الحدّ، وتجاوز فضله العد، ووصل علمه جناح البحر بالمد، ولم يكن في أهله إلا ملتحف بالوقار، مجتحف للنحار، متصف بفرائد الدر الكبار، وهو منهم مكان المسك من الطرر، والشذا من الزهر.
ذكره ابن بسام وقال (١): «قد قدّمت ذكر بني الجدّ، وذكرت أنهم كانوا صدور رتب، وبحور أدب، مع اشتهارهم بصحبة السلطان، وشرفهم على وجه الزمان.
وأبو الحسين هذا كان من أسنى نجوم سعدهم، وأسمى هضاب مجدهم، وقد استكتبه أبو بكر بن عمار أيام حربه بمرسية وله معه أخبار مذكورة، ورسائل مشهورة، ولم أقع له وقت هذا التصنيف، إلا على اليسير الطفيف».
ومما أنشد له قوله (٢): [من الطويل]
كَتَبْتُ وقَدْ غالَتْ عَزَائِيَ أَشْجانُ … وقَدْ شَرِقَتْ بالدمع والدم أجفان
وقَدْ وَقَذَتْني نَبْأَةُ الخَطْبِ لَمْ تُصِخْ … إلى مثلها في سالف الدهر آذان
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
أهدى الزمرُّدَ مُونِقًا ومُنَوّرًا … عجبًا تطلَّع كل لحظ أبصرا
فَحَسِبْتُهُ مِنْ قلبهِ ومَوَدَّتي … حجرًا وريحانًا يَرِثُ مُعَطَّرا
وزجرت منه بأنَّ قَسوتَهُ انثنت … لينًا كخَدٌ منهُ رَقَ وعَذَّرا
ولئن كَتَمْتُ الحُبَّ فيكَ صَبابةً … وضَنانةً فَكَفى بجسمي مُخْبِرا
ومنه قوله (٤): [من الوافر]
تَحَكَمَتِ اليهود على الفُرُوج … وتاهت بالبغال وبالسروج
وقامت دولة الأنذال فينا … وصار الحكم فينا للعلوج
فَقُلْ للأعور الدجالِ: هذا زمانُكَ … إِنْ عَزَمْتَ على الخُروج
ومنهم:
[٤٣٨] ابنا حزم
وهما: أبو الحكم عمرو بن مذحج (٥).
стр. 6197
وابن عمه أبو الوليد.
يفوق منهما كل وحيد، ويفوت العجال سيره الوئيد ناظرًا متمتع، ومسمعًا متطلع.
وكانت نجوم ذلك الحين تحسد اصطحاب فرقديهما، وتعاون يديهما، فتزينت لوامع الأيام منهما بمشرقين، وحنيت بهما على الأنام أضالع الأفقين.
ذكرهما ابن بسام فقال (١): «وأبو الحكم في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ الإحسان قبلةً، وحجة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كلّ قوس من الفخر أَتْرَع، وفي كل أفق من علوّ القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، وأكليلًا على جبين ملك، قلما عن لبصر إلا راقه، ولا اختلج ذكره في قلب بشر إلا شاقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسين ابن السيد البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بما جمع قلبه، عُجْبًا منه وإعجابًا به».
وقال (٢): [من الطويل]
رأى صاحبي عَمْرًا فَكُلَّفَ وصْفَهُ … وحمَّلني مِنْ ذاكَ ما ليس في الطَّوْقِ
فقلتُ لهُ: عَمْرُو كعمرو فقال لي: … صَدَقْتَ ولكن ذاك شبّ عَنِ الطوق
وفيه يقول هو أو الوزير أبو محمد بن عبدون: [من مجزوء الخفيف]
قُلْ لعَمْرِو بنِ مَذْحِج … خابَ ما كنتُ أَرْتَجي
شارب مِنْ زَبَرجَدٌ … ولَمي من بنفسج
فلما هم ليلة نهاره، ودبّ على سيف وجنتيه فِرِنْدُ عِذاره، راع المجد بحزم وكرم، وأسرة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، وأمَّلَ صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بنت شرف، وله شعر مطبوع».
ومما أنشد له قوله (٣): [من الطويل]
أرى الدهر أعطاك التقدُّم في العُلا … وإنْ كانَ قد وافى أخيرًا بك الدهر
لئن حازت الدنيا لك الفضل آخرًا … ففي أُخريات الليل ينبلج الفَجْرُ
وقوله (٤): [من الكامل]
زُرْنِي فَدَيتُكَ يا زعيم الناسِ … لِتَرَى بُدُورًا منْ كبارِ أُناسٍ
يا راضِعًا دَرَّ المَكارِمِ عُجْ بنا … (ما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ) (٥)
стр. 6198
وقوله مما كتبه إلى أبي العلاء بن زهر (١): [من الطويل]
لَعَمْرو العُلا لولا أبوها وذِكْرُهُ … لَما شاقني بَرْقٌ بِبُرْقَةِ صادِرِ
ولا بت والظلماءُ إِثْمِدُ مُقلتي … تؤرِّقُها بيض النُّجومِ الزَّواهِرُ
وهَبْتُ فُؤادي للبشيرِ بِعَودِهِ … سَليمًا ولم أَبْخَل عليه بناظري
وقوله فيه وقد جاز البحر معه (٢): [من الخفيف]
يا ابنَ زُهْرِ طَا الثُّريَا عَبِيرًا … وحَصى البيد لؤلؤًا وعَقيقا
وتَلَقَّ الهواء وهو طليقٌ … كَمُحَيَّاكَ حِينَ يَلْقى الصديقا
ما ترى الريح كيف هَبَّتْ رُخاءً … لكَ بعد الهبوب ريحًا خَرِيقا
وصحا البَحْرُ هَيْبَةً لكَ لمَّا … جِئْتَهُ سالِكًا عليه طريقا
غَمَرَتْهُ مِنْ راحتيك بحارٌ … صاحَ مِنْ بَعْضِها الغَرِيقَ الغَرِيقا
فَرِقَ اليم منك حين استطارتْ … منه أحشاؤه فريقًا فريقا
جُزْهُ يا ابن الكِرَام أَرْضًا ذَلُولًا … أَوْ فَقُدْهُ إِنْ شِئْتَ طِرْفًا عَتِيقا
وانتضِ الحَزْمَ حَيْثُ كُنْتَ حُسامًا … واصْحَبِ اللُّجَّ حيثُ كَانَ رَفِيقا
وَتَفَيًا عُلاكَ ظِلًا ظَلِيلا … وتَنَشَّقْ ذكراك مسكًا فَتيقا
وقوله مما كتب به لابن عمه أبي الوليد (٣): [من البسيط]
لا غَرْوَ أَنْ بَعُدَتْ دارٌ مصاقبَةٌ … بنا وجَدَّ بنا في الحَضْرَةِ السَّفَرُ
فَمَحْجِرُ العَينِ لا يلقاه ناظرُها … وقدْ تَوَسَّعَ في الدنيا به النظر
ومما أجابه أبو الوليد به (٤): [من البسيط]
إيه أبا حكم فالودُّ مُقْتَرِبٌ … وإِنْ تَباعَدَتِ الأَشخاص والصور
لا عَتْبَ فالودُّ يَمْخُو ما أَتَيْتَ بِهِ … حَسْبِي مِنَ الذَّنْبِ تَجنيه وأعتذر
يَنْبُو لساني عنْ عَتْبِ الصَّدِيقِ وَمَا … أَزْرى بِغَرْبَيْهِ لا عِيٌّ ولا حَصَرُ
نانة بخليلي أَنْ أُفارِقَهُ … ما القَوسُ إنْ لم يكن يومًا لها وَتَرُ
قال ابن بسام (٥): «وقدم أبو الحكم من بعض أسفاره فكتبت أنا إليه بأبيات
стр. 6199
منها (١): [من البسيط]
يُهنِّي قُدُومُكَ كُلاًّ يا أَبا الحَكَمِ … يا دَوْحَةَ العِلْمِ والأَدَبِ والحِكَمِ
مُذْ غِبْتَ ما رَنَّقَتْ عَيْنِي إِلى سَنَةٍ … يا عَمْرو إِلا لَكَيْ أَلْقاكَ في الحُلُمَ
فلم يضر ثنائي النِّسْبَتَيْنِ وقد … رُحْنا نَسِيبَينِ في عِلْمٍ وفي فَهَم
والعُذْرُ في زَمَنٍ إِنْ جِئْتَ في أُمَمٍ … ما الخيلُ خيلُكَ فاعذرهم ولا تُلَمِ
فراجعني بأبيات منها قوله (٢): [من البسيط]
يا مَنْ تَناوَلَ حُرَّ اللّفظَ مِنْ أُمَمٍ … بذي غِرارَيْنِ مِثْلَ الصارمِ الخَذِمِ
لو أَنَّ لَفْظَكَ تُهْدِيهِ إِلى حَجَرٌ … لَما اسْتُجِيزَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بالصَّمَمِ
هذي جَوَارِحُ جِسْمِي كُلُّها أُذُنٌ … مُذْ جَازَ مِنْكَ بِأُذْني لُؤْلُؤُ الكَلِم
مِنْ تَغْلِب أَنْتَ في عِلْياءِ مَرْكَبِها … فَمَنْ يُباريك في مَجْدٍ وفي كَرَم
قَوم أَراد ابنُ هِنْدِ أَنْ يَضُمَّهُمُ … فَأَوْطَأُوا الرأْسَ مِنْهُ مَفْرِقَ القَدَمِ
مآثر قُسِّمَتْ بينَ الوَرَى وغدًا … للتغلبيين منها أوْفَرُ القِسَم
قلت: لو قال: للتغلبيين منها أغلب القسم لكان أحسن.
ثم قال ابن بسام (٣): «ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيئة الأصيلة، ابن عمه أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم، أحد أعيان الأدب، وأحلى الناس شعرًا، لا سيما إذا عاتب أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه، فقلما يتجاوزه إلى سواه، وفي كل معنى يحسن أكثر مما يمكن، ولكن رأيته في باب العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره».
ومما أنشد له قوله (٤): [من الطويل]
أَتَجَزَّعُ مِنْ دَمْعي وأَنْتَ أَسَلْتَهُ … ومِنْ نارِ أحشائي ومنك لهيبها
وتَزْعُمُ أَنَّ النفس غيرَكَ عُلِّقَتْ … وأَنتَ وَلَا مَنْ عَلَيْكَ حَبِيبُها
وقوله (٥): [من الطويل]
وطارحكِ الواشونَ عنّي سَلْوَةٌ … مُغَالطةً هَيهات ذاك بعيد
وكيف سُلُوِّي عَنْ هَوَاكِ وإِنَّهُ … لَيُبْلِي فُؤَادِي وَهوَ فيهِ جَدِيدُ
بلى إنْ عَرَتْني فترة الصَّبْرِ هَزَّني … تذكُرُ أَيَّامي بكم فأَعُودُ
وقوله (٦): [من المتقارب]
стр. 6200
وكم ليلةٍ أَلْطَفَتْ بالمُنى … فَقُمْتُ أُبادِرُ الطافها
بشمس إذا ما تأَمَّلْتُها … رَدَدْتُ على الشمس أَوْصافها
بقرة لحظ كأَنَّ الكَرَى … أَعانَ عليها وإن خافها
وإني وإنْ عِفْتُها مُعْلِنًا … لأعْذِلُ في السر من عافها
وهبت علينا صَبًا رَطْبَةٌ … وقد عابثَ الطَّلُّ أَعْطافَها
وقد بها الروض هجر الحيا … فَجَرَّتْ على النَّوْرِ أَطْرَافَها
وخيل الظلام أمام الصباح … والرَّكْضُ قَدْ ضَمَّ أَجْوَافَها
وقدْ فَضَّضَ الفَجْرُ أذيالها … وزادَ فَذَهَبَ أَعْرَافَها
وكابرتِ البَدْر شمس الضُّحى … فَمَدَّتْ على الأرض أكنافها
وغاضَبَتِ السُّحْبَ فيها الرياحُ … فَصَرَّتْ مِنَ الغَيظِ أَخْلافَها
وذكرني بادِرَاتِ الحِمامِ … حَمَائِمُ تَنْدُبُ الآفَها
وقوله (١): [من الكامل]
كم قلتُ فيهِ مُعَرِّضًا ومُصَرِّحًا … أكذا عَلِقْتَ ضَلالَةً بِفُلان
هيهات لولا غُنج فاترِ لَحْظِهِ … ما كنتَ نُهْزَةَ أَعْيُنِ الغِزْلان
منها قوله:
والشمس ترمق من محاجرِ أَرْمَدٍ … وَالطَّلُّ يركض في النسيم الواني
والراح تأخذُ مِنْ مَعَاطِفِ أَغْيَدٍ … أَخْذَ الصّبا مِنْ عِطْفِ غُصْنِ البانِ
حتى إذا ضَرَبَ الظَّلامُ رُوَاقَهُ … وخَشِيتُ فيه طوارِقَ الحَدَثانِ
مِلْنَا نُؤَمِّلُ غير ذلك منزلًا … والراحُ تُقْصِرُ خَطْوَنا فَتُدَاني
والبدرُ يَرميني بمُقْلَةِ حاسدٍ … لويستطيع لكان حيثُ يَرَانِي
وقوله (٢): [من الكامل]
فأطلع طلوع الشمسِ أَوْ مَعَها … بيدِ السُّرورِ على قَفَا الحَزَنِ
في ساعةٍ سَمَحَ الزَّمانُ بها … فكَأَنَّمَا هِيَ لذَّةُ الوَسَنَ
وقوله (٣): [من الطويل]
وكم ليلةٍ باتَ الهوى يستفزني … ولا رِقْبَةٌ دون الأماني ولا سِتْرُ
وفي ساعدي بدر على غُصْنِ بانَةٍ … يودُّ مكاني بينَ لَبَّاتِهِ البَدْرُ
وفي لحظةٍ كالسُّكْر لا مِنْ مُدَامَةٍ … ولولا اعتراضُ الشَّكَ قلتُ: هُوَ السُّكْرُ
فلم يك إلا ما أباح لي التَّقَى … ولمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَحِلَّ لِيَ الخَمْرُ
стр. 6201
وقوله في قريب منه (١): [من الطويل]
وكم ليلةٍ ضافرتُ في ظلّها المُنْى … وقدْ ظَفِرَتْ مِنْ أَعْيُنِ الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حلو الشَّمائِلِ مُتْرَفٌ … لَعُوبٌ بيأسي تارة ورجائي
أطارحه حُلْوَ العِتاب ورُبَّما … تَغَاضَبَ فاسترضيتُه ببكائي
وفي لَحْظِهِ مِنْ سَوْرَةِ الكَأْسِ فَتْرَةٌ … تَمُتُّ إلى الحاظه بولاء
وقد عاتبته الراح حتى رَمَتْ بهِ … لقّى بينَ ثِنْيَي بُرْدَتي ورِدائي
على حاجةٍ في النفس لو شِئْتُ نِلتُها … ولكنْ حَمَتْني عِفتي وحَيَائِي
وقوله (٢): [من الطويل]
وقد قام في وجهِ النَّسِيم غُزيّلٌ … يُغازِلُ عِطْفَيهِ صَبًا وَجَنُوبُ
وسد طريق الشمس بدر إذا بدا … أَهَلَّتْ عُيونُ بالهَوَى وقُلُوبُ
وتحت جناح الغَيْمِ أَحشَاءُ رَوْضَةٍ … بها لخُفُوق العاصفاتِ ضُرُوبُ
وللزَّهْرِ فِي ضِمْنِ الرِّياضِ تَبَسُّمٌ … وللطَّيرِ مِنْ فَوقِ الغُصُونِ نَحِيبُ
وقوله (٣): [من الكامل]
وكأَنَّما غمَزَ الكَرى أَجْفانَهُ … فَتَضَرَّجَتْ وجناته منها دما
فلئن هَمَمتُ فغيرُ مَشدُودِ الحُبَى … أَوْ إِنْ عَفَفْتُ فغير ممنوع اللَّمى
ولقد قنعتُ فلا قنعتُ بزَوْرَةٍ … ولقدْ نَجَوْتُ وَمَا نَجَوتُ مُسَلَّما
فأَبَحْتُ سِرَّ اللَّهوِ مُرتادَ الهَوَى … ومنعتُ طيرَ الوَجْدِ أَنْ يترنّما
وقوله (٤): [من الكامل]
خُذْهَا أَبا العباس قَوْلَةَ مُخْلِصِ … إِنْ وافَقَتْ مِنْ مَسْمَعَيْكَ قَبُولا
تطغى ويحفظها الحَياءُ وربَّما … مالَ العِتابُ بها عليك قليلا
فارْفِقْ فَثَمَّ وإِنْ صَدَدتَ بقيّة … تأبَى على رُغْمِ السُّلُوِّ رَحِيلا
فلطالما أجريت أجفاني دَمًا … وملأتَ أَضلاعي جوى وغليلا
وقوله يخاطب ابن عمه أبا الحكم (٥): [من الوافر]
أعمرُو وكمْ أُطامِنُها حَياءً … فتُطغِيها معاتبة الأماني
وإن وقفَ الغَرَامُ بها قليلًا … فعُذرُ أَخِيكَ في جَفْنَي فلان
стр. 6202
وقوله مما يخاطب به ابن عمه أبا بكر (١): [من الطويل]
وأَرْسَلْتُهُ سَهْمًا سَدِيدًا إلى العِدَا … فأَخْطَأَهُمُ عَمْدًا وعادَ إلى نَحْرِي
أَرِيسُ ويَبْرِي أَعْظُمِي غَيْرَ مُقْصِرٍ … فيا لَيْتَ شِعْرِي كم يَرِيسُ وكم يَبْرِي
ومن مراجعة ابن عمه أبي بكر له (٢): [من الطويل]
ولمَّا رأَى حِمْصَ استَخَفَّتْ بِقَدْرِهِ … عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بهِ لَيْلَةَ القَدْرِ
تَحَمَّلَ عَنْها والبِلَادُ عَرِيضةٌ … كما سُلَّ مِنْ غِمْدِ الدُّجَى صَارمُ الفَجْرِ
ومما أنشده لأبي الوليد (٣):
وإِذَا الزَّمَانُ رَمَى إِلَيْكَ مُسالِمًا … وأَمِنْتَهُ فَاحْذَرْ مِنَ الأَخَوَانِ
وسَجِيَّتِي ما قد عَلِمْتَ ورُبَّمَا … صَدِيَ الحُسَامُ مِنَ النَّجِيعِ القَانِي
وقوله (٤): [من الطويل]
نَبَذْتُ إِلَيْكَ النَّاسَ لا غَادِرًا بِهِمْ … ولا طَالِبًا جَدْوَاكَ إِنْ حَيَّمَ المَحْلُ
ونَكَبْتُ عن قومٍ مَضَوا وبُودِّهِمْ … لو أَنْ تَرَى رِجْلِي لأَعْيُنِهِمْ كُحْلُ
ومِنْهُم:
[٤٣٩] أبو الحسن بن هارون الشنتمري (٥)
رجل كان نظره وقف النظرات وفق الحظرات، وعفافه ملء البرود العطرات، والعقود في أجياد الخفرات، أوقد ذكاؤه ضلوع البروق نفرات، وقطع كبد الغمام حسرات، وأجرى شؤون الأنواء عبرات. يحدد غزل شعره البواعث، يهب فضل سحره العيون النوافث أعبق من الصهباء، وأعلق في الأسماع من الأنباء.
وقال ابن بسام فيه (٦): «وأبو الحسن هذا سهل الكلام، بارع النظام، ممن اغترف من بحر الكلام بكلتا يديه، وجذب بثوب البيان من كلا طرفيه، فأما سلفه من قبل فقد انخدع لهم الزمان بريهة، وهينم بأسمائهم السلطان هنيهة، إلى أن نبه الدهر الغافل على أمرهم، وأسكت عن ذكرهم».
стр. 6203
ومما أنشد له قوله في أسد من ذهب يصب ماء (١): [من الكامل]
وحديقةٍ شَرِقَت بِغَمْرِ نميرِها … يحكي صَفاءَ الجَوِّ صَفْرُ غَدِيرِها
تُجري المياه بها أُسُودٌ أُحْكِمَت … مِنْ خالص العقيان في تصويرها
وكأَنَّها أُسدُ الشَّرى في شكلها … وكأَنَّ صوت الماء صوتُ زَئيرها
وقوله (٢): [من المنسرح]
انظر إلى ثابت على طَرَفِهْ … قَدْ سَلَّ سيف المَنُونِ مِنْ طَرْفِه
وهر من قده لواءَ رَدّى … يُرْدِي الصحيحَ السليمَ مِنْ حَتْفِه
يَطُوفُ بالحج منه بدرُ دُجى … على جَوَادٍ كالبَرقِ في خَطْفِهْ
كاد مِنْ لِينه ونعمتِهِ … يعقد عقد العنان في نصفه
ومنهم:
[٤٤٠] عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني، أبو زيد (٣)
نطق والمشرفية سكوت، وتكلّم وصُمُّ القنا صُمُوت، وجاء بالعجب وطرف النجم مبهوت، وجرّ بلمة الصبا وعليها المسك مفتوت. صفا غديره ثم ترنق، وطال ذيله ثم تبنق، تجمع خاطره ثم تفرق، وهجع طرفه ثم تأرّق، وكان لا يصعب معاناة القريض، ومباهاة الأنجم منه والقضيض، ثم رأى دونه غصص الحلق، وفرص الخلق.
وقال ابن بسام فيه (٤): «من شعراء غربنا المشاهير، يعرب عن أدب غزير، تصرف تصرف المطبوعين المجيدين، في عنفوان شبابه وابتداء حاله، ثم تراجع طبعه عند اكتماله».
ومما أنشد له قوله في ابن حمود، وقد ذكرت منها عند ذكره، والمختار منها هنا قوله (٥): [من الرمل]
أَلِبَرْقِ لائح مِنْ أَندرين … شَرِقَتْ عَيناك بالدمع المعين
لَعِبَتْ أَسيافُهُ عادِيَةٌ … كَمَخارِيق بأيدي لاعبين
عَيَّرَتْني بسهام وضَنّى … إِنَّ هذين لزين العاشقين
стр. 6204
فاسقنيها مُرّةً صافيةً … عُتَقَتْ في دَنْها بِضْعَ سِنين
مَعَ فتيان كِرَامِ نُجُبٍ … يتَهادَونَ رَياحينَ المُجُون
شَرِبُوا الراح على خُدِّ فتًى … نَوَّر الوَرْدُ به والياسمين
رَجَلَتْ دَايَتُهُ عامِدَةً … سَبَجَ الشَّعْرِ على عاج الجبين
ومصابيح الدُّجَى قَدْ أُطْفِئَتْ … في بقايا مِنْ سَوادِ اللَّيلِ جُوْنْ
وكأَنَّ الظَّلَّ مِسْكُ في الثرى … وكأَنَّ الزَّهْرَ در في الغُصُون
والنَّدى يقطرُ مِنْ نَرجِسِهِ … كدموع أسلمتهنَّ الجُفُون
والثريا قد عَلَتْ في أُفْقِها … كقضيب زاهر من ياسمين
وانبرى جُنْحُ الدُّجَى عَنْ أُفْقِهِ … كَغُرابٍ طَارَ عَنْ بَيْضِ كنين
وكأَنَّ الشَّمس لمّا أَشرَقَتْ عنها … عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن عليّ … بن حمود أمير المؤمنين
خُطَّ بالمسك على أبوابه: … ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (١)
خُلِقُوا مِنْ مَاءِ عَدْلٍ وتُقّى … وجميعُ الناسِ مِنْ ماء وطين
انْظُرُونا نقتبس مِنْ نُورِكُمْ … إِنَّهُ مِنْ نُورِ رَبِّ العالمين
وقوله (٢): [من المتقارب]
ولمَّا سَقَتْنا بإبريقها … لَثَمْنَا يَدَيها وخَلْخَالَها
وبتنا وباتت على ساقها … تُصَفِّقُ للشَّرْبِ جِرْيالها
كَأَنَّ نُجُومَ الدُّجى رَوْضَةٌ … تَجُرُّ بها السُّحْبُ أَذيالها
كأنَّ الثريا بها رايةٌ … يقودُ المُوَفَّقُ أَبْطَالَهَا
ومنهم:
[٤٤١] علي بن إسماعيل القرشي الأشبوني، أبو الحسن (٣)
وذو اللسن وأخو النباهة التي لا يُغْمِضُها الوسن. تشقّق من شجرة لؤي بن غالب،
стр. 6205
ولاوى كل غالب. ألفت إلى الأدب طرفه بعض الحين، وجناه غض الرياحين، ثم أقبل عليه حتى فوّف الوشائع، وشنَّف بالبدائع، وتصرّف في الحكم، وتخطف غرر الكلم ولم يحط غرضًا، ولا خلى لمتعلل مرضا، وكشف معائب الدنيا الدنية، ودلّ على بواطنها الخفية.
وذكره ابن بسام وقال (١): «كان يعرف عندنا بالطليطلي، ممن نظم الدر المفصل، وطبق المفصل، لا سيما في الزهد؛ فإنَّ أهل أوانه، كانوا يشبهونه بأبي العتاهية في زمانه».
ومما أنشد له قوله يصف نملة (٢): [من السريع]
وذاتِ كَشْحٍ أَهْيَفٍ شَخْتِ … كَأَنَّما تُولَعُ في النَّحْتِ
كأَنَّما آخرُها قَطْرَةٌ … صغيرةٌ من قاطر الزفت
أَوْ نقطةٌ جامِدَةُ خَلْفَها … قَدْ سَقَطَتْ مِنْ قَلم المُفتي
تَسْرِي اعتسافًا ولقدْ تَهتدي … في ظُلْمَةِ الليلِ إِلَى الخَرْتِ
ومنهم:
[٤٤٢] محمد بن البين، أبو عبد الله (٣)
قصد الجزالة، وما وجد الجزالة، سمق في الأدب شجره، ودفق البحر وسجره، ثم ابتغى سببًا، وأبدع موجزًا ومسهبا، فجاء الثريا معتجرة، ووافي بعين الصباح منفجرة، وتمذهب به أهل أفقه، وذهب على أثر ابن هاني في أول رفقه، فجد وما ولى، وقرب مما أراد ودنا، وأمسى والفضل لا يفوته، والمسك يتضوّع لديه فتيته.
قال ابن بسام فيه (٤): «كان يحضره بطليوس مستظرف الألفاظ والمعاني، وكان يميل إلى طريقة محمد بن هانئ، على أن أكثر أهل وقتنا وجمهور شعراء عصرنا إليها يذهبون، وعلى قالبه يضربون».
ومما أنشد له قوله (٥): [من الكامل]
كيف النَّجاءُ وللبروقِ مَجَامرٌ … في جانبيك وللنسيم كفاءُ
стр. 6206
يا ربةَ الخِدْرِ التي أضللتها … يومَ النَّوى ومحلها الأحشاء
لم كان والدكِ الطويلُ نِجاده … ليثًا وأَنْتِ الظَّبيةُ العَفْراء
أَشْبَهْتِهِ في فتكِهِ يومَ الوغى … والسَّمهرية عينكِ النَّجلاء
منها قوله:
لم أرض إلا فيهِ نَظمَ بَدَائِعِ … حَسَدَتْهُ في فَيْنانِها الأُمَرَاءُ
أَهلُ المَدائِحِ سالكٌ في مَنْهَجٍ … سَلَكَتْ بهِ مِنْ قَبلِهِ الآباء
أقصائدي جُوبِي البِلادَ بذِكْرِهِ … وعليهِ مِنْ نورِ الفَخَارِ رِدَاءُ
أُمِّي النُّجُومَ فَخَيْرِي عَنْ مَجْدِهِ … فله هنالك في العُلا نُظَرَاءُ
وقوله (١): [من الكامل]
غَصَبُوا الصَّباحَ فَقَسَّمُوهُ خُدُودا … واسْتَوهَبُوا قُضُبَ الأَرَاكِ قُدُودا
ورأوا حصى الياقوت دونَ مَحَلَّهم … فَاسْتَبدلُوا منهُ النُّجُومَ عُقُودا
واستودعوا حَدَقَ المَها أَجْفَانَهُمْ … فَسَبَوا بهنَّ ضَراغمًا وأُسُودا
لم يكفِ أَنْ جَلَبُوا الأَسِنَّةَ والظَّبا … حتى استعانوا أَعْيُنًا ونهودا
ومنها قوله:
أبني السيوف المَشْرَفِيَّةِ نَجْدَةً … وبني السَّحابِ المُسْتَهِلَّةِ جُودا
الدَّهرُ عندَكُمُ طَرِيفٌ مُحْدَثٌ … وفَخَارُكُمْ ما زالَ فيهِ تَليدا
عَطَرتُمُ نَفَسَ الزمانِ وأَصْبَحَتْ … آثارُكُم للعَطْفِ منهُ بُرُودا
ومنهم:
[٤٤٣] أبو محمد بن هود (٢)
لقي حظًا موفورًا، وسقي كأسًا كان مزاجها كافورًا، فَعَلِقَ منها بلؤلؤ يرقص منه الحَبَب، ويسير به الخَبَب، فكان يجلي صدأ الغيهب، ويصقل شية الظلام الأكهب، ويمسك بأعقاب النجم المغرب لا يذهب، فلم يغترف شاعر مثل اغترافه، ولا أسكر بمثل سلافه.
стр. 6207
ذكره ابن بسام، وقال فيه (١): «وكان ممن تندر له الأبيات، وتستظرف له بعض المقطوعات».
ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
ضَلَلْتُم جَمِيعًا يالَ هُودٍ عَنْ الهُدَى … وضَيَّعتمُ الرأْيَ المُوفّق أجمعا
وشِئْتُمْ يَمِينَ المُلكِ بِي فَقَطَعْتُمُ … بأَيديكم منها وبالغَدْرِ إِصْبَعا
فلا تَقْطَعُوا الأسباب بيني وبينَكُمْ … فَأَنفِكُمُ مِنْكُمْ وإنْ كانَ أَجْدَعا
وقوله مما نقش على رياش سيف المتوكل بن الأفطس: [من البسيط]
لا تخشَ ضَيمًا ولا تُمسي أَخَا فَرَقِ … إِذا رِياشي في يُمنى يديكَ بَقِي
لولا فُتُورٌ بالحاظ الظباء إذا … لقلتُ: إِنِّي أَمْضَى مِنْ ظُبَى الحَدَقِ
ومنهم:
[٤٤٤] أبو عمر بن فتح بن بَرْلُوصَةَ البطليوسي (٢)
سحاب مركوم، وبُرْدٌ مرقوم. كان منهله بذائب الفضة البيضاء يتحلب، وبأطلال الروضة الخضراء لا يتطحلب.
قال ابن بسام فيه (٣): «من نبهاء العصر المقلين في الشعر، إلا أن أبياته نوادر سوائر، وهو القائل في ابن برد: [من السريع]
إِنَّ أَبنَ بُرْد لفتى ماجد … ونفسه بالجُودِ مَفْتُونَه
مددتُ كفّي نحوَ بَلُّوطَةٍ … فقال: دَعْها وخُذِ التّينَة
ومنهم:
[٤٤٥] أبو عمر، يوسف بن كوثر (٤)
نظم وما أكثر، وجاد ولم يتأثر، وسبق وأما السحاب خلفه فتقطع، وأما النسيم فتعثّر. ولم يعره ابن بسام تقريضًا، وإنما أنشده قريضًا، فمنه قوله (٥): [من الطويل]
стр. 6208
ألا لا يُفَنّد عاشقًا مَنْ لَهُ ذِهْنُ … فوالله لولا العِشْقُ مَا عُرِفَ الحُسْنُ
ومنهم:
[٤٤٦] محمد بن سوار الأشبوني (١)، أبو بكر
تصبب من بحر، وتلبّب في نحر، وقطف الكلام حينًا ما صنع، وجليًا ما صدع، وشغل به زمانًا، وعكف يلفظ جُمانًا، ولم تخله الأيام من نكدها، ولا أخلته من عُقَدِها، والكريم مُلقى والشدائد لا تبقى.
قال ابن بسام (٢): «وأبو بكر واحد عصره، وله عدة قصائد في ملوك قطره، قالها تحببًا لا تكسبًا، وعمر مجالسهم بها وفاء لا استجداء؛ فلما خلع ملوك الأندلس حالت به الحال، وتقسمه الإدبار والإقبال، ثم أسره العدو وقيد بقورية، ثم خرج من وثاقه، خروج البدر من محاقه، ثم أسمع الله صوته من وراء البحر المحيط، قاضي القضاة بالمغرب، وسلالة الأطيب فالأطيب أبو الحسن علي بن القاسم بن عشرة، فأعاد هلاله بدرًا، وصيّر خله خمرًا».
ومما أنشد له قوله (٣): [من البسيط]
ألست تذكر يومًا حين زرتُهُمُ … والدهر يخرجُ مِنْ حُزْنٍ إِلَى عُرس
نزلتُ في موضع جَفَّ الغدير به … كما يجفُ اخضرارُ الليل بالغَلَسِ
يُريك دائرة الدينار صفحتَهُ … فإنْ ينادي قليلًا صار كالترس
كأَنَّ جود علي جاد لجنَّهُ … فليسَ يُخشى عليه آفة اليبس
مُطَهَّرُ لمْ يُدنّس عِرْضَهُ بَخَلُ … وجوهرُ الشمس معصوم مِنَ الدَّنَسِ
وقوله يصف كيفية القبض عليه حين أُسر (٤): [من الطويل]
وليل كَهَمّ العاشقين قميصُهُ … رَكِبْتُ دياجِيهِ وَمَرْكَبُهُ وَعْرُ
سَرَيتُ وأصحابي يُميلهُمُ الكَرَى … فهم منهُ في سُكْرِ وما بهم سُكْرُ
رميت بجسمي قَلْبَهُ فَنَفَذْتُهُ … كما نَفَذَ الإصباحُ إِذْ فُتِقَ الفَجْرُ
ولما بدا وجه الصَّبَاحِ تَطَلَّعَتْ … خُيُولٌ مِنَ الوادي مُجَلَّلَةٌ غُرُّ
стр. 6209
فقلت لهم: خيلُ النَّصارى فَشَمِّرُوا … إليها وكِرُّوا ههنا ينفعُ الكَر
وكانت حمى للقوم قد صرعتهم … ففلّوا وولوا مدبرين وما قَرُّوا
وأفردت سهمًا واحدًا في كِنانة … مِنَ الحرب لا يُخشى على مثلِهِ الكَسْرُ
فطاعنتهم حتى تحطَّمتِ القَنَا … وضاربتهم حتى تكسَّرَتِ البُتْرُ
أضَرّجُ أثوابي دمًا وثيابهم … كأَنَّ الذي بيني وبينَهُمُ عِطرُ
وأحدق بي والموتُ يَكْشِرُ نابَهُ … ومنظرُهُ جَهْم وناظِرُهُ شَزْرُ
فأعطيتها - وهي الدنية - صاغرًا … وقد كان لي في الموتِ أَنْ لو بدا عُذْرُ
وقوله (١): [من الكامل]
ساروا وحَبْلُ وِصالِهِمْ مَبْتُوتُ … فَسَلُوا نُجوم الليل كيف أَبِيْتُ
بانوا وروحي عندَهُمْ وحُشاشتي … ويُظَنُّ أَنَّهمُ مَضَوا وبقيتُ
أَسَفِي على وادي الأَرَاكِ وإِنَّما … يتنفس المحزون وهو يموتُ
لا تأخذوا في اللوم لستُ بسامع … إنَّ الملامة في الهوى تعنيت
وقوله (٢): [من الكامل]
ومَضَتْ تجر وراءها شعرًا كما … أعطاك جانبه الغُرابُ الأَسْحَمُ
يمحو مواقع إثرها فَكَأَنَّهُ … تُخفيه عن عين الرقيب وتَكْتُمُ
والمِسْكُ فوقَ التَّرْبِ مِنْ أَردانِها … خَطَّ كما رُقِمَ الرِّدَاءُ المُعْلَمُ
مالي ومالك يا غيور تَسُومُني … خُطَطَ الرَّدى وأنا المعنى المُغْرَمُ
قوله (٣): [من الطويل]
هُمُ بَعَثُوا طَيْفَ الخيال الذي سَرَى … فَعَانَقَ جِسمًا مثل طيف خيال
وأقبل من تلقائهم وكأَنَّهُ … مُعَلَّقَةٌ أَعطافُهُ بِغَزال
فَيا دَارهم بالحَزْنِ حُزني مُجَدّد … عليكَ وقلبي ليس عنك بسال
وأبيض هنديّ كأَنَّ نجَادَهُ … مطارد باب أَوْ مَدَبُّ نمال
وقد أظهرت فيه المنايا نفوسها … كما خَوَّضَتْ لُجَّ السَّرابِ سَعَالِي
وقوله (٤): [من الكامل]
هل ينكرُ الغَيرانُ مِنّي وِقْفَةً … وَقَفَتْ أماني النفوس حيالها
في ليلةٍ عتبَ المُحاقُ ببدرِها … غَضَبًا فَقَصَّرَ عُمْرَهُ وأَطالَها
стр. 6210
سوداءُ أَشْرَقَ نجمها فلوَ أَنَّني … أَجْرِي على فَلَكٍ لِكُنتُ هِلالها
ولقد فَتَكْتُ بقُرْطِها وبمُرْطِها … حتى هَتَكْتُ حُجُولَها وحجالها
وقوله (١): [من الكامل]
وأَتَتْ تقبلني فقلتُ لها امسكي … عَنِّي فإني لا أُقارِبُ رَاحا
فَمَضَتْ وقد أخجلتها فتبسمت … فرأيتُ في أرض العقيق أقاحا
حتى إذا ما الروضُ نَبَّهَهُ النَّدى … فتحتْ عُيونًا كالعيون ملاحا
طالبتُهُ أبدًا فَسَالَ تَوَقُدًا … وطَلَبْتُهُ كَرَمًا فَذَابَ سَماحا
وقوله (٢): [من الكامل]
الصَّبْرُ أَجْمَلُ عندَ كُلِّ مُلمَّةٍ … لكن على فَقْدَيهما لَمْ يَجْمُل
قمران غُيّب بالكسوف سَنَاهُما … لا تُكْسَفُ الأقمارُ ما لَمْ تَكْمُل
ومنهم:
[٤٤٧] أبو عيسى بن ليون (٣)
طمح إلى ظل الذوائب، وطمع في جرّ الكتائب، وتم له الأمر أو كاد لولا
стр. 6211
مقاطعة النوائب، فلم تطب له مكرعًا، ولم تطل له ليتًا ولا أَخْدَعا، بل قلبت له مجنّ الظفر، وقلبت جثته في مسكن الحفر، وقدمته الأيام التي ما برحت مراحل، والورى منها على سَفَر.
ذكره ابن بسام فقال فيه (١): «أحد وزراء ابن ذي النون المعتدين في دولته، المعدين لبأسه وصولته، ولكنه ثار، وخاض الهول المثار، وخلص من الهلك، واقتنص نافر الملك، حصل بمربيطر واقتطعها، وحلّ بها فلك الرياسة ومطلعها، وما خلع اسم الوزارة، ولا تسوّغ سواها ممن أمَّهُ أو زاره، وكانت عنده مشاهد تزف للمنى أبكارًا نواهد، والدنيا تسعده وتنجز له ما تعده، إلى أن لعب عليه ابن رزين فبقي ضاحيًا، وغدا جوه من تلك العِدة صاحيًا.
وله نظمٌ نَظَمَ من المحاسن جُملًا، وأعاد سامعها ثملًا، وقد أَثْبَتُ له ما يدل على نفاسة سبكه، وجودة حبكه، فمن ذلك ما قاله متوجعا لخليط ظعن، وأوغل في شعاب البعد وأمعن (٢): [من الوافر]
سَقَى أَرْضًا ثَوَوْهَا كُلَّ مٌزْنٍ … وسَارَ بهم سُرُورٌ وارتياحُ
سأَبكي بعدَهُمْ حُزْنًا عليهمْ … بِدَمْع في أَعِنَّتِهِ جِماحُ
وكان يقصر مربيطر في المجلس المشرف منها، والبطحاء قد لبست زخرفها، ودبَّج الغمام مطرفها، وفيها حدائق ترنو على مقل نرجسها، وتبث طيب تنفسها، والجلنار قد لبس أردية الدماء، وأراع أفئدة الندماء، فقال: [من الكامل]
قُم يا نديم أَدِر عليَّ القَرْقَفا … أَوَما تَرَى زَهْرَ الرياض مُفَوَّفا
والجُلَّنارَ دِماءَ قَتْلَى مَعْرَك … والياسمين حباب ماءٍ قَدْ طَفَا
ومن بقية ما أنشد قوله (٣): [من البسيط]
لو كنت تشهد يا هذا عَشِيَّتَنا … والمُزنُ تُسْكَبُ أَحيانًا وتَنْحَدِرُ
والأَرضُ مُصْفَرَّةٌ بالمُزنِ كاسيةٌ … أَبْصَرْتَ تِبْرًا عليه الدُّرُّ ينتشر
وقوله (٤): [من البسيط]
стр. 6212
يا رُبَّ ليلٍ شَرِبْنا فيه صافيةً … حمراء في لونها تنفي التباريحا
تَرى الفَرَاشِ على الأكواب ساقطةٌ … كأَنَّما أَبْصَرَتْ منها مَصَابِيحا
وقوله (١): [من البسيط]
أَينَ الشُّموس التي كانت تُطالعنا … والجَرُّ مِنْ فَوْقِهِ لليلِ جِلْبَابُ
يُبْدِي إلينا لُجينًا حَشْوُهُ ذَهَبٌ … أَنامِلُ العاج والأطرافُ عُنَّابُ
وقوله (٢): [من الطويل]
إذا بَلْدَةٌ يومًا عليَّ تنكرتْ … شَدَدْتُ إلى أُخرى مَطِيَّ إبائي
كشمس تَبَدَّتْ للعيون بمشرِقٍ … صباحًا وفي غَرْبٍ أَصِيْلَ مَساءِ
قلت: والله هذا البيت الأهل والمعنى العذب المناهل، وما أحسن قوله في تتمته:
ذَرُونِي أُجُبْ شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها … لأَشْفِيَ نفسي أَوْ أَمُوتَ بِدَائي
فلسْتُ كَكَلْبِ السُّوءِ يُرْضِيهِ مَرْبِضٌ … وعَظْمٌ ولكني عُقابُ سَماءِ
ومنهم:
[٤٤٨] عبد الملك بن رزين، حسام الدولة (٣)، أبو مروان
ممن اختالت به الذؤابة، واعتالت الأيام أذوابه، وألصقت المنايا خدّه بالهوان، وألحقت منه عبد الملك بمروان، وكلّهم - أعني آباءه - أكلتهم المنون، وختلتهم حيث ظنُّوا بالله الظنون، فعوضتهم مفارش الأحداث، وأوطأتهم مفارق الأحداث، فأمسوا خبرًا، ثم أصبحوا عبرا.
ومما قال ابن بسام فيه (٤): «وأما ذو الرياستين - يعنيه -، فكان له طبع يدعوه فيجيب، ويرمي ثُغرة الصواب عن قوسه فيصيب، على قلة أخذه عن الأئمة، كان وربما جالستهم الكلمة بين مغالطة وأنفة، وعوّل في أكثر ما يقرأ على تعاليقه وصحفه؛ وبالجملة فلو جرى على عفوه، وعرف منتهى شأوه، لكان شاعرًا مجيدًا، وناثرًا معدودًا».
стр. 6213
ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط]
يا رُبَّ ليل أَطالَ الهَجْرُ لذَّتَهُ … [قد] أيأس العُمْرَ عَنْ إِدراكِ مُنْتَصِفِ
ليل تطاول حتى قد تبيَّنَ لي … عند التأمُّل أَنَّ الدهرَ مِنْ سُدَفِ
ومنهم:
[٤٤٩] سليمان بن مهران السرقسطي، أبو الربيع (٢)
عُرِفَ نَدُّهُ بالشَّذا، وزَنْدُهُ بالجذا، اكتفى له باليسير، ودلّ قليله على الكثير. حارت النجوم أيَّانَ يذهب، وسبق على أدهم يركض في حشا أشهب، ونشر ميت الأدب وقد واراه جَدَثُه، وصفًا منه الذهب وقد كثر كالحديد خَبَثُه.
ومما قاله ابن بسام فيه (٣): «له شعر كثير وإحسان مشهور، وعلى لفظه ديباجة رائعة، غير أنه لم يمر بي الآن له إلا أبيات سمعت القوَّالين يتداولونها لعذوبتها وسلاستها، وأنشدها، وهي: [من الطويل]
خليلي ما للريح تأتي كأَنَّما … تُخالطها عندَ الهُبُوبِ خَلُوقُ
هل الريحُ جَاءَتْ مِنْ بلاد أَحِبَّتِي … فَأَحْسَبُها ريح الحَبيبِ تَسُوقُ
سقى الله أرضًا حَلَّها الأَغْيَدُ الذي … لَتَذْكَارِهِ بينَ الضُّلُوعَ حَرِيقُ
أَصارَ فُؤادي فِرْقَتينِ فَعِنْدَهُ … فَرِيقٌ وعندي للسياق فَرِيقُ
ومنهم:
[٤٥٠] أبو مروان بن غصن الحجازي (٤)
فتى له الحجى زي، وفتن من يجارى ويُجازي. قلد الأدب فحكم، وسلم الأمر
стр. 6214
منه إلى أبي مروان؛ لأنه الحكم، لكنه ما ضره إذ لم يلده أبو العاص، ولم يؤاخه ابن العاص لنسب أدبي رفعه، وسبب جرّ له أنفعه، حتى كان منتاب كل طالب، وناب مناب السحاب وحزبه الغالب.
قال ابن بسام فيه (١): «وكان قد اقتبس من العلوم والآداب ما صار به في عالم عصره علمًا، وكان كما قال فيه أبو محمد بن عبد البر في رقعة خاطب بها المعتضد منها: «وإن أحس امرؤ من نفسه قوة جنان، وفضل بيان وتصرُّف لسان، فأقصى غرضه أن يُحلى بيانه بمآثرك، ويقرّ لسانه بمفاخرك. وإن ممن استولى على الأمد الذي وصفته، وحوى قصب السبق فيما ذكرته، الأديب الكامل أبو مروان بن غصن الحجازي؛ وهو كما علمت ممن لا يجارى في ميدان، ولا يطاول بعنان، إن نظم فبنيان مرصوص، أو نثر فلآلئ وفصوص».
قال ابن بسام (٢): «ونكبه المأمون بن ذي النون، وله فيه «رسالة السجن والمسجون والحزن والمحزون» أودعها قصائد مطولات، ومقطوعات أبيات، ورسالة أخرى سماها بـ «العشر كلمات». وهو القائل في سجنه وكتب بها إلى أخيه (٣):
[من المتقارب]
تَهِيمُ الخُطُوبُ بوصلي فما … لهنَّ إلى غير قلبي طريق
أيا واحدي وشقيقي ويا … فريقًا يُبكيهِ مِنِّي فريق
أَخُوكَ أَخُو نكباتٍ لها … يَرِقُ العَدُوُّ فكيفَ الشَّقِيقُ
ولو جائليقٌ تَخَوَّلْتُهُ … بموعظةٍ آمَنَ الجائليق
ومن بقية ما أنشد له قوله (٤): [من مخلع البسيط]
قد أَتْحَفَ الغَيمُ بانسكابة … والتَحَفَ الجَيُّ في سَحَابِهْ
وقام داعي السُّرُورِ يدعو … حَيَّ على السرور وانتهابة
وتاه فيه النديم ممَّا … يَزْدَحِمُ الناس عند بابه
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
يومٌ تَبَدَّى لنا بصَحْو … والجو صافي الهَوا جَلِيُّ
طابَ رَحِيلي فيهِ إِلى أَنْ … كَدَّرَ مِنْ صَفْوَهِ العَشِيُّ
وقوله (٦): [من الوافر]
стр. 6215
فَدَيْتُكَ لا تَخَفْ مِنِّي سُلُوًّا … إِذا ما غَيَّرَ الشَّعَرُ الصِّغارا
أهيمُ بِدَنٌ خَلٌّ كَانَ خَمْرًا … وأَهْوَى لحية كانتْ عِذَارَ
ومنهم:
[٤٥١] أبو جعفر بن جرج (١)
أدبه أضوأ من السراج، وأكلًا من الرج كَنَفًَا. مُوَطأ في ذرى ممالك الأندلس يبذل له مصونه، وتذلل له حصونه، وتوكل منه إلى من يصونه.
وقال ابن بسام فيه (٢): «وحلّ آخر أيام ملوك الطوائف، فحل من الدول محل الشمس من الحمل، وقُلّد فيها فحملها على كاهله، وصرف أعنتها بين أنامله».
ومما أنشد له قوله (٣): [من المتقارب]
وَخَدٌّ تَأَنَّقَ صَبَّاغُهُ … قد اختلفت فيه أصباغُهُ
بديعُ المحاسن قدْ صَاغَهُ … فأَبْدَعَ ما شاءَ صَوَّاغُهُ
وقوله (٤): [من البسيط]
كم بالمواكب مِنْ زَوْرٍ على رِقَبِ … خَطَوا على الهَوْلِ فِي عَابِ القَنَا الأَشَبِ
أَسْمُو إلى منزل الأملاكِ مُرْتَقِيًا … حتى خَلَوتُ بشمس الخِدْرِ في الحُجُبِ
وأَنْجُمُ الجَو تبدو في حدائقها … كالنَّورِ أَزْهَرَ فِي أَحْوَى مِنَ العُشْبِ
ثم انثنيتُ وقدْ رَوَّيْتُ مِنْ غُلَلٍ … هِيْمِ ولَمْ أنسَ بقيا الدين والحَسَبِ
وقوله (٥): [من البسيط]
ومُذْهَبِ الخَدِّ لَمْ يُذْهَبْ بِإِبْرِيزِ … مُطَرَّزِ الصِّدْغِ لم يُرْقَم بتطريز
قد راق بالنور حتى ما تُحَدِّدُهُ … فَإِنَّهُ بَشَرٌ إِلا بِتَمْيِيرِ
وقوله (٦): [من البسيط]
ساروا فَوَدَّعَهُمْ قَلْبي فما بَعُدوا … عني ولا قَرُبُوا مِنِّي وقَدْ قَرُبُوا
هم الشموس ففي عيني إذا طَلَعُوا … في القادِمِينَ وفي قَلْبِي إِذا غَرَبُوا
ومنهم:
стр. 6216
[٤٥٢] أحمد بن الدود البلنسي، أبو جعفر (١)
شاعر له صنائع لا تكفر، وبدائع عليها المسامع تتوفر. أضاءت به بلنسية، وكان كل زمانها عشاياها، وعلت إلى أن ثَبَتَتْ على نمارق النجوم حشاياها.
قال ابن بسام فيه (٢): «هو أحد من لقيته وشافهته، وأملى علي نظمه ونثره بأشبونة سنة سبع وسبعين»، ومما أنشد لنفسه (٣): [من الكامل]
فَغَدَتْ غَوَانِي الحَيِّ عنكَ غوانيًا … وَأَسْكَنَّ أَلحاظ الرَّبابِ رَبابا
فلأبكين على الشَّبابِ مُلاءةً … ولأَجْعَلنَّ دَمَ الفُؤَادِ خضابا
ومنهم:
[٤٥٣] عمر بن أحمد بن عبد الله بن عيطون التجيبي الطليطلي (٤)
تود أردان السَّحَر أنها بأنفاسه تتأرّج، وخدود الملاح أنها بمائه تتضرّح، وكان ذا شعر أشجى من شجو الحمام، وأندى من صفو الغمام. حاز قصبات السبق في الزمن الأخير، وتقدم على التأخير، واتقد مصباحًا، وأوقد في العشايا صباحًا، بمد لا ينقص وجد لا ينكص.
قال ابن بسام فيه (٥): «أحد بحور البراعة، ورؤوس الصناعة، نفث هاروت على لسانه بسحر، إلا أنه حُلْو حلال، وتفجرت البلاغة من جنانه إلا أنه عذب زلال، أتى ثانيًا من عنانه، وسبق على تأخر زمانه. وقد أثبت له ما يُزري بالدُّر في السلك، ويخل بالكافور والمسك».
ومما أنشد له قوله (٦): [من الطويل]
إلى كم نَوًى تتلو نوى وتُغَرِّبُ … كأَنَّا بأيدي الياسرين قدَاحُ
تعاورنا أيدي الفيافي كأَنَّنا … هَشِيمٌ ذَرَتهُ بالفَضَاءِ رِياحُ
وقوله - وقد وصل الممدوح وهو معتل (٧): [من الطويل]
стр. 6217
وما أَعْتَلَّ عَنَّا جُودُهُ باعتلاله … ولكنْ وجَدْنا غِبَّهُ [ما] ليس يَهْنَأُ
تُنَغِّصُ شَكْوَاهُ لِجَدْوَاهُ عِنْدَنا … كأنَّ غِطَاسَ البَحْرِ في المَاءِ نَظْمَأُ
وقوله (١): [من الوافر]
يُجاذِبُنِي العِنانَ بِهِ سَبُوحٌ … طَمُوحٌ هَمُّهُ أَبدًا أَمَامَهُ
قليلُ الصَّحْبِ لا أَلْقَى أَنِيسًا … على طُوْلِ السُّرى إلاَّ لِجَامَهُ
ومنهم:
[٤٥٤] أبو بحر، يوسف بن أبي القاسم خلف بن عبد الصمد (٢)
فارع أدب حلّ في عليائه، وسبق والنجم مُلقّى لإعيائه. خاض الدجى، وفاض السحائب بقول النجا. توقل الذرى والمجد حشو بُرْدَتِه، والأسد ضميم لِبدَتِه، والمَشْرَفِيُّ في نجاد يده، والسمهري ثعلبه من طرائد صيده.
وذكره ابن بسام، وقال (٣): «ونشأ أبو بحر منهم بحرًا كاسمه، حسن الحديث، حاضر النادرة، ذو رويّة وبديهة، ومن ظريف شعره ما أنشدت من قوله، وهو: [من الكامل]
فَوَصَلْتُ أَقْطارًا لغيرِ مَحَبَّةٍ … ومدحتُ أقوامًا بغير صلات
أيقولُ: أشعاري نَمَتْ فَتَكاثَرَتْ … فجعلتُ شِعري للأنام ذَكاتي
وقوله (٤): [من الخفيف]
لمْ تَزَلْ تسجد الأباريق للشَّرْ … بِ سُجُودَ الرُّهبان للصلبان
تتعاطى الكُؤُوسَ فالليلُ خَفَّا … قُ الخَوَافِي مُمزَّقُ الطَّيْلَسان
ومنهم:
[٤٥٥] أبو تمام، غالب الحجّام (٥)
لقبًا غلب عليه فلم يذكر معه غالب، ولم يعرفه بسواه طالب. بارى شأوه المسترسل
стр. 6218
الرياح، ونافست كؤوس محاجمه كوب الراح، وأخرج الغل ونقاه، واختار من مسك الدم أبقاه، وصان المهج بما أطل من دمها، وعاند محمر الشقيق بعندمها، وجاء مما غادر الشعراء بما أبطل قول متردمها، وطاولت ذوائبها الثريا من فرق الصباح إلى قدمها.
ذكره ابن بسام وقال (١): «إن طبعه كان ينبو عن الرقيق السهل، ولا يلحق بالفصيح الجزل، وربما ندرت له أبيات في النظام، كرمية من غير رام، ووجدته قد سلك في الأوصاف طريق الرمادي، فغرق في بحبوحة ذلك الوادي، وقد أخذت من شعره بطرف، يعرب عما وصف».
ومما أنشد له قوله (٢): [من البسيط]
لمْ أَنْس ليلًا قَطَعْتُهُ وأَنا … مُتكئ لاصطحابِ زِقَيْنِ
ونمت سكران بين ذاكَ وذَا … تَناوُمَ الطَّفْلِ بينَ ثَدْيَيْنِ
وقوله في طائر (٣): [من الكامل]
وبعيدة الأوطان في إقبالها … بشرى بإقبال الزمان المُقْبِلِ
نَشَرَتْ جَنَاحَ الآبَنُوسِ وصَادَرَتْ … بالعاجِ فِيهِ وقَهْقَهَتْ بالصَّنْدَلِ
وقوله (٤): [من البسيط]
إِنَّ العُقاب لهُ بَطْشُ يُهابُ بِهِ … للطير عنه بذاكَ البَطْشِ تَكْمِيشُ
كأَنَّهُ في اختراق الجَوّ مُنْدَفِعًا … إلى الفَرِيْسَةِ رِيحٌ ضَمَّهَا رِيشُ
وقوله (٥): [من الكامل]
يزداد حسنًا في الكتابِ إِذا بَدَا … نَقْصُ بِهِ فَيُرِيكَ كُلَّ بَيانِ
إنَّ السراج إذا قَطَعْتَ ذُبالَهُ … صَحَّ الكَمَالُ لَهُ مِنَ النُّقْصَانِ
وقوله (٦): [من البسيط]
يا مَنْ إذا سارَ والأَعْداءُ يومَ وَغَى … تَرَى ذَوَائِبَهُ مُحْمَرَّةَ العَذَبِ
والجيش كالبحر لكن ماؤُهُ زَبَدٌ … والبِيْضُ تَطْفُو عليهِ مَوضِعَ الحَبَبِ
وقوله (٧): [من الخفيف]
стр. 6219
يا حبيبًا لهُ الفُؤَادُ مَحَلُّ … كيفَ يَجْفُو وَأَنْتَ في سَوْدَائهِ
كَتَبَ الحُسْنُ فوقَ خَدِّكَ خالًا … فانْمَحى غيرَ نُقْطَةِ خَائِه
وقوله (١): [من الكامل]
يا خالع البدر المنير جَمَالَهُ … أَلْبَسَتْنِي لِلحُزْنِ ثَوْبَ سَمائِهِ
أَوْقَدْتَ قَلْبي فارتمى بشرارة … نزلت بخدِّكَ فَانْطَفَتْ في مائِهِ
وقوله (٢): [من الكامل]
وكَأَنَّمَا النَّهْدُ الذي هُوَ بارِزٌ … مِنْ صَدْرِها سِرِّ بِهِ قَدْ باحا
في صورة التفاح إلاّ أَنَّهُ … في شَكْلِهِ لا يألف التفاحا
وقوله (٣): [من الكامل]
في الصدر منها للطعانِ أَسِنَّةٌ … ما أُشْرِعَتْ إلا على أعطافها
إن أنكرت قتلي هناكَ فَفَتِّشَا … تَرَيَا دَمِي قَدْ جَفَّ في أَطْرَافِها
وقوله (٤): [من البسيط]
قد نالني مِنْكِ في فَرْطِ الصُّدُوْدِ أَذًى … وكلُّ شيء إذا ما زادَ يُنْتَقَصُ
إنَّ البياض إذا ما جازَ غَايَتَهُ … فلا مَحَالةَ فِيهِ أَنَّهُ بَرَضٌ
وقوله (٥): [من الكامل]
نَظَرَ الحَسُودُ فازدراني هيأة … والفَضْلُ مِنِّي لا يزالُ مُبِينا
قَبُحَتْ صفاتي مِنْ تغيّر ودّه … صَدَأُ المرآة يُقبِّحُ التَّحسينا
وقوله (٦): [من الوافر]
صغار الناس أكثرُهُمْ قِيادًا … وليس لصالح مَعَهُمْ نُهُوضُ
أَلَمْ تَرَ في سِبَاعِ الطَّيْرِ سِرًّا … تُسالمنا ويُؤذِينا البعوض
ومنهم:
[٤٥٦] أبو إسحاق، إبراهيم بن معلى (٧)
وأمير الكلام المولى، وسيف الأدب المحلى، أتى السحب وتعلى، وأطل على
стр. 6220
الشهب وتدلى، وأبدع في الفضل طريقًا، وأبعد فريقًا، وآلى لا يجني غضّ البيان إلا رونقًا. ذكره ابن بسام وقال (١): «إبراهيم بن مُعلّى قِدْحُ البلاغة المُعلّى، وسيلها المُخلّى. أحد من بنى منارها، ورفع بالقور اليفاع نارها. ولم أظفر من كلامه إلا بلمعة كهلال ليلة، أو ظل أنملة».
ومما أنشد له قوله (٢): [من الوافر]
إذا ما زُرْتُ قبرَكَ رُضْتُ نفسي … لأستسقي به سيل العوادي
فأسكت لا يطاوعني لساني … بذاك ولا يُساعدني فُؤَادِي
أُحاذِرُ أَنْ يَفوهَ بهِ فيقضي … بأَنَّ رَبِّي حَلَلتَ بها صَوَادِي
وكيف يكون عهدي منكَ هذا … وأَجْمِلُ مِنَّةٌ بكَ للعِهادِ
ومنهم:
[٤٥٧] أبو عامر بن الأصيل (٣)
تصوّر همامًا، وتصبب غمامًا، لم يُحطّ له رَحْل، ولم يُخطّ له نَبْت في وَحْلِ، ولم يُحط مدى فطرقه مَحل. كان عذبًا معينًا، ونَدبًا لكرائم المال مهينًا، يرجع إلى أب أصيل، وأدب جم التحصيل.
قال ابن بسام (٤): «جواب آفاق، وناظم اتفاق، وله بيت شرف، وسابقة سلف».
ومما أنشد له قوله (٥): [من المتقارب]
وقد يلبس المرءُ خَزَّ الثياب … ومن تحتها حالة مُضْنِية
كمن يكتسي خَدُّهُ حُمْرَةٌ … وعِلَّتُهُ وَرَمٌ في الرِّيَة
ومنهم:
[٤٥٨]
أبو عبد الله بن عائشة (٦)
يده لسهام الأدب رائشة، ومراميه في إصابة الغرض غير طائشة، وما للكلام عليه
стр. 6221
أثر كُلفة، ولا للظلام سوى شمسه خَلفة. لو هم بأن يمد يده إلى السحاب لاغترف، أو أن يُطلَّ على ما فوق الأفق لاشترف.
ذكره ابن بسام وقال (١): «أيُّ فتى طهارة أثواب، ورقة آداب، وأكثر ما عوّل على الحساب، فهو اليوم فيه آية لا يقاس عليها، وغاية لا يُضاف إليها، يقول من الشعر ما يشهد له بكرم الطبع، وسعة الذَّرْع.
كان يومًا مع أبي إسحاق بن خفاجة وجماعة من أهل الأدب تحت دوحة منورة، فهبت ريح صرصر أسقطت عليهم جميع الزهر فقال: [من مخلع البسيط]
ودوحَةٍ قَدْ عَلَتْ سماءً … تُطْلِعُ أزهارها نُجُوما
هَفَا نَسِيمُ الصَّبا عليها … فَخِلتُها أُرْسِلَتْ رُجُوما
كأنما الجو غار لما … بدت فأَغْرَى بها النَّسِيما»
ومنهم:
[٤٥٩] سليمان بن محمد الصقلي (٢)
صقل الفهم الجليّ مرآته، وصوّر في هيأة الصباح المضيء مشكاته، وداوى به سقم الأدب حتى أزال شكاته.
قال ابن بسام فيه (٣): «(كان) - فيما بلغني - من أهل العلم والأدب والشعر. ووفد هذا العِطْر سنة أربعين وأربعمائة، وقصد بمديحه عدة من الرؤساء، وتقدّم بفضل أدبه عند الكبراء.
ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
رأى وجه مَنْ أَهْوَى عَذُولي فقال لي: … أجِلُّكَ عَنْ وجهِ أَراهُ كَرِيها
فقلتُ له: بل وجهُ حِبِّيَ مِراءةٌ … وأَنْتَ تَرَى تمثال وجهِكَ فيها»
стр. 6222
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعض المصريين (١): [من الكامل]
يجري النَّسِيمُ على غلالة وجهه … وأَرَقُّ منه مايمرُّ عليهِ
ناولته المرآة ينظرُ وجهَهُ … فَعَكَسْتُ فِتْنَةَ ناظريه إليه
ومنهم:
[٤٦٠] إبراهيم بن محمد بن السقا، أبو الحسن القرطبي (٢)
مدبّر الملك الجهوري وضيع وارتفع، وذو ضرر وما نفع. ساقط طار فوقع، وبحر طما ثم ما نفع. تكثّر بما لبس، وتفاطن ما فيه كيس، وعلا كالدخان مغيّما، فتوهم أنه ماطر، وكسي كالظليم ريشًا، فظن أنه طائر.
ذكر ابن بسام (٣) عن ابن حيان ما كلّه ذم لابن السقاء وعاب وجرى يلبس عليه الثياب.
ثم قال (٤): «وقد رأيتُ ابن حيان مدح ابن السقاء في غير ما موضع من كتابه» وذكرها، وأورد بنص لفظه خبرها.
ومنهم:
[٤٦١] أبو الحسن بن عبد الغني الكفيف الحضري، أبو الحسن (٥)
أعمى تخشع له الأبصار، ويخلع له الأنام أردية الإعصار، وله سمو تخضع لقدره
стр. 6223
الأقدار، ويستسر لبدره الأقمار، وتسير بذكره الأسمار، ويكال منه ويمار. ذو آداب تروق، وغرائب تفوق، وسلاف صافية، كأنما عنقودها في كرمها راووق، أي رجل بهرت فضيلته وظهرت به قبيلته، بل در لا تواخى يتيمته وعقد لا تعرف قيمته.
ذكره ابن بسام قال (١): «كان رأس صناعة، وزعيم جماعة، طرأ على الأندلس منتصف المائة الخامسة بعد خراب وطنه بالقيروان، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الروض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء، ولما خُلعت ملوك الطوائف، وأخوت تلك النجوم، وطمست عليه الرسوم، واشتملت عليه طنجة، وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه».
ومما أنشد له قوله في غلام اسمه هارون (٢): [من مجزوء الرمل]
يا غزالًا فَتَنَ النا … س بعينيه فُتُونا
أَنْتَ هاروت ولكن … صحَفُوا تاءَكَ نُونا
وقوله (٣): [من البسيط]
إذا اعتَلَلْنا تَعَلَّلْنا بذكرِكُمُ … لو أحسنت بُرْءَ عِلاتٍ تَعِلاتُ
أمر بالبحرِ مرتاحًا إلى بَلَدٍ … تموتُ نفسي وفيها منه حاجات
ومنهم:
[٤٦٢] عبد الكريم بن فضال القيرواني، أبو الحسين (٤)
عرف بالحلواني، وطاف له شراب يقوم بالأواني، لولا مقرّضته، لما نفق القريض، ولولا مسيره، لما عرفت الأيام البيض، ولأوجب شكر السكر، لولا إنشاد
стр. 6224
شعره المكرّر، ولا كان النبات إلا قد جف ولو سُقي بقطر، قد تكرر فلولاه لما استحلى مرارة العشق من صبا، ولا طاب لأبي الطيب من حلواء التين على الصبا. وكان مفوّهًا له في بت كل معضلة سطا، وإلى حلّ كل مشكلة خُطَى، وهدي من الآداب إلى … وجاد بما حصل فلو ملك البدر، لأنفقه كالدرهم.
ذكره ابن بسام قال (١): «اشتهرت معرفته بأفقنا بالحلواني، وله كلام في النسيب رائق، ومتأخر سابق، ومديحه أيضًا عليه طلاوة، وبالجملة ففي ألفاظ الحلواني حلاوة».
ومما أنشد له قوله (٢): [من الطويل]
ولما تنادوا للرحيل وقُرِّبَتْ … كرامُ المَطايا والركاب تسير
جعلتُ على قلبي يديَّ مُبادرًا … وقالوا: مُحِبّ للعِناقِ يسير
فقلت: ومَنْ لي بالعناق وإنما … تداركتُ قلبي حين كاد يطير
وقوله وللبيت الثاني أردت، وله لا لأخيه أوردت (٣): [من الوافر]
بَنَيْتَ الأَرضَ فوقَهُمُ سَماءً … وقد أجريت مِنْ عَلَقٍ بحارا
فليس تَرَاكَ أَلحاظ الذراري … وأَنتَ حَشَوْتَ أَعْيُنِهَا غُبارا
وقوله (٤): [من المنسرح]
يا طالب الحج وهو ذو صِغَرٍ … عَجِلتَ فاستأنِهِ إِلى الكِبَرِ
إن كنتَ تبغي مَشُوبَةً فَعَسى … تحملُ لي قُبْلَةً إِلى الحَجَرِ
وإِنْ رَمَيْتَ الجِمَارَ فارم بها … كُلَّ فؤاد عليكَ لَمْ يَطِرِ
فقالَ دَعْني وَزَمْرَمًا فَعَسَى … أَغْسِلُ مِنْ مَائِهِ دَمَ البَشَرِ
ومنهم:
[٤٦٣] أبو العرب الصقلي (٥)
أجاد في فنّ النظم، وزَخَرَ فيه بحرًا، وارده لم يظم أحد من جانحه ما يشعب،
стр. 6225
وسكن من جامحه ما يشغب، وحتى من فاتحه ما سقى الحياء ورد خده فتشرب يسمى في هذا الفن بكل أسمائه وأبرز أنواره سافرة من ظلمائه، وكان عاطلًا حتى حلاه، وباطلًا حتى جلاه، وشكًا حتى طلع فجره المشرق، ووهمًا حتى وضح صبحه في ضمير المشرق، وسلك منه طريقة كان يعرف بحسنها، ويأمر قومه الشعراء أن يأخذوا بأحسنها، وحصلت له هيأة إقبال اساشت حظة الخامل، وآمنت من السرار بَدْرَه الكامل، ووالت عليه صيبها، وساقت إليه في أنفاس السَّعَر طيبها، وزَفَّتْ عليه أبكارها وزادت ثوابًا بثيها.
قال ابن بسام (١): «كان لسانًا بهذا الأفق، عن العرب أعرب، وكوكبًا من المشرق غرب، ومن أشهر خبر بلغني عنه أنه حضر يومًا مجلس المعتمد وقد أُدخل إليه جملة وافرة من دنانير الفضة، فأمر له بخريطتين منها، وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الجوهر، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذه الدنانير - أيدك الله - إلا جمل، فتبسم وأمر له به؛ فقال أبو العرب على البديهة: [من البسيط]
أَحذَيْتَنِي جَمَلًا جَونًا شَفَعْتَ بِهِ … حِمْلًا منَ الفِضَّةِ البيضاء لو حملا
فاعجب لشأني فشأني كلُّهُ عَجَبٌ … رفّهتني فحملتُ الحِمْلَ والجَمَلا» (٢)
ومنهم:
[٤٦٤] أبو محمد بن الطلاء المهدوي (٣)
لا يحط شعره ولا يسف، ولا يثقل ولا يخف وتندر له الأبيات، وتبدر منقادةً له المعاني الأبيات، حط قدر شعره إلا أنه تصنع، وجاء لا يخفي عليه أنه تطبع، فكان يبدو عليه أثر التكلّف، ويظهر عليه سيماء التخلّف، فلا ترى وزنه وافيًا، وبره إلا خافيا. قال ابن بسام (٤): «شعره عاطل من حلي البديع، وأفرط في باب الاستعارة وأبعد، وخرج فيها إلى حيز الإضحاك مما برد».
ومما أنشد له من حسنه قوله يستهدي راحًا (٥): [من البسيط]
رَصَدْتُ في فَلِكِ الأَشواقِ بَدْرَ هوًى … لَهُ رَقِيبٌ ثَقِيلٌ مثلُ كَيْوَانِ
стр. 6226
فابعث إليَّ بِراحٍ مثلَ رِيقَتِهِ … فمثلها كانَ يُسقى عند رضوان
ومنهم:
[٤٦٥] أبو زكريا، يحيى بن الزيتوني (١)
من مدينة فاس.
سريع الفطن، مريع الوطن، نافذ السهام، نافث السحر في الأفهام، سحاب آداب برقه يسح، وودقه لا سح بوميض جنبات سحابه، ويصغى عصيان الشعر لأصحابه.
ذكره ابن بسام وقال (٢): «أحد من وفد على هذا البلد أيام ملوك الأندلس، وله شعر بديع. وكان حاضر الجواب، ذكي الشهاب. قال له ابن زيدون يومًا بين يدي المعتضد وكأنه استجهله، وأراد أن يفحمه ويخجله: أفاسي أنت يا أبا زكريا؟ يوهم أنه يسأله عن بلده، وخبأ له شيئًا فهمه يحيى بصفاء خلده، وأجابه سريعًا، بفضل توقده، فقال: منسوب - أعزك الله - فأعجب به المعتضد ولج ابن زيدون فقال: نعم الفتى أبو زكريا. وفهم ابن الزيتوني تصحيفه، فصدمه بشكله، ورماه بمثله، فقال له وقبل يده - عبدك أعزك الله - فخجل ابن زيدون، وتسور، واستخف الطرب جميع من حضر». ومما أنشد له قوله (٣): [من الكامل]
فُقْتَ الهلالَ نَدَى الجمال فَوَاسِهِ … وجَرَحْتَ باللحظ الغَزَالَ فَآسِهِ
وقوله (٤): [من البسيط]
سفينة الوعد في بحرِ المُنَى وَقَفَتْ … فامْنُنْ بِرِيحٍ مِنَ الإنجاز تُجريها
ومنهم:
[٤٦٦] أبو بكر بن العطّار اليابسي (٥)
مجيد في التشبيه لا يقصر، وفريد فيه لا يطاوله مقصر. كان لا يضايق في هضابه، ولا يشهد السهد إلا من رضابه، ما عن معنى إلا وسارع إلى اقتضابه، ولا اقتحم دجى ليل إلا وقطف نجومه قبل نصول خضابه، بيانًا في مقاصده مهر إحسانًا على معاطف قصائده ظهر.
стр. 6227
ذكره ابن بسام، وأنشد له قوله في صفة البحر وجواز المعتمد له عن ذلك مما شاقه إليه المدح (١): [من البسيط]
كيف اضطربتَ بهِ قُدّسْتَ مِنْ رَجُل … لو دُكَّتِ الأَرضُ مِنْ حَوْلِهِ مَا اضْطَرَبَا
وضاق حتى لو استنهضتَ طَرْفَكَ أَنْ … يجتابَ طامحه في وثبةٍ وَثَبا
وكان كالسيفِ أَبْقَتْ فَوْقَ صَفْحَتِهِ … مَدَارِجُ الرِّيحِ مِنْ تَكسِيرِهِ شُطبا
فالأرضُ تَقْلَقُ مِنْ جَيْشِ قَفَلْتَ بِهِ … والجَوُّ يَعْثُرُ فِيهِ مِنْ قَنَا وَظُبَى
منْ كُلِّ مُلتئم والبيض سافرة … والشمسُ قَدْ كُسِيَتْ مِنْ قَسْطَلِ حُجُبا
حَمَتْ حياءً وجُوهَ القوم فاتخذوا … مِنَ الحَياء على أبشارها نُقبا
وليسَ ينفك مِنْ سُحْبٍ يُظَلِّلُها … إِنْ لمْ يكُن رَهَجًا كانتْ دُخَانَ كِبَا
ومنها قوله في صفة الزورق وكأنما لان له عوده، فاروق فأتي بغاية العجب، وبهائه التشبيه كما وجب:
يبدو على المَوجِ أحيانًا ويُضمِرُهُ … كالأَيْم يَعْتَسِفُ الأهضاب والكُتُبا
أمطاكَ عَزْمُكَ مِنهُ مَتْنَ سابحةٍ … خِلْتُ الحُبَابَ على لَبَّاتِها لَبَبًا
وقوله - وبلغ ما أراد، وبل الصدور بل أثلجها في وصل الخيل في الطراد (٢) -: [من البسيط]
هزَّتْ نَواصِيها لما فَعَلَتْ بها … قُبُّ البُطُون فما فيها من اللحق
هي البحور ولكن في مواكبها … عندَ الكَرِيهَةِ مَنجَاةٌ مِنَ الغَرَقِ
وقوله (٣): [من الكامل]
والبيضُ سافرةُ الوُجُوهِ كأَنَّما … خدودهنَّ من اللقاءِ حَياءُ
والجيش مُضطرب البنودِ كأَنَّه … تحتَ العَواصِفِ لُجَّةٌ خَضْرَاءُ
والكُفْرِ يَحْتَطِمُ الفقار بعنقهِ … خَضْعٌ وفي أَجْفانِهِ إغْضاء
وقوله وقد أخذ المعنى المعروف فقلبه، والمتبذل فغربة: [من الطويل]
تَظَلُّ سباعُ الطَّيْرِ عاكَفَةٌ بِهِمْ … عَلى جُشَثٍ قَدْ سَلَّ أَنفُسَهَا الذَّعْرُ
وقَدْ عَوَّضَتْهُمْ مَنْ قُبُورٍ حَوَاصِلًا … فَيا مَنْ رأَى مَيْتًا يطيرُ بِهِ قَبْرُ
* * *
وأما من حلى ابن القطاع بذكرهم «الملح العصرية» (٤)، فسأذكر ممن تفرد بهم
стр. 6228
أناسًا، وأورد لهم أنواعًا وأجناسًا، لا تحلى بتلك الملح، والأغزال الموصولة بالمدح. وابن القطاع هو أبو القاسم علي بن جعفر السعدي، فممن ذكر:
[٤٦٧] أبو مروان بن سراج
رجل حل بالعلياء والنجوم رقود، وملك الشهب وصرفها في النقود، وبنى له المنازل في السماء فشيد العقود، وأبكى السحب، وشبّ في أحشائها الوقود.
ومما أنشد له من بديعه قوله في قطرميز الزجاج، اتخذ للراح، وأطبق منه على محمر الشفق الصباح: [من الهزج]
أنا شخص أخو لهو … ولَذَّات وأفراح
ولي من فِضَّةٍ جسم … ولي رُوْحٌ مِنَ الراح
ومنهم:
[٤٦٨] أبو القاسم بن الأسعد إبراهيم
جرى على أعراق سؤدده، وسرى إلى آفاق أبيه على جَدَدِه، وبرا قلمه، فتعطلت السهام، وأرى ضرمه فأشرقت الأفهام، وأرجأ الديم المغدقة بسحابه الهام، وطال بشماله كل يمين، وأخرج بأدنى فكره كل ثمين، ووطئ بقدمه كل عرنين، وفض أبكار المعاني وكل عنين.
ومما أنشد من قوله في وصف الديك: [من الطويل]
كأنَّ أنوشروانَ أَعلاه تاجه … وناطَتْ عليه كَفُّ مارية القُرطا
стр. 6229
سبى حُلَّةَ الطاووس حُسْنُ لباسِهِ … ولم يكفه حتى سبى المِشْيَةَ البَطا
وطائر حسن في السُّقاةِ مُوَكَّلٌ … بِحَبِّ قُلوبِ الشَّرْبِ يلقطها لَقْطَا
توهَّمَ عَطْفَ الصُّدْغِ نُونًا بِخَدِّها … فباتَتْ بمسكِ الخَالِ تَنْقُطُهُ نَقْطَا
وقوله: [من الكامل]
سَكْرانُ لا أدري وقَدْ وَافى بنا … أَمِنَ المَلاحَةِ أَمْ مِنَ الجِرْيالِ
تتنفّسُ الصَّهباء في لَهَواتِهِ … كتنفُس الريحان في الآصال
وكأنما الخيلانُ في وَجَناتِهِ … ساعاتُ هَجْرٍ في زَمانِ وَصَالِ
قلت: وجاءه مليح فتن بتورّد خدّه، وفتق كافوره بنده، وقد وافي إثر ليلة أكلت صباحها، وكلت إلى سمير الريح مصباحها، وكان غمامها يعتلج، وكاد سيلها يلج، إلى أن أسكت الله بقدرته لسان برقها، وأمسك بمشيئته عنانَ وَدْقِها، وخصم عنها خصيم الرعد المماطل بحقها وأصبحت سماؤها لا تمطر وسحابها لا يذهب، ورياحها لا تحمس خلال ديارها ولا تُنهب، فقال: [من الخفيف]
قال لي إِذْ بَدَا كَغُصْنِ لُجَيْنِ … يتهادَى لنا بِزُرقِ ثِيابه
أَيَّ شيءٍ أَنكَرْتَ مِنْ يَومٍ دَجْنٍ … أَطْلَعَ الشمس مِنْ خِلالِ سَحَابِهِ (١)
وقوله وأجاد والثاني أردت: [من الكامل]
لبسوا مِنَ الزَّرَدِ المَضَاعَفِ نَسْجُهُ … ماءً طَفَتْ للبيض منه جاب
صف كحاشِيَةِ الرِّداءِ يَؤُمُّهُ … صَفُّ القَنَا فَكَأَنَّهُ هُدَابٌ
ومنهم:
[٤٦٩] ابن المرعز النصراني
وهو مجيد على ما عرف به من فدامة، وعلم منه من جهل ما فلّ عنه فدامه، قد تُرَوِّي القلب وهي ثماد، وتنطق الأوتار وهي جماد، ويضيء النار وهي من حطب إلى رماد، والحمامة وهي عجماء تسجع، والغمامة وهي ظلة تستنجع.
ومما أنشد له قوله وقد بات عند قوم لم يوقدوا سراجًا: [من البسيط]
نَزَلْتُ في آلِ مَكْحُولٍ وضَيْفُهُمُ … كنازلٍ بينَ سَمْعِ الأَرْضِ وَالبَصَرِ
لا تستضيءُ بضَوء في بُيُوتِهِمُ … ما لم يكن منكَ تَطْفِيلُ على القَمَرِ
ومنهم:
стр. 6230
[٤٧٠] أحمد بن السعاق
غمام لا عيب فيه إلا أنه مباح، وتمام لا يجتاح في محاسنه إلا إلى حظ القباح. لم يزل أدبه في رياح، وحاسده في نباح، بخُلُقٍ طبعت عليه وجوه الصباح، وخَلْقٍ يقول رائبه: سبحان فالق الإصباح.
ومما أنشد له قوله: [من البسيط]
بخدّ أحمد للأبصارِ مُعْتَبرٌ … عِذارُ مِسْكٍ جَرى في صَفْحَتَي بَرَدِ
كأَنَّ َوجْنَتَهُ مِنْ حُسنِهِ خَجِلَتْ … واسود عارِضُهُ مِنْ شِدَّةِ الحَسَدِ
ومنهم:
[٤٧١] أبو عمر الباجي (١)
صارم لا يُفلّ، وعارم دمه بعيون الغيد لا يُطل، وكان على ورق شبابه ورقة جلبابه، لا تغرّه الدنيا بالعرض الأدنى، ولا يلتفت منها إلى ما هو أدنى.
قال فيه بعضهم ما معناه: لو منينا سجاياه، لما زدنا، أو تمثلنا خلائقه لما بالينا بما حدنا. أغدق منالنُّوء نفعا، وأنجح من النجم مسعى، وأظهر من ضياء الشمس صنعا، وأكرم من زاخر البحر قطعا.
ومما أنشد له صاحب الملح قوله: [من البسيط]
يا أكثر الناس في نفْسِي وَآثَرَهُمْ … عندي ومَنْ حُبّهُ شرعي أُعَظْمُهُ
كَتَمْتُ سِرِّيَ إلا عنكَ مُجْتَهِدًا … في حِفْظِهِ إِنَّما سِرُّ الفتى دَمُهُ
ومنهم:
[٤٧٢] أبو الوليد، هشام بن أحمد الوقسي
فصيح رامت محاكاته الورق فخرست، وخافت مفاجآته السماء فحرست، وخشي حريق نيرانه البرق، فأكثر. يقرع سنة الولوع، وسرق لمعه بيانه الصباح فلهذا كان متهم الطلوع.
ومما أنشد له قوله: [من الكامل]
قد بيَّنَتْ فيهِ الطَّبِيعَةُ أَنَّها … ببديع أعمال المُهندس باهِرَة
стр. 6231
عَبِثَتْ بمبسمِهِ فَخَطَّتْ فَوْقَهُ … بالمِسْكِ قَوْسًا مِنْ مُحِيطِ الدائرة
ومنهم:
[٤٧٣] أبو عبد الله بن خلصة المكفوف النحوي (١)
رجل تفرس كلمه ألباب الرجال، وحكمه أرباب الارتجال، ببديع يدنو من الأفهام وهو بعيد، ويلين وهو ذهب، ويشتد وهو حديد، بدقائق ما جاء ابن الساعاتي إلا في ثوانيها، ولا ابن الخيمي إلا بعد تقويض مبانيها، ولا سبق أقرانه إلى منحاها صدر إلا وجاء في ليل صادر، ولا ظافر الحداد، إلا وظل يضرب في حديد بارد، أوقد في باطنه نور ناظريه، وأشعل سراجيهما في ليل الفكر عليه.
ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
لَئِنْ أَوْرَدْتُ مِنْ لَفْظِهَا المَنْهَلَ العَذْبا … لَقَدْ جَرَّدَتْ مِنْ لَحْظهَا المُنْصُلَ العَضَبَا
وما بين هذين المُنْيَةُ والمُنَى … فَلَا عُتْبَ مِنْ دُنْياكَ تَصْفُو وَلَا عُتْبَى
وقالوا: كَسَاكَ الحُبُّ أَثوابَ … ذِلَّةٍ وهل ممكن أَنْ أَجْمَعَ العِزّ والحُبَّا
وقوله: [من الطويل]
مَلِيكَ إِذا أَلْهَى المُلوكَ عَنِ اللُّهَى … خُمارٌ وخَمْرٌ هاجر الدَّلَّ والدَّنَّا
ولم تُنْسِهِ الأوتار أوتارَ قَيْنَةٍ … إذا ما دَعاهُ السَّيفُ لم يَثْنِهِ المَثْنى
فلو جاد بالدنيا وعادَ بضعفِها … لَظَنَّ مِنْ لسْتَصْغَارِهِ أَنَّهُ ضَنَّا
ولا طعْنَ في إقدامه غيرَ أَنَّهُ … لَبُوسٌ إلى حاجاتِهِ الضَّرْبَ والطَّعْنَا
ومنهم:
[٤٧٤] أبو الحسن، عبد الله بن محمد بن شماخ الكاتب
تقفو أثره عطارد، ويقف أمامه من يطارد، ما زال يروع ببراعته التي تسقي الغداة حمامها، ويثل عروشها، ويثلم حسامها، ويبين لها خطأ رأيها وصوابه، وقلة أدبها إذا لم يقرعوا أبوابه.
ومما أنشد له قوله: [من الوافر]
ومُسمِعَةٍ تَغَنَّتْ فوقَ غُصْنٍ … فهيجَ صَوْتُها حَرَّ اشتياقي
стр. 6232
فَقُلتُ لَها: أُعِيذِي إِنْ عُيَيْشِي … مَضَى بِصِفَائِه كَسُدْرِ الفُرَاقِ
ومنهم:
[٤٧٥] أبو الحسن بن الفكيك
رجل لما شاءَ من المعاني حائز، وعلى أي طريق أراد من المعاني جائز، لا ضعيف الرأي ولا عاجز، ولا ميامين له سوى الحظ، وما سواه فيه غرائر.
ومما أنشد له قوله: [من الكامل]
ووعدتني وَعَدًا حَسِبْتُكَ صَادِقًا … فَجَعَلتُ مِنْ طَمَعِي أُجِيءُ وأَذْهَبُ
فَإِذا اجْتَمَعتُ أَنا وَأَنت بِمَجْلِس … قالوا: مُسَيلمَةٌ، وَهذا أَشْعَبُ
وقولُهُ: [مِنْ مَجزوء الكَامِل]
بِبَيِّنِي وَبَيِّنِي عُوَاذِلِي … فِي الْحُبِّ أَوْ أَطْرَافَ الرِّمَاحِ
أَنا خَارِجيٌّ فِي الهَوَى … لَا حُكْمُ إِلَّا لِلمَلَاحِ
ومنهم:
[٤٧٦] السميسر (١)
وهو صاحب قطع لو تجسمت لزينت النحور، ولو شبهت لما أخطأت خبايا البحور، أشرف ما اتخذته الغواني، ونبذته للعجز عن تحصيله الأماني. أملك للطرب من صفو الدنان، وأسلك في السمع من عرف القيان، كأنما هي في نغر الرضا شنب، وفي أحلام الكرى وصل حبيب يخاف فيجتنب.
ومما أنشد له قوله: [من مخلع البسيط]
يَا أَكْلَا كُلَّمَا اشْتَهَاهُ … وشَاتِمُ الطِّبِّ والطَّيبِ
يجتَمِع الدَّاءُ كُلَّ يَوْمٍ … أَغذِيَةُ السُّوءِ كَالذُّنُوبِ
وقولُهُ: [من مخلع البسيط]
يَا سَائلي عَنْ خُمول قَوْم … لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَنا خَلَاقُ
ذَلُّوا وقد طَالَمَا أَذَلُّوا … دَعْهُم يَذوقُوا الذِي أذَاقُوا
ومنهم:
[٤٧٧] ابن القلاس النحوي
ممن سهل عليه الكلام يسلك سبله، ويركب صعابه وذله، ويجيء به أشهى من
стр. 6233
غفلة الرقيب، وأعلق بالطّماعية من وعد الحبيب، وأعلّ لَصَدَأ المشوق من الصهباء في يد الشادن الربيب.
ومما أنشد له قوله: [من السريع]
إنَّ الرُّميْلِيَّ فتى راوية … للطب والفلسفة العالية
حاز المساحاتِ فأضحى بها … يستنبط الماء بلا سانية
كأنما ينزلُ مَخْرُوطُةُ … على عَمود قائم الزاوية
ومنهم:
[٤٧٨] محمد بن إياس
رجل مثله لم يتوهم، وشبيهه لا يكون إلا كيوان لمن يتفهم، مذ أسفر محياه لم يتجهم، ومُذ حطّ سهم قلمه، وخطّ لم يذكر الرداء المسهم، وكان عون المحتاج، وباب الكرم والمفتاح، هذا على قلة ثراء، ويبس ثرى، وضائقة يد، ومضايقة يوم لغد، مع أدب يهز المرتاح، ويهزأ بالقمر الملتاح، ويقرب نأي القلب للمتاح، إلا أنه بُلِيَ بداهية الدهر ودهائه، وقوبل بوجهه الوقاح، وقلة حيائه. لعب الزمان لعب الكرة، وعوده الحدثان بصرفه حتى ما أنكره، فلم ير قدره إلا في انحطاط ولا شخصه إلا مثل المصوّر في البساط، وما زال الحرمان يدفعه عن مطلبه، ويمنعه إلا من المطل به لا يرى قدر صنيعه، وقد حاكه أي حوك، ولا يرى حتى أنامله إلا أغصان شوك لسوء بخت يجنيه نقص الخط على الأديب، وجهد بلاء لو ناوبت نُوبُهُ الصخر، لكانت له تذيب. وطالما برز وقلمه كالسيف في كفّ المليح، وقرطاسه بخيلانه كخد المليح، وأيامه الأول وقد كانت وجوههن نظرات، ولياليه الماضية وقد كانت أوراقهن خَضِرات، فتقشع ذلك الغيم الممطر، وهمد جوانب ذلك الجو المزهر، وجف جدول تلك المجرة، وبدلت أوقات تلك المسرة، وذهب مذهب ذلك الزمان، كأنه ما عُدّ له في الأيام مرة.
ومما أنشد له صاحب الملح قوله: [من الكامل]
جَعَلُوا رُضابَكَ كي يُحَرِّمَ راحا … ورَأَوا به قتل النفوس مُباحا
وجَلوا ظلام الليل بالفتح الذي … سَمَّوهُ بين جيادِهِمْ أَوْضاحا
стр. 6234
وأَتَوا بِغُدْرَانِ المِياهِ جَوَامِدًَا … قَدْ فَصَّلُوهَا مَلْبَسًا ووِشاحا
مَنعُوا خَيالَكَ أَنْ يزورَ مُعَرِّسًا … وَحَمَوا عليه روابيا وبطاحا
وقوله: [من الكامل]
عَصَبُوا الصباح فقسَّمُوهُ خُدُودًا … واسترهَفُوا قُضْبَ الأَراكِ قُدُودا
ورأوا حَصَى الياقوت دُونَ مَحلّهمْ … فاستبدَلُوا منها النُّجُومَ عُقُودا
لمْ يَكْفِ أَنْ حَملُوا الأسِنَّةَ والظَّبَى … حتى أستعانُوا أَعْيُنًا وخُدُودا
وقوله: [من الوافر]
يُعيرني العُداةُ رَثِيْتَ زِيْنِي … وَأَنِّي لابس سمل الرقاع
بُرُودٌ قَدْ خَلَقْنَ عليَّ حتى … حَكَيْنَ الصَّبرَ في يوم الوَدَاعِ (١)
ومنهم:
[٤٧٩] أبو عامر، محمد بن عبد
شاعر ينظم الدر، وتنظر منه الشموس في صُبح الأيام الغر. ركب مرة البحر، وكأن أمواجه حبال تتصادم، أو رجال تتصالم، والماء يقذف بألسن مارج متلهب، والموج يشمر ذيله تشمير مسافر متأهب، وشقه على زوراء يسجد للرياح، وخرقاء تجرّ بأطراف الرماح، قد لبست الشباب ملاءة، وأنبتت شجر البحر آلاءه، وقد قسمت بالتقدير فلم تسبح ولم تطر، وجرت بساقي عائم، دربثم طارت بجناحي طائر حذر، فأقلعت به في جملة سفن تزأر زئير الأسد وهي صوامت، وتسير سير الشهب وهي ثوابت كأنها عقبان طارت فانقضت على الماء، أو سحائب حلقت فتقطعت في أديم السماء، بقلع تمرح به في عنان مطلق، ومجاديف كأنها أراقم نزلت لتكرع في غدير متأق، قد أتلع إليها جيده الأجلُ المُتاح، وخاضت البحر لا تخاف الغمرات ولا الضحضاح إلا أنه لم تدم له صحابتها، ولا رمته الصواعق سحابتها فقال يصفها: [من الكامل]
وسوابق دهم كما اطَّرَدَ المَدَى … فَتَصُوب مُحْتَبِكًا بريح الشمال
عدد إذا ما شئت كانتْ عُدَّةً … عند الملم وزينةٌ للجَحْفَلِ
تعلو بها الأمواج ثمَّ تحطها … كمسفةِ العُربانِ تُكْسَرُ مِنْ عَلِ
مثل الحَوَائِم غير أَنَّ هَوَاءَها … يهفو بأجنحة خفافِ المَحْمَل
كالرُّبْدِ ثُرْنَ مُنَفُراتٍ بالفَلَا … فَجَعَلْنَ في نَسْجِ التُّرابِ الهَلْهَلِ
стр. 6235
عِيدُ السَّوالِفِ أُتلِعَتْ فَكَأَنَّهَا … سِربُ الظِّبَاءِ تَشَوَّفَتْ للحلِ
ومنهم:
[٤٨٠] أبو علي، الحسن بن هادة
فاتك التعريض، مالك للقريض، لا يُطمأن من ضراره، ولا يسلم عِرْضُ من تطاير شراره، ولا يأمن منه البدر التمام أن يدخله في سراره.
ومما أنشد له صاحب الملح قوله: [من مجزوء الخفيف]
إنَّ ابن زينب رام … لهُ مَرَام بعيدة
يَشني بسهام … تجيء غيرَ سَدِيدَه
والله إن لم يَدَعْني … لأخصِيَنَّ عَبِيدَه
ومنهم:
[٤٨١] أبو محمد، الطيب المصري
أحد البواقع والمصائب التي تدع الديار بلاقع، والبلايا التي ما لخروقها راقع.
ومن شعره يهجو رجلًا اسمه البديع: [من مخلع البسيط]
رأيتُ عند الصباح … مُضَمَّحَ الرأس كالرَّجِيع
فقلتُ: مِنْ أَين جئتَ ياذا … فقال: من فَقْحَةِ البديع
ومنهم:
[٤٨٢] عبد الحميد بن عبد الحميد الرس
أعار أَنفَتَهُ ابن الأيهم، وتقاه ابن أدهم، وبين زهده حرص المعري، وقد قال إنَّ الشمس دينار والبدر درهم. فهم عن العلياء ما لم يُفهم، واسَى كُلُومَها من كلمه بمرهم، ووقع من أعراضها على ما لا يقدر عليه إلا من يلهم بذكاء يحل المبهم، وارتقاء معه القوس تعطل، والسهم لا يسهم.
ومن شعره أنشد له صاحب الملح: [من الوافر]
أرحْ مَتْنَ المُهنَّدِ والجَوَادِ … فَقَدْ تَعِبا بجدك في الجهاد
ومن يأخذ مآربه برفق … وتدريج تمكن بالمراد