطَرَبٌ … وحيث تملك ما تأتي وما تَذَرُ
عَسَاكَ خِلْتَ حَبَابَ المَاءِ مِنْ زَرَدٍ … تَعَوَّدَ الخَوضَ فِيهِ طِرْفُكَ الأَشرُ
أو قلت في الموج خرصانٌ مُعَرَّضَةٌ … تحارب الجيش أَوْ مصقولة بتر
إن كان ثوبك مختصًا بلابيه … فقد تعلق في أذيالِهِ البَشَرُ
كأنما النهر لما سرت سار إلى … ذاك المجاز فأجرى فُلْكَكَ النَّهَرُ
كأَنَّما قُمْتَ بالجَدْوَى تُساجله … فنالَهُ دَهَسٌ أَوْ نَابَهُ حَصَرُ
أحاط جودك بالدنيا فليس لَهُ … إلا المحيط مثال حين يُعْتَبَرُ
وما حَسِبْتُ بأنَّ الكُل يحمله … بعض ولا كاملًا يحويه مُخْتَصَرُ
لم يشن عنك يدًا أرجاء ضفته … إلا ومُدَّتْ بهِ أرجاؤه الأخر
ومنه قوله في صفة الأسطول (٢): [من الكامل]
يا حُسْنَهُ يومًا شَهِدْتُ رفاقها … بنت القضاء إلى الخليج الأزرق
ورقاء كانت أيكة فتصوَّرَتْ … لك كيف شِئْتَ مِنَ الحَمَامَ الْأَوْرَقِ
حيثُ الغُراب يجرُّ شَمْلَةَ عُجْبِهِ … وَكَأَنَّهُ مِنْ غَرْهِ لَمْ يَنْعِقِ
من كُل لابسة الشَّبابِ مُلاءَةً … حَسْبَ اقتدار الصانع المتأنق
شَهِدَتْ لهنَّ العَيْنُ أَنَّ شَوَاهِنا … أسماؤها وتَصَحْفَتْ في المنطق
مِنْ كُلِّ ناشِرَةٍ قَوَادِمَ أَفْتَحْ … وعلى معاطفها وهاده شودق
стр. 5953
وأَرَتْ زَئِير الأسد وهيَ صَوَامِتٌ … ووَجَفْنَ وَجْفَ مَوَاكب في مأزق
ومجادف يحكي أراقِمَ رَبْوَةٍ … نَزَلَتْ لِتَكْرَعَ في غَدِيرٍ مُتَأَقِ
والماء في شَكْلِ الهَواءِ فلا … تَرَى في شَكْلِها إلا جوارح تلتقي
وقوله في وصف القصر المعروف بالزاهي (١): [من الوافر]
وللزاهي الكمال سنى وحسنًا … كما وَسِعَ الجلالة والكمالا
يحاط بشكلِهِ عَرْضًا وطولًا … ولكن لا يحاط به جمالا
تَوَاصَلَتِ المَحاسن فيه شتى … فوفد اللحظ ينتقل انتقالا
وفور مثل ركن الطودِ ثَبْتٌ … ومُختال من الأنس الحتيالا
يدافع من جوانبه ائتلافًا … فكاد المستبين يقول مالا
فلو أذَنُوا حَرَامَ السِّخر منه … لأضحى يَعْبُدُ السحر الحلالا
سماء ترتمي بعبابِ تِبْرِ … كأَنَّ بها إكامًا أو تلالا
فقد كاد اللبيب يُهال منه … ويحسبُ أَنَّ بحر الجود سالا
فما أبقى شهابًا لم يصوّب … ولا بدرًا يُنير ولا هلالا
وللبهو البهي سماءُ نورٍ … تُمثلُ شَكْلَها خُلقًا وحالا
مزخرفة كأَنَّ الوَشْي ألقى … عليها مِنْ طَرَائِقِهِ خَيالا
وما خلتُ الهواء يكون رَوْضًا … ولا شَفَقًا يكون كذاك آلا
الى حققت أنَّ النار كانت … له ظهرًا وعنصرة ذلالا
فلم أعدل بجامدِهِ مُذابًا … ولم أنكر لندويه اشتعالا
وكُلُّ مُصَوّرٍ خَلَّى جمادًا … يُبين فيه زَهُوًا أَوْ دلالا
له عمل وليس له حَرَاتٌ … وإفهام وما أدى مقالا
ويقرع فيه مثل النَّصْلِ بِدْعَ … مِنَ الإقبال لا يشكو ملالا
دعا رطب اللجين فجاءَ صَلْدًا … وَقاحًا قل ما يخشى هزالا
كأَنَّ به على الحيوانِ عَتْبًا … فلم يرفع لرؤيتها فذالا
وأوصى بالرياحين اغتراسًا … همام طالما غَرَسَ الرجالا
فكم طلب العويص فما تأبى … وكم قلب العيان فما استحالا
منها في المدح:
стр. 5954
ولكنَّ المؤيَّدَ عَزَّ وصفًا … وأعيتنا حقيقتُهُ مَنَالا
إذا استوضحته أبصرت دهرًا … لوَ أَنَّ الدَّهْر لم ينسخ مقالا
وفيهِ أَناةُ مُقتدر حليم … يكاد يغر بالأسد النمالا
تألق وجهُهُ وذَكَتْ نُهاه … فقلتُ: مثالُهُ مَحَقَ الضَّلالا
ومنها في ذكر نفسه:
تَزَاحَمَتِ الهُمُومُ خِلالَ صَدْري … فما تركت لأنفاسي مجالا
كأني كلما استنشقتُ رِيحًا … أُرَدِّدُ منه للكبد النصالا
ومنه قوله ويصف القصر (١): [من الطويل]
أَرَبْعَ النَّدَى تَهْمي بهِ فَتَصُوبُ … ومَغْنى العُلا تأوي له وتَؤُوبُ
بحيث استقل المجد فوق سريره … وقام لسان المجد وهوَ خَطِيبُ
سقاك غمام مثلُ ودِّيَ ضاحِكَ … كأَنَّ سماء الصبح منه تذوب
ولا انفك للخطي حَوْلَكَ هِزّةٌ … ولا للأَعْوَجيَّاتِ الجِيادِ دَبِيبُ
طلعت كريعان الشبيبةِ رُوْقُهُ … فَكُذِّبَ في دعوى البياضِ مَشِيبُ
أراق على عِطْفَيكَ منهُ طُلاوَةً … مدى الدهرِ مُلتاحُ الجَبِينِ مَهِيبُ
فيا أيها القَصْرُ المُبارك لا تَزَلْ … وأنتَ جديدُ الحُلَّتينِ قَشِيبُ
ويا أيها المَلْكُ المُؤيَّدُ دُمْ بِهِ … ليشربَ كُوبٌ أَوْ يُشار عكوب
ستنطره أُمُّ النجومِ تَخَالُهُ … لها كوكبًا لا حان منهُ غُرُوبُ
محيط بما أحببتَ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ … يروقُكَ حتى شَكْلُهنَّ مُرِيبُ
ومِنْ حُبكِ دُونَ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا … أَفاوِيْفُ رَوْضِ الحَزْنِ وَهُوَ هَضِيبُ
إلى طُرَّرٍ تحكي أصائل سلكة … تكادُ بأنداء النضارِ تَصُوبُ
ومِن مَرْمَرٍ أَجْدَاهُ رَوْنَقُهُ ألهي … فأخطأ فيه اللحظ وهوَ مُصيب
وبحر عليه للرياحينِ فَيْئَةٌ … كيمناكَ مُحضر البُرُودِ لحوب
لئنْ كانَ مَحْظُومًا كَغَيْظَكَ إِنَّهُ … كعرضِكَ مَصْقُولُ الأَدِيمِ خَشِيبُ
أَجَلْ إِنَّما يجتابُ منكَ بَشَاشَةً … لها جَيْنَةٌ مِنْ فَوقِهِ وذُهُوبُ
وإلا فمِنْ آدابِكَ الزُّهْرِ تَجْتَلِي … فِرِنْدًا له دُرِّ عليهِ رَطِيب
كما ضاعَ مِنْ أَهْدَابٍ ثَوْبِكَ نَشْرُهُ … وكُلُّ صَعِيد مس وصالِكِ طيب
стр. 5955
ومنها في المديح:
إِليكَ أَشَارَتْ أَعيُنُ وَأَنَامِلُ … وَفِيكَ أَجِيْلَتْ أَلْسُنُ وَقُلُوبُ
كَأَنَّكَ مِنَ الْقُلُوبِ مُرَكَّبُ … فَأَنْتَ إِلَى كُلِّ الْقُلُوبِ حَبِيْبُ
وقوله (١): [من البسيط]
مَا الشِّعْرُ مُرْتَجِلًا أَوْ غَيْرَ مُرْتَجِلٍ … بَالِغُ كُنْهُ ذَاكَ السُّوددِ الجَلَلِ
بِأَيِّ لَفْظٍ أَحْيِي مِنْكَ ذَا شِيَمِ … لولا حَلَاهَا لَكَانَ الدَّهْرُ ذَا عَطَلِ
وَسائِلُنِي أَجِدًا فِي مُبَاحَثَتِي … حَذَا حَدِيْثِي عَنِ الأَمْلَاكِ وَالدُّوَلِ
جَيْشُ المُؤَيَّدِ يَقْضِي مِنْ خَلَائِفِهِ … أَنَّ المُلُوكَ لَهُ ضُرْبٌ مِنَ الخُؤُلِ
سَلِ المَكَارِمَ عَنْهُ كَيْفَ تَعْلَمُهُ … أَوْ لَا تَسَلْ شَفَرَاتِ الْبِيْضِ وَالأُسَلِ
وَارِى البَصِيْرَةَ لَا تُرْزِي الأَنَاةُ بِهِ … وَلَا تَعُودُ عَلَيْهِ آفَةُ العَجَلِ
كَذَلِكَ الحِلْمُ فِي الأَعْدَاءِ قَدْ عَلِمُوا … فَشَكُّ يَسُدُّ طَرِيْقَ الأَمْنِ بِالوَجَلِ
يُجِيْزُنَا كُلَّمَا حَكَّنَا مَدَائِحُهُ … وَالصُّبْحُ عُرْيَانُ مُّسْتَغْنٍ عَنِ الحُلَلِ
لِلَّهِ آَذَارُ مِّنْ شَهْرٍ سَمَوْتُ بِهِ … حَتَّى لَقِيْتُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ فِي الْحَمَلِ
مَا بَيْنَ نُوْرِ جَبِيْنٍ مِّنْكَ مُؤْتَلِقٍ … وَبَيْنَ فَضْلٍ طِبَاعٍ مِّنْهُ مُّعْتَدِلِ
وَنَائِلٌ أُسْدِيَ النُّوءَ طَوْعُ يَدٍ … تَسْطُو عَلَى القَرْنِ أَوْ تَسْطُو عَلَى النُّحَلِ
لِشُمَّتِهَا فَرَشَفَتِ العِزَّ مُمْتَزِجًا … فِيْهِ الغِنَى وَوَجَدْتُ الرِّيَّ فِي النَّهَلِ
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
قل للرشيد وقد هَبَّتْ نَوَافِجُهُ … أُشْرِفَتْ … المعروف فاقتصد
أَشْكُو إِليْكَ النَّدَى مِنْ حَيْثُ أَحْمَدُهُ … لَوْ فَاضَ فيضًا عليه البحر لم يزد
قال ابن بسام (٣): «أخبرني من لا أرد خبره أنه دخل على عبد الجليل - يعني ابن وهبون المرسي - يوما وقد تطاول حتى كاد يمس رأسه السماء، فقال: قد أتيت ببيت فلم تزد، وما أحسنت حسنة لأحد، فأنشده هذا البيت. قال الحاكي له؛ فأين أنت من قول أبي عبادة (٤): [من البسيط]
[و] انتصب البرق مختالا فقلت له … لو جدت جود بني يزداد لم يزد
قال: فبدأ عبوسه، وتضاءل حتى كدنا ندوسه، وقال: كسرتني والله لو خطر لي هذا ما قلت ذاك».
стр. 5956
ومنه قوله: [من البسيط]
هو الأجاج وحقٌّ أَنْ يُقالَ لَهُ … مِنْ حيثُ واتاكَ عَذْبٌ سَلْسَلٌ خَضِرُ
كأَنَّما البحر عين أَنْتَ ناظرِها … وكلُّ شَطٌ بأشخاصِ الوَرَى شُفُرُ
وقوله: [من الكامل]
زعموا الغَزَالَ حَكاه قلت لهم … في صدِّهِ عن عاشقيه وهجره
وكذا يقولون: المُدامُ كَرِيْقِهِ … يا رب لا علموا مَذَاقَةَ تَغْرِهِ
وأورد له ابن سعيد في المرقص قوله (١): [من البسيط]
ذَنْبي إلى الدَّهْرِ فَلْتُكْرَهُ سَجِيَّتُهُ … ذَنْبُ الحُسام إذا ما أَحْجَمَ البَطَلُ
وقوله؛ وقد استحسن المعتضد بن عباد بيتًا للمتنبي: [من الكامل]
تَنَبَّأَ عُجْبًا بالقريضِ ولو درى … بأَنَّكَ تَرْوِي شِعْرَهُ لَتَأَلَّها
ومنهم:
[٢٧٩] أبو الوليد البجلي (٢)
جليس لا يُمَلّ، ونديم دَمُ كأسه لا يُطل، بلغ بالهزل ما لم يبلغه أخو الجد بجده، ولا يقدر عليه ذو التوصل بجهده، أسرع بديهة من تدفق السيل، وتألق البرق في الليل.
قال ابن بسام فيه (٣): «كان باقِعَة دهره، ونادرة عصره، ولم يصد دراهم ملوك أفقنا إلا بحر النادرة، وسرعة البادرة، وكان يُضحك من حضر، ولا يكاد يتبسم إذا ندر؛ وهو القائل يصف طلوع الشمس ومقابلة القمر لها (٤): [من المنسرح]
стр. 5957
أَمَا تَرَى الشَّمس وهي [طالعة] … تمنع عنها إدامة النظر
حمراء صفراء في تلوّنها … كأنها تشتكي من الشهر
مثل عروس غَدَاةَ ليلتُها … تُمسك مرآتها مِنَ القَمَرِ»
قال ابن بسام (١): ومن نوادر الآفاق الحلوة المساق الغريبة الاتفاق، خبر البجلي مع المعتمد بن عباد؛ وذلك أنه مشت يومًا بين يديه بعض نسائه، في غلالة لا تكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تخفى إياةَ الشمس في مُدْلِهِمّها، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه فامتزج الكل لينًا واسترسالًا، وتشابه طيبًا وجمالًا، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومالت بعطفيه راح الأدب، فقال: [من الكامل]
وهَوَيتُ سالبة النفوسِ غَرِيرةً … تختالُ بينَ أَسِنَّةٍ وَبَوَاتِرٍ
ثم تعذر عليه المقال، وشغلته تلك الحال، فقال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر إلى البجلي وخذه بإجازة هذا البيت، ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأضاف الأول إليه، وألحق هذه الأبيات عليه (٢):
راقتْ مَحَاسِنُها وراقَ أَدِيمُها … فتكادُ تُبْصِرُ باطنًا مِنْ ظاهر
وتمايلت كالغُصْن أورقَ في النَّقَا … والتَفَّ في وَرَقِ الشباب الناضر
يَنْدَى بماءِ الوَرْدِ مُسْبَلُ شَعْرِها … كالطَّلِّ يَسقُطُ مِنْ جَناح الطائر
تُزْهى برونَقِها وحُسْنِ جَمَالِها … زَهْوَ المؤيَّد بالثناء العاطر
مَلِكُ تَضَاءَلَتِ المُلوكُ القَدْرِهِ … وَعَنَا لَهُ صَرْفُ الزَّمانِ الجائر
وإذا لَمَحْتَ جَبينه ويمينَهُ … أَبصرت بدرًا فوق بحر زاخر
فلما قرأها المعتمد، استحضره، وقال له: أحسنت! أَوَ مَعَنا كنتَ؟ فأجابه البجلي بكلام معناه: يا قاتل المحل، أَوَ ما تلوتَ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٣).
وله: [من الرجز]
وأَجْدَلٍ أَقلقَهُ طُولُ القَرَمْ
قَحَمْتُهُ بينَ الكَراكي فاقْتَحَمْ
وعاد للكف وما شَكَا أَلَمْ
يَمْسَحُ مِنْقارًا عَلاهُ منهُ دَمْ
ككاتب يمسح حبرًا مِنْ قَلَمْ
стр. 5958
ومنهم:
[٢٨٠] عبد الله بن القابلة السبتي (١)
لِسَانُ بَيَانٍ، وحِسَانُ إِحْسَان، ومُنْطَلِقٌ في شَأْوَه لا يُدْرَكُ، وفَرْدٌ في فَضْلِه لا يَشْرَكُ، ومِنْ غَوْصِه على الدُّرّ، ومُحِيهِ منه بما يَسُرّ ما لا يَقِلُّ مِثْلُه، ولا يَخِلُّ بِأدَبِ فَضْلِه، لا تَسْكُنُ شَيْطَانَه القَائِلَة، ولا يُخالف إِحْسَانُه ما نُسِبَ إِليه لما عنده من القَابِلَة، اشْتَهَر بِحِذْقِه، وعُرِفَ بأَدَبِه، ولولاه من كان عبد الله في خُلُقِه، إِلا أَنني لم يَمُرّ بي نَسِيمُه، إِلا وهو مُنْطَلِق، ولا أَضَاءَ لي نَيِّره إِلا والسَّحَابُ عليه مُنْطَبِق، فما شَذّ منه إِلا الشُّذا، ولا وَقَفْتُ منه إِلا على جَدْوَل يَنْفِي النَّدَى.
ومما أورد له ابن سعيد في المرقص؛ وهو قوله (٢): [من الطويل]
وَوَجْهِ غَزَالٍ رَقّ حُسْنًا جَمَالُه … يَرَى الصَّبُّ فيهِ وَجْهَهُ حِينَ يَنْظُرُ
يُعَرِّضُ لي عند اللقاء به رَشًَا … يكادُ المُحيَّا مِنْ مُحَيَّاهُ يَقْطُرُ
ولم يتعرض كي أَرَاهُ وإِنَّما … أرادَ يُرِيني أَنَّ وجهي أَصْفَرُ
ومنهم:
[٢٨١] أبو علي بن رشيق المسيلي (٣)
لو رام البحر مجاراته لقصرت به أطماعه، أو البدر لما حصل على الكواكب إجماعه. أي رجل هو لا يعدّ له ضريب، ولا يعدل كلامه أريب، ولا يحبّ معه حبيب،
стр. 5959
ولا ينصب معه نصيب، وبيوت شعره أجل مما يصفه الواصف، وأعظم مما أتى به من قصر بلقيس آصف، قد حلب الدهر أشطره، وجلب من سواد المقل أسطره، ومارس النوائب خبرةً حتى قتلها، وعرف تصرّم الحبال كأنه بيده فتلها، وكان يأبى إلا زيادة علم، واستفادة حرب في سلم طالما مال الدهر يسال عنده أكثر الخبر، وأكد العبر. طاولته الأمثال؛ فطار ووقعوا، وغرّق سيله وما نقعوا، ولم ساباه الوطر، ولا خاف على نفسه إلا من البطر. وكان لا يمدّ إلى الدنيا إلا لحظ محتقر، ولا لحاطب الصبر إلا بلفظ غير مفتقر. ولقد كان في شوارد الأيام مثلًا، ولمقل الليالي كحلًا.
ذكره ابن بسام وقال (١): «ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلًا، ثم ارتحل إلى القيروان، وكان ربوةً لا يبلغها الماء، وغاية لا تنالها الوجناء».
إن نقد سعى الطبع الصقيل وحَفَد، أو كتب سجد القلم الضئيل واقترب، شعاع القمر، وحديث السمر، ومعجزة الخبر والخبر.
ولما طلع نجوم النحوس بسماء المعز بن باديس، وخرج إلى المهدية بسماء كاسفة الأقمار، وذكاء أقصر من طي الخمار، وكان أبو علي ممن انحشر في زمرته المحروبة، وتحيّز إلى فيئته المنكوبة، أقام معه وغشي المهدية، بعد اسطول الروم، فأصبح البحر ثنايا تطلع المنايا، وإكامًا تحمل موتًا زؤامًا، فدخل على المعز حين وضح الفجر، فوجده في مصلاه والرقاع عليه ترد والشمع بين يديه تتقد، فقام ينشده قصيدته التي أولها: [من الوافر]
تثبت لا يُخامرك اضطراب … فقدْ خَضَعَتْ لعزتك الرقاب
стр. 5960
فقال له: مه متى عهدتني لا أثبت؟ إذا لم تجئنا إلا بمثل هذا، فما لك لا تسكت عنا؟ ثم أمر بالرقعة التي كانت فيها القصيدة فمزقت، ولم تقنعه حتى أدناها إلى الشمع فأحرقت، فخرج ابن رشيق يومئذ من عنده على غير طريق، وكانت وجهته إلى صقلية. وكان ابن شرف قد سبقه إليها، ووفد قبله عليها، وكان قد وقع بينهما بالقيروان ما وقع بين الخوارزمي وبديع الزمان. فلما اجتمعا يومئذ بصقلية تنمر بعضهما لبعض، وتشوف أعلام البلد لما كان بينهما من إبرام ونقض، فقصد ابن رشيق بعض إخوانه وقال له: أنتما على الإحسان، وشيخا أهل القيروان، وقد أصبحتما بحال جلاء، وبين الأعداء، والأشبه بكما أن لا تفريا أديمكما، ولا تطعما الأعداء لحومكما، فقال له: إيت ابن شرف، فأتاه فوجده أجنح للسلم، وأدنى إلى الحلم، برئ إليه من صببه وصعده، وأعطاه بذلك صفقتي لسانه ويده. وكان ابن رشيق ربما اعترض وتعرض، وتحلب وتلمظ، وأما ابن شرف فلم يُحلَّ ما عقد، ولا حال ما عهد».
قلت: وسأذكر جملة ما ذكره ابن بسام من أخباره وأجيء به مختصرًا، وأجيء على لفظه مقتصرًا، إلا أنني أحذف ما طول مما لا حاجة إليه على عادتنا في مثله (١):
حكي عن أبي عبد الله الصفار الصقلي: أنه لما خرج فارًا إلى القيروان اجتمع بابن رشيق؛ فلما أنس به شكا إليه هوى غلام، وسأله الشخوص معه إليه، قال: فصرت معه حتى جنينا صناعة الجوهرتين فإذا بغلام كأنه بدر التمام، صافي الأديم، عطر النسيم، قد ركب كافور عارضيه غبار عنبر، يخرجه الوهم بخاطره، ويُدميه الطرف بناظره؛ فلما رآه الغلام علته خجلة سلبت وجه أبي علي ماءه، فأنشدته قول الصنوبري (٢): [من الخفيف]
إِنَّهُ مِّنْ عَلَامَةِ الْعُشَّاقِ … اِصْفِرَارُ الْوُجُوهِ عِنْدَ التَّلَاقِي
وَانْقِطَاعُ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ … وَوُلُوعُ بِالصَّمْتِ وَالْإِطْرَاقِ
فقال لي: يا أبا عبد الله، والله ما واجهته قط بوجهي إلا أغشي علي، ولكني تثبت بك، وأأنست بعذوبة لفظك، مع أنني لم أرو طرفي من وجهه المقمر، ولا متعته بقده المثمر. فقلت: ولم نكس رأسه، والله ما رأيت أشبه بالبدر منه خدًا، ولا بالغصن قدًا، ولا بالدُّرِّ ثغرًا، ولا بالمسك نشرًا؛ فقال لي: يا أبا عبد الله، ما أبصرك بمحاسن الغلمان، لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخافت على تفاح
стр. 5961
خُدَّهُ العيون، فوكلت بها الفتون. يا أبا عبد الله نَكَّسَ رأسه؛ لأني علقته وخده هلالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره سابري، وصدره عاجي، فكان طرفي يشرب كافوره بالشفق، فيخرج ذلك صدر الغَسَق، فوكل من نمنمته رقيبًا علي فضي أديمه، فتوهم ذلك الطاهر الأخلاق الطيب الاعتناق، أَنَّ ذلك مما يُضعف أسباب محبَّته، ويُخْلِق رسوم مودّته، فقلتُ له: بحقي عليك يا أبا علي إلا قلت في هذا شيئًا، فأطرق قليلًا، ثم قال (١): [من مخلع البسيط]
وأسْمرُ اللون عسجديٌّ … يكادُ يسْتمطرُ الجُهَاما
ضاق بحمل العِذارِ ذَرْعًا … كالمُهْرِ لا يعرف اللجاما
ونكَّسَ الرأس إذْ رآني … كآبة واكتسى احتشاما
وظنَّ أَنَّ العِذَارَ ممَّا … يُزيحُ عَنْ قلبي الغَرَامَا
وما دَرَى أَنَّه نبات … أنبت في جسمي السقاما
وهل يرى عارضاهُ إِلاّ حَمَائِلًا … قُلْدَتْ حُسَامَا
قال الصقليّ: فلم أزل ألاطف أبا علي حتى أطلعني على سرائره مع ذلك الغُلام؛ فوالله ما اطلعت له معه على ما يحاسب به من قبح فعل، ثم كنت أختلف إلى الغلام الجوهري، فجلست يومًا إليه، فجعلت أذكر له بعض ما ذكر أبو علي، فرأيته قد تغيّر لوقته وأطرق ساعة، ثم أخذ سحاءةً فكتب فيها: «كتمان السر حلية القلب، فإن أزاله بقي عاطلًا» ثم طواها ودفعها إلي، وقال: قد أودعتها كلامًا موجزًا، ومعنى محرزًا، فإذا أتيت أبا علي فأعلمه أَنَّ المحب إذا كتم رُحِم، وإذا نَشَرَ هُجر، فلا تعد بعدها إلى إفشاء سري، فإن بَرِمَ بحُبّي انتهيت عن زيارته، وعوضته بفيض الدموع، وطول الخضوع، وأنا أقسم بحاجته إليّ، وإنذاره بالنوح علي، لا أخلي صدره من زفرة، ولا ضلوعه من جمرة، ولا جفونه من عَبْرَة. فجئت أبا علي، فدفعت السحاءة إليه، فقرأها وأخبرته بكلامه فوعاه، ثم شهق شهقة توهمت بها أن ضلوعه تفصصت، ثم قال لي: أبهذا القسم أقسم، قلت: نعم، قال لي: أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهم أنه كلامه، قلت: بحياتك إلا ما فعلت، فقال (٢): [من الكامل]
لم باح باسمي بعدما كتمَ الهَوَى … زَمَنًا وكان صيانتي أولى به
فلأمنَعَنَّ جفونَهُ طَيْبَ الكَرَى … ولأَمْزِجَنَّ دموعه بشرابه
стр. 5962
وحياة حاجته إليَّ وفقدِهِ … لأُواصِلَنَّ عَذابه بعذابه
ومما قاله فيه قوله (١): [من السريع]
وفاتر الأجفان ذي وجنةٍ … كأَنَّها في الحُسْنِ وَرْدُ الرياض
قلتُ له: يا ظبي خُذْ مُهْجَتي … دَاوِ بها تلك العيون المراض
فَجَا وَبَتْ مِنْ خَدِّهِ خَجْلَةٌ … كيفَ تَرَى الحمرة فوق البياض
وقوله (٢): [من البسيط]
إن كنتَ تُنكر منك ما ابتليت به … وأن بُرْءَ سَقَامِي عَزَّ مَطْلَبُهُ
أَشِرْ بعُودٍ مِنَ الكبريت نحو فمي … وانظر إلى زفراتي كيفَ تُلْهِبُهُ
قال ابن بسام: ومن جيد قوله (٣): [من الطويل]
سقى الله أَرضَ القيروان وقبرَهُ … ففيها ثَوَى شخص علي عزيز
تُرَى أَنَّني بالقُربِ ممن أُحبُّهُ … على بُعْدِ ما بين الديارِ أَفُوزُ
وإن كان إدراك المُحِبِّينَ نَعْتُهُ … على مَذْهَبِ الأَيامِ ليسَ يَجُوزُ
وقوله (٤): [من الكامل]
ومهفهف يحميهِ عَنْ نَظَرِ الوَرَى … غَيْرَانُ سُكْنَى الملك تحت قبابِهِ
أوحى إليَّ أن ايتني فأَتيتُهُ … والفجر يرمق من خلال نقابه
وضَمَمْتُهُ للصَّدْرِ حتى استوهَبَتْ … مِنِّي ثيابي بعض طيب ثيابه
فكأَنَّ قلبي من وراءِ ضُلُوعِهِ … طَرَبًا يُخَبِّرُ قلبَهُ عَمَّا بِهِ
وقوله وقد غاب المعز صاحب إفريقيا عن حضرته، وكان العيد ماطرًا (٥): [من البسيط]
تَجَهَّمَ العِيدُ وانهلَّتْ مدامعُهُ … وكنتُ أَعْهَدُ مِنهُ البِشْرَ والضَّحِكا
كأَنَّما جَاءَ يَطْوِي الأَرضَ مِنْ بُعْدٍ … شَوقًا إليكَ فلما لَمْ يَجِدْكَ بَكي
أوردهما ابن سعيد في المرقص، وأورد بعدهما قوله (٦): [من البسيط]
خط العذار له لامًا بصفحتِهِ … مِنْ أَجلِها يستغيث الناس باللام
стр. 5963
وحكى عن الصقلي. قال (١): قال لي أبو علي بن رشيق: كنت أوصي غلامًا وضيًا كان يختلف إلي وأحذره من كثرة التخليط، فخرج يومًا في جماعة من أصحابه، فأخبرت بذلك، فقلت (٢): [من السريع]
يا سوءَ ما جاءَتْ بهِ الحال … إنْ كانَ ما قالوا كما قالوا!
ما أحذق الناسَ بصَوْعِ الخَنَا … صيغَ مِنَ الخاتم خِلخالُ
قلت: ما أصح هذه التورية؟! فليكن من ورى، وإلا فليتوارى.
ومن مختار له قوله (٣): [من مجزوء الكامل]
يا مَنْ يَتِيهُ بعارضيـ … ـهِ يُريدُ بالعُشاقِ شَرًا
ما كنت تصلح في الجديـ … ـدِ فكيف تصلح في المطرى
وقوله: قال ابن بسام: وهو أملح ما له، وقلت: وأحلى ما قاله (٤): [من مخلع البسيط]
أَوْمَا بتسليمة اختلاس … والناسُ في حَوْمَةِ الوَدَاعِ
أحلى وإن لمْ يكُنْ سَمَاعًا … مِنْ نَعَمِ الزَّمْرِ والسَّماعِ
وقدْ نَوَتْ مُقلتاهُ نَوْمًا … وَدِدْتُ لو كان في ذراعي
فكان لي مَوْقِفُ افتراق … وللهوى موقف اجتماع
وقوله (٥): [من مجزوء الخفيف]
اشترى خنجرًا لقتـ … ـلي وما ذاكَ يَجْمُلُ؟
كيف يمشي بخنجرٍ … مَنْ بعينيهِ يَقْتُلُ؟!
وقوله (٦): [من السريع]
معتدل القامةِ والقَدِّ … مُوَرَّدُ الوَجْنَةِ والخَدِّ
لَوْ وُضِعَ الوَرْدُ على خده … ما عُرفَ الخَدُّ مِنَ الوَرْدِ
وقوله (٧): [من السريع]
стр. 5964
هُمْ عِذَارَاهُ بِتَقبيلِهِ … فَاستَلَّ مِنْ عَينَيهِ سَيفَينِ
فَذَلِكَ المُحمَرُّ مِنْ خَدِّهِ … دِماءُ ما بينَ الفَريقَينِ
وقوله (١): [من الطويل]
جَلَونا بِما يَنفي القَذَى مِنْ عُيونِنا … بِلُؤلُؤَةٍ مَملوءَةٍ ذَهَبًا سَكبا
ومِلْنا لِتَقبيلِ الحُدودِ وَلَثمِها … كَمِثلِ جِياعِ الطَّيرِ تَلتَقِطُ الحَبَا
وقوله في لابس عمامة حمراء بارها خدّه، وزاد بها في قلب عاشقه وقده (٢): [من مجزوء الكامل]
يا مَنْ يَمرُّ ولا تَمُرُّ بِهِ … القُلوبُ مِنَ الحُرَقْ
بِعِمامَةٍ مِنْ خَدِّهِ … أَوْ خَدُّهُ مِنها سَرَقْ
حكى ابن بسام، قال (٣): أخبرني بعض وزراء إشبيلية. قال: جهز عبّاد بعض التجار إلى صقلية، وكان ابن رشيق كثيرًا ما يسمع بذكر عباد، فيرتاح إلى جنابه ارتياح الكبير إلى شبابه. فلما سمع بمقدم ذلك التاجر، لزم داره، وجعل يتردد إليه ويغشاه، ويقترح عليه لقاء عبّاد ويتمناه، والتاجر يعده ويمنيه، ويقرب له ذلك ويدنيه حتى أسمحت الرياح، وأمكن في ميدان البحر المراح، ذهب التاجر لطيَّتِهِ، وخلّى بين ابن رشيق وأمنيته، وأخبر التاجر عبادًا بذلك كأنه يتبجح له بما هنالك، فتابع عباد في نكاله، وأمر باستصفاء ماله، ثم رام ابن رشيق بعد ذلك ركوب البحر، فخشن له مسه، ولم تساعده على ركوبه نفسه، فقال (٤): [من مخلع البسيط]
البحرُ صعبُ المَذاقِ مُرٌّ … لا جُعِلَتْ حاجَتي إلَيه
أليس ماءً ونحنُ طِينُ … فما عسى صَبْرُنا عليه
وذكره ابن خلكان، فقال (٥): أحد الأفاضل البلغاء، له التصانيف المليحة منها كتاب العمدة، والأنموذج، وقراضة الذهب، والشذور.
وذكر غيره أن أباه مملوك رومي، وتوفي بمازر قرية من قرى صقلية.
ومما أنشد له ابن خلكان قوله (٦): [من الوافر]
стр. 5965
أُحِبُّ أخي وإن أعرضت عنه … وقلَّ على مَسامِعه كلامي
ولي في وجهه تقْطِيب راضٍ … كما قَطَبْتَ في وجهِ المُدامِ
وربّ تَقَطُّبٍ مِنْ غيرِ بُعْضٍ … وبُغْض كامن تحت ابتسام
وقوله (١): [من الكامل]
يا رب لا أقوى على دفع الأذى … وبك استعنتُ على القوي الموذي
مالي بعثت إليَّ أَلف بعوضة … وبعثت واحدةً إِلى نَمْرُودِ
وقوله (٢): [من السريع]
أسلمني حُبُّ سليمانكم … إلى هوى أيسره القتل
قالت لنا جُند ملاحاتِهِ … لما بدا ما قالتِ النَّملُ:
قوموا ادخلوا مسكنكُمْ قَبلَ أَنْ … تحطمكم أَعينُهُ النُّجْلُ
وقوله (٣): [من المتقارب]
إذا ما خفَّفتَ كعهدِ الصّبا … أبتْ ذلك الخمس والأربعونا
وما ثَقُلتُ كِبَرًا وطأتي … ولكن جررتُ ورائي السنينا
وقوله (٤): [من الطويل]
وقائلة ماذا الشحوب وذا الضّنى … فقلتُ لها قول المشوق المُتَيَّم:
هواك أتاني وهو ضيفُ أُعِزُّهُ … فأطعمته لحمي وأسقيته دمي
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
دَعَا بكِ الحُسْنُ فاستجيبي … يامسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واصتطيلي … تيه شباب عَلَى مَشِيبِ
ولا يروعك اسوداد لون … كمقلة الشادِنِ الرَّبِيبِ
فإنَّما النُّورُ عَنْ سَوَادٍ … في أعين الناس والقلوب
ومنهم:
[٢٨٢] عبد الله العطار، وهو عبد الله بن محمد الأزدي (٦)
هو العطار العاطر النسيم، العاطل به في جيد الخود العقد النظيم، لم ير كديوانه
стр. 5966
جَوْنَةُ عَطَّار، ولا كَأَوْزَانِهِ يُعْطَى منها في القِرْطَاسِ ما يَأْخُذُ عنه بالقِنْطَارِ، ذهب وهذا بِشَرِّهِ المَحْسُوس، ومات وهذا عِطْرُهُ الباقي لا عِطْرَ بعدَ عروس.
ذكره ابن رشيق، ومما قال فيه: إنه (١) «لطيف الإشارات، مليح العبارات، صحيح الاستعارات على شعره ديباجة ورونق يمازجان النفس، ويملكان الحس، وفيه مع ذلك قوة ظاهرة تأتي في أماكنها من المدح وصفات الجيوش».
وقال (٢): «ولم أر عطارديًا مثله لا ترى عينه شيئًا إلا صنعته يده، وكان له عند عبد الله بن حسن بمدينة طرابلس حال شريفة، وجراية ووظيفة، إلى أن نازعته نفسه إلى الوطن، فتخلّص على غرر، ووصل على خطر».
ومما أنشد له قوله (٣): [من الكامل]
أَعْرَضْنَ لمَّا أَنْ عَرَضْنَ فإن يكن … حَذَارًا فأينَ تلَفَّتُ الغزلان
عَطَرْنَ جيب الريح ثم بعثنَها … طرب الشجي ورائد الغيران
وكأَنَّما أسكرنَها فترنّمتْ … بحلِيِّهِنَّ تَرتُّمَ النَّشْوَانِ
باينت ملتحفِ العَجَاجِ كَأَنَّهُ … قبس يُضيءُ سَنَاهُ تحتَ دُخان
إذ ينشرُ الطَّعْنُ الكماةَ كَأَنَّما … تتزاحم الفرسان بالفرسان
وقوله (٤): [من الكامل]
مَلِكٌ له في: كلِّ يومِ مَسَرَّةٍ … مِلءُ النواحي مِنْ عُلا ومَكَارِمِ
يلقى الزمان بمثلِهِ في فعلِهِ … لُقيا سنانِ الرُّمْحِ حدَّ الصَّارِمِ
ويذبُّ عَنْ ركن الخلافة عالمًا … أَنْ ليس يخلُو مَنْكِبٌ مِنْ رَاحِم
فإذا انتحاها الدَّهْرُ نَكَّرَ صَرْفَهُ … بِعَزيمةٍ حَسْرَى وأَنْفِ راغمِ
حيران يعثر بالأسِنَّةِ والظَّبَى … بين الكتائب والعجاج القاتم
ألْوَى أَلَدَّ إِذا تَشَاجَرَتِ القَنَا … وقَضى على الأرواح أَجْوَرُ حاكم
والخيل قد حَمَلَ الدماءُ بُطُونَها … فكأَنَّها تمشي بغيرِ قَوائِمِ
وقوله (٥): [من الطويل]
شَكَوْتُ إِلَيهِ جَفْوَتَهُ … وَمَنْ خَافَ الصُّدُودَ شَكَا
فأَجرى في العَقِيقِ الدُّرَّ … واستَبْقَى فَمَا مَسَكَا
فقلتُ مُخَاطِبًا نفسي: … أَرِقَّ لِلَوْعَتي فَبَكَى
فقالت: ما بَكَتْ عَيْنا … هـ وَلكِنْ خَدُّهُ ضَحِكَا
قال ابن رشيق: هذا كلام سقط عنه التكلف، وظهر عليه التصرف.
وقوله (١): [من البسيط]
أَوْدَعْتُ صَبْريَ عِنْدَ الشَّوقِ مُخْتَبِرا … ما تَحتَها وخَبَأْتُ النَّومَ في الأَرَقِ
حتى إذا زال صُبْحُ الثَّوبِ عنه بدا … ليلٌ يُزَيَّنُ في أَعْلاهُ بالشَّفَقِ
كَدَوْحَةِ الوَرْدِ رواها الحَيا فَبَدَا … نُوَّارُها وتَوَارَى السُّولُ بالوَرَقِ
وقوله (٢): [من الكامل]
ياربَّ كَأس مُدَامَةٍ بَاكَرْتُها … والصُّبْحُ يَرْشَحُ فِي جَبِينِ المَشْرِقِ
والليلُ يَعْثُرُ بالكواكب كُلَّمَا … طَرَدَتْهُ راياتُ الصَّباح المُشْرِقِ
وقوله (٣): [من الرمل]
لاتظننَّ امرءًا أغضبَهُ سَبَبٌ … ثمَّ انقضى ذاك السَّبَبُ
سالمَ الصَّدْرِ مِنَ الحِقدِ وإِنْ … أظهر الوُدَّ ولم يُبدِ الغَضَبْ
فمكان النار يبدو حَرُّها … كامِنًا فيه وإن زالَ اللَّهَبْ
وقوله (٤): [من الرمل]
إصْحَبْ الناس بخيرٍ كُلّهم … واستَزِدْ مِنْ صاحبِ تَدَّخِرُه
واترك الأمر الذي تكرهُهُ … وإن استُحسن يومًا عُذْرُهُ
فمع الطب الذي لا بَعْدَهُ … يذهب الجُرْحُ ويبقى أَثَرُه
ومنهم:
[٢٨٣] أبو حبيب، عبد الرحمن بن أحمد بن حبيب (٥)
جاء والسَّبقُ على أثره، والشموس من سَنَى قمره، والبحار عرفه بيد من سواكب
стр. 5969
مطره، والسحب لا يقوم غاية كرمها بعذره. شَرُف قدرًا، وعرف بما فاق درًا. وغالى شعره أسنّة المران، وسبح في الدجى في سيفه القمران.
ومن مستحسن شعره ما أورده له ابن سعيد في المرقص وهو قوله (١): [من البسيط]
يُجْرِي جُفُونِي دَمًا [بل] وهو ناظرها … ومُتْلِفُ القلب وجدًا وهوَ مَرْبَعُهُ
إذا بدا حال دمعي دُونَ رؤيتِهِ … يَغارُ مِنِّي عليه فهوَ يَرْتَعُهُ
ومنهم:
[٢٨٤] أبو عبد الله بن شرف (٢)
وهو محمد بن أبي سعيد بن أحمد الجذامي.
أشرقت به جذام، وصدقت قوله حَذَام، وأقر بفضله حتى من لا عرف، وتطامنت به لابن شرف ذروة كل شرف، وأصبح وأمسى والمسامع له مصغية؛ يلتقط بدائع
стр. 5970
الطُّرَف، وكان يتزيا بزي الفرسان، ويبدو له في الشجاعة إحسان، بتهمة لا تطيع السيوف على مضائها، ولا تطمع البروق في اقتضائها، ولم يزل ملجأ الغيران، ومنجى الحيران، ومأوى المنتاب، ومزيل شك المرتاب. من بيت مرتفع الذرى، متسع القرى، يعم نائله الجيران، ويدعو الوفود كرمه بألسن النيران. ما منهم إلا مرهف بيض، ومصرف وميض، شتار الظفر من أسنة المران، وسبح في الدجى في سيفه القمران.
ذكره ابن بسام وقال (١): «كان أبو عبد الله بن شرف بالقيروان، من فرسان هذا الشان، أحد من نظم قلائد الآداب، وجمع أشتات الصواب، وتلاعب الرياح بالمنثور والموزون تلاعب الرياح بأعطاف الغصون، وبينه وبين أبي علي بن رشيق ماج بحر البراعة ودام، ورجع نجم هذه الصناعة واستقام، وذهبا من المناقضة مذهبًا تنازعاه شرًا طويلًا، واحتملاه - إن لم يسمح الله - وزرًا ثقيلًا، وكان أبو علي أوسعهما نفسًا، وأقربهما ملتمسًا، وسال بابن شرف سيل فتنة القيروان اللاعب بأحرارها، المعفي على آثارها، فتردَّد على ملوك الطوائف، بعد مقارعة أهوال، ومباشرة خطوب طوال، وقد نبت شفرته، وطفيت جمرته، وانتحى منحى القسطلي في شكوى الزمن، والحديث عن الفتن. وكان معه كمن تصدّى للرياح بجناح، وقابل الصباح بمصباح، واستقر آخرًا عند المأمون بن ذي النون، فعليه خلع آخر لبوسه، ونفض بقية كيسه.
وكانت لعباد همة في اصطحاب الأحرار، واستجلاب ذوي الأخطار، حتى إذا عشوا إلى سرجه، واغتروا بزبرجه، سامهم ردّ أبي قبيس على أبيه وأخذهم بالسعاية بين الفرقد وأخيه. فمن أعياه منهم ركوب الصعاب، وعضه التقلب بين المضائق والرحاب، عزه في الخطاب، وأطاع به سلطان الارتياب: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ (٢). وكان ابن شرف هذا ممن فهم منحاه، وصم عن رقاه، فلم يجتمع معه في صعيد، ولا سلم عليه من بعيد.
ولا بن شرف عدة تواليف، أفاضها بحارا، وأطلعها شموسًا وأقمارا، وقد أثبت له ما يشهد بذكائه، ويُغني عن إطرائه».
ومما أنشد له قوله مما كتبته إلى عباد (٣): [من البسيط]
لئن تصيّدت غيري صيد طائرة … أوسعتها الحب حتى ضمها القَفَصُ
حَسِبْتَنِي فُرْصَةً أُخرى ظَفِرتَ بها … هيهات ما كُلُّ حين تمكن الفُرَصُ
стр. 5971
لك الموائد للقضادِ مُتْرَعَةٌ … تروي وتشيع لكن بعدها غُصَص
ولستُ أَعْجَبُ مِنْ قوم بها انتسبوا … وإنما عَجَبِي مِنْ مَعْشَرٍ خَلَصوا
وقوله (١): [من الكامل]
تُخْلَى الديار مِنَ الجُسُومِ وتجتني … ثَمَرَ الرؤوس وطرفة الأطراف
فكأنما الأجسام بعد رؤوسها … أبياتُ شِعْرِ ما لهنَّ قَوَافِي
وقوله (٢): [من البسيط]
جاوز عليًا ولا تعبًا بحادثةٍ … إذا أدَّرَعْتَ فلا تسأل عَنِ الأَسَلِ
فالماجد السيد الحرُّ الكريم لهُ … كالنَّعْتِ كالعَطف كالتوكيد كالبَدَلِ
زانَ العُلا وسِوَاهُ شانها وكذا … للشمس حالان في الميزان والحَمَل
وربما عابه ما يفخرون به … يُشْنَا مِنَ الخَصْرِ مَا يُهْوَى مِنَ الكَفَلِ
وقوله (٣): [من الوافر]
صَحِبْتُ بهذه الدنيا أُناسًا … إذا غَدَرُوا فغدرُهُمْ وَثِيق
ولم أصحبهُمُ وُدًّا ولكن … كما جمع العَدُوَّينِ الطَّرِيقُ
وقوله (٤): [من الطويل]
كأني وإفراخي إذا الليلُ جَنّنَا … وباتَ الكَرَى يَجْفُو جُفُونًا ويَطْرُقُ
حَمَائِمُ أَضْلَلْنَا الوُكُورَ فضمّها .. تجانسها حتى تراءى المُفَرِّقُ
إذا أفزعتهم نَبْوَةُ زاحموا لها … ضُلُوعِيَ حتى ودهم لو تفتق
ويصْغُرُ جسمي عن جميع احتضانِهِمْ … فيثْبُتُ ذا فيه وذا عنه يَزْهَقُ
كأَنَّهم لمْ يُسْلَبُوا ظَلَّ نعمةٍ … لها بَهْجَةٌ مِلءَ العُيونِ وَرَوْنَقُ
إلى أَنْ غَدَوا في الفيافي فَتَارَةٌ … تُباع وفي بعض الأحايين تُعْتَقُ
وطورًا على موج البحار كأننا … فدى قد وثقنا أننا ليس نغرق
ونحن نفوس تسعة ليس بيننا … وبين الرَّدى إلا عُوَيدٌ مُلَفَّقُ
وقوله: [من السريع]
زار وقدْ شَمَّرَ فَضْلَ الأزارُ … جُنْحُ ظَلام جانح للفرار
стр. 5972
وروضة الأنجم قد صَوَّحَتْ … والفجر قد فَجَّر نهر النهار
قلتُ له: أهلًا بطيفٍ دَنَا … مِنْ نازح الدارِ بَعِيدِ المَزَار
كيف خَطُوتَ الشَّرَّ ثمَّ الشَّرى … وابني هلال والقَنَا والشَّفَارْ
وهل تقلدت لدفع الأذى … حَمَائِلَ الصَّمصام أم ذا الفَقَارْ
ومنها:
يا مالكًا أَمْسَتْ تحيب بِهِ … تحسد قحطان عليها نزار
لولاهُ لَمْ تَشْرُفْ مَعَدُّ بِهَا … جَلَّ أَبُو ذَر فجلَّتْ غفار
وذكره ابن رشيق فقال (١): «شاعر حاذق، متصرّف كثير المعاني والتوليد، جيد المقطعات والتقصيد، لا ينكر حذقه من اقتفى آثاره، وما منهم إلا أغرّ نجيب، ولقد شهدته مرات يكتب القصيدة في غير مسودة كأَنَّه يحفظها، ثم يقوم فينشدها. وأما المقطعات فما أحصي ما يصنع منها. كل يوم يحضرني - صاحيًا كان أم سكرانًا - ويأتي بها بديعًا مخترعًا لا تنساغ لغيره على الفكرة والروية إلا جهدًا.
وكان بيننا قبل أن يجذبنا - يعني ابن باديس - إلى محل حرمه، ويشركنا في سابغ نعمه - مكاتبات ومجاوبات».
قوله (٢): [من الطويل]
عدمناكَ مِنْ بُعدٍ وإِنْ زِدْتَنا قُرْبا … على أَنَّ فيما بينَنا سَبْسَيًا سُهْبا
عِتابًا عَسى أَنَّ الزمانُ لَهُ عَتْبا … وشكوى فكم شكوى أَلَانَتْ لنا قَلْبَا
إذا لم يكن إلا مِنَ الدمع راحة … فلا زال دمعُ العَينِ مُنْهَمِلًا سَكْبا
وقوله (٣): [من الوافر]
قِفَا فَتَنَسَّما عِطْرَ النسيمِ … بِرَسْمِ الدارِ مِنْ بعدِ الرسيم
أبيحا الناجعين ولا تريمًا … فَما السُّلْوانُ بالأمرِ المَرُومِ
قفاتريا السبيل إلى التصابي … بمغناها وكيف صبا الحليم
هو الشرف الذي نُسب المعالي … إليه وهو ذو الشرف القديم
شهاب الحرب مهلك كلّ باغ … ومهلك كلّ شيطان رجيم
تقطع دونَه البيض المواضي … وتجفل عنه إجفال الظليم
ويجلو عنه ليل النقع وجه … كبدرِ التم في الليل البهيم
وقوله (٤): [من البسيط]
стр. 5973
فلو رأى من مضى ما شدتَهُ لَهَجَا … أولادُ جَفْنَةَ بعد المدح حَسَّانُ
وهل لهم غيرُ أَيَّام مُقَدَّمَةٍ … وكلُّ حَيٍّ لَهُ حِينَ وَإِيَّانُ
تَقَدَّموكَ بما لم يسبقوكَ بِهِ … كما تَقَدَّمَ شهر الصوم شعبان
لمْ يُلْهِكَ العِزُّ عَنْ أَهْلِ الحُمُولِ على … أَنَّ الغِنَى شاغل والعَزَّ فَتَانُ
لما رأى الله بقيانا على ظمًا … أغاثنا بكَ إِنَّ الله رحمان
وقوله منها:
أَصْلَحْتَ بيني وبين الدهرِ بعدَ وغَى … شَمطاء فاصْطَلَحَتْ عَبْسٌ وذُبيانُ
وصصِرتُ في عُدَّةٍ تُزْرِي بِعُدَّتِهِ … وصارَ حَوْلِيَ للأقران أقران
حتى استطلتُ عليه في مهابته … كما استطال على النُّعمانِ غَسَّانُ
لمَّا غَزَتْ حَرَمِي سُوْدُ الحَوادِثِ في … جيش النجاشي والأَيامُ تَخْتَانُ
كنتَ ابنَ ذِي يَزَنٍ لَمْ تَثْنِ عُدَّتَهُ … تلكَ الجُمُوعُ ولَمْ تَحْضِنْهُ عُمدان
قُلُدْتَ مِنْكَ بذي نَصْرٍ ومقدرة … في بعض نصرته كسرى وساسان
أُريدُ عنهم غنّى لو كانَ يُمكنني … وليس كلُّ مُرادٍ فِيهِ إمكان
كما تورَّعَ سُفيان فردَّ يدًا … ثمَّ اغتدى نحو بيت المال سُفيان
وقوله (١): [من البسيط]
للهِ ليلتنا إذ صاحبايَ بها … بَدْرٌ وبَدْر سمائي وأرضي
إذ الهوى والهواء الطلقُ معتدل … هذا وهذا ربيعي طبيعي
بِتْنا جَمِيعًا َوكُلٌّ في السَّماعِ وفي … شُرْبِ المُدام حجازي عراقي
أَسْقى وأَسْقِي نديمًا غابَ ثَالثه … والدَّوْرُ مِنَّا شمالي يميني
تحت الظلام الذي مثل الظليمِ جَنَّا … والبَدْرُ بيضَتُه والجو أُدْحِيُّ
حتى علا واقع النسرينِ ذَروتَهُ … كأَنَّهُ بَيْدَقٌ باثنينِ مَحْمِيُّ
وقدْ تَوَلَّتْ بناتُ النَّعْشِ هابطة … كأَنَّما هي في بحر سماري
وقيصر الشرق قد أبدى طلائعه … فانهز بالمغرب الجيش النجاشي
حتى إذا ما التقا الجمعانِ فتّ بِهِ … مَعَرّة الجيش كالمنشور مَلْوِيُّ
قال ابن رشيق (٢): «وهذا الكلام قد اشتدت متونه، واستقامت بطونه، وراقت من كل ناحية محاسنه وفنونه».
стр. 5974
قلت: وهذه الأبيات أعظم شأنًا مما ذكره ابن رشيق، وأتم إحسانًا وأنطق لسانًا. مشيدة البناء، مونقة الحسن، تلج كل أذن، وتعلق بكل خاطر آية في الإبداع، وغاية ضربت سرادقها على اليفاع.
وكذلك قوله (١): [من الكامل]
ما هذه الخُدَعُ التي قَدَّرتُمُ … فدعوتُمُ الخِوان بالأخوان
ماصح لي أحد أصيره أخًا … في الله محضًا أو في الشيطان
إمَّا مُوَلٍّ عَنْ ودادي ما لَهُ … وجه وإما من له وجهان
وقوله (٢): [من الكامل]
قالت: أذو شيب فقلت مخادعًا … لو جاز عند الغانيات خداعي
ما شِبْتُ لكنْ خِفْتُ يشتهرُ الهَوى … فلبستُ للرقباء غير قناعي
قالت: أشدُّ عليكَ ممَّا خِفْتَهُ … ما خِلْتَهُ لكَ جُنَّةً لدفاع
وقوله (٣): [من الكامل]
ما الحُبُّ إلا عبرةٌ وصبابة … والصبُّ إلا مقلة وفؤاد
عمر المتيم مُنذ يومِ سُلُوِّهِ … وخلاص كلّ مُغَرر ميلاد
وقوله (٤): [من البسيط]
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد … ملء المسامع والأفواه والمقل
لا قاصد أمَّهُ إلاّ وأَبْدَلَهُ … يسرًا من العُسْرِ أَوْ أمنًا مِنَ الوَجَلِ
وقوله (٥): [من المتقارب]
دهى الغُصْنَ الغَضَّ جَمْرُ الغَضَا … فقلتُ في النار ذات الوقود
توقد ما دام في نفسِهِ … فلمْ يُخمد الوقد غيرُ الجُمُودْ
حبوب نُظمن على جسمه … كما نُظمت دُرَرٌ في عُقُودْ
ولكن تَرَكْنَ بِحَبِّ القلوب … كُلُومًا وخَدَّدْنَ أَرْضَ الخُدُودْ
وتَحْسَبُها غَرَضًا للسهام … أصابتهُ مِنْ يَدِ رامِ مُجِيدٌ
فنجم السعود أنثنى آفِلًا … وبُرْجُ الصُّعُودِ توى في الصَّعِيد
стр. 5975
تخرم في عزه كالذليل … وأسلم في جمعه كالفريد
كما يسلم الشبل بين الأسود … ويخترم الفيل بين الجنود
وقوله (١): [من الخفيف]
ما فلان إلا كجيفة كلب … والضرورات ألجأتنا إليه
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ … فَلَا إِثْمَ﴾ في الكتاب عليه (٢)
وقوله: [من الكامل]
كتم الهوى فوشى به كتمانه … لطلابه وتكلمت أجفانه
وهب الكرى لسهاده ونعيمه … لعذابه حتى أسا إحسانه
جلد يحار عدوه في واضح … متشابه وعلى الدموع بيانه
ومنهم:
[٢٨٥] علي بن يوسف التونسي (٣)
في شعره باعقة، وبسحره صاعقة، سهامه راشقة، وأقسامه سارقة؛ غلب كل شاعر في عصره غير مغلب، واستولى قمرا على كلماته السائرة وتغلب.
وقال ابن رشيق (٤): أصله من تونس، وتأدب بالقيروان، وكان قادرا قوي الكلام جيد الرصف - يعني به مداحا - بعيد المرمى، وكان يستضعف الشعراء عصره، ويهتدم أبياتهم، وربما اصطرفها جملة واحدة ولا يرى ذلك عيبا بل يقول: أنا فرزدق هذه الطبقة، فهو يلتهم «كلام الناس» وذكر مما صالت فيه.
ومما أنشد له قوله يصف الهدية المجهزة من مصر إلى المعز بن باديس (٥): [من الكامل]
أهلا بمكرمة الإمام ومرحبا … لله أي تحية ما أعجبا
أقسمت لو منح المفوه رشده … ما قال: إلا الشرق زار المغربا
ضرب العجاج سرادقا من فوقها … ضربا بذاك الحسن لن يتنهبا
стр. 5976
لولا اختلافُ شياتِها ومَزِيَّةٌ … في حُسْنِ صورتِها لَخِيْلَتْ رَبْرَبا
يمشين مشيَ الغانياتِ تهاديًا … فإذا اعترضنَ أَرَيْنَ قُبًّا شُرَّبا
جُرْدٌ سَبَقْنَ البَرْقَ غيرَ حَوافِلٍ … وجَرَيْنَ أَبعد شارة والأقربا
يرفُلنَ في حُلَلِ العِراقِ وحَلْيَةِ … زهوًا فَتَحْسَبَهُنَّ رَوْضًا مُعْشِبا
وَنَجائب مثل السَّفِينِ تَرى لها … تحتَ القِيابِ تَغَطْمُطًا وتَغَضُّبا
نُجُبٌ تهادى في الأَرْقَةِ عُبَّسٌ … عَلِقَ الكَمَالُ بأُمِّهنَّ فأنجبا
مِنْ كُلِّ ظامئة الحجاج تَسَرْبَلَتْ … ثَوْبًا مِنَ الوَبَرِ المُضاعَفِ أَكْهَبا
وأَمَقَ مِنْ مَحْضِ الهِجان إذا انْتَحى … أبصرت ذا لونين أَغْبَشَ أَصْهَبًا
أو أجردَ الوجناتِ صافي الهُدْبِ … لو رام النقاب ببعضه لتنقّبا
يحملنَ مِنْ زِي الملوكِ هَوَادِجًا … مِثْلَ القُصُورٍ مُفَضَّضًا وَمُذَهَبا
كُسِيَتْ على ما استحقبتْ مِنْ عَسْجَدٍ … حُلَلَ النَّسِيج مُصوَّرًا ومُكَتبَا
ومُصَيَّرات كالهضاب لواعب … مما حَمَلْنَ وَحَقُها أَنْ تَلْعَبا
حملتْ أَعَزَّ ذخائر المَلِكِ التي … بَهَرَتْ وأَعْوَزَ مثلُها أَنْ يُكسبا
والفيل يخطرُ بينها وكأَنَّهُ … وكأَنَّها طَوْدٌ أَناف على ربي
كنا نُحَدِّثُ عنه وهوَ مُغيَّبٌ … فالآنَ أَكْذَبَ نَفْسَهُ مَنْ كَذَّبا
شَرِسٌ إِذا أَحْفَظْتَهُ سَهْلٌ إِذا … لاطفتَهُ صَعْبٌ إِذا ما صُوعِبا
يقظان يفهم عنكَ إنْ كَلَّمتَهُ … وإذا أَشارَ بغيرِ لَفْظ أَعْرَبا
أعجوبةٌ كَرَمُ الإمام سخا بها … لا تكذبن الحبُّ مِقْدَارُ الحبا
تَجِدُ البنود ستائرًا مِنْ دُونِهِ … يهوى الحجاب ومَنْ لَهُ أَنْ يُحْجَبا
وترى بها الخيلاء تحت ظلالها … يمشي الهميم وكان يمشي الهَيْدَبَى
لولا تأوده وفعل الريح في … عَذَبَاتِهِ ما أتاد حتى تشهبا
سُمْرٌ تَوَشَّحَتِ الحريرَ مُعَقِّدًا … وتَقَلْنَسَتْ شَرَفًا بأطرافِ الظَّبى
الله جارُ هَدِيَّةٍ علوية … وقف الزمانُ أَمامَها مُتَعَجِّيا
سَمْعًا أبا الفتح المُبِينِ فَإِنَّنِي … لكَ قائلُ رَضِيَ المُفَنَّدُ أَوْ أَبَى
هذي تحيةُ مَنَّ رَمى بكَ ثَغْرَهُ … فكفيتَهُ مِنْ أَمْرِهِ المُستصعبا
حَصَّنْتَ بيضةَ مُلْكِهِ مُتمكّنًا … ومنعتَ دَرَّةَ عِزَّهِ أَنْ تُحْلَبا
وغربت بالأعداء حتى لمْ تَدَعْ … للسيفِ مِنْ ضَرْبِ الجَمَاجِمِ مَضْرَبا
وقوله (١): [من الطويل]
стр. 5977
لهم منزل بين العقيقين دائِرُ … مَشى مُنْجِدًا فيه البلى وهو غائر
أحالت عليهِ العَهْد والجَدّ صاعد … فكيف تُرَى يفعلن والجَدُّ عاثِرُ
ودون الكثيبِ الفَرْدِ مِنْ ذلكَ الحِمى … شُمُوسُ ضُحًى أَفلاكُهُنَّ المَعَاجِرُ
إذا كُنَّ فيها سالباتٍ عُقُولَنا … فكيف بنا لوْ أَنَّهُنَّ سَوَافِرُ
مَضَتْ حِقَبُ الدنيا على ذلك الحِمى … ولا فاءَ مُشتاق ولا زَارَ زائر
يُحَجِّبُهنَّ المَشرَفيةُ والقَنَا … ويمنعهنَّ الصَّافانات الصوار
وكائِنْ تَرَى مِنْ أَحْوَرِي مُعَفَرٍ … لديها ولم يَسْأَرْ بِهِ قَطَّ ثائر
كأَنَّ نَصيرَ المُلكِ ساورَ عِنْدَها … عِدًا وخُطّى في أرضها وهو واتر
فتى يستبيح الحادثات وينثني … بِهِ الحِلْمُ عما فوقها وهو قادر
ويرجع كيد الحاسدين عليهمُ … عَذابًا ويمضي الأمر والأمر صاغر
تبيتُ بِهِ آراؤُهُ في جَحَافِلِ … قَسَاطِلُها خلفَ العَدُوِّ عَسَاكِرُ
أَنا لَتْهُ أَقصى غاية المَجدِ هِمَّةٌ … عَرُوفٌ وقلب في المُلمَّاتِ صابر
وأكثر ما يُلقى اقتدارًا ورأفةً … إذا عَظُمَتْ للمذنبين الجرائر
يُولّيهمُ البَغْيَ الجَمُوحَ ويكتفي … بما عنده حتى تدور الدوائر
وقوله يصف بناءً أتقنه مشيّده، وحسّنه لُجينه الذائب وعسجده جلّ أن يتخيل وجوده وقل له إن طل بجوده … في السماء حتى بان المريخ في كوانين سرقاته شعلة، أو بات الليل لا تعرف له في تغيير نيرته فعلة. يعزّ على الثريا أن تناله بيدها وبيد على المجرة أن تطرق (١): [من الطويل]
بَنَى منظرًا يُسمى العَرُوسينِ رِفْعَةٌ … كَأَنَّ الثَّريا عَرَّسَتْ في قبابِهِ
إذا الليل أخفاه بحُلكَةٍ لونه … بدا ضوؤه كالبدر تحت سحابِهِ
تمكَّنَ مِنْ سَعْدِ السعود محله … فأضحى ومفتاح الغنى قَرْعُ بابِهِ
ولو شادَهُ عَزْمُ المُعِزّ ورأيه … على قدره في مُلكه ونصابه
لكانتْ أَعاليهِ سُموًّا ورفعةً … تباشر ماءَ المُزن قبل انسكابه
يقول في مديحها وهو من مليحها:
صَدَدْتَ العِدَا عَنْ هَيْجِهِ وهو وادِعٌ … وقلت لهم: إن الفتى ليث غابه
هو البحر يحتاج السفين إذا طَما … فلا تركبن البحر وقت عُبابِهِ
وحسبُكُمُ أَنْ تَطلبوا السلم عنده … وأن تفخروا بالمشي تحت ركابِهِ
стр. 5978
ألم تعلموا أَنَّ الليالي تعلّمت … تنفُلَها مِنْ عَفْوِهِ وعِقَابِهِ
وقوله:
ألم تعلموا .. البيت الآخر به يخدع كل مفاخر.
وكذلك قوله؛ وهو من مشتار كلامه، ومختار نظامه يمدح ويستهدي فرسًا ومركبًا وكسوة، ويحلُّ عُقد البخل والقسوة، وهو (١): [من البسيط]
أقام قلبك بعد الحي أَمْ ظَعَنا … في الطاعنين الألى كانوا لنا سكنا
للهِ دَرُّ النَّوَى ماذا بِهِ ظَفِرَتْ … عيني وإنْ لَمْ تَذُقْ مِنْ بَعْدِهِمْ وَسَنَا
ساروا فمن قمر بدرٍ ولا قمر … مُوفٍ على غُصْنٍ لَدْنٍ ولا غُصُنا
ورُفعتْ كِلَلُ الأحداج عن ثغر … إنسيةٍ لَطُفَتْ حُسْنًا ومُحْتَضَنا
عَنَّتْ لهنَّ نوى لمْ يَدَّرِ عَنّ لها … صَبْرًا كذِي حالِ مَنْ لَمْ يَعرِفِ الشَّجَنَا
يا ليت شعري أيحيا بعد بينهم … قلبي فوا حَزَنا إِنْ لَمْ أَمُتْ حَزَنَا
هيهاتَ أَقْصَرَ ذاكَ الوَهْمُ وانحسرت … تلكَ المُنى وارعوى ظن الذي ظننا
بلى تفسح بالمنصورِ مِنْ عَطَنٍ … ما ضاق بي وأعاد الدهر ما احتجنا
بماجد لمْ يَغِضُ ماءُ السَّماحةِ مِنْ … بَنانِهِ الغَضُّ في وقت ولا أسنا
ألفى أباه وجَدَّيه على سَنَنٍ … للمجد فانصاع يقفو ذلك السَّنَنا
وجاء يختالُ في بُرْدَينِ مِنْ شَرَفٍ … وسُؤْدَدٍ جَمَعا قطريه فاقترنا
منها قوله: [من البسيط]
فأمر بأشقر محبوكِ القَرَا قرط … عَبْلِ الشَّوَى مُذْ بِرَاهُ الرَّكْضُ مَا صَفَنَا
أودى بكاهله الإسراجُ واكْتَشَفَ … الإلجامُ لَحْيَيْهِ حتى أنكر الرَّسَنَا
نَهْدِ إِلى لونه التَّحْدِيمُ يُشْرِكُهُ … في حُسْنِهِ فَانثَنَى أَنْ يبلغ الثُثَنَا
وخلعة من صفايا ما ذخرت فما … أَكْدَى الرَّجاءُ الذي عندي ولا وهنا
قال ابن رشيق (٢): «وكان المنصور مفتونًا بشعر التونسي لا يتمالك إذا سمعه؛ وعُرِضَ عليه فرس أشهب خالص فأعجبه، وكان بحضرته علي التونسي، فقال له: ألك شيء في صفة هذا؟ وأشار إليه، قال: نعم، أبيات كنت صنعتها لك وهي (٣): [من الكامل]
رَغِبَتْ بهِ الأُمُّ النجيبةُ عَنْ … رَقَطِ الغُراب وهجنة البَلَقِ
стр. 5979
فأتى كَفَجْرِ الصيف باعدَهُ … غِلَظُ الهواء وتُدرَةُ الأُفُقِ
حتى اعتلت أنوارُهُ وجَنَتْ … كفُّ الغَزَالَةِ وَرْدَةَ الشَّفَقِ
فطرب أشد طرب، ودفع الفرس إليه».
قلت: وهيهات - والله - إنه ما أنصفه؛ لئن أطربته هذه الأبيات، فإنها تطرب الجماد، ولئن وهبه الفرس، فإنّ مثله من يملك الجواد، وإنه لو أنصف … . حزام الفرس مالًا لمنعمه، ولا يوفي حقه، ولو زيد أمثالًا، ولكنّه حظ الفاضل، وهيهات من يعرف الأفاضل.
ومنهم:
[٢٨٦] أبو بكر الوراق
وهو عتيق بن محمد التميمي (١).
عتيق هو المدام، وعريق في نسب الكلام، سُنّيٌّ شديد، وسني فوق النجم يريد، ماهر في الصناعة وقاهر. انقاد له الأدب وأطاعه، وظاهر عليه أثر الفصل بالسنة والتفضيل على الجماعة.
قال ابن رشيق فيه (٢): «شاعر مطبوع، يكره عويص الكلام ويجتنبه، وينحو نحو الصنوبري مذهبه، غير أن بينهما بونًا بعيدًا في ركوب القوافي الشُّرَّد أحيانًا، ولا تكاد تخلو له قصيدة من بديع يتقدم به أصحابه، فمن ذلك قوله من قصيدة في قتل الرافضة (٣): [من الطويل]
أَخَذْنَا لأَهلِ الغَدْرِ منهم إغارة … عليهم فما أبقت ولا السيف ما أبقى
وقام لأم المؤمنين بحقّها … بنوها فما أبقوا لها عندَهمْ حَقا
وقوله في وصف شاذروان (٤): [من البسيط]
كأَنَّهُ فَلَكٌ غُصَّتْ كواكبُهُ … وجْهُ المُعزّ المُعلَّى بينَها قَمَرُ
стр. 5980
إِذَا بَدَا فِيهِ قَرْنُ الشَّمْسِ قَارَنَهَا … كَأَنَّهُ منهُ أَوْ مِنهُ بِهَا أَثَرُ
مد زاحم الجو فاحتل السحاب به … فليس يُفقَدُ في أَرجَائِهِ مَطَرُ
ترى العمائم بيضًا تحتَهُ بكَرًا … مثل الكواكب فوق الأرض تنتثر
وقوله (١): [من الرمل]
وكلّما أَذْنَبَ أبدى وجهُهُ … حُجَّةً فهو ملي بالحجج
كيف لا يُفْرِطُ في إحرامِهِ … مَنْ مَتى ما شا مِنَ الذنبِ خَرَج
وقوله (٢): [من السريع]
يكادُ مِنْ لِينِ ومِنَ دِقَّةٍ … في خَصْرِهِ ينقد نصفين
إدباره يُنسيك إقبالَهُ … كأَنَّما يمشي بوَجْهَين
وقوله (٣): [من مشطور البسيط]
أَوْرَدَ قلبي الرَّدَى … لَامُ عِذار بدا
أَسودُ كالغَيّ في … أبيض مثلِ الهُدَى
وهذان البيتان بيت واحد من البسيط في أصل الدائرة، فإذا استعمله على أصله لم يأت إلا بيتين؛ ومثل هذا قول الحماسي في المديد إذ ربع ووقع الخبن في العروض في قوله (٤): [من مشطور المديد]
ليتَ شِعري ضَلَّةٌ … أَيُّ شيءٍ خَتَلَكْ
أمريض لم تَعُدْ … أَمْ عَدُوٌّ قَلك
عدنا إليه.
وقوله (٥): [من الخفيف]
لستُ أسلوبعادَ مَنْ صَدَّ عَنِّي … أَيُّ بُعد وقد توى في فؤادي
هوَ يختال بين عيني وقلبي … وهو ذاك الذي يرى في السَّوادِ
قال ابن رشيق (٦): «وأنت تحس هذه الأنفاس الحارة على أي نار انبعثت، ومن أي صدر نفثت».
стр. 5981
وكذلك أنشد له (١): [من مجزوء الخفيف]
ابن اندريع علجٌ … نتاجُ أُم كريمه
ذُو لحية ذاتِ عَرْضِ … طويلةٍ مُستقيمة
كأَنَّها بَنْدُجيسٍ … مُنَكَس في هزيمة
ومنهم:
[٢٨٧] عمران المسيلي
وهو عمران بن سليمان بن محمد بن عمران التميمي الدارمي (٢).
رجل عمرت به دار دارم، وجُرّب سعده في لج كل صارم، له نظر لولا التخرج عارم، وفكر لمواخاة كلّ معنى عارم، يلوذ تميم ببيته المحجب، وتذكر شعراءها الفحول، ثم تذكره فتتعجب.
قال ابن رشيق (٣): «كان جسورًا على الكلام من غير معرفة بالأدب، ولا تقدم في الطلب، لم يزل حتى نابش الشعراء، وتصرف كيف شاء».
ومما أنشد له قوله (٤): [من البسيط]
كِلتا يديه وما كلتا يديهِ هُما … خوف العداة وأَمْنَ الخائف اللأجي
كم معشر لا يذمُّ الدهر جارُهُمُ … يمشونَ مِنْ حَببٍ في خير منهاج
قوم يُطِلُّ شريف القوم يسألهم … تشرُّفًا بالذي يقضي من الحاج
وقوله (٥): [من الوافر]
أتت ليلًا تَنُوبُ عن النهارِ … تَزُورُ ولمْ تَخَفْ بُعْدَ المَزَارِ
وكيفَ عَهِدْتَها قِدْمًا تُداري … خَلاخِلَها وَرَيْعَةَ السِّوَارِ
ولما صال فينا البينُ آلت … يمينًا لا تُقِيمُ على استتار
فجاءت تركب الظَّلماءَ طِرْفًا … وتكشِفُ ما تستر بالعجارِ
стр. 5982
يُنادي نورُها لا خيرَ فيمن … يُريدُ هوًى بغير الاشتهار
وقوله؛ وهو من السهل الممتنع (١): [من مجزوء الكامل]
وإذا تبَسَّمَ خِلتَنا … رًا أَوْ سَنَى بَرْقٍ أنارا
ظبْيٌ من أبناء الأكا … برِ والملوك من النصارى
وقوله (٢): [من الخفيف]
صاح هل تعرف الرسومَ الدَّرِيسَة … أَوحَشَتْ أيُّها وكانت أنية
قف بها واحبس المَطِيَّ عليها … فَعَلى أَهْلها النفوس حبيسة
واليْها تبسَمْن عنْ كلِّ شَغْرٍ … واضح لا تراها عبوسه (٣)
ومنهم:
[٢٨٨] المثقال
هو عبد الوهاب بن محمد الأزدي (٤).
شاعر خلع رداء الوقار، وقطع عمره في معاطاة العقار، فما صحا من سكرته، ولا عرف أصائله من بكرته.
قال ابن رشيق (٥): شاعر مطبوع، قليل التكلف، سهل القافية، خبيث اللسان في الهجاء، عيار ماجن.
ورأى غلامًا من النصارى خمارًا فعلقه فاشتهر به، ودخل معه الكنائس في الآحاد والأعياد حتى حذق كثيرًا من الإنجيل، وشرائع أهله.
وهجره مرة، وأقسم أن لا يكلمه إلى مدة شهر. فلما يئس دعا بالفاصد فافتصد في إحدى يديه، ودعا فاصدًا آخر فافتصد في اليد الأخرى، ودخل داره فأغلق باب بيته، وفجر الفصادتين فما شعر أهله إلا بالدم يدفع من شدة فدورك فائتًا، وبلغ الغلام
стр. 5983
ذلك فصالحه خوفًا على نفسه».
ومن مليح قوله (١): [من السريع]
انظر إلى الشَّامةِ في خَدِّ مَنْ … أَجفانُهُ باللَّحظِ جَرَّاحَة
كأَنَّها مِنْ حُسْنِها إِذْ بَدَتْ … حبّةُ مِسْكِ فَوْقَ تُفَاحَه
وقوله: وأورد ابن سعيد الثاني منهما في المرقص (٢): [من الوافر]
سرى وَهْنًا فقبلني وآلى … يمينُ اللهِ لا عَذَّبْتُ صَبَّا
وكان الطَّيفُ أَرأَفَ منك نفسًا … وألين منك أعطافًا وقَلْبا
وقوله؛ من أبيات وصف فيها غلمانًا: [من مجزوء الكامل]
هم بالوجوه من البدو … رِ وبالقدودِ مِنَ الغصون
ودروعُهُمْ صِبْغُ الحَيَا … وسيوفُهُمْ لَحْظُ العُيونِ
وقوله (٣): [من مجزوء الرمل]
لِيَ مِنْ عِلَّةِ عينيـ … ـك ومِنْ قَلبي العليل
أنا راض من كثير … منك بالحظ القَلِيل
وقوله (٤): [من مجزوء الرجز]
لما تَنَاهى وَكَمل … وتم لي فيه الأمل
أَعْرَضَ واستبدل بي … كذلك الدنيا دول
وقوله (٥): [من البسيط]
قد زارني طيف مَنْ أَهوى فَعَلَّلني … عند الصباح وخيط الفجر قد طلعا
وطرتُ شوقًا لعلمي أَنَّ قُبْلَتَهُ … في النومِ تُحدث لي في وصلِهِ طَمَعا
وقوله (٦): [من مخلع البسيط]
يا ساقي الكأس سَقِّ صَحْبِي … وَوَاسِني إنني أواسي
وانظر إلى حَيْرَةِ الثَّريا … والليلُ قَدْ سُدَّ باندماس
مابين بهرامها الملاحي … وبين برجيها المواسي
كأنها راحة أشارت … لأخذ تُفاحة وكاس
стр. 5984
وقوله (١): [من مخلع البسيط]
رأيتُ بَهْرَام والثريا … والمشترى في القرآن كَرَّه
كَرَاجةٍ خُيّرت يداها … مابن ياقوتة ودره
قالهما، وقد أنشده ابن رشيق (٢): [من الخفيف]
والثريا قبالة البدرِ تَحْكي … باسطًا كنَّهُ ليأخُذَ جَاما
عاد. وقوله (٣): [مجزوء الكامل]
أَهْدَى إليَّ مُدامةً … صفراء صافيةً حُمَيا
فكأَنَّها وَحَبَابَها … بدرٌ تَكَلَّلَ بالثرَيَّا
فشربتُها من كفِّهِ … وصَبَبْتُ فاضِلَها عَلَيَّا
ومنهم:
[٢٨٩] الغطاس
عبد الوهاب بن خلف بن القاسم بن محمد (٤).
من أبناء سوسة وموطنها، وممن تمتع بأبناء الأدب وفطنها، وفيمن ورد مناهل الفضائل وضرب بعطنها.
قال ابن رشيق (٥): هو شاعر متدرب حسن السلك، غزير الينبوع، قليل التكلف والتخلف، جمع إلى رقة المعنى رشاقة اللفظ، وقرب المقصد».
ومما أنشد له قوله (٦): [من البسيط]
هواك لم يبق عندي ما تفوزُ بِهِ … يَدُ السَّقام وهذي جُملةُ الخَبَرِ
كأَنَّما أنا سِرُّ الوَهْم في خَلَدٍ … تُديره برحاها راحة الفكر
وأورد ابن سعيد في المرقص، قوله في الخيار (٧): [من مخلع البسيط]
стр. 5985
جسمُ لُجَيْنِ يكاد يجري … لولا ترديه ثوب سام
ما اعترضته العُيونُ إلا … خالتْ بِهِ مِقْبَضَ الحُسَامِ
ومنهم:
[٢٩٠] محمد بن أبي مغنوج (١)
«من أهل باجة الزيت بالساحل، من كورة رصفة، وبها نشأ وتأدب» (٢)، وعلا قدرًا. لو شاء تناول بيده الكوكب. كان روضيًا غذته الغيوث الهمع، وغمامًا لا تغمد سيوف بروقه اللمع.
ومما أورد ابن سعيد له: قوله في المرقص (٣): [من السريع]
لحية ميمون إذا حُصِّلَتْ … لم تبلغ المعشارَ مِنْ ذَرَّه
تطلَّعَتْ فاستقبلت وجهه … فأقسمت لا أنبتت شَعْرَه
ومنهم:
[٢٩١] أبو محمد مكنور (٤)
أندى خاطرًا من الرباب، وأهدى فكرًا من ظَفَر المُنى بالأحباب، وقد أورد ابن سعيد في المرقص قوله في النيلوفر (٥): [من مجزوء الوافر]
كؤوس من يواقيتٍ … تُفتَّحُ عَنْ دنانير
وفي أحشائها زَهْرٌ … كالسنة العصافير
ومنهم:
стр. 5986
[٢٩٢] فخر الدولة الحسن الكاتب (١)
المحسن الذي ما عليه طريق لعاتب، شحن شعره بأمثال نُسي بها زهير، وتركت أنباء المتنبي السير.
ومما أورد ابن سعيد قوله في المرقص (٢): [من مجزوء الرمل]
لا تَصِلْ مِنْ صَدَّ تِيهًا … أبدًا واستغن عنه
كُنْ كمثلِ الكَرْمِ يَعْلَقُ … بالذي يرب منه
منهم:
[٢٩٣] أبو الحسن الطوسي (٣)
وهذا نسب عرف به، وكسب باقيه البرق من مغربه، إلا أن الغرب داره، ومن أفقه الغربي طلع نهاره.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٤): [من الوافر]
وأحور مائل اللحظاتِ عنِّي … دَسَسْتُ إليه من نفسي وسيطا
فجاءَتْهُ على مَهَلٍ وسِتْرٍ … كما يستدرج اللَّهَبُ السليطا
ومنهم:
[٢٩٤] عبد العزيز بن الحكيم (٥)
جم موارد القريحة، جميل المعاني البليغة في الكلم الفصيحة.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٦): [من السريع]
стр. 5987
واضطرمت في القلب نارُ الجَوَى … فبادَرَ الأَدْمُعَ منها شَرَارٌ
ومنهم:
[٢٩٥] ابن عتيق الصَّفَّار (١)
مصيب في التشبيه كأنما جعل فكره أداته، وخاطره ما تجري به عاداته، لو رآه الذي ما فيه من … . [و] … . لاستعان بفكره، أو المولع بتشبيه المريخ، لأوقد فحمة الليل بجمره.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص قوله (٢): [من مجزوء الرمل]
وكأنَّ البدر والمريخ … إذْ وَافي إله
مَلِكٌ تُوقد ليلًا … شمعة بين يديه
ومنهم:
[٢٩٦] أبو الحسن بن إبراهيم (٣)
عذب الفكاهة، معروف القريحة بالنزاهة، فات المماثل وأشباهه. وقد أورد ابن سعيد له في المرقص (٤): [من الكامل]
стр. 5988
وأتى الصباح فلا أتى وكَأَنَّهُ … شَيْبٌ أَطَل على سوادِ شباب
وكما تشقَّقَ للسماءِ خِضابُهُ … يبدو كنُعمان بأَرْضِ سَرَابِ
ومنهم:
[٢٩٧] ابن مكنسة (١)
رب البدائع التي تسجد لها الشعراء، وتجلّي دجى الليل طلعتها الغراء. كل بيت له على التقوى فيما عدا الإقواء موسس، وكل واد يهيم خاطره فيه مقدس.
وقد أورد ابن سعيد قوله في المرقص (٢): [من الرجز]
والسُّكْرُ في وجنَتِهِ وطَرْفِهِ … يفتحُ وَرْدًا ويغضُّ نَرْجِا
وقوله (٣): [من المنسرح]
إبريقنا عاكف على قَدَحٍ … كَأَنَّهُ الأُمُّ تُرْضِعُ الولدا
أَوْ عابد من بني المَجُوسِ إِذًا … توهَّمَ الكأسَ شُعْلةً سَجَدَا
ومنهم:
стр. 5989
[٢٩٨] أبو الطاهر بن دواس (١)
رأس يجمع الحواس، ومدام لعب بالعقول مما عكف عليه أبو نواس.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٢): [من المنسرح]
لما رأيتُ البياض في الشَّعْرِ الـ … أسود قدْ لاحَ صِحْتُ واحزني
هذا وحق الإله أَحْسَبُهُ … أَوَّلَ خَيْطٍ سُدِّي مِنَ الكَفَنِ
ومنهم
[٢٩٩] يعقوب بن إدريس اليهودي (٣)
وزير العزيز. سقط به دينه عن رتبة الوزراء، وأدبه عمن ألحق به من الشعراء. وعلى هذا في أهل الشعر قد أوردته، ولو قدرت أسقطت وما ..
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص قوله وقد سبق طيره طير العزيز (٤): [من السريع]
стр. 5990
طائرك السابق لكنَّهُ … جاءَ وفي خدمتِهِ حاجِبُ (١)
ومنهم:
[٣٠٠] أبو علي الأنصاري الإفريقي (٢)
من نبعة العرب، وتبعة التبابعة المنسوبين إلى أبي كرب. ما نهنه في أرب ولا شُبّه من أضراب شعره الضرب.
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص في خيمة نصبها الأفضل (٣): [من البسيط]
ما كان يخطر في الأفكار قبلَكَ أَنْ … تسمو علوًّا على أُفقِ السَّما الخِيَمُ
حتى أتيتَ بها شمَّاءَ شاهِقَةً … في مارنِ الدهرِ مِنْ تِيهِ بِها شَمَمُ
والطَّيْرُ قَدْ لَزِمَتْ فيها مواضعها … لما تحقق منها أَنَّها حَرَم
أخيلُها خَيْلكَ اللاتي تُغيرُ بها … فليس يُنزع عنها السُّرجُ واللَّجُمُ
كأنها جنّة والساكنون بها … لا يستطيل على أعمارهم هَرَم
إذا الصبا حَرَّكتها ماج كوكبُها … فمقدمٌ منهم فيها ومنهزم
إن أنبتتْ أَرْضُها زَهْرًا فلا عَجَبٌ … وقَدْ هَمَتْ فَوقَهُمْ مِنْ كَفَّكَ الدِّيمُ
و منهم:
[٣٠١] القاضي أبو الفتح بن قادوس (٤)
ما زال في مَثَل سائر، وفلكِ مِنَ الدولاب فيه نجمه القادوسي دائر، يرمي المَحْلَ بذوائب سحابه، ويسقي المَحَلَّ بأنسه من سائغ شرابه. ويتبع مارد كل فكر، ويقذف شيطانه بشهابه.