← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

ثروة ما جف نداها، ولا كف مداها، كانت ترجح على الأوزان، وتطغى على الحزان، وقد شرف له سلف، وسبق له قديم أتبع بمؤتنف. قال فيه ابن بسام (١): «أحد حماة شرح الكلام، وحملة ألوية الأقلام، من أهل بيت اشتهروا بالشعر، اشتهار المنازل بالبدر أراهم طرأوا على قرطبة، وأناخوا في ظلها، ولحقوا بسروات أهلها. وأبو مضر أبوه زيادة الله بن علي هو أول من بنى بيت شرفهم، ورفع بالأندلس صوته بنباهة سلفهم». وأنشد له يمدح أبا عامر، وقد عدا على الخذيلمي في مجلسه وضربه (٢): [من المنسرح] شكرتُ للعّامِريّ ما صَنَعا … ولمْ أَقُلْ لِلخُذَيْلِمي: لَعَا ليثُ عَرِينٍ غَدَا لِعِزَّتِهِ … مُفْتَرِسًا في وِجَارِهِ ضَبُعا لا بَرِحَتْ كَفَّهُ مُمَكَّنَةٌ … مِنَ الأماني فنِعْمَ ما صَنَعَا إنْ طَالَ منهُ سجودُهُ فَلَقَدْ … طالَ بغيرِ السُّجُودِ مَا رَكَعا ومنهم ابن أخيه: [٤١٣] علي بن عبد العزيز بن زيادة الله (٣) لم يفرده ابن بسام بذكر ولا جاء به إلا في ذيل عمه مرورًا على طريق الفكر، وأظنه استغنى عن تفصيل ذكره بقوله الجملي عند ذكر عمه من أهل بيت اشتهروا بالشعر. ولئن كان فقد اكتفى بدرةٍ غالية السعر، ورأيته حيث الطنّ أجادة، وفوقه زيادة. ومما أنشد له ابن بسام قوله (٤): [من البسيط] كم بالهَوَادِج بين البينِ مِنْ رَشًَا … يهفو عليه وشاح جائلٌ قَلِق وكم برامةً مِنْ رِيم يُفارِقُنا … لهفان يثنيهِ عَنْ تَوديعنا الفَرَقُ ونَرْجِسٍ كَفِرِندِ السَّيْفِ سَاوَمَنِي … مُعَلِّلًا بنسيم عَرْفُهُ عَبِقُ نادمته وشباب الليل مُقْتَبِلُ … والنَّجمُ كَفَّ يُحيينا بهِ الأُفُق في فتية كنجومِ السَّعْدِ أَوْجُهُهُمْ … في أَوْجه الحادثاتِ الجُوْنِ تَأْتَلِقُ

стр. 6162

يَلْهُو بِرُقْراقَةٍ صَفْراءَ صَافِيَةٍ … يَكادُ يَنْجَابُ مِنْ أَضْوَائِهَا الغَسَقُ يَسْعَى بِهَا هَيْفٌ كَالْغُضْنِ نَعْمَةً … مَاءُ الشَّبَابِ عَلَيْهِ النُّورُ والعَلَقُ ومنهُم: [٤١٤] محمد بن مسعود، أبو عبد الله (١) خفيف الروح، طريف الأدب، بديع النوادر، سريع البوادر، لو مَرَّ بِشَكْلى أم واجد فَقَدَتْهُ لأضحكها، أو وطئ قُنَّةً لَذَّةً لأنهكها لفكرة أوتيها، وقدرة تفسر الكلام فيواتيها. قال فيه ابن بسام (٢): وأراه فيما انتحاه، تقيل منهاج سميّه وكنيّه محمد بن حجاج بالعراق، فضّاقت ساحته، وقصرت راحته، وأعياه الصريح فمذق، ولم يحسن الصهيل فنهق». ومما أورد له قوله (٣): [من الخفيف] قَبَّضَ اللهُ لي من أبنا أبي … الريش غليظ الفؤاد ذا كبرياء قال: هات النطاق واخلص وإلا … لم تُقلب عيناك نحو السماء وأراد الجهول ذبحي ولكن … حاط ذو العَرْشِ صِبْيَتي ونسائي فَعَلَوْنِي بالهندِوَانِي حتى … أسود ظهري وسال مني دمائي واعتراني ما لست أذكر لكن … ظُنَّ ما شئتَ عِنْدَ كَشْفِ الغطاء وخرجنا كما دخلنا بلا شيء … ولكن [قد] زدْتُ صَفْعَ قفائي ومنهم: [٤١٥] محمد بن أحمد بن الحداد، أبو عبد الله (٤) نجل حداد ينفخ في كورة التفخيم، ولا يرمي جمر فكره المتوقد بالتفحيم، بضر.

стр. 6163

لا يصعب عليه الحديد، ولا يكثر لديه العديد، يتطاير شواظ ناره شهبًا ذوات ذوائب، وسحبًا عليها لوائب. طبع ذهنه مُهَنَّدًا، وطلع نجمه فرقدًا، وأوتي آية داودية فأصبح يُقَدِّرُ في السَّرْد، ويسلّ من نصاله المتوقد نصالًا لا يأتي عليها البرد، وأضحت بضاعته تسام بالغلاء، وصناعته لا تحادث بالجلاء، وأمست سيوف الهند لا تشام إلا من فيه، أو من سيوف أجفان هند كما تدعيه، واتصل عن أقال جده العاثر، وأقام مجده علمًا للمآثر بآخر من ملوك بلاده المتحلّين بطارف الفخر وتلاده، وكان مِدْرَه أقرانه، وندرة قرانه، أنسى البرامكة الأول، وأنشأ ما لم يكن لتلك الدول، بضائع لو خُلِّد خالد لذاك وما كان بها يظفر ولو حتى يحيى أقر بأن ضيعها لا يكفر، أساه لكان الفضل فضله ولم يذكر البحر جعفر، فحلّ معه يومًا يُدار بناها، ضربت على العيون قبابها. النجوم كلامها يزر عليها الجو جيب غمامه، ويريها البدر، حسن تمامه، حلّ منه بقصر تغازله السعود، وتقهقه في جوانبه الرعود، وتطول منه .... ملاحقها قعود، فقال يصف علو معناه، وعلو قدر مبناه شعرًا منه فقصر تبيّنت القصور قصورها عنه، وفضل الأفضلين يبين في رأس شق لانعام سماؤه، من دونه دمع الغمام، هتون هي جنة الدنيا يتواتر لها ملك تملكه التقى والدين، فكأنما الرحمان عجلها له؛ ليرى بما قد كان ما سيكون. قال ابن بسام فيه (١): «وكان شمس ظهيرة، وبحر خير وسيرة، وضح في طريق المعارف كالصبح المتهلل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره، وكان قد مُني في صباه بصبية نصرانية ذهبت بلبه كل

стр. 6164

مذهب، وركب إليها أصعب مركب، وكان يسميها (نويرة) كما فعله الشعراء الظرفاء في الكتابة عمن أحبوه، وتغيير اسم من علقوه. وقد كتبت من بعض ما قال يقر بتفضيله، ويشهد بجملة الإحسان وتفصيله». ومما أنشد له فيها (١): [من الوافر] رويدَكَ أَيُّها الدَّمْعُ الهَتُونُ … فدونَ عِيانِ مَنْ أَهْوى عُيُونُ إلى كم أستسر بما ألاقي … وما أُخفيهِ مِنْ شَوقي يَبِينُ نُوَيْرَةُ بي نُويرةُ لا سواها … ولا شك وقد وَضَحَ اليقين وقوله فيها (٢): [من الكامل] وارَتْ ضُلُوعِي مِنْ نُويرةَ كاسمها … نارًا تُضِلُّ وكل نارٍ تُرشد والماءُ أَنْتِ وما يَصِحُ لقابِض … والنارُ أَنْتِ وفي الحَشَا تَتَوَقَّدُ وقوله فيها (٣): [من الطويل] وبين المسيحيات لي بيتُ بيعَةٍ … بعيد على الصَّبِّ الحَنِيفِيِّ أَنْ يَدْنو مُثَلّثةٌ قَدْ وَحَدَ اللهُ حُسْنَها … فَثُنّيَ في قلبي لها الوَجْدُ والحُزْنُ وَطَي الخمارِ الجَونِ حُسْنُ كَأَنَّما … تجمّع فيهِ البَدْرُ والليلُ والدَّجْنُ وفي مَعْقِدِ الزُّنَّارِ عَقْدُ صَبَابَتِي … فمَنْ تحتِهِ دِعْصٌ ومِنْ فَوقِهِ غُصْنُ وفي ذلك الوادي رَشًَا أَضْلُعِي لَهُ … كِناسٌ وقُمري فُؤادِي لَهُ وَكْنُ وقوله في مذهب المديح (٤): [من الطويل] لَعَلَّكِ بالوادي المُقَدَّسِ شاطئ … فكالعَنْبَرِ الهندي ما أنا واطي ولي في السُّرَى مِنْ نارِهِمْ وَمَنارِهِمْ … حُدَاةٌ هُدَاةُ والنُّجوم طوافي رويدًا فذا وادي ليبنى وإِنَّهُ … لَوِرْدُ لنا نأتي وإنِّي لَظَامي وكيفَ أُرَقِّي كَلْمَ طَرْفِكِ في الحَشَا … وليس لتمزيق المُهَنَّدِ راقي كأَنَّ زماني إذ رآني جذيلة … قَلاني فَلِي مِنهُ عَدُوٌّ مُمَالي فلازَمْتُ سَمْتَ الصَّمْتِ لا عَنْ فَدَامَةً … ولِي منطق للسمع والقلبِ مالي ولولا عَلِيُّ المَلْكُ ابنُ محمدٌ … لما بَرِحَتْ أَصْدَافَهنَّ اللآلي تجاوز حَدَّ الوَهْمِ واللَّحظِ والمُنى … وأَعْشَى الحِجَا لألاؤُهُ المتلألى

стр. 6165

فتتبعه الأنصار وهي حواسِرٌ وتنقلب الأبصار وهيَ خَوَاسِيءُ وقوله (١): [من الطويل] فأَنْتَ ضمير ليس يُعْرَفُ كُنْهُهُ … فَلِمْ صَيَّروا في المعرفاتِ الضَّمائرا وليس على حكم الزمانِ تَحكُمُ … على حَسَبِ الأَزمَانِ يُجري المَصَادِرا وما زلت عن ماهية الحُسْنِ صورةً … فَلَمْ أَلقَ معنى غيرَ حُسْنِكَ سَاحِرا ومعرفة الأَيام تَجْرِي تَجارِبًا … ومَنْ فَهِمَ الأَشطارَ فَكَ الدَّوَائِرا ولولا أبو يحيى بن مَعْنِ محمدٌ … لما كانت الأيام عندي ذَخَائرا يحج ذراه الدهر عاف وخائفٌ … جُمُوعًا كما وافي الحَجِيجُ المَشاعِرا فَزُرْ مكةَ مَهما اقترفت مآثمًا … وزُرْ أفقَهُ مَهما شَكَوتَ مَفَاقِرا تَهِيمُ بمرآه العُصُورُ جَلالةً … وتحسُدُ أُولاهُ عليه الأواخرا وقوله (٢): [من الكامل] مُتَلألى يثني العُيونَ نَواكِسًا … كالشمس تعكسُ لَحْظَ مَنْ يَتأَمَّلُ لا يتقي رَمَدَ النَّوائِبِ ناظِرٌ … يُجْلَى بِمِرْوَدِ صَفْحَتِيهِ وَيُكْحَلُ وكأَنَّ راحته الذراعُ أَفاضةً … وكأَنَّما الأنواء منها أَنْمُلُ تتصوّر الأكوانُ في حَوْبَائِهِ … فَكَأَنَّ خَاطِرَهُ الصَّقِيلَ سَجَنْجَلُ وإذا رَأَتْكَ الشُّهبُ مُؤْمِعَ غَزْوَةٍ … ودَّتْ جميعًا أنها لكَ جَحْفَلُ ولو الأمورُ جَرَتْ على مِقْدارِها … حَمَلَ السِّلاحَ لَكَ السَّماكُ الأَعْزَلُ وقوله (٣): [من الطويل] وفي مَكْنَسِ الرّوقِ المُنَمْنَم أَحْوَرٌ … كأَنَّ مَصَالِيتَ الظَّبَى مِنهُ أَجْفَانُ وبينَ دَرَارِي القَلائِدِ نَيّرٌ … لهُ الحُسْنُ تَمَّ والتَّلَثُمُ نُقْصانُ وقوله (٤): [من الطويل] أسالت غداة البين لؤلؤ أَجْفانِ … وأَجْرَتْ عَقِيقَ الدمع في صَحْنِ عِقيان وأَلقَتْ حُلاها مِنْ أَسى فكأَنَّما … أَطارتْ شَوَادِي الوَرَقِ عَنْ فَنَنِ البانِ وليل بهيم سِرْتُهُ ونُجُومُهُ … أَزاهيرُ رَوْضٍ أَوْ أَساهِيرُ أَجْفانِ

стр. 6166

كَأَنَّ الثَّرَيا فيه كأس مُدامةٍ … وقد مالتِ الجَوْزَاءُ مَيْلَةَ نَشْوَانِ وقوله (١): [من الكامل] وَقَفُوا غَدَاةَ النَّفْرِ ثُمَّ تَصَفَحوا … فرأوا أسارى الدمع كيف تُسَرَّحُ وكأَنَّما الإظلامُ أَيْمُ أَرْقَطٌ … وكأَنَّما الإصباح ذِئْبٌ أَصْبَحُ صَدَعَ الزمان جميعَ شَمْلي جائرًا … إِنَّ الزَّمانَ مُمَلَّكٌ لا يَسْجَحُ وقوله: [من المتقارب] وما الناس إلا بأفعالِهِمْ … فَدَعْ ما تُزَخْرِفُهُ الأَلْسُنُ سَجِيَّةُ أَصْلِ الفَتى فِعْلُهُ … بما عندَهُ يَقْذِفُ المَعْدِنُ وقوله: [من الكامل] والناسُ أَغْرِبَةٌ فإن فتَشْتَهُمْ … فأَخُو المُصافاةِ الغُرابُ الأَشْهَبُ وقوله: [من الطويل] وساجِعَةُ الأَطيارِ تَشْدُو كأَنَّها … قِيانٌ لها الأوراقُ حُجبٌ وأستار وقوله: [من البسيط] كأَنَّ قَلبي سُليمانٌ وهُدْهُدُهُ … لَحْظِي وبلقيس لبي والهوى الساه وقوله وبلغ من إجادة المنتهى، ووصل إلى ما اشتهى: [من الكامل] واصل أخاك وإن أتاك بمُنكَرِ … فَخُلُوصُ شيء قلما يتمكن ولكل حسن آفةٌ موجودَةٌ … إِنَّ السِّراج على سَنَاهُ يُدَخّنُ ومما أورده من نثره قوله (٢): «لو أنصفك الزمان الذي أنت غرَّة أيامه، ودرة نظامه، لكنت أحق بالسرطان من الزبرقان، وأولى بالميزان من كيوان، وأحق بعلي المراتب من سائر الكواكب، ولو ميز الزمان ضياء جوهرك، وصفاء عنصرك، لما عداك عن العروج، إلى فلك البروج، وأرجو أن [هذا] زمانه، وقد آن أوانه، فقد ظهرت له دلائل، وشهدت به مخايل، فكأني بك من ذات الصدع، إلى ذات الرجع». ومنه قوله (٣): «يا سيدي الذي هو قسيم ذاتي، إن تحققت الذوات والنحائز، وشقيق نفسي إن تبينت الخلائق والغرائز، ومن أبقاه الله بقاء الفرقدين، في تدبير السعدين، بيننا - أعزك

стр. 6167

الله - من التحام المِقَة، واستحكام الثّقة، ما أربأ به عن تضمينه الصحائف، ولو قدت من السوالف وأنزهه عن اشتمال المداد، ولو كان من دم الفؤاد، فصفاؤنا شمسي النقاء، فَلَكِيُّ البقاء، لا يضمن الطروس إلا ما يلحقه الدروس، وكتابي هذا أثر الحافك، بكتابين كالنيّرين، فإن كان قمر وبُوح، لإنارة اللوح، فهذان لجلاء الأذهان» (١). ومنهم: [٤١٦] عبد العزيز بن خيرة القرطبي أبو أحمد المعروف بالمنفتل (٢). كان في زمانه بدرة. وكم في جمانة ما يساوي بدرة، سوى بديع بيانه لم تقرأ، وبغير عضب لسانه لم تدرأ، يجلو نظره مرآة الفكر المصدئ، ويُعدي غاية المعيد والمبدئ. أقام على الغواية برهة، ثم أقلع، ودام إلى الغاية، ثم ثاب وأقنع، وبرز سافر اللثام، وتاب توبة تساقطت بها الآثام. ومما قال ابن بسام فيه (٣): «والمنفتل ممن نثر الدر المفصل، وطبق فيما نظم المفصل، ولم يحضرني له إلا القليل، وقد يعرب عن العتق الصهيل، ويكفي من البياض الغرة والتحجيل». ومما أنشد له قوله (٤): [من البسيط] بتنا كأَنَّ حداد الليل شملتنا … حتى بدا الليل في ثوب سحولي كأَنَّ ليلتنا والصبح يتبعها … زنجيةٌ هَرَبَتْ قُدَّامَ رُومي وقوله (٥): [من الطويل] ولما تجلى الليل والبرقُ لامع … كما سَلَّ زِنْجِيَّ حُسامًا مِنَ التَّبْرِ وبت سمير النجم وهوَ كَأَنَّهُ … على مِعْصَمِ الدُّنيا جبائرُ مِنْ دُر

стр. 6168

وقوله يصف الشمس وقد طفلت إلى الغروب، وفعلت ما يفعله بالمحب فراق المحبوب (١): [من الكامل] إنِّي أَرَى شمس الأصيلِ عَلِيلَةٌ … ترتادُ مِنْ بين المَغَارِبِ مَغْرِبا مالت لتحجب شخصها فَكَأَنَّها … مَدَّتْ على الدُّنيا بساطًا مُذْهَبا وقوله في العنب (٢): [من الكامل] عِنَبٌ تَطَلَّعَ في حَشَا ورَقٍ … صُبِغَتْ غَلَائِلُ خَدِّهِ بِالإِثْمِدِ فكَأَنَّهُ مِنْ بينهنّ كَوَاكِبُ … كُسِفَتْ فلاحتْ في سماءِ زَبَرْجَدِ وقوله (٣): [من الخفيف] إِنْ جَفَانِي الكَرَى ووَاصلَ قَوْمًا … فلهُ العُذْرُ في التخلُّفِ عَنِّي لمْ يُخَلِّ الهَوَى لجسمي شخصًا … فإذا جاءَني الكرى لمْ يَجِدْني وقوله في قطر ميزراج، قام مقام الجسوم للأرواح (٤): [من الخفيف] أَنا مِنْ كُلِّ فتنة مخلوقٌ … جَسَدِي لؤلؤ ورُوْحِي عَقِيقُ وكأني بين الكؤوس هِلالٌ … وكأَنَّ الكؤوسَ حَوْلِي بُرُوقُ وقوله (٥): [من الطويل] كأَنَّ الثريا قد بدتْ مِنْ وِشاحها … وقدْ هَمَّتِ الأرداف أن تُسْلِمَ الخَصْرا يذكِّرُني شكل الهلالِ سِوَارُها … وقَدْ أَرْسَلَتْ مِنْ دُونِ هَوْدَجِها سِتْرا يقولون: إنَّ السحر في أرضِ بابل … ولو عاينوا أجفانها نظروا السحرا لقدْ هَجَرَتْ عَيني سوابق أَدْمُعِي … كما أَنَّ ليلي بعدهم هَجَرَ الفَجْرَا فَقُلْ فِي شَجِ قَدْباتَ سَحُ دُمُوعه … بكفٌ وأُخرى تحتها كَبِدٌ حَرَّى وقدْ ضَرَبَ الليل البهيمُ رُوَاقَهُ … وأَطْلَعَ فِي الآفاقِ أَنْجُمَهُ الزُّهْرَا كأَنَّ سَماءَ الأَرْضِ بحرُ زَبَرْجَدٍ … وقَدْ نَثَرَ الغَوَّاصُ مِنْ فَوقِهِ دُرّا لقد طال هذا الليل فالدَّهْرُ بعضُهُ … ولمْ أَرَ ليلًا قَبْلَهُ شاكلَ الدَّهْرَا ولا اكتحلت عيني بمثلِ ابنِ يُوسف … ولستُ أُحاشِي الشمس في ذا ولا البدرا يُخَالُونَ مِنْ فَرْطِ الحَياءِ أَذِلَّةٌ … وتَرْتَجُ أَحشاء الملوك لهمْ ذُعْرا ومما أورد من نثره قوله وقد بعث أترجة (٦):

стр. 6169

«وقد رفقت إليك من بنات الثمار أجملها، ومن نتاج البستان أفضلها، لم تطرقها عين أحد، ولا باشرها بشر يد، قد صيرت من الأغصان خضرا، وأرسلت من الأوراق سترا، فلما تكامل حسنها، وماد بها غصنها، طرقت خدرها، فإذا هي في حلة الخلائف، وقد اصفرت وجلا من يد القاطف، فأثرتك بها على جميع الإخوان، فبحرمة الكأس الذي رضعنا، وأمير الطرب الذي بايعنا، إلا ما جلوتها على مجلس المدام، وحجبتها عن عيون اللثام، فخصالها عجيبة، وصفاتها غريبة، إن حزتها عطرت ثيابك، وإن أمسكتها أذهبت أوصابك، وإن أعملت فيها غرب السكين، قرنت لك بين النرجس والياسمين، يا لها من أترجة غضة، قد صورت من ذهب وفضة، سرقت من العاشق سماه، ومن المعشوق طعم ثناياه، خصت بالحسنى أجمع، وأعطيت الطبائع الأربع، فصلني بالأمر بقبولها، وتعريفي بـ وصولها». [٤١٧] عبد الرحمن بن فتوح، أبو المطرف (١) ويعرف بابن صاحب الإسفيريا. لم تفك حلقته من التحام، ولا اتعل مجلسه من الزحام، أدرك أكابر من ذهب، وقيس منهم اللهب، وأصبح وعنده منهم فضل ما يأخذ وما يهب. قال ابن بسام فيه (٢): له شعر كثير إلا أن إحسانه نزر يسير. حدث عن نفسه أنه صحب ابن برد الأصغر، وجاذبه أذيال المذاكرة، وراكضه أفراس المحاضرة». ومما أنشد له (٣): [من الكامل] خَلَعَ الجَمَالُ عَلَيْهِ ثَوبَ بَهَائِهِ … فَغَدَوْتُ تَسْحَبُ ذَيْلَهُ مُتَبَخْتِرًا فَكَأَنَّ خَدَّكَ والعِذَارُ بصَحْنهِ … صُبْحٌ جَرَى فيهِ دُجَى فَتَحَيَّرَا وقوله (٤): [من الطويل]

стр. 6170

ولما أحس الليلُ أَنِّي مُنَادِمٌ … تعَذَّب قلبي بالنَّحيب وبالهَجْرِ تولى مُغِذًّا لا يقرُّ كأَنَّما … يُعاينُ إلفًا فهو في إثره يجري وقوله (١): [من السريع] ناولني الكأس على غَفْلَةٍ … مَنْ مَلأَتْ الحاظه الكاسا ظبي إذا ما سُمْتُهُ شاربًا … ذكَرَني شاربه الآسا وقوله (٢): [من الكامل] ومُدامةٍ صفراء عللني بها رشًا … كغصن البان في حركاتِهِ صهباءُ تَغْرُبُ إِنْ بَدَتْ في كفِّهِ … في فيهِ ثُمَّ تلوح في وَجَناتِهِ ومنهم: [٤١٨] أبو بكر بن ظهار (٣) صدع تنفجر منه الأنهار، وروض تنفتق منه الأزهار، لو عدته أسد المنون، وزيد في طلق عمره سنون، لأخمل كل مذكور نابه، وأخمد شعلة كل كوكب متشابه، إلا أنه قصف غصنا، وخطف وما ألم بالعيون إلا وسنًا. قال ابن بسام (٤): «هذا من فتيان الأدباء في ذلك الأوان. اعتُبط وماء معرفته غير ممتاح، وركي إسراعه غير مزاح، ولولا ذلك لبد أهل عصره. وفي مدح أبي المغيرة بن حزم أكثر ما وجدت من شعره». ومما أنشد له (٥): [من الكامل] صَبَغُوا غِلالتَهُ بِحُمْرَةِ خَدِّهِ … وكَسَوْهُ ثوبًا مِنْ لَمى شَفَتَيهِ فتخالُه في ذا وتلكَ كأَنَّما … نُثِرَ البنفسج والشقيق عليه وقوله: قلت: وقد غَرَّب في ضرب القافية (٦): [من الأوزان المولدة] إذا أَرَدْتَ صباحًا … فانظر إلى وجه ساقيك فَقَدْ أَطَلْتَ سؤالًا … يا قوم هل غرَّدَ الدِّيك

стр. 6171

مَاذا يُريد بصبح … وأينَ تَرقى أمانيك وللنجوم مدار عليك … والبدر يسقيك وقوله (١): [من الخفيف] عللاني فإنَّما أنا حيث … جادَ رَوْضُ المُنى مِنَ الوَصْلِ غَيْتُ وكأن الظلام لما تَوَلَّى … نَمِرٌ راعَهُ مِنَ الفَجْرِ لَيْتُ ومنهم: [٤١٩] أسعد بن إبراهيم بن أسعد بن بُليطة (٢) ذو كلم كأنما ماء الحياة أديمها، ونفس السحر نسيمها، ووراء ذلك منه جبل بالرخام لا يُصدع، وحمل أنفه بالخطام لا يجدع، حُطت لدى الملوك رحال مطيه، وتسوقت صدور المجالس إقبال بطيه، طالما لبس الجديدين في المصالح، وفل الحديدين في النصائح، وسرى وسار حتى أعاد بنفسج الظلام عراره، ونوّارة النهار نهاره. وقال ابن بسام فيه (٣): «وكان في وقته إحدى الغرائب، وأعجوبة في عيون العجائب. عالم بما يريشه ويبريه، على لوثة - زعموا - كانت فيه. وكان بعيد الهمم، بليغًا بالسيف والقلم، تردّد إلى ملوك الطوائف بالأندلس. فارس جحفل، وشاعر محفل فجرى في الميدانين، وارتزق في الديوانين»، ولم أظفر من شعره إلا بنزر يسير، على أن إحسانه فيه كثير. ومما أنشد له قوله (٤): [من الكامل] لو كنت شاهدنا عَشِيةَ أُنْسِنا … والمُزْنُ يَبْكِينا بعيني مُذْنِبِ والشمس قد مَدَّتْ أَدِيمَ شُعاعِها … في الأرضِ تَجْنَحُ غيرَ أَنْ لَمْ تذهب خلْتَ الرَّداذَ بُرادَةً مِنْ فِضَّةٍ … قَدْ غُربلَتْ مِنْ فَوقِ نطع مُذْهَبِ وقوله (٥): [من المنسرح]

стр. 6172

طلت به والدموع جاريةٌ … أقبل الخد منه والليتا يقطر درًا حتى إذا وَرَدَتْ … روضة خديه عُدْنَ ياقوتا وقوله (١): [من السريع] ليس ليوم البين عندي سوى … مدامع نجيعها سكب كأنما فَضَّ بأجْفانِها … رمانة فانتثر الحب وقوله في مجدر، كلّل الجدري صفيحة خده المذهب، وجمّل حسنه ببقايا منه لم تذهب (٢): [من الخفيف] مَنْ رأَى الوَرْدَ تحتَ قَطْرِ نَدَاهُ … لمْ يَعِبْ فوقَ وَحْنَتي جُدَريا أنا شمس أَرَدْتُ في الأَرْضِ مَشْيًا … فنثرتُ النجوم فوقي حليا قلت: هذان البيتان أوردهما صاحب الملح العصرية في ترجمة أبي القاسم بن أسعد زاعمًا أنهما له، وابن بسام ذكرهما في ترجمة أبيه أسعد، وهو أدرى من صاحب الملح - والله أعلم -. وقوله (٣): [من الكامل] تتنفّسُ الصَّهْبَاءُ في لَهَواتِهِ … كتنفّس الريحان في الآصال وكأَنَّما الخيلانُ في وَجَناتِهِ … ساعات هجر في زمان وصال وقوله (٤): [من الكامل] النِّفْطُ مَهما افتر فاهُ فاغرًا … أجرى لسان النار فوق الماء فكَأَنَّهُ ذَهَبُ جَرى في صارِمِ … أَوْ رَجْعُ بَرْقٍ في أَدِيمِ سَمَاءِ وقوله يصف أسود محدودبًا يدير خمرًا (٥): [من الكامل] وإذا سعى بالكأس تحسبُهُ … جُعَلًا يُدَحْرِجُ فَصَّ ياقُوتَهْ وكأَنَّه والكأس في يَدِهِ … نجم رمى في الجو عفريته وقوله (٦): [من السريع] وزورق أبصرته عائمًا … وقَدْ تَمَطَّى ظَهْر دَأَماءِ كأَنَّهُ في شَكْلِهِ طائرٌ … مدَّ جناحيه على الماء

стр. 6173

وقوله متظارفًا (١): [من المتقارب] رأيتُ ليُوسُفَ في بيتِهِ … فَخَرَّبَهُ الله بين البُيُوتِ حصيرَصلاةٍ عَلاهُ الغُبار … وقدْ نَسَجَتْ فوقه العنكبوت فقلتُ له: كم لهذا الحَصِيرِ … [وكم لك] لم تقر فيه القُنُوتُ فقال: هنالك ألقَيتُهُ … وثَمَّ يكون إلى أَنْ أَموتُ وهذه الأبيات الأربعة أوردها أيضًا صاحب الملح في ترجمة ابنه أبي القاسم بن أسعد وابن بسام أوردها في ترجمة أسعد - والله أعلم .. وقوله (٢): [من المنسرح] أَحْبِبْ بِنَوْرِ الأَقاح نوَّارا … عَسْجَدُهُ في لُجَيْنِهِ حارا كأَنَّمَا اصْفَرَّ مِنْ موسَطِهِ … عليل قوم أَتَوهُ زُوَّارا كأَنَّ مُبْيَضَّهُ صَقَالِبَةٌ … كانوا مَجُوسًا فاستقبلوا النارا كأَنَّهُ تَغْرُ مَنْ هَوَيْتُ … وقدْ وَضَعَتُ فيهِ بِفِيَّ دينارا وقوله (٣): [من الطويل] خليليَّ مِنْ نعمان ما أكثرَ الهَوَى … لَجَاجًا وصَبْرِي في الهَوَى ما أَقَلَّهُ فلا تَضْرِبَنَّ خَدًّا بحَدٌ فَإِنَّهُ … إذا السيف لاقى مَضْرِبَ السَّيْفِ فَلَهُ وقوله (٤): [من الطويل] كأَنَّ الدُّجى جَيْسُ مِنَ الزَّنْجِ نافِرٌ … وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا كأن أنوشروان أعلاه تاجه … وناطت عليه كف ماريَّة القُرْطا وسارية خلنا تلألؤ بَرْقِها … سلاسل تِبْرِ والظلامُ قَدْ أَشْمَعًا فيتنا نَخَالُ الجو بحرًا قد أرسَلَتْ … على مَثْنِهِ كَفَّ البُرُوقِ لَهُ نَقْطَا وباتت تُثِيرُ المِسْكَ مِنْ هَجْعَةِ الثَّرى … رياض تَرَى لِلنُّورِ فِي فَرْعِهَا وَخَطَا حيا أَلْبَس البستان وَشْيًا مُرَبَّعًا … ومدَّ على العقيانِ مِنْ سُنْدُسٍ بُسْطا كأن أبا يحيى بن معن أحازها … فعلمها مِنْ كَفِّهِ القَبْضَ وَالْبَسْطا أفي المجد يدعى لابنِ مَجْدٍ مُناقِضٌ … ومَنْ يُوقِدُ المصباح في الشمس قد أَخْطا

стр. 6174

ولو قابل الشمس المنيرةَ أَظلمتْ … سَنَاها ولَوْ أَوْمَا إِلَى البَدْرِ لانْحَطَّا ومنهم: [٤٢٠] محمد بن مالك الطنزي، أبو عبد الله (١) من أهل غرناطة. لم تمر له إلا نفحة، ولا وضحت إلا لمحة، نُوَّارة صباح، ونوره مصباح. أشرق … ونفح، وأبرق غمامه وسفح بقليل سُمِع، وقلب فيه ما طمع، إلا أنه دلّ على بعده، ومن جاده من السحاب طله عرف ما عنده. قال ابن بسام (٢): «لم أقف من ذكر هذا الرجل إلا على أبيات من شعره، وفصلين من نثره، ويستدل على الشجر، بالواحدة من الثمر». وأورد له ما سأذكر ما اخترته منه. فمنه رقعة يصف فيها سوطًا، وهي (٣): «وقد تخيرتها عقيلة أتراب، كريمة تتيه بالنسب البحري، والنصاب الملوكي. قد أشبهتْ سَرَقَ الحرير لمسًا، واشتق اسمها منه ودعج لممًا، فحكى لونها عنه، كأنما استلتْ من ظهر حية، وحلَّتْ من أكارع طلًا موشية، عنوان عزّه، وجمال بزه، ودليل أنافة، وخليفة خيرزان الخلافة أبهى في أيدي الصيد، من طرر العيد، وأحسن على أعناق الجرد من قباطي البرد». ومما أنشد له من شعره قوله في مُعذّر (٤): [من السريع] صُبَّ على قلبي هَوًى لاعج … ودبَّ في جسمي ضنى دارج كأَنَّ ماءَ الحُسْنِ في خَدِّهِ … مدامةٌ شَعْشَعَها المازج عنوان ما في ثوبه وجْهُهُ … تَشَابَهَ الداخل والخارج فلا تقيسوه ببدر الدُّجى … ذا مُعْلَمُ الوَجْهِ وذا ساذج ومنهم: [٤٢١] سراج بن عبد الملك المكنى أبوه بأبي مروان (٥).

стр. 6175

ولم أقف له على كنية. سراج لا يسكت لسانه، ولا يزال مُحلى بالذهب مكانه يأنس من جالسه، ويبسط له طول الليل بساط المؤانسة، بأدب يُحدثُ نسيمه الابتهاج، وتسقي كَلِمُهُ صِرْفًا بغير مزاج، ويظل قلمه عريان يمشي في الدجى بسراج. ذكره ابن بسام عرضًا وقال فيه (١): «سراج بن عبد الملك اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، فإنه سراج علم وأدب، وبحر لغة العرب، إليه في وقتنا هذا شد الأقتاب، وإنضاء الركاب، ثم إنه في هذا الفن الذي نحن في إقامة أوده، زمامه وخطامه بيده، ولنثره ونظمه ديباجة رائقة، وهو القائل: [من الكامل] لما تمكن مِنْ فُؤَادِي مَنْزِلًا … وغَدَا يُسَلِّطٌ مُقْلَتَيهِ عليهِ ناديتُهُ مُسْتَرحمًا مِنْ غَيْرَةٍ … أَفْضَتْ بأسرار الصمير إليه رفقًا بمنزلك الذي تَحْتَلُهُ … يا مَنْ يُخَرِّبُ بيته بيديهِ» وأنشد له ما قاله بديهًا وهو (٢): [من الكامل] عُمْرِي أَبا حَسَنٍ لَقَدْ جئتَ التي … عَطَفَتْ عليكَ مَلامَةَ الأخوان لما رأيتَ اليومَ ولى عُمْرُهُ … والليل مقتبل الشبيبة داني والشمس تنفضُ زَعْفَرانًا بالرُّبى … وتَفُتُ مِسْكَتَها على الغيطان أطلعتها شَمْسًا وأَنْتَ صَباحُها … وحَفَفْتَها بكواكب الندمانِ ثم قال ابن بسام - عقيب القطيعة التي منها هذه الأبيات (٣): «وهذا رواء الديباج الخُسْرواني، ورونق العصب اليماني، وبمثله فلتشرح الصدور، ويشرق السرور، ويذعن المنظوم والمنثور، ألا ترى ما آنق، استعاراته، وأرشق إشاراته، وأقدره على الإتيان بالتشبيه دون أداته، وكذلك دأبه في سائر مقطوعاته، على أن أشعار العلماء على قديم الدهر وحديثه بيّنة التكليف، وشعرهم الذي يروى لهم ضعيف». قلت: والأمر كما قال ابن بسام والعلة تقعرهم في الكلام وزيادة حرصهم على الأحكام، فيقف جواد القريحة، وتسري خواطرهم دائبة، وتقع طليحة.

стр. 6176

نعود إلى ما كنا فيه، فيقول (١): ومنهم: [٤٢٢] أبو محمد، غانم المخزومي (٢) هو في الأدباء غانم، وفي الفضلاء جائز المغانم له من قريش نَسَبٌ أبطحي، ونصر وحي، وبأس يردّ به العدو وهو مهزوم، وآباء لو استصعب الحظ لاقتاده جَدُّه وهو مخزوم. قال ابن بسام (٣): «قد بدّ وقته أهل ذلك الإقليم، في أنواع التعاليم، متفننًا جرى في ميدان السبق، وفقيهًا قرطس أعراض الحق، وكان في هذا الباب الذي ولجنا فيه من أهل الروية والبدية». ومما أنشد له قوله (٤): [من البسيط] ما لي وللبرق أستسقيهِ مِنْ ظَمًا … هيهات لا رِيَّ لِي إِلا ثَنَاياكِ رق الدُّجى فتلاقينا على جَزَع … وأَينَ مثوايَ مِنْ أَقطارِ مَثْوَاكِ وأورد له من نثره قوله في جواب (٥): «أطلعته علي، وأهديته إلي؛

стр. 6177

فقلت عصر الشباب رجع؟ أم كوكب السعد طلع؟ أم بارق الإقبال لمع؟ كلا والله إنها المكرمة فهرية، أهدتها نفس سرية، إن قلت: الوشي الصنعاني فقد نقصتها، أو الديباج الخسرواني فقد بخستها، لمحت منه عقد للآل، يبقى على أُخرى الليال، وقد اعتقدت ما به أشرت، لو لاح لي في أفق النقلة صباح، أو استقلّ في طرق الرحلة جناح، فسبحان من قدر أن أكون لناب النُّوب حزبا، وتكون عليّ أيام الزمان إلبا، أصلى بنار المصائب السود، كأنني مما أنا باك منه محسود. ولو أَنَّني سلمت لمواقع الأقدار، وعلمت أنه ليس على القدر اختيار، ورضيت بما يأتي به الليل والنهار، وتيقنت أن خلق الزمان عداوة الأحرار، لأرحت قلبًا ينقلب في جمر الأسى، وأذكرت لبًا قد نسي الاقتداء بالأسى». ومنهم: [٤٢٣] أبو عبد الله بن السراج المالقي (١) سراج مُجلّى من الليل ما بقي، ومُجاج ما عدم الشهد من له لقي. كان أخا راح تتوج به أنامله، ويدير إناء الشمس حامله، تنبه لكل فضل، ومسح بيده وَسَنَه وأتى منه أحسنه. قال ابن بسام فيه (٢): «محسن معدود، وشاعر بني حمود». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] شَرِبْنا على ماء كأَنَّ خَرِيرَهُ … بكاءُ مُحِب بان عنهُ حَبِيبُ فمن كانَ مَشْغُوفًا كثيبًا بأَلْفِهِ … فإنّيَ مَشْغُوفٌ به وكتيب وقوله (٤): [من الطويل] وكأس على طيب استماعي بصوتها … شربت ودمعُ المُزنِ يُسْعِدُنِي جَرْيا خليلي هذا اليوم لو بيعَ طِيْبُهُ … بما حَوَتِ الدنيا لَقَلَّتْ له الدنيا ومنهم:

стр. 6178

[٤٢٤] أبو القاسم، خلف بن فرج الإلبيري (١) رجل يقرف البرء بعيبه، ويقذف البريه بريبه، بأوابد تقبّح الحَسَن، وتنفّر الوَسَن، يفري بها أديم كلّ عرض صحيح، ويقدح بها زند كل جواد غير شحيح. قال ابن بسام فيه (٢): «وكان باقِعَة عصره، وأعجوبة دهره، وله طبع حسن في مقطوعات الأبيات، خاصة إذا هجا وقدح، فأما إذا طول ومدح، فقلما رأيته أفلح ولا أنجح». ومما أنشد له قوله (٣): [من مجزوء الخفيف] لا تغرنك الحيا … ة فَمَوجُودُها عَدَمُ ليس في البَرْقِ مُتْعَةٌ … لامرئ يخبط الظلم وقوله (٤): [من مخلع البسيط] أقارب السُّوْءِ داءُ سَوْءٍ … فاحمِل أَذاهُمْ تكُنْ حَمِيدا فمَنْ تَكُنْ قَرْحَةٌ بِفِيْهِ … يَصْبِرْ على مَصْهِ الصَّدِيدا وقوله (٥): [من المجتث] قالوا: المريَّة فيها … نَظَافَةٌ قُلْتَ إِيْهِ كأَنَّها طَسْتُ تِبْرٍ … وتنزف الدم فيه وقوله (٦): [من الوافر] سَنَصْبِرُ إِنْ جَفَوتَ فَكَمْ صَبَرْنَا … لِغيرِكَ مِنْ أَميرِ أَوْ وَزِيرِ ولما لَمْ أَنَل منهم سُرُورًا … رأينا فيهمُ كُلَّ السُّرُورِ وقوله (٧): [من مجزوء الخفيف]

стр. 6179

خُذْ مِنَ الدَّهْرِ ما أَتى … إنْ نَعِيمًا وإن نَكَد كُنْ كسكين جازر … قاطع كلما وَجَدْ وقوله (١): [من مجزوء الكامل] قالوا: أتسكنُ بلدةٌ … نَفْسُ العزيز بها تَهُونُ فأَجَبْتُهم بتأوه … كيفَ الخَلَاصُ بما يكون! غرناطة مثوى الجَنِيْنِ … يَلَةٌ ظُلمته الجنين وقوله (٢): [من المتقارب] أصابَ الزمانُ بني عامر … وكان الزمانُ بهمْ يَفْخَرُ أَماتَهمُ الدَّهرُ قبلَ المَنون … فهم ميتون ولم يُقبروا كأنهم أربع دارسات … فمالهم غيرَ أَنْ يُذْكَرُوا فهون عليك كثير الحياةِ … فَسُكْناك في قبرك الأكثر ومنهم: [٤٢٥] أحمد بن القاسم المحدث (٣) أبو العباس. زند الاقتباس، الواحد الفرد ولا باس والرافل فيما يجري على مطارف السحب اللباس، لا يرمي سهمه إلا قرطس، ولا ينقض نجمه إلا لإرغام معطس. قال ابن بسام فيه (٤): «هو في وقتنا بحضرة قرطبة مقلة عين العصر، وصفحة وجه الدهر، وقد أثبت من كلامه قطعة تنبئ عما طالعه من علوم، على صغر سنه، ولدَانة عُصْنه». ومما أنشد له قوله (٥): [من البسيط] قالت وقد نظرتْ فَرَوَّعَها … شَيبٌ على فَوْدَيَّ مُنْتَشِرُ ما شأن هذا البياض قلتُ لها: … مات الشباب فبيضَ الشَّعْرُ

стр. 6180

قلت: أهل المغرب إذا أحدُّوا على ميت لبسوا البياض. وهذا أراد. ومنهم: [٤٢٦] أبو طالب، عبد الجبار (١) من أهل جزيرة شقر. اشتهر حتى شبه بأبي الطيب أحمد بن الحسين، وجهد على آثاره فما حصل إلا على خُفي حنين، على مطالب كان يرومها، ومآرب ذلت له قرومها، وأحاديث نفس كانت تسوّل، وتخيل إليه أنها تخوّل له وتنوّل. قال ابن بسام فيه (٢): «كان يعرف بالمتنبي أبرع أهل وقته أدبًا، وأعجبهم مذهبًا، وكان - فيما بلغني - يعد نفسه بملك لا يبالي أين وقع، ولا يحفل لشيء صنع». ومما أنشد له يصف مجاري الماء في سواقي أجنَّة بلنسية (٣): [من الوافر] وهب لنا النسيم بكلِّ طِيْبٍ … كَأَنَّا منهُ في زَمَنِ الرَّبِيعِ على نهر كأَنَّ الماء فيه … بقايا فَوْقَ خَدِّي مِنْ دُمُوعِي ومنهم: [٤٢٧] عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله بن أبي سعيد، أبو حفص الهوريني (٤) ممن ولده ذو الكلاع، وطلع من هورن في شرف اليفاع، وطبع طوع يديه بصرف اليراع، وكان في إشبيلية رسيل فراتها الجاري، وعديل قصورها المطلة على الدراري، ثم قتل مظلومًا، ونقل إلى جوار الله مرحومًا.

стр. 6181

وقال ابن بسام فيه (١): «إنَّ جدَّه أبا سعيد الداخل بجزيرة الأندلس كان صاحب صلاة الجمعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن الداخل، وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وآية شمسها، وكان بينه وبين بني عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ائتلاف الفرقدين، واقتران الأذن والعين، فلما تثبت قدم المعتضد أوجس منه ذعرًا، وأوجس بها أبو حفص لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي، وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس، وسكن مرسية؛ فلما غلبت الروم وتفاقم الخطب، رجع إلى بلده لأمل استدرجه إلى ملحده فأذهله عما كان استشعر، وأنساه عما كان حذر، لمصرع لم يكن عنه مدفع، فأحضره المعتضد، وأمر خادمين من فتيانه بقتله فكلاهما أشفق من سوء فعله، فلم ينل عباد بعده سولًا، ولم يمتع بدنياه إلا قليلًا». ومما أنشد له قوله (٢): [من المتقارب] كأنَّ المقاديرَ حَرْبٌ لَهُ … فَتُمْضِي على رأيهِ ما حَكَمْ سَقَتْهُ الحَمِيَّةُ فولاذها … وضمَّتْ منابته في الكرم وقوله (٣): [من الطويل] أعبادُ كلِّ قَدْ عَلَوتَ فَضَائِلًا … تقاصر عنها كلُّ أَرْوَعَ ماجد أفضت لنا جودًا أَرانا أَكُفَّهُمْ … جُمُودًا لِكَفِّ لم يُؤَيَّد بساعد وسعي لما يسعى يُخيّل سَعْيَهُم … تلاعُبَ ولدان أطافت بوالد ونصر لمن واليتَ يُرْدِي عَدُوَّه … رَدى أَهْلِ جَو في وقيعة خالد منعت بني جالوت ما قدْ أَباحَهُمْ … سواك بحرب قيدت كُل شارد عجائب مجد أعجزت مَنْ سِوَاكُمُ … ومِنْ سِرِّها المشهورِ صِدْقُ المَوَاعِدِ فإن رَاثَ أَمْرِي فَادَّرِكْنِي بِرِحْلةٍ … إلى مأْمَنِي فالخوفُ أَعْجَلُ طارد (٤) ومنهم:

стр. 6182

[٤٢٨] محمد بن عبد العزيز بن المعلم (١)، أبو الوليد ذو الاختراع والتوليد، وله البديهة السريعة، والصناعة البديعة، والفكر الذكي، والفهم الألمعي، والفن الغض الطري. قال ابن بسام فيه (٢): «بديع ذلك الزمان، وأحد وزراء المعتضد الكتاب الأعيان، وقد كتبت له ما يشهد أنه كان من أهل الرواية والعلم، وذوي الدراية والفهم». ومما أنشد له قوله يصف السفن (٣): [من الكامل] فأرح جيادَكَ فَهْيَ أَطْلاحُ السُّرَى … وقُدِ الجُيوش إلى العدا أسطولا أنشأتهنّ سَفَائنًا ومدائنًا … وجَنَبْتَهُنَّ كتائبًا ورَعِيلا دُهُمْ تُخَالُ البِيْضُ فِي أوساطها … بُلْقًا وفي أَطْرَافِها تَحْجِيلا قُرِعَتْ بأشياطِ الرِّياحِ فَأَسْرَعَتْ … في الماءِ تَعْمَلُ كَلْكَلًا وتَلِيْلًا وقوله (٤): [من الطويل] عَمَمْتَ الوَرَى بالنُّكْلِ فيكَ رَزِيَّةً … وفَتَحْتَ وَجْهَ الصَّبرِ وهوَ جَمِيلٌ فمن شاء فليصبر بعَيْنِ حقيقةٍ … فَفِينا لهُ وَعْظٌ مَدَاهُ طَوِيلُ يرى الأرض فيها الأرض كيف تزلزلت … بنا وتَرَى الأَطْوَادَ كيفَ تَزُولُ أَفِلْتَ فَعَادَتْ حمص بعدَكَ دُجْنَةً … كَأَنَّكَ شمس والزمانُ أَصِيلُ ومنهم: [٤٢٩] أحمد بن الآبار، أبو جعفر (٥) ناصبت همته النجم، وناصفت الروض على شذاه إلا أنها كتمت ونم، ما استهلت سماؤه إلا وأورق بآلائها الجماد، وأشرق بلالائها الرماد، فمن نبعة بأس ما بها خور،

стр. 6183

ولا عيبها إلا ما في العيون من حور، لم يُرَبِّق لواحظه الرقاد، ولا يطمع فيه أن يقاد. قال ابن بسام فيه (١): «أحد شعراء المعتضد المحسنين، وأدباء أيامه المتفننين. انتحل الشعر فافتن وتصرّف، وغنم بالعلم فجمع وصنّف. وقد كتبت طرفًا مما أبدع؛ ليكون أعدل شاهد على أنه تقدم وبرع» (٢): [من البسيط] بَدْرٌ أَلَمَّ وَبَدْرُ التَّمِّ ممتَحَقِّ … والليلُ مُحْلَوْلِكُ الأَرجَاءِ مِنْ حَسَدِ تحيَّر الليلُ فيهِ أَيْنَ مَطْلَعُهُ … أَما دَرى الليلُ أَنَّ البَدْرَ فِي عَضُدِي وقوله: [من الكامل] هَصَرَتْ يدي منه بغصن ناعم … لم أجنّ غير الحل من ثمراته وأطعت سلطان العفاف تكرُّمًا … والمرء مجبول على عاداته وقوله (٣): [من مجزوء الكامل] ومُنَعَمِ غَضُ القِطافُ … عَذْبِ اللمى والارتشاف قدْ صِيْعَ مِنْ دُرِّ الجَمَا … لِ وصِيْنَ في صَدَفِ العَفَاف وسَقَتْه أَيامَ الشبا … ب بمائها حتى أناف فَتَرَوَّضَتْ عنه الريا … ض وسُلِّفَتْ منه السلاف مهما أَرَدْتَ وفاقَهُ … يومًا فعرض للخلاف ولقد تَرَنَّح مائلًا … كالغُصْن مال به انعطاف فَوَرَدْتُ جَنَّةَ خَدِّهِ … ونَعِيمُها داني القطاف وضَمَمْتُ ناعِمَ عِطْفِهِ … ضَمَّ المُضاف إلى المضاف فَوَرَعتُ حتى في الخَنَا … وكَفَفْتُ مِنْ فَوقِ الكفاف وعصيتُ أَمارَ الهَوَى … وأَطَعْتُ سُلطان العفاف وقوله (٤): [من الكامل] حُيِّيتَ مِنْ بَرْقٍ تَسَهَّدَ ليلهُ … وجدًا إلى أهلِ الدَّخُولِ دَخِيلا كالأَتُهُ سَهَرًا وباتَ مُكالتي … حتى رأيتُ اللحظ منه كَلِيلا

стр. 6184

والصُّبح يَشْهرُ مِنْ سَنَاهُ صَوارِمًا … والليل يَرْفَعُ مِنْ دُجَاهُ سُدُولا وكان عابرة النجوم بأُفقِهَا … عَنْ وجهِهِ تُغْنِي عُيُونًا حُوْلا وكأنما الجوزاء إِذْ بَصُرَتْ بِهِ … أَلْقَتْ إِلَيهِ نِطَاقَها مَحْلُولا عَذَلُوا ولو عَدَلُوا أَوْ اسْطَاعَ الهَوَى … نُطقًا لكان العاذل المعذولا لا تُكثروا فالحُبُّ في حوبائِهِ … كالحَمْدِ في أسماع إسماعيلا راعت وقائع بأسه حتى لَقَدْ … تَرَكَ الحِمَامَ بنفسهِ مَشْغُولا إن كانت الأسدُ الضواري لا تخا … ف صيالةً فَلمَ اتَّخَذْنَ الغِيلا أو كانت البيضُ الصَّوارِمُ لَمْ تَهِمْ … فِي حُبِّهِ فَلِمَ اكْتَسَبْنَ نُحُولا لو تَخْفِرُ العُشاق نبض سُيُوفِهِ … لم يتركوا عند العُيونِ ذُحُولا وقوله وقد بالغ ظرفًا ومجونًا، وهيج شجونا (١): [من الخفيف] زارني خِيفَةَ الرَّقِيبِ مُرِيبًا … يَتَشَكى القَضِيبُ منه الكثيبا رَشَا راش لي سهامَ المَنايا … مِنْ جُفُون يُصمي بهنَّ القُلُوبا قال لي: ما تَرَى الرَّقِيبَ مُطِلًا؟ … قلتُ: ذَرْهُ أَتى الجنابَ الرَّحِيبا عاطهِ أَكوسَ المُدام دِرَاكًا … وأَدِرْها عليهِ كُوبًا فكُوبا واسقنيها بخمر عينيكَ صِرْفًا … واجعل الكأسَ مِنْكَ ثَغْرًا شَنِيبا ثُمَّ لما نامَ الرَّقِيبُ سَرِيعًا … وتَلَقَّى الكَرَى سَمِيعًا مُجِيبا قالَ: لا بُدَّ أَنْ نَدُبَّ إليه … قلتُ: أَبغي رَشًا وأَخُذُ ذِيبا قال: فابدأ بنا وثَنٌ عليهِ … قلتُ: كلًا لقدْ دَفَعتَ قَرِيبا فَوَثَبْنا على الغَزَالِ رُكُوبًا … ودَبَبْنَا إلى الرقيب دَبِيبًا فَهَلْ أبصرتَ أو سَمِعْتَ بِصَبٌ … نَاكَ مَحْبُوبَهُ وناكَ الرَّقِيبا ثم قال ابن بسام، وقد أوردها وطرف الأسماع لما أنشدها (٢): «ولقد ظرف ابن الأبار واستهتر ما شاء وندر، وأظنّه لو قدر على إبليس الذي تولى له نظم هذا السلك، لدب إليه، ووثب أيضًا عليه». ثم قال (٣): «وأبو نواس سهل للناس هذا السبيل حيث يقول: [من المجتث] نِكْنَا رَسُولَ عِنان … والرأي فيمافَعَلْنا فكانَ خُبزًا بملح … قبلَ الشَّوَاءِ أَكَلْنا ومن أناشيد الثعالبي (٤): [من الخفيف]

стр. 6185

لَيَّ أَيْرٌ أَرَاحَني الله منه … صارَ هَمِّي بِهِ عَرِيضًا طَوِيلا نام إِذْ زارني الحَبِيبُ عِنادًا … ولَعَهْدِي بِهِ يُنِيكُ الرَّسُولا حَسُنَتْ زَوْرَةً لِشقوة جدّي … فافترقْنَا وما شَفَينا غَلِيلا وقرأت في بعض كتب الملح خبرًا له بهذا الموضع بعض موقع، قال بعضهم: مشيتُ يومًا فإذا بصديق لنا خارج من دار بغي، فقلت له: أيكون عندك أربع حرائر، وأكثر من ستين سُرِّيَّة، وتأتي هذه الدنيّة؟ فقال: اسكت. مَثَلُ أيري مثل الكلب ينابح من طرأ عليه، ولا يعرض لمن اختلط به». ومنهم: [٤٣٠] يوسف بن جعفر الباجي، أبو عمر (١) من أهل بيت هو منهم غرّة في جواد، وجَذَع تعود على سبق الجياد، هذا وعُوْدُ صباه مهتصر، وماء شبابه يكاد يعتصر، إلى أن قرح الفرح وأثمر فأضحى كل أديب في ظله يتطرح. قال ابن بسام (٢): «من بلغاء الكتاب، وأغرب شاف جده الباجي في الولادة كل الإغراب، في صلة حبل البلاغة على جميع كتاب الإسلام؛ لأنه أنسل أربعة من حملة الأقلام وفرسان الكلام، أولهم جدّه يوسف، وابنه جعفر بن يوسف، وعبد الله ويوسف ابنا ابنه جعفر؛ ويوسف هذا المكنى بأبي عمر». قال (٣): «ونقلت من رسائل بني الباجي من قراطيس تعاليق، ونطائق وقعت إلى تفاريق، منسوبةً لهم في الجملة، وربما اختلطت رسائل الابن والأب لهذا السبب. وهذا الذي أصف وأشرح مما لا يضرّ ولا يقدح، ولا سيما في رواية حكاية، وإنما هي ملح منثور ومنظوم، وليست بحقائق علوم فتتكلف في صحة الأسانيد ما بين سعيد وسعيد، والفصل ما بين عبيد وعبيد». قلت: فلهذا لا أحمل قلمي شيئًا من تلك الرسائل، ولا أضيع الأمانة بنسبة

стр. 6186

القول إلى غير القائل وهبهم أهل بيت واحد أليس يفرّق بينهم التفاوت؟ وانظر إلى بني نوح، وهذا العباس وأبو لهب كلاهما لعبد المطلب، وهذا كثير لا يحطى، وجم لا يُعد، فأما تفاوت الابن والأب والأخ والأخ في رتب البلاغة فعظيم لا تحصيه، وجليل لا تستقصيه، وانظر بين ابن أبي تمام وأبيه، وبين الوليد بن عبد الملك وسليمان أخيه. فأما ما أنشده له ابن بسام من نظمه، فمنه قوله يمدح المعتمد بن عباد وقد أطاعته غافق والمدوّر (١): [من الطويل] وَمَا شِئْتَ فَادْعُوهُ يُوَافِيكَ طَائِعًا … كَمَا قَدْ أَجَابَتْ غَافِقٌ وَالمُدَوِّرُ أَزَرْتَهُمَا بَحْرَ الكتَائِبِ مُزْيِدًا … فَأَكْفَتْ عِنَانَ الطَّوْعِ وَهْيَ تَحَسَّرُ يَقُولُ مَنَارُ الجِنَّ إذْ ذُعِرُوا بِهِ … هِيَ الأَرْضُ تُطْوَى أَمْ هُوَ البَحْرُ يَزْخَرُ سَرَى فاستُطِيرُوا خِيفَةً مِنْ نَذِيرِهِ … وَلَمْ تَكُ لَيْلًا قبلهُ الجِنُّ تُذْعَرُ فتوح يموتُ الحاسدون شجى بها … فليت حليف الحي يحيا فيُخْبِرُ وهل يلتقي الأحقاب إلا على الرِّضا … وأَنْتَ على الدنيا الأمير المؤمرُ وقوله (٢): [من الكامل] لا زالَ عِرُّكَ يُخضِعُ الأطوادا … ويَدُلُّ في آجامها الأسادا لله أيام بقُرْبِكَ أنعمتْ … ما ضَرَّها إِنْ لم تَكُنْ أعيادا راقت محاسِنُها وطابَ نعيمها … فأتى الزمان حدائقًا وعِهادا أَسَفِي على زَمَنِ مضى في غيرها … يا ليتَ ذَاهِبَه استعيد فعادا وقوله يرثي (٣): [من الوافر] تعالى الله كيف هَوَى ثَبِيْرٌ … وَوَافَى البحر مسقطهُ فَغَارا أَسَرَّ الدهرُ مُبتدرَ المعالي … فكم يا بدر فارقت السرارا لتَبْكِ الخَيْلُ مُرسِلَها رِياحًا … تَلُوثُ بِمَفْرِقِ الشَّمْسِ الغُبارا وبيضُ الطَّبْعِ مُصْلِتَها بُرُوقًا … وصَفْرُ النَّبْعِ مُقْدِحَها شَرَارا ومنهم: [٤٣١] أبو الحسن الاستجي (٤) من ولد النعمان بن المنذر. باعد إلى قرباء ولم ينذر، وبكت القرناء ولم يعذر،

стр. 6187

فسبق الصباح مبلجًا، وصدق نفس النسيم متأرجًا، وراض فكره كل جامح، وراع كل جانح، واقتاد سراه دهماء الظلماء مسرجه، وأعاد سبحة الليل فيروزجه، ومرق أديم النهار، وحنق مضائق الطرق والمنار، وجاء جواده السابق تقدح سنابكه النار. قال ابن بسام فيه (١): «له سبق لا ينكر، وإحسان لا يزال يذكر. وأنشد له أبو الوليد بن عامر في كتابه المسمى بـ «البديع في فصل الربيع»: [من السريع] قد قلتُ للرَّوض ونُوَّارُهُ … نوعانِ تَبْرِي وفضي وعَرْفُهُ مختلفٌ طَيْبُهُ … عِرفانِ مِسْكِيٌّ وخَمْرِي ووجه عبد الله قد لاحَ لي … وهوَ مِنَ البهجَةِ دُرِّيٌّ سم عرشك الأرضي إنَّ الذي … أبصرتَهُ عَرش سماوي حُسْنُكَ نُورِيُّ بلا مِرْيةٍ … وحُسْنُ عبدِ اللهِ نُورِي وقوله (٢): [من المجتث] كأنما الرَّوضُ لمّا … وشَتْ يَدُ المُزْنِ أَرْضَهْ كواكبٌ في سماء … مِنَ الزَّبَرْ جَدِ مَحْضَهْ أَوْ لُؤْلُؤ فوقَ أَرضِ … مِنَ المَها مُبْيَضَّة كأنما الوَرْدُ خَدٌ … أبقى بهِ اللثم عضة ومنهم: [٤٣٢] أبو عبيد البكري (٣) رجل يُعد من العلماء، ويُعَلُّ منه مزاج الراح بالماء، لا ينكر فضله إلا جاحد،

стр. 6188

ولا يقاس عليه في الناس إلا واحد لا تسع قدره الصدور، ولا تسمع بمثل حلته البدور، لو زاحمه الطود لانهد، أو قارعه العود لما سد. قال ابن بسام فيه (١): «وكان بأفقنا آخر علماء الجزيرة بالزمان، وأولهم بالبراعة والإحسان، كأَنَّ العرب استحلفته على لسانها، أو الأيام ولته زمام حدثانها، ولولا تأخر ولادته، وعهده في زيادته، لأنسى ذكر كنيه المتقدم الأوان، ذرب لسان، وبراعة إتقان، وله تقدّم سبق، وسلف صدق، وقد كان لسلفه بغربي الجزيرة ذروه فعدوا منها مقاعد أكابر الأمراء، ولهم في ذلك، وللمعتضد قريع أقرانهم، الذي طم واديه على قريانهم، أخبار ذكرها ابن حيان». ومما أنشد له (٢): [من الطويل] خليلي إنِّي قَدْ طَرِبْتُ إلى الكاس … وتُقْتُ إلى شم البنفسج والآس فقُوما بنا نَلْهُو ونستمع الغنا … ونسرقُ هذا اليومَ سِرًّا مِنَ الناس وأورد من نثره قوله (٣): «وإني لي في هذا ما صانه عرض أرميه أو أضاءه سقط أريه، مع زمانة الزمان، وبلادة البلد، من قريحة قريحة، وطبع طبع، وخم وخيم، ونحو قد نُبذ، ولغة جعلت لغوًا، وطالب العلم مطالب والمتخلّي به مُحلّى، وقضايا العقل معكوسة، وخطوط الفصل منحوسة».

стр. 6189

ومنهم: [٤٣٣] أبو عمر، أحمد بن محمد بن حجاج سر آباء، ومسير أبناء، وحلف سلف، أشرقت بهم الأيام والليالي، وشرفت بمضاربهم السيوف والعوالي طلع بين نجومهم فرقدا، وسطع نيرا متوقدا، وزار بعد سيلهم الذاهب سحابًا متفقدا، فعاد الزمان راغمًا، وعصب السماء الشهب وأضحى لها فكره عارمًا. قال ابن بسام (١): «من أسرة اطلعوا مع الكواكب كواكب، وملأوا عيون العجائب عجائب أهل بيت عمده القنا والقنابل، وأطنابه اللهى والفواضل، فصالت دونه القبائل، وتقاصر عنه الدهر المتطاول، ونَجَمَ هذا الرجل فكان بحبوحة شرفهم، وسابق سلفهم وحلفهم، وقد خرجت له ما يشهد أنه سري أسرته، وقريع أهل تجربه». ومما أنشد له قوله: [من الكامل] الموتُ مَوْرِدُنا إليهِ نُوضِعُ … ونفوسُنا طَيْرُ إليهِ وقَعُ دنيا كعَهْدِ المُومِساتِ نِفارُها … والوغد يضمنه اللئيم الأكوع تجري النفوس بها إلى آجالها … في مُدَّةٍ هِيَ للمنيةِ مَهْيَعُ أَينَ القُرُونُ السابقاتُ إلى النُّهى … هلْ مُقْلَةٌ تَرْنُو وأُذُنٌ تَسْمَعُ ومما أورد له من نثره: أنا بين أمواج عرفك الغدق، كالمغمور الغَرِقْ، كلما رمت الوصول إلى فلك الشكر لم أصل إليه، أو طلبته لم أقع عليه، فصرت كما قال القائل: [من المنسرح] أقبلتُ أَرجُو فُضُولَ نَائِلِهِ … فَصْرتُ أَشكُو مِنْ سَيْبِهِ الغَرَقا وإنني لما ترادفت علي تلك الأمواج، وغمرني ذلك البحر العجاج، أظفرني الله بسفينة الدعاء، فوصلت إليها، ونجوت عليها». ومنهم: [٤٣٤] أبو أيوب، سليمان بن أبي أمية (٢) سابق طلب فأدرك، وطلع فكان من طلعة الصباح أبرك، وهمى سحابًا ما كف

стр. 6190

وبله، ولا وكف إلا وود البحر أنه فضله. جدَّ فوجد، وحام فورد، وحلق فبلغ لما اجتهد. وقال ابن بسام، وقد ذكره: فصل في ذكر الفقيه أبي أيوب وأبيات جملة من نظمه ونثره اللذين عطلا الدرَّ في النحور لا في البحور، وأخجلا الزهر في الكمام، والمدام في أيدي الندام، وهو في وقتنا هذا بحر الأدب وساحله، وسنام الغرب وكاهله، وسنان المجد وعامله، ورافع لواء الحمد وحامله، ودارت دولة المعتمد على أبيه مدار مذهب المدينة على مالك، وكانت ترجع إليه رجوع الحساب إلى فدلك، ونشأ ابنه الوزير أبو أيوب، والخطابة يجنُّ به جنونها، والكتابة تمدُّ إليه شمالها ويمينها، فنظر إليها بمؤخر عين، لا يروي إلا بلحظ كتاب، أو خطة محراب، وأرعاها جانب سمع لا يأنس إلا بدعوة مستقيل، أو نعمة مستنيل، حتى انجابت لم يحل لها حباه ولا صرف فيها رأيه ولا هواه، وقد أثبتت مما وجدت له ما يملأ الأسماع، ويرهف الطباع، ويجاوز حد الإجادة والإبداع. ثم ذكر شيئًا من شعره وقال: وهذه نبذة تظهر للقريب الغريب، اختلستها خلسة الذئب، واحتملت فيها منه مضض اللوم والتثريب، لانتفائه جملةً عن الإقرار بالأشعار، واعتلائه عن الخطو في ذلك المضمار، اللهم إلا ما يجيء به عفوًا واسترسالًا، ويدب على لسانه نمالًا أو سحرًا حلالا. وأنشد له قوله: [من الوافر] هَفَوْتُ وأينا يعصي هَوَاهُ … إِذا نَصَّتْ سوالفها الظباء فَدَعْ لَوْمي فبعضُ الغَيّ رُشْد … حيائي أنْ يفارقني الحَيَاء وقوله: [من البسيط] أَمِسْكُ دَارِينَ حَيَّاكَ النَّسِيم بِهِ … أَمْ عَنْبَرُ الشَّحْرِ أَمْ هذي البساتين بشاطيء النهر حيثُ النَّورُ مُؤْتَلِفٌ … والراحُ يَعْبَقُ أَمْ تَلكَ الرَّياحِينُ وقال ابن بسام - أعقاب ما أنشد له من النظام: انتهى ما اختطفته من هذه البدائع الروائع، وإذ قد أعوز افتتاحها، واستمر مع الأيام انتياحها، فليعقبها بما قد أشبهها كثرة طائل، وشرف قائل، مما قد استفدته فأجدته من كلام الوزير أبي الحسين القرشي العامري، الذي هو عقلة المستوفز، وفرصة المنتهز، وتحفة الغلام المبرز، وذلك قطعة شعر بل نفثة سحر، تتعلق ببعض ما أنشدت، وبه أشرت.

стр. 6191

قال يصف ما يوضحه فيستملحه: [من البسيط] الله بالرُّبوة العلياء ليلَتُنا … والراحُ يأخُذُ مِنا والرياحين أيام جادتْ لنا الدنيا بما ذَخَرَتْ … مِنَ النَّعِيم ولم يبخل بنا الدين والعينُ مِنْ أُمة الرحمان قدْ مُلِئَتْ … حسنًا وأَبْهَجَها قُرْبٌ وتمكين غرائر هي بها خولان إنْ فَخَرَتْ … وَإِنْ تَهادَتْ فَنَعمَانُ وَيَبْرِينُ أَمِسْكُ دارِينَ حَيَّاك النسيمُ بِهِ … أَمْ عَنْبَرُ الشَّحْرِ أَمْ هذي البساتين ما روضة بأنيق الحُسْنِ حاليةٌ … وحَسْبُ رَوْضِ الربي وَرْد ونسرين هل تذكرينَ فَدَتْكِ النفسُ مِنْ عِدَةٍ … جَرَتْ بها للهوى الطير الميامين وحاش للمجد أن لا يقتضي وطرٌ … يَعْيا بهِ منك ذاك اللطف واللين ثم قال: أردت حسن التضمين لقول الوزير أبي أيوب، فانظر ما أبدع هذا الامتزاج والالتفات، وأبرع هذا الازدواج والائتلاف كما التقى الثريان واتسق سحر البيان، بل كماء الغمام، وصفو المدام، ولا غرو أن تعارفت تلك الأرواح، وتشاكلت الطباع، فاطرد هذا الإعراب والإبداع. ومنهم: [٤٣٥] أبو الحسين القرشي العامري وهو سالم بن محمد بن سالم بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمان بن علي بن محمد بن أحمد بن مسلم بن طلحة بن مسلم بن عبد العزيز بن عبد زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. هكذا ساق نسبه ابن بسام، واطلع بشره في أسرّة الوجوه الوسام، وطبع منه أمضى من الحسام، وساق نسبه إظهارًا لشرفه، وبدارًا إلى ما لا يوصف من مجد سلفه، إذ كان من قريش البطاح، وفي عامر قادمة الجناح، من ذوي مكة وعمارتها، وسكان واديها وسمارها، من بقية ذلك الجيل، وأهل الإذخر والجليل، سكنوا أشرف المدن، ونحروا شوارف البدن، وتفرّعوا من شجرة مباركة، وأسرة قلاصها فوق النجوم باركة. وقال ابن بسام: والنضر هو نبعة قريش الذي يضمهم دوحها، ويعلمهم روحها. قلت: الصحيح أن فهرًا نبعة قريش التي يرويهم مدودها، وقارعهم حدودها، ومن تجاوزه لم يعد سهمه من ذلك النبع، ولا يعرف في ذلك الربع. ثم قال ابن بسام: والله أبو الحسن فإنه جلدة بين الأنف والعين، فإن يكن قد نماه الأبطح، وجلاه الحسب الأوضح، فلقد باء بمزية الصهر الكريم، وشرف الحديث

стр. 6192

والقديم؛ لأن عبد زمعة المعدود من نفره، الموجود فيه كريم جوهره، هو أخو سودة أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وجد جده إسماعيل هو الطالع على شرف الأندلس في سلطان الحكم المستنصر بالله. رحل من مصر مع الستين والثلاثمائة من دخول بني عبيد إليها، واستيلائهم عليها هاجرًا للوطن فارًا بدينه وسرّ يقينه المستبطن، وآثر بوفادته وسائر قادته بني أمية على بني العباس لا ينظام بني عامر في الحروب العلوية معهم وتروعهم فيما شجر بين السلف مترعهم، فحل يومئذ لدى الحكم على السعة والرحب، والصاغية الكريمة والقرب، وجعل يحدث عن ابن شعبان وعن فُل وفلان من علماء مصر في ذلك الزمان، فلما ثارت الدولة العامرية، حين تقلّصت ظلال قريش، وتنكر لهم ما عهدوا بقرطبة من خفض العيش، أوى إلى إشبيلية فأوطنها دارًا وألحدها قرارًا، وبها لقيه ابن عبد البر علامة الأندلس، ومحيي آثارها الدرس، فدرس عليه واقتبس مما لديه. ثم نقل ابن بسام ما قيل في خبر هذا الرجل، ثم قال: ولم يزل عقبه على تخرّم المنون، وتنكر الدهر الخؤون ذوي العرض المصون، إلى أن نجم فيهم هذا النير الثاقب، ونشأ هذا الصبب الناكب فرجح بالجميع، وذهب بما هنالك من عبد وبديع مع أدب كروض الحزن، ولؤلؤ الحزن، وبلاغة أربت على كل ظن وبراعة أخذت من العلوم في غير ما فنّ إلى شيمة كالزلازل، وهمة على قمة الهلال. قلت: أما قول ابن بسام: إن النضر هو سعة قريش التي بضمهم دوحهما فهو مما قاله بعض النسابين والأكثرون على أن فهر بن مالك هو جماع قريش وأن من تجاوزه ليس بقرشي، وعلى هذا كتب الأنساب، وهو الذي عملنا عليه في هذا الكتاب. ومما أنشد ابن بسام لهذا الرجل قوله: [من الكامل] لانت لك الأيام بعدَ شِماسٍ … وحَلَلْتَ منها في ظلال كناس وضَفَتْ عليكَ بُرُودُ عزّ أَقعس … يبقى ولا يبلي بطول لباس وجَرَتْ سُعُودُكَ غيرَ وانيةِ المَدَى … جَرْيَ الخلافة في بني العباس أَنْتَ الذي بك للمكارم هِزَّةٌ … ليست لفرع البانة المياس ما مالك بن الذئب أَوْ مَا حَاتِمٌ … كُلًا سَبَقْتَ إلى الندى والباس لَهْفِي على تلكَ النُّهى مُنثالةً … بغرائب الآداب والإيناس أغدو إذا عاطيتها وكأَنَّما … بغرائب الآداب والإيناس أغدو إذا عاطيتها وكأَنَّما … لَعِبَتْ بأعطافي حميا الكاس إِنْ فَرَّقَ الدهرُ المُذمّمُ بيننا … فالدَّهرُ للأحرار غير مواسي واها على عَهْدٍ بِمُنْعَرَجِ اللُّوى … لَدْن كما اهتز القضيب الكاسي وإليكَ مِنْ سِرِّ الضُّلوعِ تحيةٌ … تَنْدَى على مُتَضَم الأنفاس وقوله: [من الطويل]

стр. 6193

سَقَى الرَّوْضَ مُخْتَالًا بهِ العَلَمُ الفَرْدُ … مُلِثٌّ لِجِيدِ الزَّهْرِ مِنْ نَظْمِهِ عِقْدُ وحيا الأراك الدوح تهفو بهِ الصَّبا … كما رَنَّحَ النَّشْوَانَ سَاوَرَهُ الوَجْدُ ولا بَرِحَتْهُ نفحةٌ يمنيّةٌ … يُحَافِي لها عن سرّها البان والرند وبالخَيمَةِ القُصْوَى عَقِيلَةُ رَبْرَبٍ … لِبَرْدِ ثناياها على كَبِدِي بَرْدُ لتُصْغِي إِلى الجَرْسِ الخَفِيّ لَعَلَّني … خَلَصْتُ ودوني للعِدَا حَدَقٌ رُمْدُ وليلتنا بالجزع والطَّلُّ ساقِطٌ … ودُوْنِيَ فَيْنانُ مِنَ الأَيْكِ مُمْتَدُّ يحوم ولا إلمام إلا بسَلْسَلٍ … على الرَّشْفِ ما الصَّهباءُ منه ولا الشَّهْدُ ومِنْ دُونِ نَجْوَانا استماعةُ صاحب … تواصتْ لدى كتم السرارِ بهِ الهِنْدُ تُفاوِضُهُ النَّكباءُ سِرَّ حديثها … فَتَطْوِيهِ إلا ما جنى المِسْكُ والنَّد خليلي هل ليلى ونَجْدٌ كعهدنا … فَيَا حَبَّذا ليلي ويا حبذا نَجْدُ ومنهم: [٤٣٦] أبو الوليد، حسان ابن المصيصي (١) شام خُفِضَ له الجناح، ونُقض مرود الليل على الصباح، خاض عباب الفجر، وآض يقتحم عتاب الزجر إلى أن حصل من ذهب الأدب ما كنز، وحصن من فرائد الفراقد ما ركز، وداني الأفق، ونادى فأسمع أشتات الطرق. ذكر ابن بسام كلامًا معناه (٢): أنه كان بين ابن المصيصي هذا وبين أبي بكر بن عمار، وأبي بكر بن الملح صداقة مداخلة، ورئاسة مماثلة، ثم تباينت أحوالهم في الرتب، وتناءت بهم هممهم في المكتسب. ثم قال (٣): «وأما حسان هذا فصدق الحملة، ولزم الجملة، ورضي ابن عمار بوطئ عقبه، ولزوم موكبه، وابن عمار يرعاه؛ لمكانه ويخاف انتباه المعتمد لشأنه حتى زاحمه أخيرًا بالأديب أبي محمد عبد الجليل، فأقرا له بالفرق، وأخذ منهما جميعًا قصب السبق؛ ثم كان ابن عمار كلّما ذكر عبد الجليل ألقى بيديه، وشهد له بالفضل عليه، وكَبَتْ الحظوظ بالأقدار، والأمور على الاختيار. ولما أنشأ المعتمد لابنه الفتح دولته بقرطبة المقدمة الشرح أصحبه حسانًا هذا كاتب سرّه، وصاحب أكثر أمره. وقد أخرجت من شعره أعدل شاهد على ما أخرجت من ذكره».

стр. 6194

انتهى كلام ابن بسام. ومما أنشد له قوله في ابن عباد (١): [من البسيط] مَنِ اسْتَطَالَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَمْ يَطُلْ … وَلَمْ يَخَفْ مِنْ لَجَاجِ سَائِلُ الْأَسَلِ أَعْدَتْكَ صُحْبَتُكَ الْأَرْمَاحُ شِيمَتُهَا … فَأَنْفُذْ نُفُوذَ الْقَنَا فِي الْأَمْرِ وَاعْتَدِلِ وَإِنْ أَتَتْكَ أُمُورٌ لَمْ تُعِدَّ لَهَا … فَانْهَضْ بِرَأْيِكَ بَيْنَ الرَّيْثِ وَالْعَجَلِ حَازَ الْمُؤَيَّدُ مِمَّا قُلْتُ أَفْضَلَهُ … وَزَادَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ مُلْكُ تُوَاصِلُهُ الدُّنْيَا وَيَهْجُرُهَا … سِرًّا وَيَلْبَسُ تَقْوَى اللَّهِ فِي الْحُلَلِ جَرَّ الذُّيُولَ وَلَكِنْ مِنْ جَحَافِلِهِ … عَلَى الْقَتَادِ وَلَكِنْ مِنْ شَبَا الْأَسَلِ وَقَوْلُهُ (٢): [من المتقارب] بَيَاضُ أَيَادِيكَ يَحْكِي الصِّفَاحَ … وَمِثْلُ نَفَاذِكَ تَحْذُو الرِّمَاحَ وَأَنْبَتَتْ لِلْحَرْبِ شَوْكَ الْقَتَادِ … وَفَتَّحَتِ الْوَرْدَ فِيهَا الْجِرَاحَ فَمَا غَيْرُ أَصْلِكَ عُودُ النُّضَارِ … وَلَا غَيْرُ لَحْمِكَ حَيٌّ لِقَاحُ فَلَوْ كَانَ خِيْمُكَ مِنْ مَاءِ كَرْمٍ … لَمَا شَابَهُ فِيكَ مَا قَرَاحُ أَلَمْ تَرَ غَادِرَ أُسْطُبَّةٌ … حَوَى الْخُسْرَ صَفْقَتُهُ لَا الرِّيَاحُ سَيُدْعَى بَرَاقِشُ أَصْحَابَهُ … وَقَدْ دَلَّ مِنْهُ عَلَيْهِمْ نُبَاحُ فَدَاسُوا عَلَى قِصَدِ الذَّابِلَاتِ … تُبَكِّي دِمَاءً عَلَيْهَا الصِّفَاحُ وقوله يحرضه ويقدمه إلى الموت ويعرضه (٣): [من الكامل] لَيْسَ الْعُلَا إِلَّا عَلَى كَرَمٍ … أَيَقُومُ خَطٌّ مَالَهُ سَطْحُ مِنْ نَجْمٍ أَصْلِكَ يَا مُمَلَّكُهُمْ … فِي الْخَطِّ نَبْتُكَ أَيُّهَا الرُّمْحُ كَأْسُ الْمَسَرَّةِ قَدْ سَكِرْتُ بِهَا … وَالْحَدُّ يَلْزِمُنِي بِأَنْ أَصْحُو ومنها: شُدَّ فِي الْوَغَى لَكَ مَنْزِلًا حَسَنًا … لَا يُلْهِكَ الدِّيبَاجُ وَالصَّرْحُ وَدَعِ الرِّيَاضَ لِمَنْ يَلَذُّ بِهَا … مَا إِنْ لِغَيْرِ مَكَارِمِ نَفْحُ أَذْكَى مِنَ الْآسِ النَّضِيرِ قَنًَا … وَأَنَمُّ مِنْ وَرْدِ الرُّبَى جُرْحُ إِنَّ النِّطَاحَ مِنَ الْوَرَى خُلُقٌ … حَتَّى الْكَوَاكِبَ بَيْنَهَا النَّطْحُ قال ابن بسام (٤): «وهذه المقطوعة له من التحريض الحسن، لولا اعتراض المقادير أن تمر بإذن».

стр. 6195

ثم نعود إلى بقية ما أنشده له. فمنه قوله (١): [من الكامل] غنى الحمام ولو رآني نائحًا … وأعارَني نحو الديار جناحا ونَعَمْ كِلانا فاقد مَحْبُوبَهُ … قَلِقٌ ولكني كَتَمتُ وباحا ثُمَّ انثنى ليُعلَّني رِيقًا وَمَنْ … قد ماتَ سُكْرًا كيفَ يَشْرَبُ راحا فَعَفَفْتُ عَنْ رَشْفِي مُدامَ رُضابِهِ … وجنيتُ مِنْ وَجَناتِهِ التفاحا سبحانَ مَنْ خَصَّ المُؤَيَّدَ بالعُلا … كَمَلًا وعَمَّ بِحُبِّهِ الأَرواحا يا أَهْلَ قرطبة اغرِفُوا مِنْ بَحْرِهِ … فَلَطَالَما حَضْخَضْتُمُ الضَّحْضَاحا ومنه قوله فيه، وذكر ابنه (٢): [من الكامل] روض الشباب تناوبت أزهاره … ولى بنفسجُهُ وجَاءَ بَهَارُهُ ود المها لو أَنْ أَسْوَد لحظها … أضحى خضابًا حين شابَ عِذاره تَرَكَ التي اشتمل الكثيب إزَارُها … منه الذي اشتمل العفاف إزاره إنِّي على هذا لأَسْمَعُ بالصبا … فتسرُّني مُتَعَلِّلًا أَخْبارُهُ وأميل نحو الروضِ فارَقَهُ الحَيَا … حِينًا فَيَدْمَعُ إِثْرَهُ خَوَّارُهُ وكأَنَّما خَدُّ الحَبِيبِ شَقِيقَةٌ … خَجَلانَ أَوْ وَجْهُ المُحِبِّ عِذَارُهُ فَكَأَنَّني مما ضَمَمتُ وِشاحُهُ … وكأَنَّني مما شَرِقتُ سِوَارُهُ قُلْ للمؤيَّدِ إِذْ تَقَيَّلَهُ ابنهُ … إِنَّ الدُّجى متشابه أقماره إنْ تُمْضِهِ رُمحًا فأَنْتَ وَشِيجُهُ … أَوْ تُوْرِهِ قَبَسًا فأنتَ غِرارُهُ (٣) ومنهم: [٤٣٧] أبو الحسين، محمد بن الجدّ (٤) مثقف عوال ومقوّمها، ومتخيّر لآل ومقومها. صعد به الجَدّ، ومضى بشبا قُضُبِه

стр. 6196

الحدّ، وتجاوز فضله العد، ووصل علمه جناح البحر بالمد، ولم يكن في أهله إلا ملتحف بالوقار، مجتحف للنحار، متصف بفرائد الدر الكبار، وهو منهم مكان المسك من الطرر، والشذا من الزهر. ذكره ابن بسام وقال (١): «قد قدّمت ذكر بني الجدّ، وذكرت أنهم كانوا صدور رتب، وبحور أدب، مع اشتهارهم بصحبة السلطان، وشرفهم على وجه الزمان. وأبو الحسين هذا كان من أسنى نجوم سعدهم، وأسمى هضاب مجدهم، وقد استكتبه أبو بكر بن عمار أيام حربه بمرسية وله معه أخبار مذكورة، ورسائل مشهورة، ولم أقع له وقت هذا التصنيف، إلا على اليسير الطفيف». ومما أنشد له قوله (٢): [من الطويل] كَتَبْتُ وقَدْ غالَتْ عَزَائِيَ أَشْجانُ … وقَدْ شَرِقَتْ بالدمع والدم أجفان وقَدْ وَقَذَتْني نَبْأَةُ الخَطْبِ لَمْ تُصِخْ … إلى مثلها في سالف الدهر آذان ومنه قوله (٣): [من الكامل] أهدى الزمرُّدَ مُونِقًا ومُنَوّرًا … عجبًا تطلَّع كل لحظ أبصرا فَحَسِبْتُهُ مِنْ قلبهِ ومَوَدَّتي … حجرًا وريحانًا يَرِثُ مُعَطَّرا وزجرت منه بأنَّ قَسوتَهُ انثنت … لينًا كخَدٌ منهُ رَقَ وعَذَّرا ولئن كَتَمْتُ الحُبَّ فيكَ صَبابةً … وضَنانةً فَكَفى بجسمي مُخْبِرا ومنه قوله (٤): [من الوافر] تَحَكَمَتِ اليهود على الفُرُوج … وتاهت بالبغال وبالسروج وقامت دولة الأنذال فينا … وصار الحكم فينا للعلوج فَقُلْ للأعور الدجالِ: هذا زمانُكَ … إِنْ عَزَمْتَ على الخُروج ومنهم: [٤٣٨] ابنا حزم وهما: أبو الحكم عمرو بن مذحج (٥).

стр. 6197

وابن عمه أبو الوليد. يفوق منهما كل وحيد، ويفوت العجال سيره الوئيد ناظرًا متمتع، ومسمعًا متطلع. وكانت نجوم ذلك الحين تحسد اصطحاب فرقديهما، وتعاون يديهما، فتزينت لوامع الأيام منهما بمشرقين، وحنيت بهما على الأنام أضالع الأفقين. ذكرهما ابن بسام فقال (١): «وأبو الحكم في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ الإحسان قبلةً، وحجة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كلّ قوس من الفخر أَتْرَع، وفي كل أفق من علوّ القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، وأكليلًا على جبين ملك، قلما عن لبصر إلا راقه، ولا اختلج ذكره في قلب بشر إلا شاقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسين ابن السيد البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بما جمع قلبه، عُجْبًا منه وإعجابًا به». وقال (٢): [من الطويل] رأى صاحبي عَمْرًا فَكُلَّفَ وصْفَهُ … وحمَّلني مِنْ ذاكَ ما ليس في الطَّوْقِ فقلتُ لهُ: عَمْرُو كعمرو فقال لي: … صَدَقْتَ ولكن ذاك شبّ عَنِ الطوق وفيه يقول هو أو الوزير أبو محمد بن عبدون: [من مجزوء الخفيف] قُلْ لعَمْرِو بنِ مَذْحِج … خابَ ما كنتُ أَرْتَجي شارب مِنْ زَبَرجَدٌ … ولَمي من بنفسج فلما هم ليلة نهاره، ودبّ على سيف وجنتيه فِرِنْدُ عِذاره، راع المجد بحزم وكرم، وأسرة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، وأمَّلَ صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بنت شرف، وله شعر مطبوع». ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل] أرى الدهر أعطاك التقدُّم في العُلا … وإنْ كانَ قد وافى أخيرًا بك الدهر لئن حازت الدنيا لك الفضل آخرًا … ففي أُخريات الليل ينبلج الفَجْرُ وقوله (٤): [من الكامل] زُرْنِي فَدَيتُكَ يا زعيم الناسِ … لِتَرَى بُدُورًا منْ كبارِ أُناسٍ يا راضِعًا دَرَّ المَكارِمِ عُجْ بنا … (ما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ) (٥)

стр. 6198

وقوله مما كتبه إلى أبي العلاء بن زهر (١): [من الطويل] لَعَمْرو العُلا لولا أبوها وذِكْرُهُ … لَما شاقني بَرْقٌ بِبُرْقَةِ صادِرِ ولا بت والظلماءُ إِثْمِدُ مُقلتي … تؤرِّقُها بيض النُّجومِ الزَّواهِرُ وهَبْتُ فُؤادي للبشيرِ بِعَودِهِ … سَليمًا ولم أَبْخَل عليه بناظري وقوله فيه وقد جاز البحر معه (٢): [من الخفيف] يا ابنَ زُهْرِ طَا الثُّريَا عَبِيرًا … وحَصى البيد لؤلؤًا وعَقيقا وتَلَقَّ الهواء وهو طليقٌ … كَمُحَيَّاكَ حِينَ يَلْقى الصديقا ما ترى الريح كيف هَبَّتْ رُخاءً … لكَ بعد الهبوب ريحًا خَرِيقا وصحا البَحْرُ هَيْبَةً لكَ لمَّا … جِئْتَهُ سالِكًا عليه طريقا غَمَرَتْهُ مِنْ راحتيك بحارٌ … صاحَ مِنْ بَعْضِها الغَرِيقَ الغَرِيقا فَرِقَ اليم منك حين استطارتْ … منه أحشاؤه فريقًا فريقا جُزْهُ يا ابن الكِرَام أَرْضًا ذَلُولًا … أَوْ فَقُدْهُ إِنْ شِئْتَ طِرْفًا عَتِيقا وانتضِ الحَزْمَ حَيْثُ كُنْتَ حُسامًا … واصْحَبِ اللُّجَّ حيثُ كَانَ رَفِيقا وَتَفَيًا عُلاكَ ظِلًا ظَلِيلا … وتَنَشَّقْ ذكراك مسكًا فَتيقا وقوله مما كتب به لابن عمه أبي الوليد (٣): [من البسيط] لا غَرْوَ أَنْ بَعُدَتْ دارٌ مصاقبَةٌ … بنا وجَدَّ بنا في الحَضْرَةِ السَّفَرُ فَمَحْجِرُ العَينِ لا يلقاه ناظرُها … وقدْ تَوَسَّعَ في الدنيا به النظر ومما أجابه أبو الوليد به (٤): [من البسيط] إيه أبا حكم فالودُّ مُقْتَرِبٌ … وإِنْ تَباعَدَتِ الأَشخاص والصور لا عَتْبَ فالودُّ يَمْخُو ما أَتَيْتَ بِهِ … حَسْبِي مِنَ الذَّنْبِ تَجنيه وأعتذر يَنْبُو لساني عنْ عَتْبِ الصَّدِيقِ وَمَا … أَزْرى بِغَرْبَيْهِ لا عِيٌّ ولا حَصَرُ نانة بخليلي أَنْ أُفارِقَهُ … ما القَوسُ إنْ لم يكن يومًا لها وَتَرُ قال ابن بسام (٥): «وقدم أبو الحكم من بعض أسفاره فكتبت أنا إليه بأبيات

стр. 6199

منها (١): [من البسيط] يُهنِّي قُدُومُكَ كُلاًّ يا أَبا الحَكَمِ … يا دَوْحَةَ العِلْمِ والأَدَبِ والحِكَمِ مُذْ غِبْتَ ما رَنَّقَتْ عَيْنِي إِلى سَنَةٍ … يا عَمْرو إِلا لَكَيْ أَلْقاكَ في الحُلُمَ فلم يضر ثنائي النِّسْبَتَيْنِ وقد … رُحْنا نَسِيبَينِ في عِلْمٍ وفي فَهَم والعُذْرُ في زَمَنٍ إِنْ جِئْتَ في أُمَمٍ … ما الخيلُ خيلُكَ فاعذرهم ولا تُلَمِ فراجعني بأبيات منها قوله (٢): [من البسيط] يا مَنْ تَناوَلَ حُرَّ اللّفظَ مِنْ أُمَمٍ … بذي غِرارَيْنِ مِثْلَ الصارمِ الخَذِمِ لو أَنَّ لَفْظَكَ تُهْدِيهِ إِلى حَجَرٌ … لَما اسْتُجِيزَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بالصَّمَمِ هذي جَوَارِحُ جِسْمِي كُلُّها أُذُنٌ … مُذْ جَازَ مِنْكَ بِأُذْني لُؤْلُؤُ الكَلِم مِنْ تَغْلِب أَنْتَ في عِلْياءِ مَرْكَبِها … فَمَنْ يُباريك في مَجْدٍ وفي كَرَم قَوم أَراد ابنُ هِنْدِ أَنْ يَضُمَّهُمُ … فَأَوْطَأُوا الرأْسَ مِنْهُ مَفْرِقَ القَدَمِ مآثر قُسِّمَتْ بينَ الوَرَى وغدًا … للتغلبيين منها أوْفَرُ القِسَم قلت: لو قال: للتغلبيين منها أغلب القسم لكان أحسن. ثم قال ابن بسام (٣): «ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيئة الأصيلة، ابن عمه أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم، أحد أعيان الأدب، وأحلى الناس شعرًا، لا سيما إذا عاتب أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه، فقلما يتجاوزه إلى سواه، وفي كل معنى يحسن أكثر مما يمكن، ولكن رأيته في باب العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره». ومما أنشد له قوله (٤): [من الطويل] أَتَجَزَّعُ مِنْ دَمْعي وأَنْتَ أَسَلْتَهُ … ومِنْ نارِ أحشائي ومنك لهيبها وتَزْعُمُ أَنَّ النفس غيرَكَ عُلِّقَتْ … وأَنتَ وَلَا مَنْ عَلَيْكَ حَبِيبُها وقوله (٥): [من الطويل] وطارحكِ الواشونَ عنّي سَلْوَةٌ … مُغَالطةً هَيهات ذاك بعيد وكيف سُلُوِّي عَنْ هَوَاكِ وإِنَّهُ … لَيُبْلِي فُؤَادِي وَهوَ فيهِ جَدِيدُ بلى إنْ عَرَتْني فترة الصَّبْرِ هَزَّني … تذكُرُ أَيَّامي بكم فأَعُودُ وقوله (٦): [من المتقارب]

стр. 6200

وكم ليلةٍ أَلْطَفَتْ بالمُنى … فَقُمْتُ أُبادِرُ الطافها بشمس إذا ما تأَمَّلْتُها … رَدَدْتُ على الشمس أَوْصافها بقرة لحظ كأَنَّ الكَرَى … أَعانَ عليها وإن خافها وإني وإنْ عِفْتُها مُعْلِنًا … لأعْذِلُ في السر من عافها وهبت علينا صَبًا رَطْبَةٌ … وقد عابثَ الطَّلُّ أَعْطافَها وقد بها الروض هجر الحيا … فَجَرَّتْ على النَّوْرِ أَطْرَافَها وخيل الظلام أمام الصباح … والرَّكْضُ قَدْ ضَمَّ أَجْوَافَها وقدْ فَضَّضَ الفَجْرُ أذيالها … وزادَ فَذَهَبَ أَعْرَافَها وكابرتِ البَدْر شمس الضُّحى … فَمَدَّتْ على الأرض أكنافها وغاضَبَتِ السُّحْبَ فيها الرياحُ … فَصَرَّتْ مِنَ الغَيظِ أَخْلافَها وذكرني بادِرَاتِ الحِمامِ … حَمَائِمُ تَنْدُبُ الآفَها وقوله (١): [من الكامل] كم قلتُ فيهِ مُعَرِّضًا ومُصَرِّحًا … أكذا عَلِقْتَ ضَلالَةً بِفُلان هيهات لولا غُنج فاترِ لَحْظِهِ … ما كنتَ نُهْزَةَ أَعْيُنِ الغِزْلان منها قوله: والشمس ترمق من محاجرِ أَرْمَدٍ … وَالطَّلُّ يركض في النسيم الواني والراح تأخذُ مِنْ مَعَاطِفِ أَغْيَدٍ … أَخْذَ الصّبا مِنْ عِطْفِ غُصْنِ البانِ حتى إذا ضَرَبَ الظَّلامُ رُوَاقَهُ … وخَشِيتُ فيه طوارِقَ الحَدَثانِ مِلْنَا نُؤَمِّلُ غير ذلك منزلًا … والراحُ تُقْصِرُ خَطْوَنا فَتُدَاني والبدرُ يَرميني بمُقْلَةِ حاسدٍ … لويستطيع لكان حيثُ يَرَانِي وقوله (٢): [من الكامل] فأطلع طلوع الشمسِ أَوْ مَعَها … بيدِ السُّرورِ على قَفَا الحَزَنِ في ساعةٍ سَمَحَ الزَّمانُ بها … فكَأَنَّمَا هِيَ لذَّةُ الوَسَنَ وقوله (٣): [من الطويل] وكم ليلةٍ باتَ الهوى يستفزني … ولا رِقْبَةٌ دون الأماني ولا سِتْرُ وفي ساعدي بدر على غُصْنِ بانَةٍ … يودُّ مكاني بينَ لَبَّاتِهِ البَدْرُ وفي لحظةٍ كالسُّكْر لا مِنْ مُدَامَةٍ … ولولا اعتراضُ الشَّكَ قلتُ: هُوَ السُّكْرُ فلم يك إلا ما أباح لي التَّقَى … ولمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَحِلَّ لِيَ الخَمْرُ
следующие страницы →