← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

[٣٢٨] عبد العزيز بن محمد القرشي الطارقي (١) منشؤه وتأدبه بالبادية من ساحل تعرف قريته ببني طارق، وإليها ينسب، وهو في الأنموذج طراز مذهب تغلب عليه الكتابة لكنني لم أقف له منها على ما أكتبه على أنه لا يخفى كوكبه، ولقد يُغنى من فتح على يديه مطلبه، وهزّ عطفه مرقصه ومطربه. قال ابن رشيق (٢): «وهو مجوّد فخم الكلام ينحته نحتًا، ويأتي به بحتًا، واشتهر بالنثر، وكان فيه فارس الفرسان، وواحد الزمان ما بين تزوير مقامة مبتدعة، وتصدير خطبة غير مفترعة، إلى الرسائل السلطانية، والمكاتبات الأخوانية، وله من الخط البارع حَقٌّ المُعلى من قِدَاحِ المَيْسِر». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] ويوم كأَنَّ الشمس دونَ عَجَاجِهِ … حُشَاشَةُ قنديل يشِفُ زُجاجها غزا ابن نصير الدولةِ الغَرْبَ فانبرت … كتائبُ سَدَّ الخافقينِ عَجَاجها تَمَوَّجُ بالجُرْد العِناقِ بُحُورُها … ويزدادُ بالبيض الرقاق ارتجاجها وقوله (٤): [من البسيط] هَبَّ السُّرُورُ ونامَ الدَّهْرُ مُشتغِلًا … عنّا فلم نشتمل ثوبًا على حَذَرِ أَمَا تَرَى المُزنَ َقدْ فُضَّتْ خواتمُهُ … والرَّوْض يضحك عُجبًا مِنْ بُكا المَطَرِ والجو كالمنخل المُسْوَدِ جانبُهُ … يكسو الظهيرة أثوابًا مِنَ الشَّجَرِ فاقدحْ سُرُورَكَ مِنْ صَهباء صافيةٍ … يكادُ يَقذِفُ منها الكَأْسُ بالشَّرَرِ وقوله (٥): [من البسيط] يا رب جاريةٍ يَصْبُو الحليم لها … قَنَصْتُها بسوادِ الشَّعْرِ مِنْ كَثَبِ يَسْعى بشاكلةٍ مِنْ لُونِ وجْنَتِها … كأَنَّما فاجأَتْها عَيْنُ مُرْتَقِبِ وقوله (٦): [من الطويل]

стр. 6057

ويوم على أَعْطَافِهِ مِنْ عَجَاجِهِ … مُشَرِّقَةٌ دُكْنٌ ومَحْبُوكَةٌ حُمْرُ تُزَفُّ إلى الأبطالِ مِنْ تَحْتِ سِجْفِهِ … عَوَانٌ مِنَ الهيجاء أَوْ غارَةٌ بِكْرُ أحِنُّ فيلهيني بهِ مِنْ بِناتِهِ … يمانيَّةٌ بِيْضٌ وخَطَّيةٌ سُمْرُ إذا جُرِّدَتْ عندَ العِتاقِ تَرَنَّمتْ … فَتَطْرَبُ لكن ذلكَ الطَّرَبُ الذَّعْرُ وجرد كأمثالِ السَّعَالي خفيفة … مسومة لابن النصير بها نَصْرُ أَقَرَّتْ نِصابَ المُلْكِ في كفِّ أَرْوَعٍ … تدين له الدنيا وينتهي الأمرُ وقوله (١): [من الطويل] لئِنْ عَرَضَتْ دُونَ الرِّضا مِنْكَ نَبْوَةٌ … وكادت وجوه البِشْرِ أَنْ تَتَجَهَّما فيا للنُّهَى هَلْ مِنْ عَذِيرٍ لِمُشْفِقٍ … تَجَشَّمَ ذنبَ الدَّهْرِ فَيمَا تَجَشَّما ومنهم: [٣٢٩] الجراوي وهو أبو عبد الله بن محمد (٢). جري على كل معنى جرى، من بيوت القصائد بكل معنى، ما ثم لفظ لا يشققه، ولا معنى يُحَقِّقُه، ولا أدب إلا له مونقه، ولا طلب إلا له منه رونقه. ولع بالتشبيه وما تقاعد، وتبع فيه شأو القدماء وما باعد. ذكره ابن رشيق (٣): «وكان شاعرًا فحلًا قويًا، وصافًا دريًا، جيد الفكر والخاطر، بحسب بديهته رؤيته». ومما أنشد له قوله في قبة الشاذروان: [من الكامل] قد كُللت درًا أفاريز لها … فتبرَّجَتْ فيها بكُلِّ طريق وكأَنَّما القصر المُعَظَّمُ عاشِقٌ … قَدْ حارَ وهي لديه كالمَعْشُوقِ يَدْنُو إليها باهتًا شرفاتُهُ … نظر الحمام للقوة في نيق وكأنما النهر الذي قُدَّامَها … جَرْيًا يَسِيلُ على رقاب النُّوقِ ثم قال (٤): «وقد ناب هذا الخبر عن العيان، فأدى الصفة على تحقيقها. وملكها أَوْفَى حُقُوقِها».

стр. 6058

وكذلك أنشد له قوله في الديك (١): [من المتقارب] وكائن نفى النوم عنْ عُتْرُفانِ … بديع الملاحَةِ حُلْوُ المعاني بأجفان عينيه ياقوتتانِ … كأَنَّ وَمِيضَهما جَمْرَتانِ على رأسه التاج مُسْتَشرِفًا … كتاج ابن هرمز في المهرجانِ وقُرْطانِ مِنْ جَوْهَرِ أَحْمَرٍ … تُربنَا بِهِ مِثْلَ قُرْطِ الحَصَانِ لهُ عُنُقٌ حَوْلَها رَوْنَقٌ … كما حَوَتِ الخَمْرَ إحدى القناني ودار تزايلُهُ حَوْلَها … كما نَوَّرَتْ شَعَرَ الزِّعْفَرانِ ودارت بجُوجُوهِ حُلَّةٌ … تَرُوقُ كما راقك الخرواني فقامَ لَهُ ذَنَبٌ مُعْجِبٌ … كباقَةِ زَهْرِ بَدَتْ مِنْ بَنانِ وقاس جناحًا على ساقه … كما قِيْسَ شِبْرٌ على خَيْزُرانِ وصفَّقَ تصفيقَ مُسْتَهْتِرٍ … بِمُحْمَرة من بنات الدنانِ وغَرَّدَ تغريد ذي لَوْعَةٍ … يبوح بأشواقه للغواني وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] والأعوجيات الجيا … دُ يُثيرها الأسد الغضاب والسابري كأَنَّهُ … وذَكَاءُ مُذْكيهِ سَرَابُ مترقرق كالماءِ إِذْ … يعلوه في النهر الحباب والنيل يحكي أَلْسُنَ الـ … حيَّاتِ أَعْوَزَهَا الشَّرابُ ومنهم: [٣٣٠] الزواق وهو عبد الرحمن بن فتوح الكتامي (٣) شرفت به كتامة، وعرفت مثل المسك ختامه، لاح وهل يخفى الصباح اكتتام، وفاح وهل يكتم الأقاح الشام، ولم يكن شعره في كتامة إلا آية ظهرت، ونكبت عن تهامة واشتهرت، فعلم أنه عمل ساحر، وفعل مخرّق بالأدب ساخر.

стр. 6059

ذكره ابن رشيق وقال (١): «قوي أساس الشعر وأركانه، وثيق دعائمه وبنيانه، كأنه أعرابي بدوي ركب ظهر الشعر، ويخوض بحر الفكر، عريان الظاهر من حلية الأدب؛ لغفلة في طبعه، وثقل في سمعه». ومما أنشد له قوله (٢): [من السريع] وليلةٍ بينَ حِمَى ربوتي … ماوية والغُصنُ مِنْ سدرها طَرَقتُ فيها الحَيَّ مستوطئًا … مثل لهيب النار في جمرها صافية المتنين هنديةً … يقطرُ ماءُ الموتِ مِنْ صَدْرِها مُختفيًا في سترِ مُخْضَرَّةٍ … وَطُفَاءَ يَنْبُو الطَّرْفُ عَنْ سَترِها فجاءني هديًا إلى القُبَّةِ الـ … خَيْفاء لمْ تُخْطِى ولم أَدْرِها ثم قال (٣): «هذا كلام صعلوك وحشي، وفاتك جريء، قد كُفّت نواحيه، ولفت ألفاظه بمعانيه». وكذلك أنشد له منها قوله في وصف الديك (٤): [من السريع] وهَبَّ للأطيارِ ذُو حَبْرَةٍ … عنه بما يُعرفُ عَنْ خُبْرِها فَنَصَّ جيدًا ورقى مِنْبرًا … لدى الذي عُوِّدِ مِنْ خِدْرِها واستفتح الطار بتصفيقة اسـ … تفتاح ذات الطار في شعرها فَبَلِبَلَ البُلْبُلَ في غُصْنِهِ … وأَرَّقَ الوَرْقاء في وكرها كأَنَّما تُوّج ياقوتة … فاتخذ السِّنفَينِ مِنْ شَطَرِها كأنّما يخطرُ في حُلَّةٍ … مِنْ عَدَنِي الوَشْيَ لَمْ يَشْرِها وكذلك أنشد له قوله (٥): [من الخفيف] ومَلاءَةٍ زنجية كبطون الـ … راح مرَّتْ بعيدة الأرجاء قدْ تَجَشَّمْتُ هَوْلَها ودُجَى الليـ … لِ كَذَيلِ الغفّارَةِ السَّوْدَاءِ وقوله يصف الحمام الداجن؛ قال ابن رشيق (٦): «ولا أعرف أحدًا وصفه بمثل هذه الصفة» (٧): [من الكامل] يجتابُ أردية السحابِ بخافق … كالبَرْقِ أَوْمَضَ فِي السَّحابِ فَأَبْرَقا

стр. 6060

لو سابق الريحَ الجَنُوبَ لغاية … يومًا لجال كمثلِها أَوْ أَسْبَقا يستقربُ الأَرضَ البسيطةَ مَذْهَبًا … والأفقَ ذا السُّقُفِ الرفيعة مُرْتَقى ويظلُّ مُسترق السماع يَخافُهُ … في الجَوِّ يَحْسَبُهُ الشَّهَابَ المُحْرِقا قِسْهُ بأعتق كلِّ حامِلِ رِيشَةٍ … ممايطيرُ تجده منهُ أَعْتَقَا يبدو فَيَعْجَبُ مَنْ يَرَاهُ بحسنِهِ … وتكادُ آيَةُ عِتْقِهِ أَنْ تَنْطِقا مُتَرَقْرِقًا مِنْ حَيْثُ دُرْتَ كَأَنَّما … لَبِسَ الزُّجاجَةَ أَوْ تَجَلْبَبَ زئبقا وقوله (١): [من الكامل] كانوا إذا انحل السحابُ بمائِهِ … جُودًا سَحَائِبَ فِضَّةٍ ونُضَارِ يا صيرفي بني الزَّمانِ أَمَا تَرى … عِزَّ الفلوس وذِلَّةَ الدِّينار ومنهم: [٣٣١] الشريف الزيدي وهو أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن زيادة بن محمد بن علي الطاري (٢). وجده علي أول شريف طرأ إلى المغرب، وطار إلى ذلك الجو على جؤجؤ مقرب. أني يحاول النظراء معه مجالًا، أو تروم الشعراء موضعه وخير الشعر أشرفه رجالًا. لقد غذته القرشية بعذوبتها، وعدته الصبابة الهاشمية أن يشارك الشعراء في أكذوبتها، خلا أنه ألم منه بالشيء الطفيف، والقليل الذي يقول مثله الرجل الشريف. قال ابن رشيق (٣): «كان شاعرًا حسن الاهتداء، قليل المديح والهجاء، ملوكي الشعر، جيد التشبيه، صاحب مُلح وفكاهات، أشبه الناس طريقة في الشعر بكشاجم». ومما أنشد له قوله، وفي أثنائه وصف الهلال (٤): [من الوافر] إذا سَفَرَتْ إليك بوجهِ بَدْرٍ … كأَنَّ عليهِ مِنْ ذَهَب عجارا

стр. 6061

وجعد فاحم إن أسبلته … رأيت الليل قد غَمَرَ النَّهارا رأتني فاكتست خُجَلًا كَأَنِّي … غَرَسْتُ بوَجنَتَيها جُلنارا وفاجأنا التفرُّقُ بعد وصلٍ … فَبَدَّل وَرْدَ وَجْنتِها بَهَارا يطاول بالكثيب الليل حتى … ذكرتُ بهِ ليالينا القصارا كأَنَّ طلوع أَنجُمِهِ كُؤُوسٌ … سَقى الشَّرْقُ الغُرُوبَ بها عُقارا وفي ليل المَغِيبِ سَلِيلُ شمس … كما شَطَرتْ مُنَعَمَةٌ سِوَارًا وضرَّمَ لاعجَ البُرَحَاءِ طَيْفٌ … أَتى نَوْمي فصادَفَهُ غرارا يَعِنُّ ليَ الهَوَى فأَغُضُّ طَرْفِي … لوافدةٍ أُفِدْتُ بها وقارا طليعةِ آذِن بِنُهى وحِلْمِ … رَدَدْتُ بها الشباب المستعارا وقوله: جَهَدْتُ فما ظَفِرْتُ بذي وَفَاءٍ … يُؤَمِّنُني السريرة والجهارا ولكن كُلُّ ذي مِقَةٍ مَذُوقٌ … إِذا عَدَلَتْ له الأيام جارا فإن قابلته بالبِشْرِ وَلى … وإِنْ أَنْجَدْتَهُ بالود غارا وقوله (١): [من الكامل] يا حسن ما جِلِنا وخُضْرَةَ مَائِهِ … والنهرُ يُفْرِغُ فِيهِ ماءً مُزْبِدا كاللؤلؤ المنثور إلا أَنَّهُ … لما استقر به استحالَ زَبَرْجَدًا وإذا الشَّمالُ سَطَتْ على أَمواجِهِ … نَثَرَتْ حَبَابًا فوقهنَّ مُنَضَّدا فكأنما الفَلَك الأثيرُ أَدَارَهُ … فَلَكًا وضمَّنَهُ النُّجُومَ الوُقَّدَا وقوله (٢): [من الوافر] خيالك زارني يا أُمَّ عَمْرٍو … فأَحْيا بالوصال قتيلَ هَجْرِ وشَوَّقني إليكِ وكلُّ صَبٌ … يُشوّقُهُ خَيَالُ جَاءَ يَسْرِي ألم وفوق رأس الليل تاج … مُكَلَّلَةٌ جوانبُهُ بدر وقدْ حَكَمَتْ بهِ كفُّ الثَّرَيا … جنيَّ الوَرْدِ أَبيضَ غِبَّ قَطْرِ كأَنَّ الزَّهْرَةَ الزَّهْرَاءَ فِيهِ … وقَدْ طَلَعَتْ يَتِيمَةُ دُرِّ بحر فما انصرف الخيال إليكِ إلا … وساج الليلِ مَرْقُومُ بفَجْرِ وقد ولى الظلامُ ببدر تم … كأسود حامل مرآة تبر

стр. 6062

وقوله؛ وقد عمد إلى إجانتين من الشراب، فوجد إحداهما قد صار [ت] خلًا (١): [من الخفيف] رُبَّ أُختينِ أَمْسَنَا طَوْعَ مُلكِي … نجل أم تصبو إليها الرجال هذهِ حُسْنُهَا مُقِيمٌ وهذي … غيَّرتْ حُسْنَ حالها الأحوال فافتضاض الحَسْناءِ سَهْلٌ حَرَامٌ … وافتضاضُ السَّوْاءِ صَعْبُ حَلَالُ وقوله في قريب منه (٢): [من الطويل] وذات قميص لمْ يُدَنِّسْهُ لابس … يكادُ بألحاظ العُيونِ يَذُوبُ طلاقةُ وَجْهِي عند تقبيل ثَغْرِها … وأمَّا لتقبيل ابْنِها فَقُطُوبُ إذا نالها الإنسان جلَّتْ ذُنُوبُهُ … وفي الابن لمْ تُكْتَبْ عليهِ ذُنُوبُ وقوله يصف مجمعًا (٣): [من السريع] أفديكَ مِنْ نَسلِ سُريجيَّةٍ … في أبيض مُستطرفٍ مُونِقِ أَرْهَف باستعمالِهِ ذا شَبًا … مُترجمًا عن جوهر المَنطِقِ وأزرق المنظرِ جَعْدِ كما … جُعِدَثوب الرختج الأَزْرَقِ ومُشرع ينقض في سيره … مثل انقضاض النَّجْمِ فِي المُهْرَقِ يجمع هذا كُلَّهُ هَالِكٌ … أَسودُ يحكي ذَنَبَ العَقْعَقِ وقوله يصف مائدة (٤): [من الخفيف] هاكها رَوْضَةً تعيش بها الأجـ … سام ما مثل نورها أَنْوارُ ذَبَحَتْها الأيدي فجاءَتْ تَهَادَى … بِوُجُوهِ كأَنَّها أقمار كل روضٍ مخضر نمقه الما … ء وهاتيك نمقتها النار وقوله في زر بطانة (٥): [من الخفيف] سمهري تُزج منه نجوم … لذوات اللحون فيها رُجُومُ يحرق الأيك نحوهنّ بحَتْفٍ … فلها في صُدُورِهِنَّ كُلُومُ كل قوس تُجنى إذا سُمْتَها الرمي وهذا في رميه مستقيم ومنهم:

стр. 6063

[٣٣٢] حسين بن علي الصيرفي (١) الذي لا يُبهرج له نقد، ولا يُغالط في عَقْد، ولا ينتقد عليه في وزن، ولا ينتقل عنه في حزن. وكان لا يجوز عليه بهرج، ولا زغل على غيره يخرج، وكيف يجوز عليه زيف، أو يجور عليه حيف، وهو الذي يقام به الأوزان، ويُجازف في كل بيع إلا ما هو عنده بالميزان. قال ابن رشيق فيه (٢): «شاعر مستفيض المعاني، حلو الألفاظ، سلس الطبع، طيار الشعر، خفيف أرواح الكلام، بصير بالمُعَمى، قدير على استخراجه، حسن المناقشة والمفاتشة». ومما أنشد له قوله (٣): [من المتقارب] لقد شَرَّفَ اللهُ مِنْ دَوْلَةٍ … أقامَ المُعَزُّ بتشريفها وثَقَّفها بظلالِ السُّيوفِ … أمير بصيرٌ بتثقيفها فيا ابنَ الأفاضلِ مِنْ حِميرٍ … إذا عُدَّ فضلُ غَطاريفها لقاؤُكَ حَسَّنَ عندي الحياة … وأمنني من تخاويفها وكنتُ كأني في جنّةٍ … ظَفِرْتُ بحُسْنِ زَخارِيفِها وقوله (٤): [من البسيط] يا نعمةً فُزْتُ مِنْ بين الأنام بها … وسؤل نفسي بل يا منتهى وطري ا منة كنت مملوء اليدين بها … فعاقني دونها صرف مِنَ القَدَرِ قد كنتَ تعلم حالي في مَغِيْبِكَ عَنْ … عيني وإن كنت لم أنجد ولم أغر فكيف ظَنُّكَ بي والدار نازحَةٌ … ولم أجد منكَ في كَفِّي سِوَى الذَّكَرِ والله لا فارقت نفسي عليك أسى … ما غِبْتَ عَنْ نَظَرِي أَوْ ينقضي عُمُرِي ولا وحقِّكَ لا أَخْلَيْتُ قَلْبِيَ مِنْ … وَجْد عليك ولا عينيَّ مِنْ سَهَرِ ولا سَمِعْتُ بموصولين نالهما … سَهْمٌ مِنَ الهَجْرِ أَوْ سَهْمٌ مِنَ السَّفَرِ إلا بِكَيتُ وما يَعْنِي البُكاءُ وقد … عاثَتْ يَدُ الدَّهْرِ في سمعي وفي بصري ما أَحسَبُ البُعْدَ إلا كان يحسدني … على دُنُوّكَ يا شمسي ويا قَمَرِي

стр. 6064

ومنهم: [٣٣٣] ابن الربيب القاضي وهو الحسين بن محمد التميمي (١). أصله من مدينة تاهرت. عاكف على الآباء، عارف بقديم الإماء، يرفع ويضع، ويأخذ ويدع، وإلى قوله الرجوع فيما اتصل وانقطع، وطار ووقع. لو جهد ابن بكار، لما وجد عليه سبيلًا لإنكار. لو قرن به البلاذري لعصفت به ريحه النكباء فذري، ولهذا عرف كيف يخلص المدح من الذم، ويفرق بين الأشباه وإن كان النهر من عنصر اليم. ذكره ابن رشيق وقال (٢): «بلغ نهاية من الأدب، وعلم النسب، وكان قوي الكلام يتكلفه بعض التكلف». وقال (٣): «حدثني جماعة (٤) - من أصحابنا - قالوا: سألنا عبد الكريم من أشعر أهل بلدنا في الوقت؟ فبدأ بنفسه، وثني بابن الربيب». ومما أنشد له قوله (٥): [من الطويل] ألا إنَّما أودى بصبري حاجَةٌ … لَذى رَأس نَبق للتعذّرِ أَبْهَمَا جَعَلتُ إليها إذْ تَناءى محلُّها … نَدى ابنِ أَبِي العُربِ المؤمَّلِ سُلَّما؟ ضمنت لنفسي نُجْحَها عنه واثقًا … وأَخْلِقْ بِرَاجِ ضامن إِنْ تَذَمَّما ومنها: يفلُّ الخَميس المَجْرَ مُصْلَتُ رأيهِ … إِذا رَأْيُ ثَبْتِ القوم قال وأَحْجَما إذا اشْتَجَرَتْ فيهِ الأَسِنَّةُ خَاضَها … إلى الموتِ حتى يترك الموتَ أَعْصَما وقوله: أَبَتْ لهُم أَنْ يَرْفضوا الضَّيْمَ أَنفس … كرام رأت رميًا بها الموت أَحْزَما

стр. 6065

فهبُّوا وما هابُوا الرَّدَى فَتَدَرَّعوا … على خَطَرٍ قطعًا مِنَ الليل مُظْلِما فأرسل باديس الهُمامُ إليهم … معَ الخاتلِ الغَدَّارِ جَيْشًا عَرَمْرَما فسار على جُرد يصب لثاته … ولم يدر حينًا أَيَّ حَتْفٍ تيمما ومنها: وأَوْدَى عَليٌّ حِيْنَ أَوْدَى حُسَامُهُ … وأَقدم حتى لم يجد متقدما ولو لم يُعاجله الحمام أَبادَهُمْ … ولكن رجال أسلموه فسلما وما إِنْ نَجَا مِنْ غَمْرَةِ الموتِ قاسم … بإحجامه لكنما الموتُ أَحْجَما يَقَدَّمَ كي يُسْقَى بما سُقيا بهِ … فأَخَّرَهُ المقدار لما تقدما وهوَّنَ وَجْدِي أَنَّهُمْ خَمْسَةٌ مَضَوا … وقدْ قَعَصُوا خمسينَ قَرْمًا مُسَوَّما وكان عظيمًا لو نجوا غيرَ أَنَّهُمْ … رَأَوا حُسْنَ ما أَبْقَوا مِنَ الذِّكْرِ أَعْظَما أَبَوا أَنْ يَفِرُّوا والقَنَا في نُحُورِهِمْ … وأَنْ يُرتَقُوا مِنْ خَشْيَةِ المَوتِ سُلَّما لو أنهم فروا لفروا أَعِزَّةً … ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما وقوله (١): [من البسيط] انظر إلى صُورةِ الجَوْزاءِ قَدْ طَلَعَتْ … كأَنَّها قانص بالدُّرِّ مُنْسَمِرُ شيحان منتطق عَنَّتْ لَهُ حُمْرُ … صحرٌ قُبيلَ غُرُوبِ الشمسِ أَوْ بَقَرُ فأَغْرَقَ النزع في قوس براحته … قصدًا فَظَلَّ لدى الناموس ينتظر أنشد هذا ابن رشيق وقال (٢): هذه صفة مستوفاة جدًا يجوز أن يكون جعل «الدبران قوسًا، والذراع الجنوبية» يدًا، ولذلك ذكر الأغراق، وتمكن له وصف الجوزاء بقوله: «شيحان» وهو الطويل من الرجال، وقيل: الحَذر المتحير لما يُريبه أو يخافه، وقيل: الجاد، وأكثر الناس في الحذر والحاد على أنه: الشيح، وقوله: «منتطق» لأنّ في وسطها نجومًا تسمى المنطقة، وقوله: «حمر أو بقر» من أحسن شيء لبياض متونفها و «الصحرة» القريبة من البياض عن البعد مع ما يقتضي ذلك من عظم النجوم المشبهة بها إذا كانت آرام الغزلان داخلة في هذا الباب، وليست الأشخاص سواء لاسيما أن هنالك نجومًا تسمى «البقر» جِوَارَ «الثريا» من برج الثور، وذكر الأغراق مع قوله: «قُبيل غروب الشمس»، عجيب يدل على الحرص، وخوف الفوت، ويجوز أيضًا أن يكون جعل «الهنعة» قوسًا وإن كانت من نجوم الجوزاء؛ لأن النجوم

стр. 6066

عندهم إنما هي علامة؛ وإلا فليست هي صورة الجوزاء حقيقة، ويشدّ ذلك قوله: «وظل لدى الناموس ينتظر» أي اختفى فليس يرى، والناموس: بيت الصائد». ومنهم: [٣٣٤] القفصي الكفيف وهو محمد بن إبراهيم بن عمران (١). أصله من قفصة وتأدبه بها أشبه العرب حتى كأنه كان ابن إمامهم، وجار خيامهم، وسلك طريقتهم حتى كأنه معهم في مهامههم الفساح، وغذي بينهم بضريب اللقاح، وحادث زينب والرباب، وواعد إلى سمرات الوادي إذا القمر غاب، وبدا في نادي الحي وبادية الأعراب. قال ابن رشيق (٢): «هو شاعر متقدم، علامة بغريب اللغة، قادر على التطويل. وصاف الديار، مولع بذكر الإبل والقفار، متبع للعرب في أبنية أشعارها لا يعدو ذلك إلا قليلًا في صفات الخمر والزهر، قليل الاختراع، ركاب الشارد القوافي». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] ومِنْ غيرِ الأَيام أَنِّي شاعر … أديب السربال الخُمُولِ مُسْربل أروم على إكداء حالي تَجَمُّلًا … وأحسنُ من مَضْعِ الحَديدِ التجملُ وقوله (٤): [من الوافر] فظل الصبح يخطر في رِدَاهُ … وقد خطّ العذار به ظلاما كأَنَّ تَمَوُّجَ الأصداغ منه … عقارب مسكة تشكو الصراما بعينيهِ مِنَ المنصور سيفٌ … يقدُّ بشرفتيه طلي وهاما فتى لبس المكارم وارتداها … وشَدَّ عُرى أَزِمَّتَها غُلاما

стр. 6067

وَقَولُهُ فِي الخَمرِ (١): [مِنَ الوَافِرِ] تَهَادَى للزُّجَاجَةِ سَلْسبِيلًا … كَعَينِ الشَّمْسِ تَهْوِي للجُنُوحِ كُمَيْتًا لَمْ تَزَلْ في الدُّنِّ وَقْفًا … عَلى الأَيَّامِ مِنْ سَامِ بنِ نُوحِ تُراقُ بِهِ حُمَيَّاهُ إِلى أَنْ … أُعِيرَتْ نَكْهَةَ المِسْكِ النَّبِيحُ ولو لَمْ تُعْتَصَرْ مِنْ عُودِ كَرْمٍ … لَمَا كَرُمَتْ يَدُ اللَّحِزِ الصَّحِيحُ قال ابن رشيق (٢): «وهذا شعر طيار الألفاظ خفيفها، نقي الأعطاف نظيفها، حلو مسترسل خارج عن طريقته التي تستعمل. وقريب منه في حاله ولطافته واعتداله قوله: [من الطويل] وكُنْتُ أَمِنْتُ الدَّهْرَ حَادِثَ بَيْنِهِ … إلى أَنْ دَهَانَا وَالحَوَادِثُ تَحْدُثُ فَحَلَّ بِرَبْعِي جُلُّ ما كُنْتُ أَتَّقِي … مِنَ الدَّهْرِ وَالخَطْبُ الَّذِي حَلَّ أَخْبَثُ ومنها قوله: [من الطويل] غَدَا عَبَثًا يَلْهُو بِلَيْثِ عَرِينِهِ … فَيَا عَجَبًا للظَّبْيِ بِاللَّيْثِ يَعْبَثُ لَهُ مَنْطِقٌ يَسْتَنْزِلُ العُصْمَ دَلُّهُ … يُذَكِّرُ مِنْ تَرْخِيْمِهِ وَيُؤَنَّثُ وقوله؛ وهو مما طاوعته فيه القافية العويصة (٣): [من الرمل] لائمي في الهوى دَعْني فالذي … قَدَّرَ الله تَعالى قَدْ فَرَغْ لا تَلُمْني إِنَّ سُلطانَ الصَّبَا … وَالهَوَى أَفْسَدَ قَلْبِي وَنَزَغْ إِنَّما الدُّنيا دَدٌ فاشْفِ بِهِ … لَدْغَةَ الحُبِّ إذا الحُبُّ لَدَعْ واغْنَمِ الأَيامَ لَذَّاتٍ فما … هُنَّ إِلا فاعْتَنِمُهنَّ بُلَغْ كلّما خِفْتُ بأَنْ يَرْفَعَني … ماطَهُ يوسفُ عَنِّي فَانْدَفَعْ الأميرُ البَاسِلُ البأسُ الذي … دَبَغَتْهُ الحَرْبُ عَرْكًا فانْدَبَعْ مَلِكٌ قَدْ صُبِغَتْ وَجْنَتُهُ … صِبْغَةَ اللهِ الَّتي كانَ صَبَعْ قال: فهذا كلام لين الشكيمة، غالي القيمة، قد صحت أساليبه، واطردت أنابيبه». ومنهم:

стр. 6068

[٣٣٥] ابن زنجي الكاتب (١) ممرد صرح، ومغرد مرح، من بيت هو بناؤه المشيد، وأفق هو من نجومه في جملة العديد، ونحر هو من لؤلؤه المنتقى إلا أنه الفريد، ودوح هو من فروعه الغصن لكنه المديد، ومعدن إلا أنه منه السيف الحديد. قال ابن رشيق (٢): هو من بيت كتابة ورئاسة وعلم، وكان شاعرًا بارعًا يتعب في صنعته ويجيدها، قليل الاختراع والتوليد، وثابًا في أكثر شعره، صنع في قتله الرافضة قصيدة قدمها شيخنا أبو عبد الله على جميع ما صنع الناس كلهم. وكل قصيدة أخذ منها وترك إلا هذه؛ فإنها اختيرت بأجمعها، وسأذكر منها ما أحفظ (٣): [من الطويل] شفى الغَيْظَ في طَيِّ الضَّمِيرِ المُكَتَمِ … دماء كلاب حُلّلتْ في المُحَرَّمِ فلا أرقا الله الدموع التي جَرَثٌ … أَسى وجوى فميا أُريقَ مِنَ الدَّمَ هي المِنْةُ العُظمى التي جَلَّ قَدْرُها … وسارتْ بها الرُّكبانُ في كُلِّ موسمِ فيا سَمَرًا أَمْسَى غُلَالَةَ مُنْجِدٍ … ويا خَبَرًا أَضْحَى فُكَاهَةَ مُنْهِمِ ويا نعمة بالقيروان تباشرت … بها عُصَبٌ حول الحَطِيمِ وَزَمْزَمِ وأهدت إلى قبر النبيّ وصَحْبِهِ … سَلامًا كَعَرْفِ المِسْكِ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ غزونا أعادي الدين لا الرمح ينثني … نبوًّا ولا حدُّ الحُسام المُصمَّمِ بكل فتى شهم الفُؤادِ كأَنَّما … تَسَرْبَلَ يومَ الرَّوْعِ جِلْدَةَ شَيْهم إذا أَمَّ لم يشدُدْ عُرَى مُتخوّفٍ … وإِنْ هَمَّ لَمْ يَحْلُلْ حُبَى مُتَنَدِّمِ مِنَ القَيراونيين في المنصب الذي … نَمَا وإلى خير الصحابةِ تَنْتَمِي وكنا نظن الكفر في جاهليةٍ … فَتَعْسًا لكفر جاهليّ مُخَضْرَمِ سَبَبْتُمْ عَتِيقًا والإمامين بعده … فلم تعتقوا يوم الحريق المُضَرَّمِ وسؤتم نبي الله في خير أهلِهِ … وأفضلِ بِكْرِ في النساء وأيم وكَمْ عَائِرٍ مِنْكُمْ إِذا صَافَحَ الثَّرَى … مِنَ النُّغْرِ قُلنا لليدين وللفم

стр. 6069

فلا نَفَقٌ في الأرضِ أَخْفَى مَكَانَكُمْ … ولا شَاهِقٌ يَرْقى إليه بسلَّمِ لقدْ رَفَضَتْكُمُ كُلُّ أَرْضٍ وبُقْعَةٍ … وقد صَوَّحَتْ مِنْكُم بِقَاعُ جَهَنَّمِ ومنهم: [٣٣٦] قرهب بن جابر الخزاعي (١) سَكَّابٌ لا تُعار ولا تُباع، وسَحَّاتُ الاصْطِيَافِ والارْتِبَاع، وكانتْ له عارِضةٌ لا يسكن هديرها، ولا ينضب غديرها، أتى الأدب وأيامه لدان، وأقوامه أخدان، ونار القرائح نور، وعيون المدائح غير صور، والزمان في أوله، والدهر منامٌ لمتأوله فنعم، هنيئًا، ونظم وعقد الثريا .. هدنا، وناضل فنضل، وفاضل ففضل وساهم، وكان أعداؤه الأخسرين، وأنداؤه لا تسقط إلا على ورد ونسرين. قال ابن رَشِيق (٢): «كان شاعرًا مطبوعًا جيد الطبع علي الأنفاس لا يبالي كيف صنع الشعر ثقةً بنفسه، وعلمًا بالمقاصد، وكانت بينه وبين ابن مغيث وقائع، سألته مرّة - ولم أعلم ما كان بينهما - كيف ابن مغيث عندك؟ فقال: [من مجزوء الكامل] مُغْرَى بِقَذْفِ المُحْصَنا … تِ وَلَيْسَ مِنْ أَبْنَائِها والأغلب أنه استشهد به، وإنه لعلي بن الجهم (٣). ومما أنشد له قوله (٤): [من الكامل] لُبْسُ الشَّبَابِ فَكَاهَةٌ ولِذَاذَةٌ … وَحُلْىَ المَشيبِ سكينَةٌ وَوَقَارُ أَكْرِمْ بأَيَّامِ الشَّبَابِ فإنَّها … وَالأَبِي الهَوَى مِنْ طِيبِهِنَّ قِصَارُ إِذْ غُصْنُكَ الرَّيَّانُ غَضٌّ نَاعِمٌ … ودُجاك لم يُخلع عليهِ نَهارُ وفيها يقول أيضًا: أَبْنى مناد سلكتُم سُنَنَ الهُدَى … والعِقْدُ منكم بالوفاء مُعار وأطعتُمُ مَنْ حق فيكم قتله … والحقُّ ليس يزيلُهُ إنكار

стр. 6070

وكأَنَّ باديس المُمَلَّكَ فيكم … شمسُ الضُّحى وكَأَنَّكُمْ أَقمارُ لو لم يكن إلا مناد ونسلُهُ … في الأرض ما حقت به الأقطارُ ملأوا الفضاء بكلِّ أَجْرَدَ سابح … يعلو قَرَاهُ صُبارمٌ سَيَّارُ يتخيرون منَ العُماةِ مَقَاتِلًا … والجو أَكْلَفُ والغُبار مُثارُ رفضوا الدروع فما عليهمْ جُنَّةٌ … إلا دروع البأس والأبشارُ فرع منادي بما في ذَرْوِهِ … فوقَ النُّجوم لقدرها استظهار راق تِلاعَ العِزّ يَحمِي جَوْزَهُ … حَدُّ البواتر والقَنَا الخَطَّارُ قال ابن رشيق: «ما على هذا الكلام زيادة، ولا فوقه إرادة، ولقد شب على المشيب نار التشبيب وتبرأ في المدح من كل عيب وقدح». وله من قصيدة أولها (١): [من المتقارب] دَعِ الرَّاحَ تحمُضُ في دَنْها … ولا تَغْشَ منزلَ خَمَّارِهَا قال منها: إلى السيد الماجد الألمعي … يحث الركاب بزُوَّارِها إلى ابن أبي العَرَبِ المُرتَجى … تفرُّ الرجال بأخطارها فتدرك غاية آمالها … وأعلى النهاية من ثارها لأَحْذَقِها بطعان الكُماة … لدى الحَرْبِ من قورِ تَيَّارِها طويت الأمور على غرها … فقدَّرْتَها خَيْرَ مِقْدَارِها وأضحت سجاياك مثل الرياض … كَسَاهَا الحَيَا زَهْرَ نُوَّارِها قال ابن رشيق: «الشاعر الحاذق يجعل الشعر كسوة للمدوح لائقة بشكله، مناسبة لقدره لا تضيق عنه، ولا تضطرب عليه، وهذه الأبيات لبوس محمد بن أبي العرب - لا شك - لما جمع من شرف الوزارة، ولطف الكتابة، إلى شهامة الفؤاد، ونوادر الشجعان الأجواد، فقابله بكل فنّ فنًا، وبكل معنى معنى». ومن القصيدة: وقالت: عَهِدْتُكَ ذا ثَرْوَةٍ … يَقِلُّ الزمان لإكثارها فَقَدْ جَرَّني قدر نالني … وفي حكمه من لظى نارها فَعَفْوًا وإِنْ عَظُمَتْ زَلَّةٌ … فَمَا زِلْتَ أكرمَ غُفَّارِها

стр. 6071

وإن قصدت مُهْجَتي ما كَرِهْتَ … فلابلغتْ نَيْلَ أَوْطَارِها قال ابن رشيق: «هكذا تستعطف القلوب، وتدرّ الذنوب، وإن من هذا كلامه لبعيد ملامه، بل هو أولى بالمثوبة من العقوبة، وبالاعتذار إليه من العتب عليه». وسألته عن أفضل شعر قاله في بني أبي العرب، فأنشدني قصيدة منها (١): [من البسيط] إذا أَبَتْ لكَ أجسام العدا صِلَةً … زارتكَ طائعة عنْ أَمْرِكَ القِمَمُ أَيومَ تَسطر في القرطاسِ مُقتدرًا … حَلَّ الذي عَقَدَ الأعداء أو نظموا كأَنَّ فِكْرَكَ طَعْمُ الموتِ يَرْهَبُهُ … من قبل رؤيتك الباغي فينهزم يا مانعَ الدَّهْرِ أَنْ يَسْطُو عَليَّ لقدْ … عَلِقْتُ مِنْكَ بحبل ليس ينصرمُ ما أطيب العيش في دنيا تُصرِّفُها … بالعَطْفِ منكَ وإنْ لم تُدنِنا رَحِمُ كَأَنَّها نعمة الأخرى فليس بها … على المطيعين تنكيد ولا ألم وقوله في طيف (٢): [من الكامل] سعد حباكَ بِهِ خَيالُ سُعادِ … وفى وما وفَّتْك بالميعاد أَحْبِبْ بِهِ مِنْ زَائرٍ مُتَعَطَّفٍ … لَوْ أَنَّهُ في وصلِهِ مُتمادي حَيَّاكَ مِنْ كَشَبٍ بحُسْنِ تحيةٍ … فكأَنَّما ناداك وسط النادي ما صدَّ عنكَ مِنَ المشيبِ كَصَدِّها … إِذْ لا حَظَتْهُ فَأَذَنْتَ بِبعادِ قَدْ كانَ لي شَرْخُ الشَّبيبة شافعًا … عند الحسان مؤكدًا لودادي لو كانَ حُكْمِي في الشَّبابِ ذَخَرْتُهُ … وَجَعَلْتُهُ مِنْ رُتْبَةِ الأَعْيادِ فهو الجمالُ الرائقُ الحَسَنُ الذي … لؤيستعدُّ لكان خيرَ عَتَادِ ماذا أحاول من ورودي مَنْهلًا … أُسْدُ العَرين بحافتيه عوادي يُحمي بأطراف الرماح كَأَنَّهُ … مجد الجواد سلالة الأجواد السيد المنصور نجل محمدٍ … قِيْلُ القُيُول وقائِدُ القُوَّادِ من يستفد جُودًا فجود يمينِهِ … إرْثُ تقيَّلَهُ عَنِ الأَجْدَادِ الفارجينَ لكُلِّ خَطْبٍ ضيق … والحاملين لكل عب آدي أهل السياسة والرياسةِ والنَّدى … والبأس والإصدار والإيراد يحتلُّ مِنْ قَبَسٍ بأشرفِ مَعْقِل … حيثُ النُّجُومُ النيراتُ بَوَادِي

стр. 6072

بمواهب أَسدَيتها ورغائب … ومناقب جلَّتْ عَنِ التَّعدادِ نَسَبٌ كماءِ المُزْنِ غيرُ مُكَدَّرٍ … حقَّقته للسادة الأمجاد وسقطت عنّي من ههنا أبيات، ثم قال: هذا حُسامُ حُسام دولة هاشم … هذا المُقَدَّمُ في سُراهُ مُنادي وَأَغَرَّ تجلو الجَوَّ غُرَّةٌ وجهِهِ … والليلُ مُعْتَجِرٌ ثيابَ حِدَادِ ملأ القُلوبَ مَخافةً ومَهَابَةً … بِجَلالَةٍ صَدَعَتْ قُوَى الأَكبادِ بحر يعم الواردين بفضله … لا شيء يحجزهُ عَنِ الورَادِ وقال في مصلوب (١): [من البسيط] يا مَنْ تكفل بالإسلام يعضده … خياله ووكيدُ العَقْدِ يُنجده كم حائد عنهُ أَنْزَلْتَ النكالَ بِهِ … فالموت مصدره والذُّلُّ مَوْرِدُهُ غادرته بعد ما عفرتَ لِمَّتَهُ … والجِذْعُ مِنبره والجَرُّ مَسجِدُهُ كأَنَّهُ ضارع الله يسألُهُ … لؤ كان يشكرُ ما أَوْلى ويحمده وقوله (٢): [من البسيط] ما راقب الله في عِرْضِ النبي ولا … خاف العقاب ولا صلى ولا سَجَدَا مَرَدْتُمُ فلقيتُمْ بَطْشَ مُقْتَدِرٍ … وتلكَ سُنَّتُهُ في كلِّ مَنْ مَرَدَا من يقصدون وقد أسخطتم الصمدا … وسيف نقمته في هامكم غمدا مَنْ ذاك ناصركُم والله خاذلُكُمْ … هيهاتَ أَنْ تُفلحوا من بعدها أبدا [وقوله في أعور:] (٣) [من المتقارب] شكوت إلى الأعور الأَعْوَرَا … فلمْ يُغن شيئًا ولا عَزَّرا فكنت كغاسلِ أَثوابِهِ … وقَدْ مُلِئَتْ مِنْ خِرا بالخرا وهذا بلاغ في اختصار وإقلال كإكثار .. وقولُه في عمار بن جميل، وكان به فساد (٤): [من الهزج] وقالوا: إِنَّ عَمَّارًا … مَعَاهُ مُطْبَقُ الأَسْفَلْ فأقسم ببني العَرْسِ … لقدْ أَبصرتُهُ يُدخل (٥) فأتى بحجة شافية وجملة كافية».

стр. 6073

ومنهم: [٣٣٧] محمد بن مغيث (١) شاعر مطيق، ومتكلم منطيق. كان لا يزال طافحًا سكران لا يفيق، ظمآن إلى سلافة وريق، إلا أنه سريع جواب، ومصيب صواب لا تسامح في إجابته القائل، ولا يؤخذ القلم له بأطراف الأنامل لفهم حاضر في الصحو والسكر، ليس يبرح، وألفاظ فيها جمال حين يُريح وحين يسرح. قال ابن رشيق (٢): «كان شاعرًا مطبوعًا مرسل الكلام، مليح الطريقة، يقع على النكت ويصيب الأغراض، ويقيم حرب الشعراء، وكان مفتونًا بالخمر، متبذلًا فيها، مدمنًا عليها، لا يفيق منها، مولعًا ببيت الخمار ومخالطة العامة، فطار اسمه لذلك، واشتهر به. وسأله بعض إخوانه ليختبر قوة نفسه في المرض الذي مات فيه: هل يقدر على النهوض؟ فقال: لو شئت مشيت من ههنا إلى بيت أبي زكريا الخمار. قال: أفلا قلت إلى الجامع. فقال (٣): [من الطويل] لكل امرئٍ مِنْ دهره ما تعوَّدا ومما أنشد له قوله؛ وقد أتى عبد المجيد بن مهذب زائرًا فحجب عنه (٤): [من الخفيف] زرتُ عبد المجيدِ زَوْرَةَ مشتا … ق إليه فصد عني صُدُودا فكَأَنِّي أَتَيْتُهُ أَنْزِعُ العِمَّةَ عَنْ … رَأْسِهِ وأَخْصِي سَعِيدا قال (٥): «وهذا من أخبث الهجاء، وأقبح التعريض إشارة إلى قروح كانت برأسه، وعبدله وكان يُقْرَف به».

стр. 6074

ومنهم: [٣٣٨] العُمَيلة وهو علي بن هبة الله اللخمي (١). ما ضره قول فاضل حاسد وجاهل معاند أكثروا فيه كضرائر الحسناء، وظهروا له بسرائر الشحناء، والبحر بنفسه يفيض، والمورد العذب يغيظ الظَّمِيء ولا يغيض، وهل تضر الرافضة عمر، أو نباح الكلب القمر، ورب شعراء عرب باتباعهم الفئة الغاوية، وعجزت أفكارهم عن مباني الأشعار، فتلك بيوتهم خاوية بنجوة فما هاجهم وراجموه ولو شاء كسرت صخرته زجاجهم، لكنه عافهم فقدرهم، وهبت ريحه فتصاوخ لا يسمع هدرهم. قال ابن رشيق (٢): «كان شاعرًا مشهورًا يأتي بكل ظريف على بله فيه وبلادة، وقلة علم حتى جعلوه مدعيًا سارقًا، وكانت له بيتوتة في الشعر فبأشعارهم يتهم، وزعم قوم أن أخته كانت شاعرة تصنع له الشعر، إلى أن قال في واقعة زناتة، فسبق أكثر الشعراء (٣): [من المتقارب] أَظَبْيُكِ يا وَجْرَةُ الأَعْفَرُ … رماني أَمِ الأَنَسُ الأَحْوَرُ ولم أَرَ مثلي مُستنجزًا … عن الشيء وهو بهِ أَخْبَرُ إذا مَلَكَ الحُبُّ حَبَّ القُلوبِ … فعنهُ تَرَى وَبِهِ تُبْصِرُ ولمَّا طَغَى وبغى فلفل … وطاش به رأيهُ الأَخْسَرُ وغرَّتْهُ أَطماعه الكاذبات … وإبليس دأبًا بِهِ يَمْكُرُ دعاك إليه نصير الإمام … وما فوق ذا لامرى مخبر فأضحكت منهم ضباعَ الفَلَا … وزارتهم الأطلس الأنسر فعادت سبيبُهُ سَبًِّا عليه … وهذا جَزَاءً لمن يكفر ومنهم:

стр. 6075

[٣٣٩] الصفار وهو علي بن أحمد السوسي (١). يفوق الذهب صفرة، ويسع الدنيا وفرة، متزر بحسن صنعته على الإبريز، ويعمل كل من يشهد له بالتبريز نهر كثير المذانب، وبحر لا ينتهى منه إلى جانب. يخوض اللجج ويشقها، ويحلّ العلياء ويستحقها. قال ابن رشيق (٢): «شاعر متسع القافية، سالم الطبع، عالم باللغة، لا تنقطع مادته». وأنشد له قوله يصف السفينة والبحر (٣): [من الطويل] وقَرَّبْتُ للتَّرحالِ دَهْماءَ تَعتلي … قَرَا أدهم المرآة أخضر طاميا يخالُ من استعلاهُ إنْ ظَلَّ راكبًا … مِنَ الهَوْلِ مُسْوَدًّا مِنَ الليل داجيا إذا ضربته الريح هاج تغيّظًا … وماج بما يعلو الجبال الرواسيا فلم أرَ مِنْ زَنجيةٍ قطُّ طاعةً … كطاعتها فيها تسرُّ المواليا ولا مثلها مركوبة قادَ ركْبَها … سَراعًا بما يُعيي القِلاصَ النَّواجِيا وينشر أحيانًا جناحًا تُطِيرُها … قَوادِمُ منه تستخَفُّ الخَوَافِيا وتطويه أحيانًا إذا لم يكن لها … مِنَ الرِّيح ما يرضاهُ مَنْ كان ماضيا فتمشي بأيدٍ مُلصقاتٍ تَحُثُّها … رجال بأيد يعملون التواليا ورجلين لا يخطو كما تخطو بها … إذا سارَ أُخْرَى الدَّهرِ مَنْ كَانَ خاطيا وقوله من مديحها: فيا أيهذا الحاجب المبتني العُلا … وهل يبتني إلا الكرام العواليا إليكَ رَحَلْناها تَطَايَرُ في الدُّجى … تطايُرَ أَشباءِ القَطَا مُتَباريا وتعلو الضُّحى أثباجَ أَخْضَرَ مُزْبِدٍ … مَهِيبٍ وإن أضحى لرائيه شاجيا تراه فتخشاه وتسمع حولَهُ … غُطَامَطَ يحكى مِنْ أُناسٍ تَلاحيا

стр. 6076

زيادَةٌ وُدّ مِنْ مُجِدٍّ مُحافظ … تَرَى الوُدَّ مِنْ سُقْمِ الضَّمائِرِ شافيا وتطلب في ذاك القبول وتبتغي … جزاءً به مِنْ خَالص الوِدّ وافيا وأنت بحمد اللهِ فَذّ زَمانِهِ … وواحد عصر ما أرى لك ثانيا وقد عُرفت للنظم قدمًا مزيةٌ … بها يبتني أهل الكلام القوافيا وما الدر منثورًا وإن جلَّ قدره … كما زانَ جيدًا نظمه وتراقيا وما غادة هيفاء حسناء عاطل … كأخرى غَدَتْ حُسْنًا خجلًا حاليا وقد كنت أدعى نابة الذكرِ شاعرًا … فقدْ صِرْتُ أُدْعى عالي القَدْرِ عاريا وحسبي بهذا بعد ذاك فعنده … محاسن يمحو حُسْنَهُنَّ المَساويا ومنهم: [٣٤٠] محمد بن عبدون السوسي الوراق (١) شاعر يُشبه كَلِمُهُ الماءَ الرَّقراق، وتشدُّه حكمة ما تملى الحمائم على الأوراق. وحيد زمنه، وفريد دهر قلده بمننه، وندرة أيام تمخضت عن مثله أم لياليها، ودرة بحر لما ولدت شبيهه … لآليها. لا يوقف له على شاطئ، ولا يعرف كالعنبر الهندي ما هو واطيء. قال ابن رشيق (٢): «ليس سوسيًا على الحقيقة، بل من أكابر القيروان، وبها مقامه الآن، لكن أباه سكن سوسة، فعرف بذلك؛ وهو شاعر وطيّ الكلام، كلف بعذوبة اللفظ، والتسلل إلى المعنى البعيد بلطافة، وسكون جأش». ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط] يا قصر طارق هَمِّي فيكَ مقصور … شوقي طليق وخَطْوِي عنكَ مأْسُورُ عندي مِنَ الوَجْدِ ما لو فاضَ عَنْ كَبِدِي … إليكَ لاحترقت من حولكَ الدُّورُ لاهم أنَّ الجوى والوجدَ قَدْ غَلَبا … صبري فكلُّ اصطباري فيهما زُورُ فاجعل لكف ابن عبد الله عارفة … عندي فإنّي بهذا البين مَوْتُورُ

стр. 6077

وقوله (١): [من الطويل] تَنِخْ على بُعدٍ متى تَطْرَحُ النَّوى … عِصَاهَا بأَرضِ حَلَّها ابنُ مُقاتِل متى تستريحُ الظَّهرُ قَدْ مَلَّ صُحْبتي … ومَلَّتْ رِكابي ثُمَّ مَلَّتْ أَصائِلي أَحَقًّا أَرى فأسًا فأُسْلِمَ أَرْحُلي … وأَطْرَحَ هَمَا قَدْ تَخَرَّمَ كَاهِلِي وألقى بها ملكًا جلا الله قلبه … وطال به في المجد عن كُلِّ طائل له في اصطناع الحمدِ هِمَّةُ حَاتِمٍ … وفي البأس يومَ الرَّوْعِ نَجْدَةُ وائل إذا قال قال الخير لا باسطًا يدًا … بظلم ولا راض مقالة جاهل أمنصور إني قد دعوتُكَ تائبًا … وجئتُكَ أَسْعي بين حافٍ وناعل ومنهم: [٣٤١] أبو حبيب، هو عبد الرحمن بن أحمد (٢) عالم يتلاقى بين جنبيه مجمع البحرين، ومن جبينه مطلع النيرين عالم محبور، وعامل مخبور. وكان جِدّ محافظ على دين، وحافظ الودّ خدين. عابد صبور، وعاقد حباه على الشعرى العبور. أجابت البلاغة نداه، وأجالت في مُقَل النُّوَّار أنداه. قال ابن رشيق (٣): «ولد بالمحمدية وتأدب بالأندلس. دخلها صغيرًا مع أبيه، وكان من صالحي الأمة وعبادها وزهادها. ترك التجارة لشيء اطلع عليه من شريك كان له، فتبرأ له من جميع ما في يديه وخرج غازيًا، وسكن الثغر مرابطًا، وبقي ابنه أبو حبيب هذا يخالط أشراف الناس وأهل الأقدار حتى برز في الأدب، وتفقه فتأهل للفتوى». ومما أنشد له قوله (٤): [من الكامل] أضحى عَذُولي فيهِ مِنْ عُشّاقِهِ … لما بدا كالبدر في إشراقه وغدا يلوم ولومُهُ لِي غَيْرَةٌ … منهُ عليهِ ليسَ مِنْ إشفاقه

стр. 6078

قمر تنافست الجوانح في الصّبا … في حُبِّهِ ليفوز عند عِناقِهِ في خَدِّهِ ورد تفتَحَ نَورُهُ … أَلحاظُهُ منعتهُ مِنْ عُشَاقِهِ عَرَضَ الوِصالَ وَضَلَّ يُعرِضُ دونَهُ … وتَخَلَّقَ المعشق من أخلاقه وغدا محاق البدر موعد بينه … ورحيلِهِ فَمُحِقْتُ قبل مُحاقِهِ وقوله (١): [من البسيط] مُجْرِي جُفُوني دِماءً وهوَ ناظِرُها … ومُتْلِفُ القلب وجدًا وهو يرتعُه إذا بدا خال دمعي دون رؤيتِهِ … يَغَارُ مِنِّي عليه فهوَ يُرْقتُهُ قلبي الوفي وجسمي لا وفاء له … ما مَنْ أَقامَ كَمَنْ قَدْ سارَ يتبعُهُ إن كانَ حَجَّبَهُ بقيًا عليهِ فَلِمْ … أَطاقَ حِينَ نأى عنه يُشيعُهُ لو أنهُ ذَابَ سُقْمًا يومَ رِحْلَتِهِ … كانَ الوفاء له في الحب أجمعُهُ وقوله (٢): [من الكامل] ليت الفِراقَ غَدَاةَ أَوْرَدَ أَصْدَرا … بلْ لَوْ تَلَوَّمَ ساعةً وتصبرا لما وقفتُ ودمع عيني واقفُ … في مُقلتي حتى إذا ارتحلوا جَرَى وله في ذم الزمان (٣): [من البسيط] أَعْدَى إلى الحُرِّ مِنْ أَعْدَائِهِ الزَّمَنُ … حَظِّ المهذّبِ مِنْ أَيامِهِ المِحَنُ مكابدًا فيهِ ألوانًا يزولُ لها … صبرُ الجَلِيدِ وَيَجْفُو جَفْنَهُ الوَسَنُ يَبْيَضُ مِنْ هَوْلِهَا رَأْسُ الرضيع أسى … ويغتدي أسودًا في ضَرْعِهِ اللَّبَنُ وقوله (٤): [من السريع] خَطَّتْ يَدُ الحُسْنِ على خدِّهِ … لامًا مِنَ المِسْكِ شديد السواد حتى إذا جاء إلى نصفِهِ … وهَمَّ أَنْ يَزْدَادَ جَنَّ المداد فَحُقَّ لي فيهِ لِباسُ الضَّنَى … وقل لي فيه لباس الحداد قال ابن رشيق (٥): «هذه إشارة طريفة ظريفة خفيّة خفيفة. ولما قال: «جف المداد» دلّ على انقطاع الخط، وخفاء منتهاه، فاستحق عند نفسه لذلك لبس الضنى مشاكلة، وقال: «لباس الحداد» لما بينهما من المزية». وقريب من هذه الإشارة قولي (٦): [من السريع]

стр. 6079

كأَنَّما عارضه عندما … مثل فيه الشَّعرُ ما مثلا صحيفة الكاتب لم يستطع … يكتب فيها غيرَ أَنْ يَسْمَلًا ومنهم: [٣٤٢] ابن جميل، وهو عمار بن علي بن جميل (١) مكان كل تأميل، وموضع كل إحسان، ومرضع كلمه كل لسان، وناظم كل جمان، وراقم كل بُرد لا يبليه الزمان، لا تحوم الفراقد إلا على مجرته، ولا تحمل بنات أم النجوم إلا على أسرته. قال ابن رشيق (٢): «كان قادرًا على الشعر، متوسط الطبع، يحبّ حوشي الكلام، وعويص اللغة، يرى ذلك قوة وفصاحة، وكان مُرّ المذاق، شرس الأخلاق». ومما أنشد له قوله (٣): [من الوافر] فيا مَنْ لا يُسَمِّيهِ لساني … ولا ينفك وهوَ بِهِ صَمُوتُ ولولا ما يتم به سقامي … لَمَا عَلِمَ الوُشاة بما لقيت ومنهم: [٣٤٣] الرفيق وهو إبراهيم بن القاسم الكاتب (٤). شاعر أي شاعر تقف الوفود حول بيته والمشاعر. عُني بعلم التاريخ وأتقنه واطلع عليه، فلم يثبت إلا ما يتقنه. أحطى أخبار الأمم، فطوى عليها صحفه ونشرها، ووقت لها يوم قرأته وساقها إليه وحشرها. قال ابن رشيق (٥): «سهل الكلام محكمه، لطيف الطبع قويه. غلب عليه اسم

стр. 6080

الكتابة، وعلم التاريخ، وتأليف الأخبار». ومما أنشد له قوله (١): [من الطويل] إذا ما ابن شهر قد لَبِسْنا شَبَابَهُ … بَدَا آخر من جانب الأُفْقِ يَطْلُعُ إلى أَنْ أَقرَّتْ جِيْزَةُ النيل أعينا … كما قرَّ عينًا طاعن حين يرجع يقودُ عِتاقَ الأعوجيةِ شُرَّبًا … تمرُّ كما مرَّ السَّحابُ المُقَرَّعُ من عفرةٌ صُفْرٌ كأَنَّ جلودها … تُعَلُّ بماء التبر بل هي أنصعُ وورد كتوريد الحُدودِ مَلاحَةً … وشُهْبٌ كأمثال الدراري لُمَّعُ وبُلْقٌ شهيراتٌ كأَنَّ مُتُونَها … يُزَرُّ عليها العَبْقَرِيُّ المُصَنِّعُ وشُقْرٌ صَفَتْ ألوانها فكأَنَّها … تُعارُ صَفاءَ الرَّاحِ حينَ تُشَعْشَعُ ودهم كجنح الليل في جَنَبَاتِها … تَبَاشِيرُ صُبح أو كواكب تَلْمَعُ وكمت كلون الصِّرْفِ يختالُ بينَها … أَغَرُّ ضَبَابِيٌّ ونَهْدٌ مُجَنَّعُ وحو كريماتٌ أَبُوهُنَّ أَحْدَرُ … كما عَنَّ أَسرابٌ منَ العِينِ رُبَّعُ شباب كنُوَّار الربيع مُضاحِكًا … لشمسِ الضُّحى والروضُ رَيَّانُ مُمْرِعُ ويا ما اشرأبت في الأعنَّةِ عزّةً … كما تشريبُ العُفْرُ ساعةَ تُفْزِعُ وقوله (٢): [من البسيط] إذا أَرْجَحَنَّتْ بما تحوي مآزرها … وخفَّ مِنْ فوقها خَصْرُ ومُنْتَطَقُ ثنى الصبا غُصنًا قد غازلته صَبًا … على كثيبٍ لَهُ مِنْ ديمةٍ لَشَقُ للشمس ما سترت عنا محاجرها … وللغزال احورار العين والعُنُقُ مظلومةٌ أَنْ يُقال: البدرُ يُشبِهُها … والبَدْرُ يَظْلَمُ أَحيانًا ويَنْمَحِقُ يجلّل المتن وَحْفٌ مِنْ ذَوائبها … جبينها تحت داجي لَيْلِهِ فَلَقُ لأنها روضة زهراء حاليةٌ … بنَوْرِها يَرْتعِي فِي حُسْنها الحَدَقُ لولا ذكر الحدق في هذا البيت يجلبه من نصف القصيدة بل هي فوق ذلك حسنًا وملاحة، وإيجازًا وفصاحة، وليس في ألفاظ الكتابة العذبة مثل ما أتى به، ولا مستزاد عليه، ألا ترى كيف تانق فأعرب، ونمق فأعجب. ومن أعجب ما سمعته له قوله - أول نسيب قصيدة - يمدح محمد بن أبي العرب الكاتب: [من الطويل]

стр. 6081

أظالمة العينين لحظهما السِّحْرُ … وإِنْ ظُلِمَ الخَدَّانِ واهْتُضِمَ الخَصْرُ أَعُوذُ بِبِرْدٍ مِنْ ثَناياكِ قَدْ ثَنَى … إليكِ قُلوبًا حَشْوُ أَثْوَابِها جَمْرُ لقدْ ضَمِنتْ عيناكِ أَنَّ ضَمَانتي … ستَبري عِظامي بالنُّحولِ ولا تُبْرِي وما أُمُّ سَاجِي الطَّرْفِ خَفَّاقةُ الحَشَا … أَطاعَ لها الحوذان والسَّلَمُ النَّضْرُ إذا ما دعاها نَصَّتِ الجِيْدَ نَحوَهُ … أغنّ قصيرَ الخَطْوِ فِي عَظْمِهِ فَتَرُ بأَمْلَحَ منها ناظرًا ومُقَلَّدًا … ولكنْ عَدَانِي عَنْ تَقَنُّصِها الهَجْرُ مضاه أبكار الولا ليسَ إنها … مُنَعَمَةٌ هيفاء أو غادة بِكْرُ ومنها: يخالُ بأَنَّ العِرْض غيرَ مُوَفَّرٍ … عن الدم إلا أن يُدال لها الوَفْرُ توشح ديباج البلاغةِ أَحْرُفًا … تكَادُ تُرَى رَوْضًا يوشحُهُ الدَّهْرُ ويُفصحُ نَقْطًا خَيُّها عنْ فَصاحةٍ … ويُشرقُ مِنْ تحبير ألفاظها الحبر تُصيب عيون المُشكلات بديهةً … وتُبدِي لَهُ أَعْقَابَ مَا غَيَّبَ الفِكْرُ ومنها: وملمومة شهباء يسعى أَمامَها … شهاب غريم من طلاعته الذَّعْرُ يُرجي نبات الأعوجيةِ شُرَّبًا … عليها بنو الهيجا دروعُهُمُ الصَّبْرُ أُسُودُ وغَى َتحتَ العَجاجةِ غابُها … سُرَيجِيَّةٌ بِيْضٌ وخَطَّيَّةٌ سُمر صَبَحْتُ بها دهماء قومٍ أَرَتْهُمُ … وجوهَ الرّدى حُمْرًا خوافِقُها الصُّفْرُ وقوله: [من الطويل] هل الريحُ إِنْ سارَتْ مُشرِّقَةٌ تَسْرِي … تُؤَدِّي تَحيَّاتي إلى ساكني مصر فما خَطَرَتْ إلا بكَيتُ صَبابةً … وحمِّلْتُها ما ضاقَ عَنْ حملِهِ صَدْرِي لأني إذا هبَّتْ قَبُولًا بنشْرِهِمْ … شَممتُ نسيم المِسْكِ في ذلكَ النَّشْرِ وما أنسَ مِنْ شيءٍ خلا العهد دونَهُ … فليس بخالٍ من ضميري ولا فكري ليال لبسناها على غرَّةِ الصبا … فطابت لنا إذ وافقتْ غُرَّةَ الدهر لعمري لئن كانتْ قِصارًا أَعدُّها … فلستُ بمُعتد سواها من العُمْرِ أخادِعُ دهري أن يعود بفُرصَةٍ … فتنقد روحُ الوَصْلِ مِنْ راحةِ الهَجْرِ وتَرْجِعُ أَيَّامُ خَلَتْ بمعاهد … من اللهوِ لا تنفك مني على ذُكْرِ فكم لي بالأهرام أَوْ دَيْرِ نهية … مصايد غزلان المكابد والقفر إلى الجيزة الدنيا بما قَدْ تَضمَّنت … جزيرتها ذاتُ المَوَاجِير والجِسْرِ وبالمقس فالبستان للعين منظر … آسق إلى شاطي الخليج إلى القَصْرِ

стр. 6082

وفي سردوس مُسْتَرَادٌ ومَلعب … إلى دَيْر مرحنا إلى ساحل البحر وكم بين بستان الأميرِ وقَصْرِهِ … إلى البركة الزهراء مِنْ زَهْرِهِ نَضْرُ تَرَاهَا كَمِرآة بَدَتْ في رَفارفٍ … من السُّنْدُسِ المَوْشِيِّ يُنشرُ للبحر وكم بتُ في دَيْرِ القُصيرِ مُواصلًا … نهاري بليلي لا أُفيق منَ السُّكْرِ يُباكرني بالرَّاحِ بِكُرٌ غَريرَةٌ … إِذا هَتَفَ الناقوس في غُرَّةِ الفَجْرِ مَسِيحِيَّةٌ غوطيَّةٌ كلما انثنتْ … تَشكَّتْ أَذَى الزُّنارِ مِنْ دِلَّةِ الخَصْرِ وكم ليلة لي بالقرافَةِ خِلْتُها … بما نلت من لذاتها ليلةَ القَدْرِ سقى اللهُ صَوْبَ القَطْرِ تلكَ مَغَانِيًا … وإِنْ غَنِيَتْ بالنبل عنْ مُسْبَلِ القَطْرِ ومن رثائه (١): [من الطويل] وهَوَّنَ ما أَلْقَى وليسَ بِهَيِّن … بأنَّ المنايا للنفوس بمَرْصَدِ وأَنِّي إِنْ لم أَلقَكَ اليومَ رائحًا … بِصَرْفِ رَزَاياها لَقِيتُكَ في غَدِ ولا يُبْعِدَنْكَ اللهُ ميتًا بقفرةٍ … مُعَفَّرَ خَدٍ في الثرى لمْ يُوَسَّدِ تَرَدى نَجِيعًا حينَ بُرِّتْ ثِيابُهُ … كأَنَّ على أَعْطَافِهِ فَضْلُ مِجْسَدِ مَضاءُ سنان في سِنانٍ مُذَلَّقٍ … وفتكُ حُسام في حُسام مُهَنَّدِ وقال (٢): «حق الثريا أن يكون مثيرًا للشجن، مهيجًا للحزن على هذا الأسلوب، وفي هذا المعنى». ومنهم: [٣٤٤] ابن حيان الكاتب وهو محمد بن عطية (٣). زهت به رياض القول الأنيقة، وأعطت القوس باريها مجازًا والقلم حقيقةً. مضرم قريحة تركت الخواطر في يباب، وفحول عطية كأبيه من عطيات الشباب. قال ابن رشيق (٤): «شاعر ذكي متوقد تطيعه المعاني، وينساغ له التشبيه، وتحضره البديهة».

стр. 6083

ومما أنشد له قوله، ومثله في الرشاقة والملاحة والإيجاز العجيب: [من الوافر] رأيت الدار موحشةً رُباها … تَعَاوَرَها البكا حتى محاها فكدتُ أشك فيها غير أني … شممت المسك ينفح من ثراها فَوَا أَسَفِي على مَنْ بانَ عَنْها … وآها ثُمَّ آها ثم آها ومن مليح تشبيهه قوله بين يدي نصير الدولة بديهة، وهم يشربون ليلًا على شاهقة، والعسكر في قرار الأرض، وقد أمره بصفة الحال: [من السريع] بتنا بِدَيْرِ الرَّاحِ في شاهِقٍ … ليلًا على نَعْمَةِ عُوْدَيْنِ والنار في الأرض التي دُونَنَا … مثلُ تُخُومِ الأَرضِ في العَيْنِ فيالَهُ من منظرِ مُوْنِقٍ … كَأَنَّنا بينَ سَمَائِينِ وقوله: [من المنسرح] كأَنَّما الفحم والزناد وما … تفعله النار فيهما لَهَبا شيخ منَ الزَّنْج شابَ مَفْرِقُهُ … عليهِ دِرْعٌ مَنْسُوجَةٌ ذَهَبًا وقال يشبه شجر الخلاف: [من الطويل] وحامل أوراقِ الخِلافِ كأَنَّها … سُجُوفُ لُجَيْنِ قَدْ بَدَا وَزَبَرْجَدُ وإلا أكف البِيْضِ فَوْقَ بُطُونِها … سوى أظهر منها خضابٌ مُرَدَّدُ وقوله في المشمش: [من البسيط] ومشمش ما بدا يومًا لذي بَصَرٍ … إلاّ وسَبَّحَ بينَ العُجْبِ والعَجَبِ كأَنَّ مَخْبَرَهُ وصفًا ومنظرَهُ … شَهْدٌ تَكَنَّفَهُ قِسْرٌ مِنَ الذهب ومن تشبيهه أيضًا قوله: [من الكامل] وكأَنَّما الصُّبحُ المُطِلُّ على الدُّجى … ونُجُومَهُ المتأخرات تُقَوَّضُ (١) نهرُ تَعَرَّضَ في السَّماءِ وحَولَهُ … أَشجارُ وَرْدٍ قَدْ تَفَتَّحَ أَبْيَضُ (٢) ومن مليح ابن حيان في المقطعات: [من الخفيف] إِنَّ وَرْدًا ونَرْجِسًا في أَوَانٍ … خَبَّراني عَنْكَ الذي خَبَّرَاني باحمرار في صَحْنِ خدَّكِ بادٍ … وومِيضٍ مِنْ طَرْفِكَ الوَسْنانِ وقوله: [من الطويل] وكم جَزْعِ وادٍ قَدْ جَزَعْنا وصَخْرَةٍ … بأمثالِها مِنْ خَيْلِنا فيهِ تُرْجَمُ

стр. 6084

فباتَت بأعلى شاهِقٍ مُتَمَنَّعِ … تَرى الطير فيها دونَهُ وهيَ حُوَّمُ كأنَّ الأثافي حَوْلَ كُلِّ مُعَرَّسٌ … - تركناهُ - عُريان على الأرضِ جُمُ وقوله: [من الكامل] ذاك الذي يمشي بقد هابِطٍ … قِصَرًا وقرْنٍ في السحابة صاعد شيخٌ لَقَوّام الأُيُورِ سُجُودُهُ … من دون قيوم السماء الواحد في دارِهِ يجدُ المُنى مَنْ يَشْتَهي … قبضَ الغَزالة والغزال الشارد ومنهم: [٣٤٥] محمد بن ربيع (١) من قرية تيونش طمح فضله كلّ مطمح، وطرح فعله كل مطرح، فجاور الجوزاء، وجاور قبلها الأعزاء، فأشعل ذهنه البروق في مواقدها، وأشغل جفنه السيوف في مراقدها، واستودع خاطره سرّ الربيع الممطر، والنسيم المتخطر، فسار عنه حتى قطع البر المقفر، وسطع الصباح في الليل المقمر، وبرع أدبًا، ورفع أبًا، وطلع فودت السماء إذ لم تكن شمسها له تربًا، أن تكون له تُربًا. قال ابن رشيق (٢): «شاعر مشهور مجوّد، حسن النمط، حلو التغزل، مليح المعاتبات». ومما أنشد له قوله (٣): [من السريع] يا درة تُشْرِقُ في السِّلْكِ … لولا بعادي منك لم أَبْكِ كأَنَّ ذلي بعدَ عِزّ الرضا … ذلّة مخلوعِ مِنَ المُلْكِ وقوله (٤): [من الوافر] بحُرمتِكَ التي عَظُمَتْ لَدَينا … ونعمتِكَ التي صارت إلينا أَجِرْنِي أَنْ يباديني بلقب … أرى الإغضاءَ مِنِّي عنهُ عِيَّا ولا تُوقِعُ عَلَيَّ أسمًا مُعارًا … بلا معنى فلستُ بتُونِسيًا

стр. 6085

وإنْ أَكُ قَدْ رَضِيْتُ بِهِ مَجَازًا … وأوجَبَهُ الرِّضا حكمًا عليا وذات ملابس زِيْنَتْ بحَلْيٍ … فَقَبَّحَت الملابس والحليا ومنهم: [٣٤٦] أبو إسماعيل الكاتب وهو إبراهيم بن غانم بن عبدون (١). عالي النمط، لا يقنع بالدون، ولا يرتع في أرض الهدون. يُنزّه النفس العانية في مستنزه آبق، ويطلقها من هم ما كادت منه تنطلق، وله معانٍ أدق من عقود النظام، وأخفى من حدود النظام، بفكرٍ أسرع من السيل المنحدر، وذهن أقطع من السيف المبتدر. قال ابن رشيق (٢): «كان كتابي الشعر، رشيق المعاني، وجيزها، منفردًا بعلم المساحات والأشكال، ملغزًا في التشبيهات، مولعًا بالتلويح والإشارات». ومما أنشد له قوله في فوّارة (٣): [من المتقارب] وفوّارة ماؤها رقّةً … يفيضُ على كل راء لها إذا قابلتهُ كَسَا الحاضرين … كساها عمومًا لها شكلها تفيض عليهم بمثلِ الغَما … مِ أَتبع وابلها طلها يَصُوْبُ فيُغرِقُ إِيْوَانَهُمْ … وَيَخْرُجُ منه وما بَلَّها تأرَّجُ كاساتُهُمْ رِقّةٌ … وتَظهَرُ فيها وما حَلَّها صنع الناس في هذا الفن كثيرًا، وصنعت أنا (٤): [من البسيط] يا حبذا من بنات الشمس سائلةً … على جَوَانبِها تَهْفُو المصابيح كأَنَّها رَبُوةٌ صَمْعاءُ كَلَّلَها … نَوْرُ البهار وقد هَبَّتْ بها الريح وقوله في ثريا الجامع (٥): [من الطويل]

стр. 6086

ومجلس تقوى يستوي الناس عندَهُ … جُلُوسًا صُمُوتا فهو أوقر مجلس قناديله من وَحْشَةِ الليل داجيًا … هداية أبصار وإيناس أَنْفُس يُضيء بها صافي الزجاج كَضَوتِها … فتبهرُ لَحظ الناظر المتفرس كأن تُرَياهُ نجوم تألفت … تألقًا في داج من الليل جندس كأن القناديل المُدارة حَوْلَها … جُفُونٌ رَنَتْ مِنْهُنَّ أَعِينُ نَرْجِسِ كحسناء رَقَّتْ في حُلِيَّ مَصُونة … وفي حُلَلٍ مِنْ تحت خرِّ مُوَرَّس تجول لطيفات الحجا في نُعوتها … فتأتي بتشبيه بديع مُجَنَّسِ ومنهم: [٣٤٧] ابن البغدادي، عبد الله بن محمد (١) من أهل قفصة، كان أبوه ظريفًا لبقًا، فلقب بالبغدادي، وجده من الوهط، قرية بالطائف. جنى من تلك الشعاب شهده، وجلب من تلك الحِبَرَاتِ بُرْدَهُ، وأتى من جانب نعمان يهب نسيمه، ويعرف بمجالسه نُعم نعيمه، وهو وإن لم يكن عراقيًا فضله معرق، وشخصه من المغرب، وخفة روحه من المشرق. قال ابن رشيق (٢): كان في شعره «كأَنَّه جاهلي المرمي، قفري الأسلوب، يخاله السامع فحلًا يهدر، وأسدًا يزأر». ومما أنشد له قوله (٣): [من المديد] فَرَحِي في أن أقبلَهُ … فإذا قبلته خَرِدا كم شممت المسك أونةً … مِنْ ثَنَاياه وقد رَقَدا واضعًا كفي وسادته … جاعل الأخرى له سَنَدا وأنا مُذْ كنتُ أَحْذَقُ مَنْ … حَلَّ هُميانًا ومن عِقْدا جل ما يبقى نباغته … أنجب المنصور إذْ وَلَدا

стр. 6087

قد تجللت الملك في شَرَفٍ … ما تَنَفَسْنا له الصُّعَدا في مُعِزّ قدْ أَذَلَّ له … سيفُهُ شيطانَ مَنْ عندا حُسِبَتْ أَيام دولتِهِ … لا عَدِمناه له أَبدا أنا أرجو أن يقال لَدَى … حاجةٍ إنْ قال قلت لدا فعسى ألقى الخؤولة من … خندف أو أعقل البلدا فلهذا قد أضاء لنا … من ذراه البرق واتقدا فسقاه الله من جبل … ظنّه قد هم أن يردا قال: وهذا عجب في البلاغة والمثل. وقوله؛ في قريب من ذلك يخاطب سيفًا، وهو يرى أنه يخاطب صاحبًا وإن كان أقوى طبعًا، وأفخم كلامًا (١): [من الكامل] أزرى بلبك شادن ذو طرطقٍ … يَسْبِي العُقار ويعقد الزنارا ولقد شكوتُ إليه بعض صَبَابَتِي … فَحَنَا وقال: أرى بقلبك نارا وعقدت في ألحاظه فوهبتُهُ … خمسينَ مِنْ ضَرْبِ المُعزّ كِبارا وأنا كما لمْ يَخْفَ عنك خلائقي … أَسْقِي العُقار وأُتلف الدينارا في ليلة حلفت عليّ بطبها … لأُقَطِّعَنَّكَ إِنْ شَرِبْتَ نَهارا ولأسْتُرَنَّ البدر عنكَ بِظُلْمَتي … فتكون في ليل التمام سرارا يا ضاربًا في الأرضِ سَلْ عَنْ صَبْرِهِ … تلقى بها مَلِكًا وتَحْمَدُ جارا فإذا رَجَعْتَ إلى بلادِكَ سالمًا … حدَّثت عنه أهلها الأخبارا وأخذ يتمادى في صفات الليل والكواكب، فقال وقد ذكر حلول المريخ ودوران النجوم المتحدرة إلى طالعه (٢): [من الكامل] وكأَنَّه سيف الزمانِ مُجَرَّدا … للنائباتِ فلا يزالُ خَضِيبا وكأنني لتلاعب الأيام بي … زُحَلَّ لبست ثيابها مَقْلُوبا قال: وهذا بديع لم أسمع مثله. ومنهم:

стр. 6088

[٣٤٨] ابن ميخائيل وهو محمد بن الحسين بن أبي الفتح القرشي (١): من أهل سوسه وأوطن القيروان، وأوطيء الثريا يدور على أعقابها الدَّبران. أضاء كوكبه في مضر، وفاء دوحه وأينع بالشمر، وقال فيه قاتل وفَجَر، وساء سمعًا، فساء إجابةً، وألْقَمَ الحجر. ذكره ابن رشيق، وقال (٢): «هو صعب المكان في الشعر، شديد الانتقاد على مذهب قدامة بن جعفر الكاتب، طالبًا للحقائق، قليل الاستعارة، وربما سَربَلَ لفظة كُرَّة واحدة، وعبث فَمَلْح، كقوله في غُلام» (٣): [من السريع] صُورٌ عَبْدُ اللهِ مِنْ مِسْكَةٍ … وَصُورُ النَّاسِ مِنْ الطِّيْنِ أَبْدَعَهُ اللهُ فَحَسَّنَهُ … كَمِثْلِ خُورِ الْجَنَّةِ العَيْنِ مُهَفْهَفُ الْقَدِّ هَضِيْمُ الْحَشَا … يَكَادُ يُنْقَدُ مِنَ اللَّيْنِ كَأَنَّ فِي أَجْفَانِهِ مُنْتَضَى … سَيْفٌ عَلَيَّ يَوْمَ صِفِّينَ وقوله (٤): [من الخفيف] كُلَّمَا هَاجَ بِي العِنَّانُ أَرَانَا … مَوْجُ بَحْرٍ إِذَا طَمَى تَيَّارُهُ يُرْجِمُ الْأَرْضَ بِالْحَوَافِرِ وحْيًا … فَهْوَ رَحْمٌ يَفُوتُنَا إِيصَارُهُ ومنهم: [٣٤٩] أبو الطاهر المطرز وهو إسماعيل بن علي الربعي (٥). ما طرز شبيهه في وشي صنعاء مُسْهَمُ البرود، ولا دُبِّجَ مثله آسُ العذار لورد الخدود، ولا رأى أحد نظير طرَزِه البديع ولا توهم، ولا جُرَّ مثله ثوب النهار المدبج ورداء الليل المُسْهَم.

стр. 6089

قال ابن رشيق (١): «هو شاعر مذكور، جيد المعرفة بالعروض، طلاب الاستعارة، لو لم يجد لم يتكلم إلا بها». ومما أنشد له قوله (٢): [من البسيط] أشكو إلى اللهِ قلبًا والهًا أبدًا … لا يستفيقُ ولا يصحو مَدَى الأَبَدِ كأَنَّهُ في مَدَى الأَشوَاقِ مُرْتَهَنٌ … مُطالَبٌ بانتزاع الصَّبْرِ والجَلَدِ إذا انتهى في الهوى أقصى نِهَايَتِهِ … يعودُ مُبتديًا في أَوَّلِ الكَمَدِ وقال (٣): «عجبتُ لمن يعدو هذه الطريقة إلى غيرها من طرقات الشعراء إلا على سبيل اليقين، وإظهار القدرة». وقوله (٤): [من الوافر] كأَنَّ يدًا تخط على صَبَاحٍ … كمثل وصاله ليلًا بصَدِّه سَبَاني طَرْفُهُ فَطَرِبْتُ شَوْقًا … إليهِ وقَدَّ قَلْبي حُسْنُ قَدِّه وقوله (٥): [من الوافر]. رأيتُ من استهام به فُؤادي … فحيَّاني وأحيا بالسلام فكانَ يَرَى مَكَانَ هَوَاهُ مِني … وما أُخفيهِ مِنْ فَرْطِ السَّقامِ ومنهم: [٣٥٠] الدركادو وهو لقب عُرف به عبد الملك بن محمد التميمي (٦). صاحب نظم نشرت دواوينه، وأطاعته موازينه جعل القلب الخادم له مسرورًا، وثنى الفكر القاصر عن وصفه مأسورًا، وغل يد كل بليغ إلى عنق قلمه ملومًا محسورًا. قال ابن رشيق (٧) وقد ذكر كلامه: «يفهم نجواه من فحواه، ولا يكاد يحسب

стр. 6090

شعره موزونًا، ولا القوافي مشهورة لقلة تكلّفه وركوبه الأعاريض القصار، وربما قبض من عنانه فاشتدّ منه، ولا أعلم في عصرنا أحلى من طريقه». وأنشد له (١): [من مجزوء الرمل] وأناجي الوَصْلَ يَومي … وغَدًَا مَيْتَ الصُّدُودِ أنشد ابن رشيق هذا؛ لتعلم كيف يغرر في ركوب ثَبَج هذه البحور. قال (٢): ومن أبدع ما قيل في رقة الخمر: [من الكامل] من قهوة كانونها لَهَبٌ … في حين يخبو النُّورُ ما تَحْبُو تأتيكَ وَسْطَ القَعْبِ مائلةً … وكأَنَّما في وسطها القَعْبُ وله في رجل كبير الأنف (٣): [من السريع] نقر على المنقارِ إنْ كنتَ قد … أنكرتَ منهُ عِظَمَ الأَنفِ أَنفُ إذا أَقْبَلَ يمشي بِهِ … حَسِبْتَهُ يمشي إلى خَلْفِ لو أَنَّهُ مورده ما انتهى … فيهِ بَريد اليوم للنّصْفِ وله في أبخر (٤): [من الطويل] وأَخْشَمَ إِنْ مَثَلْتَ فاهُ وأَنفَهُ … فإِنَّهما ضدّانِ للمِسْكِ والنَّد لهُ نَكْهَةُ بخُرَاءُ بعد استفافِها … تُصَرِّعُ مُختالَ الذُّباب على البُعْدِ وله أيضًا (٥): [من السريع] ومنتن ذي بَخَرٍ خانق … تطرقُ مِنْ حِدَّتِهِ جَائِحَة ليستْ تَرَاهُ العَينُ مِنْ قِلَّةٍ … وإنما يُعرف بالرائحة وله أيضًا (٦): [من السريع] عِرْضُكَ في الأعراض مُستبشَعٌ … كأَنَّما فيه دماء القتيل وأَنتَ منْ نَتْنِ ومَنْ جِيفَةٍ … أشبه شيءٍ بِفُسًا بالعليل وله أيضًا (٧): [من السريع] ربَّ خِصَالٍ كَمُلَتْ في فتّى … أَحسَنَ شِبْهَ الأَبِ والأَمِ

стр. 6091

ليست بذم لا ولكنَّها … تُسقط صف الشاءِ للذم يعرفُهُ الأَكْمَهُ مِنْ نَتْنِهِ … مِنْ قبل أن ينطق بالشم ومنهم: [٣٥١] أبو العباس بن حديدة هو أحمد بن القاسم بن أبي الليث اللخمي (١). مالء عيان وممل أعيان، ومملي طروس بلجين وعقيان. باعه لا يُقصر وشعاعه مدد لعين المبصر، للختم به مثل فخارها بآل عباد، وادخارها لما يبقى على الآباد. هو ابن القاسم الذي كأنما انقسمت عنه نواضح النبال، وابن أبي الليث، ولكنه من أنجب الأشبال. قال ابن رشيق: «فكه الشعر، رائق التشبيه، مولع به، قليل التكلف، قوي المنهج والطرف، وله بديهة مرضية. جلست إليه يومًا وأنا نزيف، فسألني عن المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقي مُدام، فقلت في درج الكلام: [من مجزوء الكامل] وشَرِبتُها من راحتيـ … ـهِ كأَنَّها من وجْنَتَيهِ وكأنها في فِعْلِها … تَحكِي الذي في ناظريه وقلت له: أجِزْ، فقال بنشاط: [من مجزوء الكامل] وشممتُ وردَةَ خَدِّهِ … نَظَرًا ونَرْجِسَ مُقلتيه فقلت له: لقد جودت وأحسنت وأنت بالنظر كسماع أبي الطيب بالبصر إذ يقول (٢): [من الكامل] خَلَفَتْ صفاتُكَ في العُيونِ كَلامَهُ … كالخَطَّ يملأُ مَسْمَعَي مَنْ أَبْصَرَا» (٣)

стр. 6092

وقوله في دنو السحاب (١): [من الكامل] يا رُبَّ مُتَأَقَةٍ تَنُوءُ بِثِقْلِها … تَسْقي البلاد بوابل غَيْدَاقِ مرَّتْ فُويق الأرض تسحب ذيلها … واللوح يحملها على الأعناق ورَنَتْ فكادَ التَّرْبُ ينهض نحوها … كنهوض مُشتاق إلى مُشتاق فكأَنَّما جاءتْ تُقبّلُ تُربَها … أَوْ حاولت منها لذيذ عِناقِ وله في رمان (٢): [من السريع] كأَنَّما الرمان لما بدا … يهزه أعطافُ غُصْنٍ أَنيق حقاقُ عِقْيانٍ وقَدْ ضُمِّنَتْ … مَعَالِقًا مثقوبةً مِنْ عَقِيقٌ وله في النجوم (٣): [من الكامل] بينَ البُدُورِ النَّيِّراتِ سَوَافِرٌ … تهتزُّ في كُتُبِ بهنَّ غُصُونُ البُرْءُ ما أَهْدَتْ لهنَّ مَبَاسِمٌ … والسُّقْمُ ما بَعَثَتْ لهنَّ عُيونُ ولقد حَمى عَنْ مُقلتَيَّ كَرَاهُما … وُرْقٌ لهنَّ على الأَرَاكِ حَنينُ في ليلة لبس الحداد هواؤها … فَكَأَنَّما هو راهبٌ مَحْزُونُ قدْ رَضَعَتْ زُهْرُ النُّجوم سماءَها … فكأَنَّما هي لؤلو مَوضُونُ وكأَنَّها خَلَلَ الظَّلامِ رَوَانيًا … أحداقُ رُوْمٍ ما لهنَّ جُفُونُ وقوله (٤): [من الرجز] والليل ملقى كالأسير المُوثَقِ نُجُومُهُ وسط السماء ترتقي كلؤلو فَوقَ زُجاجِ أَزْرَقِ يقول فيها بعد أبيات: ورُبَّ رَوْدٍ كالهلال المُشْرِقِ تُزهى بصدغ فوق خد مونقِ كمثلِ نُونٍ عُرِّقَتْ في مُهرق نَعِمْتُ منه والدُّجَى لمْ يُشْقَقِ بالوصل حتى شاب رأس المشرق

стр. 6093

ثم ذكر البيداء فقال: كل فلاةٍ كالمجَنِّ سَمْلَقِ ألبسها الآلُ أَدِيمَ الزَّنْبَقِ وقوله في نجوم (١): [من مجزوء الرجز] يَا رُبَّ لَيْلٍ جِئْتُهُ … رِدَاؤُهُ لَمْ يُدْرَج تَبْدُو نُجُومُ سَمَائِهِ … مِثْلَ الذُّبَالِ الْمُسْرَجِ يَحْكِي قَلائِدَ لُؤْلُؤٍ … نُثِرَتْ عَلَى فَيْرُوزَجِ وَبَدَا الْمَجَرُّ كَجَدْوَلٍ … فِي وَسَطِ رَوْضِ بَنَفْسَجِ وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] لهفي على شرخ الشبا … بِ وعَصْرِهِ الخضر النواحي أيام ألبس للشبيـ … ـبةِ صافيًا ثوب ارتياح الهو بكل مليحة … هيفاء جائلة الوشاح تهتز في غُصْنٍ على … دِعْصِ وتبسم عن أفاح تضمي القلوبَ إِذا رَنَتْ … بلواحظ مَرْضَى صحاح في روضة صبغ الربيـ … ـع لنا شقائِقَها بِرَاحٍ نثرت بها الغر الغوا … دي لؤلؤ الماء القراح تبكي فيضحك معجبًا … من دمعها ثغر الأقاحي غنت حمائمُ أَيكِها … فيها بألسنة فصاح وتنفست عنْ نَوْرِها … بالمِسْكِ أنفاس الرياح وقوله في ثغر (٣): [من البسيط] يمشين زَهْوًا وقد أَسْبلنَ مِنْ خَفَرٍ … فُضُولَ رِيط على أبشار عقيان إذا ابتسمن لنا عن واضحٍ شَنِبٍ … كَشَفْنَ عن لؤلؤ أصداف مَرْجَانِ وقوله (٤): [من الكامل] أَوَمَا تَرَى الغَيْمَ المُعَرِّسَ باكيًا … يذري الدُّمُوعَ على رياضِ شَقِيقِ فكَأَنَّ قَطْرَ دُموعِهِ مِنْ … فَوْقِها در تبدَّدَ في بساطِ عَقِيقِ [قال ابن رشيق وأنشدنيهما فأجزتهما بأن قلت (٥)]:

стр. 6094

فاجمع إلى شَكْلَيهما بِزُجَاجةٍ … شَكْلَينِ مِنْ حَبَبٍ ولونِ رَحِيقِ فكَأَنَّمَا انتصرَا بِعَبْرَةِ عاشقٍ … مُهراقةٍ في وَجْنَتَي مَعْشُوقِ ومنهم: [٣٥٢] الصرائري وهو أبو الحسن، محمد بن أحمد بن خليفة (١). من أهل تونس. وبها منمى أدبه، ومرمى شُهبه ومرأى ما أدرك من طلبه. وطيء الثريا بأخمصه، ومني منه البدر بتنقصه، وجلا من الآداب ضرائر النجوم، وأبدى سرائر الغيوم، وخط دوائر تخرج منها البحور، ويخرج اللآلئ لتُقَرِّطَ المسامع، وتقلّد النحور. قال ابن رشيق (٢): «وكان متعنيًا بالكلام متعلّقًا فيه، لا يبالي حيث وضع لسانه بمسل إلى معنى ابن حجاج البغدادي. وكان يصحب القاضي حسين بن مهنا الفاسي وأخذ بزيه في ترك شاربه لا يخفيه تشبهًا برجال صنهاجة، فشكاه إليه بعض أصحابه، ومما قال له: أنا ظلمتك؛ لأني جعلتك تنفخ شاربك على الناس، يعني أنك صرت تتكبر، فسكت الصرائري ثم انصرف فقص شاربه وأودعه رقعة كتب فيها: [من السريع] الله يا قاضي على ما أَرَى … أَراحني منك ومِنْ كَاتِبِك كسبتُ في أيامكم شاربًا … فَخُذْهُ والسَّلْحُ على شارِبِك ثم بعث بها إليه». ومما أنشد له قوله في العناق (٣): [من السريع] ثُمّ اعتنقنا فَتَرَانا معًا … في ظُلْمَةِ العَتب ونور العتاب جسمين صارا في الهَوَى واحدًا … كَشَكْلَتين اختلطا في الكتاب ومنهم:

стр. 6095

[٣٥٣] الفراسي، عبد الرحمن بن محمد (١) من قرية تعرف ببني فراس جوار تونس. وإليها ينسب. فريد لا يطرد بمثله القياس، ولا تنقض بقواعده الأساس، وجاء بكل غريبة قيد لها كل رأس، وعجيبة قيل لها: - لا والله - يا أخت بني فراس. ولع بالهجاء حتى أتى فيه على كل الحروف، ورمى أقمار العصر بالكسوف، وشموسه بالخسوف، وركب مجاهله، وما توقّى الخطر، ولا خاف عواقب البطر. قال ابن رشيق (٢): «كان كثير المهاجاة، قليل المدارة، صحب الصرائري وجاراه». ومما أنشد له قوله (٣): [من الكامل] أتُرى جَمِيلًا أَنْ تُعَذِّبَ في الهوى قلبي … وقدْ عَبِثْتَ بهِ عَيناكا ولقد عكفت على هَوَاكَ أَلومُهُ … فأبى وأقسم لا يُحبُّ سِوَاكا ومنهم: [٣٥٤] علي بن أبي علي الناسخ (٤) مقتدر لا يعاصيه الفكر الطيّع ولا يلاويه الخاطر المتشيع، يحدّب عن النشوة الأسماء، ويحدث بصنيعه النشوة ولا خمار، أضحى في قرار الفضل راسخا، وأنسى من تقدّم، فكان لملل الشعراء ناسخا. قال ابن رشيق (٥): «يطالب البديع، ويُحبّ التصنيع».
следующие страницы →