← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الحبط ثم نبله بالماء، فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيأة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هي دابةٌ تُسمّى العنبر. قال: قال أبو عبيدة: مَيِّتَةٌ ثم قال: لا بل نحنُ رُسُلُ رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلثمائة حتى سَمِنًا، قال: ولقد رأيتنا نغترف جَرَّ وَقْبِ عَيْنِهِ بالقلال الدهن ونقتطع منه الفِدَر كفدر الثور، فلقد أخَذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وَقْبِ عينهِ، وأخَذَ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعْظَمَ بعير معنا فمر من تحتها وتزوّدنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك لَهُ، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه، فأكله، وفي حديث عمرو عن جابر قال: وأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه، فمرّ تحته. ثم إن جنحنا إلى ذكر شيء مما قيل فلعلنا لا نُغَلْغِلُ ولا ننصب ما نلم به هدفًا لرواشق الألسنة، ولا نعدل به إلى السيئة عن الحسنة، وأما ما نتكلم عليه من أمر البحار، فقد قال الشريف (١): ويخترق هذه الأقاليم السبعة سبعة أبحر (٢)، ستة منها مُتصلة، وبحر (٣) منفصل لا يتصل بشيء من البحور، ثم ذكر السبعة. والستة المتصلة هي: البحر الهندي والخليجان الخارجان منه وهما الفارسي والقلزم. والبحر الشامي والخليجان الخارجان منه وهما خليج البنادقة وبحر نيطش (٤)، والبحر السابع المنقطع هو بحر طبرستان. قلت: وعلى الشريف استدراك أنه خرج من البحر الشامي خليجان البندقي ونيطش، ولم يذكر الثالث وهو الخليج القسطنطيني، فإنه لم يُفْرِده بذكر كما أفردهما. والذي نقول: إن البحور ثلاثة منها الأمهات الخارجات من المحيط اثنان: الهندي ومنه الفارسي والقلزم، والشامي، ومنه البندقي والقسطنطيني ونيطش وَمِنْ نيطش مانيطش، وقيل بالعكس فيهما. ويسمى البحر الأسود وهو بحر القلزم، وذهب بعضهم إلى أنه من المحيط نفسه وهذا محال، فأما الطبرستاني، فبحر في الأرض لا

стр. 632

مخرج له من المحيط ولا مما خرج منه، وتكون حينئذ البحور المحققة ثمانية والمختلف فيهما اثنان سنذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما الشائع الذائع في قول الناس سبعة أبحر، فإن كان مستندهم فيه مجرد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ (١). من غير دليل آخر من منقول صحيح أو معقول صريح، فما لَهُمْ في هذا مستند؛ لأنه جاء مجيء المثل، وأما أقوى مستند لهم أن لا يُعدّ الطبرستاني في الأبحر فتبقى الأبحر سبعة بلا خلاف، وهذا هو مرادهم والله أعلم. وأكثر هذه البحور وأعظمها طولًا وعرضًا هو البحر الهندي. قال الشريف في كتاب أجار (٢): وهو بحر الصين والهند والسند واليمن ومبدؤه من جهة المشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة ممتدة مع خط الاستواء إلى جهة المغرب فيمر بالصين أولًا ثم بالهند ثم بالسند ثم باليمن على جنوبها وينتهي إلى باب المندب، وهناك مَبْلَغ طوله، وطوله على هذه المسافات على ما حكاه الثقات المسافرون والمتجولون (٣) الخائضون فيه المغلغلون (٤) من بلد إلى بلد أن مبدأ بحر القلزم أن الواق واق أربعة آلاف فرسخ وخمسة مائة فرسخ. وقال البكري: إن طوله ثمانية آلاف ميل وعرضه ألفان وتسع مائة ميل، ويدق في موضع آخر حتى يكون ألف أو تسع مائة ميل، وقال بعض المتأخرين (٥): مبدؤه من لوقين وهي أوّل مرافئ الصين ثم يمر بخانقو فرجة (٦) للصين العظيم، ثم بسمندر (٧) من بلاد الهند ثم بحارتين (٨) ثم بقندرينة ثم تانة ثم بسندابور ثم بصيمور (٩) ثم بسندان ثم بسويارة (١٠) ثم بكنباية، وإليها ينسب القماش الكنباني (١١)، ثم

стр. 633

بالدبيل، وهو أول مرافئ السند ثم سرون (١) ثم بالتيز (٢) من بلاد مكران، وهي أحد ركني الخليج الفارسي الآتي ذكره (٣)، ويمر على ظفار (ثم) على الشحر على ساحل مهرة (٤) على شرمة وكسعا (٥) (ساحلي بلاد حضرموت)، ثم على أبين (٦) ثم على عدن، ثم المخنق ثم العارة ثم يأتي إلى باب المندب، ومن هناك يخرج خليج القلزم (٧)، وهو أجمعه يُطلق عليه البحر الهندي. وفي المصطلح إنه مدّة مروره على الصين من أوّل مخرجه من الشرق إلى سمندر يقال له: البحر الصيني، ثم مدّة مروره بالهند والسند من سمندر (٨) إلى التيز يقال له: الهندي، ثم من تيز إلى المندب يقال له: اليمني. وقال النويري (٩) وهو ممن فحص وسأل السفار والمتجولين: وهذا البحر أعني الهندي جملته قسمه السالكون له ست قطع، وضعوا لها أسماء مختلفة، فالذي يمر بأرض الصين يسمى بحر صنجي (١٠) ينسب لمدينة في جزيرة من جزائره، وهو بحر كثير الأمواج مهول، فإذا كان في أوّل هياجه، ظهر فيه بالليل أشخاص سود طول الواحد منهم خمسة أشبار واقل من ذلك، يصعدون إلى المراكب ولا يضرون أحدًا، فإذا عاينهم السفارة أيقنوا بالدمار، وإذا قدر الله تعالى نجاتهم من هذه الشدة أراهم على رأس الدقل طائرًا أبيض كأنما خُلِق من النور، فيتباشرون به، فإذا ذهب عنهم الروع فقدوه. وفيه من الجزائر المعمورة جزيرة سومرة (١١) يحيط بها ألف ميل، ومائتا ميل وفيها مدائن كثيرة، أجلها المدينة التي تُنسب إليها، ومنها يجلب الكافور، وجزيرة صنجي وإليها تنسب هذه القطعة، وطولها مائتا ميل، وعرضها أقل من ذلك، وفيها

стр. 634

جواميس وبقر بغير أذناب. وجزيرة ألفُوجة، يُحيط بها أربعمائة ميل، عمارتها متصلة. ثم بحر الصنف (١) في جزيرة من جزائره، مدينة، وهو بحر خبيث، كثير الأمطار والرياح الشديدة، وفي جباله معادن الذهب والرصاص، وفيه مغاص اللؤلؤ، وفي غياضه الخيزران، وفيه مملكة المهراج، ويَشْتَمل على جزائر لا تحصى ولا يمكن المراكب أن تطوف بها في سنة، وفيها أنواع الطيب من الكافور والقرنفل والعود والصندل، والجوزبوا والبَسْبَاسة والكتابة. ومن جزائره المشهورة، جزيرة الزانج (٢)، وتكسيرها سبعمائة فرسخ وبها يكون المهراج، وهو اسم يطلق على كل من ملكها. وجزيرة البركان؛ وهي جزيرة فيها جبل يرمي بالشرر ليلًا وبالرعود والعواصف نهارًا، وهي أحد آطام الدنيا المشهورة. وجزيرة قمار (٣): إليها يُنْسَب العود القماري، وبها شجر الصندل دورها أربعة أشهر وهي مأوى عبّاد الهند وعلمائهم، ويسمّى ملكها قامرون. وجزائر الرامي (٤)، وهي نحو ألف جزيرة، كلها معمورة، بها الملوك، وفيها معادن الذهب وشجر الكافور. وجزائر لنجيالوس، ويقال: لنكالوس وهي كبيرة، وأهلها سود، مشوّهو الصور لقربها من خط الاستواء، وبها معادن الحديد. ثم بحر لاروي (ويقال له بحر كله) (٥)، وبحر الجاوة، وبحر فنصور، وإنما ترادفت عليه هذه الأسماء بحسب ما يمر عليه من البلاد والجزائر وهو بحر لا يُدْرَكُ قعره. وفيه نحو ألف جزيرة تسمى جزائر النارجيل لكثرته بها، وكلها عامرة بالناس، وبين الجزيرة والجزيرة الفرسخ والفرسخان، وليس يوجد في سائر جزائر البحر ألطف صنعةً من أهل جزائره في سائر المهن. وبيوت أموالها الودع.

стр. 635

ومن جزائره المشهورة مما يلي أول بلاد الهند جزيرة الماند (١) وهي جزيرة يحيط بها ألف ميل وأربعمائة ميل، وفيها ثلاث كبار. وجزيرة كرموه (٢)، يحيط بها ثلاثمائة ميل. وجزيرة بلي، منسوبة لمدينة من الهند على ساحله، يأتيها التجار لأجل الفلفل. وجزائر الذئاب، وهي كثيرة وأكبرها جزيرة ديبي (٣) وسكانها قبائل من العرب يحيط بها أربع مائة ميل، وفيها الموز وقصب السكر. وجزيرة السيلان: وطولها ستمائة ميل، وعرضها قريب من ذلك، وفيها مدن كثيرة، وإليها ينسب العود السيلي. وجزيرة كله (٤)، وإليها ينسب البحر، وهي جزيرة خطيرة طولها ثمانمائة ميل، وعرضها ثلاثمائة ميل وخمسون ميلًا، وبها من المدن فنصور فيها شجر الكافور وفيها العود الفاخر. وملاير ولا روى وكله، وإِليها يُنسَبُ الدُّهن. ولكل مدينة من هذه المدن خَوْرٌ تعبره المراكب من البحر. وجزيرة صندابولات (٥)، وطولها نحو من مائتي ميل، وعرضها نحو مائة ميل، تُنسب إلى مدينة هي فيها. وجزائر بداميان، فيها أمم سود قباح الوجوه، قامة الرجل منهم أقل من ذراع، ليس لهم مراكب، فإذا وقع إليهم غريقٌ أو من يتيه من التجار أكلوه. ثم بحر هر كند (٦). وفيه جزائر كثيرة، يقال: إن عدتها ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة يقع فيها العنبر الذي تكون القطعة منه كالبيت، وسكانها أحذق الناس في الحياكة، ينسجون القميص بكميه ودخاريزه قطعةً واحدةً. وفيه من الجزائر المشهورة: جزيرة سرنديب (٧)، وهي مدوّرة الشكل يحيط بها ألف فرسخ يشقها جبل الراهون، وهو الجبل الذي هبط عليه آدم ﵇ من الجنّة،

стр. 636

وفي أوديتها الياقوت والماس والسنباذج، وطولها مائتان وستون ميلًا. ومدينة هذه الجزيرة العظمى تسمى أغنا يسكنها مسلمون ونصارى ويهود، ولكل ملة من هذه الملل حاكم لا يبغي بعضهم على بعض، وكلُّهم يرجع إلى ملك يسوسهم ويجمع كلمتهم، ولهذا الجبل أربعة أودية تصب في البحر تسمى الأغباب. ثم بحر اليمن، وأوَّله بحر الجمحة، وهو من بلاد مهرة معترض في البحر فيمر بحاسك وهو أوّل مراقي اليمن، ثم يمر بمرباط ساحل (ساحل بلاد ظفار)، ثم يمر بالشحر (ساحل بلاد مهرة)، ثم بشرمة (١) ولسعا (ساحلي بلاد حضرموت) ثم بأبين ثم بعدن، ثم بالمخنّق ثم بالعارة، ثم الباب بالمندب، وفيه من الجزائر المشهورة: جزيرة سوقطرة، ونحوها نحو من مائة وثمانين ميلًا، وعرضها في الوسط نحو خمسة عشر ميلًا، وبها الصبر، يسكنها قوم من اليونان، تغلبوا على من كان فيها من الهند في زمن الاسكندر، وبها عيون يقال: إن الشرب منها يزيد في العقل، وهذه زيادة ذكرها النويري على ما ذكرناه في جزيرة سوقطرة. ثم بحر الزنج (٢)، وبحر بربرا، ويسمّى ساحله الزنجبار، وفيها مما يلي بلاد اليمن جزائر، منها جزيرة دعون وهي مدوّرة، وجزيرة السُّود وجزيرة حورتان، وجزيرة مروان، وفيها مدن يسكنها السرّاق، وهي مقابلة لبلاد مهرة، وجزائر الديبجات (٣) وهي كثيرة وأهلها مفرطون في السواد، وجميع ما عندهم أسود حتى قصب السكر والكافور. وجزيرة القمر (٤)، وتسمى ملاي، وطولها أربعة أشهر، وعرض الواسع منها يزيد على عشرين يومًا، وهي تحاذي جزيرة سرنديب، وفيها بلاد كثيرة أجلها كيدانة وملاي (٥) (وإليها تنسب الجزيرة)، وقد تقدم تفصيل أحوال هذه الجزيرة، وهي الواقعة وراء خط الاستواء، وقد ذكر النويري (٦) أنه لما ضاقت هذه الجزيرة بأهلها بنوا على

стр. 637

الساحل محلات يسكنونها في سفح جبل يُعرف بهم. وقال: ومنه يخرج نهر النيل إشارة إلى الجبل المقدم الذكر. وهذا هو البحر الهندي بمجموعه، وأنا لا أفرده بتصوير لعدم إمكان الإحاطة به على يقين من جانبيه. فأما الجانب الشمالي فقد تمكن تحقيقه، وأما الجنوبي منه فلا يمكن بحقيقة قطعًا، وإنما نصور منه مخارج الخليجين الخارجين منه فيما يأتي إن شاء الله، وأما الخليجان الخارجان منه، فأولهما الخليج الفارسي وهو المسمى بالبحر الأخضر (١)، ومخرجه من بلد بين بلاد مكران، وقد قدمنا أنه أحد ركني هذا البحر، وركنه الآخر جبل اعترض في البحر الهندي، فخرج هذا البحر، وفيه من الجزائر نحو ثلاثمائة جزيرة (٢)، وهو بحر فارس والابلة (٣) ومخرجه من الجنوب إلى الشمال مغربًا قليلًا، فيمر بغربي بلاد السند ومكران (٤) وكرمان وفارس إلى أن ينتهي إلى الابلة حيث عبادان، وهناك ينتهي آخره، ثم ينعطف راجعًا إلى جهة الجنوب فيمر ببلاد البحرين وأرض اليمامة ويتصل بعمان وأرض الشحر من اليمن، وهنالك اتصاله بالبحر الهندي، وطول هذا البحر أربعمائة فرسخ وأربعون فرسخًا وفيه جبلا كسير وعوير (٥)، وعمقه سبعون باعًا إلى ثمانين، وفيه من الجزائر تسع منها عامرة. وهذه صفة البحر الفارسي (٦). [صفة البحر الفارسي] وأما ما هو على البحر الفارسي مما هو على جانبيه فسنذكره، فأما ما هو على الجانب المصاقب لجزيرة العرب فأوّله دجلة من الجانب الغربي عبادان فرضة البصرة، وقبالتها سليمانان، هذه على جانب دجلة الواحد والأخرى على جانبها الآخر، وهما أول العراق من الجانب الشرقي، ثم بلاد البحرين، ومنها الأحساء والقطيف وهجر، ثم بلاد البحرين بلاد صَحِرَة، ثم بلاد مهرة، وعمان ثم رأس الجُمُحَة (٧) التي منها مخرج القُلزم فهذا هو جانبه الغربي، وأما ما هو على جانبه

стр. 638

الشرقي، وهو ما هو قاطع دجلة مشرقًا وهو سليمانان (١) المقدم ذكرها، ثم يليها الدورق فرضة خوزستان، ثم مهروبان (٢)، وهناك بلاد الخوارج ثم سينيز (٣)، ثم جنابة (٤) ثم نجيرم ثم سيراف، وهذا هو جانبه الشرقي، فهذه هي مشاهير البلاد الدائرة على البحر الفارسي من بلاد العراق وفارس. ثم يلي فارس كرمان و هرموز ثم بلاد الهند، وهذا البحر قد أخذ من الجنوب مشرقًا فما كان منه متشاملًا بغرب فهو جزيرة العرب، وما كان جنوبًا بشرق فهو بلاد العراق وفارس، والحد الفاصل بينهما عبادان وسليمانان، فأما عبادان فمما يلي جزيرة العرب، وأما سليمانان فمما يلي العراق، وكلاهما من العراق. والخليج الثاني القلزم (٥)، ومبدؤه من باب المندب، وهو حيث انتهى البحر الهندي، ومَرَّ في جهة الشمال مغرّبًا قليلًا، فاعتنق غربي اليمن، وقرَّ بتهامة والحجاز إِلى مَدْيَن وأيلة وانتهى إلى مدينة القلزم وإليها نُسِب ثم ينعطف راجعًا في جهة الجنوب، فيمرّ بشرقي بلاد الصعيد إلى جون الملك ثم إلى عيذاب إلى جزيرة سواكن إلى زالغ (٦) من بلاد البجاة (٧) وهو المسمى على السنة العامة بالزيلع، ثم ينتهي إلى بلاد الحبشة، ويتصل بالبحر الهندي من حيث خرج، وطول هذا البحر ألف ميل وأربعمائة ميل (٨) وأكثر قعر هذا البحر أقاصير تتلف عليها المراكب فلا يركبه من الربانين إلا كل مجيد عارف بهذا البحر وأقاصيره عالم بطرقه ومجاريه، وفيه من الجزائر خمس عشرة جزيرة (٩).

стр. 639

وهذه صفة هذا البحر المعروف بالقلزم (١). [صفة بحر القلزم] وأما ما هو على هذا البحر المعروف بالقُلزم مما هو على جانبيه فسنذكره: فأما ما هو على جانبه الجنوبي، فهو برّ العرب، وأما ما هو على جانبه الشمالي، فهو برّ العجم، بهذا يُعرف فأما برُّ العرب فنحن نذكر مشاهير ما على ساحل البحر منه فأوّله من مخرجه من البحر الهندي من حيث المندب ببلاد اليمن، وهناك رأس الجُمُحَة (٢) ثم حضرموت وهي في رمل الهبير (٣) ثم سبأ ثم تريم (٤) ثم عدن ثم فلافقة (٥) ثم الشَّرجة (٦) ثم عَثَر (٧).، ثم الحمضة (٨) ثم حَلي (٩) وهو المعروف بحلي ابن يعقوب ثم السَّرين (١٠)، ثم جدّة، وهي فرضة مكة المعظمة ثم الجار (١١) وهو فرصة المدينة المشرفة، وهناك موقع ينبع (١٢) ثم حلنا (١٣)، ثم عينونة (١٤)، ثم الخوراء، ثم النبك، ثم مدين (١٥)، ثم أيلة وعندها انتهى البحر، وخرجت دون أيلة شعبة مدّت غير

стр. 640

بعيد، انتهت إلى القلزم وبه عُرِف هذا البحر، وفي نهايته بركة الغُرُنْدُك (١) التي أغرق الله تعالى بها فرعون وعليها أطلال الطور، ودونه مرسى السفن. فهذا هو جهة ما على هذا البحر في بر العرب. وأما ما عليه في بر العجم، فأوّله مما يلي القلزم والطور بر مصر أخذًا على حاجرها الشرقي، إلى الصعيد الأعلى، إلى عيذاب، وهي فرضة الصعيد الأعلى، ويقع قبالة جدة، ثم يلي عيذاب بلاد البجاة وبها أمم من العربان قد خالطوا البجاة فزوجوهم وتزوجوا منهم ثم بلاد بربرة، ثم بلاد الحبشة، ثم مفازة بين الحبشة والزنج، ثم بلاد الزنج، ثم تجاه المندب ورأس الجُمُحة (٢) حيث مخرجه من البحر الهندي وهذا هو جملة ما على هذا البحر في بَرّ العجم. فهذه جملة ما على هذا البحر من جانبيه، وهذا البحر قد أخذ من الجنوب مغربًا بشمال فهذان هما الخليجان الخارجان من البحر الهندي. وأما البحر الشامي (٣): فإنَّ مخرجه من البحر المحيط من أقصى المغرب. ومبدؤه في الإقليم الرابع، ويسمى هناك بحر الزقاق (٤) لأن سعته هناك اثنا عشر ميلًا، ثم يتسع فيكون ثمانية عشر ميلًا، وكذلك طول الزقاق من طريف (٥) إلى الجزيرة الخضراء (٦) أيضًا ثمانية عشر ميلًا، فيمرّ مُشرّقًا في جهة بلاد البربر وشمال المغرب الأقصى إلى أن يمرّ بالمغرب الأوسط ويصل أرض إفريقية إلى وادي الرمل إلى أرض برقة، وأرض لوبيا (٧) إلى أرض الإسكندرية على ساحل مصر إلى أرض التيه، ويعطف على أرض فلسطين وسائر بلاد الشام (٨)، إلى أن ينتهي عاطفًا على جون الأرض إلى

стр. 641

إياس، ومن هناك ساحله الشمالي مادًّا إلى مخرج الخليج البنادقي ويتصل إلى أرض رومة إلى بلاد سغونة وأريونة حتى يجتاز بجبل البرنات فيمر بشرقي بلاد الأندلس من جهة جنوبها إلى حيث ابتدأ، وطول هذا البحر الشامي من ابتدائه إلى حيث انتهاؤه ألف فرسخ ومائة وستة وثلاثون فرسخًا (١)، وفيه من الجزائر نحو من مائة جزيرة بين صغار وكبار ومعمورة وخلاء. وقد تقدم الكلام عليها مستوفيًا عند تعرضنا لذلك (٢). وهذه صورة البحر الشامي (٣). [البحر الشامي] وأما ما يدور بالبحر الشامي من جانبيه وعلى حجزه حيث ردّ فهو ما سنذكره. وأول ما نبدأ بما هو على جانبه الجنوبي، فأول ما هو عليه على المحيط أسفي (٤)، وهي متقدمة إلى الجنوب. ثم أزمور وتشامَلَتْ عنها، ثم العرانس وتشامَلَتْ عنها. ومن طنجة مخرج بحر الزقاق، وهي نهاية ما تشامل هنا. ثم أخذ البحر على أسفي إلى طنجة ورايا كأنها أحد تثاليث الزاوية، ثم سبتة وهي شرقي طنجة محضًا، وإلى سبتة انتهاء الزقاق، فأوله من المغرب على طنجة. وآخره من الشرق عليه سبتة، ثم من سبتة عظم البحر واتسع عرضه، وأول ما يلي سبتة عن شمالها بادس (٥)، ثم المزمة (٦) ثم مليلة (٧)، ومنها يوسق القمح ويحمل إلى سبتة وإلى غيرها من بلاد البر من العدوة وغربي الأندلس، ومنها تشامل البحر، ثم يليها هنين (٨)، ثم يرسل ثم الجزائر.

стр. 642

المعروفة ببني مزغنا (١) ثم تدلس (٢) ثم بجاية (٣)، وقد خرج إليها جون من البحر، وعليها نهران كبيران. والسفينة تدخل الجون إلى داخل المدينة وترسي إلى الحجر المنقوب داخل الميناء، وهي صفة شق جبل نقب فيه مجاز للمراكب تدخل منه إلى الميناء ثم جيخل (٤)، ثم القل (٥) ثم بونة (٦) ومراسي الخرز (٧) وهو بلاد العناب، ومنه يقطع العناب ويخرج أخضر، فإذا شم الهواء احمر. ثم نبزرت (٨) ثم عطف البحر على جون آخذًا إلى جهة الجنوب راجعًا، وبنزرت هي أول مدينة على رأس هذا الجون، ثم يليها مرسى سهيل (٩) ويسمى رأس الجبل، ومنه في شرقه إلى الجنوب مدينة تونس ثم على البحر سوسة (١٠) ثم المهدية (١١) بناء المهدي العبيدي، ثم قصر زبير وإليه انتهت خرجة الجون، ثم خرج منه جون آخر أَخَذَ جنوبًا بغرب وعلى أوّله مما يلي المهدية وقصر المهدية وقصر زبير مدينة سفاقس (١٢) ثم قابس (١٣) وإليه انتهى ذلك الجون، ويقال لقابس: دمشق الصغرى، ويبالغ منهم طائفة فيقول: دمشق الكبرى، ثم يليها اطرابلس، وهي نهاية قواعد مدن إفريقية. ثم استقام البحر مشرقًا، ثم خرج له جون كبير أخذ إلى الجون، وأول ما عليه مما يلي الغرب جزيرة العافية (١٤) ثم قصر أحمد (١٥) ثم الملفة ثم الحلوف ثم حسان ثم الزلاج، وهو نهاية الجنوب، وعلى رأس هذا الجون في ضفته الجنوبية

стр. 643

سرت (١) وهي سبعة قصور كبار، ثم اليهودية، ثم السدرة وعين الكبريت عليها تقابلها جنوبًا نصبًا وبينهما تقدير نصف نهار، ثم صبح (٢) وهو مرسى لا احتفال به، ثم نمارس، ثم جزيرة الطير، ثم زنارة وهي نهاية الجون من الشرق، ثم نميرة ثم القمرة ثم مرسى عطية ثم كريكرة ثم كركورة ثم ملال، وهو يعرف بمرسى ابن غازي، ثم ناجونس، وكل هذه مواضع لا مدن، وإنما هي منازل عرب، ثم يليها رسق، وهو قصر لخزين الحرب، ثم طلميثة (٣) وهي أيضًا قصر خزين وإليها انتهى الجون، ثم أخذ شرقًا محضًا، وأول ما عليه مما يلي الجون رأس عبدون، ثم كسنت، ثم جون دفرنه ثم اوبان ثم سوسة، وهي أرض بها قصر جليل مشهور، ثم الهلال ثم كرشة، وهي مرسى فيها قصر جليل، ثم درنة ثم شقة الفلفل ثم الفوّارة، وهي مرسى في وسطه ماء معين نابع، ثم مرسى التين، وهو راس جون، ثم القرشي، وهو مرسى مليح مأمون ليس في برّ المسلمين مرسى مثله للمشتى؛ لأنه لا يكشف بريح من الرياح ثم لينة (٤)، ثم الرصيص، ثم طبرق فيها قصر جليل، ثم خربة الشيخ، ثم رأس الملاحة، وهو مرسى جيد، ثم مرسى عمارة، ثم السلم، ثم رمادة، وهو ذراع الزيتون، وهو على جون خطر قليل أن يرسى فيه مركب فيسلم، ثم الطرفاوي ثم السابلة وبينها، ثم جزائر الحمام وبها قصر، ثم جون بوزبيبة، ثم الحليقة، ثم الكنائس، ثم مرسى رياح، ثم الكرش، ثم الشقراء، ثم الكحيلتان، ثم مرسى العميدين، ثم الليونة، ثم الاسكندرية، وعليها مرسيان، بحر السلسلة وهو المرسى الغربي، ومرسى المنار، وهو المرسى الأعظم المشهود المشهور ثم مرسى القصرين ثم توفير ثم رشيد، ثم نستروه، ثم رأس البرلس، والبحر هنا قد تشامل ودخل رأس البرلس مصدرًا في البحر إلى الشمال، ثم الحمام ثم رأس التفاحي ثم دمياط ثم الطينة. وهي بحيرة ملح خرجت من البحر الملح إلى جهة الجنوب يكون دورها أربعة أيام، ثم العزما ثم رأس القص، ثم مرسى العريش. ثم الزعقة ومنه انتهى البحر الشامي شرقًا، ومنه رديّة، ولأجل هذا اتسع الشام من هناك، وأول ما بدأ على حجر البحر هنا الدارون، ثم غزة، ثم عسقلان، ثم يافا، ثم أرسوف، ثم عثليث ثم رأس الكرمين وهو مرسى، ثم عكا، ثم رأس الأبيض وهو مرسى يقارب

стр. 644

إسكندرونة، وهي إسكندرونة الشام، وهي مدينة بها عين جارية، عليها ارحاء دائرة، وسور مطل على البحر، وبها الخفر، وكذلك مما يصاقب المرسى المقدم ذكره المعروف برأس الأبيض برج يعرف ببرج إخوة السيف، وعنده عين، وهو يرمي إلى البحر، وبه خفر، ومنه إلى اسكندرونة المذكورة، ثم صور إلى سدين، وهي مدينة على ضفة البحر، شُربها من آبار مُحْتَفَرة، وهي خربة من عهد الفتوح، ثم حصن القاسمية، وهو على مصبّ ليطا إلى البحر، وهو مسكون بالخفراء. ثم عدنون، وهي مدينة خربة، وشُربها من آبار محتفرة، ثم الصرفند، وهي مدينة خربة من الفتوح، وشربها من آبار محتفرة، ثم صيدا، ثم بيروت، ثم جبيل، ثم النترون، ثم نسفى، ثم طرابلس الشام، ثم أنطرطوس ثم المرقب، ثم بلنياس، ثم جبلة، وبها قبر ابن أدهم، ثم اللاذقية، ثم رأس خنزير، ثم السويدية وهي السويدية إسكندرونة، ثم بلياس، ثم المثقب، والمقادير بينها متقاربة لعلّها كلها لا تُعدّي فرسخًا واحدًا، ولا ذكر لها مع السويدية. وأما النقير أحد قلاع الأرض المشهور الذكر، فإنه يطل على نهر باياس، وهي رأس جون الأرمن، وعنده انتهى البحر في ردّته، ثم يليها أياس، وهذا تمام حجر البحر، فهذا الحجر ركنه الجنوبي الزَّعِقَة وركنه الشمالي اياس، ولو مُدَّ خيط وقع بينهما، ثم ما يعطف على البحر على ساحله الشمالي إلى الغرب، وهو برّ عباد الصليب إلا قليلًا من أتراك المسلمين، وأوّل شيء يلي اياس في الرجعة باديانس، ثم أذنية ثم بورمون، وهو مرسى، ثم اندريونية، ثم جزيرة الزيتون، ثم العلايا والصواب في اسمها العلانية، وهي لأمراء الأتراك، ثم نقولة، ثم انطاليا العتيقة، ثم انطاليا الجديدة، وهي على خرجة نهر بحر الحسب الحفاء، ثم جزيرة الراهب، ثم القيقبون، وهو مرسى جيد مأمون، ثم المقرئ بفتح الميم والقاف وسكون الراء المهملة، ثم يمشي الراكب بين جبلين تقدير ثمانية أميال، وهما ينجق ومايسر، وعنده مخرج الخليج القسطنطيني من البحر الكبير آخذًا مُتشاملًا تشاملًا محضًا، وعلى ركنه الشرقي مايسر وعلى ركنه الغربي مطيان ولسنبول (١)، ونحن لا نذكر هنا إلا ما على البحر الشامي فأما ما هو على الخليج القسطنطيني، ثم يلي لسنبول سبيطة، ثم قلورية، ثم درازة، ثم برغونيه اللمان، ثم سقوف، ثم طراب، ثم طرنس، ثم البندقية، ثم برغونية الافرنسية، ثم رندس، ثم طروزة، ثم بطارنة، ثم تاتل، ثم عنطة، ثم ردنة، ثم قونة، ثم جنوة، ثم تسفالة، ثم أنيسة، ثم كلوز، ثم مرشيلية، ثم اصمرت، ثم بربونة، ثم قلونة، ثم

стр. 645

برشلونة، وهي نهاية بلاد عباد الصليب الأصلية، ثم بلاد الأندلس مما أخذه النصارى وما هو بأيدي المسلمين، فما يذكر: طرطونة، ثم طرطوشة، ثم بلنسية، ثم دانية، ثم نعت، ثم قرطاجنة، ثم المريّة، ثم المنكب، ويعتصر بها قصب السكر. وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الصائغ الأموي (١): إنه يُعتصر بها ويُعمل منه السكر ويقوم بكفاية الأندلس. قال: وهو أعلى من المكرّر المصري، ومن السكر السليماني المعمول ببر العدوة، ثم مالقة، ثم الجزيرة، ثم جنوبي بلاد اشبيلية، وهي منتهى البحر الشامي إلى المحيط في شمالي الزقاق، ثم ما هو على ضفة البحر قبالة أسفي وما يليها مما هو غرب الزقاق. وأوّل ذلك مما يلي جنوبي اشبيلية لسنوية، ثم نوركانه، ثم بون، برمون، ثم بلاد أخرى قرى لا يعرف أسماؤها مما هي على المحيط، فهذه جملة ما على ذروة البحر الشامي مما على جانبيه الجنوبي والشمالي وعلى حجره، فأما ما هو على الجانب الجنوبي وحجره، فإني حررته من القنباص وأخذته من الأستاذ الرايس أبي محمد عبد الله الأنصاري القرطبي. وأما الجانب الشمالي فعن مجرّد القنباص وما أخبرني به لبان الجنوي. وأما الخُلُجُ الثلاثة الخارجة من هذا البحر الشامي. [الخليج البندقي] فأولها: الخليج البندقي وهو خليج كبير متسع ليس له فوّهة وإنما هو كالجون، وأكثر الناس على هذا، فيقولون جون البنادقة، وله ركنان سعة ما بينهما سبعون ميلًا يحيط بهذا الجون مدن جليلة للفرنج البنادقة، وهي ذات حصون وقلاع ممتنعة، ومبدؤه من شرقي بلاد قلورية عند مدينة تسمى اكذبت، ومنتهاه بلاد الكلاية، ومن هناك ينعطف وطول هذا الخليج ألف ميل ومائة ميل، وفي ست جزائر ثلاث منها في ضفّة وثلاث في ضفة أخرى، وهذه الستة مسكونة، وبهذا الخليج جزر أخرى غير مسكونة ولم نتحقق أعدادها (٢). وهذه صورة الخليج البندقي (٣). [الخليج القسطنطيني] وثانيها: الخليج القسطنطيني، وفوهته (٤) قبالة جزيرة رودس، وسَعَتُها غلوة

стр. 646

سهم، ويقال: إنه كان بين الشطين سلسلة طرفاها في برجين (١) يمنع الراكب من العبور إلا بإذن الموكَّل بها. ويمُرُّ هذا الخليج نحو مائتي ميل وخمسين ميلًا إلى أن ينتهي إلى القسطنطينية فتكون في غربه يُحيط بجبهتين منها. وهي مدينة عظيمة مشهورة، تقدم القول عليها وسيأتي لها ذكر في أخبار بلاد الروم. وعرض هذا الخليج عندها أربعة أميال ثم يمر مشرقًا حتى يكون بحر مانيطش (٢). وهذه صورة الخليج القسطنطيني (٣). وأما ما هو على هذا الخليج القسطنطيني، فسنذكره. فأول ما على مخرج هذا الخليج من البحر الشامي مما هو على ساحله الغربي من عند مخرجه مطبان، ثم أدرِمُوز، ثم شلونيس، ثم ينتهي إلى القسطنطينية، ثم إلى بيشين، ثم إلى بادنة، ثم إلى قروشية، وهي على نهر دونة، وإليها منتهى الخليج، ثم يكون بحر مانيطش، ثم ما هو على جانبه الشرقي حيث مصبّ هذا الخليج في بحر مانيطش قبالة قروشية .. اشقوطة، ثم انية، ثم بيدرشك، ثم قويلية، ثم ما بشر المقدّم ذكره، ويكون ما بشر قبالة مطبان على ركني فوهة هذا الخليج عند مخرجه من البحر الشامي. [بحر ما نيطش] وثالثها: بحر مانيطش، ومبدؤه من البحر الشامي حيث فم أبدة، وعرض فُوهتِهِ هناك رمية سهم، ويمرّ الخليج القسطنطيني بعد القسطنطينية ستين ميلًا حتى يصب في هذا البحر، وهذا هو البحر المعروف ببحر القرم وببحر سوداق، وعرض فوهته عند مصبه من الخليج ستة أميال، ويمرّ هذا البحر في جهة المشرق فيتصل من جهة الجنوب بأرض هرقلة إلى أرض استرويلي إلى سواحل اطرابزنده إلى أرض اشكاله إلى أرض الخزر وهناك ينتهي، ثم يعطف راجعًا إلى مطرحة، ويتصل ببلاد الروم والبرجان وموقع نهر دينابوص إلى موقع نهر دونة، إلى أن ينتهي إلى فم الخليج ويتصل به، ويمر بشرقي تلك البلاد الرومية إلى أن يتصل بالموضع الذي منه ابتدأ، وطول بحر نيطش من فم المضيق إلى حيث انتهاؤه ألف ميل وثلاثمائة ميل، وفيه ست جزائر والشريف مؤلف كتاب أجار لم يُفرد هذا الخليج بذكر وحقيقة هذا البحر أنه هو الخليج القسطنطيني حيث اتسع عرضه (٤).

стр. 647

وهذه صورة بحر مانيطش (١). وأما ما على بحر ما نيطش، فسنذكره، فأوّل ما عليه من حيث ينصب الخليج القسطنطيني من الضفة الجنوبية جنوبي مانيطش شمالي الروم، فأول ذلك من جهة الغرب مما يلي اشقوطة المذكورة آنفًا، بونط، ثم شماشطة، ثم صنوب ثم صمصون ثم بطرة، ثم اطرابزندة، وهي اطرابزون، ثم نيرو ثم شوشقو ثم ما وزلان ثم أطرنة ثم كفا ثم صوداق، ثم أقرشانيقة، ثم نقر وبلة ثم لقو شلمة ثم ينتهي إلى نهر دونة، وهذا نهر دونة هو نهر القسطنطينية يأتي من الشمال فيصب في بحر ما نيطش، وقد ذكرنا نطاق هذا البحر مستديرًا، لأنه بحر إن لم يكن كأنه دارة، فإنّه يقارب أن يكون كأنه دارة. [البحر الطبرستاني] وأما البحر الطبرستاني (٢)، فقد قررنا حقيقة أمره، وأنه ليس له مخرج من المحيط ولا مما خرج منه، وأشار الشريف في كتاب أجار إلى أنه سابع الأبحر وهو المستفيض على ألسنة الناس، ولعل ذلك البحران الهندي والشامي وما خرج منهما وهو خمسة أبحر فتلك سبعة. وأما هذا البحر فلعل حكمه حكم بعض البحيرات، وإن اتسع مداه، وبعد ما بين منتهاه ومبتداه، ويقال له: بحر الخزر وبحر جرجان وبحر الديلم وبحر القلزم أيضًا، وبحر طبرستان وأكثر الناس على تسميته بحر طبرستان. وهو بحر منقطع لا اتصال له بالمحيط ولا بشيء مما خرج منه، ولا مما خرج منه ويقع فيه أنهار كثيرة، وعيون جارية غزيرة المدد، ويتصل بهذا البحر من جهة الشرق أرض الإغزاز ومن جهة الجنوب بلاد طبرستان، ومن جهة الغرب بلاد أذربيجان والديلم، ومن جهة الشمال أرض الخزر. وطول هذا البحر من جهة الخزر إلى عين الهَمَد ألف ميل، وعرضه من ناحية جرجان إلى موقع نهر أيثل ستمائة ميل وخمسون ميلًا، وفيه أربع جزر. وهذه صورة البحر الطبرستاني (٣). / وأما ما عَدَّه بعض الناس بحرًا وليس ببحر، فهو البحر الزفتي، وبحر الانقليشيين. فأما البحر الزفتي، فهو من وراء البحر الهندي في الجنوب، وهو قطعة من المحيط زائدة الظلمة لتكاثف الأبخرة، خرجت من الشرق إلى الغرب وراء جزيرة القمر. وربما تكثف البخار عما استدار بهذه القطعة المظلمة فتبقى كتفصيل السراويل وقد تقدمت الإشارة في أوائل هذا الكتاب إليه. وأما بحر الانقليشيين فهو خرجة من

стр. 648

المحيط خرجت في الجانب الغربي من الشمال بتغريب إلى جهة الجنوب حتى قاربت بحر نيطش على خط ممتد إلى قبالة خليج البنادقة. ووقعت به جزر، منها جزيرة برطانيا. وجزيرة النساء وجزيرة الرجال وجزيرة الغنم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا البحر في الإقليمين السادس والسابع، وليس هذان ببحرين، لا الزفتي ولا هذا، وإنما هما خرجات من المحيط في الكسوف من الأرض، إلا أنهما مستقلان. وثم تنبيهات في معنى الأبحر نحن نذكرها: وهو أنَّ الشائع على الألسنة أن البحر الشامي هو خليج شقه الاسكندر من البحر المحيط، وليس الأمر كذلك، وإنما هذا من أغاليط العامة. وإنما كان البحر الشامي بحرًا منقطعًا مثل بحر طبرستان، فأراد الإسكندر أن يصله بالبحر المحيط لتصل مجاري السفن، ويمنع أذى أهل برّ العدوة عن الأندلس وبلاد الروم واليونان فشق بحر الزقاق حتى اتصل ما بينهما، وكذلك كان بحر نيطش بحرًا منقطعًا مثل بحر طبرستان فأراد الاسكندر أن يصله بالبحر الشامي لتتصل مجاري السفن فشق الخليج القسطنطيني حتى اتصل ما بينهما. ويقال: إن مراده بهذا اتصال مجاري السفن والفصل من بلاد الترك والروم أيضًا. وهذا أقرب فإنه ليس في إمكان مخلوق حفر هذا البحر الشامي. وإنما هو قدرة الخالق ومن قال غير هذا لم يُصب الصواب. والله أعلم. ومن الناس من زعم أن بحر نيطش له مخرج من الخليج، وهو قول باطل لا حقيقة له، وقد تقدمت الإشارة إليه. وأما بحر طبرستان؛ فمن الناس من زعم أنه يتصل ببحر نيطش من تحت الأرض، وليس هذا بصحيح، وإنما هو إما من مدد الأنهار ويغير ماءها سوء التربة، وإما أن يكون مما لم ينكشف في وسط كرة الأرض، والله أعلم. والبحر المحيط هو المسمى أوقيانس (١)، والخليج القسطنطيني يُسميه بعضهم بحر نيطش، ويسمى بحر نيطش بحر مانيطش، وقصدنا التنبيه على ذلك ليُعلم. فأما البحر المحيط، فإنه لا يمكن ركوبه إلا لمن يمشي مع الساحل في بعض أماكنه دون بعض، وهو بحرٌ مظلم الدّوّ مُعْتِم الجوّ، مُعَتّم بالسحائب الجون، معتم لمضاحكة البرق المجون، تكاثف هواؤه، وتكاثر به قتر يقيح رواؤه، لا تشقق السحاب عليه ثيابها، ولا تفتح النجوم فيه أبوابها. دهره كله ظلام، وزمانه كله ليال لا يفرق بينها أيام، كأنما أظله الغراب بجناحه الغربيب، أو أحله الليل تحت وشاحه الغريب، لا وصول للنصول إلى حالك صباغه، ولا مقام للغمام عليه إلى حال فراغه، لا يتحلّل عليه البخار ولا يتخلل

стр. 649

جهاته من يسلك البحار، ولا يتحوّل في أقطاره السفّار، ولا يدخل التجار، ولا يتحقق ما هُوَ فيحدث عن أهواله، أو يُبحث عن أحواله، لو أنَّ الهلال زورق، لما اقتحم بحره الأنكد، أو الصباح مصباح لما أضاء في لُبّه الأسود، أو المجرة قلع لما فتحت في مركبه شراعها، أو الجوزاء مجداف، لما مَدَّت للقذف في لججه باعها، لا يهدأ رُغَاء رَعْدِهِ الصارخ، ولا يقرُّ زفير ريحه النافخ، ولا يُرتقى طود موجه الشامخ، ولا يُتوقى لثق مائه الراسب الراسخ، أَبْصَرُ الناس به جاهل،، وأرشد الطرق إليه مجاهل، لم يسلكه متقدم فيعرف متأخره بعده كيف الطريق، ولم يدركه متقحم لبعد قراره العميق. لا يُحصَرُ ودونه من الفراقد ألف راقدولا يحصي كم في مددِهِ من الفراسخ ألف راسخ، لا تتجلى سماؤه. ولا تتحلّى أنواؤه، ولا به جهةٌ تُقْصَد لحاجة، ولا يقصد على طلب الوصول إليه اللجاجة، بل هو بحر زاخرٌ لا يُعرف له أول ولا آخر. لا يعرف سالكه إلى أن ينتهي، ولا راكبه بما يتشاغل به عن أهواله ويلتهي، ولا يدري المخاطر بنفسه فيه ما يوافقه حمله من الزاد ولا مقدار ما يكفيه، فما تعرّض لركوبه إلا من خاطر بأجله وقامَرَ بروحه فإمَّا تَلَفَتْ وإما عاد دون بلوغ الغاية بخجلة. فهذه هي جملة البحار أصولًا وفروعًا. وأما ما لابد من معرفة أمورها فهو معرفة السفر فيها، وهو ما عقد له هذا الفصل. الفصل الثاني: في ذكر الرياح الأربع وصورة القنباص (١) اعلم أني تطلبت معرفة هذا، وجعلتُ أتأمل القنابيص (٢) الموضوعة في هذا الشأن، حتى ظهر لي والحمد لله خفيها وبانَ لي غامضها، ثم إنني سمعت بفريد هذا الشأن الشيخ الأجل الرائس الأستاذ أبي محمد عبد الله بن أبي نعيم الأنصاري القرطبي، فطلبته، واجتمعت به، فوجدتُهُ خَلَعَ جلابيب شبابِهِ في ركوب البحر الشامي،

стр. 650

وأذهب صدر عمره في التجوّل في أقطاره. والتحول في أسفاره، فقطعه شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وبلاد إسلام وكفر، حتى أحاط علمًا بأحواله، وما هو عليه فعرفته ما ظهر لي في القنابص، وعرضتُ عليه ما فهمتُ فتطوَّل بإحسانِهِ وشكر، وقال: أجدت ما فهمت وأحسنت فيما استنبطت، ثم قال: اعلم أنَّ المسافر في البر والبحر في كل أرض وإلى كل أرض لا دليل له أدلّ من تحقق جهة المشرق والمغرب والجنوب والشمال، فإن هذه أصل كلّ ما يقال في هذا الشأن وعليه يعمل جميع الأعمال، واعلم أن القنباص يشتمل على البحر الشامي ومخرجه من المحيط في أقصى الغرب إلى الزقاق إليه، وخلجه ومشاهير جُزره، وما يتصل به من بحر نيطش ومانيطش والبر المحيط به من جنوبه وشماله وشرقه، فأما الخطوط التي فيه، فهي الرياح التي تسافر بها المراكب، ومنها أسود وأحمر وأخضر على ما يأتي في الدائرة المكملة التقسيم، وسنبين معنى تلوين هذه الخطوط، فهذا ما هو في القنباص، وأما المهم المقدم فهو أمر الرياح، وهي أربعة: جنوبي وشمالي وتسمّيه التجارة سُميّة، ويُسميه أهل مصر البحري. وشرقي وغربي، فهذه هي أصل الرياح، وتنقسم هذه الرياح كل ريح اثنتين، فتصير ثمانية رياح، ثم تنقسم الثمانية كل ريح اثنتين فتصير ست عشرة ريحًا، ثم ينقسم كل ريح اثنتين فتصير اثنتين وثلاثين ريحًا وهذه جميع ما يسافر بها التجارة. قال: فالجنوبي قبالته سُميّة، والشرقي قبالته الغربي، ثم لما انقسمت إلى ثمانية، سميت الأربعة رياح الأخر شلوق ولباج وَجَرْج وتبراني، فصارت هذه الثمانية أصولًا كلها، وهي التي تُخَطُّ بالأسود، ثم لما انقسمت هذه الثمانية فصارت ست عشرة، لم تُسَمَّ الثمانية التي انقسمت منها بأسماء تعرف بها، وإنما سُمِّيت أرباعًا أحدها ربع، وإنما سميت بهذا؛ لأنها ربع الأربعة الأصول الأول، وهذه الأرباع هي التي تُخَطُّ بالأحمر، ثم لما انقسمت هذه الأرباع الستة عشر فصارت اثنين وثلاثين سميت أثمانًا، واحدها ثمن؛ لأنها ثمن الأربعة الأصول الأول، وهذه الأثمان هي التي تُخَطَّ بالأخضر. والفائدة في تقسيم الأصول الأربعة حتى انتهى إلى هذه الأثمان لما يحتاج إليه المسافر من جهة لا تبلغها ريح كاملة فتزيد أو تنقص بمقدار ما تحتاج إليه من الأرباع أو الأثمان، وكذلك في أوقات الريح المخالفة وغير ذلك مما يحتاج إليه راكب البحر ولو لم تنقسم الأصول الأربعة، لصعب عليهم العمل بالكامل، فما لا يحتمل الكامل ولا شطره مثل مَنْ لا يحتاج إلا إلى ثمن ريح لا غير، وفي هذا من الفوائد الجليلة ما لا خفاء به. قال: فأما مهاب الرياح الأربع فمعلوم، فالجنوبي هو اليماني وقبالته الشمالي،

стр. 651

وهو - أعني الشمالي - المسمّى عند البحارة سُميَّة، وأما الشرقي والغربي فمعروفان، حيث مطلع الشمس ومغربها، في الاعتدال متقابلان، وقد بيّنا هذا في معرفة القبلة وسيأتي. وأما الأربعة المنقسمة منها فهي بين كل ريحين ريح، فخرج بين الجنوبي والشرقي ريح تسمّى شلوق، وبين الجنوبي والغربي ريح تُسمّى لباج، وبين الغربي وسمية ريح تُسمّى جرج، وبين سمية والشرقي ريح تسمّى برّاني. وأما ما يقال عن الرياح فوق كذا وأسفل كذا، فهو ما نذكره فوق الجنوبي شلوق، وتحت الجنوبي لباج، وفوق الشرقي البراني، وتحت الشرقي شلوق وفوق سُميّة البرّاني، وتحت سمية جرج، وفوق الغربي جرج، وتحت الغربي لباج. وعلى هذا قولهم فوق كذا ربع ريح أو ثمن ريح. أو تحت كذا ربع ريح. أو ثُمن ريح، ومَنْ جعل الشرق وراء ظهره واستقبل الغرب كان مهب الريح الشرقي وراءه وعلى يمينه براني، ثم يليه سُميّة، ثم يليه جرج، ثم يليه الغربي، ثم يليه لباج، ثم يليه الجنوبي، ثم يليه شلوق. وهذا مرسوم على خطوط الدائرة الثانية، وأما ما رسمته في هذا الكتاب من الدوائر، فهي أربع: فالأولى: دائرة الرياح الأربعة الأصول. والثانية: دائرة الرياح الثمانية، وهي الأربعة الأصول والأربعة المتولدة منها، وهي التي أشرنا إليها. والثالثة: دائرة الست عشرة وهي دائرة الأرباع. والرابعة: دائرة الاثنتين وثلاثين: وهي دائرة الأثمان، وهي المرسومة في القنباص، وفي القنّباص خطوط سود لا مخرج لها من الدائرة، وإنما هي خطوط استواء: خط استواء من الجنوب إلى الشمال وهو المسمّى عندهم سُميّة، وخط استواء من الشرق إلى الغرب وفائدتها أن المتوجّه إذا توجه من بلد إلى بلد مقابل له، توجه على خط استواء. فإن لم يكن مواجهًا لَهُ، مال عنه أو إليه على قدر ما يحتمله الميل عن الاستواء. تارةً بريح كامل، وتارةً بأزيد، وتارةً بأنقص. وخطوط الاستواء في القنباص ظاهرةً لا تُشكل. واعلم أن المسافر إنما يتوجه بالريح التي تهب من وراء ظهره، فالمسافر من الشرق إلى الغرب يسافر بالشرقي، والمسافر من الغرب إلى الشرق يُسافر بالغربي، وعلى هذا فَقِسْ، فأما من يوردُ هنا أنه يجد في الوقت الواحد مركبين مُسافرين أحدهما من الشرق إلى الغرب والآخر من الغرب إلى الشرق، وأنت تقول: إن المسافر إنما يتوجه بالريح التي تهب من وراء ظهره، ولو كان هكذا ما أمكن سفر هذين المركبين، هذا يسافر مشرقًا، وهذا يسافر مُغرّبًا في وقت واحد. فالجواب: إن الذي قاله هو الحق، وإنما أحد

стр. 652

هذين المركبين هو المسافر بالريح الموافقة له، والآخر مسافر على ريح هبت له من جهةٍ أخرى فهو سائر بها على غير الطريق القاصدة حتى تهب الريح الموافقة له ثم يستقيم ويسير عليها، ومثال ذلك أن المشرق مسافر بريح شرقي تهب من وراء ظهره، فهو مسافر بريح موافقة له. والمغرب لو عمل على ذلك لَرَدَّهُ وما كان يمكن أنه يسافر به. وإنما هو مسافر بريح أخرى قد هَبَّتْ له من جهة أخرى، فهو سائر بها على غير الطريق القاصدة حتى تهب الريح الموافقة له، ثم يستقيم ويسير عليها. ومثال ذلك أن المشرق مسافر بريح شرقي تهبّ من وراء ظهره، فهو مسافر بريح موافقة له، والمغرب لو عمل في ذلك لرده، وما كان يمكن أنه يسافر به، وإنما هو مسافر بريح أخرى قد هبّت إما من الجنوب وإما من الشمال، وهو المسمى عندهم سميّة فيسافر عليه، ويُسارقه مسارقةً حتى تهب له الريح الموافقة له فيسافر به، وسير هذا المغرب أضعف مِنْ سَيْرِ ذاك المشرق. قال: وأجود ريح تهب بعد الريح الموافقة هي التي تلي الريح الموافقة أما عن اليمين أو عن اليسار ويسارقها المسافر وهو غير منكب عن طريقه ولا سالك فيها حتى يوافقه الريح، ثم يستقيم على خط الاستواء إلى جهة قصده كما بدأ السفر. قال: والمسافر إذا تغيّر عليه الريح يحتاج أن يميل قلعه مع متابعة الريح التي مَالَتْ به عَنْ سَمْت خط الاستواء. قال: وجميع الرياح تدور إلى شمال، وليس فيها ما يدور إلى يمين، وهذه فائدة ينبغي أن تُعرف. وهذه دوائر الرياح، وهي أرْبَعُ دوائر (١).

стр. 653

فالأولي دائرة الرياح الاربع وفي هذه ريح امة وهو الجوب واليماني ويذكر ويونت. ريح تمامان وهو الدبور رح شام ريج تمام وهو الشمال وتسميد الجارة سمية ويعظهم فليح السنين ولا تحميه … غير هذا ولا تعريف ال است كغيره شرقي وهو الصبا الثانية

стр. 654

دَائِرَةُ الرِّبَاحِ الثَّمَانِ هَيَ دَائِرَةُ الْأَنْصَافِ

стр. 655

الثَّالِثَةُ دائرة الأرباع

стр. 656

الرابعة دائرة الأثمان

стр. 657

صورة القنباص. صورة القناص الغرب

стр. 658

فهذا ما علمناه مما يُعمل به في البحر الرومي وما هو منه. فأما البحر الهندي: فإنني جهدتُ في استعلام ما يُعمل به فيه، فلم أقف عليه، ولا وفق لي فهم إليه، فلم أخبر منه برجْعِ نَفَس، ولا رجعت من شجرتها بخبرٍ ولا قَبَس. ولقد حكى لي الشيخ الخطيب بهاء الدين بن سلامة فيما حدثني به من أخبار الهند. قال: توقفت علينا الريح في بلد من بلاد الهند سماه وأنسيته. وقد نجلنا البضائع إلى المراكب، ولم يبق إلا السفر، فتضجرنا بالمقام، فقال لنا رجل هناك: أنا أبيعكم ريحًا تسافرون بها، فعجبنا من قوله، ثم بايعناه على الريح حتى اشتريناها منه، وإلى جانبنا تجار في مركب آخر، فقال لهم: وأنتم؟ قالوا: نحن ما نشتري شيئًا وبنوا على أنه إن صح قوله سافروا معنا إذ لا مُخصص لسفر مركب دون مركب معه في مرسى واحدٍ إِذا هبت الريح، وكان قصدهما واحدًا، وفَطَن الهندي لقصدهم فقال: كأنكم تظنون إنكم تسافرون بريحهم. هذا ما يكون حتى تشتروا مثلهم، فأصروا على عدم الشراء، فقال لنا: إقلعوا أنتم وروحوا فأرخينا القلاع وهبت لنا ريح موافقة سرنا بها، فأرخى أولئك التجار قلاع ليسافروا، فلم تخرج مركبهم بهم وجهدوا كل الجهد فلم يقدروا ثم لما وصلنا إلى جهة قصدنا وقضينا منها مآربنا لحقنا أولئك التجار بعد أيام وأخبرونا أنهم لم يجدوا سبيلًا إلى السفر معنا وبقوا على ذلك مدةً حتى هبَّتْ ريح عامة سافرنا بها فيمن سافر. الفصل الثالث: في ذكر نبذة من العجائب برًا وبحرًا مما نقله الثقات حدثني الشريف علي الكربلائي، قال: أتيت بعض فُرَض (١) الصين، فأرست به سفينة لا يشك من رآها على بعد أنها مدينة فأتيت بحارتها فسألتهم عن قدر ما تحمل فقالوا: لا نعرف إلا أننا حملنا في هذه السفرة ثلاثة آلاف رجل وسبعين رجلًا غير النساء، منهم مائة وثلاثون تاجرًا والبقية/ قلّ أن يكون فيهم رجل وليس معه بضاعة. قال فَعَدَلتُ إلى التجار فسلَّمتُ عليهم وتعرَّفتُ بهم، ثم جمعني وأياهم أسواق المدينة فرأيتُ فيهم مَنْ تحرر بضاعته ثلاثمائة ألف دينار من الذهب العين وأقل وأكثر من هذه النسبة، ورأيت منهم رجلًا واحدًا أحرزت بضاعته ألف ألف دينار، ثم كنت أرى أتباع أولئك التجار وعبيدهم وغلمانهم، ما منهم رجلٌ إِلا يُفسّر بضاعة باسمه خاصةً له، وتحرز بضاعة الرجل منهم له ألف دينار وألفي دينار وثلاثة آلاف دينار وأقل وأكثر، إلا أنه لا يأخذ السلطان لأحدٍ منهم على ما دون ألف دينار. قال: فسألت ديوان البلد عما وَجَبَ عليهم للسلطان، فقالوا: نحو ثلاثين ألف ألف دينار، فعجبتُ، فقال لي رجل من أهل الديوان: أتعجب من هذا؟ فقلت: أوليس بموضعِهِ؟ فتضاحكوا ثم أقبلوا علي

стр. 659

وقالوا: لا تعجب، إِنَّهُ لَيَصِلُ إِلينا مراكب لو رأيتها لاحتقرت ما رأيت وما سمعت، فأقسمت عليهم إلا ما حدثوني عن أكبر ما رأوه، فقالوا: شيء جاء من أشهر أحصينا ما وجب عليه فكان ثمانين ألف ألف دينار، وكان عدّة من وَصَلَ فيه خمسة آلاف ومائة رجل غير النساء وكان فيهم رجلٌ وَقَعَ بينه وبين رجل من رفقته فوشى به أنّ معه جوهرًا جليلًا لو وجب عليه للسلطان جاء منه مال طائل، فحنق الرجل وقال له: وأنت معك أيضًا، فتنبهنا للبقية، وأخذنا أناسًا بأناس، فكان الذي وَجَبَ على ما معهم من الجوهر خارجًا عن موجب البضائع مائة ألف ألف وأربعة آلاف (١) ألف دينار، فتظلموا إلى نواب السلطان فأمر بالمسامحة بما على الجوهر، واستمرت هذه عادةً إلى اليوم. وحدثني الشريف أيضًا. قال: حدثني رجل بالصين وقد ذكر البحر. قال: رأيت في بعض أسفاري فيه وقد رسينا إلى جزيرة منه جاريةً حسناء عريانة كأنما جسمها فضة أفرغ عليها ذهب، وكأنها دارة القمر، ذات شعر أسود فاحم أثيث، طويلة الذوائب سري (٢) تخطر حتى ألقت بنفسها في البحر، فظننتها من أهل قرية هناك جاءت تغتسل، فلما دخلت اللجة قمتُ وراءها أصيح وأقول: لا لا هذا عميق، وهي لا تلتفت، وبإزائي رجلٌ بَحْري يراني ويضحك، فقلت له: مم تضحك؟ فقال: منك، فقلت له: ولم ذا؟ فقال: أتظنّ هنا قرية أو أن هذه جارية؟ فقلت: وهل إلا هذا؟ فضحك ثم قال: اعلم أن هذه من بعض مخلوقات هذا البحر على هيأة النساء، كانت هذه قد خرجت تستروح ثم عادت، وإن في هذا البحر لخلقًا على هيأة الرجال، ومنهم مرد وشيوخ وصبيان، ومن النساء عجائز وغير عجائز، فشلت وأنا والله غير مصدق، ثم جعلت أسأل البحارة فكلهم قالوا ذلك، وأنا مع هذا أشك وأقول هذا لا يكون حتى رأيت هذا بعيني في لجة البحر وعلى شطوط منه في غير موضع منه غير مرة وإن فيهم السودًا وبيضًا وألوانًا مختلفة. وأما ما ذكره أبو عمران موسى بن رباح الأوسي في كتاب صنعه لكافور الإخشيدي. وسماه الصحيح من أخبار البحار وعجائبها (٣)، وما يتعلق بذلك: أن ملك الراء (٤) وهو أكبر ملوك الهند والناحية التي هو بها بين قشمير الأعلى وقشمير الأسفل،

стр. 660

وكان يسمى مهرؤك بن مالق (١) كتب في سنة سنة سبعين ومائتين إلى صاحب المنصورة (٢)، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز (٣) يسأله أن يفسر له شريعة الإسلام بالهندية، فأحضر عبد الله رجلًا كان بالمنصورة وأصله من العراق، جيد القريحة، حسن الفهم شاعرًا قد نشأ بناحية الهند وعرف لغاتهم على اختلافها فعرفه ما سأله ملك الراء فعمل قصيدة ذكر فيها ما يحتاج إليه وأنفذها إليه فلما قرئت على ملك الراء استحسنها وكتب إلى عبد الله يسأله حمل صاحب القصيدة فحمله إِليه، وأقام عنده ثلاث سنين، ثم انصرف عنه، فسأله عبد الله عن أمر ملك الراء فشرح له أخباره، وأنه تركه وقد أسلم قلبه ولسانه. وأنه لم يمكنه إظهار الإسلام خوفًا من بطلان أمره وذهاب ملكه، وكان فيما حكاه عنه أنه سأله أن يفسر له القرآن بالهندية ففسر له. قال: فانتهيت من التفسير إلى سورة يس، ففسرت له قوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (٤) فقال: فلما فسرت عليه هذا وهو جالس على سرير من الذهب مرصع بالجواهر، لا يُعرف له قيمة، قال: أعد علي، فأعدت ونزل عن سريره ومشى إلى الأرض، وكانت قد رُشَّتْ بالماء وهي وسخة، فوضع خدَّه على الأرض وبكى حتى تلوّث وجهه بالطين، ثم قال: هذا هو الرب المعبود الأول القديم الذي ليس يشبهه أحد. وبنى بيتًا لنفسه، وأظهر أنه يخلو فيه لمهمه، وكان يصلّي فيه سرًّا، من غير أن يطلع على ذلك أحد وأنّه وهب له في ثلاث دفعات ستمائة منًا ذهبًا ثم قال (٥): وحدثني أن لأهل قشمير الأعلى يوم عيد في كل سنة يجتمعون فيه، ويصعد خاطبٌ لهم على منبر ومعه جرّة من طين غير مطبوخ فيخطب ثم يقول: وقوا أنفسكم وأموالكم واحفظوها، ويعظهم ثم يقول: انظروا إلى هذه الجرة من طين وقيت

стр. 661

وحُفِظَتْ، فبقيت، وإن لتلك الجرة على ما يقولون أربعة آلاف سنة. وقال (١): حدثني أبو عبد الله محمد بن بابشاذ بن حرام بن حمويه السيرافي وكان وجه النواخذة (٢) الذين سافروا إلى بلد الذهب، وأعرف خلق الله بأمر البحر، ومن جملة البحريين ومستوريهم: إن بأغباب (٣) سرنديب بلدًا يقال له: أبرير (٤) عظيم فيه نيف وثلاثون سوقًا كل سوق منها طوله نحو نصف ميل، وبه الثياب الغبية (٥) المرتفعة الحسنة، وهو بلد راكب على نهر كبير يصب في بحر الأغباب، ولأهل هذا البلد نحو ستمائة بُدّ (٦) جليلة سوى الصغار، وهي نحو أربع مائة بدّ وبظاهر البلد جبل تجري تحته عين ماء، وإلى جانب الجبل شجرة من نحاس، وصفر عظيمة فيها شوك مثل السفافيد والمسال، وبإزائها صنم عظيم في صفة زنجي عيناه من زمرد (٧)، ولهم يوم عيد في كل سنة عند ذلك الصنم، فيخرجون إليه ويصعدون فوق الجبل، فمن أحب بزعمه التقرب إلى الله شرِب وغنّى وسجد للصنم مرارًا، ورمى بنفسه من فوق الجبل على تلك الشجرة فيتقطع فيها قطعًا. ومنهم من يرمي بنفسه على دماغه فوق حجرٍ عظيم يجري عليه ماء العين تحت الصنم الأسود فيتطحن فوق الحجر إلى نار الله الموقدة. وقال: حدثني أبو محمد الحسن بن عمرو: أن الزناء لا يتحاشى بسائر بلاد الهند، وأن الزناء في كل بلد في أهل بيت بأعيانهم ينسبون فيه فلانة بنت فلانة زانية بنت زانية، فأما من سواهم، فإنهم يضبطون أنفسهم غاية الضبط، ويعاقبون على الزناء أشدّ العقوبة، من زنى بغير زانية أو امرأة زنت ليست من الزواني المعروفات المكتوبات في

стр. 662

ديوان المتملك بالناحية، فإن المرأة من غير الزواني إذا أحبّت أن تدخل في الزواني انتفى أهلها منها وكتبوا الكتب بذلك وطردوها، ولم يسلموا عليها أبدًا، وصارت من جملة الزواني إلا أن محلّها دون من تنقلَتْ في الأمهات الزواني، وأن الشهود في كل بلد من بلدان الهند عجائز زوان بنات زوان ينسبون في الزناء، وقولهم المقبول في كل شيء. وإن الزانية إذا وافقها الرجل على المبيت عنده ودفع إليها رهنًا ثم جاء من بعده من يبذل لها أضعاف ما بذل لها الأول لم تُجبه ووَفَتْ للأول. وقال (١): حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن مرداس الناخُذاه، وكان من بقية نواخذة بلاد الذهب، وهو المعروف باسمعيلويه ختن اشكبنان (٢): أنه في بعض سفراته إلى بلاد الذهب قَرُبَ من البرّ بقرب لامرئ لعيب لحق المركب، أو لسبب احتاج معه إلى أن يمسك المركب، وأنه رمي بالأنجر (٣) في البحر، فلم يقف به المركب ومشى على حاله فلم يعرف السبب في ذلك، فقال للغائص ينزل مع حبل الأنجر ويعرف خبره، وإن الغائص لما أراد النزول نظر وإذا الأنجر بين ظفري سرطان، وهو يجر المركب ويلعب بالأنجر، وأنهم صاحوا وطرحوا في الماء الحجارة، ورفعوا الأنجر ثم طرحوه في موضع آخر، وكان وزن الأنجر ستمائة منّا (٤) أو أكثر. وقال: حدثني أحمد بن علي بن سبير الناخذاه السيرافي، وكان أيضًا من بقية النواخذه الذين سافروا البحار ومضى لهم الاسم في البحر أن بعض شيوخ الهند حدّثه بسرنديب أن مركبًا كسر بهِ فَسَلِمَ نفر من أهله في القارب ونزلوا على الأرض وأوقدوا نارًا على الأرض فانسبكت لهم الفضة من الأرض وجَرَت فعلموا أنها من جملة المعادن فاحتملوا منه ما أرادوا وركبوا في قاربهم فاشتد عليهم البحر، فرموا بجميع ما أخذوه ونجوا بأنفسهم، ثم إنهم بعد ذلك تجهزوا في مركب عظيم وعادوا إلى المكان فلم يعرفوه. وقال: في البحر ألوان الحيات إلا أن فعلها في الماء ضعيف وأشد الحيات ما كان في الجبال والفيافي، وفي البعد عن المياه. وفي جبال عُمان حيات لا تمهل البتة،

стр. 663

وفيما بين صحار وهي قصبة عمان وبين جبال البحر موضع لا يسلكه أحد، وفيه وادٍ يُسمّى وادي الحيات قيل: إن فيه حيات مقدارها شبرين ودون الشبر تجمع الواحدة رأسها مع ذنبها وتقفز إلى الفارس، فإن نهشت قتلت في الوقت، وإن نفخت كان الإنسان منها على خطر شديد. وقال (١): قال لي بعض المنصوريين ممن يسلك إلى ما نكر (٢) وهي مدينة بينها وبين ساحل بلاد الأرميون (٣) فرسخ، وبها بلهور (٤) ملك الهند: إن ببعض جبال الهند حيات صغارًا رُقطًا وغُبْرًا إِذا نظرت الحيّة إلى إنسان ونَظَرَ إليها مات من ساعته بخاصية في سُمّها وهو شر الحيات. قلت: هذه الحية تسمى المكللة لرقطتها، وإذا وقع بصرها على حيوان قتلته ما لم يحل بعد وقوع بصرها بحيوان آخر، فإن السم ينتقل إلى الثاني ويسلم الأوّل، ويقال لها: الملكة: لأنها تُرى راكبةً على حية من غير جنسها وتلك ماشية بها. وقال (٥): حدثني مُحَمَّد بن بابشاذ واسمعيلويه، وجماعة من البحريين يوثق بقولهم: إن بعض نواخذة الزنج خرج في مركبه من عمان يريد قنبلة (٦) في ست عشرة وثلاثمائة، فحملت المركب الريح وطرحته إلى سفالة (٧) الزنج. قال: فلما عاينت الموضع وعلمتُ أنا قد وقعنا إلى بلاد الزنج الذين يأكلون الناس أيقنا بالهلكة، فتغسلنا وتحطنا وتكفنا. وأحاطت بنا الدوانيج (٨) فأدخلونا المرسى وطرحنا الأناجر، وحططنا الشراع ونزلنا مع القوم، فحملونا إلى ملكهم، فرأينا غلامًا جميل الوجه من بني الزنج

стр. 664

حُسْنُ الخلق، فسألنا عن أخبارنا فعرفناه أنا قصدنا بَلَدَهُ، فقال: كذبتم أنتم قصدتم قنبلة فحملتكم الريح إلى البحر وطرحتكم إلى أرضنا، فقلنا: هكذا كان، وإنما أردنا التقرب إليك، فقال: نجّلوا الأمتعة. وتسوّقوا، ولا بأس عليكم. قال: فحططنا الأمتعة، وتسوقنا أطيب سوق. ولم يلزمنا ضريبة ولا مؤونة إلا ما أهديناه إليه. وأهدى إلينا مثله أو أكثر منه. وأقمنا في بلده شهورًا. فلما كان وقت خروجنا استأذناه، فأذِنَ لنا. فحملنا الأمتعة، وفرغنا من أمورنا، فلما عزمنا على السفر عرفناه ذلك، فقام ومشى معنا إلى الساحل مع جماعة من أصحابه وغلمانه ونزل في الدوانيج، وصار معنا في المركب، فصعد هو وسبعة أنفس من وجوه غلمانه وأصحابه ونظاف أسبابه، فلما حصلوا في المركب قلتُ في نفسي: هذا الملك يساوي في عمان في النداء ثلاثين دينارًا ويساوي السبعة مائة وستين دينارًا، وعليهم ثياب بعشرين دينارًا تحصل لنا أقله (١) منهم ثلاثة آلاف درهم، ولا يضرنا من هذا شيء، فصحت بالبنانية (٢) فشالوا الشراع ورفعوا الأناجر وهو مع ذلك يسلّم علينا ويؤنسنا ويسألنا الرجوع إليه، ويعدنا بالإحسان متى عدنا إليه، فلما رفعت الشراع ورآنا قَدْ سِرْنا تغير وجهه. وقال: أنتم تسيرون أستودعكم الله، وقام لينزل إلى دوانيجه فقطعنا حبال الدوانيج وقلنا له: تقيم معنا فنحملك إلى بلدنا ونجازيك على إحسانك إلينا ونكافئك فقد فعلت بنا وصنعت، فقال: يا قوم لا تغدروا بي، فإني ملك. وأنتم قوم وقعتم إليّ وقدرتم إن أهل بلدي يأكلونكم ويأخذون أموالكم، فأحسنت إليكم، وحقنت دماءكم، وما أخذت منكم حقًا، وجئت لأودعكم في مركبكم إكرامًا مني لكم، فاقضوا حقي بأن تردوني إلى بلدي. قال: فلم نفكّر في كلامه، وأخَذَتِ الريح المركب، فما مضَتْ ساعة حتى غابت بلده عن عيوننا، وأظلنا الليل، ودَخَلْنا اللج، وأصبحنا والملك وأصحابه في جملة الرقيق وهم نحو مائة رأس في المركب، وعاملناه بما نعامل به سائر الرقيق. قال: وأمسك، فما أعاد علينا كلمة، ولا خاطبنا بشيء وتغافل عنا كأنه ما عرفنا ولا عرفناه، ووصلنا إلى عُمان فبعناه مع سائر أصحابه في جملة الرقيق. فلما كان في سنة خمس عشرة وثلثمائة خرجنا من عُمان نريد قنبلة فحملتنا الريح إلى سفالة الزنج، ولم نكذب أن (٣) وَرَدْنا ذلك البلد بعينه وبصرُوا بنا فخرجوا إلينا، وأحاطت بنا الدوانيج، وإذا

стр. 665

الوجوه التي نعرفها في تلك الكرة فأيقنا على الحقيقة بالهلكة، ولم يمكن أحد أن يكلّم صاحبه من شدّة الرعب فاغتسلنا وتحنّطنا وتكفنا وأخذونا ووافوا بنا دار الملك. فأدخلونا، فإذا ذلك الملك بعينه جالس على السرير كأنا فارقناه الساعة، فلما رأيناه سجدنا، وذَهَبَتْ قوانا، فلم يكن بنا حراك للقيام، فقال: ارفعوا رؤوسكم فقد آمنتكم على أنفسكم وأموالكم، فرفعنا رؤوسنا، وليس نقدر أن ننظر إليه حياءً وخوفًا وجزعًا، فقال لنا: يا غدارين، فعلتُ لكم وصنعت ففعلتم وصنعتم، فقلنا: أقلنا أيها الملك، واعْفُ عنا. فقال: قَدْ عفوت عنكم، فتسوقوا كما كنتم تسوقتم في تلك الكرة فلا اعتراض عليكم، فلم نُصدّق من السرور، وقدّرنا إن هذا من طريق المكر والخديعة حتى يحصل الأمتعة في الساحل فنجلنا الأمتعة وحملنا إليه هدية بمال له مقدار، فردّها علينا، وقال: ليس مقداركم عندي أن أقبل لكم هدية ولا أُنجس مالي بما أخذه منكم، فإن أموالكم كلها حرام. فتسوّقنا على الرسم وحان خروجنا فاستأذناه في الحمل. فأذن لنا، فلما عزمنا على الخطوف (١) قلت: أيها الملك، قد عزمنا. فقال: امضوا في غير حفظ الله (٢)، فقلت: أيها الملك قد عاملتنا بما لم نُقدّره لأنا غدرنا بك وظلمناك، فكيف تخلّصت ورجعت إلى بلدك؟ فقال: نعم بعتموني بعمان، فحملني الذي اشتراني إلى بلد يقال له: البصرة من صفته كذا، فتعلمت به الصلاة والصيام وشيئًا من القرآن، ثم باعني مولاي على آخر حملني إلى بلد ملك العرب الخليفة الذي يقال له بغداد، ووصف بغداد، فتَفَصَّحْتُ بها، وتعلمت شيئًا من القرآن والصلاة، وصليت مع الناس في الجوامع، ورأيت الخليفة الذي يقال له المقتدر (٣)، وأقمت ببغداد سنة وكسر، حتى وافي قوم من خراسان على الجمال فنظرتُ إلى خلق كبير، فسألت عنهم في أي شيء جاؤا، فقالوا: يخرجون إلى مكة، فقلت: ومكة هذه ما هي؟ فقالوا: فيها بيت الله الحرام الذي يحجّ إليه الناس في كل بلد، وحدثني حديث البيت فقلت في نفسي: سبيلي أن أتبع هؤلاء إلى هذا البيت، فعرفت مولاي ما سمعت من حديث مكة والبيت فرأيته ليس يريد أن يخرج إليه ولا يدعُني أخرج، فتغافلتُ عنه حتى خرج الناس، فلما خرجوا تبعتهم وانقطعت إلى رفقة كنت أخدمهم طول الطريق، وأكل معهم، ووهبوا إلي

стр. 666

ثوبين فأحرمتُ فيهما، وعلموني كيف أحجّ فسهّل الله لي الحج، وخفت أن ارجع إلى بغداد فيأخذني مولاي فيقتلني، فخرجت مع قافلة أخرى إلى مصر، وكنت أخدم الناس في الطريق، فكنت آكل معهم ووهبوا لي وكسوني، فلما دخلت مصر ومن صفتها كذا رأيت النيل (١)، فقلت هذا الماء من أين يجيء، فقالوا: أصله من بلاد الزنج، فقلت: من أي ناحية فقالوا: من ناحية كذا وكذا، فلزمت ساحل النيل، أخرج من بلد وأدخل آخر، وأطلب طول طريقي ما أؤمله، فوقعت في مدينة كذا، فاستعبدوني، وهربت ووقعتُ في مدينة كذا فباعوني، وهربتُ، ولم أزل أمشي من مصر حتى وردت البلد الفلاني من مواخر الزنج، فسألت عن بلدي هذا فقيل: إن أهله ما أجْلَسُوا ملكًا، فاحتلت إلى أن ركبتُ في مركب إلى موضع كذا، ثم ركبتُ إلى موضع كذا، ثم مشيت إلى بلدي ووافيته قبل مجيئكم بشهر، وليس في البلد ملك، فعدتُ إلى ملكي، وأنا اليوم فَرِحٌ مسرورٌ؛ لأن الله مَنَّ عليَّ بالإسلام ومعرفة الدين والصلاة والحج، وبلغت ما لم يبلغه أحدٌ في بلاد الزنج غيري، ومالي حسرة إلا شيء واحد، قال: فقلت: ما هو؟ قال: مولاي الذي هربت منه ببغداد اشتراني بنيف وثلاثين دينارًا، وكنت أشتهي أن أرى ثقةً فأدفع إليه ثمني ليردّه عليه ويستحله لي، ويحدثه بحديثي ليعذرني ولا يدعو علي. ولو كان فيكم خيرًا وفيكم ثقة لدفَعْتُ إِليه ثمني ليرُدَّه على مولاي. ووهبت له عشرة أضعافه بدلًا من أجرته على ذلك. ولكن ليس فيكم ثقة على حبة واحدة. قال: فودعناه، فقال: امضوا وإن رجعتم فبهذه المعاملة أعاملكم، وأزيدكم في الإحسان إليكم، وأما تشييعكم إلى مركبكم فليس إليه سبيل، وافترقنا. وقيل لي: إن ببلاد الزنج قافةً حذاقًا فهماء. وقال (٢) لي اسماعيلويه عن بعض النواخذة: إنه قال: دخلتُ بلاد الزنج في سنـ اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، فقال لي بعض القافة: كم أنتم من مركب؟ فقلتُ: ستة عشر مركبًا، فقال: يسلم منها إلى عُمان خمسة عشر مركبًا وينكسِرُ مركب منهم، يسلم منهم ثلاثة أنفس، وتحلّ بهم شدة عظيمة، ويتخلصون إلى عمان، قال: فخرجنا كلنا في يوم واحد. وكنت آخر من خرج منهم، فأغذذت السير لألحق الأول منهم، فلما كان في اليوم الثالث رأيتُ من بعد مثل الجزيرة السوداء، وأزعجني في السير ما لم أنحدر معه لحطّ الشراع لأعدل عنها؛ لأنّ السير في ذلك البحر شديد جدًا، فما كذبت

стр. 667

أن وصلت إليها فضربتني، وإذا هي سمكة (١) قد طَفَتْ على رأس الماء، فلما حاذاها المركب رَدَّتْ عليه بذنبها، فانكسر قطعًا، فسلمتُ أنا وابني والكارين (٢) في دونيج، ووقعنا في بعض جزائر الدبيحات (٣)، فأقمنا به ستة أشهر إلى أن أمكننا الخروج ووصلنا إلى عُمان بعد شدائد عظيمة مَرَّتْ بنا، وقد كانت المراكب الخمسة عشر سلمت بأسرها. وقال (٤): حدثني إسماعيلويه الناخذاه: إنه رأى أسفل ريشة ببعض بلاد الهند عند رجل من كبار تجارهم، وأنه سقاه فيها ماءً. قال: فقدَّرتُ أنها تسع خمسة أرطال أو نحوها. قال: فعجبتُ من ذلك، فقال لي: لا تعجب من هذا، حدثني بعض نواخذة الزايج (٥) أنه رأى عند ملك سريرة (٦) أصل ريشة تسع خمسة وعشرين قربة ماء. وقال (٧): وحدثني غير واحد من البحريين أنه سمع أن بسفالة الزنج من الطيور ما يأخذ الفيلة (٨) بمنقاره أو مخالبه ويحمله إلى الهواء، ثم يرمي به ليموت وينكسر، ثم ينزل عليه ويأكله. وقال (٩): مما حدثني به إسماعيلويه الناخذاه أن ببلاد الزنج معادن ذهب خوارة (١٠). وأكثر المعادن خوّارة، وأن الرجال يحفرون فيها الذهب فربما نقبوا على أرض مجوفة (١١) مثل أرض النمل فيخرج عليهم نمل مثل السنانير كبارًا فيأكلونهم ويقطعونهم قطعًا. وقال: وقد كان أحمد بن هلال أمير عمان حمل إلى المقتدر نملة سوداء في قفص حديد مشدودة بسلسلة في قدر السنوّر اللطيف، وماتت هذه النملة بناحية

стр. 668

جبل (١)، فَجُعِلَتْ في الصبر، وحملت إلى مدينة للسلام صحيحة، ورآها المقتدر ﵀. وقال (٢): حدثني محمد بن بابشاذ، عمن حدثه ممن دخل الواق واق (٣) أن هناك شجرًا كبارًا له ورق مدوّر، ومنه ما هو إلى الطول قليلًا يحمل حملًا مثل القرع، إلا أنه أكبر منه، وصورته صورة الناس، تحركه الرياح فيخرج منه صوت، وإن داخله منفوخ مثل حمل العشر (٤)، فإذا قطع عن الشجرة خرج الريح منه من ساعته، وصار مثل الجلد، وأن بعض البانانية رأى ذلك الحمل فتعشق صورة من الصور فقطعها ليجامعها (٥)، فلما قطعها خرج الريح منها وأن الصوت الذي يخرج منه هو على ضروب فمنه ما يشبه الأنين، ومنه ما يشبه أصوات الغربان الضعيفة وغير ذلك. وذاكرت (٦) محمد بن بابشاذ بأمر القردة وما يُحكى عنها، فحدثني بالران كثيرًا من أحاديثهم، ومما حدثني به أن بنواحي صنفين (٧) وبنواحي لامري (٨) وبنواحي قافلة (٩) قردة في نهاية الكبر، وأن لكل فرقة منها أمير حشمه أعظم حشم كل واحد منها، وأنها ربما خرجوا من الغياض إلى الطريق والمحاجّ فيمضي بهم القوم يمشون فيمنعوها من الاجتياز بها حتى يعطوها شيئًا، وإن بعض البحريين حدثه بل غير واحد أنه اجتاز على قطعة منها مع جماعة معه فمنعهم من المشي فحاربوها على المشي فمزقت ثيابهم وخدشتهم فدفعوا إليها شيئًا فتركتهم ثم لم تعرض إليهم. وقال: حدثني من رأى قردًا بقرية من قرى اليمن يقال لها حكى، بل هي بلدة من

стр. 669

بلدانهم في منزل رجل، وأن الرجل اشترى لحمًا وجاء به إلى منزله، وأوما إلى القرد أن يحفظه، فجاءت حداء فاستلبت اللحم، فبقي القرد متحيرًا. وكان في الدار نخلة، فصعد القرد إلى رأسها، ورفع استهُ إلى السماء ودلّى رأسه إلى أسفل، فتصقرت عليه الحدأة وهي تقدر أن استه من جنس اللحم الذي أخذته، فلما ضربته بكفيها استلبها القرد وخنقها ونزل إلى الدار فوضعها تحت شيء وغطاها، وجاء صاحب المنزل فلم يجد اللحم، فقام إلى القرد ليضربه، فعدا وصعد إلى رأس النخلة، وكشف الرجل الإناء، فوجد تحته الحدأة، فأمسك واشترى شيئًا ليأكله ونام، فنزل القرد وقدح وأشعل نارًا، ثم أخرج الحدأة ونَتَف ريشها حتى سَلَخَهُ ثم جعله في جوف النار، ولم يزل يقلب حتى شواها وأكلها. وللقرد أحاديث طريفة. قال: ومن أحاديث البحريين والنواخِذَه ما يُحكى عن ماقيا (١) الربان، وأصله من نجيرم (٢) وكان ببعض قراها (٣) يرعى الغنم، ثم صار صيادًا، ثم صار أحد بانانية (٤) مركب يختلف إلى الهند، ثم تحوّل إلى مركب صيني، ثم صار بعد ذلك ربّانا (٥)، وله في البحر طرائف واستخرج إلى الصين سبع طرق. ولم يكن يُسلك قبلَهُ إلى الصين إلا من باب واحد، ومما يحكى عنه ولم أر أحدًا من البحريين يدفعه مع طرفته وعظمته فإنه كالمستحيل عندي، أنه كان يخرج من سيراف يريد الصين فانكسر مركبه ولم يسلم أحد منه سواه. فإنه جلس في مطياله، وأخذ معه قربةً فمكث في البحر أيامًا فحكي عن شهرياري الربان، وكان أحد ربانية الصين أنه قال: كنت أمضي من سيراف إلى الصين، فلما صرت بين الصنف (٦) … والصين بالقرب من صندى فولات (٧) وهو بحر صنجي وهو بحر الصين وقفت الريح فلم تتحرك، وسكن البحر فطرحنا الأناجر، وأقمنا بمكاننا يومين، فلما كان في اليوم الثالث رأينا شيئًا بالبعد في البحر فطرحت الدونيج في البحر

стр. 670

وانفدت فيه أربعة من البانانية، وقلت اقصدوا ذلك السواد، فانظروا ما هو، فمضوا وعادوا، فقلنا: ما ذلك الشيء؟ فقالوا: ماقيا (١) الربان على مطيال معه قربة ماء، قلت لهم: فلم لم تحملوه؟ فقالوا: قد اجتهدنا به فقال: لا أصعد إلى المركب إلا بشريطة أن أكون الربان وأدبر المركب وآخذ أجرتي بنحو قيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف (٢)، وإلا لم أصعد، فلما سمعنا هذا الكلام خَبُثَتْ نُفوسنا ونزلت جماعة من المركب، وصرنا إليه وهو في البحر تضربه الأمواج، فسلمنا عليه وضرعنا إليه في الصعود، فقال: حالكم أقبح من حالي، وأنا إلى السلامة أقرب منكم، فإن دفعتم إلي بقيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف، ورددتم إليَّ أمر المركب صعدت، فقلنا: هذا مركب فيه أمتعة وأموال عظيمة لخلق من الناس ولا يضرنا أن نعرف ما عند ماقيا (٣) من الرأي بألف دينار نبسطها على سائر أمتعة المركب، فضمنا له ألف دينار، وصعد والقربة والدونيج معه إلى المركب، فلما حصل فيه قال: سلموا متاعًا بألف دينار، فسلمنا إليه، فلما أحرزه، قال للربّان: اجلس ناحية فتباعد ذلك عن موضعه، وقال هو: ينبغي أن تأخذوا في أمركم ما دام عليكم مهلة، قلنا: فبماذا؟ قال: ارموا الثقل كله في البحر، فرمينا نحو نصف حمولة المركب أو أكثر، ثم قال: اقطعوا الدقل (٤) الأكبر فقطعناه ورميناه إلى البحر، فلما أصبح، قال: ارفعوا الأناجر واتركوا المركب يسير لنفسهِ، فَفَعَلْنَا، فقال: اقطعوا الأنجر الكبير، فقطعناه، وبقي في البحر، وأخذنا الخبّ (٥)، فلولا أنا كُنّا قد رمينا بالحمولة وقطعنا الدَّقل، لكنا قد غرقنا من أول موجة أخذتنا، ولم يزل الخبّ ثلاثة أيام بلياليها والمركب تصعد وتنزل بغير أنجر ولا شراع، ولا ندري كيف نمضي، فلما كان في اليوم الرابع أخذت الريح في السكون، وتم سكونها، وصلح أمر المركب آخر النهار، وأصبحنا في اليوم الخامس والبحر طيب والريح مستقيمة، فاصلحنا دقلًا ورفعنا الشراع وسرنا وسلم الله، وَوَرَدْنا الصين، فأقمنا إلى أن بعنا واشترينا وأصلحنا المركب ودقلًا بدل الدقل الذي رمينا به في البحر
следующие страницы →