← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

ليست بذم لا ولكنَّها … تُسقط صف الشاءِ للذم يعرفُهُ الأَكْمَهُ مِنْ نَتْنِهِ … مِنْ قبل أن ينطق بالشم ومنهم: [٣٥١] أبو العباس بن حديدة هو أحمد بن القاسم بن أبي الليث اللخمي (١). مالء عيان وممل أعيان، ومملي طروس بلجين وعقيان. باعه لا يُقصر وشعاعه مدد لعين المبصر، للختم به مثل فخارها بآل عباد، وادخارها لما يبقى على الآباد. هو ابن القاسم الذي كأنما انقسمت عنه نواضح النبال، وابن أبي الليث، ولكنه من أنجب الأشبال. قال ابن رشيق: «فكه الشعر، رائق التشبيه، مولع به، قليل التكلف، قوي المنهج والطرف، وله بديهة مرضية. جلست إليه يومًا وأنا نزيف، فسألني عن المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقي مُدام، فقلت في درج الكلام: [من مجزوء الكامل] وشَرِبتُها من راحتيـ … ـهِ كأَنَّها من وجْنَتَيهِ وكأنها في فِعْلِها … تَحكِي الذي في ناظريه وقلت له: أجِزْ، فقال بنشاط: [من مجزوء الكامل] وشممتُ وردَةَ خَدِّهِ … نَظَرًا ونَرْجِسَ مُقلتيه فقلت له: لقد جودت وأحسنت وأنت بالنظر كسماع أبي الطيب بالبصر إذ يقول (٢): [من الكامل] خَلَفَتْ صفاتُكَ في العُيونِ كَلامَهُ … كالخَطَّ يملأُ مَسْمَعَي مَنْ أَبْصَرَا» (٣)

стр. 6092

وقوله في دنو السحاب (١): [من الكامل] يا رُبَّ مُتَأَقَةٍ تَنُوءُ بِثِقْلِها … تَسْقي البلاد بوابل غَيْدَاقِ مرَّتْ فُويق الأرض تسحب ذيلها … واللوح يحملها على الأعناق ورَنَتْ فكادَ التَّرْبُ ينهض نحوها … كنهوض مُشتاق إلى مُشتاق فكأَنَّما جاءتْ تُقبّلُ تُربَها … أَوْ حاولت منها لذيذ عِناقِ وله في رمان (٢): [من السريع] كأَنَّما الرمان لما بدا … يهزه أعطافُ غُصْنٍ أَنيق حقاقُ عِقْيانٍ وقَدْ ضُمِّنَتْ … مَعَالِقًا مثقوبةً مِنْ عَقِيقٌ وله في النجوم (٣): [من الكامل] بينَ البُدُورِ النَّيِّراتِ سَوَافِرٌ … تهتزُّ في كُتُبِ بهنَّ غُصُونُ البُرْءُ ما أَهْدَتْ لهنَّ مَبَاسِمٌ … والسُّقْمُ ما بَعَثَتْ لهنَّ عُيونُ ولقد حَمى عَنْ مُقلتَيَّ كَرَاهُما … وُرْقٌ لهنَّ على الأَرَاكِ حَنينُ في ليلة لبس الحداد هواؤها … فَكَأَنَّما هو راهبٌ مَحْزُونُ قدْ رَضَعَتْ زُهْرُ النُّجوم سماءَها … فكأَنَّما هي لؤلو مَوضُونُ وكأَنَّها خَلَلَ الظَّلامِ رَوَانيًا … أحداقُ رُوْمٍ ما لهنَّ جُفُونُ وقوله (٤): [من الرجز] والليل ملقى كالأسير المُوثَقِ نُجُومُهُ وسط السماء ترتقي كلؤلو فَوقَ زُجاجِ أَزْرَقِ يقول فيها بعد أبيات: ورُبَّ رَوْدٍ كالهلال المُشْرِقِ تُزهى بصدغ فوق خد مونقِ كمثلِ نُونٍ عُرِّقَتْ في مُهرق نَعِمْتُ منه والدُّجَى لمْ يُشْقَقِ بالوصل حتى شاب رأس المشرق

стр. 6093

ثم ذكر البيداء فقال: كل فلاةٍ كالمجَنِّ سَمْلَقِ ألبسها الآلُ أَدِيمَ الزَّنْبَقِ وقوله في نجوم (١): [من مجزوء الرجز] يَا رُبَّ لَيْلٍ جِئْتُهُ … رِدَاؤُهُ لَمْ يُدْرَج تَبْدُو نُجُومُ سَمَائِهِ … مِثْلَ الذُّبَالِ الْمُسْرَجِ يَحْكِي قَلائِدَ لُؤْلُؤٍ … نُثِرَتْ عَلَى فَيْرُوزَجِ وَبَدَا الْمَجَرُّ كَجَدْوَلٍ … فِي وَسَطِ رَوْضِ بَنَفْسَجِ وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] لهفي على شرخ الشبا … بِ وعَصْرِهِ الخضر النواحي أيام ألبس للشبيـ … ـبةِ صافيًا ثوب ارتياح الهو بكل مليحة … هيفاء جائلة الوشاح تهتز في غُصْنٍ على … دِعْصِ وتبسم عن أفاح تضمي القلوبَ إِذا رَنَتْ … بلواحظ مَرْضَى صحاح في روضة صبغ الربيـ … ـع لنا شقائِقَها بِرَاحٍ نثرت بها الغر الغوا … دي لؤلؤ الماء القراح تبكي فيضحك معجبًا … من دمعها ثغر الأقاحي غنت حمائمُ أَيكِها … فيها بألسنة فصاح وتنفست عنْ نَوْرِها … بالمِسْكِ أنفاس الرياح وقوله في ثغر (٣): [من البسيط] يمشين زَهْوًا وقد أَسْبلنَ مِنْ خَفَرٍ … فُضُولَ رِيط على أبشار عقيان إذا ابتسمن لنا عن واضحٍ شَنِبٍ … كَشَفْنَ عن لؤلؤ أصداف مَرْجَانِ وقوله (٤): [من الكامل] أَوَمَا تَرَى الغَيْمَ المُعَرِّسَ باكيًا … يذري الدُّمُوعَ على رياضِ شَقِيقِ فكَأَنَّ قَطْرَ دُموعِهِ مِنْ … فَوْقِها در تبدَّدَ في بساطِ عَقِيقِ [قال ابن رشيق وأنشدنيهما فأجزتهما بأن قلت (٥)]:

стр. 6094

فاجمع إلى شَكْلَيهما بِزُجَاجةٍ … شَكْلَينِ مِنْ حَبَبٍ ولونِ رَحِيقِ فكَأَنَّمَا انتصرَا بِعَبْرَةِ عاشقٍ … مُهراقةٍ في وَجْنَتَي مَعْشُوقِ ومنهم: [٣٥٢] الصرائري وهو أبو الحسن، محمد بن أحمد بن خليفة (١). من أهل تونس. وبها منمى أدبه، ومرمى شُهبه ومرأى ما أدرك من طلبه. وطيء الثريا بأخمصه، ومني منه البدر بتنقصه، وجلا من الآداب ضرائر النجوم، وأبدى سرائر الغيوم، وخط دوائر تخرج منها البحور، ويخرج اللآلئ لتُقَرِّطَ المسامع، وتقلّد النحور. قال ابن رشيق (٢): «وكان متعنيًا بالكلام متعلّقًا فيه، لا يبالي حيث وضع لسانه بمسل إلى معنى ابن حجاج البغدادي. وكان يصحب القاضي حسين بن مهنا الفاسي وأخذ بزيه في ترك شاربه لا يخفيه تشبهًا برجال صنهاجة، فشكاه إليه بعض أصحابه، ومما قال له: أنا ظلمتك؛ لأني جعلتك تنفخ شاربك على الناس، يعني أنك صرت تتكبر، فسكت الصرائري ثم انصرف فقص شاربه وأودعه رقعة كتب فيها: [من السريع] الله يا قاضي على ما أَرَى … أَراحني منك ومِنْ كَاتِبِك كسبتُ في أيامكم شاربًا … فَخُذْهُ والسَّلْحُ على شارِبِك ثم بعث بها إليه». ومما أنشد له قوله في العناق (٣): [من السريع] ثُمّ اعتنقنا فَتَرَانا معًا … في ظُلْمَةِ العَتب ونور العتاب جسمين صارا في الهَوَى واحدًا … كَشَكْلَتين اختلطا في الكتاب ومنهم:

стр. 6095

[٣٥٣] الفراسي، عبد الرحمن بن محمد (١) من قرية تعرف ببني فراس جوار تونس. وإليها ينسب. فريد لا يطرد بمثله القياس، ولا تنقض بقواعده الأساس، وجاء بكل غريبة قيد لها كل رأس، وعجيبة قيل لها: - لا والله - يا أخت بني فراس. ولع بالهجاء حتى أتى فيه على كل الحروف، ورمى أقمار العصر بالكسوف، وشموسه بالخسوف، وركب مجاهله، وما توقّى الخطر، ولا خاف عواقب البطر. قال ابن رشيق (٢): «كان كثير المهاجاة، قليل المدارة، صحب الصرائري وجاراه». ومما أنشد له قوله (٣): [من الكامل] أتُرى جَمِيلًا أَنْ تُعَذِّبَ في الهوى قلبي … وقدْ عَبِثْتَ بهِ عَيناكا ولقد عكفت على هَوَاكَ أَلومُهُ … فأبى وأقسم لا يُحبُّ سِوَاكا ومنهم: [٣٥٤] علي بن أبي علي الناسخ (٤) مقتدر لا يعاصيه الفكر الطيّع ولا يلاويه الخاطر المتشيع، يحدّب عن النشوة الأسماء، ويحدث بصنيعه النشوة ولا خمار، أضحى في قرار الفضل راسخا، وأنسى من تقدّم، فكان لملل الشعراء ناسخا. قال ابن رشيق (٥): «يطالب البديع، ويُحبّ التصنيع».

стр. 6096

ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط] يا دهر مالك لا ترثي لمكتئب … ما بات منك خليًا قطُّ مِنْ كُرَبِ لم يَنْبُ نابكَ عن عصر بفادحة … عظمى تصفّر عنها معظم النوب لم يكفِ صَرْفَكَ صَرْفي عنْ ذَوي ثقتي … حتى تعقَّبَ بالتفريق في عَقِبِي ابن وكان أبًا لي في محبّتِهِ … أَمسى بأرض الفَلَا فَرْدًا بغير آب أَمْسَيتُ في وطني في مثلِ غُربتِهِ … يا مَنْ لمُغترب باك لمُغترب لئن تخليت مني يا مدى أملي … لقد تخليت من لهوي ومن طربي وكيف ألهو بأرض لستَ ساكنَها … أَمْ كيفَ أَسكُنها هذا مِنَ العَجَبِ ما الغَرْبُ أَرْضِي فقد أمسيتُ مُغتربًا … عنه بل الشرقُ إِذْ شَرَّقْتَ أَشْبَهُ بِي لأطلبن به نفسي التي ذهبتْ … أَوِ الذهاب كلا الحالين منْ طَلَبِي قال (٢): «وهذا كلام يظهر عليه التوجع والتفجع، وتشوبه رأفة الإشفاق، ورقة الاشتياق حتى تدرّ عليه الجفون بحلب الشؤون، وليس يخفى على أحد ممن يعرف الكلام حسن هذا التجريح، والتلطف في الاعتذار عما فعل الغلام. وإن هذا الشعر ليهونُ رزية من أصابه مثل هذا المصاب في ولده، حتى يسهل على الآباء فقد الأبناء، وتجسّر الغلمان على مفارقة الأوطان». وقوله (٣): [من البسيط] منْ لمْ يُطِقْ رِحْلَةً حُبًّا لموطِنِهِ … فإنَّ أوطانَ قوم بغِضَّتْ وطني أَرضٌ بها سَكَن لي قدْ كَلِفْتُ بِهِ … وخيرُ سُكنايَ أَرضٌ حَلَّها سَكَني أصبحت مملوك من قد كنتُ مالكه … كذا العجائب في تصريف ذا الزَّمَنِ مأخوذة من ملوك الروم أحد بي … سار من دبّ عنها وهو .... (٤) يحمي حمى الحُسْنِ أَنْ يُجنِّى له ثَمَرُ … فيجتني ثَمَرَ الأَشجانِ والمِحَنِ أقامها مستفيدًا عند رؤيتها … شَجَاعَةً يومَ ذاك العارض الهَتِنِ أَفَادَهُ فَرْطُ إقدام بحيث غدا … غضبان من لحظه بدرًا على غُصْنٍ حتى تَحَلَّى ظلام النقع عنْ ظَفَرٍ … جلا محاسنها في مَعْرِضُ الفِتَنِ فإِنْ ظَفِرْتُ فلم أَشْدُدْ عَليكَ يدي … شَدَّ الغريق على الطَّامِي مِنَ السُّفُنِ

стр. 6097

فعاود الله بي هذا الغَرَامَ فقد … قاسيتُ فِيهِ زَوَالَ الرُّوحِ مِنْ بَدَني ومنهم: [٣٥٥] ابن المؤدَّب، عبد الله بن إبراهيم بن مثنى (١). أصله من المهدية. صحت لديه صنعة الكيمياء إلا أنها الأدب، وقلب الأعيان؛ لأنه بدل الحديد بالذهب، وصنع الأكسير، لكنه به إلى الأسر انقلب، ومني بفساد التدبير ومع هذا ما كفّ عن الطلب. قال ابن رشيق (٢): كان قليل الشعر، مفرطًا في حبّ الغلمان، مغرى بالسياحة وطلب الكيمياء والأحجار. خرج مرّةً يريد صقلية، فأسر وأقام مدة إلى أن حصلت المهادنة مع ملك الروم، وبعث الأسارى، وهو فيهم». ومما أنشد له قوله (٣): [من الكامل] ما كنتُ أدري النَّحْسَ أَينَ محلُّهُ … في الأرضِ حتى زُرتُ أَرضَ المَغْرِبِ يَخْشَى نَعَمْ حتى كأَنَّ لسانَهُ … إنْ قالها تَغْشَاهُ لدغةُ عَقْرَبِ ومنهم: [٣٥٦] عبيق بن مفرج العبقي (٤) الباقي عَبَقُهُ في كل جلباب، الذاكي طيبه في جمرة الشباب، المسكر بأرَجِ مدامه

стр. 6098

الألباب، المهدي نوافجه كأنها روائح الأحباب، الدال على جودته فإنه عتيق، وإنه في النسب اللباب. قال ابن رشيق (١): «شاعر معروف من أبناء تونس، سيّال الكلام، سريع البديهة، قريب المأخذ، لا يظهر عليه مؤنة النظم، ولا تكلّف الصنعة». ومما أنشد له قوله (٢): [من الرمل] ذُبْتُ حتى خِلْتُ أَنَّ اللهَ قد … خَلَقَ الرُّوح ولم يخلق بَدَنْ ليس إلا نَفَس يَجري به … ذكركم حتى إذا تَمَّ سَكَنْ عذوبة ظاهرة في الدفاع بخلاف أكثر شعره. وقوله (٣): [من الوافر] أراك فأشتهي لو كنتَ تَحكِي … عُيُونًا لا تكون لها جُفُونُ ولكني علمت على يقين … بأنَّ الحُبَّ أَسهلُهُ المَنُونُ وإن كان البيت الأول مناسبًا لقول الآخر: [من المنسرح] غَنَّتْ فلم يبق في جارحة … إلا تَمَنَّتْ أَنَّهَا أُذُنُ ولكن الكلام مشترك وأكثر المعاني محصور. وكان ابن مفرج يعشق غلامًا، فأصابت داره نار من قبل الباب، فاتهم بذلك؛ لكثرة اجتيازه بتلك الناحية، فلم ينكره؛ فلما أكثروا عليه وسئل كيف القصة؟ قال [و] هو عندي من أملح الشعر (٤): [من مخلع البسيط] لما تمادى على بعادي … وأضرم النار في فؤادي حملتُ نفسي على وُقُوفي … ببابِهِ حملة الجَوَادِ فطار مِنْ بعض نارِ قلبي … أقلُّ في الوصف من رقادي فاحترق الباب دونَ عِلْمي … ولم يكن ذاكَ مِنْ مُرَادِي وقال (٥): «هل يكون أعجب من هذا الإقرار، وأظرف من هذا الاعتذار، والملاحة كلها فيما دونها من الكلام فضلًا عنها؟ ومن بارع غزله المطلق قوله: [من السريع]

стр. 6099

لو عاينتُ حالك حالي وما … ألقاه من أَجلِكَ لَمْ تَرقُدِ ورق لي قلبكَ لَوْ أَنَّهُ … صُوِّرَ في صَدرِكَ مِنْ جَلْمَدِ ترى أمرًا يرعى نجومَ الدُّجى … مِنْ فَرْقَد يرنو إلى فرقد دُمُوعُه تشهد في خدِّهِ … بأَنَّهُ أَوّلُ مُسْتَشْهَدِ إن لم يكن في يومه لَمْ يَكُنْ … يَخْفَى عليه موتةٌ في غَدِ وقوله: [من المنسرح] يا يُوسُفِيَّ الجَمَالِ عَبْدُكَ لَمْ … يُبقِ لي حِيلَةٌ مِنَ الحِيَل إِنْ قُدَّ فيه القميص مِنْ دُبُرٍ … ففيكَ قُدَّ الفؤادِ من قبل أو قطع النسوة الأكُفَّ فَقَدْ … قَطَعْتُ قلبي عليكَ مِنْ وَجَلَّ يا أَمَلِي والعجب عندي إن … قلتُ ولم أَخشَ منك يا أملي رفقًا قليلًا على مُحِبِّكَ لا … تَعْجَلْ وخذ نفسه على مَهَلِ إن كان لا بدَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ … فدعه حتى يلتذ بالعِلَلَ قوله: [من السريع] لا عُذْرَ للصَّب إذا لم يكن … يخلع في ذاك العذار العذار كأَنَّهُ في خَدِّهِ إِذْ بدا … ليل تبدا طالعًا مِنْ نَهَارُ كأَنَّهُ جُنْحُ ظلام وقد … صاح به ضوء نهار فخار فكأَنَّه وكأَنَّها في وسطِهِ … ليل تنفَّسَ في حَشَاءُ نهار» ومنهم: [٣٥٧] القفصي البزاز واسمه القاسم بن مروان (١). من أهل قصطيبة (٢)، وسكن القيروان. شاعر منشد القريض لديه واضع الثوب في يدي بزاز. ربّ بضاعة غير مزجاة، ولا مقلة من مال ولا جاه، ما شئت عنده من الديباج الموشع، والبرود التي مثلها في صنعاء لا تصنع.

стр. 6100

قال ابن رشيق (١): «شاعر قوي الطبع، مهول يقرع السمع، يهمل الصنعة بالجملة، فلا تقع له منها إلا ما لم يتعمده». ومما أنشد له قوله (٢): [من الوافر] أشاقك من سَنَى برق وميضُ … فعينُكَ ما يلائمها الغُمُوضُ سرى وهنًا وجنح الليل داجي … كان جناح طائره مهيض يذكره سناه بعاد إلف … عليه مدامعي أسفًا تفيض سَعَتْ حَسَدا بفرقتِهِ الليالي … فحبل الوصل مُنْبَتُ يفيض وقوله (٣): [من الخفيف] خُنْتَ عَهْدِي ولَمْ أَخُنْكَ العُهودا … يا غزالًا أَذابَ قلبي صُدُودا أبلى السقم فيك جسمي وأوهتْ … حَسَراتي عليك قلبي الجليدا إن يكن في رِضاكَ طُولُ غَرَامي … وسَقَامِي فَمُرْهُما أَنْ يَزِيدا يُخْمِدُ الدمع فيك نار اشتياقي … وهي تأبى عليك إلا وقودا وقوله (٤): [من مخلع البسيط] حَيَّابِتسليمه فأحيا … قتيلَ شَوق بلا حِرَابِ ظبي ظُبى سيفِ مُقْلَتَيهِ … قَدَّتْ فُؤادي بلا ضراب خَطَّطَ بالمِسْكِ عارضيه … تخطيط لامَيْنِ في كتاب ومنهم: [٣٥٨] ابن الأبزاري (٥)، أبو القاسم، سليمان بن محمد من أبناء الكتاب، ونبهاء الفضلاء الذين عداهم العتاب. له شعر لين المعاطف، سهل المقاطف، بمثله تراسل كل حلف صبابة، ومتيم فارق أحبابه. قال ابن رشيق (٦): «كان شاعرًا لطيفًا متفننًا ظريفًا».

стр. 6101

ومما أنشد له قوله (١): [من الطويل] ولما التقينا بعد أَنْ ظَنَّ حاسدٌ … على الحُبِّ أَلا نلتقي آخر الدهر بَشَتْنا شَكَايا أنفس لم يكن لها … على طُولِ أَيام التفرُّقِ مِنْ صَبْرِ وكادت لذاذاتُ التَّدَاني لقُربنا … منَ الوَصْلِ أَنْ تقضي علينا ولا ندري ومنهم: [٣٥٩] المجدولي، أبو بكر، عتيق بن عبد العزيز المذحجي (٢) من ممودة. نشأ بقرية تسمى مجدولة. لا تُقرَعُ صَفاةُ مشفره، ولا تتعلّق بغبار أشقره، يروع أنابيب القنا دُفَعُ مُفقره، وتصدع جلاميد الصفا بزواجر فقره، عرّفت مَذْحِج بعيافته، وعرفت آثار من تقدم بقيافته. قال ابن رشيق (٣): «كان شاعرًا شريرًا، منابشًا، معجبًا بما يصنعه، لا يرى أحدًا مع نفسه، وكان سريع البديهة، مدلًا على الكلام، لا يطلب إلا الوزن، مسامحًا لنفسه في العربية، إن أعوزته لفظة صنعها على ما يشاء، وروى بيتًا شاهدًا عليها، فإن طولب به أحال على كتاب لم يسمع بذكره قط». ومما أنشد له قوله (٤): [من الطويل] ألمَّ هُدُوا حِينَ لا عَينُ كاشح … يُخافُ ولا الخلخال يُغري ولا السمط فَطَوَّفَ حتى صاح بالليل صائح … مِنَ الفجرِ واستولى على فرعِهِ الوَخْطُ فلم يُرَ مثلي في الهوى ذا حفيظة … ولمْ أَرَ طيفًا طارقًا مثلَهُ قَطَّ وقوله (٥): [من الطويل] وليل بطيء النجم داج سريتُهُ … على حِينَ لا يُرجى لآخرهِ شَدُّ كأن الثريا في ذاره مقصر … سياحة سحر فهو يخطو ولا يخطو

стр. 6102

كَأَنَّ تَوَالِي النَّجْمِ سُكْرَى مُدَامَةً … تَبَلَّدَ أَوْ غَرْقَى كَذِي لُجَّةِ يَغْطُو كَأَنِّي وَرَحْلِي كَاسِرٌ فَوْقَ مَرْكَبٍ … يُزَعْزِعُهَا عَاتٍ مِنَ الرِّيحِ مُشْتُطُ ومنهم: [٣٦٠] ابن جربُون، حسن بن عبد العزيز بن جربُون (١) جرت به المدالي علاء، وطارت مع العوادي علاء، يصف الوقيعة وما شهدها، ويعدِّد آلاتها وإن كان ما وجدها. لو حضر حرب ابني وائل، وقد طفيت، لأوقدها، أو سُئِل فيها حبات القلوب لأنقدها. لا يقع دون مرمى، ولا يقنع حتى يبعل سائقه هلالًا، وتطلع غرته نجمًا. قال ابن رشيق (٢): «لا يخلى نفسه من ذكر الخيل وآلة الحرب، تقوية للكلام وتفخيمًا للمستمع، ويقسم تقسيمًا حسنًا، وربما انقلب عليه التشبيه». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] إِذا لَمْ تَطَأْ بِيضُ السُّيُوفِ عَزَائِمِي … إِذا قُرِعَتْ عِنْدَ اللِّقَاءِ الظَّنَابِيبُ فَلَا صَحِبَتْ كَفِّي كُعُوبٌ مُثَقَّفٌ … وَلَا خَاضَ فِي بَحْرِ المَهَالِكِ يَغْبُوبُ خليلي حُشَا بِيَ المَطِيُّ فَمَا لَنَا … عَلَى غَيْرِ حَيٍّ المَالِكِيَّةِ أُسْلُوبُ ومَا هَاجَنِي إِلاَّ بُكَاءُ حَمَامَةٍ … شَجَانِي لَهُ مِنْ دَوْحَةِ البَانِ تَطْرِيبُ دَعَتْ سَاقَ حُرٍّ وَالظَّلَامُ كَأَنَّهُ … رَقِيبٌ لَهُ بَيْنَ السَّوَامِرِ مَرْقُوبُ أَلَا بِأَبِي الحَيِّ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا … وَلَا دَمْعَ إِلاَّ مِنْ جُفُونِي مَسْكُوبُ هُمُ نَصَبُوا البِيضَ الحِدَادَ خِيَامَهُمْ … بِطَائِحُهَا البِيضُ الجَرَادُ الرَّعَابِيبُ وَهُمْ جَاوَرُوا طَلْحَ السَّوَاجِرِ وَالغِضَا … تَحَتْ بِهِمْ جُرْدُ اللِّقَاءِ الشَّرَاحِيبُ بِحَيْثُ وُجُوهُ البِيْضِ كَالحَةُ اللِّقَا … وَعَمْرُ الرِّمَاحِ السُّمْهَرِيَّةِ مَرْهُوبُ ومنهم:

стр. 6103

[٣٦١] أبو القاسم، سليمان بن عامر (١) لا يخطيه صواب، ولا يحكيه سحاب صاب، ولا ينقص له نصاب، ولا يُرسل له في غرض سهم إلا أصاب. قال ابن رشق (٢): «شاعر مشهور، مقدّم الذكر، قريب المرمى لا يبعد، عنده صدر من علم النحو وبذلك عُرف». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] وإني وإن سالمت دهري لعالم … بأَنَّكَ تجريه بما كانَ قدما ولو أنني صارعته فصرعته … لأوحشت خوفًا أَنْ أُصارع أَرْقَما ولكنني أسطو عليه بماجِدٍ … إذا ضُيِّعَ الإحسان في الناسِ تَمَّما ومنهم: [٣٦٢] ابن أبي العرب هو: أبو بكر، عتيق بن حسان بن خلف بن أبي العرب الحرفي (٤). لم يعد جادة الشعراء، ولا فاته شيء من مادة الشعر بلا مراء. من بيت معرق، ونبت مورق، أضاع مواريث سؤدده، وأضاء دهره سوى دره، وكان فحل الطريقة، وممحل القرائح بعده على الحقيقة. قال ابن رشيق (٥): «قوي العارضة، قليل التصنّع، فخم الاستعارة، كثير التبذل في المدح، وبذلك يعيبونه». ومما أنشد له قوله في الخمر (٦): [من الكامل] من كلِّ مُشْتَمل بمُنْصَلِ عَزْمِهِ … ذي همّةٍ تطأ السماكَ هُمام نشوان مِنْ خَمْرِ النَّدى صاحيَ النَّدَى … رَيّان مِنْ مَاءِ المحامد طامي

стр. 6104

بزجاجةٍ يُزْجِي النهار ضياؤها … مُلِئَتْ ببكرٍ مِنْ عَقِيقِ مُدَامٍ يسعى بها رشًا أَغَنُّ مُمنطقٌ … حَمَلَتْ لواحُظُهُ ذُبابَ حُسام حليته بدر الدُّجَنَّةِ قائمًا … حُلّتْ ذوائبه كجنح ظلام تحف الندامى من شَقَائِقِ خَدِّهِ … بلطيفِ تخميشٍ وعَضٌ لِثامِ يا ما أتم محاسنًا في وجهِهِ … لَوْ أَنَّ غاية وعُدِهِ لِتمام وقوله (١): [من البسيط] عبد تكلَّفَ شَتْمي وهوَ يَشْرُفُ بي … يبغي بذلكَ مِنْ عُشَّاقِهِ سَبَبا وظل يزهى علينا والصغار له … ويركب النهي فينا بعد ماركبا ومنها: يرجو إعادة أيام قد انصرمت … ويحلقُ الحد من شعر قد التهبا وينتضي عضبه ريعان يضربه … وكيف ذاك لعضو ماؤه نضبا يمضي السواك على ثغر به جمح … لو مَج ريقته في النيل ما شُربا ومنهم: [٣٦٣] محمد بن أبي علي (٢) وأصله من أرض الفرات، وإنما دخل إفريقيا يافعًا، وبها تأدب، وفي جوانبها بلغ ما تطلب، لا نفع طائره، ولا يقنع إلا بما فوق المجرة زائره. قال ابن رشيق (٣): «هو شاعر حلو، ذكي، ممتاز». ومما أنشد له قوله (٤): [من المتقارب] وأيامنا في منى الصالحاتِ … مَضَيْنَ ونحن لها عُشَّقُ كان مُحبًّا توقّى الفراق … دعا فأمشي له الأينق وهذا شعر سلس، ومعنى بِكُرٌ ظريف جدًا، وما أظنّه تُعوطي، ولا ابتذل ووصل هذه الأبيات بقوله، وإن كان مسبوقًا إلى معناه إلا أنه أجاده أيضًا:

стр. 6105

غُرابُ النَّوى البازلُ المستقل … ليس الغراب الذي يَنعق فما فرق الشَّمل ذاتُ الجَناح … لا السُّحْمُ منها ولا الأبلق ولكنها العيسُ تَهْوِي بهم … أوانًا وآونةً تُعْتِقُ ومن جيد قوله: [من الكامل] اللهُ أَيَّامي بتلك مَغَانيًا … ما كان أَقصر ليلها ونهارها أَيَّامَ تسقيني المدامة بَضَّةٌ … حَسْنَاء يشكو بدرها إِسْرَارَها يحكي ضياء الصبح ضوءُ جَبينها … والليلُ ما أَلْقَت عليه خِمارَها كمْ أَحْمَدَتْ صَدْرًا وكمْ قَدْ هَتَكَتْ … سِترًا وما هَتَكَ امرؤ أَسْتَارها كمْ حَلَّ غُنْجُ لِحاظها عَقْدًا … وما حَلَّ الزَّمانُ لريبةٍ أَزرَارَها وقوله: [من الكامل] ما يفعلُ البطلُ الكَمِيُّ بِقِرْنِهِ … يومَ الكَرِيهة في النزالِ الضَّيِّقِ والحرب تنتهب النفوس فلا تَرَى … إلا صريعَ مُهنّدٍ أَوْ أَزرق إلا أقل من الذي صَنَعَ الهَوَى … يومَ الفراق بمهجة المتعشق وكتب إلى بعض الرؤساء في وليمة كانت عنده فتأخر محمد عنه وقصد الطعن عليه: [من الطويل] تأخرت عن إهداء ما تستحقه … وما ساعدتني النفسُ أَنزِلُ دُونَهُ وأبصرتُ مَنْ لمْ يهدِ غيرَ مُرَقَّعٍ … فأخفيتُ نفسي خيفة أَنْ أَكونَهُ قال (١): «والجلد بالسيف عندي أرحم من هذا الكلام، وأخف موقعًا. وقوله في الشمعة: [من الخفيف] بأبي مسعدات ذي الوجد في … الليلة يأبى الصباح فيها الطلوعا أشبهتني لوعةً وحرقة أحشا … ء وتسهيد مُقْلَةٍ ودُمُوعا ولحيني بقيتُ حَيًّا وأُفنيـ … نَ فياليتنافَنِينا جَمِيعا وقوله: [من الطويل] يزيد اشتياقي كُلَّما فاضَ مَدْمَعِي … كَأَنِّيَ أَغْذُوهُ بِماءِ المَدَامِعِ فقل للضلوع اللائي أَكْثَرُ حَسْرَةً … إلا ما سَقَيتُنَّ الحَيَا مِنْ أَضالعي» ومنهم:

стр. 6106

[٣٦٤] أبو موسى القطان واسمه: عيسى بن إبراهيم (١). واقد القريحة، وافد الفكرة الصحيحة، لا يقال لقليله قليل، ولا يفضل شيء مقطعاته، وما حاجته إلى التطويل. قال ابن رشيق (٢): «بعيد من التصنّع، لا يكاد يحاوله، قصير الأشعار، ولا يجاوز العشرين إذا طول، مليح المقطعات». ومما أنشد له قوله (٣): [من مجزوء الكامل] أنا والهوى وعَذَابِهِ … مُغرّى مِنَ الدنيا به غُصْنُ يُحَرِّكُهُ الصَّبا … فيميس في أثوَابِهِ وغزال إنس نافرٌ … مُذْ كانَ مِنْ أحبابه مُفْترَّةٌ ضحكاتُهُ … عَنْ لُؤلؤ مُتشَابِهِ ومنهم: [٣٦٥] ابن أبي هلال هو أبو علي، الحسن بن أحمد بن الحسن بن أبي هلال التجيبي (٤). طلع به الهلال ابن يوميه، وسطع مع الذراع ثالث نجميه، ماثل الدرّ أحسنه، وأشبه البدر من محيا ابن هاني حسنه. قال ابن رشيق (٥): «هو شاعر معروف، حسن الطريقة، بين التصنع والاسترسال، صاحب مكاتبات ومضمرات، ومعمى ومطيرات».

стр. 6107

ومما أنشد له قوله (١): [من الكامل] يَهْدِي إلى العُلْيا فما من سالك … طُرُقَ العُلا إلا وكان دليله فضل الورى في الفَضْلِ حَتى أَنَّهُ … لو قيلَ مَنْ فذ الأنام لقيل: هو وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] حَلَّ السواد بذَقْنِهِ … وكَسَاهُ حُلَّةَ حُزْنِهِ قد مات أشنع ميتةٍ … قُوموا انظروا في ذَقْنِهِ (٣) ومنهم: [٣٦٦] ابن سفيان هو أبو علي، الحسين بن أبي بكر بن سفيان الصيرفي (٤). صيرفي لا يُبهرج له نقد، ولا يُزيّف في عين ولا يد، ذهنه خلاص، وأدبه صادق الإخلاص، ويقال: إنَّ له في أمية بن عبد شمس نسبا، وإن ما حازه كان إرثًا لا مكتسبا. قال ابن رشيق (٥): «هو من أهل العلم بهذه الصناعة والتقدّم فيها». ومما أنشد له قوله (٦): [من الطويل] وجرد غرابيب ومُرْدٌ غطارفٌ … وشُمْس سلاهيبٌ وشِيبٌ أَكارِمُ تَخُبُّ بهم يومَ اللِّقاءِ كأَنَّها … زَعازِعُ رِيحٍ زَمَّهُنَّ الشَّكائِمُ بمعترك ضاقَ الفَضا في مقامِهِ … مِنَ الطَّعْنِ وَالأَرضُ العريضة خاتم تجلى لها المنصور فانجابَ جُنْحُهَا … ولبَّتْهُ في لَثْمِ التُّرابِ الجَمَاجِمُ كأَنَّ الطَّلَى وَسْطَ العَجَاجِ خَناصِرٌ … وقَدْ صِيغَ مِنْ بَيْضِ الفِرِنْدِ الخَوَاتِمُ فهذا كلام منتقى، ليس فوقه مرتقى، اتبع فيه أو وَارَدَ. وما زال الناس على هذا غير أَنَّ الحاذق مَنْ باعَدَ.

стр. 6108

وقوله (١): [من السريع] بِتُّ وباتَ البَدْرُ لي صاحِبًا … في مجلس قد حُقَّ بالأَنْعُمِ مازالَ يُلهيني وألهو به … حتى انثنى الظَّبْي على مِعْصَمِي وكُلَّما حاول أَنْ يَهْتدي … نَكَّسَ بالرأسِ كَفِعْلِ الحمي رق له قلبي فقلبتُهُ … نَقْدِيَ للدينار والدرهم أما قوله «كفعل الحمي» فإنما أشار إلى ما يفعله الحمام عند مناقرتها، من نكس رؤوسها بسرعة وإيمائها بها. ومنهم: [٣٦٧] ابن كاتب إبراهيم وهو محمد بن علي بن أحمد الأزدي (٢). حل من الأدب في عليه، وبرز من فاخر النسب في حليه، وشرف بطارف فضله، وعرف به مع تالد أهله. قال ابن رشيق (٣): «هو شاعر حسن المرمى، جيد التخلق، يقتضي شعره الزيادة». ومما أنشد له قوله (٤): [من السريع] سأرحل للشكوى على ضُمَّرٍ … مِنَ القَوَافِي المُعجبات الفصاح إلى أمير الأمراء الذي … ليس لهمْ عَنْ حُكْمِهِ مِنْ بَرَاحْ أَعزُّ مَنْ لاذَ به لائذُ … أَكْرَمُ مَنْ سِيقَ إليه امتداح المَلِكُ المقرون إقبالُهُ … بالسَّعْدِ في دولته والنجاح وجامع الهيبة والبأس والـ … مجد المُصفى والندى والسماح تشهدُ أَنْ لا مَلِكٌ غيرَهُ … سُمْرُ القَنَا الصُّمُّ وبَيْضُ الصفاح أهدى لكَ الحَمْدُ مداه كما … حازت له المجد رؤوس الرماح

стр. 6109

لَيْتٌ وغَيْتُ إِنْ تَزُرْهُ تجد … عرضًا مَصُونًا ونَوَالًا مُباح ومنهم: [٣٦٨] محمد بن سلطان (١) من جبل ببادية فاس يعرف بالأقلام؛ وهو إلى سبتة أقرب، تأدب بالأندلس حتى مهر، وراض فكره حتى جاء بما بهر، وتصرّف في قريحته حتى ملك سلطانها وقهر. قال ابن رشيق (٢): «شاعر لا يتكلف التصنيع إلا قليلًا، تظهر في كلامه المعرفة، ومن أملح ما رأيت له قوله: في غلام عذر، فذمه وانفرد بهذا المعنى سابقًا إليه: [من المتقارب] ولما رأيتُ سَنَى عارضيك … تراءَتْ بِه ندرة الناقل كأنك أن التي لامها حمتها … فصرت إلى العامل صَرَفْتُ فُؤادي عنْ حُبِّكُمْ … كما صُرِفَتْ راحة السائل قوله: كَمَا صُرِفَتْ … رَاحَةُ السَّلَائل يعني فارغة. ثم قال: ومن أحسن ما رأيت له قوله (٣): [من المديد] مُقْلَةٌ إنسانُها غَرِقُ … حَشْوُها التسهيدُ والأَرَقُ وصباباتٌ مُضاعَفةٌ … ودُمُوعٌ ثَرَّةٌ دفق وفؤاد لا مامَ لهُ … في ضُلوع بينَها حُرَقُ وفتى أشفى على حُرَقٍ … منْ هَلاكَ ما بهِ رَمَقُ وحشًا يسطو بهِ لَهَبٌ … عَنْ قليل سَوفَ يَحتَرِقُ ويحَ أَهْلِ الحُبِّ ويُحَهَمُ … ليتَ أَهْلَ العِشْقِ لا خُلِقُوا

стр. 6110

إِنَّ أَهْلَ الحُب لَوْ حَلَفُوا … أَنَّهُمْ مَوْتَى إِذَنْ صَدَقُوا ما أحتيالي في مُخَبَّاةٍ … كهلالٍ ضَمَّهُ الأُفُقُ خُبِيَتْ في رأس شاهِقَةٍ … دونهُ الحُجَابُ والغَلَقُ دِعْصُ رَمْلٍ فوقَهُ غُصُنُ … يتنى ما لهُ وَرَقُ قلت: ذكر ابن رشيق هذه الأبيات إلى أبيات أخرى دون هذه رتبة. ثم قال (١): «فدونك هذه الألفاظ العذبة الغزلة الرائقة التي تلصق بالقلب، وتعلق بالنفس، وتجري مجرى النَّفَس، وهذه طريق الحذاق في التغزل خاصة؛ لأن المراد منه استدعاء المحبوب واستعطافه برقة الشكوى ولطف العتاب، وإظهار الغلوب، والإقرار بالغلبة، وقد جمع هذا الشعر فنونًا مما ذكرت، واشتمل على طائفة مما سمطت». وقوله (٢): [من الطويل] إذا قيلَ مَنْ فَرَّاجُ كُلِّ مُلمّةٍ … أَشارَ إليكم بالبنان مشيرها وإنْ طَرَقَتْ إحدى الليالي بحادث … يَحَارُ بِهِ الساري فأنتم بُدُورُها عَبُوسون بسامون لينًا وغِلظَةً … مَشُوبُونَ فيكمْ سَهْلُهَا ووُعُورُها غيورونَ من دونِ النساء تكرُّمًا … وهلْ يُحصِنُ العَوْرَاتِ إِلا غَيُورُها مناقب لا يُرجى بلوغ كبيرها … حديثًا وقد أَعْيا قديمًا صغيرُها ثم خرج إلى عتابه بعد مدح طويل: بلغت بأصحابي ذُرى كُلِّ شاهقٍ … وأَخَّرْتني عنها كأني أخيرها وما أنا بالمستأخِرِ الشَّاذِ عنهم … ولا ضوءُ زَنْدِي فِي الوَقُودِ حَسِيرُها وإني لسواقُ القَوَافِي ذَلِيلةً … أُذُلِّلُها حتى يَلِينَ عَسِيرُها وإني لمن بالذي أَنْتَ أهلُهُ … حَمُولٌ لأعباء الأيادي شَكُورُها ثم عطف بعد أبيات: فلا تَحْسَبَنْ أَنِّي عَتَبْتُ فَإِنَّما … هيَ النَّفْسُ لن يخفى عليكَ أُمُورُها وكم قائل: أكثرت مدح ابن جعفرٍ … ورُبَّتَمَا قَدْ نيل منها كثيرُها فقلتُ له: عنّي إليكَ فإنني … وهبتُ له نفسي لأنّي أَمِيرُها ومنهم:

стр. 6111

[٣٦٩] عبد الخالق بن أبي حاتم محمد بن أبي المنهال الزُّبْنِيُّ (١) كان قاضيًا بقرية زُبْنَة، من كورة نصيفة من الساحل. وله نسب في الأزد، وأدب لم يملك من بعد. غصن ناضر من دوحه، وكوكب زاهر من سماء الآباء في بحبوحه. قال ابن رشيق (٢): «كان مشهورًا أكثر من أبيه، حسن الطريقة، فخم الكلام، وربما ركب الحلاوة أحيانًا فجود، لا يكاد يرضى عن جيد نفسه، ولم تكن له بديهة، بل كان شديد المعالجة». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] له حدُّ سيف لا يزالُ مُضَرَّجًا … وعِرْضُ نَقِيُّ الجانبين رَحيضُ وطرف إلى العلياء يطْمَحُ ساميًا … ولكنَّهُ عمّا يَشينُ غضيضُ وقوله (٤): [من الكامل] سأَصُونُ غِرَّاتي بغُرِّ قصائدٍ … يَعْيى بها حيلًا ذوو الألباب جارت سحَائِبُ فِكْرِ كُلِّ مُهَذَّبٍ … فيها وصيب عقلهِ بعُجَابِ فتنفست منها الرياض فأَعْلَقَتْ … منها القلوب برائق خلاب ومنهم: [٣٧٠] بكر بن علي الصابوني (٥) ذو البضاعة التي تغسل صدأ القلوب، وتهبُّ طِيبًا خبايا الجيوب، لم يرض بفضل لا يكون رخيصًا، ولا بحلل فخار إلا أن يزورها على الأيام بيضًا.

стр. 6112

قال ابن رشيق (١): «كان شاعرًا حلوًا، صاحب نوادر، نقي التشبيه والثياب، حسن الصمت والخطاب باطنه نار، وظاهره جنّة». وأنشد له قوله (٢): [من السريع] ذُو غرفة نُفِّسَ أَعلاها … للفسق والعصيان أنشاها قدْ وُضِعَ الميزان في وسطها … وكُنتُ من أوّل قتلاها من يعرف الله فلا يأْتِها … فَما بِها من يعرف الله ومن هجائه المشهور: [من المنسرح] أَذَابَ وال بسوسَةَ مُنِّي … يُعرفُ بين الأنام بالفرخ يزعم عبد الله والده … وأَيْرُ عبد العزيز مُسْتَرخي لأهاج صنعها فيهم، منها قوله: [من مجزوء الرمل] كل سوسي بسوسة نفسُهُ … نَفْسٌ خَسِيسَة بعضُهم ينهَشُ بَعضًا … كَكِلاب في فريسة ومنهم: [٣٧١] ابن أسباط الكاتب وهو عبد الله بن علي بن أسباط (٣). الكاتب المصري الذي صنع له محمد بن عبد الملك الزيات التنور، ليعذبه فيه، فعاد عليه وباله. هو جد هؤلاء بني أسباط لأمهم، وهو أضوأ زهرهم، وأضوع ما يأرج من زهرهم، نجم سماء وأرض، وزينة ذخيرة وعرض، تارة تشرق في أُفقه، وتارة تُحرق العود ولا تقاس إلى عبقه. قال ابن رشيق (٤): «كان عبد الله شاعرًا حاذقًا، مليح الكلام، غريب القوافي، ظريف المعاني، قليل الشعر، لا يتبدل به».

стр. 6113

ومما أنشد له قوله (١): [من الخفيف] ساءني الدَّهْرُ مَرَّةً بعدَ مَرَّة … فتكسبتُ حِنْكَةً بعد غرّه وإذا ساءَكَ الزمان فأَبْشِرْ … فَعَلَى عُقب ذاك تأتي المَسَرَّة إنْ يدُمْ كَرَّةُ الزمانِ علينا … فلنا بعد كرة الدهرِ كَرَّه من ذنوبِ الزمانِ عِنْدِيَ أَني … لمْ أُسامح فيه بمثقالِ ذَرَّه غيرَ أَنِّي صَحِبْتُهُ لمْ أُفارقٌ … فِيهِ حَمْدًا ولا صَحِبْتُ مَعَرَّهْ وقوله (٢): [من مخلع البسيط] قال الخَليُّ: الهَوَى مُحالٌ … فقلتُ: لَوْ ذُقْتَهُ عَرَفْتَهُ فقال: هل غيرُ شُغْلِ سرٍّ … إن أنتَ لم تَرْضَهُ صَرَفْتَهُ وهل سِوَى زَفْرَةٍ ودَمْعِ … إن لم تُرِدْ جَرْيَهُ كَفَفْتَهُ فقلت: من بعد كلِّ وَصْفٍ … لم تعرف الحبَّ إذْ وَصَفْتَهُ ومنهم: [٣٧٢] عبد الله بن رشيق (٣) أصله من قرطبة، ثم أوطن القيروان، وأوطن أخمصه كيوان. تاهت به بلد حلها، وتهيأت به لتطرد محلها، وهيت منه بنزيل ألقت به فوق النجم رحلها. قال ابن رشيق (٤): «أحاط بعلوم شتى وساد فيها، وتفقه في الدين، وكان عفيفًا حرًا». ومما أنشد له قوله (٥): [من الوافر] أحبُّ أَخي وإنْ أَعْرَضْتُ عَنْهُ … وقَلَّ على مسامعه كلامي وربَّ تجهم عن غيرِ بُعْضٍ … وضِغْنِ كَامِن تحتَ ابتسام

стр. 6114

ولي في وجهه تقطيب راض … كما قطَبتَ في وجهِ المُدَامِ ومنهم: [٣٧٣] عنترة، واسمه حسين، ونسبه تميمي (١) وإنما لقب عنترة لسواده؛ ولأنه لا مجال لسابق مع جواده. ما قصر عن شأو متقدم، ولا شعر إلا وقيل: [من الكامل] هل غادر الشعراء مِنْ مُتَرَدِّم إلا أنه لم يؤخر نسبًا، ولا فخر تميم إلا وكان خيرًا من عبس منصبًا. قال ابن رشيق (٢): «كان شاعرًا متقدمًا، راوية، علامةً بالغريب، بعيدًا من استعماله». «وكبر إلى أن صعبت عليه صنعة الشعر إلا في صفات الحمام الدواجن، فقد كان مفتونًا بها، متحفّظًا على أنسابها، كثير الصنعة فيها، يخالط أهلها، ويجادل عنها، ومن قوله في ذلك (٣): [من الوافر] واصفر من بنات بني الحُسامِ … أَقلُّ فعاله فوق الكلامِ لهُ حُلَلٌ من الذهب المُصَفى … وعين كالعتيق منَ المُدامِ ومما زاده شرفًا وحُبًا … نزاهتُهُ عنِ أَمَلاكِ اللئام ولم يك قبضه من كفّ رَدْلٍ … ولكن منْ يَدَيْ مَلِكِ هُمام يَفِي لكَ بالذي تَرْجُوهُ منهُ … إذا انقطع الوفاءُ مِنَ الحَمامِ وتَعْجِرُ عن مَدَاهُ الريحُ سَبْقًا … ويكبو فوقَهُ بَرْقُ الغَمَامِ وقوله (٤): [من الوافر] واصفر فاقع لا عيب فيه … يفوتُ إِذا وَنَى عَصْفَ الجَنُوبِ عريض غير جافي الخُلْقِ جاس … عريق رائقٌ لَبِقٌ طَرُوبُ كأَنَّ الشمس يومَ الصَّحْوِ أَلْقَتْ … عليه رداءها عند الغُرُوبِ

стр. 6115

وينظر شخصه الألحاظُ عِشْقًا … كما نَظَرَ المُحِبُّ إِلى الحَبيبِ» ومنهم: [٣٧٤] ابن الخواص الكفيف هو أبو القاسم، عبد الرحمن بن يحيى الأسدي (١). وجده الأبزاري الذي نسب إليه سلمان - المتقدم ذكره - لأنه قريبه من النساء، وقرينه في شموس الصباح ونجوم المساء، ورسيله. ولو أنه الكسائي لأدخل رأسه معه في الكساء، لقراءة طالما أطربت سامعًا، وصلّى بها وراءه إذ سبق وكان جامعًا. قال ابن رشيق (٢): «بريء من التعقيد، مفتن في علم القراءات من مشكل وغريب وأحكام». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] جرى حكم هذا الدهر أن يُجمع العلم … مع الجهل والفهم الذكي مع الحُرْفِ ولا تك في شك إذا كنت عالمًا … بأنك لا تعطي سوى خطة الخسف ولما رأيت الدهر ليس بتارك كريمًا … ولا يُبقي نَوَاهُ على إِلْفِ قَسَمْنا بني الآدابِ نصفين بينَنا … فلمْ يُغْنِهِ النِّصْفُ الذي اختارَ عَنْ نِصْفي خليلي هذا مأتم المَجْدِ والعُلا … أَصَابَهما سَهْمُ الحوادث بالحَتْفِ فأصبحت الآداب مَرْضَى وخَلَّفَتْ … مغاني الحِجا مدروسة بين ذا الخَلْفِ أتى السخط فاستولى على البِشْرِ والرِّضا … لديهم وولى اللوم بالجود والعُرْفِ يطيب لدى النَّوْكي زمان صَفَا لهم … وتطرقنا أَيامُهُ مُرَّةَ الرَّشْفِ وقام بهم صفًا أمامي غِناهُمُ … وقَدْ قَعَدَتْ آدابهم بهمُ خَلْفِي وقوله: [من البسيط] جَبَرْتُ عَظْمي به إذ كانَ مُنْكَسِرًا … لولاه ما كانَ لي عَظْمٌ بمُنْجَبِرِ وسدَّ هَيْضَ جَناحِي بعد ما سَقَطَتْ … منه قوادمُهُ ضَعْفًا فلمْ يَطِرِ

стр. 6116

وقوله: [من السريع] دق لما يلقى مِنَ اللَّمْسِ … وفاتَ دَرْكَ الوَهم والحس كأَنَّهُ مما بِهِ مِنْ ضنّى … وَهُمْ جَرَى في خاطرِ النَّفْسِ قال ابن رشيق: قد اشتد أسر هذا الكلام، ولم تدركه فترة الكلل، ولا رزاحة الثقل، بل أتى رطب المغامز، ثابت المراكز. وقوله (١): [من الكامل] هذا لعبد الله أوّلُ مَصْرَع … تُزْرِي بِهِ الدُّنيا وآخرُ مَصْرَع يبكونه ولكل باك منهم … ذُلُّ الأسير وحُرْقَةُ المُتَوَجِّعِ ومنهم: [٣٧٥] عبد الرزاق بن علي النحوي، أبو القاسم (٢) قين صناع، وقدير لا يدافعه امتناع، أغري بالبديع، وأغرب في حسن الصنيع، وجاء منه بمحاسن البديهة والتصنيع، أحيا سنن أبي تمام إذ لم يخله من إلمام، لا بل ملكه وقاده بزمام، وسلكه وزاده حسن تمام. قال ابن رشيق (٣): «شاعر قادر يطلب الطباق والتجنيس طلبًا شديدًا بالتصريف وتبديل الحروف لا يكاد يهمل من التصنيع إلا ما أفلته، وكان شديد التواضع، قليل التنازع، يتهم نفسه، ويستبعد حسه». ومما أنشد له قوله (٤): [من الطويل] حَمَتْ أَسَلٌ وَرْدَ الأَسِيلِ المُورّد … وحالت عُيون دون عين وخُرد فَقَلَّبْنَ قلبًا في غرام مُجَمَّع … وأصدرنَ صَدْرًا عَنْ عَزَاءِ مُبَدَّدِ فما أنت في حد بغير تَخَدُّدٍ … ولا فزت من نَهْدِ بغيرِ تَنَهْدِ وكم من ظباء تحت مُعْمدَةِ الظَّبَى … لأجفانها فِعْلُ الحُسام المُجَرَّدِ مُسكنة للحسن في حركاتها … دلالة غيداء وشُبْهَةُ أَعْيد

стр. 6117

وقوله: [من الوافر] ولولا الروض لم أَبْقَ اشتياقًا … وهلْ أَفْنَى وبينكما انتساب كأَنَّ الأقحوان الغَضَّ فيهِ … ثغورٌ والنَّدَى فيهِ رُضاب ومنهم: [٣٧٦] ابن الفكاه، أبو القاسم، عبد الخالق بن إبراهيم القرشي (١) توقد منه نجم العشي، وفخر به سالف النسب القرشي، ذو ثمرات مختلفة، كل وقت أوانها، ودرر ثمينة، كل أُذُنٍ صوانها، وقصائد سوائر، وما بين الخافقين ديوانها. قال ابن رشيق (٢): «شاعر بارع، ذكي الخاطر، حلو في جزالة، وحذق بالصنعة. روضة آداب، وداعية إطراب». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] وقالوا: ظلام الليل سترٌ لَدَى الهَوَى … إذا قادَهُ الشَّوقُ المُبرِّح عاشى فما لي إذا ما جُنَّ أيقظَ للسُّرَى … كأَنَّ علي الليل مقلة واش ومنهم: [٣٧٧] عمر بن معمر الفارسي (٤) محب قتله غرامه، ومالك سطا عليه غلامه. كان يهوى صبيًا، وجاءه بسكين فقتله، وجد في الكلف به، فَجَدَّلَهُ، فلما خرَّ صريعًا، وجُلل في الري نجيعًا، سُئل عن قاتله فحلله، ولم يبح باسمه. وإن كان قد راق دمه وحلّله. قال ابن رشيق (٥): «كان ترف الكلام، قليل التطويل، مستعملًا لحسن الأخلاق، ولطف المباشرة».

стр. 6118

ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط] يا مُتْعِبَ العِيْسِ [رِفْقًا] قَدْ بَلَغْتَ بها … إلى مُناخ الأماني فاثوِ واسْتَرِحِ صافح بيمناك يُمناهُ تَفُزْ بِغِنّى … واحذره بينَ العَوَالِي السُّمْرِ والصُّفُحِ إذا الحَدِيدُ تَغَنَّى قامَ مُبْتَدِرًا … يقول للموت: ما أَحْبَبْتَ فَاقْتَرِح مَلْكٌ تَعَاظَمَ عَنْ شَيْءٍ يُغَيِّرُهُ … فليسَ يَلوي على هم ولا فَرَح وقوله (٢): [من مجزوء الوافر] سأشكر للسَّقامِ يَدا … أجدد ذِكْرَها أبدا رأيتُ الدهر لا يُبْقِي … على الأحرارِ مُجْتَهدا فأَوْدَعْتُ الهوى رُوحي … وأودعْتَ الضَّنى الجَسَدَا وقوله (٣): [من المديد] ما احتيال الطب في رجل … لم يجد مِنْ رُوحِهِ بَدَلا والهوى إظهارُهُ تَعَبٌ … فإذا أخفيتَهُ قَتَلا ومنهم: [٣٧٨] ابن الماعز وهو علي بن أحمد (٤). خبير بطب القلوب يحسم أدواءها، ويعجل بلطف مأخذه دواءها، حتى لو أقبل الموت فدية، أو أخذ عن واحد فتية، لفدي ابن الماعز ما عزّ، ولألبس من ثوب البقاء، ما كاد لولا طبه يبتز. قال ابن رشيق (٥): «كان قليل الشعر، قريب المقاصد، مشهورًا بعلم الطب متصدرًا للعلاج».

стр. 6119

ومما أنشد له قوله (١): [من الكامل] دَمْعِي يسح ومهجتي تتضرّم … أسفًا عليك ولي فُؤادٌ مُغرم إِنْ غِبْتَ عَنْ عيني فأَنتَ ضياؤُها … نَظَرِي سِوَاكَ بها عَلَيَّ مُحَرَّمُ ومنهم: [٣٧٩] أبو الطاهر بن الخازن وهو إسماعيل بن إبراهيم (٢). موطنه زويلة رملة المهدية. أحرز له أبوه ما خزن، وقام له رجحان ما وزن، إلا أنه لا يقنع بما بني أوله، ولا بما أبقاه، وإن جلّ ما كان يحصله. قال ابن رشيق (٣): «له شعر جيد، وطيء الأكناف، سهل المخارج، وإلى أمهات كتبه يرجع، ولا يكاد يُبْدِع طلبًا للحقائق، واتباعًا للمنهاج». ومما أنشد له قوله (٤): [من المتقارب] لمثلِكَ تُهْدِي مُلُوكُ الدُّنى … برُغم أنوفهم والرضا هدايا تفوت صفاتِ المُصيبِ … ويعجِزُ عَنْ كُنْهِهَا مَنْ حَكَى عناجِيجُ جُرد من آلِ الوجيه … ومنْ نَسْلِ أَعوَجَ قُبُّ الكُلى ومِنْ عَسْجَدٍ يأْتِ نسل العِتاقِ … كأَنَّ بها عَسْجَدًا قَدْ جَرَى ومن لاحق كلَّ ذي مَيْعَةٍ … إذا ما عَدَا قُلتَ: بَرْقٌ بَدَا ومن مذهب كل خاطي الصنيع … يخالُ إذا شد نجما هوى إذا قيدَ قِيلَ بِهِ جِنَّةٌ … نَشاطًا فأَكثرُ قَوْلٍ هَلَا وكل صريح من آل الصَّرِيحِ … ومنْ سَبَلِ كلِّ نَهْدِ وأَى وللوَالِعِيّ وللتدمري … كلّ حَصانٍ سَلِيم الشَّظَا كأَنَّ البسيطة منْ شَرْقِها … إلى غربها خطوةً إِنْ خَطا ومنْ كُلِّ وَرْدِ كصِرْفِ المُدامِ … وأصفر كالذَّهَبِ المُجْتَلى

стр. 6120

ومن كُلِّ ذي غُرَّةٍ أحجل … إذا ما بَدَا قلت: بدرُ الدُّجَى كأَنَّ جَارِيَهُ في الحِبَابِ … شآبيب وبل بعيد الوفا وأصفر لما بَدَا خِلتَهُ … مِنَ الوَرْس والزعفران اطلا وأمْهَقَ كالمُهْرَقِ استخلصت … له معه من رداء الضحى جموم الجراء إذا ما ونتْ … عتاق المذاكي فليق النسا وأبلق أهدتْ لهُ عَبْقَرٌ … شبيه دبابيجها فاكتسى ولو أبصرت مقلتي أخضرًا … وكيف بوصفي ما لا أرى لقلتُ تجلَّلَ منْ تُستر … كمثلِ الزبرجد خُضرًا طلا ومن كل سفواءَ مَجْدُولةٍ … تطيرُ بها مُعصَفاتُ الصَّبا إذا ما غَدَتْ قلتَ خَيفانةٌ … وإِمَّا بَدَتْ قلت بنت الرشا صوافي التَّجَافِيفِ مُذْلُوِّنَتْ … كمثلِ أَزاهير روض الربي ومنهم: [٣٨٠] ابن غالب وهو علي بن عبد الكريم (١). من أبناء المهدية منهج إحسان، ومُبهج حِسان، ورأس جماعة، وأساس صناعة، ومطلع شهب لا تغور، ومُرسل سحب لا تبور، ومقلّد سحب يغالي في قيمها، ويغالب الإنسان مطر نيسان في ديمها. قال ابن رشيق (٢): «هو ريان الفنن واسع العطن، يذهب في الشعر كل مذهب، وينحو في الرجز نحوًا عجيبًا» في أسلوبه الأقرب. ومما أنشده له قوله (٣): [من الطويل] يقول صحابي والنُّجومُ حَوَائِرٌ … أَشُدَّتَ بأمراسٍ أَمِ الليلُ سَرْمَدُ

стр. 6121

كأَنَّ نجوم الليل بُدِّلَ سِيرُها … فصارَتْ إلى نحو المَشارِقِ تقصد وقوله وأبعد فأبدع (١): [من الطويل] سأصنع في ذمّ العِذارِ بَدَائعًا … فمَنْ شاءَ يقضي بالدليل كما أَقْضِي إلا إنَّهُ كاللام واللامُ شَأْنُها … إِذا أُلصِقَتْ بالاسم صارَ إِلَى الخَفْضِ قال (٢): «وهذا كلام واسع محتمل لما شئت من الذم، إن شئت الخفض انخفاضه للعمل المطلوب منه، وإن شئت جعلته انخفاض حاله، وقد صنع الناس في تشبيه العذار باللام كثيرًا، فلم أعلم أحدًا سلك هذه الطريقة، ولا نحا هذا [المنحى]» (٣). ومنهم: [٣٨١] مضر أخو غيلان ويكنى أبا أحمد، واسم أبيه تميم، ونسبه في فزارة، وموطنه أسفاقس (٤). هو من آبائه كوكب في الأعقاب، ووفرة في قرارة الشعر الرقاب، ولم يزل على دقائق المعاني مُنقبا، وعلى المعاني لها معقبا، وحيث عن له الجيد لا يعدل عنه، ولا يُعد ملك ذات يد إلا منه. ذكره ابن رشيق وقال (٥): «شاعر مسنّ مداح جيد التصنيع، لا يقصد إليه كل القصد». ومما أنشد له قوله (٦): [من البسيط] أَذابَهُ الحُبُّ حتى لو يُمَثْلُهُ … بالوَهْمِ خَلْقٌ لأعياهُ تَوَهُمُهُ لولا الأنينُ ولَوْعات تُحَرِّكُهُ … لمْ يدره بعيان مَنْ يُكَلِّمُهُ

стр. 6122

وقوله (١): [من البسيط] تطاول الليل وامتدَّتْ غَوَاربُهُ … بالصُّبْحِ وَرْدٌ لِعَيني غيرُ مَرْدُودِ لا أطعم الغُمْضَ إِلا أَنْ يمرَّ بِهِ … طيفٌ ويَذهَبَ مفقودًا بمفقود ومنهم: [٣٨٢] الناجحون واسمه محمد بن عبد الله (٢). من أبناء قفصة، ومن بناة مجده لا عرفوا نقصه ما فقد نور ناظريه، ولكنه غاض إلى باطنه فأضاء وشَفَّ عليه. قال ابن رشيق (٣): «كان كفيفًا، خفيف الروح، فكها، راوية، ويقرأ القرآن بروايات، وله شعر مليح، ونوادر مضحكات، وكانت فيه سماحة ومروءة، ولم يكن له صبر عن النبيذ. وحكي عنه واقعة جرت له في النبيذ، كادت تأتي على نفسه، فقال: [من المجتث] ماللنبيذ وما لي … أليس عنهُ مَحِيْصُ قدْ بِعْتُ رأسي بكأس … وذاكَ بَيْعٌ رَخِيْصُ» ومما ذكر له قوله (٤)؛ وهو من أحسن الاستطراد: [من الكامل] ما لي هَجَرْتُ عليكَ كُلَّ مُواصِلٍ … وجريتُ في عصيانِ كُلِّ مُطاعِ فَغَدَوْتُ يُبْغِضُني الأنامُ بأَسْرِهِمْ … فكأَنَّني عبدُ العزيز الداعي ومن طريفه قوله (٥): [من السريع] في الأَعْيُنِ النُّجْلِ لنا شاغل … عنْ شُغْلِنا بالأَعْيُنِ الشَّوْسِ أولى بي الصهباءُ مَشْمَوَلَةٌ … تُسْقَى على ضَرْبِ النواقيس

стр. 6123

إِذا استَضاءَ المَرءُ لَيلًا بِها … أَغنَتهُ عَنْ ضَوءِ النَّباريسِ أَغدو بِما مُلِكْتُ مِنْ شُربِها … كأَنَّ لي مُلكُ ابنِ باديسِ ومنهم: [٣٨٣] ابن مشرق وهو محمد بن خلوف بن مشرق السُّلَمي (١). رجل لا يُضَارَع، وفَحل لا يُقَارَع، رجل حِرْص نَحْتَتِل، وبطل حرب إذا بَاتَتِ القوافي تقتل. قال ابن رشيق (٢): «تأدَّب وهو شاعر دَرِب، عَذْب الألفاظ، واضح المعاني، غزل الشعر، حلو المقطعات». ومما أنشد له قوله (٣): [من المديد] لي حبيبٌ لستُ أذكرُهُ … يُخْجِلُ الأقمارَ منظره كيف يلتذُّ المَنام فتًى … ظلَّ من يَهْواه يهجره أنا أطوي حُبَّهُ حَذَرًا … غيرَ أَنَّ الدَّمع ينشره وقوله (٤): [من المتقارب] أَحِنُّ إِلى البدر كيما أَرَاهُ … وبدري قد غاب في سِجْفِهِ وليسَ عَجِيبًا ولا مُنْكَرًا … حَنينُ المَشوقِ إِلَى الْفِهِ قلت: وهذا شعر سلس غير شرس، عذب الظاهر، رطب المكاسر، سالم من التعسف والإكراه، يشرب شربًا، ويلصق بالقلوب حبًا. ومنهم: [٣٨٤] الأبرش وهو عبد الله بن أبي العباس البلوي (٥). من أهل باجة القمح.

стр. 6124

شاعر لا يهمه إلا تصحيح المعنى، وترجيح المبنى، يحد أوصافًا، ويفوق الأول لو وهب إنصافًا، لا يلحق في الطَّرْد، ولا يعبق في سوى روضه الورد، ولا تجري جياد إلا لتسبق منه الواحد الفرد. قال ابن رشيق (١): «معروف بحب الغريب من اللغة، ولا يبالي بلفظه كيف وقع، وربما سهل طريقه فجاء وفق المراد. من ذلك قوله من أرجوزة وصف فيها فرسًا: [من الرجز] يُديرُ في مَلْمُومَةٍ كالفهر أذنًا كأطراف اليراع المبري مُذلّقُ الخَدِّ رَحِيبُ السَّحْرِ عِذارُهُ مِنْ خَدِّهِ في السطر وقوله: [من الرجز] قد اغتدى قبلَ نَعِيبِ الأَسْحَمِ وقبل ملاح القنيص المُقْدِمِ بسابح قان كلونِ العَنْدَمِ ليس بفرشاح ولا بأقتم ولا بمضطر ولا بأَهْضَمِ فأَنفُهُ في كاهل مُفَعَمِ مُنْهَرِتُ الشَّدقِ ممر المِعْصَمِ تَضِلُّ في فيه فؤوس الأنجم يَصْهِلُ في مثلِ الطوي المُحكَمِ يعدو بساقَيْ نِقْنِقٍ مصلَّم قد ركبا في سنبك غتمتم مجتمع كالحَجَرِ المُلَمْلَمِ باطِنُهُ فِيهِ مغار الشَّيْهمِ وقوله: [من الطويل] وحول بُيوتِ الحَيِّ جُرْدٌ تَرى لها … إذا ما عَلا صوت الصريخ تحمحُما

стр. 6125

وفي الحي فتيان تَخَالُ وُجوهَهُمْ … إِذا سَفَرُوا في ظُلْمَةِ الليل أَنْجُما زنود نهي، سحب بدى أنجم هدى … بدور سنا، عرف وفا، أسد حمى بلى إذا أبلى أقامت … ... من صعا وأباحت عسوه كلما حما (١) هُمُ أقدم الأملاك ملكًا وسُؤددًا … ومجدًا وآلاء وفخرًا مُسَلَّما فمنهم زهير بن الحباب الذي سَقَى … كُؤُوسَ الرَّدى حتى مَعَدًا وأَطْعَما والبس لابني وائل ثوب ذلةٍ … وألزم دارَ الهُونِ مَنْ كَانَ أَحزَما فلما سطا الجبار أبرهة الذي … يصولُ الردى إن صال يومًا وصمما ومنها: [من الطويل] ونحن مننا بالقطاقط منّةً … بأسرى تميم بعد حَوْلٍ ولا كتما معالي بني قحطان بيضٌ زَوَاهِرٌ … يرى غيرهم بين السماكين معلما هم تركوا في ذلك اليوم هرقلًا … وأشياعه للبِيْضِ نَهْيًا مُقسما وهم دافعوا عن نفس بهرام فارسًا … عداه بهم برواز لاذ وخيما إذا ما تتوجنا فلا يأس غيرنا … ونمنعُ مَنْ شِثْناهُ أَنْ يتعمما وكنا ذوي التيجان قبل محمد … ومن بعده نلنا الفخار المعظما نَصَرْنا وآوَينا ونلنا بنصرنا … لهُ شَرَفًا ضَخْمًا وعِزًّا مُقَدَّما فقل لمناوينا: صَهِ إِنَّ عِزَّنا … جميع ملوكِ العُجْمِ والعُرْبِ أَرغما ألسنا ضربنا بالسيوف وجوهكم … على الدين حتى قد أنبتمْ عَنِ العمى وقُدْناكُم للحق قَوْدًا وأنتم … ترونَ الهُدَى غيًا وحرمًا مُحَرَّما ونحن جعلنا للبهاليل منكم … على الدينِ مِنْ فوق القرارين مبسما إلى أَنْ عَلا الإسلام وانتشر الهُدَى … وأَصبح دينُ اللهِ أكرمَ مُنْتَمى وأَشْرَقَتِ الدنيا لأحمد وارتَمَتْ … بنا هِمَّةُ الإسلام أبعد مُرْتَمى ففاخر بقحطان بن هُودٍ ويَعْرُبِ … إِذا أَنْتَ فاخرت امرءًا فهما هما وقوله: [من مجزوء الكامل] يا ذا الذي في خَدِّهِ … جَيْشانِ مِنْ زَنْجِ وروم هذا يُغير على القلو … ب وذا يُغير على الجسوم إنِّي وقفتُ مِنَ الهَوَى … في موقفٍ صَعْبِ عظيم كوقوفِ عارضك الذي … قد حار في ماء النعيم صاحَ الجَمَالُ بِهِ فعرَّج … خِيفةٌ كَجناحِ جِيْمِ»

стр. 6126

ومنهم: [٣٨٥] أبو طالب الدلالي (١) خنساء الشعراء، وبقية من حلى الأنموذج من الكبراء. لا يزال منه على كل طلل نائحة، وفي كل ندي شعلة تتقد في كل جانحة، تخلّف عن الجيل الذي هو منهم، وقعد لا يُسمع إلا رثاؤه، وما يحدث به عنهم. قال ابن رشيق (٢): «أدركته وقد أسنّ، وكان مشهورًا بالمحبة والكلام عليها، والوفاء فيها، موصوفًا بالعفّة، منسوبًا إلى طلب العلم، وصحبة الجلة». «وحكى لي عنه غير واحد أنه فقد من أحبته نيفًا وأربعين غريقًا في البحر، فصار شعره رثاء كله. ومما أنشد له قوله: [من الكامل] أودعتُهُ بطنَ الثَّرى وتركتُهُ … في رَمْسِهِ والموتُ ما لا يُنكَرُ قَدَّمتُهُ ولو أنني أنصفته … ما كنتُ عنه ساعةً أَتَأَخَّرُ فهذه أنفاس مشتعلة عن نفس مشتغلة، قد دلت على ما في الصدر دلالة الشواظ على الجمر. ومثال ذلك أيضًا قوله: [من المتقارب] نأى بسروري وصبري معًا … وأبقى فؤادي عليه صَديعا ومات فمات سروري به … وصُنْتُ حياتي فمتنا جميعا أصابتهُ عَيْنٌ من الحادثاتِ … أَصابَ العَمى ناظريها سريعا ومما يزيدك على هذا التفجع والتوجع الذي يقطع القلوب حسرات، ويذهب العيون عبرات» (٣). ومنهم: [٣٨٦] ابن سوس هو إبراهيم بن محمد المرادي (٤).

стр. 6127

مالك بنان يخلب بجوده، وملك بيان يغلب بحشوده. جاز النجم بعلومه وجدوده، وحاز العلم برسومه وحدوده. ذو حافظة لا يذهب ما ارتسم في مخيلتها، ولا ينسى ما أثبت في جميل جملتها. ما راض صعبًا فلج به جماح، ولا رام أمرًا فبعد به الطماح. قال ابن رشيق (١): شاعر معروف، «أخذ بأطراف العلوم، وله من سرعة الحفظ ما ليس لأحد» من أهل الوقت. وحكى عن نفسه أنه صنع أبياتًا أربعة، وصنع ابن شرف ستة، وصنع معد بن جبارة مثلهما، وأنشد كل منا ما قال بحضرته فحفظه. ومما أنشد له قوله يصف القمر كالملغز به (٢): [من السريع] دَع ذا وقُلْ للناس: ما طارق … يطرقُهُمْ جَهْرًا ولا يتقي ليس لهُ رُوحٌ على أَنَّهُ … يركب ظَهْرَ الأَدْهَم الأَبْلَقِ شيخ رأى آدم في عَصْرِهِ … وهوَ إلى الآنَ بِخَدٌ نَقِي وهو بوسط السِّجْنِ مَعْ قَوْمِهِ … لا يَنْبَرِي عَنْ نَهْجِهِ الضيق وتارة يؤخذ في مَغْرِبِ … وتارةً يُؤخذ في مَشْرِقِ وتارةً تُبْصِرُه سائحًا … يسري بساط البحر كالزَّوْرَقِ وتارة تلقاه في لُجَّةٍ … من فوقه الماء ولم يغرق وتارة تحسبه وهو في … سترته والبعض منه نَقِي ذُبابة من صارِمِ مُرْهَفٍ … بارزة منْ جَفْنِهِ المُطبَقِ يدنو إلى عُرس لهُ حُسْنُها … يختطف الأبصارَ بالرَّوْنَقِ حتى إذا جامعها يرتدي … بحُلَّةٍ سوداء كالمُحْرَقِ وهو على عادته دائمًا … يُجامِعُ الأُنثى ولا يتقي ثمَّ يجوبُ القَفْرَ مِنْ أَجْلِها … مُشتملًا في مُطْرَفٍ أَزْرَقِ حتى إذا قابلَها بائنًا … تَشكُه بالرُّمح في المفرق وبعد ذا تلبسه خِلعةٌ … يَا حُسْنَهُ في لونها المُونِقِ فجسمُهُ من ذهب جامد … وجلده صيغ من الزئبق ثمَّ تَرى في حين إتمامه … مثلَ مِجَنِّ الحَرْبِ للمُتَّقِي وهو إذا أبصرتَهُ هكذا … أَمْلِحُ من صاحبة القرطق

стр. 6128

كأَنَّه وجه المُعِزّ الذي … تاهَ بهِ الغَرْبُ على المَشْرِقِ لكنَّه ليس له منطق … وذا يفوتُ الناس في المنطق وذا يفوتُ المُملقينَ الغِنى … وذاكَ لا يَرْثِي على مُمْلِقِ حسّاده لا يُتعبوا أَنفُسًا … من رام لمس الشمس لم يلحق روائح بالسعدِ عُلوِيَّةٌ … تبدو منَ الجَو لمُستنشق وهمّةٌ صاعِدَةٌ للعُلا … معقودةٌ بالفَلَكِ المُحْدِقِ فِرُّوا إليهِ وَقَعُوا دُونَهُ … فالرَّخٌ لا ينقاس بالبَيْدَقِ ومنهم: [٣٨٧] محمد بن حبيب التنوخي (١) من تلك العصبة الذين منهم أبو العلاء، وبقيَّة بيته أهل العلاء، بقية من تلك الشعلة المتصوبة، والمزنة المتصببة، والأسرة التي ما غاصبتها فيه متغلّبة ولا متغلبة، ولا غالبتها تغلب إلا كانت عليها متغلبة. قال ابن رشيق (٢): «حاذق في المقطعات، عاجز عن التطويل، لم يصنع عشرة أبيات من جنس واحد قط، وقطعه كالنار في أي معنى قصد على لوثة فيه، وكان من المفتونين بدور الخمارين، لا يبرح منها ما وجد سبيلًا إليها». ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط] يا مَنْ أَماتَ لذيذ العَتْبِ مُذ زَمَنِ … إِليكَ منك على حالاتك الهَرَبُ لئنْ جَرى سَبَبٌ أَحيا بموقعه … هذا العتاب لقد أحياني السَّبَبُ قال ابن رشيق (٤): «وكان قد علق غلامًا، فكلما زاره لم يوافقه، فإذا حضر لم يزره، وكثر ذلك منهما، فقال: بالله تعال نصنع في هذا بديهة فصنعت أنا: [من السريع] ما بالنا نخفى فلا نُوصَلُ … إلاّ خِلافًا مثل ما تفعل تأتي إذا غبنا فإن لمْ نَغِبْ … جعلت لا تأتي ولا تسأل

стр. 6129

كهاجر أحبابَهُ زائرٍ … أَطلالهم من بعد أَنْ يَرْحَلُوا وصنع ابن حبيب: [من السريع] يا تاركًا إنْ لم أَغِبْ زَوْرَتي … وزائرًا دَأْبًا إذا غِبتُ وَدِدْتُ أَنْ وُدَّكَ لا ينثني … يزور فقداني لو متُ وحاكمني إلى بعض علمائنا، فقضى له علي، وأنا أرى أني قد ظلمت؛ فلما رجعت إلى النظر، وجدت صاحبنا أوجز كلامًا، وأحسن إصابة للغرض، إذ كان قصده التغزل للعتاب. وكان كثيرًا ما يجالسنا غلام مليح ذو خال تحت لَحْيِهِ، فنظر إلي محمد بن حبيب يومًا وأشار إلى الخال، ثم أطرق ساعة ففهمت عنه أنه يصنع، فصنعت بيتين وأمسكت عنهما خوف الوقوع دونه؛ فلما رفع رأسه قال: اسمع وأنشد: [من الطويل] يقولون: لِمْ مِنْ تحتِ صفحةِ خَدِّهِ … تَنزَّلَ خالٌ كان منزله الخَدُّ فقلتُ: رأى بَهْوَ الجَمَالِ فهابَهُ … فَحَطَّ خُضوعًا مثل ما خضع العَبْدُ فقلت: أحسنت أحسن الله إليك، ولكن اسمع. قال: أَوْ صنعت شيئًا؟ قلت: نعم، وأنشدته: [من الخفيف] حبَّذا الخال كائنًا منه بين الـ … خَدّ والجِيدِ رِقْبَةً وحِذارا رام تقبيله اختلاسًا ولكن … خاف من لحظ طَرْفِهِ فَتَوار قال: فضحتني قطع الله لسانك!». ومنهم: [٣٨٨] علي بن حبيب التنوخي (١) وموطنه أسفاقس من ساحل البحر، وبها نشأ، وليس من الأول في شيء، وإن اجتمعا في اسم الأب والنَّسَب، وقربا في اشتباه السَّبَب والحَسَب. فضلت به تنوخ، وأوقدت به نار فخر لا تبوخ، فرسخ قدمًا، ورسا جبلًا يطأ عرانين وقممًا. قال ابن رشق (٢): «شاعر عذب اللفظ، لطيف المعنى، ظاهر الرقة.

стр. 6130

دخل المشرق، ولقي جماعة من رؤساء العرب، فحظي عندهم». ومما أنشد له قوله (١): [من مجزوء الكامل] سَفِيًّا لِأَرضِ سَفَاقِسَ … ذَاتَ المُصَانِعِ وَالمُصَلَّى فَكَأَنَّهُ وَالبَحْرَينِ ينـ … ـضَبُّ تَارَةً عَنهُ وَيُمْلا صَبٌّ يَزيدُ زِيارَةً … فَإِذَا رَأَى الرُّقَبَاءَ وَلَّى ومنهم: [٣٨٩] أبو الحسن، علي بن زياد الأنصاري (٢) جملة جمال، وحلة تمام وكمال، ودوحة أدب، ما لعبت بمثل أعطافها الشمال. قال ابن رشيق (٣): «كان مشهورًا وقورًا حسن الملح، والفكاهات، ناظرًا في الطب، لطيفًا حيث توجّه، أنيق الكلام على إعادة فيه». ومما أنشد له قوله في الجُمَّار (٤): [من السريع] جُمَّارَةٌ جَاءَتْكَ من نخلة … باسقةٍ قَدْ أَفْرَطت في السُّبُوق أَصَابِعُ في كَفَّ مَعْشُوقَةٍ … قَدْ خَضَبت راحتها بالخَلُوق مَهَاةُ بَلُّور وقد أشرقت … في جامةٍ مخروطة منْ عَقيق فاشرب على الجُمَّارِ منْ كَفِّها … والوَرْدِ من وجنتها والشقيق ومنهم: [٣٩٠] الصدفي، عبد الله بن الحصين (٥) من قرية صدف قريب القيروان. ملئت بالدر صدف صدفيه، وذُمّت ذمم السحب لإهمالها بحق وفيه. لم
следующие страницы →