[٢٩٢] فخر الدولة الحسن الكاتب (١)
المحسن الذي ما عليه طريق لعاتب، شحن شعره بأمثال نُسي بها زهير، وتركت أنباء المتنبي السير.
ومما أورد ابن سعيد قوله في المرقص (٢): [من مجزوء الرمل]
لا تَصِلْ مِنْ صَدَّ تِيهًا … أبدًا واستغن عنه
كُنْ كمثلِ الكَرْمِ يَعْلَقُ … بالذي يرب منه
منهم:
[٢٩٣] أبو الحسن الطوسي (٣)
وهذا نسب عرف به، وكسب باقيه البرق من مغربه، إلا أن الغرب داره، ومن أفقه الغربي طلع نهاره.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٤): [من الوافر]
وأحور مائل اللحظاتِ عنِّي … دَسَسْتُ إليه من نفسي وسيطا
فجاءَتْهُ على مَهَلٍ وسِتْرٍ … كما يستدرج اللَّهَبُ السليطا
ومنهم:
[٢٩٤] عبد العزيز بن الحكيم (٥)
جم موارد القريحة، جميل المعاني البليغة في الكلم الفصيحة.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٦): [من السريع]
стр. 5987
واضطرمت في القلب نارُ الجَوَى … فبادَرَ الأَدْمُعَ منها شَرَارٌ
ومنهم:
[٢٩٥] ابن عتيق الصَّفَّار (١)
مصيب في التشبيه كأنما جعل فكره أداته، وخاطره ما تجري به عاداته، لو رآه الذي ما فيه من … . [و] … . لاستعان بفكره، أو المولع بتشبيه المريخ، لأوقد فحمة الليل بجمره.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص قوله (٢): [من مجزوء الرمل]
وكأنَّ البدر والمريخ … إذْ وَافي إله
مَلِكٌ تُوقد ليلًا … شمعة بين يديه
ومنهم:
[٢٩٦] أبو الحسن بن إبراهيم (٣)
عذب الفكاهة، معروف القريحة بالنزاهة، فات المماثل وأشباهه. وقد أورد ابن سعيد له في المرقص (٤): [من الكامل]
стр. 5988
وأتى الصباح فلا أتى وكَأَنَّهُ … شَيْبٌ أَطَل على سوادِ شباب
وكما تشقَّقَ للسماءِ خِضابُهُ … يبدو كنُعمان بأَرْضِ سَرَابِ
ومنهم:
[٢٩٧] ابن مكنسة (١)
رب البدائع التي تسجد لها الشعراء، وتجلّي دجى الليل طلعتها الغراء. كل بيت له على التقوى فيما عدا الإقواء موسس، وكل واد يهيم خاطره فيه مقدس.
وقد أورد ابن سعيد قوله في المرقص (٢): [من الرجز]
والسُّكْرُ في وجنَتِهِ وطَرْفِهِ … يفتحُ وَرْدًا ويغضُّ نَرْجِا
وقوله (٣): [من المنسرح]
إبريقنا عاكف على قَدَحٍ … كَأَنَّهُ الأُمُّ تُرْضِعُ الولدا
أَوْ عابد من بني المَجُوسِ إِذًا … توهَّمَ الكأسَ شُعْلةً سَجَدَا
ومنهم:
стр. 5989
[٢٩٨] أبو الطاهر بن دواس (١)
رأس يجمع الحواس، ومدام لعب بالعقول مما عكف عليه أبو نواس.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص (٢): [من المنسرح]
لما رأيتُ البياض في الشَّعْرِ الـ … أسود قدْ لاحَ صِحْتُ واحزني
هذا وحق الإله أَحْسَبُهُ … أَوَّلَ خَيْطٍ سُدِّي مِنَ الكَفَنِ
ومنهم
[٢٩٩] يعقوب بن إدريس اليهودي (٣)
وزير العزيز. سقط به دينه عن رتبة الوزراء، وأدبه عمن ألحق به من الشعراء. وعلى هذا في أهل الشعر قد أوردته، ولو قدرت أسقطت وما ..
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص قوله وقد سبق طيره طير العزيز (٤): [من السريع]
стр. 5990
طائرك السابق لكنَّهُ … جاءَ وفي خدمتِهِ حاجِبُ (١)
ومنهم:
[٣٠٠] أبو علي الأنصاري الإفريقي (٢)
من نبعة العرب، وتبعة التبابعة المنسوبين إلى أبي كرب. ما نهنه في أرب ولا شُبّه من أضراب شعره الضرب.
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص في خيمة نصبها الأفضل (٣): [من البسيط]
ما كان يخطر في الأفكار قبلَكَ أَنْ … تسمو علوًّا على أُفقِ السَّما الخِيَمُ
حتى أتيتَ بها شمَّاءَ شاهِقَةً … في مارنِ الدهرِ مِنْ تِيهِ بِها شَمَمُ
والطَّيْرُ قَدْ لَزِمَتْ فيها مواضعها … لما تحقق منها أَنَّها حَرَم
أخيلُها خَيْلكَ اللاتي تُغيرُ بها … فليس يُنزع عنها السُّرجُ واللَّجُمُ
كأنها جنّة والساكنون بها … لا يستطيل على أعمارهم هَرَم
إذا الصبا حَرَّكتها ماج كوكبُها … فمقدمٌ منهم فيها ومنهزم
إن أنبتتْ أَرْضُها زَهْرًا فلا عَجَبٌ … وقَدْ هَمَتْ فَوقَهُمْ مِنْ كَفَّكَ الدِّيمُ
و منهم:
[٣٠١] القاضي أبو الفتح بن قادوس (٤)
ما زال في مَثَل سائر، وفلكِ مِنَ الدولاب فيه نجمه القادوسي دائر، يرمي المَحْلَ بذوائب سحابه، ويسقي المَحَلَّ بأنسه من سائغ شرابه. ويتبع مارد كل فكر، ويقذف شيطانه بشهابه.
стр. 5991
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص (١): [من البسيط]
وليلة كاغتماض الجَفْنِ قَصَّرَها … وصلُ الحبيبِ وَلَمْ تَقْصُرْ عَنِ الأَمَلِ
وكلّما رامَ نُطقًا في معاتبتي … سدَّدتُ فاه بنظم اللثم والقبل
وبات بدر تمام الحُسنِ مُعتنقي … والشمسُ في فَلَكِ الكاساتِ لَمْ تَفَل
فيت منها أرى النار التي سَجَدَتْ … لها المجوس مِنَ الإبريق تسجد لي
ومنهم:
[٣٠٢] أحمد بن مفرج (٢)
ناسب وصفًا، وناسي الخمر أرجها فما ترك لها عَرْفًا، وأتى بطريقة الصنوبري في الولع بالأوصاف، فما أخطأ منها حرفًا.
ومما أورد ابن سعيد له في المرقص في صفة غيث (٣): [من الكامل]
أرض وأفق وكلا ببلاغة … فالزَّهْرُ ينظم والسحائب تنثر
ومن العجائب أنْ أتى مِنْ نسجِهِ … وخُيُوطُهُ بيض بساط أخضر
ومنهم:
[٣٠٣] عبد الله بن النطاح (٤)
زاد على سمية بكر، وأتى في آدابه بخدائع المكر، تدقيقًا لمساريه، وتحقيقًا بأنَّ أحدًا في الغوص لا يباريه.
وقد أورد ابن سعيد في المرقص قوله في أحدب (٥): [من الكامل]
وقصير قدْ جُمعت أَعضاؤُهُ … ليكون في نابِ الخَلاعَةِ أَطْبَعًا
стр. 5992
قَصُرَتْ أَخَادِعُهُ وغاصَ قَذالُهُ … فكَأَنَّهُ مُتَوَقِّع أَنْ يُصفعا
وكَأَنَّهُ قَدْ َذاقَ أَولَ صَفْعَةٍ … وأَحسَّ ثانيةً لها فَتَجَمَّعا (١)
* * *
وهذا آخر من ذكره ابن سعيد في شعراء المغاربة في المائة الخامسة، وأورد بعده شعراء المائة السادسة، وأول من أورد منهم:
[٣٠٤] إبراهيم بن خفاجة، أبو إسحاق (٢)
هو للفضل نبعه وغربه، ومنبعه ومذهبه. كان في الأندلس للأدب إبراهيمه الذي وفي، والذي أَبْرَاهِيمَهُ بمورده الأصفى. أجاد الصناعتين إيقانًا، وسحر حتى حيل الدراري إمعانًا، وأحم قريحته فقذف بحره جمانا، وجاء بما لا تقوم أثمانا، وأتى بفرائده خلجي ومسلوكة، وبجواره مجهولة ومسلوكة، معين صباح ما أعذبه، ومنبر فخر ما أكذبه، أخفى خفاجية سَنَى كل متقدم، وترك خفاجي حلب لا يُعرج عليه إلا متندم.
стр. 5993
وقال ابن بسام فيه: «نشأ ببلاد الجانب الشرقي من الأندلس، فلم يذكر معه هناك محسن، ولا لغيره فيه وقت حسن، وهو اليوم بمطلعه من ذلك الأفق، يبلغني من شعره ما يبطل السحر، ويعطل الزهر، وقد أثبت بعض ما وقع إليّ من كلامه، فتصفحه تعلم أنه بحر النظام، وبقية الأعلام» (١).
ومما أنشد له قوله يصف رفقة سروا ليلا (٢): [من الطويل]
أَذَعْتُ بهم سِرَّ الظَّلام وإِنَّما … سَرَرْتُ [بهم] ليل السُّرى فَتَبَسَّما
وقد كتمتهم أضلع البيد ضِنَّةً … ولمْ يكُ سِرُّ المجد إلا ليُكْتَما
فيتنا وبحر الليل مرتطم بنا … نَرى العِيسَ غَرقى والكواكب عُوَّما
وقوله (٣): [من الكامل]
والصُّبحُ قَدْ صَدَعَ الظلامَ كَأَنَّهُ … وجهٌ وضيء شفَّ عنه قناع
فَرَفَلْتُ في سَمِلِ الدُّجَى وكأَنَّما … قُزَعُ السَّحاب بجانبيه رقاع
وقوله يصف طروق الذئب ليلًا (٤): [من الكامل]
ومفازة لا نجم في ظلمائِها … يسري ولا فَلَك بها دَوَّارُ
والقطب ملتزم المركزِهِ بها … فكأَنَّهُ في ساحة مسمار
قد لفني فيها الظلام وطاف بي … ذنْبٌ يُلِمُّ معَ الدُّجى زوَّارُ
يسري وقدْ فَضَحَ النَّدى وجْهَ الصَّبا … في فروة قد مسها اقشعرار
فَعَشَوتُ في ظلماء لمْ يُقدح بها … إلا لمقلته وبأسي نار
فَرَفَلتُ في خِلَعٍ عليَّ مِنَ الدُّجى … عُقِدَتْ لها مِنْ أَنْجُمِ أَزرار
والليل يقصر خطوه ولربما … طالت ليالي الركب وهي قصار
قدْ شَابَ مِنْ طَوْقِ المَجَرَّةِ مَفْرِقٌ … فيهِ ومِنْ خَط الهلالِ عِذار
وقوله (٥): [من الكامل]
وكمَامَةٍ حَدَرَ الصَّباحُ قِناعَها … عَنْ صَفْحة تبدى عَنِ الأَزهار
في أَبْطَحٍ رَضَعَتْ تُغورُ أُقاحِهِ … أَخلافَ كُلِّ غَمَامَةٍ مِدْرَارِ
стр. 5994
شرب بحجر الروض فيهِ يدُ الصِّبا … دُرِّ النَّدَى ودراهم النوار
وقد ارتدى غُصْنَ النَّقا وتَقَلَّدتْ … حَلى الجناب سوالف الأنهار
فَحَلَلْتُ حيثُ الماء صفحة ضاحكٍ … جَذِلٍ وحيثُ الشدُّ بَدْرُ عِذارِ
والريح تنفض بُكْرَةً لَمِمَ الرُّبى … والطل ينضحُ أَوجُه الأنوار
مُتَقسِّمُ الخَطَرَاتِ بينَ مَحاسِنٍ … مِنْ رِدْفِ رابيةٍ وخَصْرِ قَرَارِ
وقوله (١): [من الكامل]
سقيًا ليوم قد أَنَحْتُ بِسَرْحَةٍ … رَيّا تُلاعِبها الرياح فتلعب
واهتزَّ عِطْفُ الغُصْنِ مِنْ طَرَبِ بنا … وافترَّ عَنْ ثَغْرِ الهِلالِ المَغْرِبُ
وكأَنَّه والحُسْنُ مُقترن بِهِ … طوق على بُرْدِ الغَمَامَةِ مُذْهَبُ
وقوله يرثي إخوانه (٢): [من الطويل]
وقد درست أجسامهم وديارهم … فلم أَرَ إلا أقبرًا ويَبابا
وحَسْبِيَ شَجُوًا أَنْ أَرَى الدارَ بَلْقعًا … خَلَاءٌ وأشلاء الصديق ترابا
وقوله (٣): [من الكامل]
طاف الخيال به فأسرَجَ أَدْهَما … وسَمَا السماك لهُ فأَشْرَعَ لَهْذَما
وتَنُوفَةٍ يُبدي جناها صفحةً … ويَطيبُ رَيًّا ريحها متنسما
فتكادُ رِيْقَةُ طَلّها أَنْ تُجْتَنَى … رَشْفًا ومَبْسِمُ رِيقِها أَنْ يُلْتَما
وتلدَّدَتْ نَحْوَ الحمى بي نظرةٌ … عُذرِيَّةٌ ثَنَتِ العِنَانَ إلى الحمي
في منزل ما أوطأته حافرًا … عُرْبُ الجِيادِ ولا المطايا مَنْسِما
دَمِعَتْ بهِ عينُ الغَمَام صَبَابَةً … وَلَرُبَّما طَرِبَ الجَوَادُ فَحَمْحَما
وقوله (٤): [من مجزوء الكامل]
يا رُبَّ بَدْرٍ زَارَني … منه الهلال وقد تلَنَّمْ
فَرَشَفْتُ فَاهُ في اللّثَا … مِ أَظنه كأسًا تُقَدَّمْ
وكَأَنَّهُ دُرِّ تَخَلَّل … في شُعاعِ قَدْ تَجَسَّم
وَشَتِ المَلاحَةُ وجْهَهُ … وجَرى العِذارُ بِهِ فَأَعلم
стр. 5995
وقوله (١): [من الطويل]
أقولُ لبرق يَصْدَعُ الليل لائح … أَلا حَيَّ عَنَّا ذلكَ الرَّبْعَ والرسما
وأقرِ عُفَيراء السلام وقُلْ لها: … ألَا هَلْ أَرى ذاك السُّها قمرًا تما
وهل يتثنى ذلك الغُصْنُ نَضْرَةً … بجزعي وهلْ أَلْوِي مَعَاطِفَهُ ضَمَّا
ومن لي بذاك الخِشْفِ مِنْ مُتنقّصِ … فآكُلُهُ عَضًَا وأَشْرَبُهُ لَثْما
ودون الصبا إحدى وخمسون حجةً … كأنّي وقدْ وَلَتْ أُرِيتُ بها حُلْما
ويا ليتني كنتُ ابنَ عَشْرٍ وأَربع … فلمْ أَدْعُها بِنْتًا ولَمْ تَدْعُنِي عَمّا
وقوله (٢): [من المنسرح]
يا مادح البحر وهوَ يجهلُهُ … مَهْلًا فإني قتلتُهُ عِلما
مَكْسَبُهُ مثل قعرِهِ بُعدًا … ورِزْقُهُ مثل مائِهِ طَعْما
وقوله (٣): [من مخلع البسيط]
بحرٌ ونَوْءٌ وطُولُ هَم … ثلاثة أطبقت دجاها
فَلَوْ يَدُ المرء وهيَ منْهُ … أَخْرَجَهَا لَمْ يَكَدْ يَرَاها
وقوله يصف جوادًا وردًا (٤): [من الكامل]
وأقبَّ وَرْدِي القميص بمثلِهِ … خِيْضَ الظَّلامُ وريْعَتِ الظلمان
يمشي العِرَضْنَةَ في الطريق كَأَنَّهُ … أَوْمَا بِجَذْبِ عِنَانِهِ نَشْوَانُ
متخطف ما شاءَهُ مُتَعَطِّفُ … فكأَنَّما هو في العنان عيان
ولرب يوم كريهة قد خاضهُ … سَبْحًا وبيض سُيُوفِهِ غدران
وقوله (٥): [من الطويل]
فوساريةٍ دَهْماءَ جاد بها السّرى … فسبّ لها البرق المنير ذبالا
تظلُّ الحمى نَوْءًا مِنَ المُزْنِ رائحًا … تَهَاداهُ أَعناق الرياح كلالا
وقد جاذبت ريحُ الصَّبا غُصْنَ النَّقَا … فماد على رِدْفِ الكثيب ومالا
وأيقظَ جَفْنُ الصُّبح جَفْنَ غِرَارَةٍ … تَرَقْرَقَ دَمْعُ الطَّلِّ فِيهِ فَسَالا
على حين أَرْحَى الدَّجْنُ فضلَ لِثَامِهِ … على كُلِّ أَقنى مِنْ أُنُوفِ المَخارِمِ
وقوله (١): [من مخلع البسيط]
درنا بها تحتَ ظِلِّ دَوْحٍ … قدْ راقَ زَهْرًا وطابَ رَيَّا
تَجَسَّمَ الزَّهرُ فيهِ نُورًا … فكلُّ غُصْنٍ بها ثُرَيَّا
وقوله في ذمّ خط، واستبراد لفظ (٢): [من الطويل]
لحا الله أبياتًا بَعَثْتَ ذَمِيمةً … فلو كُنَّ أَعضاء لِكُنَّ مَخَارِجا
معوّجةً أسطارُها وحُرُوفها … كأَنَّ بها مِنْ بَرْدِ لَفْظِكَ فَالِجا
وقوله (٣): [من الطويل]
ويُوحشني ناع من الليل ناعِبٍ … فَأَزْجُرُ منه طائرًا ليسَ يَبْرَحُ
غَرِيقًا ببحر الدَّمْعِ والهَمِّ والدُّجَى … ولو كانَ بحرًا واحدًا كنتُ أسبحُ
وقوله (٤): [من الكامل]
والبرقُ مُنْجَدِلٌ يُكَبُّ لوجْهِهِ … ويَمُجُ رُوحَ الراح منه فَتِيلُ
والكأس طِرْفٌ أَشقر قد جالَ في … عَرَقٍ عَلاهُ مِنَ الجُمَانِ مَسيلُ
قلت: وكذلك قوله يصف خيلًا أجرى الركض منها سيلًا، وأغرب فيه حسنًا، وإن لم يعرب مغنّى، ذكر فيه موقفًا برزت به زمر الجنود في مسالكها، وزبرت زبر الحديد في سنابكها، وأوفت مقبلةً إلى ميدانها، متقيّلةً حلل الرياض لا لألوانها؛ وهو (٥): [من البسيط]
في موقفٍ أَفْصَحَتْ بيضُ السيوفِ بهِ … فلا هوادة بين السيف والعُنُقِ
فكم أنابيب خطي بهِ كِسَرٌ … تَدْمى وكم سلج دِرْعِ بينها فِرَقِ
مِنْ أَشْهَبٍ شَقَّ عَنهُ الرَّكْضُ هَبْوَتَهُ … كما تَفَرَّى أَديمُ اللَّيلِ عَنْ فَلَقِ
وأَدْهَم فَضَّضَ التَحْجِيْلُ أَكْرُعَهُ … كما تعلَّق بَدْرُ الصُّبح بالغَسَقِ
وأشقر سائل في وجهِهِ وَضَح … كما تصوَّبَ نَجْمُ الرَّجْمِ في شَفَقِ
وقوله وذكر فرسًا أشهب (٦): [من الوافر]
стр. 5999
وكنتُ رَجَوتُ أن أَعْتاض منهُ … زَعيمًا أَوْ عَليمًا أو حليما
ومَطْرُودًا أُجَرِّدُهُ صَقِيلًا … ويَعْبَوبًا أُكَرِّمُهُ كَلِيما
يَشِيمُ بهِ وراءَ النَّقْعِ بَرْقًا … تأَلَّقَ شُهْبَةً وصَفَا أَديما
إذا أَوْطَأتُهُ أَعقاب ليلٍ … طَرَدْتُ مِنَ الظَّلامِ به ظليما
وقوله يتغزل بمليح، له خيلان يطابق مبيضها بمسوَدّه، وألقى قطع عنبرها في لظى خده، وهو (١): [من البسيط]
وارتج يعثر في أذيالِ خَجْلَتِهِ … غُصْنُ بكفيهِ مِنْ استبرق وَرَقُ
تخالُ خِيلانَهُ في نور وجنته … كواكبًا في شعاع الشمس تحترق
وقوله في النارنج واصفًا في تنقل حالاته (٢): [من المتقارب]
وحاملةٍ مِنْ بناتِ القَنَا … نيازك تحملُ خُضْرَ العَذَبْ
ينوبُ مُوَرِّقُهُ عَنْ عِذارٍ … ويَضحك زاهِرُهُ عَنْ حَبَبْ
وتَنْدَى بها في مَهَبِّ الصَّبا … زَبَرْجَدَةٌ أَثمرَتْ بالذَّهَبْ
وتبسم في حالةٍ عَنْ رِضًا … وتنظرُ آونةٌ عَنْ غَضَبْ
وقال يصفها ويصف الشراب (٣): [من مخلع البسيط]
أَنْعِم فقدْ هَبَّتِ النُّعَامَى … ونبَّهتْ رِيحُها الخزامى
ومل أيلةٍ بُلبلٌ يهفو … هَزَارًا بها قدامى
يهزُّ أعطافها القوافي … لها وأكوسها الندامي
كأَنَّ أَمَّارتا رؤوس … بحصن مِنْ شُربِها يَتَامَى
وقوله يصف ساقيًا أحدب، وكان أبوه أسود (٤): [من مجزوء الخفيف]
ربَّ ابن ليل سَقَانا … والشَّمْسُ تطلُعُ غُرَّه
فَظَلَّ يسود ليلًا … والكأس يسطع حُمْرَة
فطلب أحد ياقوتةً … وأصرف دره
وارتد للشمس طَرْفٌ … بِهِ مِنَ السُّقْمِ فَتْرَه
يَجُولُ للغيم كحل … فيه وللقطر عبره
стр. 6000
وقوله يصف نارًا آخر الليل (١): [من الكامل]
حَمْراءُ نازَعَتِ الرياح رداءها … وهنًا وزاحَمَتِ السماء بمرقبِ
قَدْ أُذْهِبَتْ فَتَلَهَّبَتْ فَكَأَنَّها … شقراء تمرح في عَجَاجِ أَكهَبِ
والليل قد ولى يقلِّصُ بُرْدَهُ … سَرَقًا ويسحب ذيلَهُ بِالْمَغْرِبِ
وكأَنَّما نجم الثريا سُحْرَةً … كَفَّ تُمسِّحُ عَنْ مَعاطِفِ أَشْهَب
وقوله في ذلك (٢): [من الرجز]
لو جاءنا مُنتقدًا لما دَرَى … أَلَهَبٌ مُتَّقِدٌ أَمْ ذَهَبُ
تلثم منه الريحُ خَدًّا خَجِلًا … حيثُ الشَّرارُ أَعْيُنُ تَرَقَّبُ
في مَوْقِدٍ قَدْ رَفْرَفَ الصُّبْحُ بهِ … ماء عليهِ مِنْ نُجُومِ حَبَبُ
كأَنما حَرُّ سماءٍ فوقَهُ … وانكدرت ليلًا عليه شُهُبُ
وقوله يصف نورًا ووردًا (٣): [من المجتث]
وقد تأرّج نَورٌ … غَضٌ يُخالِطُ وَرْدَا
كما تنفَّسَ تَغْرُ … عَذْبٌ يقبلُ خَدًّا
وقوله يصف نارًا تشب ليلا (٤): [من الكامل]
وأَحَمَّ مُسود الأديم كأَنَّما … خُلِعَتْ على عِطْفَيهِ جِلْدَةٌ حامِ
وكأَنَّ بَدو النار في أَطرافِهِ … شَفَقٌ لَوى عِطفًا بِذَيلِ ظَلَامٍ
وقوله (٥): [من الكامل]
نبه وليدَكَ مِنْ صِبَاهُ بزَجْرَةٍ … فلربَّما أَغْفَى هُناكَ ذَكَاؤُهُ
وانهره حتى تستهلَّ دُمُوعُهُ … في وجنتيه وتلتظي أحشاؤُهُ
فالسيف لا تذكر بكفك ناره … حتى يسيل بصفحتيه ماؤُهُ
وقوله: [من المتقارب]
أرى الناس كالماء عند المذاقِ … منه الزلال ومنه الأجاج
ونقصان هذا كمال لذا … ولولا الدُّجى ما أضاء السراج
стр. 6001
وقوله: [من المتقارب]
وقدْ غَشِيَ النَّبْتُ بطحاءَهُ … كَبَدْوِ العذار نجد أسيل
وقد دلَّتِ الشمسُ مُحتَثَّةً … إلى الغرب ترنو بطرْفِ كَحِيل
كأَنَّ سَنَاها على نَهْرِهِ … بقايا نجيعٍ بسيفٍ صَقيلِ
وقوله بما يتعلق بوصف حية (١): [من الكامل]
وفداءُ خفّاق النّجادِ ضُبارمٌ … يَسْرِيْ به خلف الظَّلامِ خَيَالُ
ألقى العَصا في حيثُ يعثُرُ بالحَصى … نهرٌ ويلعبُ بالغُصُونَ شَمَالُ
وكأَنَّما بينَ الغُصُونِ تَنازِعٌ … وكأَنَّما بين المياه جدال
وكأنما ألقى هنالك دِرْعَهُ … بَطَلٌ وَجَرَّرَ وَشْيَهُ مُختالُ
بيدِ الهَجِيرةِ منهُ سَوْطٌ خافق … ويساقُ ليلةَ قُرَّةٍ خَلخال
فتوعدتني نظرةٌ وقَادَةٌ … يُذكى بها تحت الظلام ذُبالُ
جَمَدَ الغَدير بمثنِهِ ولربما … أَعْشَاكَ إفْرِنْدٌ لَهُ سَيَالُ
وجمعت بين المشرفي وبينه … فَتَلاقَتِ الأنداد والأشكال
وقوله في وصف نار (٢): [من الطويل]
أرى خير نارٍ حَوْلَها خيرُ فتيةٍ … أنافتْ لهم جيدًا وحَفَّوا بها عقدا
إذا الريحُ شَبَّتْ مِنْ سَواد دُخانِها … عِذارًا ومِنْ مُحْمَرٌ جَاحِمِها خَدًّا
وثارت قتامًا يملأ العينَ أَكْهَبا … وجالتْ جَوادًا في عِنانِ الصّبا وَرْدا
رأيتُ جُفُونَ الليل والليلُ إثمد … تُقَلِّبُ مِنْ جَمْرِ الغَضَا أَعْيُنًا رُمْدا
وبالجَمرِ مِنْ أَكنافها مَسَّ رِعْدَةٍ … كأَنَّ لحامي الجَمْرِ مِنْ شِدَّةٍ بَرْدَا
وقوله في سفينة (٣): [من الوافر]
وجارية ركبت بها ظَلَامًا … يطيرُ مِنَ الصَّباح بها جَناحُ
إذا الماء الطمأَنَّ فَرَقَ خَصْرًا … عَلَا مِنْ مَوْجِهِ رِدْفٌ رَدَاحُ
وقد فَغَرَ الحِمامُ هناك فاهُ … وأَتلَعَ جيدَهُ الأَجَلُ المُتاح
فما أَدري أَموجٌ أَمْ قُلُوبٌ … وأَنْفاسٌ تُصَعَدُ أَمْ رِياحُ
وقوله (٤): [من الكامل]
стр. 6002
ورَفَلْتُ بينَ قميصِ جَوِّ هَلْهَلٍ … ورداء شمس قد تمرقَ أَصْفَرا
والرِّيحُ تَنْخُلُ مِنْ رَذَادٍ لؤلؤًا … رَطْبًا وتَفْتِقُ مِنْ غَمَامٍ عَنبَرَا
وقوله في كلب مطوّق الأربع بالبياض مُحجَّل (١): [من الوافر]
وأَطْلَسَ مِلءُ جانحَتَيهِ خَوْفٌ … لأَشْوَسَ مِل شِدْقَيْهِ سِلَاحُ
فَطَورًا يَرْتَقي حَدَبَ الرَّوَابي … وآوِنَةً تسيل به البطاح
جَرَى شَدًا وللصبح التماع … بحيثُ جَرَى وللبرق التماح
فحَجَّلَهُ وسَوَّدَهُ ومِيْضٌ … جَرَى مَعَهُ وَطَوَّقَهُ صَباحُ
وقوله (٢): [من الوافر]
وأَخْطَلَ لو تعاطى سَبْقَ رِقٌ … لطار مِنَ الجَناح بهِ جَناحُ
يسوق الأرضَ يسأل عن بَنِيها … فتخبرُ أَنفَهُ عَنْهُ الرِّياحُ
أَقَبُ إِذا طَرَدْتُ بِهِ قَنِيصًا … تَنَكَّبَ قَوْسَهُ الأَجَلُ المُتاح
تجلّل جلده ليلٌ بَهِيمٌ … فَشُدَّ على مُخنَّقِهِ صَبَاحُ
وقوله (٣): [من الطويل]
وأشرف طماح الدُّوابَةِ مشرفِ … ينطقُ بالجَوْزَاءِ ليلًا لَهُ خَصْرُ
وقور على مر الليالي كأَنَّما … يُصِيخُ إِلَى نَجْوَى وفي أُذْنِهِ وَقْرُ
يُمهّدُ منه كلّ ركن ركانةً … فقَطَّبَ إطراقًا وقد ضَحِكَ البدر
ولاذَ بِهِ نَسْرُ السَّمَاءِ كَأَنَّما … يَحِنُّ إلى وَكْرِ بهِ ذلكَ النَّسْرُ
وقوله (٤): [من المتقارب]
وسوداء يدمي بهِ مَنْحَرًا … كما اعترض الليل تحتَ الشَّفَق
وأحسنُ خَصْرٍ لها أحمر … ومئزرُ شَحْمِ عليها يَقَقْ
وما رَفَلَتْ في قميص الدُّجَى … ولا اشتملت بداء الغَق
ولكن تسيلُ عليها القُلوبُ … هوًى وتذوب عليها الحدق
وقوله (٥): [من الكامل]
стр. 6003
وأَغَرَّ ضاحك وجههُ مِصباحَهُ … فأَنارَ ذا قمرًا وذلك فَرْقَدا
ما إن خَبَا تلقاءَ نُورِ جبينه … حتى ذَكَا بِذَكائِهِ فَتَوَقَدا
وقوله (١): [من المتقارب]
أَطَلَّ وقد خُط في خَدِّهِ … مِنَ الشِّعْرِ سَطْرٌ دَقِيقُ الحُرُوفِ
فقلتُ: أرى الشمس مَكْسُوفَةٌ … فَقُوموا نُصَلِّي صَلاةَ الكُسُوفِ
وقوله (٢): [من المتقارب]
أما واعتصاري عُصُونَ البَلَسُ … وقَدْ طَرَقَ الصُّبْحَ جيش الغَلَس
وماء يسيل جني شُهْدِهِ … كما سال ريقُ جيوب نَعَسْ
لقد شاق منه لذيذ المذاقِ … شهيُّ الجَني مُستطاب النَّفَس
فَهِمْتُ له ببياض الثُّغُورِ … وأحببت فيه سوادَ اللَّعَسْ
وقوله: [من المتقارب]
وسودُ الوُجُوهِ كَوَجْهِ الصُّدُودِ … تبسَّمْنَ تحت عُبوس الغبش
إذا ما تجلى بياض النهار … تَطَلَّعْنَ في وَجْهِهِ كَالنَّمَش
كأني أقطف منها ضُحًى … تُدِيَّ صِغار بنات الحبش
وقوله: [من المتقارب]
تفاوت نجلا أبي جعفرٍ … فَمِنْ مُتعال ومِنْ مُسْتَفَلْ
فهذا يمين بها أَكْلُهُ … وهذا شمالُ بها يَغْتَسِلْ
وقوله (٣): [من الكامل]
مَسَحَ الضَّريب بها الظَّلامَ غَمَامةً … فابيض كلُّ غُراب ليل أسود
شابت وراء متاعها لممُ الرُّبى … واشمطٌ مُهْرَقُ كُلِّ غُصْنٍ أَمْلَدِ
في ليلة ليلاءَ يَلْحَسُ حِبْرَها … وَهْنًا لسانُ البارق المُتَوَقِّدِ
وقوله (٤): [من الخفيف]
قَدَحَ الرَّكْضُ زَنْدَهُ فاستطارتْ … في دُخانِ العَجَاجِ منهُ شَرَارَة
يضحك الحليُّ فَوقَهُ عَنْ أَقاحٍ … نَشَرَتْها الصَّبا عَلى جُلَّنارِه
وقوله (٥): [من الطويل]
стр. 6004
وساقٌ يجتلي اللفظَ في شأوِ حُسنهِ … جِماحٌ وبالصَّبرِ الجميلِ حِرَانُ
سَقَاهَا وقدْ لاحَ الهِلالُ عَشِيَّةً … كما اعْوَجَّ في نَحْرِ الكَمِي سِنَانُ
وقوله (١): [من الكامل]
خُذها كما طَلَعتْ إليك عزازةٌ … مُفَتَّرةً عن لُؤْلُؤِ الأنْدَاءِ
صفراءُ في بيضاءَ تَحسَبُ أَنَّها … شَمسُ العَشِيَّةِ في قَرارِ الماءِ
وقوله (٢): [من المتقارب]
وشَبَّ المِزَاجُ بها جَمْرَةٌ … فكادَ بها الكَأْسُ أَنْ يَلْهَبا
عروسًا يُرَى خَدُّها أَحْمرًَا … يشُوقُ ومَفْرِقُها أَشْيَبا
وقوله (٣): [من الكامل]
ثُمَّ انثنيتُ وقدْ لَبِسْتُ مُصَنْدَلًا … وطَوَيْتُ مِنْ خِلَعِ الظَّلامِ مُعَنْبَرًا
والصُّبحُ مَحْطُوطُ القِنَاعِ قَدِ احتبى … في شَمْلَةٍ وَرَسِيَّةٍ وتأَزَّرَا
وقوله (٤): [من الطويل]
أما والتفاتِ الروض عَنْ زَرَقِ النّهر … وإشراقِ جِيْدِ الغُصْنِ فِي حِلْيَةِ الدَّهْرِ
وقَدْ نَسَمَتْ رِيْحُ النُّعَامَى فَنَبَّهَتْ … عُيُونَ النَّدامى تحت ريحانةِ الفَجْرِ
وخدر فتاةٍ َقدْ طَرَقْتُ وإِنَّما … أَبَحْتُ لَهُ وكُرَ الحَمَامَةِ للصَّقْرِ
وخُضْتُ ظَلام الليلِ يَسْوَدُّ فَحمُهُ … ودُستُ عَرِينَ اللَّيثِ يَنْظُرُ عَنْ جَمْرِ
وسرتُ وقلب البرق يخفِقُ غَيْرَةً … هناك وعينُ النَّجْمِ تنظرُ عَنْ شَزْرِ
ومَزَّقْتُ جَيْبَ اللَّيلِ عنها وإِنَّما … رفعتُ جَنَاحَ السِّتْرِ عَنْ بيضةِ الخِدْرِ
وقد خَلَعَتْ ليلًا عليَّ يَدُ الهَوَى … رداءَ عِناقٍ مَزَّقته يد الهجر
وقوله في مُعَدَّرٍ ذي خيلان غار ماء شبابه، وانكدرت نجوم خيلانه (٥): [من الكامل]
أقْوى مَحَلَّ مِنْ شَبابِكَ آهِلُ … فوقفتُ أَندب منه رسمًا عافيا
مَثَلَ العِذَارُ هناكَ نُؤيًا دائرًا … واسْوَدّتِ الخيلان فيه أثافيا
стр. 6005
وله نثر كثير؛ وآخى فيه نظمه إن كان ما زاد عليه رونقا، وحري لا تردّه القافية متدفقا، لا إخال الدُّرَّ يواخيه، ولا أراه في الحسن دون أخيه.
ومنه قوله (١):
«لما علمت رغبته في التماس [الطيور] اللبلية هممت بالفحص عن أشرفها، فسنح منها طائر يستدل بظاهر صفاته على كرم ذاته واخلق به أن ينقص عن قنصه سهاما، ويلوي به ذهابا، ويخرقه توقدًا والتهابا. وقد بعثت به بالذُّنابي والجناح،، كفيلًا في مطالبه بالنجاح، حميد العين والأثر، قد حاز السمع والبصر، قد أقسم بشرف جوهره وكريم عنصره، لا توجه مسفرًا، إلا عاد قنيصه معفّرًا، وآب إلى مرسله مظفّرًا، مُوَرَّس المخلب والمنقار، كأَنَّما اختضب من حنَّاء، أو كرع في عقار».
وقوله (٢):
«ما أنت والعزّة الفلانية، إنما هم أجناس أنجاس، إلا الشاذ فيهم، والناد منهم، وقليل ما هم، وأما فلان منهم:
فهو الخبيث عينه فراره، أطلس يخفي شخصه غباره.
في شدقه شفرته وناره.
ما شب حتى سبّ، ولا نفث حتى رفث، ولا زُرّ له جيب إلا على عيب، ولا نيطت به تميمة، إلا على نميمة، فهو إذا حضر أذن وعي، وعين دعي، ويظهر الغيب إنسان ظنة، ولسان، ريب لا يشتمل ثوبُهُ إلا على شخص نقص، وجسد حسد. إن لحظته - عافاك الله - فلحظًا شزرًا، أو جاذبته الحديث فقليلًا نزرا.
كما يمس بظهر الحية الفرق
إنه ليحضر النَّدِيَّ فيحفظ ما يلفظ، ويلقط ما يسقط، فهو كاتب الشمال، غير أنه إن مرَّت يمينه في صحيفة ذكرك حسنة ساقها بشرا، أو عثر بسيئة كتبها عشرا».
ومنه قوله (٣):
«وما تذكرت عطل نحر الزمان، من قلائد الإخوان، وكيف كرّ الدهر فمحا محاسن تلك الصحيفة، وطوى طوامير تلك الشبيبة، إلا انقدحت بصدري لوعة، لو أنها بالحجر لانفطر فانفجر، وبالنجم لانكدر فانتثر (٤): [من الطويل]
стр. 6006
وما وَجْدُ أَعرابيةٍ قَذَفَتْ بها … صُرُوفُ النَّوى مِنْ حَيثُ لَمْ تَكُ ظَنَّتِ
تمنت أحاليب الرعاء وخيمة … بنجد فلم يُقدر لها ما تمنتِ
بأعظم وجدًا مني لذلك العصر، وقد انتثر عقد أحبابه، وانسلخ ليل شبابه، وطار واقع غرابه، وانطوت له صحائف الأيام لانتشر على سطور لا تُبشر، فكأنما تقشع منه سحاب، واضمحل بقيعته سراب».
ومنه قوله (١):
«ولولا أني نزهت سمعه عن الشعر، لأريته كيف حوّل المهذب للوشي المذهب، وكيف لفظ بحر الفكر، للجوهر البكر، ولأطلعت منه في سماء معاليه نجومًا تُنير، ورجومًا تبير».
ومنه قوله (٢):
«أطال الله بقاء القاضي في رتبة شمختْ فكأَنَّها كوكب، ورسخت فكأنها كبكب، الفضل ما قد علمه جبل وعر المرتقى، وجمل صعب الممتطى، لا يتسنم كُلّ فارع ذروته، ولا يتمطى كُلِّ راكب صهوته، وشجرة باسقة الأفناء، ممتدة الأفياء، لا يطمئن كل جنب في ظلها، ولا تجتني كل يد من أكلها، وإني مسحت الأرض غربًا وشرقا، ولقيتُ الدهر جهمًا وطلقا، وشربت الدهر صفوًا ورَنْقا، وحطت بأودية الفضل والفضلاء، فما وطئت لأحد منهم ساحة إلا راق بشره، ورق قشره، فما الفضل كله في الصمت والجمود، حتى يلتبس الإنسان بالجلمود».
ومنه قوله (٣):
«ولو شئت استدرّ إخلاف العيش، لوجدت النوائب أودية، ورعت الكواكب أندية، حتى أخيّمَ حيث السماء، دار، والسماك جار، فهو يرى الصبر أثمن رفيق يصحبه، والقناعة أكرم ذيل يسحبه، وإنما الدنيا، وبئس الطبع الطمع:
سحابة صيف عن قليلٍ تَقَشّع».
ومنه قوله (٤):
«أعزك الله جسمًا ونفسًا، يسميان سماعًا وكأسًا، وقد حضرتنا خمرة، كأنها
стр. 6007
جمرة، وقد تناسبت سورتهما، كما تضارعت في الخطّ صورتهما: [من الخفيف]
لو ترى الشَّربَ حَوْلَنَا مِنْ بعيد … قلت: قوم من قُرَّةٍ يصطلونا
فإن رأيت أن يؤنس، ويطرّز المجلس، فيجري في ذلك الجسم الكريم روحه، ويحضره منك فسيحه» (١).
ومنهم:
[٣٠٥] ابن اللبانة
وهو أبو بكر، محمد بن عيسى الداني (٢).
«دنت قطوفه، وذللت تذليلا، وعقدت على مفارق الجوزاء أكليلا. انقطع إلى بني عباد، ووفى لهم بعد تصرّم أيامهم، وتضرّم الجوانح بآلامهم، ورثاهم بتلك المراثي التي فتتت الأكباد، وشتّتتِ الآباد، برقة اشتبكت الجماد، وغيَّرت وجوه الأيام، وذرّت في رؤوسها الرماد. وزار المعتمد غير ما مرة في محبسه، ولزم معه في سجنه ما كان يلزم
стр. 6008
في مجلسه، حتى أسلاه ذاهب مدته، وأرى من حصل بعهد ابن اللبانة على زبدته».
وقال فيه الفتح (١): «أي مقال ينبيء عن معناه وفضله؟ وأي إرقال ينتهي إلى أدبه وخصله؟ وقد يشذ فما يشرك، ويبد فما يدرك، قال ما أحبه، وقطع سنام كل معارض وجبه، فبدأ سابقًا، وغدا لفظه لمعناه مطابقًا».
ومن شعره، قوله (٢): [من الوافر]
تولى السِّرْبُ خِيفَةَ مَنْ يليهِ … وأَفْلَتَ مِنْ حبائل قانصيه
فمر على مهب الريح يعدو … بأسرع من مدامع عاشقيه
توجه حيث لم تُعقلَّ خُطاه … بمنسوب إلى آلِ الوجيه
بمياع الأديم يكادُ يُعْشِي … بِنِقْبَتِهِ لَواحظ مُبصريه
أخافُ السيف رق وراق حتى … كأَنَّ عليه شيمة منتضيه
كأنَّ الموتَ أُودع فيهِ سِرًّا … ليرفعه إلى يوم كريهِ
ومنه قوله (٣): [من البسيط]
بَدا على خده خال يزينه … فزادني شغفًا فيه إلى شغفي
كأَنَّ حَبَّةَ قلبي حينَ رُؤيَتِهِ … طارت فقلتُ لها في الخَدِّ مِنْهُ قِفِي
ومنه قوله (٤): [من الكامل]
حنِيتُ جَوَانحُهُ على جَمْرِ الغَضَا … لما رأَى يَرْقًا أَضَاءَ بذي الأضا
والتف في عَبَراتِهِ فحسبتها … من فوق عِطْفَيهِ رِداء فضفضا
والرب ربة حانة نبَّهتُها … والجو لؤلؤ طَلِّهِ قَدْ رُضْرِضًا
وقد انْطَفَتْ نارُ القِرَى وبَقِي على … مِسْكِ الدُّجى مَذْرُورُ كافور الغَضَا
والليل قد سدى والحَمَ ثوبَهُ … والفَجْرُ يُرسل فيه خيطًا أبيضا
والبحر يسكن خيفةً مِنْ ناصرٍ … أَرْضى الرياسة بعد موت المُرتَضى
مَلِكٌ سَمَتْ عَلياهُ حتى دَوَّخَتْ … وزَكَى ثرى نُعماه حتى روضا
ماء العمائم جُرْعَةٌ مما سقى … وسَنَى الأَهِلَّةِ خِلْعَةٌ مما نَضَا
стр. 6009
خَفَقَتْ عليه رايةٌ وذُوَّابَةٌ … فَكَأَنَّ صِلًا نحوَ صِلَّ نَضْنَضَا
لمْ يُرْضِهِ أَسَدُ البسيطة صاحبًا … فاخْتَطَ مَعْ أَسدِ الْمَجَرَّة مَرْبَضا
ومنه قوله يرثي بنت المرتضى بعد أبيها (١): [من الطويل]
أبنتَ الهُدى حَدَّدْتِ مَنْعًا عَلَا مَنْعا … مضى المُرتضى أصلًا واتبعتِهِ فَرْعا
جَرَى الموتُ مَجْرَى الرِّيحِ فِي مَنْبِتَيكُما … فَأَذْوَاك ريحانًا وكَسَّرَهُ نَبْعا
ومنه قوله (٢): [من الوافر]
سِوَاكَ يسير في أرضِ فأمّا … خُطاك ففي المجرة لا سواها
كأنَّ الشُّهْبَ إِذْ تجري بسَعْدٍ … تخطُّ لكَ الطريق على ذُرَاها
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
لَبِسَ الحديد على لُجَيْنِ أَدِيمِهِ … فَعَجِبْتُ مِنْ صُبْحٍ تَوَشَّحَ حِنْدِسا
وأتى يَجرُّ ذَوائبًا وذَوَابلًا … فرأيتُ رَوْضًا بالصِّلالِ تَحَرَّسَا
لا تَرْهَبِ السَّيفَ الصَّقِيلَ بكفِّهِ … وَارْهَبْ بِعارِضِهِ الغِدَارَ الأَمْلَسَا
ومنه قوله (٤): [من المتقارب]
سيطلبني الملك مهما أراد النا … س بسبح مِنَ الفَجْرِ
ولو كان كلُّ حَصَاةٍ تَزِينُ … لَمَا جُعِلَ الْفَضْلُ للجَوْهِرِ
ومنه قوله في صاحب خيلان (٥): [من الكامل]
لَحَظَ النُّجوم بمقلتيهِ فَرَاعَها … ما أَبْصَرَتْ مِنْ حُسْنِهِ فَارْتَدَّتِ
وتساقطتْ في خَدِّهِ فنظرتُها … عَمْدًا بمُقْلَةِ حاسد فاسوَدَّتِ
وقد ذكره ابن بسام، وقال (٦): شاعر يتصرف، وقادر لا يتكلف، مرصوص المباني، ممتزج الألفاظ والمعاني، وكان من امتداد الباع، والانفراد في الانطباع، كالسيف الصقيل، والصدع المنحدر المسيل، لو كانت له مادة تفي ببيانه؛ لكان أشعر أهل زمانه. وتردّد أبو بكر على ملوك الطوائف تردد القمر على المنازل، وحلّ من سلوكها
стр. 6010
محلّ الحلي من صدور العقائل، وخيَّم آخرًا في ذرى المعتمد، وكان أصدقهم نوءًا، وأبهرهم في مطالع السؤدد ضوءًا؛ فلما صار إلى المغرب، وحلّ فيه محلّ المضطرب، وغدرت به الأيام غدر خراسان بقتيبة، ووفى له بالرحلة إليه وفاء الظعينة بعتيبة، فلما انفصلت حواشي ظلّه، وأنكره أكثر أهله، وفد عليه أبو بكر وهو في يد تلك المحنة، فنازعه بؤسها، وعاطاه كؤسها، ومدحه للوفاء أحسن مما مدحه للعناء.
ومما أنشد له قوله (١): [من مخلع البسيط]
بَدًا على خَدِّهِ عِذارٌ … في مِثْلِهِ يُعْذَرُ الكَثِيبُ
وليس ذاكَ العِذارُ شَعْرًا … لكنّما سِرُّهُ غَريبُ
لما أراق الدماءَ ظُلْمًا … بَدَتْ على خَدِّهِ الذُّنُوبُ
وهذا كقول عبد الجليل المرسي: [من الوافر]
فَطَوَّقَهُ الزَّمانُ بما جَنَاهُ … وعَلَّق في غَدَائِرِهِ الذُّنُوبا
قلت: وذكرتُ بذكر العذار بيتين كنتُ قلتهما، هما من هذه المادة، وليستا منها قربًا منها وبعدًا عنها، قلتهما قبل أن أقف على شيء من هذا، وألم به، وهما: [من مخلع البسيط]
بعارِضَيهِ بَدَا عِذَارٌ … بِهِ جَميعُ القُلُوبِ تُعْذَرْ
يا قلب كيف الطريق حتى … أَسلُو هَوَاهُ وقَدْ تَعَذَّرْ
عدنا إلى ذكر ابن اللبانة (٢)؛ ومما له قوله: [من البسيط]
كلني إلى أحد الأبناء يُنْعِشُنِي … ما لمْ يَكُنْ منك بحر فليكن نَهَرُ
قد طال بي أقطع البيداءَ مُتَّصِلًا … وليس يسفرُ عَنْ وَجْهِ المُنَى سَفَرُ
كأَنَّما الأرضُ عنّي غير راضيةٍ … فليس لي وَطن منها ولا وَطَرُ
خُذْ بالقليل وما يدري يجودُ بِهِ … يا ماجدًا يَهَبُ الدُّنيا ويعتذر
وقوله (٣): [من البسيط]
ألقاهم والظبى ما دُونَهُمْ فأرى … أَنِّي على صُورٍ في الماءِ أَطَّلِعُ
غاروا على الريح فاستعلت رماحُهُمُ … دونَ المَهَب فما للريح مُتَّسَعُ
لا تُؤْتِ نُصْحَكَ مفتونًا بمذهبه … فما الأعمى بضوء النَّجْمِ مُنْتَفَعُ
стр. 6011
فما لمحت ابن مُحيي الدين ناحية … إلا حَسِبْتُ عَمُودَ الصُّبْحِ مُنصدعُ
مِنْ سِرِّ نَجم ونجم حيثُ ما شهدت … تقدَّمَتْ وبنو العليا لَها تَبَعُ
إنْ كانَ مَجْدُكَ شعرًا في تناسُقِهِ … فَإِنَّما أَنْتَ بيتٌ فِيهِ مُخْتَرَعُ
وقوله (١): [من الكامل]
زادوا جَفَاءً فانتقصتُ مودّةً … ومِنَ الزيادة مُوجِبُ النُّقصان
أنا مثل مرآة صَقِيلِ صَفْحُها … أَلقَى الوُجُوهَ بمثل ما تَلقاني
وقوله (٢): [من الكامل]
حَاوَرْتُ منه البحر إلا أَنَّهُ … عَذْبٌ كما رَشَفَ اللَّى تَقْبِيلُ
كَنَفٌ يَرُودُ الغَيْثُ خِصْبَ جَنَابِهِ … ويبيتُ فيهِ الدَّهرُ وهوَ نَزِيلُ
وقف الوَغَى منه على ذِي هَيْبَةٍ … يقفُ العزيزُ لَدَيه وهوَ ذَلِيلُ
وقوله (٣): [من الكامل]
هَلًا ثناك على قُلوبِ مُشفق … فترى فَراشًا في فراش يُحرق
قد صِرْتُ كالرَّمَقِ الذي لا يُرتجى … ورَجَعْتُ كالنَّفَسِ الذي لا يلْحَقُ
وغَرِقْتُ في دَمْعِي عليكَ وهَمَّتي … طَوْقِي فَهَلْ سَبَبٌ بِهِ أَتَعَلَّقُ
هلْ خُدْعَةٌ بتحيةٍ مخفيَّةٍ … في جَنْبِ موعدك الذي لا يصدق
أَنْتَ المَنيَّةُ والمُنى فيك استوى … طَلُّ الغَمَامَةِ وَالهَجِيرُ المُحرِقُ
لَكَ قد ذابلة الوَشِيج وليتُها … لكنْ سِنَانُكَ أَكْحَلَّ لَا أَزْرَقُ
يا من رشقتُ إلى السُّلو فردَّنِي … سَبَقَتْ جُفُونُكَ كُلَّ سَهم يرشقُ
لؤ في يدي سحرٌ وعندي نَفْثَةٌ … لجعلتُ قلبك بعض يومٍ يَعْشَقُ
لم يدر طيفك موضعي مِنْ مَضْجَعِي … وَعَذَرْتُهُ في أَنَّهُ لا يَطرُقُ
وكأن أعلام الأميرِ مُبَشِّرٌ … نُشِرَتْ على قلبي فأصبح يخفق
بشرى بيومِ المِهْرَجَانِ فَإِنَّهُ … يومٌ عليهِ مِنَ احتفالكَ رَوْنَقُ
وعلى الخليج كتيبةٌ جرارةٌ … مثل الخليج كلاهما متدفّق
وبنو الحروب على الحرابي التي … تجري كما تجري الجياد السبق
خاضت غدير الماء سابحة به … وكأنما هي في سَرَابٍ أَيْنُقُ
стр. 6012
وقوله (١): [من البسيط]
يا ذا الذي حَجَّ في عصر الصبا فمضى … عنّا هلالًا ووافي نحونا قمرا
صف المنازل لي كيف انتقلت بها … فما نقلتُ لبدر بعدكَ البَطَرَا
عَنْ بِئْرِ زَمْزَمَ حدثني فَبِي ظمًا … وإنَّ في فيك منه الرِّي والخَصَرا
وشفّع الحجة الأولى بثانية … بأنْ أُقَبِّلَ ثغرًا قبَّلَ الحَجَرَا
وقوله (٢): [من البسيط]
والدهر في صبغة الحرباء مُنْغَمِسٌ … ألوانُ حالاته فيها استحالات
ونحنُ مِنْ لُعَبِ الشطرنج في يَدِهِ … فربّما قَمَرَتْ بالبَيْدِقِ الشَّاةُ
وقوله (٣): [من الطويل]
نَعِمْتُ بهِ والليلُ مُدّة ناظرٍ … فصارَ مِنَ السَّرَاءِ غمزة حاجب
كأَنِّي شَرِبْتُ الليل في كأس ذِكْرِهِ … فلمْ أُبْقِ منه فضلة للكواكب
وقوله (٤): [من السريع]
عاوَدَهُ الشَّوقُ وكان استراح … وانبرت الطير تغنّي فَصَاح
ذكرني عهد اللوى ساجِعٌ … مَدَّ جَناحًا والتوى في جناح
طَلَّلَهُ قَطْرُ النَّدى فاغتدى … ينفض رِيشًا سُنْدُسي الوشاح
الورق قد أورقَ مِنْ تحتِهِ … غُصْنُ رطيب فوقَ حِقْفٍ رَدَاحُ
يا طاعن الخيلِ غَدَاةَ الوغى … طاعتك الهند فألق الرماح
والحَدَقُ السُّود ارتمت فما عسى … بعينك بيض الصفاح
الحمدُ للهِ فإنّي امرؤ … قدْ تُبْتُ إِلا مِنْ وُجُوهِ الملاح
تحكي لياليه بأَيَّامِهِ … خِيلانَ مِسْكِ في وجوه صباح
لو أَنَّ لي قُوَّةَ عَهْدِ الصّبا … لم أترك السرور دُونَ اصْطباح
تلعب فيهِ كلُّ مَيَّاسَةٍ … مَيْسَ غُصُون تحت روح الرياح
إنسيَّةٌ وحشيةٌ رُكْبَتْ … مِنْ صُورَةِ الجِدِّ وشَكْلِ المُزَاحُ
يخدمها كلُّ كَمِي لَهُ … وَجْهُ حَيي وفؤادٌ وَقَاحٌ
стр. 6013
مُرْهَفُهُ نَارٌ وفَضْفَاضُهُ … ماء وبين الحالتين اصطلاح
وقوله يصف زبيبًا أسود أهدى له (١): [من البسيط]
أهديت لي من بناتِ الكَرْمِ فاكهة … كأَنَّ طِيبَ اللَّمى مِنْ طِيبِها استرقا
حب أتتني بهِ حَبّ القُلُوبِ وخِيـ … ـلان الخُدود وأحداق المَها نَسَقَا
وقوله (٢): [من البسيط]
الكهف والبرقُ في أمريهما عَجَبٌ … وآيةٌ في جَبِينِ الدَّهرِ تُنْتَسَخُ
فَفِتْيَةُ الكَهْفِ لا يَدْرُونَ كمْ لَبِثُوا … وفِتْيَةُ البَرْقِ لا يدرون ما نَفَخُوا
وأورد ابن سعيد في المرقص قوله (٣): [من الطويل]
برُوحِي وأَهْلِي جِيرَةٌ ما استَسَغْتُهُمْ … على الدهر إلا وانثنيتُ مُعَانا
أراشوا جَنَاحِي ثمَّ بَلُّوهُ بالنَّدَى … فلم أستطعْ مِنْ أَرْضِهِمْ طَيَرَانا
ومنهم:
[٣٠٦] أبو جعفر الجزار الطوسي (٤)
عرف بهذا، وليس سوى الغرب مطلعه، ولا في غير بقعته موضعه، إلا أنه رق في عصره أصيلًا، وراق في منبعه سلسبيلا، وطلع في تلك العشايا يقتاد النجوم قبيلا، وبزغ في بكر تلك الأيام وجهًا جميلا؛ وله شعر لا يمتد إليه متنقص.
ومما أورد له ابن سعيد منه في المرقص قوله (٥): [من الطويل]
وما زلتُ أجني منك والدَّهرُ مُمْحِلٌ … ولا ثمرٌ يُجنى ولا زَرْعَ يُحصد
ثمار أيادٍ دانياتٍ قُطُوفُها … لأغصانها ظل علي ممدد
يُرى جاريًا ماء المكارم تحتها … وأطيار شكري فوقهنَّ تُغرّد
ومنهم:
стр. 6014
[٣٠٧] ابن وضاح المرسي
جائل رشاء لا ينقطع مرسه، وحائز مدى لا يكبو فرسه، غلب سلطان الشام وقد تقدمه منذ زمن، وأنسى - مذ نسب إلى أبيه وضاح المرسي - وضاح اليمن.
ومما أورد له ابن سعيد في المرقص، قوله في رئيس قطع عنه إحسانه، فقطع عنه مدحه (١): [من الكامل]
هل كنتُ إلا طائرًا بِفِنائِكُمْ … في دَوْحِ مَجْدِكُمُ أَقومُ وأَقْعُدُ
إن تسلبوني رَدْفَكُمْ وَتُقَلِّصُوا … عَنِّي ظِلالَكُمُ فكيفَ أُغَرُدُ
ومنهم:
[٣٠٨] محمد بن غالب الزقاق الأندلسي الرصافي
الشاعر، أبو عبد الله (٢) من رصافة.
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام.
له قصائد طريفة، ومقاصد لطيفة، ومقاطيع قطعت له بالسبق، وقطعت وراءه
стр. 6015
البرق، وقدمته على الشعراء تقدّمًا بالحق، لا يعجزه مراد، ولا يحجزه بعد مرمى عن مراد.
ومن شعره قوله في غلام نساج (١): [من البسيط]
قالوا، وقد أكثروا في حُبِّهِ عَذَلِي … كم ذا تهيم بداني القَدْرِ مُبتذل
فقلتُ: لو كان أمري في الصبابة لي … لاخترتُ ذاك ولكن ليس ذلك لي
أجبته حبي الثغر عاطرَهُ … حُلْوَ اللَّمى ساحر الأجفانِ والمُقَلِ
غُزَيِّلًا لم تزل في الغَزْلِ جائِلةً … بنانُهُ جَوَلانَ الفِكْرِ في الغَزَلِ
جذلان تلعب بالمحواك أنملُهُ … على السَّدَى لَعِبَ الأَيام بالدُّوَلِ
جَذْبًا بكفيهِ أَوْ فَحْصًا بأَرْجُلِهِ … تَخَبُّطَ الظَّبي في أشْراكِ مُحْتَبِلِ
وقوله في غلام يبل عينيه بريقه يظهر أنه يبكي، وليس بباك (٢): [من الطويل]
عذيري مِنْ جَذلان يبكي كآبةً … وأَصْلُعُهُ مما يحاولُهُ صِفْرُ
يبل مآقي زهرتيه بريقه … ويحكي البكا عَمْدًا كما ابتسمَ الزَّهْرُ
ويُوهِمُ أَنَّ الدَّمْعَ بَلَّ جُفُونَهُ … وهلْ عُصِرَتْ يومًا مِنَ النَّرْجِسِ الخَمْرُ
وقوله (٣): [من الكامل]
ومُهَفْهَفٍ كالغُصْنِ إِلا أَنَّهُ … تتحيَّرُ الألباب عند لقائه
أضحى ينام وقدْ تَكَلَّلَ وجْهُهُ … عَرَقًا فقلتُ: الوَرْدُ رُش بمائِهِ
وقوله (٤): [من الطويل]
ومُرتجَّةِ الأعطافِ أَمَّا قَوَامُها … فَلَدْنٌ وأَمَّا رِدْفُها فَرَدَاحُ
أَلمَّتْ فنام الليلُ مِنْ قِصَرِ بها … تطيرُ وما غيرُ السُّرُورِ جَنَاحُ
وبت وقد زارَتْ بأَنْعَمِ ليلةٍ … يُعانقني حتى الصباح صَبَاحُ
على عاتقي من ساعِدَيها حَمَائِلٌ … وفي خَصْرِهَا مِنْ سَاعِدَيَّ وِشاح
وقوله (٥): [من المنسرح]
стр. 6016
وأغيد طاف بالكؤوس ضُحًى … وحَبَّها والصَّباحُ قد وضحا
والروضُ أَبدى لنا شقائِقَهُ … وآسُهُ العَنْبَرِيُّ قَدْ نَفَحَا
قلنا: فأينَ الأقاح قال لنا: … أَوْدَعْتُهُ ثَغْرَ مَنْ سَقَى القَدَحَا
فظل ساقي المُدامِ يَجْحَدُ ما … قال، فلما تبسم افتضحا
وقوله: [من الوافر]
وبين الخد والشفتين خالٌ … كَزَنجيّ أَتى رَوْضًا صباحا
تحير في الرياض فليس يدري … أيجني الورد أم يجني الأقاحا؟!
ومنهم:
[٣٠٩] أبو حاتم الحجازي (١)
شاعر يظهر عليه ظرف أهل الحجاز، ولطف أهل الحجا في حقيقة ومجاز، لا يُعدل بنظير، ولا الروض النضير، ولا يقاس بمثيل، ولا الكواكب في التمثيل، ولا يحمل على شبيه، ولا ابن المعتز في التشبيه ينتشق عرفه الحجازي في مهب الريح،
стр. 6017
وينتشر نوؤه السحابي في هضاب برقه محمّر الصفيح، ويسحب بُرده اليماني وقد بللت لمته خزامى وشيح.
ذكره ابن بسام، وقال (١): «فرد من أفراد العصر، لما انقرضت أيام ملوك الطوائف بالجزيرة، وتسلّط الكساد على أعلاق الشعر الخطيرة، خلع أبو حاتم بردته، وسلخ جلدته، وأصبح بحاضرة قرطبة صاحب حلقة يأخذ الصحة من المرض، ويتكلم على الجوهر والعرض؛ فقل في حُنَيْن، تكلم بلسان أحمد بن الحسين كل ذلك حرصًا على الحياة، واختباء لهذه الملابس والأثواب».
وخوف الردى أوى إلى الكهف أهله … وكلَّف نوحًا وابنه عمل السفن
ومما أنشد له قوله (٢): [من الوافر]
يَرَاكَ غَدَاةَ عاقدتَ الزَّمانا … أَخَذْتَ عليهِ بالبُشرى ضمانا
وما حَسُنَتْ سَجَايا الدهر حتى … قَرَنْتَ بها سَجاياك الحسانا
وقوله (٣): [من الوافر]
أَتَتْ تَحْتالُ عاطرَةَ الذُّيول … وشمس الأفق تجنح للأصيل
وعهدي بالرقيب وقَدْ غَنِينا … بعزّ الحاجتينِ عَنِ الرَّسولِ
أقولُ لمُهجتي وعليَّ منها … سَرَابِيلُ المَذَلَّةِ والخُمُولِ
ردي دار الخلافة تستدرّي … مواهب مثل حمّاتِ السُّيُولِ
وقوله (٤): [من الكامل]
هجر وقد سَرَتِ القِلاصُ الوُخَدُ … والليلُ كالزنجي أَسْحَمُ أَسودُ
يا صاحبي وشدَّ ما عَلَّلْتُما … ووعَدْتما لو صح ذاك الموعد
ما يصنع الصِّنْوُ الشَّقيقُ بصِنْوِهِ … ما يصنع القاضي الأَجَلُّ محمد
يبني العُلا ويهد رُكنَ عَدُوِّهِ … فهوَ الزمانُ مُهَدِّمٌ وَمُشَيِّدُ
وأورد له ابن سعيد في المرقص قوله (٥): [من الكامل]
كمْ بِتُ في أَسْرِ السُّهادِ بليلةٍ … ناديتُ فيها هل بجنحِكَ آخر
стр. 6018
أَوْ قام هذا الصُّبْحُ يُظهِرُ ملَّةً … حَكَمَتْ بِأَنْ ذُبِحَ الظَّلامُ الكَافِرُ
ومنهم:
[٣١٠] محمد بن سعيد [بن] عمر (١)
جدُّ أبي الحسن علي بن سعيد مصنف كتاب «المرقص والمطرب».
كمي يصلح لعاتِقِهِ النُّجَاد، ويصل بسوابقه إلى غاية سلفه الأنجاد. له نسب يضرب إلى الصحابة ﵃ عِرْقُه، ويضرم في موقد الغمام برقه، يسوق سوط غرب الأرض وشرقها، ويطأ صيته قدم السماء وفَرقَها.
وقد ذكره ابن سعيد، وأورد له في المرقص قوله: (٢) [من المجتث]
يا هَذِهِ لا تَرُومي … خِداعَ مَنْ ضاقَ ذَرْعُه
تبكي وقد قتلتني … كالسيف يقطرُ دَمْعُهُ
ومنهم ابن أخيه:
[٣١١] أبو جعفر بن عبد الملك بن سعيد (٣)
من تلك الجرثومة سمق، وعلى آثار تلك الأرومة سبق، دره مفصل النظام، مفضّل القيم في المقادير العظام.
стр. 6019
وقد ذكره ابن سعيد (١)، وقال: كتب إلى حفصة الشاعرة (٢) إثر وصل ليلة بات بها في موضع يعرف نحور مؤمل - وهو مستنزه - (٣): [من الطويل]
стр. 6020
رَعَى اللهُ لَيْلًا لَمْ يُزَحْ بِمُذَمَّمِ … عَشِيَّةَ وافانا نُحُورُ مُؤَمَّلِ
وَغَرَّدَ قُمْرِيٌّ على الدَّوحِ فانثنى … قَضِيبٌ مِنَ الرَّيْحَانِ مِنْ فَوقِ جَدْوَلِ
تَرَى الرَّوضَ مَسْرُورًا بِمَا قَدْ بَدَا لَهُ … عِناقٌ وضَمٌّ وارتشافُ مُقَبَّلِ
فجاوبته: [من الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا سُرَّ الرِّيَاضُ بوَصْلِنَا … ولكنَّهُ أَبْدَى لنا الغِلَّ والحَسَد
ولا صَفَّقَ النهرُ ارتياحًا بقُرْبِنَا … ولا صَدَحَ القُمْرِيُّ إلا لما وَجَدْ
فلا تحسنِ الظَّنَّ الذي أَنْتَ أَهْلُهُ … فما هو في كل المواطن بالرشد
فَمَا خِلْتُ هذا الأفق أبدى نجومَهُ … لشيءٍ سِوَى كيما يكون لنا رَصَدْ
ومنهم:
[٣١٢] أبو الحسن، ابن صقر المرسي (١)
ذو فِقَرٍ لا يلم بها فقر، وصَيْدٍ لشوارد المعاني لا ينكر لابن صقر، وفرائد نظم كأنها المباسم ولطائف أدب كأنها الرياح النواسم، أرست به مرسية على المجرة، وأضاءت حتى كأنها للنهار ضرة.
وقد ذكره ابن سعيد، وأورد له في المرقص (٢): [من الكامل]
لو أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ زَوْرَقَ فِتْيَةٍ … سُدًى لَهُمُ نَهْجُ السُّرُورِ مَرَاحُهُ
وقد استداروا تحتَ ظِلِّ شراعة … كلٌّ يَمُدُّ بِكَأْسِ رَاحٍ رَاحَهُ
لَحَسِبْتَهُ خَوْفَ العواطف طَائِرًا … مُدَّ الجُبانُ على بَنِيهِ جَناحَه
ومنهم:
[٣١٣] أبو عبد الله الرصافي البلنسي (٣)
شاعر سلب المدام نشوتها، وحكى في الظلام جلوتها، وجاء من الأدب بما تخف به زجاجاته، ويلج المسامع حاجاته.
стр. 6021
وقد أورد له ابن سعيد في المرقص قوله في حائك (١): [من البسيط]
جَذْلانُ تلعبُ بالمِحْواكِ أَنْمُلهُ … على السُّدَى لَعِبَ الأَيامِ بالدُّوَلِ
ضَمًا بكفيهِ أَوْ فَحْصًا بأَرْجُلِهِ … تَخَبُّط الظَّبْيِ في أَشْراكِ مُخْتَبل
قلت: وقد أورد ابن العطار الكاتب هذين البيتين في قطعة لابن الزقاق.
ومنهم:
[٣١٤] أبو بكر، يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي (٢)
الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة، والموشحات التي تأخذ القلوب بالجذيعة، ملئت محاسن لا تغرب شموسها، ولا تذهب كؤوسها، ضربت على الثريا
стр. 6022
رواق حَبَابِها، وحكت من النجوم فواقع حصبائها، وجاء منها بأنموذج ما حاكت مثله السحب، ولا حاكت شبهه رود الرياض القشب، هذا إلى إتقان للنظم العربي، واقتياد لصعبه الأبي، بمنطق كأَنَّما تزأر الأسود بين لحييه، ويستطعم حتى النحل من شفتيه.
وقد ذكره الفتح بن خاقان في القلائد، فقال (١): «هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وأصار عصيه طائعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وصنفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه».
وقال فيه - في مطمح الأنفس -: أحرز خصالًا، وطرز محاسنه بكرًا وأصالًا، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد، وبنى من المعارف على أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، ولم تنم له وطرا، ولم تسجم عليه من الخطوة مطرا، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات مع توهم لا يظفره بأمان، ويقلب ذهن كواهن الجمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم أرقاه إلى سمائه، وسقاه صوب نعمائه، وفيّأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، وأفرده بأنفس در، وقلّد لبته منها بقصائد غر.
ومن شعره قوله (٢): [من الكامل]
بأَبِي غَزَالٌ غَازَلْتُهُ مُقْلَتي … بينَ العُذَيْبِ وبينَ شَطَّي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجَوَى … فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحنُ مِنَ الدُّجى في خيمةٍ … ومِنَ النجومِ الزُّهْرِ تحتَ سُرَادِقِ
عاطيته والليلُ يسحب ذيلَهُ … صَهْباءَ كالمِسكِ الفَتِيقِ الناشق
وضَمَمْتُهُ ضَمَّ الكَمِي لسيفِهِ … وذُؤابتاهُ حَمَائِلٌ في عاتقي
حتى إذا مالتْ بهِ سِنَةُ الكَرَى … زَحْزَحْتُهُ شيئًا وكان معانقي
أبعدتُهُ عَنْ أَضلُع تشتاقُهُ … كي لا ينام على وساد خافقِ
стр. 6023
قلت: وقد تجاذب فقيهان من أهل عصرنا في بيتي من بقي وهما:
حتى إذا مالتْ بهِ سِنَةُ الكرى … . . . . . . . . . . . . . . .
والتالي له، وفي بيتي الحكم بن عيال اللذين هما:
إن كان لا بدَّ مِنْ رُقادِ … فأَضلُعِي هاكَ عَنْ وسادي
ونم على خَفْقِها هُدُوًّا … كالطَّفْلِ في تهنئة المِهادِ
فقال أحدهما: على بيتي ابن بقي اعتراضان، الأول: أنه أفحش العبارة في قوله: أبعدته، وكان ينبغي أن يقول:
أبعدت عنه أضالعي … . . . . . . . . . . . .
والثاني: ما ذكره ابن عيال؛ فقال الآخر: أما الاعتراض الأول، فمسلّم، وأما الثاني، فممنوع؛ لأن شعر ابن بقي يدل على أن خفقانه لكثرته، وقوته مما يمنع النوم بخلاف ما ذكره ابن عيال، فإن تشبيهه بتحريك المهد يقتضي أنه … ضعيف، ويدل عليه قوله: هدوًا. فقول ابن بقي أدل على قوة المحبة والشفقة على المحبوب والرفق به، وتجاريا في ذلك، فسُئلتُ في توجيه الصواب، واقترح في الجواب أن يكون على وزن [بيتي] ابن بقي ورويهما فقلت: [من الكامل]
قول ابن بقي ما عليه مأْخَذُ … لكنه قول المحب الوامق
يكفيه في صِدْقِ المَحَبةِ قَولُهُ: … زحزحته شيئًا وكان معانقي
وأراد شيئًا ما في الكرى … كي لا ينام على وساد خافق
ما حبُّهُ كَذِبٌ كدعوى غَيْرِهِ … ما الكاذب الدعوى نظير الصادق
تالله .. ما يَهْدًا فؤادُ مُتَيَّم … كلا ولا هذا المقال بلائق
ومقالُ مَنْ قد قال: إن ضُلُوعَهُ … خَفَقانُها كالمَهدِ غير موافق
ما الحبُّ إلا ما تَزِلُّ لَهُ الحَشَا … ويهدُّ أَيسَرُهُ فؤاد العاشق
انتهى الجواب.
وأنا أقول:
ما كان ضرَّ ابن بقي لو قال: أبعدت عنه أضلعًا تشتاقه؟ فكأنه يزول المأخذ، ويناسب قوله: زحزحته.
وقد روى بعضهم البيت الأول فقال: زحزحته عني وأظنّه من تلبيس المشنعين عليه، لما في ذلك من قبح الجفاء، وقدح الحبائب بقلة الوفاء.
عدنا إليه.
стр. 6024
ومنه قوله: [من البسيط]
حَمَامُنا فيهِ فَصْلُ القَيظِ مُحتَدِمٌ … وفيه للبرد سر غير ذي ضَرَرِ
ضدَّانِ ينعم جسم المرء بينهما … كالغُصْنِ ينعم بين الشمس والمَطَر
ومنه قوله (١): [من الكامل]
نوران ليس يُحجبان عن الورى … كرم الطباع ولا جمال المنظر
وكلاهما جمعا ليجني فليدع … كتمان نورِ علائه المتشهر
رد في شمائله ورد في جُودِهِ … بينَ الحديقة والغمام المُمْطِرِ
نَدْبٌ عليهِ مِنَ الوَقارِ سكينةٌ … فيها حفيظة كل ليث مُخْدِرٍ
مثل الحسام إذا انطوى في غِمْدِهِ … ألقى المهابة في نفوس الحُضَرِ
أزرى على الغيث المُلتٌ لأنه … أعطى كما أعطى ولم يستعبر
أَزْرَى على البحر الخضمّ لأَنَّهُ … في كُلِّ كَفَّ منه خمسةُ أَبْحُرِ
أقبلتُ مُرْتادًا بجودك إِنَّهُ … صوبُ الغَمَامَةِ بَلْ زُلالُ الكوثر
ورأيتُ وجه النُّجْحِ عندَكَ أَبيضًا … فَرَكِبْتُ نحوكَ كلَّ لُجِّ أَخْضَرِ
يجري إليك بنا سفينٌ أَتْلَعٌ … مثلُ البعير مُخَرَّمٌ في المنخر
وبناتُ أَعْوَجَ قَدْ بَرِمْنَ بصحبتي … مما قطعن من اليبابِ المُقْفِرِ
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
يا أقتل الناس ألحاظًا وأَطيبَهُمْ … رِيقًا متى كانَ فِيكَ الصَّابُ والعَسَلُ
في صَحْنِ خَدِّكَ وهو الشمس طالعةٌ … ورد يزيدُكَ فيهِ الرَّاحُ والخَجَلُ
إيمان حبك في قلبي مخدّره … من خدك الكتب أو من لحظكَ الرُّسُلُ
إنْ كنتَ تجهلُ أَنِّي عبد مملكةٍ … مُرْني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدتَ بِهِ … مِنْ فعل عينيكَ جُرحًا ليس يندمل
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
ومشمولة في الكأس تَحْسَبُ أَنَّها … سَماءُ عقيق رُصِعَتْ بالكواكب
بنت كعبة اللذاتِ في حَرَم الصّبا … فحجّ إليها الناسُ مِنْ كُلِّ جانب.
ومنه قوله (٤): [من الكامل]
стр. 6025
بتنا ونحن من الدجى في لجة … ومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلَهُ … صَفْراء كالمسك الفتيق لناشق
وضممتُهُ ضَمّ الكَمِيّ لسيفه … وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرى … زحزحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقُهُ … كي لا ينام على وساد خافق
ومنه قوله (١): [من الطويل]
وسل أهله عني [إذ] امتزتُ منهم … بطبعي وهل غادرت منْ مُتَرَدِّمِ
وطالبني دَهْرِي لأَنّيَ رُمْتُهُ … وأنّيَ فيهِ غُرَّةٌ فوقَ أَدْهَم
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
تلك الظباء عراب الخيلِ زرنَكُمُ … نَهْدٌ ووَرْدٌ وَذيَالٌ ومُنْجَرِدُ
تسيم للجيش ما امتدَّتْ أَعِنَّتُه … كالنارِ توسِعُ حَرْقًا كلَّ ما تَجِدُ
ومنه قوله (٣): [من البسيط]
وفتيةٍ لَبِسُوا الأَدْرَاعَ تَحْسَبُها … سِلْخَ الأَراقمِ إِلَّا أَنَّها قُتُبُ
إذا الغدير كسا أعطافَهُمْ حَلَقًا … طَفَا مِنَ البيض في هاماتهِم حَبَبُ
ومنه قوله (٤): [من البسيط]
أما ترى الليل قد أَنهتُهُ شَمْعَتُنا … مثل الكواكب باتَتْ حولَهُ حَرَسَا
مِنْ كُلِّ ناشرةٍ فَرْعًا لهُ شُعبٌ … عند القيام وأسبالٌ إذا نُكِسا
تطغى إذا نَهْنَهُوهَا عَنْ سَجِيتِها … كالماءِ إِنْ دَفَعُوا في صَدْرِهِ انبسا
ومنه قوله (٥): [من البسيط]
لا ينفد العزم إلا أَنْ تُنفّدَهُ … والسيفُ يَكْلِمُ إلا في يَدَي بَطَلِ
تَهْويمةٌ في بساطِ البِيْدِ يَهْجَعُها … أَشْهُى إليهِ مِنَ التهويم في الكلل
ونوبةٌ مِنْ صَهِيلِ الخيل يسمعُها … بالرَّمْلِ أَطْرَبُ أَلحانًا مِنَ الرَّمَل
يا كوكبًا يغرقُ العافُونَ في دُفَع … منه وتحترقُ الأعداء في شُعَلِ