← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

ومنهم: [٣٨٥] أبو طالب الدلالي (١) خنساء الشعراء، وبقية من حلى الأنموذج من الكبراء. لا يزال منه على كل طلل نائحة، وفي كل ندي شعلة تتقد في كل جانحة، تخلّف عن الجيل الذي هو منهم، وقعد لا يُسمع إلا رثاؤه، وما يحدث به عنهم. قال ابن رشيق (٢): «أدركته وقد أسنّ، وكان مشهورًا بالمحبة والكلام عليها، والوفاء فيها، موصوفًا بالعفّة، منسوبًا إلى طلب العلم، وصحبة الجلة». «وحكى لي عنه غير واحد أنه فقد من أحبته نيفًا وأربعين غريقًا في البحر، فصار شعره رثاء كله. ومما أنشد له قوله: [من الكامل] أودعتُهُ بطنَ الثَّرى وتركتُهُ … في رَمْسِهِ والموتُ ما لا يُنكَرُ قَدَّمتُهُ ولو أنني أنصفته … ما كنتُ عنه ساعةً أَتَأَخَّرُ فهذه أنفاس مشتعلة عن نفس مشتغلة، قد دلت على ما في الصدر دلالة الشواظ على الجمر. ومثال ذلك أيضًا قوله: [من المتقارب] نأى بسروري وصبري معًا … وأبقى فؤادي عليه صَديعا ومات فمات سروري به … وصُنْتُ حياتي فمتنا جميعا أصابتهُ عَيْنٌ من الحادثاتِ … أَصابَ العَمى ناظريها سريعا ومما يزيدك على هذا التفجع والتوجع الذي يقطع القلوب حسرات، ويذهب العيون عبرات» (٣). ومنهم: [٣٨٦] ابن سوس هو إبراهيم بن محمد المرادي (٤).

стр. 6127

مالك بنان يخلب بجوده، وملك بيان يغلب بحشوده. جاز النجم بعلومه وجدوده، وحاز العلم برسومه وحدوده. ذو حافظة لا يذهب ما ارتسم في مخيلتها، ولا ينسى ما أثبت في جميل جملتها. ما راض صعبًا فلج به جماح، ولا رام أمرًا فبعد به الطماح. قال ابن رشيق (١): شاعر معروف، «أخذ بأطراف العلوم، وله من سرعة الحفظ ما ليس لأحد» من أهل الوقت. وحكى عن نفسه أنه صنع أبياتًا أربعة، وصنع ابن شرف ستة، وصنع معد بن جبارة مثلهما، وأنشد كل منا ما قال بحضرته فحفظه. ومما أنشد له قوله يصف القمر كالملغز به (٢): [من السريع] دَع ذا وقُلْ للناس: ما طارق … يطرقُهُمْ جَهْرًا ولا يتقي ليس لهُ رُوحٌ على أَنَّهُ … يركب ظَهْرَ الأَدْهَم الأَبْلَقِ شيخ رأى آدم في عَصْرِهِ … وهوَ إلى الآنَ بِخَدٌ نَقِي وهو بوسط السِّجْنِ مَعْ قَوْمِهِ … لا يَنْبَرِي عَنْ نَهْجِهِ الضيق وتارة يؤخذ في مَغْرِبِ … وتارةً يُؤخذ في مَشْرِقِ وتارةً تُبْصِرُه سائحًا … يسري بساط البحر كالزَّوْرَقِ وتارة تلقاه في لُجَّةٍ … من فوقه الماء ولم يغرق وتارة تحسبه وهو في … سترته والبعض منه نَقِي ذُبابة من صارِمِ مُرْهَفٍ … بارزة منْ جَفْنِهِ المُطبَقِ يدنو إلى عُرس لهُ حُسْنُها … يختطف الأبصارَ بالرَّوْنَقِ حتى إذا جامعها يرتدي … بحُلَّةٍ سوداء كالمُحْرَقِ وهو على عادته دائمًا … يُجامِعُ الأُنثى ولا يتقي ثمَّ يجوبُ القَفْرَ مِنْ أَجْلِها … مُشتملًا في مُطْرَفٍ أَزْرَقِ حتى إذا قابلَها بائنًا … تَشكُه بالرُّمح في المفرق وبعد ذا تلبسه خِلعةٌ … يَا حُسْنَهُ في لونها المُونِقِ فجسمُهُ من ذهب جامد … وجلده صيغ من الزئبق ثمَّ تَرى في حين إتمامه … مثلَ مِجَنِّ الحَرْبِ للمُتَّقِي وهو إذا أبصرتَهُ هكذا … أَمْلِحُ من صاحبة القرطق

стр. 6128

كأَنَّه وجه المُعِزّ الذي … تاهَ بهِ الغَرْبُ على المَشْرِقِ لكنَّه ليس له منطق … وذا يفوتُ الناس في المنطق وذا يفوتُ المُملقينَ الغِنى … وذاكَ لا يَرْثِي على مُمْلِقِ حسّاده لا يُتعبوا أَنفُسًا … من رام لمس الشمس لم يلحق روائح بالسعدِ عُلوِيَّةٌ … تبدو منَ الجَو لمُستنشق وهمّةٌ صاعِدَةٌ للعُلا … معقودةٌ بالفَلَكِ المُحْدِقِ فِرُّوا إليهِ وَقَعُوا دُونَهُ … فالرَّخٌ لا ينقاس بالبَيْدَقِ ومنهم: [٣٨٧] محمد بن حبيب التنوخي (١) من تلك العصبة الذين منهم أبو العلاء، وبقيَّة بيته أهل العلاء، بقية من تلك الشعلة المتصوبة، والمزنة المتصببة، والأسرة التي ما غاصبتها فيه متغلّبة ولا متغلبة، ولا غالبتها تغلب إلا كانت عليها متغلبة. قال ابن رشيق (٢): «حاذق في المقطعات، عاجز عن التطويل، لم يصنع عشرة أبيات من جنس واحد قط، وقطعه كالنار في أي معنى قصد على لوثة فيه، وكان من المفتونين بدور الخمارين، لا يبرح منها ما وجد سبيلًا إليها». ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط] يا مَنْ أَماتَ لذيذ العَتْبِ مُذ زَمَنِ … إِليكَ منك على حالاتك الهَرَبُ لئنْ جَرى سَبَبٌ أَحيا بموقعه … هذا العتاب لقد أحياني السَّبَبُ قال ابن رشيق (٤): «وكان قد علق غلامًا، فكلما زاره لم يوافقه، فإذا حضر لم يزره، وكثر ذلك منهما، فقال: بالله تعال نصنع في هذا بديهة فصنعت أنا: [من السريع] ما بالنا نخفى فلا نُوصَلُ … إلاّ خِلافًا مثل ما تفعل تأتي إذا غبنا فإن لمْ نَغِبْ … جعلت لا تأتي ولا تسأل

стр. 6129

كهاجر أحبابَهُ زائرٍ … أَطلالهم من بعد أَنْ يَرْحَلُوا وصنع ابن حبيب: [من السريع] يا تاركًا إنْ لم أَغِبْ زَوْرَتي … وزائرًا دَأْبًا إذا غِبتُ وَدِدْتُ أَنْ وُدَّكَ لا ينثني … يزور فقداني لو متُ وحاكمني إلى بعض علمائنا، فقضى له علي، وأنا أرى أني قد ظلمت؛ فلما رجعت إلى النظر، وجدت صاحبنا أوجز كلامًا، وأحسن إصابة للغرض، إذ كان قصده التغزل للعتاب. وكان كثيرًا ما يجالسنا غلام مليح ذو خال تحت لَحْيِهِ، فنظر إلي محمد بن حبيب يومًا وأشار إلى الخال، ثم أطرق ساعة ففهمت عنه أنه يصنع، فصنعت بيتين وأمسكت عنهما خوف الوقوع دونه؛ فلما رفع رأسه قال: اسمع وأنشد: [من الطويل] يقولون: لِمْ مِنْ تحتِ صفحةِ خَدِّهِ … تَنزَّلَ خالٌ كان منزله الخَدُّ فقلتُ: رأى بَهْوَ الجَمَالِ فهابَهُ … فَحَطَّ خُضوعًا مثل ما خضع العَبْدُ فقلت: أحسنت أحسن الله إليك، ولكن اسمع. قال: أَوْ صنعت شيئًا؟ قلت: نعم، وأنشدته: [من الخفيف] حبَّذا الخال كائنًا منه بين الـ … خَدّ والجِيدِ رِقْبَةً وحِذارا رام تقبيله اختلاسًا ولكن … خاف من لحظ طَرْفِهِ فَتَوار قال: فضحتني قطع الله لسانك!». ومنهم: [٣٨٨] علي بن حبيب التنوخي (١) وموطنه أسفاقس من ساحل البحر، وبها نشأ، وليس من الأول في شيء، وإن اجتمعا في اسم الأب والنَّسَب، وقربا في اشتباه السَّبَب والحَسَب. فضلت به تنوخ، وأوقدت به نار فخر لا تبوخ، فرسخ قدمًا، ورسا جبلًا يطأ عرانين وقممًا. قال ابن رشق (٢): «شاعر عذب اللفظ، لطيف المعنى، ظاهر الرقة.

стр. 6130

دخل المشرق، ولقي جماعة من رؤساء العرب، فحظي عندهم». ومما أنشد له قوله (١): [من مجزوء الكامل] سَفِيًّا لِأَرضِ سَفَاقِسَ … ذَاتَ المُصَانِعِ وَالمُصَلَّى فَكَأَنَّهُ وَالبَحْرَينِ ينـ … ـضَبُّ تَارَةً عَنهُ وَيُمْلا صَبٌّ يَزيدُ زِيارَةً … فَإِذَا رَأَى الرُّقَبَاءَ وَلَّى ومنهم: [٣٨٩] أبو الحسن، علي بن زياد الأنصاري (٢) جملة جمال، وحلة تمام وكمال، ودوحة أدب، ما لعبت بمثل أعطافها الشمال. قال ابن رشيق (٣): «كان مشهورًا وقورًا حسن الملح، والفكاهات، ناظرًا في الطب، لطيفًا حيث توجّه، أنيق الكلام على إعادة فيه». ومما أنشد له قوله في الجُمَّار (٤): [من السريع] جُمَّارَةٌ جَاءَتْكَ من نخلة … باسقةٍ قَدْ أَفْرَطت في السُّبُوق أَصَابِعُ في كَفَّ مَعْشُوقَةٍ … قَدْ خَضَبت راحتها بالخَلُوق مَهَاةُ بَلُّور وقد أشرقت … في جامةٍ مخروطة منْ عَقيق فاشرب على الجُمَّارِ منْ كَفِّها … والوَرْدِ من وجنتها والشقيق ومنهم: [٣٩٠] الصدفي، عبد الله بن الحصين (٥) من قرية صدف قريب القيروان. ملئت بالدر صدف صدفيه، وذُمّت ذمم السحب لإهمالها بحق وفيه. لم

стр. 6131

يزل لهجًا بالمعنى لإبراز خفيه، وإعجاز القرائح لقصورها عن مباراة مَشْرَفِيه. قال ابن رشيق (١): «له شعر طائل، ومعان عجيبة». ومما أنشد له قوله: [من البسيط] ولي أخ من بني الآدابِ هِمَّتُهُ … بين السماك وبين البدر منزلها ولو أرادت عُلُوًا فوقَ ذَا لَعَلَتْ … لكنّها قربت ممن يُؤَمِّلها ومنهم: [٣٩١] أبو الفتوح بن محمد (٢) ذو الفتوح الذي لم يغلق له باب، ولم تقطع له أسباب، ولا قفل منذ فتح، ولا سلب مما مُنح، ولا خَبَا زنده منذ قَدَح، ولا سكن برقه من سُلتْ قواضبه على السحاب حتى ذبح. قال ابن رشيق (٣): «شعره سهل وطيء لا يتكلّفه، فإذا تكلّف ظهر ذلك عليه» ومن مختار كلامه قوله (٤): [من البسيط] من أين يهتضمُ الحُسّادُ لا سَلِموا … مَعَاليًا أكثروا فيها لكَ الحَسَدا لم يجعل اللهُ حَظًِّا للحَسُود لها … إلا تنفسَهُ مما بهِ الصُّعَدا ما استوجب الذم عندي والمَلامةَ بل … أولى بهِ أَنْ يُرَى في ذاكَ قَدْ حُمِدا أراد فيك اغتمام الناسِ كُلِّهمُ … فما رَمى الغَم منهمْ غَيرَهُ أَحَدا ومنهم: [٣٩٢] ابن الإسفنجي، أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد اللخمي (٥) كاتب كابت، وحاسب حاسَبَ النجوم الثوابت، فطوى عليها جريدته، وضم

стр. 6132

إليها طريدته، حتى أمست لديه نطقها، وأضحت ومطلع فكره أفقها. قال ابن رشيق (١): «ناقد في علم الديوان، مشهور بعمل الشعر، متوسط الطبقة، أظنّه لا يصنع إلا لمحًا عن غير قصد ولا تعمد». ومما ذكر له قوله (٢): [من الكامل] قاض إذا أمضى بديهة قوله … فهيَ السِّراج لكلِّ أمرٍ مُشْكِل راضت تجاربه الزمانَ ورَاضَها … فاقتادَ أَصعبه برأي فيصل جعل السماح شعارَهُ ودِثارَهُ … فيمينهُ وشِمَالُهُ كالشمال يلقى العفاة ببشرِهِ ونَوَالِهِ … وبياضِ غُرَّةِ وجهِهِ المُتَهلَّلِ ومنهم: [٣٩٣] عبد الله بن فلاح (٣) هو آخر ما اخترته من الأنموذج، واشترته من جنى ذلك الشهد الذي لم يمزج، لم تقصر له يد، ولا عرف إلا وفلاح له أب وجد. قال ابن رشيق (٤): «كان مصدرًا للقرآن، مشهورًا بذلك، ذكيًا، لوذعيًا، مليح الشعر». ومما أنشد له قوله (٥): [من الطويل] مَحَلُّكَ من قلبي وسمعي وناظري … حمّى لم يُبِحْه - مذ نايت - مُبِيحُ وإني وإن أبصرتُ منك تغيرًا … على ما بقلبي من هَوَى لَشَحِيحُ يقول أناسٌ: قَدْ سَلَوتَ وإِنَّني … لفي حَسَرَاتٍ أَعْتدي وأَرُوحُ تمكن من جسمي الضَّنى فأَذَابَهُ … فها أنا أبلى والفؤاد صحيح قلت: وهذا شعر يرف نضارة، ويذوب غضارة، يستبكي الصخر الأصم، ويلين قوى الجليد. وقال ابن رشيق: ومنه قوله وأجاد (٦): [من الطويل]

стр. 6133

وَسَطَا بِالسَّيْفِ لَا بِالنِّجَادِ … وَرَثَى أَخًا وَفِي لَهُ بحُسْنِ الوِدَادِ وقوله (١): [من الطويل] أَيَا مَنْ رَأَى قَبْرًا تَضَمَّنَ رَمْسُهُ … أَخًا سَكْرَةٍ مَا إِنْ يُفِيقُ إِلى الحَشْرِ وَأَصْبَحَ وَجْهِي بَعْدَ أَيِّ نَضَارَةٍ … كَسَاهُ البِلَى ثَوْبًا يَجِدُّ مَعَ الدَّهْرِ وهذا آخر المختار من الأنموذج. فأما ما وقع عليه الاختيار من … الذخيرة، وربما وافق القلائد وما ذكره ابن خلكان فطائفة: منهم: [٣٩٤] علي بن عبد الغني الفهري، المقرئ الضرير الحصري القيرواني (٢) الشاعر المشهور. رجل لم يكفه أنه من فهر في ذوائبها، وعلى حياض العرب حيث يذود بعصاه لغرائبها، حتى نال من الآداب أقصى رغائبها، وآل بأبهى طلائبها، وآن لتجار دارين معه أن ينفض ما في حقائبها، أدبًا برع، وشعرًا دق أنوف الغرب وقرع، وبيانًا هو الصباح لا بل هو النهار وقد مَتَع، وفضلًا هو الغمام لا بل هو الروض لمن رتع، وعلمًا كثر عنه الأخذ، وظهر ولا سبيل عليه للمأخذ. قال ابن بسام في حقه (٣): «كان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم جماعة. طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب

стр. 6134

يومئذ بأفقنا نافق السوق، معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني يتلفت إلى الهجاء، تلفت الظمآن إلى الماء، ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه». قال ابن خلكان (١): وهذا أبو الحسن ابن خالة أبي إسحاق الحصري صاحب «زهر الآداب» وقال: ولما كان مقيمًا بمدينة طنجة، أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحتفل به، فقال: [من مجزوء الرمل] حمص الجنة قالت: … لغلامي لا رُجُوعا رَحِمَ اللهُ غُلامي … مات في الجَنَّةِ جُوعا وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبي العرب مصعب بن محمد الزبيري خمسمائة دينار، وأمره أن يتجهز بها، ويتوجه إليه، وكان بجزيرة صقلية، وبعث مثلها إلى أبي الحسن الحصري، وهو بالقيروان، فكتب إليه أبو العرب: [من البسيط] لا تَعْجَبَنَّ لرأسي كيف شابَ أَسَى … وأَعْجَبْ لأسودِ عَيْني كيفَ لَمْ يَشِبِ لبحر للروم لا تجري السَّفِينُ بِهِ … إلا على غَرَر والبر للعَرَبِ وكتب إليه الحصري: [من البسيط] أمرتني بركوب البحرِ أَقطَعُهُ … غَيري لكَ الخيرُ فَاخْصُصْهُ بذا الرَّائِي ما أَنْتَ نوح فتنجيني سَفِينَتُهُ … ولا المسيح أنا أمشي على الماء ثم دخل الأندلس بعد ذلك، وامتدح المعتمد وتوفي بطنجة. ومنهم: [٣٩٥] عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الأندلسي القرطبي، أبو الوليد، عرف بالفرضي (٢) فاضل غلب الشعر عليه، وسلب باقي ما لديه، لبس منه جلبابًا، وتدفق منه عبابا، وأعاد به زمان ذوي الهيئات من يَمَن في غطاريفها، وقسم لهم مآثر قديمها، وله مفاخر طريفها.

стр. 6135

قال ابن خلكان (١) - وقد ذكره -: كان فقيهًا عالمًا في فنون من علم الحديث والرجال والأدب البارع وغير ذلك. وله «تاريخ علماء الأندلس»، وهو الذي ذيل عليه ابن بشكوال، «والمؤتلف والمختلف»، و «مشتبه التشبيه» وكان في شعراء الأندلس، ورحل إلى المشرق فحج وسمع وأخذ عن العلماء، وكتب من أماليهم. وأنشد له بيتين سأذكرهما بتغيير في البيت الثاني عما أنشده، والذي أنشدته أَقْوَمُ بالمعنى، وهما كما أنشدنيهما الحافظ الرُّحْلَة الأديب أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري: [من الكامل] يا من سقامي من سقام جُفُونِهِ … وسوادُ خَطَّي مِنْ سَوَادِ عُيونِهِ قد كُنْتُ لا أرضى الوصال وفوقَهُ … واليومَ أَقْنَعُ بالخيال ودونه ومنهم: [٣٩٦] محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز القيرواني، أبو عبد الله (٢). فاضل عزّ بالمعز، وعدّ له منه معدًّا، أوى منه إلى حرز، وألف له كتبًا ما سبق إلى طريقها، ولا سرق مهزّ الغصن إلا من وريقها، أكثرها في النحو واللغة. كان لها في ذلك السوق نفاق، ونحو أصلها إنفاق، اكتسب بسببها جملًا، واكتسى حللًا، وأجازه المعز مرة ثلاثمائة ألف درهم على كتاب في النحو نحو ألف ورقة، وأجرى عليه كل هلال بدرة للنفقة، وحَلّ في صدر تلك الدولة محل التكرمة، وأثرى بنوء كل مكرمة. وله شعر منه قوله (٣): [من الوافر] لو أَنْبَسَطَتْ لي الآمال حتى … تصيّرَ من عنانك في يميني

стр. 6136

لَصُنتُكَ في مكانِ سَوَادِ عَيني … وخِطْتُ عليكَ منْ حَذَرٍ جُفوني ومنه قوله (١): [من الطويل] أَلا مَنْ لِرَكْبِ فَرَّقَ الدهرُ شَمْلَهُمْ … فَمِنْ مُنجِدٍ نائي المَحَلِّ ومُنْهِمِ كأَنَّ الردى خاف الردى في اجتماعِهِمْ … فَقَسَّمَهُمْ في الأَرْضِ كُلَّ مُقَسَّم ومنه قوله (٢): [من الوافر] أحينَ علمتَ أَنَّكَ نور عيني … وأَنِّي لا أَرَى حتى أَراكا جَعَلْتَ مَغِيبَ شخصِكَ عَنْ عِياني … يُغيّب كل مخلوق سواكا ومنهم: [٣٩٧] محمد بن عبادة القزاز، أبو عبد الله (٣) صاحب الموشحات الموشعات، والكؤوس المشعشعات، والبدائع التي لم يحصرها الوزن، والوشائع التي لم يلبس مثلها روضُ الحَزْن، والروائع التي لا عيب في درها إلا أنه لم يدخر بالخزن. قال ابن بسام فيه (٤): «أكثر ما ذكر اسمه، وحفظ بظهر في أوزان الموشحات التي كثر استعمال أهل الأندلس لها، وهذا الرجل ممن رقم ديباجه، ورصع تاجه». وأنشد له (٥): [من الكامل] يَا دَوْحَةً بظلالها أَتَفَيَّأُ … بَلْ مَعْقِلًا آوي إليه وألجأ رَمِدَتْ جفوني مُذْ حللت هنا ولو … تُحِلَتْ برؤيتكم لكانتْ تَبْرَأُ فَخُبِيْتُ عنكَ وإنما أَنا جَوْهَرٌ … في طَيّ أصداف الحوادث أُخْبَأُ يا من إذا انتسب البرايا للثّرى … فلهُ منَ الشمس المنيرة تضيء لم أخترع فيك المديح وإنما … منْ بَحرِكَ الفَيَّاضِ هذا اللؤلؤ وقوله (٦): [من الخفيف]

стр. 6137

انظرِ الفَحْمَ الفَحْمَ قَدْ علاهُ بياضٌ … وكَسَا لُونَ وَجْهِهِ تَتْرِيبا لونَ شَعْرِ الشَّبابِ كانَ ولكنْ … حُرَقُ النَّارِ أَوْرَثْتُهُ المَشِيبا ومنهم: [بنو القبطرنة] هكذا ذكره ابن خلكان، وضبطه على ما يأتي: هم ثلاثة كثلاثة الراح، وثلاثة الإشراق: وجه الحبيب، والمصباح، والصباح، لم يكن مثلهم ثلاثة أخوة في قديم ولا حديث، كأنما حمدت لأجلهم أهل النحامة الثلث. قال الفتح (١): «هم للمجد كالآثافي، وما منهم إلا موفور القوادم والخوافي، إن ظهروا زهروا، وإن تجمعوا تضوّعوا، وماؤهم صفو، وكل واحد منهم لصاحبه كفو». فمنهم: [٣٩٨] أبو بكر، عبد العزيز بن سعيد البطليوسي (٢) وذكره ابن بسام (٣): ولم يزد في نسبه إلى أن قال (٤): «أبو بكر عبد العزيز بن سعيد البطليوسي». ثم قال: «أحد فرسان الكلوم والكلام، وحملة السيوف والأقلام، من أسرة أصالة، وبيت جلالة، ولله دره فإنَّه وأخويه أبو محمد طلحة وأبا الحسن محمدًا ثلاثة كهقعة الجوزاء، وإن أربوا على الشمس في السناء، امتروا أخلاف الفخر فأمطرتهم شَبَعًا ورِيَّا، وهزوا بجذع الأدب، فاساقطت عليهم رطبًا جنيا، ولم يحضرني من

стр. 6138

أشعارهم، ومستظرف أخبارهم إلا ما أثبتته لأبي بكر منهم خاصة، وهو عَلَمُ بُرْدِهم، وواسطة عقدهم». ومما أنشد له في جواب كتبه إليه أبو محمد بن عبدون منه (١): [من الطويل] شوقي بني عبد العزيز وما أنا … بناب إذا التفت عدًا ونوائب لَغًا لسُرُورٍ لمْ يقُمْ منكمُ بِهِ … مُحِبّي على طُولِ المَدَى أَوْ مُخَاطِبُ ولم تُثْبِتُوا حرفًا إليَّ وأنتم … ثلاثة كتاب وما أنا كاتب من قول أبي بكر الطوسي صاحب هذه الترجمة ما نذكره: (٢): [من الطويل] لك الخيرُ شكّتْ رحلَكَ العِيسُ حِطَّة … قليلًا وعَرِّسٌ قَدْ شَكَتْكَ السَّبَاسِبُ على أَنَّ للأيام فينا وقائعًا … نَبَا شاعر فيها وأفحم كاتب وأما امرؤ القيس السواري، فإنَّه … رأى الدرب حقًا فاتْلُهُ أَنْتَ صاحب يُغنّيهِ غِرِّيدُ الدُّجى فإذا وَنَى … يُغنيه ساقٍ مِنْ دَمِ السَّاقِ شارب وقال (٣): «قوله: امرؤ القيس السواري» يعني أبا بكر بن سوار الأشبوني،، وكان أسر في طريق قورية، وبقي بها مقيّدًا إلى أن من الله بانطلاقه من وثاقه، وأشار بذكر امرئ القيس في قوله: [من الطويل] «بكى صاحبي لما رأَى الدَّرْبَ دُوْنَهُ» وكذلك أنشد له قوله يذكر بقرةً أخذها له الريق صاحب قلمونة (٤): [من الطويل] وافقدنيها الريقُ أُمًّا حَفِيةً … إذا هي صفّتْ أَلَّفَتْ بينَ رِفدَينِ تعنفني أمي على أَنْ رَثَيْتُها … بشعْرِي وأن اتبعتها الدم من عيني لها الفَضْلُ عندي أَرْضَعَتْني أَرْبَعًا … وما بلغتني دَرَّها رأسَ حولين وكذلك قوله فيها (٥): [من الطويل] وفَجَعَنِي ذا الريقُ لا دَرَّ دَرُّهُ … بأُمٌ عِيال ما عرفنا بها الجَدْبا يرى فَخِذَيْها تَحْمِلانِ خزانَةً … إذا فتحتها إصبعًا مَلأَتْ وَطْبا وقوله يهتدي صقرًا (٦): [من الكامل] حَلَّيْتَ بالنِّعَمِ الحِسامِ سَمَاحَةً … عُنُقِي فَحَلِّ يَدي كَذَاكَ بِأَجْدَلِ وامنن به ضافي الجَنَاحِ كَأَنَّما … جُذِبَتْ قوادِمُه بريح الشمالِ

стр. 6139

أَعْدُو بِهِ عُجْبًا أُصَرِّفُ في يَدِي … ريحًا وآخذُ مُطلَقًا بِمُكَبَّلِ وقوله (١): [من الطويل] وما الشَّعْرُ مِنْ هَمِّي ولكنْ خَوَاطِرِي … تُغالِبُني فيهِ وهُنَّ غَوَالبي أُقلّل منه مازحًا غير طالب … وأكثر فيه فاخرًا غير كاذب وقوله ما ذكره مفرقًا له من قصيدة فضممته، وألفته بعضًا إلى بعض ولممته وهو (٢): [من الطويل] لعينيك وَعْدٌ مِنْ فُؤادي مَكْذُوبُ … مَضى عَهْدُهُ إِلا سُهاد وتعذيب وقد شَقَّ هُدْبُ الليلِ عَنْ شَمْلَةِ الضُّحى … ببرقٍ على ثَوْبِ الدُّجَى منه تكتيب كأَنَّ أَهازيج الذُّبابِ أَسَاقِفٌ … لها مِنْ أَزاهِيرِ الرِّياضِ مَحَارِيبُ أخوه: [٣٩٩] أبو محمد (٣) شقيق نسبه، وشقيق روض أدبه، ورحيق سلافه المتبسم عن حسّه. ومن شعره قوله (٤): [من الطويل] ومنكرة شيبي لعرفانِ مَوْلِدِي … ترجُعُ والأجفان ذاتُ غُرُوبِ فقلتُ بسُوقُ الشَّيبِ مِنْ غيرِ وقتِهِ … زَوالُ نعيم أو فراق حبيب أخوهما: [٤٠٠] أبو الحسين، الحسن (٥) ثالث النيرين المشرقين، والفرقدين داما غير مفرقين. ومن شعره قوله (٦): [من المتقارب]

стр. 6140

ذَكَرْتُ سُليمى ونار الوغى … كقلبي ساعة فارقتها وأبصرتُ بينَ القَنَا قدَّها … وقَدْ مِلْنَ نَحْوِي فعانقتها وقوله (١): [من الطويل] رأى صاحبي عَمْرًا فَكُلِّفَ وصفَهُ … وحمَّلني من ذاك ما ليس في الطَّوْقِ فقلت له عمرو كعمر و فقال لي: … صدقت ولكن ذاكَ شَبَّ عن الطوق قلت: فمنهم: [٤٠١] أبو بكر، محمد بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم الأندلسي (٢) الأشبيلي الأصل، القرطبي المولد من أعلم أهل زمانه باللغة العربية مع مشاركة في الفقه والحديث والخبر النادر، وأروى الناس للأشعار، ولم يكن بالضابط لرواته. نسبته إلى قوط بن حام بن نوح نسبه إلى جدة جده إبراهيم بن عيسى، وهي سارة بنت المنذر بن غيطشة من ملوك القوط بالأندلس. فمن شعره قوله (٣): [من الخفيف] يا أخي قُمْ تَرَ النَّسِيمَ عَلِيلا … باكرِ الروض والمدام الشمولا لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّةَ يومٍ … إِنَّ تحت التراب نوما طويلا وقوله (٤): [من المتقارب] هلَّمَ إِلَى رَوْضِنا يا زَهَرُ … ولُجْ في سماء المُنى يا قَمَرْ وَقَعْتَ مِنَ القَلْبِ وَقْعَ المُنى … وحَسَّنْتَ في العَينِ حُسْنَ الحَوَرْ

стр. 6141

وقوله (١): [من الكامل] بالخيرِ لا عَبَسَتْ هُناكَ غَمَامَةٌ … إلا تَضَاحَكَ إِذْخِرًا وجَليلا يومًا وليلًا كان ذلكَ كُلُّهُ … سَحَرًا وهذا بُكْرَةً وأَصِيلا لا أَدْرَكَتْ تلكَ الأَهِلَّةُ دَهْرَها … نقصًا ولا تلك النجوم أفولا وقوله (٢): [من الطويل] مضى الأنس إلا لوعة تستفزني … إلى الصَّيْدِ إِلَّا أَنَّني دُوْنَ شَاهِيْنِ فَمُرْ لي به ضافي الجَنَاحِ كَأَنَّهُ … على دستبان الكف بعض السلاطين إذا أَخَذتْ كفاه يومًا فريسةً … فَمِنْ عَقْدِ سَبْعِينَ إِلَى عَقْدِ تِسْعِينِ وقوله يرثي زوجته (٣): [من البسيط] يا ربةَ القَبْرِ فوق ذو حَرَقٍ … يَرْثى لهُ القَبْرُ مِنْ شَجْرٍ وَمِنْ شَجَنِ قد خالف القلب فيكَ العَيْنَ مِنْ نَكَدٍ … فَاسْوَدَّ بالغَمِّ وَابْيَضَّتْ مِنَ الحَزَنِ وقوله مما كتب به إلى مسجون (٤): [من الطويل] أتتني على رغمي فما شت عَبْرَةً … أَرشت بها عيناي طلُّهُما وَبْلُ ولا عَجَبٌ أَنْ ضَمَّكَ السِّجْنُ إِنَّهُ … لَعَمْرُ العُلا عِمْدٌ وَأَنْتَ لَهُ نَصْلُ تتمة ومنهم: [٤٠٢] الحكم بن محمد غلام البكري، أبو الحسن (٥) أديب ما كحل وسن طَرْفِه بسهد، ولا شُبِّه جني ريقه بشهد، ولا بات من حبيب على وعد يقلبه، ولا بعد مدى يود أنه يقربه، لمساعدة القدر، ومساعفة الليالي له بالقمر. قال فيه الفتح (٦): «طلع في سماء الدولة العبادية نجمًا، وصار لمسترق سمعها

стр. 6142

رجمًا، وكان له فيها مقامًا محمود، ووقود لم يَعْرُهُ حُمود، ثم استوفى طَلَقَه، ولَبِسَ العمر حتى أَخْلَقَه». وأنشد له قوله (١): [من الطويل] أَلا حَتْ وللظلماء من دُونِها سَدْلُ … عقيقة برق مثل ما انتُضِيَ النَّصْلُ أَطارتْ سَناها في دُجاها كأَنَّها … تَبَلُّجُ خَدٌ حَقَّهُ فَاحِمٌ جَمْلُ لذى ليلة رومية حبشيةٍ … تغازلنا منْ شُهْبِها أَعينُ شُهْلُ تودُّ عيون الغانيات لو أنّها … إذا مُرِهَتْ عند الصباح لها تُحْلُ بَدَتْ في حُلاها فاتَّقَينا نُجُومَها … بأنجم راح في الشفاء لها أُفْلُ إلى أن بدا للصبح في طُرَّةِ الدُّجى … دبيبٌ كَمَا اسْتَقَرَّتْ مَدارِجَها النَّملُ وقوله (٢): [من مخلع البسيط] أَرَّقَنِي بَعدَكَ البُعادُ … فناظري كُحْلُهُ السُّهادُ يا غائبًا وهو في فؤادي … إن كان لي بعدَهُ فُؤادُ حَسْبُ العِدَا مِنْكَ ما رَأَوْهُ … لا وَرِيتْ للعدا زنادُ لم يعلم الصائدونَ مِنْهُمْ … أَنَّكَ عنقاء لا تُصاد وأَنَّ في راحتيكَ سَعْدًا … يندَقٌ مِنْ دونِه الصادُ والليثُ شبعان لا يبالي … أدائر حولة النقادُ وحكى الفتح في ترجمة ابن وهبون (٣): أنه ركب في جماعة من الأدباء بإشبيلية في نهرها «في ليلة تنقبت بظلمائها، ولم يَلُحْ قمر في سمائها، وبين أيديهم شمعتان، قد انعكس شعاعهما في اللجة،، وزاد في تلك البهجة». وأنشد ما قاله ابن وهبون في ذلك، وهي الأبيات الدالية التي في ترجمته. ثم قال (٤): وكان معه غلام البكري متعاطيًا للراح، جاريًا في ميدان ذلك المراح؛ فلما جاء عبد الجليل بما جاء، وحلّ للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال، فقال بين البطء والاستعجال: [من الكامل] أَعْجِبْ بمنظرِ ليلةٍ لَيْلاءِ … تُجْنَى بها اللذات فوق الماء في زورق يُزهى بِغُرَّةِ أَغْيَدٍ … يختالُ مثل البانةِ الغَنَّاء

стр. 6143

قُرِئَتْ لديه الشمعتانِ بوجهِهِ … كالبَدْرِ بينَ النَّسْرِ والجوزاء والتاج تحت الماء ضوء منهما … كالبَرِقِ يخفق في غمام سماء وقد ذكره ابن بسام؛ فقال (١): «وأبو الحسن في وقتنا بحر من بحور الكلام، قذف بدر النظام، فقلّده أعناق الأنام، أسحر من أطواق الحمائم، وأبهر من النجوم العواتم، من شعراء الدولة العبادية، ولما انجابت غيومها، وامَّحَتْ نجومها، بخلع صاحبها خلع أبو الحسن صنعة الشعر خلع النجاد، وتبرأ منها تبري العباسية من دعوة زياد، إلا إلمام الطيف بعين الفرق، والتفات الدليل إلى بُنَيَّاتِ الطرق، وقد أثبت له من الشعر ما يقضي له بالفرْق، ويخصه بقصبات السبق». ومما أنشد له قوله (٢): [من الطويل] مَضَيتَ كما يمضي الحُسَامُ المُصَمِّمُ … وأُبْتَ كما آبَ الحَيَا المُتبسم سيعلمُ مَنْ ناواكَ أَنَّكَ لا الذي … يَخِيمُ على الحربِ العَوَانِ ويُحْجِمُ لتربأ بك الأيامُ عنْ حَدثانِها … فإِنَّكَ في بَهْمَاءِ دَهْرِكَ مَعْلَمُ لك الخيرُ إِنَّ القَلْبَ واع وإِنَّما … يبُوحُ بما فيه اللسانُ المُترجم ومنه قوله (٣): [من الطويل] تَدَرَّعْتُ قلبي جُرْأَةٌ وَحَزَامَةً … ومَنْ يدَّرع قلبًا يهن عندَهُ الدِّرْعُ أرى النقص عارًا في الجَوَارِحِ والنُّهى … فما لفَمِي أَخْذ ولا ليدي مَنْعُ ومنه قوله يصف مصنعًا عمله المعتمد (٤): [من المتقارب] أَقَرْنُ الغَزَالَةِ أَمْ مَعْقِلُ … يكادُ الجمادُ بِهِ يَعْقِلُ قَرَارَةُ أُنس … الظباء … بهِ والضَّرَاغِمَةُ البُسْلُ تجرد أفواهها في الصَّفا … سُيُوفًا بشمس الضُّحى تُصْقَلُ وليست سيوفًا ولكنّها … لظامي الثَّرَى مَنْهَلٌ سَلْسَلُ يشق المياه بهنَّ المياه … كما شَقَّ في اللامَةِ المُنْصُلُ مَحَاسِنُ للرَّوضِ فيَّاضَةٌ … بها تصنعُ الأَرضُ مَا تَحْمِلُ تُرَضَعُ أطفال أشجارها … ضُرُوعُ مَنَاعِبِها الحُفَّلُ

стр. 6144

يَلِي الحَوْضَ مِذْنَبَةٌ مِثْلَمَا … جَنَا الرِّدْفُ وَانْدَمَجَ الأَيْطَلُ يَلُفُّ الثَّرَى في بُرُودِ الرَّبِيعِ … إِذَا غَزَتِ الرَّوْضَةُ الشَّمَالُ وَفِي صَحْنِ صَفْحَتِهِ مَجْلِسٌ … شَرُودُ اللِّحَاظِ بِهِ يَعْقِلُ كَأَنَّ تَمَاثِيلَ جُدْرَانِهِ … عَلَى مَنْ يُقَابِلُهَا تُقْبِلُ كَأَنَّ أَعَالِيَهُ رَوْضَةٌ … وَمَرْمَرُ أَسْفَلِهِ جَدْوَلُ يَنُمُّ سَنَاهُ بِأَسْرَارِهِ … فَتَعْلَمْ عَيْنُكَ مَا تَجْهَلُ وَيَكْرَعُ في مَاءٍ لآلَئِهِ … ظِمَاءُ العُيُونِ وَلَا تَنْهَلُ فَلَوْ أَنَّ زَهْرَتَهُ لِلْهَجِيرِ … بَدَا وَرْدُهُ وَشَدَا البُلْبُلُ ومنهم: [٤٠٣] عبد الله بن محمد بن سارة البكري الأندلسي الشنتمري (١) الشاعر المشهور أبو محمد. شاعر ينجز إذا وعد، ويسح إذا رعد، ويجوز النجم إذا صعد. يقوم بميزان الشعر إذا قعد، ويسبق أجل الغمام ولو أنه معه قد اتعد، ويرغب بيانه شعاع الشمس فلا غرو لأفكله إذا ارتعد. انتهى نسبه البكري إلى بكر بن النطاح هجن بلونه من أبنائه، أو سار جده ساره لما سئل الأغن أبنائه، وخلّد من الشعر ما تختطفه الأسماع، وتقتطفه غض الأبداع. ذكره ابن بسام، وقال (٢): «وأولع بالقصار فأرسلها أمثالًا، ورشق بها نبالًا، لا سيما قوارع كرّرها على مردة عصره، ووسم بها أنوف أحسابهم، وخلّدها مثلًا في أعقابهم، وملح في شكوى زمانه، ودلّ بها على علو شأنه، حتى لو أن أبا منصور الثعالبي رآه، أو سمع شيئًا مما نحاه، لأضرب عن كثير ممن به أغرب، كابن سكرة

стр. 6145

وابن لنكك، ومن سلك ذلك المسلك، وكان ضيق المجال، زُحلي الانتقال، لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان، وكانت قصاراه تتبع المحقرات، وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة؛ فلما كان من خلع الملوك ما كان أوى إلى أشبيلية أوحش حالًا من الليل، وأكثر انفرادًا من سهيل وتبلغ بالوراقة وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخلو طريقها، وفيها يقول: [من الكامل] أَمَّا الوراقة فهي آلة حرفةٍ … أوراقها وثمارها الحرمان شَبَّهْتُ صاحبها بصاحبِ إبرة … يكسو العُراة وجسمُهُ عُريان» وقوله: [من الوافر] وإنَّ فمي يُشافِهُ راحتيهِ … فيعرفُ فيهما عَرْفَ السيادَة وقوله (١): [من الكامل] ومُهَفْهَفٍ أَبصرتُ في إطراقه … قَمَرًا بآفاق المحاسن يُشرِقُ تقضي على المهجات منهُ صَعْدَةٌ … متألّقٌ فيها سنانُ أَزْرَقُ وقوله (٢): [من الكامل] أسنى ليالي الدهر عندي ليلةٌ … لمْ أُخْلِ فيها الكَأْسَ مِنْ أعمال فرقت فيها بينَ جَفْنِيَ والكر … وجمعت بين القُرْطِ والخلخال وقوله (٣): [من البسيط] وصاحب لي كَدَاءِ البَطْنِ عشرتُهُ … يَوَدُّنِي كَودَادِ الذئب للراعي يُثني عليَّ جَزَاهُ الله صالحة … ثناءَ هِند على رَوْحِ بنِ زِنْبَاعِ وقوله: «ثناء هند على روح بن زنباع». هذه هند، هي بنت النعمان بن بشير الأنصاري ﵁ وكان روح بن زنباع - صاحب عبد الملك بن مروان - قد تزوجها، وكانت تكرهه، وفيه تقول (٤): [من الطويل] وهل هند إلاّ مُهْرَةٌ عَرَبِيةٌ … سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَها بَغْلُ فإِنْ نُتِجَتْ مُهْرًا كريمًا فبالحرى … وإن يَكُ إقرافُ فَمَا أَنْجَبَ الفَحْلُ

стр. 6146

ويروى: «فمن قبل الفحل» وهو إقواء، ويروى هذان البيتان لأختها حميدة بنت النعمان، والإقراف أن تكون الأم عربية، والأب ليس كذلك، والهجنة أن يكون الأب عربيًا، والأم خلاف ذلك. وقوله (١): [من الطويل] أُعِيدُكَ إِنَّ البَدْرَ باتَ ضَجِيعي … فَقَضَّيْتُ أَوطاري بغير شفيع جَعَلْتُ ابنة العُنقود بيني وبينه … وكانت لنا أُمًّا وكانَ رَضِيعي وقوله (٢): [من الكامل] ومُعَذِّرٍ رَقَتْ حَواشِي حُسْنِهِ … فَقُلُوبُنا وجدًا عليهِ رِقاقُ لم يكس عارضهُ السَّوادُ وإِنَّما … نَفَضَتْ عليهِ صِبعَها الأَحْدَاقُ وقوله (٣): [من الكامل] قاسيتُ حُبّكَ مُنْذُ حَوْلٍ كامل … وطيور آمالي عليكَ تَحُومُ فَحُرِمْتُ منك جميع ما أملتُهُ … أَشْقى البرية عاشق محروم وقوله (٤): [من الكامل] ومُهَفْهَفٍ يختالُ في أَبْرَادِهِ … مَرَحَ القَضِيبِ اللَّدْنِ تحت البارح عاينت في مرآةِ وَهُمِيْ خَدَّهُ … فحكيتُ فعلَ جُفُونِه بجَوَانِحي لا غَرْوَ أَنْ جَرَحَ التوهُمُ خَدَّهُ … فالسحر يعمل في البعيد النازح وقوله (٥): [من الكامل] ماء الجمال بخدِّهِ مُتَرَقْرِقٌ … فالشمس منهُ تَقُومُ في ضَحْضَاحِ رشا له خد البريء ولحظه … أبدًا شريك الموت في الأرواح للهِ دَاءُ زَبَرْجَدٍ في عَسْجَدٍ … في جَوهَر في كَوْثَرٍ في رَاحِ لولا العيون لكانَ مِنْ دُونِ الهَوَى … وقلوبِنا قُفْلٌ بِلا مِفتاح وقوله (٦): [من الطويل] أرى شَجَرَ النارِنج أبدى لنا جَنِّى … كَقَطْرِ دُمُوعِ ضَرَّجَتْها اللواعِجُ جَوَامِدُ لو ذَابَتْ لكانتْ مُدَامَةً … يَصُوعُ الثَّرَى فيها الأكفُ المَوَارِجُ

стр. 6147

كرات عقيق في غُصُونِ زَبَرْجَدٍ … يلفُّ نسيم الريح منها صَوَالِجُ نُقلّبها طورًا وطورًا نَسْمُها … فَهُنَّ خُدُودٌ بيننا ونَوَافِجُ وقوله (١): [من الكامل] أَهْدِ الثَّناء إلى زمانٍ مُشْرِقٍ … أهدى إليك شقائق النعمان يَهْفُو بها مَرُّ النَّسيمِ كَأَنَّهَا … حُمْرُ البُنُودِ نُشِرْنَ في الميدان وقوله (٢): [من الكامل] نَمَّتْ زُجَاجَتُها بها فَحَسِبْتُها … ماءً تُحيط بِجَذْوَةٍ مِنْ نَارِ رام المدير بأنْ يُسَكِّنَ فَوْرَها … فَتَقَاذَفَتْ جَنبَاتُها بِشَرارِ حتى إذا ما ابنُ الغَمَامَةِ شَجَّها … ثارَ الحَبَابُ مُطالبًا بالثار في دِرْعِ نَضَاض كأَنَّ أَدِيمَهُ … يرنو بأحداق بلا أشفار وقوله (٣): [من الطويل] وبستانِ وَرْدٍ في مَطارِفِ سُنْدُسٍ … يَرفُّ على غيدِ السَّوالِفِ مُيَّدِ نَظَرْتُ إليه في الكمامِ فَخِلْتُهُ … ذوائبَ تِبْرٍ عُمِّمَتْ بِزَبَرْجَدِ وقال فيه الفتح (٤): «سابق الحلبة، وعِقْد تلك اللبة، وهو اليوم مكتتم في كِسْرِ تواريه، مقتنع بفلذةٍ تُنعشه وشَملَةٍ تُواريه، وكانت له أهاج سددها نبالًا، وأورث بها خَبَالًا». [من شعره قوله (٥): من الكامل] أما الرياض فإِنَّهُنَّ عَرَائِسٌ … لمْ يحتجبْنَ حِدَارَ عَينِ الكَالِي جاد الربيع لها بنقدِ مُهُورِها … وَرَنا ولمْ يَبْخَلْ بنقد الكالي يَثْنِي الصَّبا منها أَكُفَّ زَبَرْجَدٍ … منظومةٍ أَطْرَافُها بلالي (٦) وقوله يصف كوكبًا ترك وراءه ضياء: [من البسيط] وكوكب أبصر العفريت مُسْتَرِقًا … للسمع فانقض يُذْكِي إِثْرَهُ لَهَبَهْ كفارس حَلَّ إعصار عِمَامَتهُ … فجرَّها كُلَّها مِنْ خَلْفِهِ عَذَبَهْ وقوله: [من الكامل]

стр. 6148

أَوْدَتْ بذاتِ يَدِي فُرَيَّةُ أَرنب … كفؤادِ عُرْوَةَ في الضَّنَى والرقة إن قلت: بسم اللهِ عندَ لباسها … قَرَأَتْ عَلَيَّ: «إذا السماء انشقت» وقوله في بنت ماتت له (١): [من الوافر] ألا يا موت كنتَ بنا رَؤُوفًا … فَجَدَّدْتَ الحياة لنا بِزَوْرَه حَمِدْنَا فِعْلَكَ المَأثور لمّا … كَفَيْتَ مَؤُوْنَةً وَسَتَرْتَ عَوْرَه فَأَنْكَحْنا الضريح بغيرِ مَهْرٍ … وجَهَزْنَا الفَتاةَ بغير شوره وقوله: [من الطويل] ولم أَرَ لابنِ الهَمِّ أَشْفَى مِنَ السُّرى … إذا ماتَ رِفْقُ العَزْمِ ماتَ بِدَائِهِ وإني لألْقَى كُلَّ وجه بمثلِهِ … ولا عَجَبٌ فالماءُ لَوْنُ إنائِهِ وقوله: [من الكامل] النهرُ قَدْ رَقَتْ غِلَالَةُ صِبْغِهِ … وعليهِ مِنْ صبغ الأصيل طراز تترقرق الأمواج فيهِ كأَنَّها … عُكَنُ الخُصُورِ تَهرِّها الأَعْجَازُ وقوله يصف بركة ذات سلاحف، وأجاد في وصفهما (٢): [من البسيط] لله مسحورةٌ في شكل ناظِرَةٍ … مِنَ الأَزاهير أهداب لها وطف فيها سلاحف الهاني تقَامُصُها … في مائها ولها مِنْ عَرْمَضِ لُحُفُ تنافر الشطُّ إلا حينَ يخْصِرُها … بَرْدُ العَشِيِّ فيستدفي وينصرف كأنها حين يبديها تشرّفها … جيش النَّصارى على أكتافها الجُحُفُ وقوله يرثي امرأة (٣): [من البسيط] تفطرت كَبِدُ العليا للؤلؤة … لم تُودَع التَّرْبَ إِلا مِنْ كَرَامَتِها نُوَّارَةٌ مَلأَتْ أُفْقَ التَّقى أَرَجًا … فَرَدَّها الدَّهْرُ صَوْنًا في كمامَتِها (٤) وقوله في النار (٥): [من الخفيف] لابنة الزندِ في الكَوَانينِ جَمْرٌ … كالدَّراري في دجى الظلماء

стр. 6149

خَبِّرُونِي عنها ولا تُكذِبُوني … أَلَدَيْها صناعَةُ الكِيمياء سَبَتْ فَحمُها سَبائِكَ تِبْرٍ … رَضَعَتْها بالفِضَّةِ البيضاء كلَّما وَلْوَلَ النَّسِيمُ عليها … رَقَصَتْ في غِلالةٍ حَمْرَاءِ لو ترانا مِنْ حَوْلِها قُلْتَ شَرْبٌ … يَتَعاطَونَ أَكْؤُسَ الصَّهباء سَفَرَتْ في عِشَائِها فَأَرَتْنا … حاجِبَ الشَّمْسِ طالعًا بالعشاء وقوله فيها (١): [من الكامل] جاءتكَ في تَنُّورِها المَسْجُورِ … زَهْراءُ في حُلَلٍ مِنَ الديجور لما تهلل في الظَّلامِ جبينُها … لَبِسَ الظلامُ بها غلالَةَ نُوْرِ يا حُسْنَها وقد ارتمتْ جَنَباتُها … شُرُدًا كمثلِ العَسْجَدِ المَنْثُورِ والجَمْرُ في خَلَلِ الرَّمادِ كَأَنَّهُ … وَرْدٌ عليهِ ذَرِيرَةُ الكَافُورِ في ليلةٍ خِلْنا دُجَاهَا إِثْمِدًا … ونُجُومَها مَرْضَى عُيُونَ الحُوْرِ وقوله (٢): [من السريع] قد شابتِ النارُ بكانُونِها … لما تَنَاهُى عُمْرُها واكْتَهَلْ كأَنَّها لمَّا حَبَا جَمْرُها … مُطَيِّبُ الوَرْدِ إِذَا مَا ذَبَلْ وقوله في النارنج (٣): [من البسيط] يا رُبَّ نارنجة يلهو النديم بها … كأَنَّها كُرَةٌ مِنْ أَحْمَرِ الذَّهَبِ أَوْ جذوةٌ حَمَلَتْها كَفُّ قابِسِها … لكنَّها جَذْوَةٌ مَعْدُومَةُ اللَّهَبِ ومنهم: [٤٠٤] أحمد بن هريرة القيسي، الأعمى التطيلي، أبو جعفر (٤) نفس جلالة زكي شيمها، وأنف حمية أعار المجد شممها، كان لو مارى الليل لما أسفر، أو نظر الصباح في المشرق لما فر. أي بحر زاخر، وأي بدر زاهر، وأي

стр. 6150

سيل منحدر لأبرده زاجر، وأي طيف سرور في حلم المنام زائر، وأي جواد سابق على طريق المجرة سائر، وأي نجم لا يعدّ له من الفرقدين سامر. مثله ما رأى حتى ولا القمر ولو ارتأى. يضحك كله عن لؤلؤ، ويرقش قلمه صدر بؤبؤ كان يكتب بالمس ويكتب إلا أنه حيث لا تصل الشمس. قال فيه الفتح (١): «وكان بالأندلس سرًا للإحسان، ومبرّزًا على زياد وحسان، إلاّ أنه اختصر حين احتضر، وأضحت نواظر الآداب بعده رَمِدَة، وأضحت نفوسها متوجعة كَمِدَة». وأنشد من شعره قوله (٢): [من الوافر] سَطَا أَسَدًا وأشرقَ بدر تم … ودارت بالمنونِ رَحى زَبُونُ وأَحْدَقَتِ الرِّمَاحُ بهِ فأعْيا … عليَّ أَهالَةٌ هِيَ أَمْ عَرِينُ؟ وقوله (٣): [من الكامل] بحياة عصياني عليكِ عَوَاذِلي … إنْ كانتِ القُرُبَاتُ عِندَكِ تَنْفَعُ هل تذكرين لياليًا سَلَفَتْ لنا … لا أنتِ باخلةٌ ولا أَنا أَقْنَعُ وقوله (٤): [من المنسرح] يا حُسْنَ حَمَّامِنا وبَهْجَتَهُ … مرأَى مِنَ السِّحْرِ كُلُّهُ حَسَنُ مَاءً ونارٌ حَمَاهُما كَنَفٌ … كالقَلْبِ فِيهِ السُّرُورُ والحزن وقوله (٥): [من البسيط] هل استمالكَ جِسْمُ ابْنِ الأَمينِ وقَدْ … سالت عليهِ مِنَ الحَمَّامِ أَنْدَاءُ كالغُصْنِ باشرَ حَرَّ النَّارِ مِنْ كَشَبٍ … فَظَلَّ يقطرُ مِنْ أَعطافه الماء وقد ذكره ابن بسام، ومما قال فيه (٦): «له أدب بارع ونظر في غامضه واسع، ونظم كالسحر الحلال، ونثر كالماء الزلال، جاء في ذلك بالنادر المعجز، في الطويل

стр. 6151

منه والموجز، نظم أخبار الأمم في لبة القريض، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض، وكان في الأندلس سرًّا للإحسان، وفردًا في الزمان، إلا أنه اعتبط عندما به اغتبط، وقد أثبت له مما يشهد له بالإحسان والانطباع، ويثني إليه أعنة الأسماع». ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط] هو الهوى وقديمًا كنتُ أَحْذَرُهُ … السُّقْمُ مَوْرِدُهُ والمَوتُ مَصْدَرُهُ يا لوعةً قَرَّبَتْ مِنْ نَظْرَةٍ أَجَلًا … الآن أعرفُ رُشْدًا كنتُ أُنكِرُهُ جد مِنَ الشَّوقِ كانَ الهَزْلُ أَوَّلَهُ … أَقَلُّ شيءٍ إِذا فَكَرْتَ أَكثَرُهُ ولي حبيبٌ دَنَا لولا تَمَنُّعُهُ … وقدْ أقولُ نَأَى لولا تَذَكَّرُه وقوله (٢): [من الكامل] النوم بعدَكُمُ عليَّ مُحَرَّمُ … مَنْ ذا ينام وقلبُهُ يَتَضَرَّمُ أجريتُمُ دَمْعِي دَمًا الفراقِكُمْ … ظُلمًا وقُلْتُمْ ما له لا يكتم فبِحَقِّكُمْ مَنْ ذا يُعاينُ أَدْمُعِي … تَنْهَلُّ إلا قال: هذا مُغْرَمُ عاقبتموني في الهوى بذُنُوبِكُمْ … لقدِ اسْتَطَلْتُم إِذْ قَدَرْتُمْ فَارْحَمُوا وقوله في فتية كان يهواها (٣): [من البسيط] ركبتُ هَوْلَ الهَوى عَنْ غيرِ تَجْرِبَةٍ … وراكبُ الهَوْلِ مَحْمُولٌ عَلَى العَطَبِ تركتني يا حياتي للرّدى غَرَضًا … تَفْدِيكَ أُمِّي مِنْ صَرْفِ الرَّدى وأَبِي أَشْقى بها وهيَ عنِّي في بُلَهْنِيَةٍ … شتّان والله بين الجد واللَّعِبِ أَصابَتِ القلب لمَّا إِنْ رَمَتْهُ وَلَوْ … رَمَتْهُ أُخْرَى إِذَنْ لَا شَلَّ لَمْ تُصِبِ فقالت: أشك إليها ما لقيت ولا … تَرْهَبْ فلنْ تُبْلَغَ إلا مالُ بالرَّهَبِ على هَوَاكَ سَيعْدِيها فيعطِفُها … فقد يكونُ الهَوَى أَعْدَى مِنَ الجَرَبِ وقوله فيها (٤): [من البسيط] بِنْتُم فخلَّد عندي وَشْكُ بَينِكُمُ … شَوقًا نفى جَلَدِي لا بَلْ سَبَى خَلَدِي هيهاتَ يَسْلُو فؤادي عنكمُ أَبدًا … أَنَّى ووَجْدِي بكم باق على الأَبَدِ أما كفى حَزَنًا أَنْ قَدْ ظَمِئَتُ وقد … عاينتُ عَذْبَ الحَيَا يجري على البَرَدِ

стр. 6152

غَنَّتْ فلَوْ أَنَّ مَيْتًا كانَ يسمعها … لعادَ حَيًّا كَأَنْ لَمْ يَرْدَ يَومَ رَدِي رفقًا بقلبي يا قلبي فإِنَّكَ قَدْ … أَسكنتَ منه الأسى في السَّهْلِ والجلد لم تنطقي قط إلا ظِلْتُ أَفْرَقُ مِنْ … أَنْ أَسْتَطارَ فلم أُبْدِي وَلَمْ أَعدِ ولا مَدَدْتِ يدًا للعُودِ عامدةً … إلا وضعتُ عليهِ أَنْ تَذُوبَ يَدِي وقوله (١): [من الطويل] وقائلة ما بال حمص نَبَتْ بِهِ … ورُبَّ سُؤَالٍ ليس عنهُ جَوَابُ نَبَتْ بي قلتُ العُرْفُ في غيرِ أَهْلِهِ … يعودُ على مُوليه وهوَ تَبَابُ وتالله ما استوطنتها قانعًا بها … ولكنَّني سيفٌ حَوَاهُ قِرَابُ وأروع لا ينأى على عَزَماتِهِ … مرام ولا يُخفِي سَنَاهُ حِجَابُ من المانعين الدهر حَوْزَةَ جَارِهِمْ … وأَشْلَاؤُهُ بين الخُطُوب نهاب وهم جاجأوا بالمُعْتَفِينَ إلى نَدًى … هوَ القَطْرُ لا يأتي عليه حساب يخوِّفُني رَيْبَ الزمان وقدْ حَدَتْ … بِرَحْلِي إِلَى ابْنِ الحَضْرَمِي رِكَابُ فتي لم تُسافِر عنه آمال آمل … وكان لها إلا إليه إياب ولا عيب فيه لامرئ غيرَ أَنَّهُ … تُعابُ لهُ الدنيا وليس يُعاب وقوله (٢): [من الطويل] متى أشتفي منْ لَوْعَتِي إِذْ أُطِيقُها … إذا كان يجنيها فؤادي على جِسْمِي هنيئًا لسلمى فرط شَوْقِي وأنَّني … ذَكرتُ أسمها يومَ النَّوَى ونسيت اسمي فهل لي حَظَّ مِنْ مُواتاةِ صاحب … لهُ قُدْرَةُ القاضي ومَوْجِدَةِ الخَصْمِ كما اضطربَ الخَطَّيُّ في حَوْمَةِ الوَغَى … وضم المنايا في أنابيبه الصم أبا جعفر هذي المَكَارِمُ والعُلا … دعاءً بِحَقِّ وادعاء على عِلْمِ وأَنتَ أَحَقُّ الناس بالحَزْمِ فأتِهِ … وصونُ العُلا بالمالِ أَشْبَهُ بالحَزْمِ وأَحْفَى بألباب الرِّجالِ مِنَ الهَوَى … وأَخْفَى وراء الحادثاتِ مِنَ الوَهْمِ وقوله (٣): [من البسيط] يَفْدِيْكَ كُلُّ جَبَانٍ في ثيابِ جَرِي … نَازَعْتَهُ الوِرْدَ واستأَثَرْتَ بالصَّدَرِ والناس بالناس إلا أَنْ تُجَرِّبَهُمْ … وللبصيرة حُكْمٌ ليس للبَصَرِ

стр. 6153

كالأيكِ مُشْتَبِهات في منابتها … وإنَّما يقع التفضيل بالثَّمَرِ ولي رجال غضاب حينَ سُدْتُهُمُ … لا ذنب للخيل إِذْ لا عُذر للحُمُرِ واستشرفوا كلما أَحْرَزْتَ طائلة … وللسنان مجال ليس للإبر مَلِلْتُ حمص وملتني فلو نَطَقَتْ … كما نَطَقْتُ تَلاحَيْنَا عَلَى قَدَرِ وسَوَّلَتْ لي نَفسي أَنْ أُفَارِقَها … والماء في المُزْنِ أَصْفَى منهُ في الغُدُرِ كم ساهر يستطيل الليلَ مِنْ دَنَفٍ … لَمْ يَدْرِ أَنَّ الرَّدى آتٍ مَعَ السَّحَرِ أما اشتفَتْ مِنِّيَ الأَيامُ في وَطني … حتى تُضايق في ما عَنْ مِنْ وَطَرِي كم ليلة بت فيها ما اقترفتُ كَرى … شتى المسالك بينَ النَّفْعِ والضَّرَرِ حتى بَدَا ذَنَب السرحان لي ولها … كأَنَّما هُوَ زَنْدٌ بِالصَّبَاحِ يَرِي في فتيةٍ … الليل عَزْمَهُمُ … فليسَ يطرقُهُمْ إلا على حَذَرِ لا يرحَضُونَ دُجاهُ كُلَّما أعتكَرَتْ … إلا بمال ضياع أَوْ دَم هَدَرِ باتتْ بِحَطِّي النجوم الزهرُ صاعدةً … كأَنَّما نَقَلَتْها عَنْ بني زُهُرِ القائلين اقدمي والأرضُ قدْر … جَفَتْ إِلا رُبِّي مِنْ بقايا البيض والسُّمُرِ أثني بكلِّ سِنانٍ غُلَّ في زَرَدٍ … كَأَنَّهُ جَدْوَلٌ أَفْضَى إِلَى نَهَرِ والخَيْلُ شُعْثُ النَّواصِي فوقَها بُهَمٌ … حُمْسُ العَزَائِمِ والأخلاق والمِرَرِ شابَتْ مِنَ النقع وأَرْتابَ الشباب بها … فعيرت من دم الأبطال الشقر لو يعلم الأفق أَنَّ الشَّهْبَ مَنْقَصَةٌ … لمْ تَسْرِ أَنْجُمُهُ فِيهِ ولَمْ تَسِرِ وليس للمرء بعدَ الشَّيْبِ مُقْتَبلُ … نهايةُ الرُّوضِ أَنْ يَعْتَمَّ بِالزَّهَرِ أَما تَرَى العِرْمِسَ الوجناءَ كيفَ شَكَتْ … طُولَ السِّفارِ ولم تعجز ولمْ تَخُرِ باتَتْ تُوَجَّى ولو لانت مواطنها … كأَنَّها إنَّما تَخْطُو على إبر تخشى الزمام فتثني خَدَّها فَرَقًا … كَأَنَّهُ بينَ ثِنْيَيْ حِيةٍ ذَكَرِ منْ كُلِّ ناجية الآصال قدْ فَصلتْ … مِنَ الرَّدَى فَحَسِبْناها مِنَ البُكْرِ أمللتها فاستبانت نصف دائرة … لو كُلّفتْ شَأْوَها الأفلاكُ لَمْ تَدُرِ تجري فللماء ساقا عائمٍ دَرِبٍ … وللرياحِ جَناحا طائرٍ حَذِر قد قسمتها يد التقدير بينهما … على السَّوَاءِ فَلَمْ تَسْبَحْ وَلَمْ تَطِرِ أَمَّا إياد فنالت كُلَّ مَكْرُمَةٍ … لولا مَكان رسولِ اللهِ مِنْ مُضَرِ وأوقدوا ونجوم الليلِ قَدْ خَمَدَتْ … في لُجِّ طَامِ مِنَ الصَّبْرِ مُعْتَكِرِ أَلْقَى المَراسِيَ والتَجَّتْ غَياطلُه … على ذُكاءَ فَلَمْ تَطْلُعُ وَلَمْ تَغْرِ وأَتْرَعَ الوَهْدَ مِنْ أَزباد لُجَّتِهِ … بالريش ينبت بينَ القَوْسِ والوَتَرِ

стр. 6154

والأرضُ مَلْسَاءُ لا أَمْتُ ولا عِوَجٌ … لنقطةٍ مِنْ سَرَابِ القاعِ لَمْ تَمُرِ أفادني حُبّك الإبداع مُكْتَهِلًا … وربَّما نَفَعَ التعليم في الكِبَرِ أَبا العَلاءِ وحَسبِي أَنْ يُصِيخَ لها … إِقْرَارُ جَانٍ وإِن شئت اعتذار بَرِي أنا الذي أجْتُنِيَ الحِرْمانُ مِنْ أَدَبِي … إِنَّ النواظر قد تُؤْتَى مِنَ النَّظَرِ ومنهم: [٤٠٥] أحمد بن البني بن جعفر (١) سبحان مصوّره المنشئ، ومبرّز أسطره كالأكحل المرشيء، يصيب ولا يخطئ، ويسرع ولا يبطئ، يخضع النجوم له وهو يطأ على مفارقها، ويدوس في منازل الأقمار على نمارقها، لا يرى جانبه روضه إلا معشبا، ولا بديع فضله إلا معجبا. قال الفتح فيه (٢)، مطبوع النظم نبيله، واضح نهجه في الإجادة وسبيله، ويضرب في الطب بنصيب، وسهم يخطئ أكثر مما يصيب، «ما نَطَقَ مُتَسَرِّعًا، ولا رمق متورّعًا، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب». ومن شعره قوله (٣): [من الخفيف] صَدَّني عَنْ حَلاوَةِ التَّبْشِيعِ … باجتنائي مرارة التوديع لمْ يَقُمْ أَنْسُ ذا بوحْشَةِ هذا … فَرَأَيْتَ الصَّوَابَ تَرْكَ الجَمِيعِ وقوله (٤): [من الكامل] وكأَنَّما رَشَأُ الحِمى لما بَدَا … لَكَ من مُضَلَّعَةِ الحَرِيرِ المُعْلَمِ غَصَبَ الغَمَام قِسِيَّهُ فأَعارَها … مِنْ حُسْنِ معطفِهِ قَوَامَ الأَسْهُمِ ومنهم:

стр. 6155

[٤٠٦] أبو العلاء بن الصهيب (١) طالما اقتاد المعاني قسرا، وأخذ بنات الخواطر أسرى، وجارى شأو الريح فارتدت حسرى، ولاقى جيش الأدباء، فرض جناحهم كسرا. قال الفتح فيه (٢): «نبيل المنازع، جميل التنازع، كريم العهد، ذو خلائق كالشهد، كثير الافتنان، جار في ميدان الذكاء، شقى بأبي أمية أوانا، ولقي كل من صاحبه هَوَانًا، ثم ائتلفا بأخلاق متنافرة، ونفوس بعضها ببعض كافرة». وأنشد له قوله (٣): [من المتقارب] فَمَنْ كانَ ينقصُ إعطاؤُهُ … فإنَّ المعونة لا تنقصُ يكرُّ سَرِيعًا بلا وَنْيَةٍ … وكلُّ طَريد بها يُقنَصُ ومنهم: [٤٠٧] أبو القاسم بن العطار (٤) أديب غل السحب، وغلف بعنبر الليل عقود الشهب، لو مر بالروض، لرف منبته، أو خطا إلى الخطا، لما ذكر تنبته. قال فيه الفتح (٥): «أحد أدباء أشبيلية ونحاتها العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، لولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته». ومما أنشد له قوله (٦): [من الطويل] عَبَرْنا سماءَ النَّهْرِ والجو مُشْرِقٌ … وليس له إلا الحَبَابُ نُجُومُ وقد ألبستهُ الأَيكُ بُرْدَ ظِلالِها … وللشمس في تلكَ البُرُوحِ رُقُومُ وقوله (٧): [من الكامل]

стр. 6156

لله بهجةُ مَنْزَةٍ ضَرَبَتْ بِهِ … فوقَ الغَدِيرِ رُوَاقَها الأنسامُ فمع الأصيل النهر دِرْعٌ سابِعٌ … ومَعَ الضُّحى يلتاح فيهِ حُسَامُ وقوله (١): [من الطويل] مَرَرْنا بشاطي النهر بين حدائق … بها حَدَقُ الأَزهار تستوقفُ الحَدَقْ وقدْ نَسَجَتْ كَفُّ النَّسِيمِ مُفَاضَةً … عليه وما غيرُ الحَبَابِ لها حَلَقْ وقوله (٢): [من الكامل] للهِ حُسْنُ حديقةٍ بَسَطَتْ لنا … منه النُّفُوسُ سَوَالِفٌ ومَعاطِفُ تختال في حلل الربيع وحَلْيهِ … ومِنَ الربيع قلائد ومطارِفُ وقوله (٣): [من الخفيف] هبَّتِ الريحُ بالعَشِيِّ فحاكتْ … زَرَدًا للغدير ناهيكَ جُنَّة وانجلى البَدْرُ بعد هذا فَصَاغَتْ … كَفُّهُ للقتال منهُ أَسِنَّة وقوله (٤): [من الكامل] لا كالعَشِيَّةِ فِي رَوَاءِ جَمَالِها … وبلوغ نفسي مُنْتَهى آمالها ما شِئْتُ شمسُ الأَرضِ مُشْرِقَةُ السَّنى … والشمسُ قَدْ شَدَّتْ مَطِيَّ رحالها في حيث تنسكب المياهُ أَرَاقِمًا … وتُعِيْرُكَ الأفياءُ بَرْدَ ظِلالها ومنهم: [٤٠٨] أبو عامر بن عيشون (٥). تقلبت به صروف الأيام، وجرى مجرى الهدف والسهام. أسخطه الدهر وأرضى، وتطوّر مرّةً سماءً ومرة أرضا، فلقي من الزمان يوميه، وذاق طعميه، وانقاد معه تارة ينصرف عنه وتارة إليه، وآونة يكون له، وآونة عليه. قال الفتح فيه (٦): رجل حل المشيّدات والبلاقع، وحكى النسرين الطائر والواقع، واستدرّ خِلْفَي البؤس والنعيم، وقعد مقعد البائس والزعيم، يومًا في ناووس،

стр. 6157

وآخر في مجلس مأنوس». وأنشد له قوله (١): [من الطويل] سل الكأس عنِّي هَلْ أُدير فلم أصغ … مديحك ألحانًا يَضُوعُ بها كاسي وهل نافح الآسُ النَّدامى فلمْ أَدَعْ … ثناءَكَ أَذْكَى مِنْ مُنافَحَةِ الآس وقوله (٢): [من البسيط] قل للمُلُوكِ وإن كانت لهم هِمَمٌ … تَأْوِي إليها الأماني غير مُتَّئِدِ إذا وَصَلتُ بشاه شاه لي سَبَبًا … فلن أبالي بمَنْ منهمْ نَفَضْتُ يَدِي مَنْ واجَهَ الشَّمْسَ لَمْ يَعْدِلْ بها قمرًا … يعشُو إلى ضوئه لو كانَ ذَا رَمَدِ وقوله (٣): [من الطويل] هَلُمَّ إِلَى وِرْدِ مِنَ الأُنْسِ سابِعَ … تُظَلِّلُهُ الآدابُ هُدْلًا مَوَائدا يرفُ جَنَاهَا حِكْمَةً وبلاغَةٌ … فينظمُ مَقطوعاتها والقَصَائِدا يُثِيرُ على الأَيام حَرْبًا لَعَلَّها … تعيدُ لنا يومًا إلى الأنس قائدا تُتَوِّجُ بالكاسات منكَ أَنامِلًا … يَظَلُّ لها تاج ابن ساسان ساجدا ومنهم: [٤٠٩] ابن الفخار، أبو عبد الله (٤) رجل عصابة لا تتعتع، ورجل سحابة لا تتقشع، رأس صناعة ما وشي مثلها منتخب رداء، ولا غشى زمرد النبات لؤلؤ الأنداء. لا يخاض له غمار، ولا يخان ذمار، ويخاف إلا منه أسد ذو أطمار. قال فيه الفتح (٥): «صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحَسَنْ، حَمِيُّ الأنف لا

стр. 6158

يضام، قويُّ الشكيمة لا يرام. وقف للمطالبة، والأسنة قد أشرعت، وثبت والأطواد قد تضعضعت، وقد أثبت له ما يستطاب»، وتملأ محاسنه الوطاب. ومما أنشد له (١): [من الطويل] وإني لنهاضٍ بكلِّ عظيمةٍ … يضيقُ عليها ذَرْعُ كُلِّ جَبَانِ نَهَضْتُ بها وحدي وغَيريَ مُدَّعِ … يُشارِكُ فيها شِرْكَةً بعِنانِ أنيسي مقامي إذْ أُكَافِحُ للعِدًا … وقد طار قلب الزمرِ بالخَفَقَانِ ويذكر يومًا قمتُ فيهِ بخُطبةٍ … كآثارِ عَدِّ الماء بالسيلان وقوله (٢): [من الطويل] إلى كم يجدُّ المَرْءُ والدهر يلعب … ويبعد عنه الأَمْنُ والخوف يَقْرُبُ وهل نافعي إن كنتُ سيفًا مُصممًا … إذا لم يكن تلقاءَ حَدِّي مَضْرَبُ ومنهم: [٤١٠] أبو بكر بن المرابط (٣) لجة علوم يهيم لونها، وحجة عموم نهى متونها، كشف عن الدنيا مسبل قناعها، وأطل عليه مقبل خداعها، فرأى ما راب، فقطع علائق الآراب، ورضي ببيت يُكنه سقفه، وقليل من العيش يكفّه، فما اضطرب له محال، ولا اضطر إلى مقالبه رجال، فعاش بغير حاسد، ومات فنفق ما لم يُعرف من جوهر الكاسد. ذكره الفتح فقال (٤): «مديد الباع، شديد الانطباع، سلك مسلك الموفقين، وهجر طريق المتشدقين. وكانت له همة لم تعلّق يده بعمل، ولم تطلق له عنان أمل، فأغري بالخمول، وبرئ من منال المأمول، حتى حواه ملحده، وطواه دهره وهو أوحده». وأنشد له (٥): [من مجزوء الرمل]

стр. 6159

سر إنِ اسْطَعْتَ فإني … لست أسطيع مسارا ذلك البدر الذي قا … بلتُ لا يلقى السِّرَارًا قلدوا مَبْسِمَهُ الدّرَ … وجَفْنَيه الشفارا لا ترى عناك إلا … القوم قتلى وأسارى وقوله (١): [من مجزوء الرمل] راقنا الدَّهْرُ صَفاءً … بعد تكديرِ صَفَائِة كانَ مِثلَ السيفِ مُدْمّى … فَجَلَوْه عن دمائة أو كمثلِ الوَرْدِ غَضًّا … فهو اليوم كمائة (٢) ومنهم: [٤١١] أبو بكر، عبادة بن ماء السماء (٣) وما أعرف هل هو إلى ذلك الأب القديم، ومن ذلك النهج القويم، أم هو شيء سمي به أبوه، وماله نسب في القدماء، ولا بل بقطرة من ابن ماء السماء، وله أدب أكثره لم يلم بأحياء العرب، ولا تَمَّ له في تلك المقاصد أرب. قال فيه ابن بسام (٤): «وكانت صنعته التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام هذا عبادة منآدها، وقوّم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهارًا غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته». قلت: ومن محاسنه قوله في البَرَد المشهور (٥): [من المنسرح] أرسل ملء الأكف مِنْ بَرَدٍ … جَلَامِدًا تهمي على البَشَرِ كاد يُذيبُ القُلُوبَ منظرُها … ولوْ أُعِيرَتْ قَسَاوَةَ الحَجَرِ

стр. 6160

وقوله (١): [من الكامل] أجلُّ المُدامة فهي غيرُ عروسٍ … تجلو كُرُوبَ النفس بالتنفيس واستغنم اللذات في عَهْدِ الصَّبا … وأَوَانِهِ لا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوس وقوله (٢): [من المنسرح] اشرب فعهد الشباب مُغْتَنَمُ … وفرصةٌ مِنْ فَوَاتِها نَدَمُ كأنها صارم الأمير وقد … خَضَبَ خَدَّيْهِ مِنْ عِدَاهُ دَمُ وأَسْقِ بِتَذْكَارِهِ الكُؤُوسَ فما … يكدُّ نقلًا سوى ثَنَاءِ فَمُ وقوله (٣): [من السريع] يقول لي السَّاقِي اغْتَبِقْ لي بها … وَخُذْ لُجينًا وأَعِدْ عَسْجَدا أُغْرِقَ فيها الهم لكنْ طَفَا … حَبَابُها مِنْ فَوْقِها مُزْبِدا كأَنَّما شبها شَارِبٌ … أَمْسَكَهَا فِي كَفِّهِ سَرْمَدًا وقوله (٤): [من الطويل] لنا صاحب حاز المعالي بأَسْرِها … فأصبحَ في أَخلاقِهِ وَاحِدَ الخَلْقِ فلا يَغْتَرِرْ منهُ الجَهُولُ بِبِشْرِهِ … فمعظمُ هَوْلِ الرَّعْدِ فِي أَثَرِ البَرْقِ وقوله في علي بن حمود (٥): [من الوافر] أطاعتك القُلوبُ ولا عَصِيُّ … وحِزْبُ اللهِ حِزْبُكَ يا علي أبي لكَ أَنْ تُها عُلاكَ جَدُّ … هِشَامِي وجد هاشمي وما سُمِّيت باسم أبيك إلا … ليحيى بِالسَّمِي لَهُ سَمِيُّ فإنْ قالَ الفَخُورُ: أَبي فُلانٌ … فَحَسْبُكَ أَنْ تَقُولَ: أَبي النَّبِيُّ ومنهم: [٤١٢] عبد الملك بن زيادة الله الطبني، أبو مروان (٦) شاعر لا يشق معه في مضمار، وباخل لا يُفتح كفه ولو ثقبت بمسمار، هذا عن

стр. 6161

ثروة ما جف نداها، ولا كف مداها، كانت ترجح على الأوزان، وتطغى على الحزان، وقد شرف له سلف، وسبق له قديم أتبع بمؤتنف. قال فيه ابن بسام (١): «أحد حماة شرح الكلام، وحملة ألوية الأقلام، من أهل بيت اشتهروا بالشعر، اشتهار المنازل بالبدر أراهم طرأوا على قرطبة، وأناخوا في ظلها، ولحقوا بسروات أهلها. وأبو مضر أبوه زيادة الله بن علي هو أول من بنى بيت شرفهم، ورفع بالأندلس صوته بنباهة سلفهم». وأنشد له يمدح أبا عامر، وقد عدا على الخذيلمي في مجلسه وضربه (٢): [من المنسرح] شكرتُ للعّامِريّ ما صَنَعا … ولمْ أَقُلْ لِلخُذَيْلِمي: لَعَا ليثُ عَرِينٍ غَدَا لِعِزَّتِهِ … مُفْتَرِسًا في وِجَارِهِ ضَبُعا لا بَرِحَتْ كَفَّهُ مُمَكَّنَةٌ … مِنَ الأماني فنِعْمَ ما صَنَعَا إنْ طَالَ منهُ سجودُهُ فَلَقَدْ … طالَ بغيرِ السُّجُودِ مَا رَكَعا ومنهم ابن أخيه: [٤١٣] علي بن عبد العزيز بن زيادة الله (٣) لم يفرده ابن بسام بذكر ولا جاء به إلا في ذيل عمه مرورًا على طريق الفكر، وأظنه استغنى عن تفصيل ذكره بقوله الجملي عند ذكر عمه من أهل بيت اشتهروا بالشعر. ولئن كان فقد اكتفى بدرةٍ غالية السعر، ورأيته حيث الطنّ أجادة، وفوقه زيادة. ومما أنشد له ابن بسام قوله (٤): [من البسيط] كم بالهَوَادِج بين البينِ مِنْ رَشًَا … يهفو عليه وشاح جائلٌ قَلِق وكم برامةً مِنْ رِيم يُفارِقُنا … لهفان يثنيهِ عَنْ تَوديعنا الفَرَقُ ونَرْجِسٍ كَفِرِندِ السَّيْفِ سَاوَمَنِي … مُعَلِّلًا بنسيم عَرْفُهُ عَبِقُ نادمته وشباب الليل مُقْتَبِلُ … والنَّجمُ كَفَّ يُحيينا بهِ الأُفُق في فتية كنجومِ السَّعْدِ أَوْجُهُهُمْ … في أَوْجه الحادثاتِ الجُوْنِ تَأْتَلِقُ

стр. 6162

يَلْهُو بِرُقْراقَةٍ صَفْراءَ صَافِيَةٍ … يَكادُ يَنْجَابُ مِنْ أَضْوَائِهَا الغَسَقُ يَسْعَى بِهَا هَيْفٌ كَالْغُضْنِ نَعْمَةً … مَاءُ الشَّبَابِ عَلَيْهِ النُّورُ والعَلَقُ ومنهُم: [٤١٤] محمد بن مسعود، أبو عبد الله (١) خفيف الروح، طريف الأدب، بديع النوادر، سريع البوادر، لو مَرَّ بِشَكْلى أم واجد فَقَدَتْهُ لأضحكها، أو وطئ قُنَّةً لَذَّةً لأنهكها لفكرة أوتيها، وقدرة تفسر الكلام فيواتيها. قال فيه ابن بسام (٢): وأراه فيما انتحاه، تقيل منهاج سميّه وكنيّه محمد بن حجاج بالعراق، فضّاقت ساحته، وقصرت راحته، وأعياه الصريح فمذق، ولم يحسن الصهيل فنهق». ومما أورد له قوله (٣): [من الخفيف] قَبَّضَ اللهُ لي من أبنا أبي … الريش غليظ الفؤاد ذا كبرياء قال: هات النطاق واخلص وإلا … لم تُقلب عيناك نحو السماء وأراد الجهول ذبحي ولكن … حاط ذو العَرْشِ صِبْيَتي ونسائي فَعَلَوْنِي بالهندِوَانِي حتى … أسود ظهري وسال مني دمائي واعتراني ما لست أذكر لكن … ظُنَّ ما شئتَ عِنْدَ كَشْفِ الغطاء وخرجنا كما دخلنا بلا شيء … ولكن [قد] زدْتُ صَفْعَ قفائي ومنهم: [٤١٥] محمد بن أحمد بن الحداد، أبو عبد الله (٤) نجل حداد ينفخ في كورة التفخيم، ولا يرمي جمر فكره المتوقد بالتفحيم، بضر.

стр. 6163

لا يصعب عليه الحديد، ولا يكثر لديه العديد، يتطاير شواظ ناره شهبًا ذوات ذوائب، وسحبًا عليها لوائب. طبع ذهنه مُهَنَّدًا، وطلع نجمه فرقدًا، وأوتي آية داودية فأصبح يُقَدِّرُ في السَّرْد، ويسلّ من نصاله المتوقد نصالًا لا يأتي عليها البرد، وأضحت بضاعته تسام بالغلاء، وصناعته لا تحادث بالجلاء، وأمست سيوف الهند لا تشام إلا من فيه، أو من سيوف أجفان هند كما تدعيه، واتصل عن أقال جده العاثر، وأقام مجده علمًا للمآثر بآخر من ملوك بلاده المتحلّين بطارف الفخر وتلاده، وكان مِدْرَه أقرانه، وندرة قرانه، أنسى البرامكة الأول، وأنشأ ما لم يكن لتلك الدول، بضائع لو خُلِّد خالد لذاك وما كان بها يظفر ولو حتى يحيى أقر بأن ضيعها لا يكفر، أساه لكان الفضل فضله ولم يذكر البحر جعفر، فحلّ معه يومًا يُدار بناها، ضربت على العيون قبابها. النجوم كلامها يزر عليها الجو جيب غمامه، ويريها البدر، حسن تمامه، حلّ منه بقصر تغازله السعود، وتقهقه في جوانبه الرعود، وتطول منه .... ملاحقها قعود، فقال يصف علو معناه، وعلو قدر مبناه شعرًا منه فقصر تبيّنت القصور قصورها عنه، وفضل الأفضلين يبين في رأس شق لانعام سماؤه، من دونه دمع الغمام، هتون هي جنة الدنيا يتواتر لها ملك تملكه التقى والدين، فكأنما الرحمان عجلها له؛ ليرى بما قد كان ما سيكون. قال ابن بسام فيه (١): «وكان شمس ظهيرة، وبحر خير وسيرة، وضح في طريق المعارف كالصبح المتهلل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره، وكان قد مُني في صباه بصبية نصرانية ذهبت بلبه كل

стр. 6164

مذهب، وركب إليها أصعب مركب، وكان يسميها (نويرة) كما فعله الشعراء الظرفاء في الكتابة عمن أحبوه، وتغيير اسم من علقوه. وقد كتبت من بعض ما قال يقر بتفضيله، ويشهد بجملة الإحسان وتفصيله». ومما أنشد له فيها (١): [من الوافر] رويدَكَ أَيُّها الدَّمْعُ الهَتُونُ … فدونَ عِيانِ مَنْ أَهْوى عُيُونُ إلى كم أستسر بما ألاقي … وما أُخفيهِ مِنْ شَوقي يَبِينُ نُوَيْرَةُ بي نُويرةُ لا سواها … ولا شك وقد وَضَحَ اليقين وقوله فيها (٢): [من الكامل] وارَتْ ضُلُوعِي مِنْ نُويرةَ كاسمها … نارًا تُضِلُّ وكل نارٍ تُرشد والماءُ أَنْتِ وما يَصِحُ لقابِض … والنارُ أَنْتِ وفي الحَشَا تَتَوَقَّدُ وقوله فيها (٣): [من الطويل] وبين المسيحيات لي بيتُ بيعَةٍ … بعيد على الصَّبِّ الحَنِيفِيِّ أَنْ يَدْنو مُثَلّثةٌ قَدْ وَحَدَ اللهُ حُسْنَها … فَثُنّيَ في قلبي لها الوَجْدُ والحُزْنُ وَطَي الخمارِ الجَونِ حُسْنُ كَأَنَّما … تجمّع فيهِ البَدْرُ والليلُ والدَّجْنُ وفي مَعْقِدِ الزُّنَّارِ عَقْدُ صَبَابَتِي … فمَنْ تحتِهِ دِعْصٌ ومِنْ فَوقِهِ غُصْنُ وفي ذلك الوادي رَشًَا أَضْلُعِي لَهُ … كِناسٌ وقُمري فُؤادِي لَهُ وَكْنُ وقوله في مذهب المديح (٤): [من الطويل] لَعَلَّكِ بالوادي المُقَدَّسِ شاطئ … فكالعَنْبَرِ الهندي ما أنا واطي ولي في السُّرَى مِنْ نارِهِمْ وَمَنارِهِمْ … حُدَاةٌ هُدَاةُ والنُّجوم طوافي رويدًا فذا وادي ليبنى وإِنَّهُ … لَوِرْدُ لنا نأتي وإنِّي لَظَامي وكيفَ أُرَقِّي كَلْمَ طَرْفِكِ في الحَشَا … وليس لتمزيق المُهَنَّدِ راقي كأَنَّ زماني إذ رآني جذيلة … قَلاني فَلِي مِنهُ عَدُوٌّ مُمَالي فلازَمْتُ سَمْتَ الصَّمْتِ لا عَنْ فَدَامَةً … ولِي منطق للسمع والقلبِ مالي ولولا عَلِيُّ المَلْكُ ابنُ محمدٌ … لما بَرِحَتْ أَصْدَافَهنَّ اللآلي تجاوز حَدَّ الوَهْمِ واللَّحظِ والمُنى … وأَعْشَى الحِجَا لألاؤُهُ المتلألى

стр. 6165

فتتبعه الأنصار وهي حواسِرٌ وتنقلب الأبصار وهيَ خَوَاسِيءُ وقوله (١): [من الطويل] فأَنْتَ ضمير ليس يُعْرَفُ كُنْهُهُ … فَلِمْ صَيَّروا في المعرفاتِ الضَّمائرا وليس على حكم الزمانِ تَحكُمُ … على حَسَبِ الأَزمَانِ يُجري المَصَادِرا وما زلت عن ماهية الحُسْنِ صورةً … فَلَمْ أَلقَ معنى غيرَ حُسْنِكَ سَاحِرا ومعرفة الأَيام تَجْرِي تَجارِبًا … ومَنْ فَهِمَ الأَشطارَ فَكَ الدَّوَائِرا ولولا أبو يحيى بن مَعْنِ محمدٌ … لما كانت الأيام عندي ذَخَائرا يحج ذراه الدهر عاف وخائفٌ … جُمُوعًا كما وافي الحَجِيجُ المَشاعِرا فَزُرْ مكةَ مَهما اقترفت مآثمًا … وزُرْ أفقَهُ مَهما شَكَوتَ مَفَاقِرا تَهِيمُ بمرآه العُصُورُ جَلالةً … وتحسُدُ أُولاهُ عليه الأواخرا وقوله (٢): [من الكامل] مُتَلألى يثني العُيونَ نَواكِسًا … كالشمس تعكسُ لَحْظَ مَنْ يَتأَمَّلُ لا يتقي رَمَدَ النَّوائِبِ ناظِرٌ … يُجْلَى بِمِرْوَدِ صَفْحَتِيهِ وَيُكْحَلُ وكأَنَّ راحته الذراعُ أَفاضةً … وكأَنَّما الأنواء منها أَنْمُلُ تتصوّر الأكوانُ في حَوْبَائِهِ … فَكَأَنَّ خَاطِرَهُ الصَّقِيلَ سَجَنْجَلُ وإذا رَأَتْكَ الشُّهبُ مُؤْمِعَ غَزْوَةٍ … ودَّتْ جميعًا أنها لكَ جَحْفَلُ ولو الأمورُ جَرَتْ على مِقْدارِها … حَمَلَ السِّلاحَ لَكَ السَّماكُ الأَعْزَلُ وقوله (٣): [من الطويل] وفي مَكْنَسِ الرّوقِ المُنَمْنَم أَحْوَرٌ … كأَنَّ مَصَالِيتَ الظَّبَى مِنهُ أَجْفَانُ وبينَ دَرَارِي القَلائِدِ نَيّرٌ … لهُ الحُسْنُ تَمَّ والتَّلَثُمُ نُقْصانُ وقوله (٤): [من الطويل] أسالت غداة البين لؤلؤ أَجْفانِ … وأَجْرَتْ عَقِيقَ الدمع في صَحْنِ عِقيان وأَلقَتْ حُلاها مِنْ أَسى فكأَنَّما … أَطارتْ شَوَادِي الوَرَقِ عَنْ فَنَنِ البانِ وليل بهيم سِرْتُهُ ونُجُومُهُ … أَزاهيرُ رَوْضٍ أَوْ أَساهِيرُ أَجْفانِ
следующие страницы →