وقد أورد له ابن سعيد في المرقص قوله في حائك (١): [من البسيط]
جَذْلانُ تلعبُ بالمِحْواكِ أَنْمُلهُ … على السُّدَى لَعِبَ الأَيامِ بالدُّوَلِ
ضَمًا بكفيهِ أَوْ فَحْصًا بأَرْجُلِهِ … تَخَبُّط الظَّبْيِ في أَشْراكِ مُخْتَبل
قلت: وقد أورد ابن العطار الكاتب هذين البيتين في قطعة لابن الزقاق.
ومنهم:
[٣١٤] أبو بكر، يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي (٢)
الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة، والموشحات التي تأخذ القلوب بالجذيعة، ملئت محاسن لا تغرب شموسها، ولا تذهب كؤوسها، ضربت على الثريا
стр. 6022
رواق حَبَابِها، وحكت من النجوم فواقع حصبائها، وجاء منها بأنموذج ما حاكت مثله السحب، ولا حاكت شبهه رود الرياض القشب، هذا إلى إتقان للنظم العربي، واقتياد لصعبه الأبي، بمنطق كأَنَّما تزأر الأسود بين لحييه، ويستطعم حتى النحل من شفتيه.
وقد ذكره الفتح بن خاقان في القلائد، فقال (١): «هو رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وأصار عصيه طائعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وصنفا عليه حرمانه، وما صفا له زمانه».
وقال فيه - في مطمح الأنفس -: أحرز خصالًا، وطرز محاسنه بكرًا وأصالًا، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد أمد، وبنى من المعارف على أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، ولم تنم له وطرا، ولم تسجم عليه من الخطوة مطرا، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات مع توهم لا يظفره بأمان، ويقلب ذهن كواهن الجمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم أرقاه إلى سمائه، وسقاه صوب نعمائه، وفيّأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، وأفرده بأنفس در، وقلّد لبته منها بقصائد غر.
ومن شعره قوله (٢): [من الكامل]
بأَبِي غَزَالٌ غَازَلْتُهُ مُقْلَتي … بينَ العُذَيْبِ وبينَ شَطَّي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجَوَى … فأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحنُ مِنَ الدُّجى في خيمةٍ … ومِنَ النجومِ الزُّهْرِ تحتَ سُرَادِقِ
عاطيته والليلُ يسحب ذيلَهُ … صَهْباءَ كالمِسكِ الفَتِيقِ الناشق
وضَمَمْتُهُ ضَمَّ الكَمِي لسيفِهِ … وذُؤابتاهُ حَمَائِلٌ في عاتقي
حتى إذا مالتْ بهِ سِنَةُ الكَرَى … زَحْزَحْتُهُ شيئًا وكان معانقي
أبعدتُهُ عَنْ أَضلُع تشتاقُهُ … كي لا ينام على وساد خافقِ
стр. 6023
قلت: وقد تجاذب فقيهان من أهل عصرنا في بيتي من بقي وهما:
حتى إذا مالتْ بهِ سِنَةُ الكرى … . . . . . . . . . . . . . . .
والتالي له، وفي بيتي الحكم بن عيال اللذين هما:
إن كان لا بدَّ مِنْ رُقادِ … فأَضلُعِي هاكَ عَنْ وسادي
ونم على خَفْقِها هُدُوًّا … كالطَّفْلِ في تهنئة المِهادِ
فقال أحدهما: على بيتي ابن بقي اعتراضان، الأول: أنه أفحش العبارة في قوله: أبعدته، وكان ينبغي أن يقول:
أبعدت عنه أضالعي … . . . . . . . . . . . .
والثاني: ما ذكره ابن عيال؛ فقال الآخر: أما الاعتراض الأول، فمسلّم، وأما الثاني، فممنوع؛ لأن شعر ابن بقي يدل على أن خفقانه لكثرته، وقوته مما يمنع النوم بخلاف ما ذكره ابن عيال، فإن تشبيهه بتحريك المهد يقتضي أنه … ضعيف، ويدل عليه قوله: هدوًا. فقول ابن بقي أدل على قوة المحبة والشفقة على المحبوب والرفق به، وتجاريا في ذلك، فسُئلتُ في توجيه الصواب، واقترح في الجواب أن يكون على وزن [بيتي] ابن بقي ورويهما فقلت: [من الكامل]
قول ابن بقي ما عليه مأْخَذُ … لكنه قول المحب الوامق
يكفيه في صِدْقِ المَحَبةِ قَولُهُ: … زحزحته شيئًا وكان معانقي
وأراد شيئًا ما في الكرى … كي لا ينام على وساد خافق
ما حبُّهُ كَذِبٌ كدعوى غَيْرِهِ … ما الكاذب الدعوى نظير الصادق
تالله .. ما يَهْدًا فؤادُ مُتَيَّم … كلا ولا هذا المقال بلائق
ومقالُ مَنْ قد قال: إن ضُلُوعَهُ … خَفَقانُها كالمَهدِ غير موافق
ما الحبُّ إلا ما تَزِلُّ لَهُ الحَشَا … ويهدُّ أَيسَرُهُ فؤاد العاشق
انتهى الجواب.
وأنا أقول:
ما كان ضرَّ ابن بقي لو قال: أبعدت عنه أضلعًا تشتاقه؟ فكأنه يزول المأخذ، ويناسب قوله: زحزحته.
وقد روى بعضهم البيت الأول فقال: زحزحته عني وأظنّه من تلبيس المشنعين عليه، لما في ذلك من قبح الجفاء، وقدح الحبائب بقلة الوفاء.
عدنا إليه.
стр. 6024
ومنه قوله: [من البسيط]
حَمَامُنا فيهِ فَصْلُ القَيظِ مُحتَدِمٌ … وفيه للبرد سر غير ذي ضَرَرِ
ضدَّانِ ينعم جسم المرء بينهما … كالغُصْنِ ينعم بين الشمس والمَطَر
ومنه قوله (١): [من الكامل]
نوران ليس يُحجبان عن الورى … كرم الطباع ولا جمال المنظر
وكلاهما جمعا ليجني فليدع … كتمان نورِ علائه المتشهر
رد في شمائله ورد في جُودِهِ … بينَ الحديقة والغمام المُمْطِرِ
نَدْبٌ عليهِ مِنَ الوَقارِ سكينةٌ … فيها حفيظة كل ليث مُخْدِرٍ
مثل الحسام إذا انطوى في غِمْدِهِ … ألقى المهابة في نفوس الحُضَرِ
أزرى على الغيث المُلتٌ لأنه … أعطى كما أعطى ولم يستعبر
أَزْرَى على البحر الخضمّ لأَنَّهُ … في كُلِّ كَفَّ منه خمسةُ أَبْحُرِ
أقبلتُ مُرْتادًا بجودك إِنَّهُ … صوبُ الغَمَامَةِ بَلْ زُلالُ الكوثر
ورأيتُ وجه النُّجْحِ عندَكَ أَبيضًا … فَرَكِبْتُ نحوكَ كلَّ لُجِّ أَخْضَرِ
يجري إليك بنا سفينٌ أَتْلَعٌ … مثلُ البعير مُخَرَّمٌ في المنخر
وبناتُ أَعْوَجَ قَدْ بَرِمْنَ بصحبتي … مما قطعن من اليبابِ المُقْفِرِ
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
يا أقتل الناس ألحاظًا وأَطيبَهُمْ … رِيقًا متى كانَ فِيكَ الصَّابُ والعَسَلُ
في صَحْنِ خَدِّكَ وهو الشمس طالعةٌ … ورد يزيدُكَ فيهِ الرَّاحُ والخَجَلُ
إيمان حبك في قلبي مخدّره … من خدك الكتب أو من لحظكَ الرُّسُلُ
إنْ كنتَ تجهلُ أَنِّي عبد مملكةٍ … مُرْني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدتَ بِهِ … مِنْ فعل عينيكَ جُرحًا ليس يندمل
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
ومشمولة في الكأس تَحْسَبُ أَنَّها … سَماءُ عقيق رُصِعَتْ بالكواكب
بنت كعبة اللذاتِ في حَرَم الصّبا … فحجّ إليها الناسُ مِنْ كُلِّ جانب.
ومنه قوله (٤): [من الكامل]
стр. 6025
بتنا ونحن من الدجى في لجة … ومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلَهُ … صَفْراء كالمسك الفتيق لناشق
وضممتُهُ ضَمّ الكَمِيّ لسيفه … وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرى … زحزحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقُهُ … كي لا ينام على وساد خافق
ومنه قوله (١): [من الطويل]
وسل أهله عني [إذ] امتزتُ منهم … بطبعي وهل غادرت منْ مُتَرَدِّمِ
وطالبني دَهْرِي لأَنّيَ رُمْتُهُ … وأنّيَ فيهِ غُرَّةٌ فوقَ أَدْهَم
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
تلك الظباء عراب الخيلِ زرنَكُمُ … نَهْدٌ ووَرْدٌ وَذيَالٌ ومُنْجَرِدُ
تسيم للجيش ما امتدَّتْ أَعِنَّتُه … كالنارِ توسِعُ حَرْقًا كلَّ ما تَجِدُ
ومنه قوله (٣): [من البسيط]
وفتيةٍ لَبِسُوا الأَدْرَاعَ تَحْسَبُها … سِلْخَ الأَراقمِ إِلَّا أَنَّها قُتُبُ
إذا الغدير كسا أعطافَهُمْ حَلَقًا … طَفَا مِنَ البيض في هاماتهِم حَبَبُ
ومنه قوله (٤): [من البسيط]
أما ترى الليل قد أَنهتُهُ شَمْعَتُنا … مثل الكواكب باتَتْ حولَهُ حَرَسَا
مِنْ كُلِّ ناشرةٍ فَرْعًا لهُ شُعبٌ … عند القيام وأسبالٌ إذا نُكِسا
تطغى إذا نَهْنَهُوهَا عَنْ سَجِيتِها … كالماءِ إِنْ دَفَعُوا في صَدْرِهِ انبسا
ومنه قوله (٥): [من البسيط]
لا ينفد العزم إلا أَنْ تُنفّدَهُ … والسيفُ يَكْلِمُ إلا في يَدَي بَطَلِ
تَهْويمةٌ في بساطِ البِيْدِ يَهْجَعُها … أَشْهُى إليهِ مِنَ التهويم في الكلل
ونوبةٌ مِنْ صَهِيلِ الخيل يسمعُها … بالرَّمْلِ أَطْرَبُ أَلحانًا مِنَ الرَّمَل
يا كوكبًا يغرقُ العافُونَ في دُفَع … منه وتحترقُ الأعداء في شُعَلِ
стр. 6026
لا يُدرك الناس لو راموا ولو جَهِدُوا … بِالرَّيْثِ بعض الذي أَدْرَكْتَ بالعَجَلِ
وقد ذكره ابن بسام ومما قال فيه (١): وأخرجته فتنة طليطلة؛ ولما يسطع بعد ضوؤه، ولا نشأ نوؤه، فاحتل إشبيلية، قمر تَمَّ شَرَّقَ وغَرَّبَ، وأَحْزَنَ ذكرُهُ في البلاد وأَسْهَب. وقد أخرجتُ مِنْ شعرِهِ ما سرني مِنَ الإطراء ويرى أني ربّما قصرت في الثناء.
ومما أنشد له قوله (٢): [من الكامل]
سل بالعيون فتى أُصيب بها … مِثْلِي لتعلم صِحَّةَ الأَمْرِ
هُنَّ السُّيوفُ مِنَ الرَّدَى طَعَنَتْ … تبرى النفوس وقلما تبري
وقوله (٣): [من الكامل]
زُهْرُ الكَواكِبِ كُلُّها شَهِدَتْ … أَنَّ السِّيادة في بني زُهْرِ
وافخر بنفسك لستَ دُونَهُمُ … ولئن سَكَتَ فَخِيفَةُ الكِبْرِ
وقوله (٤): [من البسيط]
يا زُهْرُ زُهْرَ أَيادٍ لا كما زَعَمَتْ … زُهْرُ النُّجومِ فَمَا للصيد أنداد
حقًا سَلَكْتِ الفيافي وهيَ مُوحِشَةٌ … بَهْمَاءُ ساكنها طي وفَيَّادُ
يجيب فيها الصَّدَى مَنْ ليسَ يسأَلُه … ويقتُلُ الجُوعُ فيها مَنْ لَهُ زَادُ
والمَرْوُ فِي الحَرَّةِ الرَّجْلاءِ قَدْ حَمِيَتْ … كَأَنَّهُنَّ مِنَ العُشَّاقِ أَكباد
منها:
يخرجنَ مِنْ جَنَباتِ النَّقْع ثائرةً … كَأَنَّهُنَّ سُقُوطٌ وهِيَ أَزْنَادُ
ولوا جميعًا بما في الدَّهرِ مِنْ حَسَنٍ … لا عيب في القوم إلا أَنَّهم بادوا
وقوله (٥): [من البسيط]
لَمْ أَعْلَم الشَّوْقَ إِلا مِنْ مُطَوَّقَةٍ … فَهِمْتُ عنها الذي قالت ولم تُبنِ
لا مثلها وسقيط الطَّلِّ يضربها … في عاتِقَيْ حُلَّةٍ مِنْ سُنْدُسٍ اليمن
تذكرت ساق حُرِّ وهي تندُبُهُ … في الأَخْضَرِينِ مِنَ الظَّلماءِ وَالفَنَنِ (٦)
والنجم منهزم أولى كتائِبِهِ … والصُّبْحُ يغسل ثوب الليلِ مِنْ دَرَنِ
стр. 6027
منها في وصف طرف:
لكن على سابحٍ نَهْدِ مَرَاكلهُ … مُؤَلَّل الجيد والأرساغ والأُذُنِ
أقام في الحي أحيانًا وآوِنَةً … يَسْقِي الضَّريحِينِ مِنْ مَاءٍ وَمِنْ لَبَنِ
فجاءَ إِذْ صَنَعُوهُ وهوَ مُضْطَهِرُ … سامي التَّلِيلِ ممر الحَلْقِ الشَّطَنِ
يهوى مِنَ الأرضِ أنى شاءَ راكِبُهُ … ويترك الرِّيحَ في الآرِيُّ والرَّسَنِ
وقولُه (١): [من البسيط]
وتيموا بعيون غير فاترة … مِنَ الأَسِنَّةِ لَمْ تَهْجَعْ مَعَ المُقَلِ
إلا تكن أعْيُنًا نُجْلًا فَإِنَّ لها … في أضلع القوم مثل الأَعْيُنِ النُّجُلِ
يمشي بها الخُيَلاءَ الخَيْلُ شائلةٌ … مثل الكَوَاعِبِ فِي حَلْي وفي حُلَلٍ
مِنْ كُلِّ مُضْطَمِرِ الكَشْحَينِ حافِرُهُ … أَحَقُّ مِنْ مَبْسَمِ الحَسْناءِ بالقُبَلِ
وقوله (٢): [من البسيط]:
مَنْ لِي بِهِ والوَغَى شَهْبَاءُ مِنْ أَسَلٍ … فِي صَهْوَةٍ مِنْ أَقَبِّ البطنِ مُنجرد
يُرْدِي ويَصرعُ أقرانًا عُيونُهُمُ … حُمْرٌ مِنَ الرَّوْعِ الأَحُمْرُ مِنَ الرَّمَدِ
بكلِّ غُصْنٍ مِنَ الخَطَّيِّ مُنْعَطِفٍ … بطائرِ مِنْ سِنَانٍ ليس بالغَرِدِ
الدهرُ أَخْوَنُ مِنْ أَنْ يستقيم لكم … وإنَّما جَاءَ عَنْ كُرْهِ وَلَمْ يَكَدِ
وقوله (٣): [من الكامل]
لم أَنسَ إِذْ وَدَّعْتُهُ وقدِ التَقَتْ … مِنَّا هُنالك بالبكا عينان
يرنو بنرجسة إلي وربما … قرع الأقاح بياسمين البان
وقوله (٤): [من الطويل]
أإنْ بَعُدَتْ مِنِّي الدموعُ تَغَامَزُوا … وقالوا: سلا أَوْ لَمْ يكن قبلُ مُغْرَما
فهلًا أقاموا كالبكاءِ تَنَهْدِي … إذا ما بكى القُمْرِيُّ قالوا: تَرَنَّما
نوا بِصَمُوتِ الحِجلِ عاطِرَةِ الشَّذَا … مُبْتَلَّةِ الأعطافِ مَعْسُولَةِ اللَّمى
أَلا نَظْرَةٌ منها فتنقَعَ غُلّةً … على كَبِدِي مَا أَشْبَهَ الشَّوْقَ بِالظَّمَا
وقوله (٥): [من البسيط]
стр. 6028
فَأَتى بِهِ الدَّهْرُ فَرْدًا في فضائلِهِ … وفي الفَرَائِدِ مَا يُرْبى على الجُمَلِ
بياضُ عِرْضِ تَحَامى الذم جانبَهُ … ليسَ السَّوادُ بأبهى منه في المُقَلِ
وقوله (١): [من الكامل]
ولقد وصفت لعاذلي مِنْ حُسْنِهِ … طَرَفًا فَوَدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْذِلِ
وعَصَيْتُهُ فيما مضى مِنْ عَهْدِنا … وأنا الذي أعصيه في المستقبل
وقوله (٢): [من الطويل]
إليكَ تَرَامَتْ في قَلُوصِ كأَنَّها … معطَّفَةٌ في دَفْها والحَيَازِمِ
لَغُوْبٌ إذا رَقْصُ السَّرابِ استفزَّها … ببيضِ الأَدَاحِي في النَّقَا المتراكم
تُبارِي الصَّبا في سَيرِهَا فَكَأَنَّها … جَبَانٌ تَوَلى في غُبارِ الهَزَائِمِ
وما رَاعَها إلا الزِّمَامُ تظنُّهُ … إذا ما تَدَلَّى حَيَّةٌ في المَخَاطِمَ
وقوله (٣) في أبي الحسن بن سراج: [من الوافر]
تَشِفُ وراءَ فِطْنَتِهِ المعالي … شفيف الرَّاحِ مِنْ خَلْفِ الزُّجَاجِ
وكان الناس في ظُلُمَاتِ جَهْلٍ … فما جُلِيَتْ بغَيرِ بني سِرَاج
وقوله (٤): [من البسيط]
أما الرياض فقد أمهرتُها قَدَحًا … مِنَ المُدام نكاحًا ليس فيهِ وَلِي
عقيقة في يدي سالت وأَشْرَبُها … لو شُعْشِعَتْ بسجايا الدَّهْرِ لَمْ تَسِلِ
وقوله (٥): [من الخفيف]
وَبَدَا مِعْصَمُ الخليج فَخَطَّتْ … فوقَهُ الريحُ أَسْطُرًا مِنْ وُشُومِ
سوف تدري الهُمُومُ أَيةُ راحٍ … أَخَذَتْ مِنْ أَرْوَاحها والجُسُومِ
كَرُمَتْ في حَدَائِقٍ غَرَمُوهَا … الكرام فسُمِّيَتْ بالكُرُومِ
سعتي البعل حتى كأَنْ قدْ … أنْشَرَ الله معبدًا مِنْ رَمِيم
عُجْمَةٌ أَعْرَبَتْ بوجد دقيق … وكلامٍ مُقَطَّعٍ مِنْ كُلُومٍ
منها يصف ناقة (٦):
стр. 6029
أَوْضَعَتْ بي إليهِ وجَناءُ حَرْفٌ … أَكَلَتْها السفارُ أَكْلَ القَضِيمِ
تترك الرِّيحَ خَلْفَها وهيَ حَسْرَى … بين إيضاعِها وبين الرسيم
ظلْتُ أطوي القفار منها بلامٍ … طَبَعَتْها بالميم إثر الميم
فأتته والمرء قد نال منها … فهي تخطو على وصف ريم
فَأَنخنا إلى فِناءِ جَوادٍ … مالُهُ نُهْبَةٌ لكلِّ عديم
فأكلنا لهاهُ أَكْلَ الضَّواري … وشَرِبنا نَدَاهُ شُرْبَ الهِيْمِ
وقوله (١): [من الكامل]
والله ما أدري وإننّي واقف … للراح بين تحير وتعجب
أَفَضَضْتُ دَنَا أَمْ هَتَكْتُ الخِدْرَ عَنْ … بكرٍ تجولُ معَ المُنى في مَلْعَبِ
أُخْتُ الزمان تكسبتْ مِنْ خُلْقِهِ … جَهْلَ المُراهِق واحتناكَ الأَشْيَبِ
وقوله في الخيل (٢): [من الطويل]
مُسوَّمةٌ يحكي سنابكها الصَّفا … وتَنْقَضُّ منها بالضَّراغم عِقْبانُ
نَمَتْها إلى حُرِّ النَّجَارِ صِفاتُها … فللبع أضلاع وللاس آذان
ومنهم:
[٣١٥] ابن محبولة (٣)
قانص لا تخلص شوارد المعاني له من أحبولة، ولا يتغيّر له شيم على محاسن البدائع مجبولة.
وقد ذكره ابن سعيد، وأورد له في المرقص (٤) قوله: [من البسيط]
تراه عيني وكفّي لا تُباشِرُهُ … حتى كأَنِّي في المرآة أُبْصِرُهُ
وقوله (٥): [من السريع]
إني بلا رحب ولا مُكْثَةٍ … وقعَ العصافير على السنبل
стр. 6030
ومنهم:
[٣١٦] ابن حيوس الأشبيلي (١)
لا يجف له ضَرْعُ خاطِر، ولا يخف نوءُ سَحابِ ماطر، لو مَسَّ بقريحته الصَّلَد لتفجر، أو الجُهَام لاثْعَنْجَر، وحسبك من مرمى غرضه البعيد، ما ذكره ابن سعيد؛ وأورد له في المرقص قوله في أشتر العين لا تفارقه الدمعة (٢): [من الكامل]
شُتِرَتْ فَقُلْنا: زَوْرَقٌ في لُجَّةٍ … مالت بإحدى دفتيهِ الرِّيحُ
فكأَنَّما إنسانها ملاحُها … قَدْ خافَ مِنْ غَرَةٍ فَظَلَّ يَمِيحُ
ومنهم:
[٣١٧] ابن حمديس
وهو عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، أبو محمد (٣).
صباح لا تُصْدِئه الغياهب، وقراح لا تكدّره الشوائب، وجواد لا تَلِزُّه السوابق،
стр. 6031
وسحاب لا تهزّه البوارق. لا يتساقط غصنُهُ المثمر، ولا يبهم جنح ليله المقمر، طريقه قل من سلكها، وجل من بوّأ قمره المنير فلكها.
وقد ذكره ابن بسام فقال (١): «هو شاعر ماهر يُقرطس أغراض المعاني البديعة، ويغوص في بحر الكلم على درّ المعنى الغريب، فمن معانيه البديعة»؛ قوله (٢): [من الرمل]
بت منها مُستعيدًا قُبَلًا … كُنَّ لي منها على الدهر اقتراح
وأُرَوِّي غُلَلَ الشَّوقِ بما … لم يكن في قدرة الماء القراح
وقوله (٣):
زادت على كَحَلِ الجُفُون تكحلًا … و ونصل السهم وهو قتول
وقوله في الخمر (٤): [من البسيط]
إنِّي امْرُؤٌ لا أرى خَلْعَ العِذَارِ عَلى … مَنْ لا يقوم عليه في الهوى عُذري
فما فُتِنْتُ برِدْةٍ غيرِ مُرتدفٍ … ولا جُننتُ بخَصْرٍ غير مُختَصَر.
ورُبَّ صَفْراء لم تنزل بسَوْرَتها … لصولة الهم من عين ولا أَثَرِ
تزدادُ ضَعْفًا كلما بلغت … بها الليالي حُدُودَ الضَّعْفِ والكِبَرِ
لا يعرفُ الشَّرْبُ عَينًا مِنْ مناقبها … إلا دعاوي بين المِسْكِ والزَّهَرِ
تصافح الرأس من كاساتها شُعَلٌ … ترمي مَخَافَةَ لَمْسِ المَاءِ بالشَّرَرِ
ومنها قوله:
بالله يا سمرات الحي هَلْ هَجَعَتْ … في ظلِّ أَغصانِكِ الغِزْلانُ في سَحَرِ
стр. 6032
يفديك قلبي ولو تسطيعُ مِنْ وله … طارت إليك بجسمي لمحةُ البَصَرِ
وقوله (١): [من الطويل]
ركبتُ جَوَى جَوابة الأرضِ لم يعش … لراكبها عَنْسٌ تَخُبُّ ولا رِجْلُ
ولولا ذرى ابن القاسم الواهب الغنى … لما حطّ منها عندَ ذِي كَرَمِ رَحْلُ
مروعة أَمْوَالُهُ بِعَطَائِهِ … كأَنَّ جُنُونًا مسَّها منهُ أَوْ خَبْلُ
وأَيُّ أمانٍ أَوْ قرار لخائف … على رأسِهِ مِنْ كَف قاتِلِهِ نَصْلُ
وقوله يصف خيلًا (٢): [من الطويل]
تَخُبُّ بهمْ قُب ليطيل سُهَيلها … بأَرْضِ أَعادِيهِمْ نِياحَ النَّوَادِبِ
مؤللة الآذان تحتَ إلا لهم … كما حرفَتْ بالبري أفلام كاتب
وقوله في سيف وفي معناه غرابة قصر عن تناول رايتها عرابه، ما طبع على حده يماني، ولا أهدى حامل افرنده الهندواني (٣): [من الوافر]
يماني إذا استمطرتَ صَوْبًا … بهِ مِنْ عارضِ المُهَجاتِ صَابا
كأَنَّ شُعاع عين الشمس فيه … وإن كانَ الفِرِنْدُ بِهِ ضَبابا
ومنها قوله وأجاد، ومد الباع، وأطال النجاد، وصعد حتى لم ينهنه علاؤه، وأَنفَ بما تأتي له همته وبلاؤه:
وكنا في مواطننا كِرَامًا … تَعَافُ الضَّيم أنفسنا وتابي
صَبَرْنا للخُطُوبِ على ضُرُوبٍ … إِذا رُمِيَ الوَليد بهن شابا
وقوله في طرف أدهم، وإن لم يلم فيه إلا بما تداولته القرائح، وأفاضته الخواطر، إلا أنه أحسن سبك ذهبه، وركبه في أحسن صورة (٤): [من الطويل]
شَرِبْتُ بمحْبُوكِ مِنَ القُبِّ كُلَّما … دعا شَأْوَهُ وحي العِنَانِ أَجابا
مِنَ الجِنِّ فَاسْمُ اللهِ إِمَّا وَضَعْتَهُ … مَكانًا فَضِيعًا طار عنكَ فَعَابا
هو الطَّرْفُ فاركب منه في ظَهْرِ طَائِرٍ … تَنَلْ كُلّما أعيا عليك طلابا
ومنها قولُه، وغائر واجتهد حتى كأنه خائر: [من الطويل]
ولم أَرَ كالدُّنيا خَؤُونًا لصاحب … ولا كمصابي بالشباب مصابا
فقدت الصبا فابيض مُسوَدُّ لمّتي … كأَنَّ الصّبا للشيب كان خضابا
стр. 6033
وقولُه؛ وما تَرَكَ حُسنَى، ولا قنع إلا بما هو أسنى حتى صيرها أمثالًا سائرة، وأقوالًا في مهاب الرياح طائرة (١): [من الكامل]
أَمْطَتْكَ همَّتُكَ العزيمة فاركب … لا تُلْقِيَنَّ عَصَاكَ دُوْنَ المَطْلَبِ
فاطو العَجَاجَ بكلِّ يَعْمَلَةٍ لها … عَوْمُ السَّفينة في سَرَابِ السَّبْسَبِ
شَرِّقْ لتجلو عَنْ ضيائِكَ ظُلمةً … فالشمس يمرض نُورُها بالمغرب
إِنَّ الخُطوبَ طَرَقْنني في جَنَّةٍ … أَخرجنني مِنْها خُروج المذنب
كُلِّ لأشراكِ التَحَيُّلِ ناصِبٌ … فَاخْلُبْ بني دنياك إنْ لَمْ تَغْلِب
ولَرُبَّ محتقر تركتُ جوابَهُ … والليث يأنَفُ مِنْ جَوَابِ الثَّعْلَبِ
أصبحت مثل السيف أبلى غِمْدَهُ … طُولُ اعتلاقِ نجاده بالمنكبِ
إن يعله صَدَةٌ فكمْ مِنْ صَفحةٍ … مَصْقُولَة للماء تَحْتَ الطحلب
وقوله؛ وفيه إبانة لشرف عنصره، وشره الأسماع لالتقاط جوهره (٢): [من الطويل]
وبينَ رَحِيلي والإياب لحاجِها … مِنَ الدَّهْرِ ما يُبلي رَتِيمَةَ خِنْصِرِ
وتَطْرَحُنِي بالعَزْمِ مِنْ غيرِ فَتْرَةٍ … سَفَائنُ بيد في سفائِنِ أَبْحُرِ
أغرَّكَ تلويح بجسمي وأنني … لكالسيف يعلُو مَتْنَهُ مَسُّ جوهر
لأَبْقَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ منّي بقية … مذكرة مثل الحسامِ المُذَكَّرِ
وما ضَعْضَعَتْني للحوادثِ نَكْبَةٌ … ولا لان في أيدي الحوادثِ عُنْصُرِي
وقوله؛ وكأنما عني دينار قمره في العرب حيث رجح، وطائر فشمعه المطل إذ جنح (٣): [من الرجز]
حتى أتي الليلُ بِصَحو لم يكن … يعتبقُ الغيثُ به كما اصطبح
كأَنَّما حَلَّقَ مِنهُ قَشْعَمٌ … يَنْدَى علينا ريشُهُ إِذا جَنَحْ
وقد محَاصِبْغَ الدياجي قَمَرٌ … دينارُهُ في كَفَّةِ الغَرْبِ رَجَحْ
وقوله (٤): [من الطويل]
ومشمولة راح كأَنَّ حَبَابَها … إذا ما بَدَا فِي الكَأَسِ دُرِّ مُجَوَّفُ
لها مِنْ شَقِيقِ الرَّوْضِ لَونُ كَأَنَّما … إذا ما بَدَا في الكأس منهُ مُطرَّفُ
стр. 6034
شَرِبتُ على بَرْقٍ كَأَنَّ ظَلامَهُ … إذا احمر ليلًا أسود باتَ يَرْعُفُ
وقوله؛ وفي الأول تظارف، وفي الثاني بلغ الغاية أو شارف (١): [من الكامل]
ما زلتُ أشرب كأسَهُ مِنْ كَفِّهِ … ورُضابُهُ نُقْلٌ على ما أشرب
والشُّهْبُ في غَرْبِ السَّمَاءِ سَوَاقِطٌ … كبناتِ ماء في غدير تَرْسُبُ
وقوله في نهر وهو في المعاد الذي لا يمل، والزلال الذي نُهل ويُعل، والفولاذ الذي جاء منه بالمجوهر والسكر، إلا أنه أتى بأحسن ما فيه من المكرر (٢): [من الطويل]
ومُطَّرِدِ الأجزاء تَحسَبُ مَتْنَهُ … صبًا أعلنت سِرَّ الذي في ضَمِيرِهِ
جريح بأطراف الحصى كلَّما جَرَى … عليها شَكَا أَوجَاعَهُ بِخَرِيرِهِ
كأَنَّ حبابًا رِيعَ تحتَ حَبَابِهِ … فسارعَ يُلقي نفسه في غديره
كأَنَّ الدُّجَى خَطَّ المَجَرِّةِ بيننا … وقدْ كُلِّلَت حافاته بهدوره
شربنا على حافاته دور سكرِهِ … واقتل سكرًا منه عينُ مُديره
وقوله في الشمعة وقد أحسن على أنه ما أغرب وهز وإن كان ما طرب، لتحيله حتى صان ألفاظها المبذولة، وخفف معانيها المطلولة فأعاد على النحل ريقها المنحولة، وحلاها لا يصد عن لمى مراشفها المعسولة، وهو (٣): [من المتقارب]
قناةٌ مِنَ الشمع مركُوزَةٌ … لها حربةٌ طُبعَتْ مِنْ ذَهَبْ
تُحَرَّقُ بالنارِ أَحْشَاؤُها … فتدمعُ مُقلتُها باللهب
تمشى لنا نورها في الدجى … كما يتمشى الرضا في الغَضَبْ
فأَعْجِبْ لآكِلَةٍ جِسْمُها … بِرُوحٍ يُشاركها في العطب
وكذلك قوله فيها (٤): [من المنسرح]
مصفرة الجسم وهي ناحلة … تستعذبُ العَيْشَ مَعْ تَعَذَّبها
يطعن صَدْرَ الدُّجى بعاليةٍ … صنوبري لسانُ كَوْكَبها
إنْ تَلِفَتْ روح هذه اقتبست … مِنْ هذه فضلةً تعيش بها
كحية باللسان لاحِسَةٍ … ما أدركت مِنْ سَوَادِ غَيْهَبِها
ثم مما قاله وسقى جرياله، وعلّق بحبال الشمس من أمسك أذياله (٥): [من الكامل]
صَدَّتْ وبدر التم مكسوف به … فَحَسِبْتُ أَنَّ كسوفَهُ مِنْ صَدِّها
стр. 6035
فكَأَنَّهُ مِرآة قيرِ أُحْمِيَتْ … فمَشْى احمرار النارِ في مُسْوَدّها
وقوله وما هو إلا الدرّ، والحب المبذول إن لم يكن الحر (١): [من الكامل]
باكرتها والليلُ فيهِ حُشاشةٌ … تستلها بالرفق منه المغرب
والجو أقبل في تراكبِ مُزْنَةٍ … قُزَحٌ بعطفةِ قَوسِهِ يَتَنَكَّبُ
وأورد له ابن سعيد في المرقص (٢): [من السريع]
اشرب على بركةِ نَيْلَوفَرٍ … مُصفرة الأوراق خضراء
كأنما أزهارها أَخْرَجَتْ … أَلْسِنَةَ النارِ مِنَ الماءِ
وأما من طرز بهم ابن رشيق انموذجه فجماعة منهم:
[٣١٨] عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي (٣)
مغرم لا تنقضي صباباته، ولا تنتهي مع بلهه إصاباته، ولا يلتقي بعده الشعراء، إلا بما أبقته صباباته. سابق برز، وناطق للبلاغة محرز، لو تقدم زمان الجاهلية لدناسه، وغض من كل فحل فلم يرفع رأسه، وفخر حتى على ابن عمه النهشلي شاعر الحماسة، وسلبه إمامته، وألهاه أن يقول: فناسق بأموالنا آثار أيدينا وأسلاه .. محبوسه، فلم يقل: «إنا محيوك يا سلمى فحيينا» لمذاهب تهيبتها القدماء وجازها، ومحاسن تفرقتها النظراء وحازها.
قال فيه ابن رشيق (٤): «منشؤه بالمحمدية من أرض الزاب، يكتب لتميم بن باديس». ووصفه بكمال الأدب والتعقل.
حكى عنه قال (٥): «حدثني من أثق به. قال: كنا في مجلس شراب والكأس في يد عبد الكريم فصففنا رواقص ترقص، فصفق عبد الكريم فأسقط الكأس في حجره، وعليه ثياب نفيسة فأتلفها، فقلنا له: ما هذا؟
فقال: ما علمت أن الكأس في يدي.
стр. 6036
وقال: قال له بعض إخوانه: إنهم يزعمون أنك أبله،
فقال: هم البله، هل أنا أبله في صناعتي؟!
قال: لا،
قال: فما على الصانع أن لا يكون نساجًا؟
قال ابن رشيق: ولعمري ما هذا بله، ولقد أصاب ثغره الصواب».
وقال (١): «حدثني بعض الكتاب أنه بينا كُتَّاب الخراج يتذاكرون الشعر والبديهة، وعبد الكريم حاضر، إذ دبَّت دباة فأراد بعضُهم امتحان بعض بوصفها، فقال عبد الكريم: أما أنا فرجل فكري يُقصد، فبدر يعلى بن إبراهيم بن عبد الخالق - وكان أصغرهم سنًا - فجعلها بين أصبعيه واستمد من ساعته وكتب (٢): [من الطويل]
وخيفانة صفراء مُسودَّةِ القَرَا … أَتتك بلون أسود فوق أصفر
وأجنحة قد ألحقتها كرُدْنَةٍ … تقاصر عن أثناء بردٍ مُحبّر
فدهش جميع من حضر، وكان له الفلج والظفر».
ومما أنشد لعبد الكريم قوله (٣): [من الطويل]
هَنَتْكَ أَميرَ الجُودِ خير هديةٍ … تقدّمها الإيمان واليمن والفخر
بيوم تسامى فيهِ وَرْدٌ مُسَوَّمٌ … وأَشْقَرُ يَعْبُوبٌ وسابِحَةٌ حِجْرُ
ودهم كأَنَّ الليل ألقى رداءَهُ … عليهِ فمرفوع النواحي ومُنْجَر
وقبلها ضوء الصباح كَرَامَةً … فهنَّ إلى التحجيل مرثومةٌ غُر
وبلقٌ تَقَاسَمْنَ الدُّجُنَّةَ والضُّحى … فَمِنْ هذهِ شَطْرُ ومِنْ هَذِهِ شَطْرُ
مُجَرَّعَةٌ غُرَّ كأَنَّ جُلُودَها … تجزّعَ فيها اللؤلؤ الرَّطْبُ والشَّذْرُ
وصفر كأَنَّ الزعفران خضابها … وإلاّ فَمِنْ ماءِ العَقِيقِ لها قِشْرُ
وشهب من اللج أستعيرتْ مُتُونُها … ومِنْ صُوَرِ الأَقمارِ أَوْجُهُهَا قُمْرُ
إذا هنَّها مَشْيُ العِرَضَنْةِ عارضت … قدودَ العَذَارَى هنَّ أَعطافها السُّكْرُ
عليها السروج المحكماتُ إذا مَشَتْ … بها الخُيَلَاءَ الخيلُ رَنَّحها كِبْرُ
ووصف البخاتي، فقال: وجاء بالبديع كله، وأدق الصنيع وأجله (٤): [من الطويل]
ومن خير بختيات كسرى بن هرمز … فوالج يزهيها التأود والخَطرُ
سَفَائِنُ أَوْ صِيْغَ السَّفِينُ مِثالَها … فلمْ يَبْقَ إِلا أَنْ يَموج بها بَحْرُ
стр. 6037
عليها من الديباج كُلُّ مصورٍ … هُرِيْقَ بِهِ الأفْرِند واتَّقَدَ التَّبْرُ
يطأن الربيع الغَضُّ في غيرِ حِينِهِ … مَدَارِعُ لَمْ يفتقَ شَفَائِقَها القَطْرُ
ووصف حمارًا مجزعًا فقال (١): [من الطويل]
وأخرج صلصال لأخدر ينتمي … أمين الفُصُوصِ لم يدمت له ظهر
كأَنَّ العُيونَ الكُحْلَ صِيْغَتْ بِجِلدِهِ … لَهُ رُقباء فهي مَشْطورة خُزْرُ
تولّع منه الجلد حتى كأَنَّما … صَباحٌ وليل فيهِ خَطَّهما قدرُ
تعاطى لباس الخيل فاختار راكضًا … لها حُلّةً لا تَدَّعِي لُبْسَها الحُمْرُ
كأنَّ الحِجار الصلبة قدرت … فجاءَتْ لها وفقًا حَوَافِرُهُ الحفر
إذا احتال واستولى بهِ رَدَيانُهُ … توالى صفير منه ترجيعُهُ نَبْرُ
ووصف الفيل، فقال - وأغرب ما شاء (٢): [من الطويل]
وأضخم هندي النَّجَارِ تعدُّهُ … ملوك بني ساسانَ إِنْ نَابَها دَهْرُ
من الورق لا مِنْ ضربه الورق يرتعي … أضاح ولا مِنْ وِرْدِهِ الخِمْسُ والعَشْرُ
يجيء كطودٍ جائل فوقَ أَربع … مُصبَّرَةً لُمتْ كما لُمتِ الصَّخْرُ
لهُ فَخِذَانِ كَالكَثِيبَينِ لُبدًا … وصدر كما أَوْفَى مِنَ الهَضْبَةِ الصَّدْرُ
ووجه بهِ أَنفُ كراووق خَمْرَةٍ … يَنالُ بِهِ ما تُدرك الأنملُ العَشْرُ
وجنبان لا يروي القليبُ صَدَاهُما … ولو أَنَّهُ بالقاع منهرت حفر
وأُذن كنصف البُرْدِ تُسمعُهُ النّدا … خفيًّا وَطَرْفٌ يَنفَضُ العيب مُزْوَر
ونابانِ شُقًا لا يريد سواهما … قناتينِ سَمَرَاوَينِ طَعْنُهما نَثْرُ
له لون ما بين الصَّباح وليله … إذا نَطَقَ العُصْفُورُ أَوْ غَلَّسَ الصَّقْرُ
وقوله وأغرب في الانتقال إلى المدح (٣): [من الكامل]
دَرَكُ الزمان وحبّك ابنة مالك … في الصدر لا خَلَةٌ ولا مَدْرُوسُ
فكأَنَّه ما شاده المنصورُ مِنْ … رُتَبِ العُلا واختاره باديس
ومنهم:
[٣١٩] يعلى بن إبراهيم الأربسي (٤)
تشرق أنوار الحكمة عليه، وتغدق أنواء الأدب لديه، يخف كلامه على
стр. 6038
القلوب، وتشف مدامه في كل كوب.
وقال ابن رشيق (١): «أصله من مدينة الأربس، وتأدبه بالقيروان، وكان مليح الكلام، حسن النظام، لألفاظه حلاوة، وعليها طلاوة، يذهب إلى الفلسفة في شعره، ويغرب في عباراته، وربما تكلّف قليلًا، وكاتب له وفور من الخط والترسل، وعلم الطب والهيأة.
واجتمعت به مرّةً - وأنا حدث السن، ولم أكن قبلها رأيته - فأخذ في ذكر الشعراء، وغضّ من عبد الكريم، وقال: هو مؤلّف كلام غير مخترع، فأغلظت له في الجواب، فالتفت إلي منكرًا عليّ، وقال: وأنت وما داخلك بين الشيوخ يا بني.
فقلت: ومن يكون الشيخ أبقاه الله؟
فعرفني بنفسه، ثم أخرج رقعة بخطه فيها من شعره (٢): [من البسيط]
إياة شمس حَوَاها جسمُ لؤلؤة … تغيب مِنْ لُطف فيها ولم تَغِبِ
صفراء مثل النضارِ السَّكْبِ لابسَةٌ … دِرعًا مُكلةٌ دُرًّا مِنَ الحَبَبِ
لم يترك الدهر منها غير رائحة … تضوَّعتْ وَسَنِّى يَنْسَاحُ اللَّهَبِ
إذا النديم تلقاها ليشربها … صاغتْ لَهُ الرَّاحَ أَطرافًا مِنَ الذَّهَبِ
فقال: كيف رأيت،
فقلت - وأردت الاشتطاط عليه: أما البيت الأول فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر.
قال: وكيف ذلك،
قلتُ: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام (٣): [من الكامل]
أَوْ دَرَةٌ بيضاءُ بِكْرُ أَطْبَقَتْ … حَبْلًا على ياقوتةٍ حَمْراءِ
لكان أتمّ تصنيعًا، وأحسن ترصيعًا، ولو ذكرت روح الخمر مع ذكرك حبّ اللؤلؤ - يعني الكأس -، لكان أوفق للمعنى، ولو قلت مع قولك:
إياة شمس حواها نهار … . . . . . . . . . . . .
وعنيت به الكأس.
стр. 6039
كما قال ابن المعتز. ويروى للقاضي التنوخي (١): [من المتقارب]
وراح من الشمس مخلوقةٍ … بَدَتْ لكَ في قَدَحٍ مِنْ نَهَارِ
لكنت قد ذهبت إلى شيء غريب عجيب.
وأما قولك:
«تغيبُ مِنْ لُطف فيها ولم تَغِبِ» … . . . . . . . . . . . . . . .
فمن قول البحتري (٢): [من الكامل]
تُخفي الزجاجةُ لَوْنَها فَكَأَنَّها … في الكأس قائمة بغير إناءِ
وأما البيت الثاني، فأكثر من أن ينبه عليك.
وأما البيت الثالث، فمن قول ابن المعتز (٣): [من البسيط]
أبقى الجديدانِ مِنْ موجودِها عَدَما … لونًا ورائحة في غير تجسيم
وأما البيت الأخير، فمن قول مسلم بن الوليد (٤): [من الطويل]
أغارت على كف المدير بلونها … فصاغَتْ له مِنْها أَنامِلَ مِنْ ذَبْلِ
ومن قوله أيضًا (٥): [من الطويل]
إذا مسها الساقي أعارتْ بَنانَهُ … جَلابيب كالجادِي مِنْ لونها صُفْرَا
وفيه عيب يقال له: التوكؤ؛ وهو تكريرك ذكر الراح وأنت مستغن عنه.
قال: فبماذا كنت أنت تسدّ مكان الراح؟
قلت؛ كنت أقول: [من البسيط]
صاغت ليُمناه أَطـ … ــرافا مِنَ الذَّهَبِ
وأنشدته لنفسي دون أن أعلمه: [من الطويل]
مُعَتَّقة يعلو الحباب جنوبها … فتحسَبُهُ فيها نثير جُمان
رأَتْ مِنْ لُجَيْن راحةً لتُديرها … فجَادَتْ لها مِنْ عَسْجَد ببنانِ
ثم أنشد يصف بستانًا: [من البسيط]
يَفيضُ بالماء منهُ كُلُّ فُوَّهَةٍ … لكلِّ فَوَارَةِ بالماءِ تَنْذَرِفُ
стр. 6040
كأنها بين أشجار منوَّرة … ظلت بمستجلس اللبلابِ تَسْتجف
مجامر تحت أثوابِ مُخَلَّبَةٍ … على مساحبِها دُخانُها يَهِفُ
وقال: هل تعلم في هذا المعنى شيئًا؟ ولم أرد بعد مكاشفته، فأضربت عن أبيات علي بن العباس الرومي في تشبيهه المجمرة بالفوارة، وإنما عكسه يعلى، وكنت قريبًا منه، وأنشدته لنفسي: [من الخفيف]
وكأَنَّ الأشجار في حُلَلِ الأنـ … وارِ والغَيْثُ دَمْعُه غير راقي
غانيات رُشِشْنَ مِنْ ماءِ ورد … فَخَبَأْنَ الوُجُوهَ في الأَطْوَاقِ
فقال: لمن أنشدتني بدءًا وعودة؟
قلت: للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ.
وعُرف بي فاستصحبني من ذلك اليوم».
قلت: وأنشد ابن رشيق له من القصيدة التي في البستان قوله (١): [من البسيط]
وتنبذ الماء من أفواهها صورٌ … فِيهِ فتحسبه والماء مرتدف
تثاءبت بي أوانَ القُرّ فاختلطت … أنفاسها والهوا في جسمه كثف
وأول هذه القصيدة:
نَشْرُ الصَّبا بأريج المسكِ مؤتنفُ … أم ريح بالسفح روضُ نَبْتُهُ أُنْفُ
ما زال تسترقُ الأنداء نَفْحَتُهُ … والليل قد هلهلت أثوابه السُّدُفُ
وحدثني بعض أصحابنا، قال: حضرت مجلس أبي محمد عبد العزيز بن أبي سهل البقال، وقد احتفل إذ دخل يعلى بن إبراهيم بن عبد الخالق مغضبًا تظهر عليه الوجة، فقال له الشيخ: ما بالك يا أبا الحسن واجمًا.
قال: أتيت أخانا أبا الفضل جعفرًا كاتب المعزّ - يعني المعز بن سيف العزيز بالله - زائرًا فحجب، والله لولا المحافظة، لكانت قطيعة، ثم قال لأحد التلاميذ: أمدد لي فكتب: [من الوافر]
أتيتُكَ زائرًا فحُجِبْتَ عَنِّي … ولم يُعرف مكانك بالحجاب
فلا تحسب بأنّي ذو اغتنام … لأكل عند مثلِكَ أَوْ شراب
فلي نفس إذا اللأَوَاءُ هَرَّتْ … جوانبها تَقَنَّعُ بالتُّرَابِ
وتَطْمَحُ في ذُرى الخيلاء كِبْرًا … إذا سِيمَت بضيق الاكتساب
ولولا أَنَّ في خُلقي اتادًا … تركتك بعدها خَلِقَ الإهاب
стр. 6041
ولكني رأيتُ الصَّبْرَ أَوْلى بمثلي … فانصرفتُ إلى العِتَابْ
فأشفق الشيخ من ذلك إشفاقًا شديدًا وخشي عادية جعفر، وبادرته؛ لأنه كان شاعرًا حاذقًا صاحب معانٍ وتوليد. وبلغته الأبيات فاعتذر من الحجاب، ولم يجب عنها بحرفٍ موزون تقاية من شر يعلى وقطعًا للسانه.
وسايرت يعلى مرة فأكثر من الاجتياز بمكان لم أكن أعهده يمر به إلا صفحًا، ثم وقف فأنشدني: [من الطويل]
إذا كَلَّلَ الإكليلُ كِلَّةَ ليلةٍ … وأَومض برق بالسراة قليل
فأُسْعِدُ أَنفاسي بنفسي صَبَابةً … إليها وَطورًا بالدموع تسيل
ومَنْ كانَ هذا شأنهُ في دُنُوِّهِ … فكيف تراهُ إِنْ أَلَمَّ رَحِيلُ
فمن عاش حتى يُبْصِرَ البينَ طَرْفُهُ … فلا بشرتْهُ باللقاء قَبُول
ولي رَمَقٌ يا مَلْك فيكِ وَقْفَتُهُ … على طمع لولاه كان يزولُ
وقد آن أن يقضي بحبكِ حَسْرَةً … فهل لي إلى التوديع منك سبيل
ثم عزم علي لتُنشِدَنَّ لنفسك، فأنشدته في الوزن والروي، ولم أكن عملت أوله عليه: [من الطويل]
بنفسيَ مِنْ سُكَانِ صَبْرَةَ واحِدٌ … هوَ الناسُ والباقونَ بَعْدُ فُضُولُ
عزيز له نصفان: ذا في إزارِهِ … سَمين، وهذا في الوشاح هَزِيلُ
مدار كؤوس اللحظ مِنْهُ مُكَحَّلٌ … ومَنْبِتُ وَرْدِ الحُسْنِ مِنهُ أَسِيلُ
فحالت علي حاله ساعةً حتى أدركني عليه الجزع، ثم أفاق خجلًا فأنشدني بديهة: [من الكامل]
ياظبية الأكنافِ مِنْ أَمَدِ … ذِي الأَثْل كيفَ ظَفِرْتِ بالأَسَدِ
لو أنني في النومِ أَرْشُفها … وهَوَى الهَواء بها إلى كبدي
ما كنتُ إلا خائفًا حَذِرًا … مِنْ فَجْعَةِ الأَيَّامِ بالبُعُدِ
فعلمتُ أَنَّ لَهُ خَبَرًا، ثم كشفت عن القصة بعد ذلك، فإذا دار عشيقته هنالك.
وصحبته إلى تلك الناحية، فأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
وما بي أَنْ أَفنى عليك تأسفًا … ولا أَنَّ قَلْبي في هواك يذوب
ولكنني أخشى بهجرك تنقضي … حياتي ومالي مِنْ رِضاكِ نصيب
ويبعد عنِّي حُسْنُ منظرك الذي … به تحسن الدنيا لنا وتطيب
ألا فاحكمي يا مَلْكُ فيمنْ مَلَكْتِهِ … فإنّي أسير في يديكِ غريب
ومما أنشد قوله: [من الكامل]
نَسَجَتْ شُعاعًا بيننا فكأَنَّنا … منها جميعًا تحت ثوبٍ مُذْهَبِ
стр. 6042
فمزجتها من فيه حين شربتها … ولثمتُهُ لرُضَابِ تَغْرٍ أَشْنَبِ
في ليلة للدَّهْرِ كانتْ غُرَّةً … يرنو إليها الخَطْبُ كالمُتعجب
فت الأنام بها كما فُتْ الوَرَى … سَبْقًا محمدُ بالفَخَارِ الأَغْلَبِ
أبدًا على طرفِ السُّؤالِ جَوَابُهُ … فكأَنَّما هي دُفعَةٌ مِنْ طَيِّبِ
يغدو مساجلُهُ بغُرَّةِ صافح … ويروحُ مُعترفًا بذلَّةِ مذنب (١)
وقوله (٢): [من البسيط]
نَشْرُ الصَّبا بأريج المسكِ مؤتنفُ … أَمْ ريح بالسفح رَوْض نبته أنف
ما زال تسترق الأنداء نفحته … والليل قد هلهلت أثوابه السدف
وتنبذ الماء من أفواهها صور … فيه فيحسبها والماء مرتدف
تثأت في أوان القُرّ فاختلطت … أنفاسها والهوا في جسمه كثف
ومنهم:
[٣٢٠] معد بن حسين بن خيارة الفارسي (٣)
جاء بنسبه فارسيًا يخطر في حلته، وسكنه أعرابيًا يلتف في شملته، من أهل بادية هي من البحر على سيفه، ومن جواد نسيمه الراكض دون وظيفه، فأمزج جزالة ورقة، وظهورًا ودقة، وحسنًا سلب الغيد العذارى وما أحدًا لاحقه.
وقال ابن رشيق فيه (٤): «منشؤه بالبادية من ساحل البحر بناحية المهدية. شاعر درب، متدفق الطبع، لقي الملوك، ودخل الأمصار، وسلك طريق الشعراء في طي البلاد، وقصد الأجواد، وله في الحاكم قصائد لم يرفعها إليه بعد أن وفد عليه». وأوطن صقلية ثم عمل على الخلاص من وطنه.
ومما أنشد له قوله (٥): [من البسيط]
إلى متى منك إذلاجي وتأويبي … كلاهما نعمةٌ شِيْبت بتعذيب
يندق في ذَينِ أرحاحُ الملام كما … يندقُ في هذهِ صُمُّ الأنابيب
للحرب عندي وللأسفار منفعةٌ … عظيمةٌ أنا منها غيرُ مَحْرُوبِ
تضيق في عيني الدنيا ويُعجبني … في فَسْحَة الجو تصعيدي وتصويبي
стр. 6043
كأنني حامل رحلي على فَلَكٍ … تسري بهِ عَزَماتي وهو يسري بي
ومنها قوله:
فالشرق والغرب كالدينار في يده … والبحر منه إلى دُوْنِ العراقيب
ذاك الذي يَهَبُ الدنيا ويحسبها … لا شيء في حين لا شيء بموهوب
وقوله يهجو (١): [من البسيط]
أضاقتِ الأَرضُ أَمْ سُدَّتْ مَسَالِكُها … هيهاتَ مَسْلَكُ مِثْلي غيرُ مَسْدُودِ
يا أحمق الناس إنَّ الناسَ بُغيتُهُمْ … في رَبَّةِ العُودِ لا في رَنَّةِ العُودِ
لا تأسفن على الشاةِ التي عُقِرَتْ … فأَنتَ غادرتها في مَسْرَحِ السِّيدِ
تلك العقارب ما كانتْ مُسَخَّرَةً … ولا أطاعت سليمان بن داود
وقوله وقد تغرّب إلى طرف إفريقيا بسبب الهجاء المذكور آنفًا (٢): [من البسيط]
هذا أوان انتجاعاتي وأسفاري … فليجرِ يا ريم بعدي دمعك الجاري
وشاطيء البحر إذ يمشي الظباء به … في زي فرد وفي استحياءِ أَبْكار
مِنْ كُلِّ مَنْ صَقَلَ الإنجيلُ نَغْمَتَهُ … وضَمَّ خَصْرَيهِ ضمًّا عَقْوُ زُنَّارِ
يكاد يختطف التيارُ مِئْزَرَهُ … مِمَّا يُدافع تيارًا بتيار
إذ قام والتيه يثنيه يودِّعُني … وضمني بينَ عُنَّابِ وجُمَّارِ
وقوله (٣): [من الطويل]
وعهدي بهم والقُبُّ حَوْلَ قِبائِهِمْ … عليها الشباب المُرْدُ والقُضُبُ المُلْدُ
ورعف دِلاص لم يقدر لباسها … لحي سوى ذا الحي مُذ قدر السَّرْدُ
على أنهم لو بدد الموتُ حولهم … وبادَتْ حياتي لم يكن منهم بد
غدًا تكثر النَّجْوَى ويحتكمُ الجَوَى … ويُغري بنا غَوْرٌ ويُنجِدُكُمْ نَجِدُ
ويعفو مِنَ الصِّيدِ الحِمى لا مِنَ الصَّدَى … وَتَصْدَا حُشاشات أَضَرَّ بها الصَّدُّ
وتجري المهاري بالمها مُطمئنَّةً … فما أحد بي غير حاديهمُ يَحْدُو
وقوله، وقال؛ إنه من مليح كلامه (٤): [من المنسرح]
بما تُغَذّي النفوس مِنْ نِعَمِك … وما يَرُوقُ العُيونَ مِنْ شِيَمِكْ
وبالمعالي التي شَرُفْتَ بها … حتى حَسِبْتَ النُّجُومَ مِنْ هِمَمِكْ
стр. 6044
انْظُرْ إلى عَبْدِكَ الَّذي لَعِبَتْ … بِهِ صُرُوفُ الزَّمانِ في حَرَمِكَ
قدْ حَكَمَتْ فيهِ كُلُّ داهِيَةٍ … حُكْمَ الَّذي قد جَرَى على قَلَمِكْ
ثم قال: وهذه الأبيات من الحلاوة والرشاقة في غاية لا ينتهي حدها ولا يُبلغ أمدها، وقوله (١): [من الخفيف]
مَرْبَعٌ للسَّحابِ فِيهِ عُيونُ … منَعَتْ أَنْ تُغَمِّضَ الأَجْفَانَا
فاسعداني بعبرة ليسَ تَرْقَا … حِينَ أَبْكِي وأشتكي الهجرانا
كلما استنبطت بخارًا لَطِيفًا … نثرته على الرياض جمانا
أنديمي عَسَاكَ يَقْظانَ إِنِّي … بِتُّ لا نائمًا ولا يقظانا
قُمْ تمتع بكُلِّ شَغْرِ بَرُوْدٍ … لَا تُرِدْ نَرْجِسًا ولا أُقْحُوانا
ما ترى الشَّرْقَ كيف يُهْدِي نَسِيمًا … كلَّما مسَّ يابس الصخر لانا
لمْ تَدَعْهُ مَجَاصِرُ البَرْقِ حتى … أَطْبَقَتْهُ مِنَ العبير دُخانا
ثم قال (٢): «وشعر معدٍ مشهور مأثور يستغرق البناء، ويستعجز الشعراء، وقد أتيت منه بما حوته روايتي، وانتهت إليه درايتي».
ومنهم:
[٣٢١] محمد بن إبراهيم التميمي الكموني (٣)
أديب لولا تَغَفَّل فيه، ما قدر شكر يوفيه. هو الكموني الذي النار في كمونه، والحركة في سكونه، تفاخر تميم منه بفرزدقها، وتجرّ جريرًا عن طرقها، ويعتدّ به ذلك العصر السالف أيام تستعاد تلك الملح، وتستزاد تلك الأهاجي والمدح لبراعته في كلّ ما نَحَا، وصناعته التي أخذت إزاء البيوت منحا.
ذكره ابن رشيق وقال (٤): «شاعر فصيح حسن التقسيم، جيد الترسيم، جزل الشعر، ظاهر البلاغة، عالم بأسرار الكلام، إذا ركب معنى أجاده».
ومما أنشد له قوله (٥): [من الطويل]
стр. 6045
إليك ابن باديس على حِيْنَ قُوِّسَتْ … قَنَاتي وأفشى الدهرُ غُرَّةَ أَدْهَمِي
قطعت نياط الأرضِ مِنْ بعدِ مُظْلِمٍ … مُضِيئًا وما فيهِ عَصًِا لِمُخَيْمِ
تَبَسَّمَ لمَّا حَلَّهُ اللَّيثُ باكيًا … ولولا بكاءُ اللَّيثِ لَم يتبسم
وقوله (١): [من الطويل]
فَتَى الخَيْلِ يكسوها الغبارُ غَلَائِلًا … إذا ضُمّمتْ فيهِ وهُنَّ عَوَابِس
طوال عليهن الطوال رِماحُهُمْ … عِتاقٌ عليهن العتاق الأبالس
فليس لها إلا العوائد سائق … وليس لها إلا التأدب سائس
فكالريح لم تخرج لَهُنَّ أَياطِلٌ … وكالبَرقِ لم تُضرب لهنَّ قوانس
وقوله في السفن الحربية (٢): [من الطويل]
ومهنوءة للقار تُنمى إذا انتمت … إلى اللحم تلك الواخِداتُ العَرَامِسُ
كواسرُ كالعِقْبانِ في الجَوّ حُوْمًا … صَوَاعِدُ تبغيه وطَوْرًا نَوَاكِسُ
متى تلبس الخَيْلُ التَّجَافِيفَ لا يَكُنْ … لها غيرُ حُمْرِ الطَّالقانِ مَلَابِسُ
وتُعْلَى شُفُوفُ العَبْقَرِي كأَنَّها … رياض المُصلِّي نَمْنَمَتْهَا الرَّواجِسُ
ورايات نصر كالبروقِ وتارةً … كما حَرَّكَتْ أَذْنَابَهنَّ الطَّوَاوِسُ
قال (٣): «وكان له غلام يتعشّقُه فَمَا حَكَهُ فيه عبد أسود يدعى خلفًا، فقطعه عنه، فتعلق بآخر يتسلى به فماحكه فيه عبد أسود يسمى فرجًا، فصنع قصيدة مشهورة طنَّتْ بها القيروان، وتهاداها الأخوان، أولها: [من البسيط]
أي الهموم عليه اليومَ لَمْ أَعُجِ … وأي بابٍ مِنَ الأحزان لم أَلِج
تأملوا ما دهاني تُبصروا قصصًا … ظَلامُها لَيسَ يُمشى فيه بالسُّرُجِ
ما نالني الخلف إلا وهوَ مِنْ خَلَفٍ … وعاقني الضيق إلا وهوَ مِنْ فَرَج
حتى لقد كان كافور المَشِيبِ هوًى … أشهى لنفسي مِنْ مِسْكِ الصبا الأرج
وقوله يهجو غلامًا اشتغل بالفقه: [من المتقارب]
عَجِبْتُ لصبر أبيكَ الحَلِيم … على كَسْبِهِ أَدَواتِ النطاح
وتسبيلِهِ لكَ تلقى عُلُومًا … قُصاراكَ منها لقاء الرماح
فطورًا تُطاوعُ أَهْلَ الفُسُوقِ … وطَوْرًا تُؤَلِّبُ أَهْلَ الصَّلاح
لسانُكَ يَقْرَأ كتاب اللعان … ودُبْرُكَ يَلقى كِتَابَ النكاح
стр. 6046
وقال ابن رشيق (١): «وشعر محمد كثير جيد، وإنما أكثرت منه إدلالًا بجودته، وثقةً بأن الملل ساقط عنه، لاسيما أني لم أذكر له ولا لغيره معنى أعدته، ولا عطلت من فنون الشعر فنًا وجدته؛ فإكثاري توسط كما شرطت وإن أفرطت، وكذلك اختصاري إذا اجتهدت وما فرطت، إذ كانت الحال كقول الله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣). ومنهم:
[٣٢٢] عبد العزيز بن خلوف الجزوري النحوي (٤)
عالم في الجملة، وعامل لا تحفظ عليه الجهلة ورد من المشارب أنهلها، وقصد من المذاهب أسهلها، وقعد لإفادة لغة العرب يرو إليها من جهلها، ويدر لها منهلها، لكنه كان حروريًا، ولا يخمد له زنادًا وريًا.
ذكره ابن رشيق وقال (٥): «شاعر مُفْلِقٌ ذو ألفاظ حسنة، ومعان متمكنة. مثقف النواحي الكلام رطبها، حلو مذاقة الطبع عذبها، وله من سائر العلوم حظوظ وافرة، وحقوق ظاهرة».
ومما أنشد له قوله (٦): [من الكامل]
لو يستطيع لأدخل الأمواتَ مِنْ … نُعماهُ فيما نالت الأحياء
سوَّت رعاياهُ يَدًا إنصافه … حتى الشَّوامِخُ والوهادُ سَوَاءُ
ما أنت بعض الناس إلا مثلما … بعضُ الحَصى الياقوتة الحَمْرَاءُ
وقوله (٧): [من الكامل]
الجانيات هوًى أمرٌ مَذاقةً … مِنْ صَدِّها وأَلَةٌ مِنْ رَشَفاتِها
إِنَّ الأَمَرَّ مِنَ الحمام مذاقَةً … لِفِراق دنيًا تلكَ مِنْ لذَّاتِها
بيني وبين سُلُوها ما بينَها … في حُسْنِ صُورَتها وبين لِدَاتِها
وقوله (٨): [من الطويل]
стр. 6047
لهُ عَزَماتُ لا تزال كأَنَّها … يمانيةٌ بِيْضٌ وخَطَّيَّةٌ مُلْدُ
إذا وَثَبَتْ في وَجْهِ خَطْبٍ تمزَّقتْ … على كَتِفِيهِ الدِّرْعُ وانتشر السَّرْدُ
ومنهم:
[٣٢٣] أبو عبد الله بن قاضي ميلة (١)
أي وصف يوفيه، وأي صنف من الفضل ما هو فيه، وماذا يُقال فيه والدهر من رواته، والشعر هَمَلٌ ما لم يُؤاتِهِ. لو أَنَّ أباه القاضي التنوخي، لسر بولادته، أو عمه القاضي الأرجاني، لما سار معه له شعر مع إجادته، بل لو سمع القاضي عبد الوهاب ما له لأماله، أو القاضي ابن أبي دؤاد وقد هم بمعنى لِمَا قاله لما قاله.
قال ابن بسام (٢): «وهو ممن طار ذكره، وانتهى إليَّ شعره، وأقام دوحه على سوقه، وبنى منازله على سواء طريقه. وله أشعار شاردة، سارت على ألسنة الأنام، وكتبت في جبهات الأيام».
قلت: ومما أنشد له قوله في عُود الغناء المطرب مذ تمايله في الروضة الغناء (٣): [من البسيط]
جاءَتْ بعُودٍ تُناغيه فيتبَعُها … فانظر بدائع ما يأتي به الشَّجَرُ
غَنَّتْ على عُودِهِ الأطيارُ مُفْصِحَةً … رَطْبًا فلما عسى عنِّي بِهِ البَشَرُ
فما يزال عليه أو افصل بِهِ طَرَبٌ … يَهِيجُهُ الأَعجمان الطَّيرُ والوَتَرُ
وقوله (٤): [من الطويل]
أقولُ لهُ إذ طَيَّشَتْهُ رئاسةٌ … أَتَتْ غَفْلَةٌ: مَهْلًا فَقَدْ غَلِطَ الدَّهْرُ
تَرَفَقْ يُراجِع فيك دهرُكَ عَقْلَهُ … فما سُدْتَ إلا والزمانُ بِهِ سُكْرُ
فما بَرِحَتْ أَيَّامُهُ أَنْ تَصَرَّمَتْ … وما عِنْدَنا شُكْرٌ ولا عِنْدَهُ عُذْرُ
стр. 6048
وقوله (١): [من الكامل]
إنْ كنتَ مُسْتَويًا ففعْلُكَ كُلُّهُ … عِوَجٌ وإِنْ أخطأت كُنْتَ مصيبا
كالنقش ليسَ يصحُ مَعْنَى خَتْمِهِ … حتى يكون بناؤُهُ مَقْلُوبا
وقوله (٢): [من الرمل]
قالت الحسناء لما أَنْ رَأَتْ … أَدْمُعِي تَرْفَضُ فيما ابتَدَرَا
رق في خديَ مِنْ ماءِ الصِّبا … رَوْنقٌ يُعْشِي سَناهُ البَصَرا
تأخذ الألحاظ منهُ رِيَّها … فإذا جاز التناهي قَطَرَا
وقوله - وتُروى لغيره (٣) -: [من الكامل]
حيث التقى أَسَدُ العَرِينِ وشادِنٌ … تحتَ اللحافِ وصارم وسوار
قالت: أَرَى بيني وبينك ثالثًا … ولقد عهدتُكَ بالدَّخِيْلِ تَغَارُ
أَأَمِنْتَ نَشْرَ حَدِيثِنا فَأَجَبْتُها: … هذا الذي تُطوى بهِ الأَسْرَارُ
وقوله (٤): [من الوافر]
وتُعجبني الغُصُونُ إذا تثنت … ولا سيما وفيهنَّ الثمار
إذا هُزَّتْ نُهُودٌ في قُدُودٍ … فَقُلْ للحِلْم قَدْ ذَهَبَ الوَقارُ
وقد ذكره ابن رشيق وقال (٥): هو شاعر يَسِنُ بمقتدر، يؤثر الاستعارة، ويكثر الزجر والعيافة، ويسلك طريق ابن أبي ربيعة وأصحابه في نظم الأقوال والحكايات».
ومما أنشد له قوله (٦): [من الطويل]
ولما التقينا مُحْرِمِينَ وسَيرُنا … بلَبَّيْكَ يُطوى والركائبُ تَعْسِفُ
نَظَرْتُ إليها والهدايا كأَنَّما … غَواربُها منها عواطِسُ رُغَفُ
فقالت: أيا منكنَّ مَنْ تعرفُ الفَتى … فقد رابني مِنْ طُولِ مَا يَتَشَوَّفُ
أراه إذا سِرْنا يسير حذاءنا … ونوقِفُ أَخْفَافَ المَطِي فيُوقفُ
فقلت لتربيها: أبلغاها بأنني … بها مستهام قالتا: نتلطَّفُ
وقولا لها: يا أُمَّ عمرو أَلَيس ذا … منى والمنى في خيفه ليسَ تُخْلَفُ
стр. 6049
تفاءلت: في أن تبذلي طارف الوفا … بأنْ عَنَّ لي منك البنانُ المُطرَفُ
فأوصلتا ما قلته فتبسمت … وقالت: أحاديث العِيافة زُخْرِفُ
بعَيْشي أَلَمْ أُخبر كما أنه امرؤ … على لفظه بَرْدُ الكَلامِ المُفَرَّفُ
فلا يأمنا ما استطعتُما كيدَ نُطقِهِ … وقولا ستدري أننا اليومَ أَعْيَفُ
إذا كنت ترجو مني الفوز بالمنى … فبالخَيفِ مِنْ أَعْراضِنا تتخوف
فهذا وقذفي بالحصى لكَ مُخْبِرٌ … بأَنَّ النَّوى لي عَنْ دِيارِكِ يقذف
وحاذر نفاري ليلةَ النَّفْرِ إِنَّهُ … سريع فقلبي بالعيافة أَعْرَفُ
فلم أرَ مثلينا خليليْ مَحَبَّةٍ … لكل لسان ذُو غرارين مُرْهَفُ
وعادلة في بذل ما ملكت يدي … لراج رجاني دونَ صَحْبِي يُعنّفُ
يقول: إذا أفتنتَ ما صُنتَ مَرَّةً … وأَحوِّجَتَ من يُعْطِيكَهُ قلت: يوسف
قال ابن رشيق (١): «لو أنَّ هذا الشعر لمن تقدم ذكره كابن أبي ربيعة، ومن سلك مسلكه لاستُجيد لهم، وذكروا به، وقدم على كثير من أشعارهم ولا عيب له إلا أنه متأخر».
وكذلك أنشد له قوله يصف القرش؛ وهو كلب الماء (٢): [من المتقارب]
وأسقي بكفيه مثل المُدَى … طويلُ القَرَى مُدْمَجُ الأَعْظُمِ
تصرُّفُهُ في ضَمَانِ المِيَاهِ … ومُهْجَتُه في يد الخِضْرم
يخاف الهواء ويخشى الضياء … وإن كان أجرًا مِنْ ضَيْغَمَ
له داخل اليم بَطْشُ الأسود … [و] تَصْحَبُه مِشْيَةُ الأَرْقَمَ
وقوله (٣): [من الطويل]
يخطُونَ بالخَطَّي في حَوْمَةِ الوَغَى … سُطُورَ المنايا في نُحورِ المَقَانِبِ
كتابًا بأطرافِ العَوالي ونَقْشُهُ … دَمُ القَلْبِ مَسْلُولًا بنَضْحِ التَّرائِبِ
وقوله (٤): [من الكامل]
طب بأدواء الجهاد إذا … صَدَمَ العَجَاجُ قَوَادِمَ النَّسْرِ
وإذا احتبى في شملةٍ ضَرَبَتْ … بِيْضُ النَّوَالِ جَمَاجِمِ الفَقْرِ
يَنْدَى وأيدي المُزْنِ جامِدةٌ … وَيَلِينُ عندَ قَسَاوَةِ الدَّهْرِ
وقوله (٥): [من البسيط]
إذا سعى المَحْلُ في أَرْضٍ بَعَثْتَ لَهُ … جَيشًا مِنَ الخِصْبِ مَشكور الأفاعيل
стр. 6050
يغدو النّدى وهوَ مِنْ فُرسانِ حَلْبَتِهِ … بسيفِ وَفْرٍ عَلَى الإِمْلاقِ مَسْلُولُ
وقوله (١): [من الكامل]
ومدامة عني الرضاب لمزجها … فأطابَها وأدارها التقبيلُ
فكأَنَّها شمس وكفُّ مديرها … فينا ضُحَى وفمُ النديمِ أَصِيلُ
وقوله في غريق بحر (٢): [من الطويل]
وما زلتُ أستسقي لهُ القَطْرَ دائِبًا … وأستودع الريح السلام المُجَدَّدا
فكان الذي استسقيتُ أول خاتل … له والذي استودعته أعظم العدا
فتى فاظ بين الماء والرِّيحِ رُوحُهُ … وما زارَهُ أَهْل ولا زار ملحدا
ومنهم:
[٣٢٤] أبو الحسين الكاتب
وهو محمد بن إسماعيل بن إسحاق (٣).
زبرة من سيوف، وجوهرة من شُنُوف، وثمرة من قطوف، وواحد من سوابق ما فيها قطوف. خَلَفُ آبَاء صُلب الأنابيب، صهب المفارق من قَرْعِ الظَّنابيب، أهل غوص ما فيهم إلا من يأتي بالأعاجيب.
ذكره ابن رشيق وقال (٤): «من بيت شعر وكتابة قديمًا وحديثًا. كان أبوه إسماعيل من جلة أهل زمانه، وكذلك [ولده] أبو الحسين كان حسن البصر بصناعة الشعر سالكًا لجميع شعابها، داخلًا من جميع أبوابها، لا يتهيب أحدًا من إتقان الصنعة في لطافة وحلاوة، وإدماج ما يفوت كثيرًا من الشعراء».
ومما أنشد له قطعة المختار منها قوله (٥): [من السريع]
أشْقَرُ كالتِّبْرِ جَلَا لونَهُ … عَنْ مَحْضِهِ بِالسَّبْكِ صَقَالُهُ
كساه باري الخلق ديباجة … قصَّرَ فيها عنه أَمثالُهُ
كأنما البدرُ إذا ما بدا … غُرَّتُهُ والشمس سربالُه
стр. 6051
جانبه باء ومِنْ خَلْفِهِ … جيمٌ ومِنْ قُدَّامِهِ دَالُهُ
قال ابن رشيق في آخرها (١): «وهذا شعر قد جمع شُذوذ الحسن، واشتمل على فنون الملاحة، حتى خلطت حقيقته بمجازه، وطوي إسهابه في إنجازه، واشتبه حوكه بطرازه، ونهضت صدوره بإعجازه. وأما التجنيس والطباق، والمقابلة والاتفاق، فمن حلاه المشهورة، وصفاته المذكورة».
وكذلك أنشد له قوله (٢): [من الطويل]
لك الخير لا مِثْل لديك ولا نِدُّ … كَأَنَّ الوَرَى هَزْلٌ وأَنْتَ لنا جِدُّ
فحسبك منّي العَجْزُ عنْ شُكر نعمةٍ … مننتَ بها لو عُدّدَتْ فَنِي العَدُّ
أَتاني نَدَاكَ الغَمْرُ في حين فاقةٍ … فكنتُ كميت شقَّ عَنْ جَسمِهِ لَحْدُ
وأحسن ما كانت يد الغيث موقعًا … إذا ما وجوه الأرض لوحها الجهد
ثم قال ابن رشيق (٣): «فليس على هذا الكلام غطاء، ولا بعده انتهاء، وهذا الجوهر الذي يظهر في ذاته مخالطًا لجميع أجزائه وجهاته، وإن التصنيع الذي فيه، فضله عن معانيه، وهذا حكم الحذاق، وفعل أهل الدربة والدراية».
وكذلك أنشد له قوله (٤): [من الطويل]
تريك الشقيقُ الغَضُّ منها محاجرًا … مُكَحَّلَةً منهُ وخَدًّا مُضَرَّجا
وتحسبُ نَوْرَ الأقحوان إذا بَدَا … وكفّ الحَيَا تجلوهُ ثَغْرًا مُفَلَّجا
كأن دنانيرًا به ودراهمًا … نُثِرْنَ عليها مُفْرَدًا ومُزَوَّجا
«وهذه صفات ملاح شبه أوساط الشقيق بالعيون المكحلة لسوادها، وشبه الباقي بالخدود المضرجة بحمرته، وجعل أوساط الأقحوان دنانير لصفرتها وما حولها دراهم لبياضه، فكان جميع ذلك مليحًا» (٥).
وكذلك أنشد له قوله (٦): [من السريع]
انظر إلى البحر وأمواجه … فقد علاها زَبَدٌ مُتَّسِقُ
تَخَالُها العَينُ إذا أقبلت … خيلًا بدتْ في حَلْبَةِ تَسْتَبِقُ
حمرًا ودهمًا فإذا ما دَنَتْ … مِنْ شاطيء البحر علاها بلق
دُبُورُها در وأكفالُها … أَلبَسَها الجَرْي صَبِيبَ العَرَقْ
стр. 6052
كَأَنَّها منْ سَبَج دارةٌ … دار عليها حائط مِنْ وَرَقْ
ما بالُهُ تركضُ أَحشاؤه … ويظهرُ الرُّعب بهِ والفَرَقْ
أظنه خافَ وحَقٌّ لهُ … مِنْ سيفِ عبدِ اللهِ ضَرْبُ العُنُق
فلوْ دَنَا مِنْ كَفِّهِ ساعةً … ما مات إلا في نداها غَرِقْ
ومنهم:
[٣٢٥] النعمان بن ميمون الخولاني (١)
نعم بطن نعمان إذ به تسمى، وطهر عجب الشقيق إذ كان به يحمى، وحمد به أبوه ميمون الذي سرّح منه طائره، وحلق من مرقبه كاسره واختالت به خولان، واختارت لفخارها طالعه السعيد فدام إلى الآن حتى جعلته متممًا لفعال أبي مسلمها لأفنى خراسان، وما باء به مما لا يحمله إنسان.
ذكره ابن رشيق، وقال (٢): «وله قدرة على الكلام يأخذ من رقيقه وجزله، ويسلك في حَزْنِهِ وسهله».
ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط]
نُبِّئْتُ أَنكَ مُوَلٍ لا تواصلني … فَبِتُّ مقرون هم منكَ قَدْ حَدَثا
ولا يَفِي النَّذْرُ مَنْ آلى بمعصيةٍ … هذي مقالة من بالحقِّ قَدْ بُعِثا
فأَحْنَتْ فحنثك وصلي وهو يُعتِقُني … والعِتْقُ غاية تكفير لمنْ حَنِنَا
وإِنْ تَحَرَّجْتَ مِنْ إثم تَبُوءُ بِهِ … فأعظَمُ الإِثْمِ قَتْلِي في الهَوى عَبَثًا
وقوله (٤): [من الخفيف]
وأَشَدُّ المُصابِ أَنَّكَ تَنْوِي … صفوَ وُدّ لِمَنْ يَرَى لَكَ غِشَّا
ومذيع كأَنَّما عِندَهُ السِّرُّ … قُرُوحٌ مُناهُ أَنْ تَتَفَى
ومنهم:
стр. 6053
[٣٢٦] أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن تميم الحصري (١)
منبع لا يغيض، وجدول يأبى إلا أن يفيض. رقيق الحاشية، دقيق المعاني في ألفاظه الحالية، قفى على آثار أولئك العشاق، ووفى بأخبار تلك الأشواق، واسترجع تلك الأيام الرقاق، والليالي التي رقت للإشفاق، سحر بمعانيه الحبائب، ونحر البرق، ورش دمه على السحائب.
قال ابن بسام فيه (٢): «كان صدر الندي، ونكتة الخبر الجلي، وديوان اللسان العربي. راض صعابه، وسلك أوديته وشعابه، وجمع أشتاته، وأحيا مواته، حتى صار لأهله إمامًا، وعلى جده وهزله زماما وطنّت به الأقطار، وشدّت إليه الأقتاب والأكوار، وأنفقت فيما لديه الأموال والأعمار، وهو يقذف البلاد بدرر صدفها الأفكار، وسلوك نظمها الليل والنهار، وعارض أبا بحر الجاحظ بكتابه الذي وسمه بـ «زهر الآداب وثمر الألباب». ولولا أنه شغل أكثر أجزائه بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كتاب الأدب لا ينازعه ذلك إلا من صَلَقَ عينه الرمد، وأعمى بصيرته الحسد.
ثم غبر بعد ذلك في إنشاء التواليف إلى عدة رسائل وأشعار أندى من نسيم الأسحار، وأذكى من شميم الأزهار، وقد خرجت من كلامه ما لا ينكر فضله، ولا يُنشي مثله إلا مثله».
ومما أنشد له قوله (٣): [من السريع]
ومُذْهَبِ الوَشْي على وَجْهِهِ … ديباجة ليست على الشعر
стр. 6054
مثل النسيم الغضّ غِبَّ الحَيَا … يَختال في أردية الفَجْرِ
ومن نثره قوله (١):
«ولبني عليّ أهل البيت ﵈ كلام يعرض في حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ولم لا يطأون ذيول البلاغة، ويجررون فضول البراعة، وأبوهم الرسول، وأمهم البتول، وكلّهم قد غذي بدر الحِلم، وربي في حجر العلم».
ومنه قوله (٢):
«وألبسني من التنويه ما لا يعزى إلى تمويه، ولئن كبت جيادي، عن مضمار مرادي، وعجز لساني، عما حواه جناني، فتمثلت بقول الزعفراني (٣): [من الخفيف]
لي لسان كأَنَّه لي مُعادي … ليس يُنْبِي عن كُنْهِ ما في فؤادي
فقد علمت أن شمس الخواطر، إذا خرجت في فلك الضمائر اتصل النور المبين، وانفصل الشك من اليقين».
وقد ذكره ابن رشيق فقال (٤): «كان شاعرًا عالمًا بتنزيل الكلام، وتفصيل النظام، تشبهًا بأبي تمام في أشعاره، وتتبعًا لآثاره، وعنده من الطبع ما لو أرسله على سجيته يجري جِرْيَةَ الماء، ورق رقة الهواء، كقوله في بعض مقطعاته (٥): [من مجزوء الكامل]
يا هل بكيتُ كما بكتْ … وُرْقُ الحَمَائِمِ في الغُصُونِ
هَتَفَتْ سُحَيرًا والرُّبى … للقطر رافعة العُيون
ذَكَرْتَنِي عهدًا مَضى … للأُنْسِ مُنقطعَ القَرِينِ
فتصرَّمَتْ أيامُهُ … وكأَنَّها رَجْعُ الجُفُونِ
وقوله (٦): [من مخلع البسيط]
عليلُ طَرْفٍ سُقِيْتُ خَمْرًا … مِنْ مُقْلَتيهِ فَمُتُ سُكْرا
قد خطَّ مِسْك بعارضيهِ: … خُلِقْتُ للعاشقينَ غَدْرًا
وقوله (٧): [من الطويل]
فكم طول ليل بتُ أَرْعَى نُجُومَهُ … طويلَ الأَسَى فِيهِ قصير التَّصَبُّرِ
стр. 6055
إِذا هِيَ غابَت أَوحَشتَني كَأَنَّني … أَنِستُ بسُمَارِي فَهُوَّمَ سُمَّري
ومعت من بين السحاب إذا انْفَرى … لها كثغور الأقحوان المُنَوَّر
إلى أَنْ أَرَى أُوْلَى الصباح كَأَنَّهُ … وشائع في أَطرافِ بُرْدٍ مُحَبَّرِ
ومنهم:
[٣٢٧] ابن البقال
وهو عبد العزيز بن أبي سهل الخشني (١).
مجيد لغة ونحو، وأدب ما له محو، وحسن خلق لا يعرف له إلا يوم صحو. إن عَمِيَ بصره، فما عميت بصيرته، وإن فقد نور الدنيا، فما فقدته سريرته. وكان على كبره إذا أخذ بالتأنيب يخجل حتى يسيح ورد الحياء بياسمين المشيب.
قال ابن رشيق (٢): «كان مشهورًا باللغة والنحو جدًا مفتقرًا إليهما، فهيمًا بصيرًا بغيرهما من العلوم، ولم ير قط ضرير أطيب نفسًا، ولا أكثر حياء منه، مع دين وعفة. أدركته، وقد جاوز التسعين والتلاميذ يكلمونه، فيحمر خجلًا، وكان يسلك طريق أبي العتاهية في السهولة ولطف التركيب وقُرْبِ مآخذ الكلام، ولم يكن لأحد من الشعراء الحذاق غنى عن العرض عليه، والخلو من بين يديه أخذًا للعلم عنه، واقتباسًا للفائدة منه».
ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط]
قال العواذل قدْ طَوَّلْتَ حُزْنَكَ ذا … لو شئت إخراجهُ عَنْ سَلْوَةٍ خَرَجًا
ولن يُطيق الخروج الحزنُ مِنْ جَلَدي … لأنَّني أنا لم أمرُهُ أَنْ يَلِجَا
وقوله (٤): [من الخفيف]
كانَ عَيشي بكمْ هَنِيًا لذياذ … غيرَ أَنَّ الأَيَّامَ كانت قليلة
إنْ أَكُنْ ضاحكًا فقلبي باكِ … أَوْ أَكُنْ سالمًا فنفسي عليله
ومنهم:
стр. 6056
[٣٢٨] عبد العزيز بن محمد القرشي الطارقي (١)
منشؤه وتأدبه بالبادية من ساحل تعرف قريته ببني طارق، وإليها ينسب، وهو في الأنموذج طراز مذهب تغلب عليه الكتابة لكنني لم أقف له منها على ما أكتبه على أنه لا يخفى كوكبه، ولقد يُغنى من فتح على يديه مطلبه، وهزّ عطفه مرقصه ومطربه.
قال ابن رشيق (٢): «وهو مجوّد فخم الكلام ينحته نحتًا، ويأتي به بحتًا، واشتهر بالنثر، وكان فيه فارس الفرسان، وواحد الزمان ما بين تزوير مقامة مبتدعة، وتصدير خطبة غير مفترعة، إلى الرسائل السلطانية، والمكاتبات الأخوانية، وله من الخط البارع حَقٌّ المُعلى من قِدَاحِ المَيْسِر».
ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل]
ويوم كأَنَّ الشمس دونَ عَجَاجِهِ … حُشَاشَةُ قنديل يشِفُ زُجاجها
غزا ابن نصير الدولةِ الغَرْبَ فانبرت … كتائبُ سَدَّ الخافقينِ عَجَاجها
تَمَوَّجُ بالجُرْد العِناقِ بُحُورُها … ويزدادُ بالبيض الرقاق ارتجاجها
وقوله (٤): [من البسيط]
هَبَّ السُّرُورُ ونامَ الدَّهْرُ مُشتغِلًا … عنّا فلم نشتمل ثوبًا على حَذَرِ
أَمَا تَرَى المُزنَ َقدْ فُضَّتْ خواتمُهُ … والرَّوْض يضحك عُجبًا مِنْ بُكا المَطَرِ
والجو كالمنخل المُسْوَدِ جانبُهُ … يكسو الظهيرة أثوابًا مِنَ الشَّجَرِ
فاقدحْ سُرُورَكَ مِنْ صَهباء صافيةٍ … يكادُ يَقذِفُ منها الكَأْسُ بالشَّرَرِ
وقوله (٥): [من البسيط]
يا رب جاريةٍ يَصْبُو الحليم لها … قَنَصْتُها بسوادِ الشَّعْرِ مِنْ كَثَبِ
يَسْعى بشاكلةٍ مِنْ لُونِ وجْنَتِها … كأَنَّما فاجأَتْها عَيْنُ مُرْتَقِبِ
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 6057
ويوم على أَعْطَافِهِ مِنْ عَجَاجِهِ … مُشَرِّقَةٌ دُكْنٌ ومَحْبُوكَةٌ حُمْرُ
تُزَفُّ إلى الأبطالِ مِنْ تَحْتِ سِجْفِهِ … عَوَانٌ مِنَ الهيجاء أَوْ غارَةٌ بِكْرُ
أحِنُّ فيلهيني بهِ مِنْ بِناتِهِ … يمانيَّةٌ بِيْضٌ وخَطَّيةٌ سُمْرُ
إذا جُرِّدَتْ عندَ العِتاقِ تَرَنَّمتْ … فَتَطْرَبُ لكن ذلكَ الطَّرَبُ الذَّعْرُ
وجرد كأمثالِ السَّعَالي خفيفة … مسومة لابن النصير بها نَصْرُ
أَقَرَّتْ نِصابَ المُلْكِ في كفِّ أَرْوَعٍ … تدين له الدنيا وينتهي الأمرُ
وقوله (١): [من الطويل]
لئِنْ عَرَضَتْ دُونَ الرِّضا مِنْكَ نَبْوَةٌ … وكادت وجوه البِشْرِ أَنْ تَتَجَهَّما
فيا للنُّهَى هَلْ مِنْ عَذِيرٍ لِمُشْفِقٍ … تَجَشَّمَ ذنبَ الدَّهْرِ فَيمَا تَجَشَّما
ومنهم:
[٣٢٩] الجراوي
وهو أبو عبد الله بن محمد (٢).
جري على كل معنى جرى، من بيوت القصائد بكل معنى، ما ثم لفظ لا يشققه، ولا معنى يُحَقِّقُه، ولا أدب إلا له مونقه، ولا طلب إلا له منه رونقه. ولع بالتشبيه وما تقاعد، وتبع فيه شأو القدماء وما باعد.
ذكره ابن رشيق (٣): «وكان شاعرًا فحلًا قويًا، وصافًا دريًا، جيد الفكر والخاطر، بحسب بديهته رؤيته».
ومما أنشد له قوله في قبة الشاذروان: [من الكامل]
قد كُللت درًا أفاريز لها … فتبرَّجَتْ فيها بكُلِّ طريق
وكأَنَّما القصر المُعَظَّمُ عاشِقٌ … قَدْ حارَ وهي لديه كالمَعْشُوقِ
يَدْنُو إليها باهتًا شرفاتُهُ … نظر الحمام للقوة في نيق
وكأنما النهر الذي قُدَّامَها … جَرْيًا يَسِيلُ على رقاب النُّوقِ
ثم قال (٤): «وقد ناب هذا الخبر عن العيان، فأدى الصفة على تحقيقها. وملكها أَوْفَى حُقُوقِها».
стр. 6058
وكذلك أنشد له قوله في الديك (١): [من المتقارب]
وكائن نفى النوم عنْ عُتْرُفانِ … بديع الملاحَةِ حُلْوُ المعاني
بأجفان عينيه ياقوتتانِ … كأَنَّ وَمِيضَهما جَمْرَتانِ
على رأسه التاج مُسْتَشرِفًا … كتاج ابن هرمز في المهرجانِ
وقُرْطانِ مِنْ جَوْهَرِ أَحْمَرٍ … تُربنَا بِهِ مِثْلَ قُرْطِ الحَصَانِ
لهُ عُنُقٌ حَوْلَها رَوْنَقٌ … كما حَوَتِ الخَمْرَ إحدى القناني
ودار تزايلُهُ حَوْلَها … كما نَوَّرَتْ شَعَرَ الزِّعْفَرانِ
ودارت بجُوجُوهِ حُلَّةٌ … تَرُوقُ كما راقك الخرواني
فقامَ لَهُ ذَنَبٌ مُعْجِبٌ … كباقَةِ زَهْرِ بَدَتْ مِنْ بَنانِ
وقاس جناحًا على ساقه … كما قِيْسَ شِبْرٌ على خَيْزُرانِ
وصفَّقَ تصفيقَ مُسْتَهْتِرٍ … بِمُحْمَرة من بنات الدنانِ
وغَرَّدَ تغريد ذي لَوْعَةٍ … يبوح بأشواقه للغواني
وقوله (٢): [من مجزوء الكامل]
والأعوجيات الجيا … دُ يُثيرها الأسد الغضاب
والسابري كأَنَّهُ … وذَكَاءُ مُذْكيهِ سَرَابُ
مترقرق كالماءِ إِذْ … يعلوه في النهر الحباب
والنيل يحكي أَلْسُنَ الـ … حيَّاتِ أَعْوَزَهَا الشَّرابُ
ومنهم:
[٣٣٠] الزواق
وهو عبد الرحمن بن فتوح الكتامي (٣)
شرفت به كتامة، وعرفت مثل المسك ختامه، لاح وهل يخفى الصباح اكتتام، وفاح وهل يكتم الأقاح الشام، ولم يكن شعره في كتامة إلا آية ظهرت، ونكبت عن تهامة واشتهرت، فعلم أنه عمل ساحر، وفعل مخرّق بالأدب ساخر.
стр. 6059
ذكره ابن رشيق وقال (١): «قوي أساس الشعر وأركانه، وثيق دعائمه وبنيانه، كأنه أعرابي بدوي ركب ظهر الشعر، ويخوض بحر الفكر، عريان الظاهر من حلية الأدب؛ لغفلة في طبعه، وثقل في سمعه».
ومما أنشد له قوله (٢): [من السريع]
وليلةٍ بينَ حِمَى ربوتي … ماوية والغُصنُ مِنْ سدرها
طَرَقتُ فيها الحَيَّ مستوطئًا … مثل لهيب النار في جمرها
صافية المتنين هنديةً … يقطرُ ماءُ الموتِ مِنْ صَدْرِها
مُختفيًا في سترِ مُخْضَرَّةٍ … وَطُفَاءَ يَنْبُو الطَّرْفُ عَنْ سَترِها
فجاءني هديًا إلى القُبَّةِ الـ … خَيْفاء لمْ تُخْطِى ولم أَدْرِها
ثم قال (٣): «هذا كلام صعلوك وحشي، وفاتك جريء، قد كُفّت نواحيه، ولفت ألفاظه بمعانيه».
وكذلك أنشد له منها قوله في وصف الديك (٤): [من السريع]
وهَبَّ للأطيارِ ذُو حَبْرَةٍ … عنه بما يُعرفُ عَنْ خُبْرِها
فَنَصَّ جيدًا ورقى مِنْبرًا … لدى الذي عُوِّدِ مِنْ خِدْرِها
واستفتح الطار بتصفيقة اسـ … تفتاح ذات الطار في شعرها
فَبَلِبَلَ البُلْبُلَ في غُصْنِهِ … وأَرَّقَ الوَرْقاء في وكرها
كأَنَّما تُوّج ياقوتة … فاتخذ السِّنفَينِ مِنْ شَطَرِها
كأنّما يخطرُ في حُلَّةٍ … مِنْ عَدَنِي الوَشْيَ لَمْ يَشْرِها
وكذلك أنشد له قوله (٥): [من الخفيف]
ومَلاءَةٍ زنجية كبطون الـ … راح مرَّتْ بعيدة الأرجاء
قدْ تَجَشَّمْتُ هَوْلَها ودُجَى الليـ … لِ كَذَيلِ الغفّارَةِ السَّوْدَاءِ
وقوله يصف الحمام الداجن؛ قال ابن رشيق (٦): «ولا أعرف أحدًا وصفه بمثل هذه الصفة» (٧): [من الكامل]
يجتابُ أردية السحابِ بخافق … كالبَرْقِ أَوْمَضَ فِي السَّحابِ فَأَبْرَقا
стр. 6060
لو سابق الريحَ الجَنُوبَ لغاية … يومًا لجال كمثلِها أَوْ أَسْبَقا
يستقربُ الأَرضَ البسيطةَ مَذْهَبًا … والأفقَ ذا السُّقُفِ الرفيعة مُرْتَقى
ويظلُّ مُسترق السماع يَخافُهُ … في الجَوِّ يَحْسَبُهُ الشَّهَابَ المُحْرِقا
قِسْهُ بأعتق كلِّ حامِلِ رِيشَةٍ … ممايطيرُ تجده منهُ أَعْتَقَا
يبدو فَيَعْجَبُ مَنْ يَرَاهُ بحسنِهِ … وتكادُ آيَةُ عِتْقِهِ أَنْ تَنْطِقا
مُتَرَقْرِقًا مِنْ حَيْثُ دُرْتَ كَأَنَّما … لَبِسَ الزُّجاجَةَ أَوْ تَجَلْبَبَ زئبقا
وقوله (١): [من الكامل]
كانوا إذا انحل السحابُ بمائِهِ … جُودًا سَحَائِبَ فِضَّةٍ ونُضَارِ
يا صيرفي بني الزَّمانِ أَمَا تَرى … عِزَّ الفلوس وذِلَّةَ الدِّينار
ومنهم:
[٣٣١] الشريف الزيدي
وهو أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن زيادة بن محمد بن علي الطاري (٢).
وجده علي أول شريف طرأ إلى المغرب، وطار إلى ذلك الجو على جؤجؤ مقرب.
أني يحاول النظراء معه مجالًا، أو تروم الشعراء موضعه وخير الشعر أشرفه رجالًا. لقد غذته القرشية بعذوبتها، وعدته الصبابة الهاشمية أن يشارك الشعراء في أكذوبتها، خلا أنه ألم منه بالشيء الطفيف، والقليل الذي يقول مثله الرجل الشريف.
قال ابن رشيق (٣): «كان شاعرًا حسن الاهتداء، قليل المديح والهجاء، ملوكي الشعر، جيد التشبيه، صاحب مُلح وفكاهات، أشبه الناس طريقة في الشعر بكشاجم».
ومما أنشد له قوله، وفي أثنائه وصف الهلال (٤): [من الوافر]
إذا سَفَرَتْ إليك بوجهِ بَدْرٍ … كأَنَّ عليهِ مِنْ ذَهَب عجارا