عَبِثَتْ بمبسمِهِ فَخَطَّتْ فَوْقَهُ … بالمِسْكِ قَوْسًا مِنْ مُحِيطِ الدائرة
ومنهم:
[٤٧٣] أبو عبد الله بن خلصة المكفوف النحوي (١)
رجل تفرس كلمه ألباب الرجال، وحكمه أرباب الارتجال، ببديع يدنو من الأفهام وهو بعيد، ويلين وهو ذهب، ويشتد وهو حديد، بدقائق ما جاء ابن الساعاتي إلا في ثوانيها، ولا ابن الخيمي إلا بعد تقويض مبانيها، ولا سبق أقرانه إلى منحاها صدر إلا وجاء في ليل صادر، ولا ظافر الحداد، إلا وظل يضرب في حديد بارد، أوقد في باطنه نور ناظريه، وأشعل سراجيهما في ليل الفكر عليه.
ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
لَئِنْ أَوْرَدْتُ مِنْ لَفْظِهَا المَنْهَلَ العَذْبا … لَقَدْ جَرَّدَتْ مِنْ لَحْظهَا المُنْصُلَ العَضَبَا
وما بين هذين المُنْيَةُ والمُنَى … فَلَا عُتْبَ مِنْ دُنْياكَ تَصْفُو وَلَا عُتْبَى
وقالوا: كَسَاكَ الحُبُّ أَثوابَ … ذِلَّةٍ وهل ممكن أَنْ أَجْمَعَ العِزّ والحُبَّا
وقوله: [من الطويل]
مَلِيكَ إِذا أَلْهَى المُلوكَ عَنِ اللُّهَى … خُمارٌ وخَمْرٌ هاجر الدَّلَّ والدَّنَّا
ولم تُنْسِهِ الأوتار أوتارَ قَيْنَةٍ … إذا ما دَعاهُ السَّيفُ لم يَثْنِهِ المَثْنى
فلو جاد بالدنيا وعادَ بضعفِها … لَظَنَّ مِنْ لسْتَصْغَارِهِ أَنَّهُ ضَنَّا
ولا طعْنَ في إقدامه غيرَ أَنَّهُ … لَبُوسٌ إلى حاجاتِهِ الضَّرْبَ والطَّعْنَا
ومنهم:
[٤٧٤] أبو الحسن، عبد الله بن محمد بن شماخ الكاتب
تقفو أثره عطارد، ويقف أمامه من يطارد، ما زال يروع ببراعته التي تسقي الغداة حمامها، ويثل عروشها، ويثلم حسامها، ويبين لها خطأ رأيها وصوابه، وقلة أدبها إذا لم يقرعوا أبوابه.
ومما أنشد له قوله: [من الوافر]
ومُسمِعَةٍ تَغَنَّتْ فوقَ غُصْنٍ … فهيجَ صَوْتُها حَرَّ اشتياقي
стр. 6232
فَقُلتُ لَها: أُعِيذِي إِنْ عُيَيْشِي … مَضَى بِصِفَائِه كَسُدْرِ الفُرَاقِ
ومنهم:
[٤٧٥] أبو الحسن بن الفكيك
رجل لما شاءَ من المعاني حائز، وعلى أي طريق أراد من المعاني جائز، لا ضعيف الرأي ولا عاجز، ولا ميامين له سوى الحظ، وما سواه فيه غرائر.
ومما أنشد له قوله: [من الكامل]
ووعدتني وَعَدًا حَسِبْتُكَ صَادِقًا … فَجَعَلتُ مِنْ طَمَعِي أُجِيءُ وأَذْهَبُ
فَإِذا اجْتَمَعتُ أَنا وَأَنت بِمَجْلِس … قالوا: مُسَيلمَةٌ، وَهذا أَشْعَبُ
وقولُهُ: [مِنْ مَجزوء الكَامِل]
بِبَيِّنِي وَبَيِّنِي عُوَاذِلِي … فِي الْحُبِّ أَوْ أَطْرَافَ الرِّمَاحِ
أَنا خَارِجيٌّ فِي الهَوَى … لَا حُكْمُ إِلَّا لِلمَلَاحِ
ومنهم:
[٤٧٦] السميسر (١)
وهو صاحب قطع لو تجسمت لزينت النحور، ولو شبهت لما أخطأت خبايا البحور، أشرف ما اتخذته الغواني، ونبذته للعجز عن تحصيله الأماني. أملك للطرب من صفو الدنان، وأسلك في السمع من عرف القيان، كأنما هي في نغر الرضا شنب، وفي أحلام الكرى وصل حبيب يخاف فيجتنب.
ومما أنشد له قوله: [من مخلع البسيط]
يَا أَكْلَا كُلَّمَا اشْتَهَاهُ … وشَاتِمُ الطِّبِّ والطَّيبِ
يجتَمِع الدَّاءُ كُلَّ يَوْمٍ … أَغذِيَةُ السُّوءِ كَالذُّنُوبِ
وقولُهُ: [من مخلع البسيط]
يَا سَائلي عَنْ خُمول قَوْم … لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَنا خَلَاقُ
ذَلُّوا وقد طَالَمَا أَذَلُّوا … دَعْهُم يَذوقُوا الذِي أذَاقُوا
ومنهم:
[٤٧٧] ابن القلاس النحوي
ممن سهل عليه الكلام يسلك سبله، ويركب صعابه وذله، ويجيء به أشهى من
стр. 6233
غفلة الرقيب، وأعلق بالطّماعية من وعد الحبيب، وأعلّ لَصَدَأ المشوق من الصهباء في يد الشادن الربيب.
ومما أنشد له قوله: [من السريع]
إنَّ الرُّميْلِيَّ فتى راوية … للطب والفلسفة العالية
حاز المساحاتِ فأضحى بها … يستنبط الماء بلا سانية
كأنما ينزلُ مَخْرُوطُةُ … على عَمود قائم الزاوية
ومنهم:
[٤٧٨] محمد بن إياس
رجل مثله لم يتوهم، وشبيهه لا يكون إلا كيوان لمن يتفهم، مذ أسفر محياه لم يتجهم، ومُذ حطّ سهم قلمه، وخطّ لم يذكر الرداء المسهم، وكان عون المحتاج، وباب الكرم والمفتاح، هذا على قلة ثراء، ويبس ثرى، وضائقة يد، ومضايقة يوم لغد، مع أدب يهز المرتاح، ويهزأ بالقمر الملتاح، ويقرب نأي القلب للمتاح، إلا أنه بُلِيَ بداهية الدهر ودهائه، وقوبل بوجهه الوقاح، وقلة حيائه. لعب الزمان لعب الكرة، وعوده الحدثان بصرفه حتى ما أنكره، فلم ير قدره إلا في انحطاط ولا شخصه إلا مثل المصوّر في البساط، وما زال الحرمان يدفعه عن مطلبه، ويمنعه إلا من المطل به لا يرى قدر صنيعه، وقد حاكه أي حوك، ولا يرى حتى أنامله إلا أغصان شوك لسوء بخت يجنيه نقص الخط على الأديب، وجهد بلاء لو ناوبت نُوبُهُ الصخر، لكانت له تذيب. وطالما برز وقلمه كالسيف في كفّ المليح، وقرطاسه بخيلانه كخد المليح، وأيامه الأول وقد كانت وجوههن نظرات، ولياليه الماضية وقد كانت أوراقهن خَضِرات، فتقشع ذلك الغيم الممطر، وهمد جوانب ذلك الجو المزهر، وجف جدول تلك المجرة، وبدلت أوقات تلك المسرة، وذهب مذهب ذلك الزمان، كأنه ما عُدّ له في الأيام مرة.
ومما أنشد له صاحب الملح قوله: [من الكامل]
جَعَلُوا رُضابَكَ كي يُحَرِّمَ راحا … ورَأَوا به قتل النفوس مُباحا
وجَلوا ظلام الليل بالفتح الذي … سَمَّوهُ بين جيادِهِمْ أَوْضاحا
стр. 6234
وأَتَوا بِغُدْرَانِ المِياهِ جَوَامِدًَا … قَدْ فَصَّلُوهَا مَلْبَسًا ووِشاحا
مَنعُوا خَيالَكَ أَنْ يزورَ مُعَرِّسًا … وَحَمَوا عليه روابيا وبطاحا
وقوله: [من الكامل]
عَصَبُوا الصباح فقسَّمُوهُ خُدُودًا … واسترهَفُوا قُضْبَ الأَراكِ قُدُودا
ورأوا حَصَى الياقوت دُونَ مَحلّهمْ … فاستبدَلُوا منها النُّجُومَ عُقُودا
لمْ يَكْفِ أَنْ حَملُوا الأسِنَّةَ والظَّبَى … حتى أستعانُوا أَعْيُنًا وخُدُودا
وقوله: [من الوافر]
يُعيرني العُداةُ رَثِيْتَ زِيْنِي … وَأَنِّي لابس سمل الرقاع
بُرُودٌ قَدْ خَلَقْنَ عليَّ حتى … حَكَيْنَ الصَّبرَ في يوم الوَدَاعِ (١)
ومنهم:
[٤٧٩] أبو عامر، محمد بن عبد
شاعر ينظم الدر، وتنظر منه الشموس في صُبح الأيام الغر. ركب مرة البحر، وكأن أمواجه حبال تتصادم، أو رجال تتصالم، والماء يقذف بألسن مارج متلهب، والموج يشمر ذيله تشمير مسافر متأهب، وشقه على زوراء يسجد للرياح، وخرقاء تجرّ بأطراف الرماح، قد لبست الشباب ملاءة، وأنبتت شجر البحر آلاءه، وقد قسمت بالتقدير فلم تسبح ولم تطر، وجرت بساقي عائم، دربثم طارت بجناحي طائر حذر، فأقلعت به في جملة سفن تزأر زئير الأسد وهي صوامت، وتسير سير الشهب وهي ثوابت كأنها عقبان طارت فانقضت على الماء، أو سحائب حلقت فتقطعت في أديم السماء، بقلع تمرح به في عنان مطلق، ومجاديف كأنها أراقم نزلت لتكرع في غدير متأق، قد أتلع إليها جيده الأجلُ المُتاح، وخاضت البحر لا تخاف الغمرات ولا الضحضاح إلا أنه لم تدم له صحابتها، ولا رمته الصواعق سحابتها فقال يصفها: [من الكامل]
وسوابق دهم كما اطَّرَدَ المَدَى … فَتَصُوب مُحْتَبِكًا بريح الشمال
عدد إذا ما شئت كانتْ عُدَّةً … عند الملم وزينةٌ للجَحْفَلِ
تعلو بها الأمواج ثمَّ تحطها … كمسفةِ العُربانِ تُكْسَرُ مِنْ عَلِ
مثل الحَوَائِم غير أَنَّ هَوَاءَها … يهفو بأجنحة خفافِ المَحْمَل
كالرُّبْدِ ثُرْنَ مُنَفُراتٍ بالفَلَا … فَجَعَلْنَ في نَسْجِ التُّرابِ الهَلْهَلِ
стр. 6235
عِيدُ السَّوالِفِ أُتلِعَتْ فَكَأَنَّهَا … سِربُ الظِّبَاءِ تَشَوَّفَتْ للحلِ
ومنهم:
[٤٨٠] أبو علي، الحسن بن هادة
فاتك التعريض، مالك للقريض، لا يُطمأن من ضراره، ولا يسلم عِرْضُ من تطاير شراره، ولا يأمن منه البدر التمام أن يدخله في سراره.
ومما أنشد له صاحب الملح قوله: [من مجزوء الخفيف]
إنَّ ابن زينب رام … لهُ مَرَام بعيدة
يَشني بسهام … تجيء غيرَ سَدِيدَه
والله إن لم يَدَعْني … لأخصِيَنَّ عَبِيدَه
ومنهم:
[٤٨١] أبو محمد، الطيب المصري
أحد البواقع والمصائب التي تدع الديار بلاقع، والبلايا التي ما لخروقها راقع.
ومن شعره يهجو رجلًا اسمه البديع: [من مخلع البسيط]
رأيتُ عند الصباح … مُضَمَّحَ الرأس كالرَّجِيع
فقلتُ: مِنْ أَين جئتَ ياذا … فقال: من فَقْحَةِ البديع
ومنهم:
[٤٨٢] عبد الحميد بن عبد الحميد الرس
أعار أَنفَتَهُ ابن الأيهم، وتقاه ابن أدهم، وبين زهده حرص المعري، وقد قال إنَّ الشمس دينار والبدر درهم. فهم عن العلياء ما لم يُفهم، واسَى كُلُومَها من كلمه بمرهم، ووقع من أعراضها على ما لا يقدر عليه إلا من يلهم بذكاء يحل المبهم، وارتقاء معه القوس تعطل، والسهم لا يسهم.
ومن شعره أنشد له صاحب الملح: [من الوافر]
أرحْ مَتْنَ المُهنَّدِ والجَوَادِ … فَقَدْ تَعِبا بجدك في الجهاد
ومن يأخذ مآربه برفق … وتدريج تمكن بالمراد
стр. 6236
فَدَعْ فَرْطَ التَّرامي والتَّوانِي … وخُذْ ما بين ذلك باقتصاد
فإِنَّ البِيضَ يَصْدِيها التَّوارِي … ويقصِفُها مُداوَمَةُ الجِلادِ
ومنهم:
[٤٨٣] أبو الحسن، جعفر بن إبراهيم بن الحاج
سلسل مطرد، ومنهل لمن يرد، إلا أنه طالما ذكر زمانه، ولمته كجناح الغداف وماء شبيبته لم يشربه الجفاف، وجعل يبكي من الشيب، وهو يضحك منه في لمتِه ضحك من شمت، وتأسف لذاهب الشباب كأنه في لياليه لم يبت حيث ذهب، وكأنه كان فيئًا بظله، وتولى وكأنه كان حلمًا بضلّه، ومضى بزمان لا عيب فيه سوى قصر المدى، وسرعة ما جف عن ورقه الندى، إذ كان سواد شبابه كالسواد من القلوب، وإذ كان تخبأ بين المجانق والجيوب. وهيهات لقد كان يذكر شبابًا لا يرتجع، وسحابًا لا ينتجع.
وقال فيه الفتح: شيخ الجلالة وفتاها، ومبدأ الفضائل ومنتهاها.
ومن نثره قوله:
«وفي الروض مستمتع، وفي البوص ما لا يرقأ له مدمع إلا يدمع، وللنجوم لوامع تكاد تجمع، ومن العجائب أن الدرر تسمع، وما ذاك إلا كلمك الزواهر، ونظمك، وما لكليهما ما فيها من أرج الأزاهر».
ومن نظمه قوله قرين تفاح أهداه: [من الوافر]
بَعَثْتُ بها ولا آلُوكَ حَمْدًا … هَديةَ ذي اصطناع واعتلاق
خدود أحبّةٍ وافينَ صَبًا … وعُدْنَ على ارتماض واحتراق
فَحَمَّرَ بعضها طيب التلاقي … وصَفَرَ بعضها وَجَلُ الفِراقِ
ومما أنشد له صاحب الملح قوله المستملح وهو: [من السريع]
ما عَجَبي مِنْ بائع دِينَهُ … بلذّةٍ يَبْلُغُ منها مُناه
وإِنَّما أَعْجَبُ مِنْ خَاسرٍ … يبيع أخراه بدنيا سواه
وقوله: [من مجزوء الكامل]
لا تَحْفَلَنَّ بحادثٍ … وَكِل الأمور إلى المقادِرُ
وإذا تضايتِ الأوائِلُ … سَوْفَ تنفرج الأواخر
ومنهم:
[٤٨٤] أبو عبد الله بن أبي عمرو بن عامر بن مرح المعروف بابن زهيرة
شاعر مفتون اللسان، يقدر على غير الإحسان، مغرى بالأعراض يهتك مصونها، ويدك حصونها.
стр. 6237
ومما أنشد له قوله: [من مخلع البسيط]
رأيتُ في رأسِهِ قُرونًا … تُنطَحُ مِنْ طُولها السَّماءُ
فقلتُ: ما [ذا] الذي أَراهُ … وما على مثلِهِ خَفَاءُ
فقال: ربُّ الوَرى لَطِيفٌ … يزيد في الخَلْقِ ما يشاء
ومنهم:
[٤٨٥] أبو الحسين، علي بن عبد العزيز الحصري
مفتق كَلِم حِسان، ومشقق قلم ولسان، جر ذيله على جرير، وتنعم في سندس وحرير، فعبر نَفَسه عن العبير، ورَجَح شعره وزنًا خفَّ دونه ثبير، وفاق حسنًا ما جبى بعده الخبير، حتى لقد أنسى لمحاسنه ذكرى حبيب، وأسلى ببدائعه لفتات الظبي الربيب، وقعد للإملاء فأضاف بازدحام الأقلام المحابر، ونشر من دفاتر حفظه الأمم الغوابر، وطل سهمه الوارد والصادر، وبنيانه طائل الفوائد والنوادر. وكان على صحيح تمسكه، وصريح تنسكه، وصيانة علمه، ورزانة حلمه، وجلق بيته مصدرا، وتفرده في الورى يتغزّل من غير استباحة محظور، ولا سباحة غمرات في محذور، بل هو ما عُرف من لطف أهل الورع، وما شربوه من الكؤوس التي أبقوا منها ألا يخرع، وعلى كثرة ما كان ينتاب ويقصده حتى المرتاب، لا يتجهم سحابه المتهلل، ولا يطوى بارق بشره للمتأمل، ولا يتلقى القاصدين لمعاذيره، ولا ينفّر الجانبين بإفراط تحذيره، بل ربما حام في حديثه حول الحمى، وأتى بزواجره مبهمًا، وهو مع هذا يحدث عن الحمى بأمور، ويذكر سرب مهاه ومفاجأة الغيور، ويصف أعين عينه التي ترمي الصوارم بالفتور.
ومن شعره قوله: [من الوافر]
أَقولُ له وقد حيَّا بكأس … لها مِنْ طِيبِ نَكْهَتِهِ خِتَامُ
أَمِنْ خَدَّيْكَ يُعْصَرُ قَالَ: كَلًا … مَتى عُصِرَتْ مِنَ الوَرْدِ المُدَامُ (١)
ومنهم:
[٤٨٦] أبو الحسن، علي بن أحمد بن وهب
بر فصيح، وبر فسيح، يخلّق بالنهى، ويعلّق بالنهي، ويحقق هوان اللمي، فلم يحفل بمدح، ولم يحفز إلى طلب منح، بخلق ندي، وتخلق في ندى وكرم، يُجفى معه
стр. 6238
الرباب، ويُحتقر دونه البحر العباب، ويردّ عين الشمس رمداء في شعرية من ضباب. ومما أنشد له قوله في النيلوفر الأبيض: [من الطويل]
أَلَمْ تَرَ النيلوفر الغَضَّ أصبحتْ … تَطَلَّع نحوي منه كالأعين الحُوْرِ
يلاقى الدُّجى يومًا بأجفان هاجر … ويلقى الضُّحى شهدًا بأجفانِ مَهْجُورِ
كأَنَّ سويداواتها في بياضها … بقايا غَوَالٍ في مَدَاهِنِ كافور
ومنهم:
[٤٨٧] أبو محمد الأعيني النحوي
أس لأبنية النحو، وشمس يرمى البدر بالمحو، وسحاب ممطر، إلا أن زمانه أيام الصحو. ما تساقطت له نجوم، ولا تسايرت لمثله أنواء غيوب سجوم، فلم يزل حتى قادته المنية بخطام مشيبه، وأعادته كالوجل لا يقع في عين رقيبه، وما نكصت به مذ شرعت في تقويس ظهره وجنته ليرى في الأرض موضع قبره، وأسرفت به على موارد العطب، وتلمته والسيف لا يردى وإن كان ذا شطب، فقد أبلت الأيام جسمه، وما أبلت اسمه، وأنحلت جسده، وما نحت عن غابه أسده، فقد كانت بقيته شديدة، وقوى عزائمه حديدة، وقدرة رأيه على ما كان عليه أو أزيد وصفاء ذهنه على ما عرف منه أو أجود: [من البسيط]
«وَالجَفْنُ يَخْلُقُ فَوْقَ الصَّارِمِ الذَّكَرِ»
والهلال بعد ما أفناه المحاق وأبلته الغير.
ومما أنشد له قوله: [من السريع]
صَحَ الهَوى مِنْكَ ولكنَّنا … نَعْجَبُ مِنْ بين لنا يُقدَرُ
كأننا في فَلَكٍ دائر … فأَنتَ تخفي وأنا أظهر
ومنهم:
[٤٨٨] محمد بن يوسف، عُرف بابن الرفاء
لا يُسامى دُرُّه السني، ولا يُسامى وأبوه الرفاء وهو السري، ذو صناعة تجرّر الحِبَر، وتحرّض السيوف إذا عجزت عما تنال الإبر مهما شاء رنق ولو أنه ثوب السحر، لما أعياه منه تخييط ما فتق.
ومما أنشد له قوله: [من مجزوء الرمل]
يا غَرِيرًا غرَّني ما … ذا تُرَجي باتِك
стр. 6239
كيف تجزيك صَلاةٌ … ودَمِي في وجناتك
ومنهم:
[٤٨٩] أبو مروان، عبيد الله بن سرية
مجمر سرية، ومبرز في البرية، لا تردّد له رمية، ولا تعد كماته بكمية. لج به الكبر حتى طوى مُدَّته، ونكس صعدته، وقوسه يصير البدر هلالًا حين يمتحق، وحمله العصا لعله يلتحق، وتركه انحناء الظهر كأنه خاتل لصيد، وخلاه مشي الخطى كأَنَّه ماش في قيد، فلم يهنه طعام ولا شراب، ولم يؤنسه وطن ولا اغتراب، حتى كأنما كان ينشد: [من الكامل]
والدهر قيدني بقيدٍ مُثْقل … فمشيت فيه وكل يوم يقصر
ومما أنشد صاحب الملح له قوله: [من مجزوء الرمل]
راقني النهرُ صَفَاءً … بعد تكديرِ صَفائه
كانَ مِثْلَ الوَرْدِ غَضًّا … فهو الآن كمائه
وقوله: [من الطويل]
ولما رأيتُ الغَرْبَ قَدْ غَصَّ بِالدُّجَى … وفي الشَّرقِ مِنْ ضَوءِ الصَّباحِ دلائلُ
توهَّمتُ أَنَّ الغَرْبَ بحرًا أخوضُهُ … وأَنَّ الذي يـ يبدو من الشرق ساحلُ
وقولُهُ: [من الخفيف]
قُلْ لمولايَ: لِمَ تَغَيبتَ عَنِّي … ألوعْدٍ أَصابَهُ أم لعُذْرِ
فشنى رأسه وقال ازدهاءً: … تَسْتَسِرُّ البُدُورُ في كُلِّ شَهْرِ
* * *
وأما من غيرهم، فطائفة ممن تضمنهم «مجاني العصر» (١) لشيخنا أبي حيان (٢).
стр. 6240
منهم:
[٤٩٠] خلف بن عبد العزيز بن محمد بن خلف بن خلف بن عبد العزيز بن محمد الغافقي
الفيتوري الأصل، الأشبيلي المولد والمنشأ.
هبَّت بمصر ريحه مرة على مرة، وشبَّت فيها مصابيحه كرة على كرة، وحَجَّ في الأولى يلطم بأيدي العيس وجه السبسب، ويطأ عقارب الليل ولو أنه بزُباناها يُلْسَبْ، حتى قضى نفثه، وتطوّف بالبيت العتيق لا يخاف رَفَتَه، وسُمع عليه هناك من شعره. واجد على خاطري من ذكره مما أنشد شيخنا أبو حيان قوله: [من البسيط]
واحَسْرَتا لأمور ليس يبلِغُها … مالي وهُنَّ مُنَى نَفْسِي وآمالي
أَصْبَحْتُ كالآلِ لا جدوى لَدَيَّ وما … آلوتُ جِدًا ولكن خَدِّيَ الآلي
ومنهم:
[٤٩١] جعفر بن محمد بن عبد العزيز
من ولد إدريس المتأيد بن يحيى المعتلي الحسني.
قمر له أدب يكاد غُصنُه يُهتصر، ومزنه يعتصر، طال باع قصائده فما منها قصر،
стр. 6241
ولا جف بلل فيها حصر لمحاسن لو نشرت كحلت كُلَّ بَصَر، ولجلجت أن تدع للزلزال ما فضل من خُصَر، على أنَّها لم يخل من كلم بها ينتصر، وحكم لها طريق إلى القلوب مختصر، ينمى فرعه إلى ملك كان لا يحرم نائله، ولا يعظم إلا البحر ونائله، نكست له رؤوس أعدائه الصَّغَر، وأمنت رعيته من الذعر، وغُلَّت مهابته أيدي الطغاة فلم تمتدد، وألانت حصاة تألبهم فلم تشتدد. ولقد كان أمله يستقبل العمر جديدا، ويستقبل النجوم عديدا، ويستقر حيث رأى المرعى خصبًا والظلَّ مديدا.
ومما على ذُكْرِى من شعره مما أنشد شيخنا أبو حيان قوله: [من الرمل]
يا أُهَيلَ الحُيِّ من كاظِمَةٍ … قَدْ لَقِيْنَا مِنْ هَوَاكُمْ نُصُبا
قُلْتُمُ: جُزْ لِتُرَانَا بالحمى … ومُلأْتُمْ حَيْكُمُ بِالرُّقْبا
ومنهم:
[٤٩٢] محمد بن أحمد بن إبراهيم الصدفي الإشبيلي
هو الصدفي الذي لا يخرج إلا الدر اليتيم، ولا يؤمن حتى يلمس جانب العقد النظيم، ما ولدت مثله إشبيلية ولا أكنه دهرها، ولا أجنه جناتها وسقاة نهرها.
ومن شعره قوله من قصيدة أولها: [من البسيط]
ما بي مُوَارِدُ حُبِّي بَلْ مَصَادِرُهُ … اللَحْظُ أوَّلُهُ وَاللَّحْدُ آخِرُهُ
يُبَاشِرُ الوَشْيَ مِنْ أَعْطَافِهِ بَشَرًا … يَكَادُ يُخْرِجُهُ بُشْرًا يُبَاشِرُهُ
هو الحديقة لكنْ ربما مُكِنَتْ … مكان حياتها منه غذائره
ومنهم:
[٤٩٣] الكساد الإشبيلي
الله هو من كساد هو النفاق، وواحد في طريقه على كثرة الرفاق، وجالب در وقف حاله حتى عُرف بالكساد؛ لأنه لم يعرف لما معه قيمة، ولا وَجَد زبون تنفق عليه تلك الفرائد اليتيمة، وله في مليح حلق رأسه ليكسى قُبحًا، فُمُحا ليله وبقي كله صبحًا مما أنشده له شيخنا أبو حيان: [من الرمل]
كَانَ مُوسَى كَهِلالِ نَيِّرِ … لَيْلَةً إِذْ يَبْتَدِى الشِّعْرَ
فَبَدًا مُذْ خَلَّقُوا لُمَّتَهُ … مِنْ مُحَيَّاهُ صَبَاحٌ مُسْفِرُ
كانَ إِلاَّ قَمَرًا تَحْتَ الدُجَّى … فانجلى الليل ولاحَ القَمَرُ
أو كَزَهْرٍ في كِمَامٍ كَامِنٍ … شَقَّتْ عَنْهُ فَنَامَ الزَّهَرُ
стр. 6242
ومنهم:
[٤٩٤] محمد بن إدريس القلكوسي
من أهل الغرب جاز الأندلس، تجري به السفن في موج كالجبال، ويبتلعه ثعبان اليم وما ألقى له من عصي وحبال، حتى علق بملك لو رام البحر أن يتشبه به لرام الشطط، أودى النجم من رتبه، لحل أشرف الخطط، أو استنار المجدود بشهبه لتجلى حظه الغطط، أو اتصل الزمان بسببه، لما قط شعر ليله القطط. وله شعر فائق منه مما أنشده له شيخنا أبو حيان: [من البسيط]
لا تُنكرَنَّ مَشَارِيطًا بِوَجْنَتِهِ … فَإِنَّها أَثَرُ الألحاظ والفكر
فطالما جُرِحَتْ باللَّحْظِ وَجْنَتُهُ … والجُرح ليسَ لَهُ بُدَّ مِنَ الأَثَرِ
ومنهم:
[٤٩٥] محمد بن أحمد [بن] حسن بن عامر التجيبي
من أهل بلش. فقيه طالما شُيّد به درس، وجدد عرس. رحل من الأندلس إلى مصر، وسكن القاهرة، وقصر هواه على ربوعها الزاهرة، ونزل بها في المدارس ونزّه ببحوثها في أزكى المغارس، وكان ظاهر الصلاح، زاهر الصباح، يقطع الليل إحياء، ويعيد أموات القلوب أحياء.
ومن شعره مما أنشده شيخنا أبو حيان قوله في مليح له رقيب أحول: [من الكامل]
أحوى الجُفُونِ لَهُ رَقِيبٌ أَحْوَلُ … الشيء في إِدْرَاكِهِ شَيانِ
يا ليتهُ تِرَكَ الذي أَنا مُبْصِرٌ … وهوَ المُخَيَّرُ في الغَزَال الثاني
ومنهم:
[٤٩٦] إبراهيم بن سهل الإشبيلي الإسلامي (١)
كان يهوديًا فأسلم، وأنار من جوه ما أظلم. أديب فات المذاكي وما قرّح، وتقدّم الناس فما دخلوا إلا من الباب الذي فتح، فاق الأدباء وهو منهم، وعدا الفضلاء وما
стр. 6243
أخذ إلا عنهم، وكان مذ تفتقت عنه كمامته وليث عليه عمامته، وخط مسك الشباب عارضه، وأطاع جامح الصبا رائضه، شرارة سناء، ونواره غناء، أضاء جناح الدجى فرقدة، ورفع اسمه الربى موقده، حتى كان لو باراه البدر التمام لما قيل إلا أنه ناقص، أو قاحمه الأسد، لما قال إلا وهو على عقبه ناكص، إقدامًا على الأدب أخذ بأعناقه، وأمسك بآفاقه، وكان على إضاعته ليقينه، ووضاعته في دينه، ومحافظته على ملته القديمة، ونسخ شريعتها، وضيق سريطتها، له مكان من الصدور، وإمكان لا تزاحمه الصخور، لفضله الذي اشتهر، وفعله الذي بهر. ولقد مدح وهو على اليهودية الجناب الشريف النبوي المحمدي - زاده الله شرفًا - بقصيدة لم تدع مسمعًا، ولم تدع مدمعًا، وسأذكر بعضها لغرابتها، وعلو رايتها على عرابتها؛ ولأنها من الدر الذي يُخزن، والذهب الذي لا يسمح به أن يُوزن، هذا مع عجائب وقوعها عن مثله قبل إجابته، ورجوع بصره، وإنابته، وهي (١): [من الطويل]
وَرَكِبَ دَعْتُهُمُ نَحْوَ طَيْبَةِ نِيَّةٍ … فَمَا وُجِدَتْ إِلَّا مُطِيعًا وَسَامِعَا
يُسَابِقُ وَخْدُ العِيسِ مَاءً شُؤُونُهُمْ … فَيَقْفُونَ بِالْبَرْقِ المَدَى وَالمَدَامِعَا
إِذَا انْعَطَفُوا أو رَجَّعُوا الذِّكْرَ خِلْتَهُمْ … غُصُونًا لِدَانَا أَوْ حَمَامًا سَوَاجِعَا
تُضِيءُ مِنَ التَّقْوَى خَبَايَا صُدُورِهِمْ … وَقَدْ لَبِسُوا اللَّيْلَ البَهِيمَ مَدَارِعَا
تَكَادُ مُنَاجَاةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … تَنُمُّ بِهِمْ مِسْكًا عَلَى الشَّمِّ ذَائِعَا
تَلَاقَى عَلَى وِرْدِ اليَقِينِ قُلُوبُهُمْ … حَوَافِقُ يذْكُرْنَ القَطَا وَالمَشَارِعَا
стр. 6244
سَقَوا دَمْعَهُمْ غَرْسَ الأسى في ثَرَى … الحَوَى فَأَنبتَ أَزهار الشحوب الفَواقِعا
خُذُوا القلب يا ركب الحِجازِ فَإِنَّهُ … ثَوَى الجِسْمُ فِي أَرْضِ البَطَالَةِ كَانِعًا
ولا تصرفُوهُ إِنْ قَفَلْتُمْ فَإِنَّهُ … أَمانَتَكُمْ أَنْ لا تَرُدُّوا الوَدَائِعا
مَعَ الجَمَرَاتِ ارْمُوا فؤادي فإنَّهُ … حَصَاةُ تَلَقَّتْ مِنْ يَدِ الشَّوْقِ صَادِعا
بُنِيتُ بناءَ الحَرْفِ خامَرَ طَبْعَهُ … فَصِرْتُ لتأثيرِ العَوَامِلِ مَانِعا
تنبه لأولى السم إنْ كنتَ راقيًا … وعاجل رُقوعَ الحَرْفِ إِنْ كُنْتَ رَافِعا
وما اشتبهت طُرْقُ النَّجاةِ وإِنَّما … ركبتُ إليها من يقيني ضالعا
ووالله ما لي في الدُّخُولِ وسِيْلَةٌ … تُرَجى ولكن أَعْرِفُ الباب واسعا
وحكي أنه نزل هو وآخر أظنُّهُ الهوريني في أفنان سدرة يذوب في الماء ظلها، ويصافحه بعض أغصانها لأكلها، وتحتها غدير سَحَتْ عليه ضفائرها وبَرَّتْ إليه سرائرها، وعلى قُنَّتِهِ حمائم ظل يطارحها بشجوه ويحدثها في هذا ونحوه، فطفقت تُمنِّيهِ الطيف، وما عنده مبقلة تكرى وتسليه ولا يجد السلو مغرى، إلا أنه أنس بتغريدها، ويئس من نفار شريدها، وأقبل عليها وهي تحاكيه إلا أنها غير عبرى وشاكية، وفيض الدمع مرتبة أخرى، فقال (١):
ولقد حكي أنه كان في زمن شبابه وزيادة ما قَدَحَ ولا وَرَى، وماؤه في غصنه ما سح ولا جرى، ونجمه بعدما عرف وطرف حاسده به ما طرف، وفجره سر مكتوم في خاطر ليله ما ذاع، وعرفه مسك في عاتق شجرة محفوظ ما ضاع، والهيثم شيخ الأدباء إذ ذاك بالأندلس واقف ينشد قصيدة قالها في المتوكل ابن هود وقد بايع الدولة العباسية، وانتمى إليها وجاءت إليه تشاريفها والأعلام السود لديها، ولم تركز قبلها لهم راية بالأندلس، ولا خطمت لهم أنوف تلك المصاعيب الشمس فجعل المتوكل أعلامه سودًا حملًا الشعارها، وجهلًا بالدنيا في ارتجاع معارها؛ فلما أتى الهيثم على آخر القصيدة، وأتم مجموع تلك الفريدة، ولم يذكر أعلامه السود، ولا شبهها بالخيلان على الخدود، قال له ابن سهل زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني (٢): [من البسيط]
أعلامُهُ السُّودُ إعلامٌ بِسُؤددهِ … كأَنَّهنَّ لخَدِّ المُلكِ خيلان
فبُهِتَ الهيثم لهذا البيت، وقال له: هذا شيء ترويه أم شيء نظمته، فقال: بل شيء نظمته، فقال الهيثم: إن عاش هذا سيكون أشعر أهل الأندلس أو قال كلامًا هذا معناه. فكان أمر ابن سهل كما ذكر، وفوق قدر ما شكر.
стр. 6245
وحكي أنه كان كلفًا في حال يهوديته بغلام اسمه موسى كان له حبيبًا، وكان به كئيبًا، وكان يفرط فيه غلوًّا، ولا يجد عنه سلوًا، ولا يزال في أودية فكره به هائمًا، وعلى مشرب ماء خدّه الندى حائمًا؛ فلما شُرِّف بدين الإسلام، وعرف شرفه سفه تلك الأحلام، كلف بغلام اسمه محمد اشتدَّ به كلفه، وقرب بسببه تلفه، إذ كان لا يقرّ هدوًّا، ولا يقل رواحًا إليه أو غدوًا، لهوى ثانٍ نسي به حبّ الحبيب الأول، ونسخ شرعه وكان يرى أنه لا يتحوّل، وفيها يقول (١):
تَرَكتُ هَوى مُوسى لحُبِّ محمد … ولولا هُدَى الرحمان ما كنتُ أهتدي
وما عَنْ قِلَّى مِنّي تَرَكْتُ وإنما … شريعةُ مُوسى عطلت بمحمد
وحكي أنه في حال يهوديته هام بغلام من أهل الشرف من بني الحسن بن علي، وكلف به كلفًا شغله، وأوقد شعله، وكان لا يصبر عن حبّه، ولا يقدر على قربه، ولا يزال يتعرّض له وهو يُعرض، ويصح له وده وهو يمرض، وكان الغلام ذا وجنات مشرقة، يشبّ لها حريق، ويشاب ماء شبابها برحيق؛ فلما رأى ديباجة خده المذهب، وسنى وجهه الذي كاد أن يتلهب، زاد فتونه وعظم في حبّه جنونه، وظن أنه يعاجل لهب ذلك الخد بحرق، ثم تحريق نار الآخرة، وعد أن يلحق فلما لم يجد مفرًا من ناريه ولا ممرًا عن طريق أواريه، وتيقن أنه سيُحرق في الدنيا قلبه بخده، وفي الأخرى جسمه بجده، قال (٢):
أيا ابن رسول الله رفقًا بمُغْرَمِ … فَعَمَّا قليل ينقضي فيك نَحْبُهُ
يحرِّقُ في الأخرى بجدِّكَ جِسْمُهُ … ويُحرقُ في الدنيا بحدِّكَ قلبه
وحكي أنه كان في حال يهوديته حافظًا للقرآن الكريم، يرتل سوره ويرتب سرره، ويقرب مساره، ويقرأ على ما جرت به العوائد أعشاره. كان يكاثر المسلمين ويخالطهم، ويحضر مجالس علمائهم ويباسطهم، وربما ناظر الفقهاء مناظرةً يقف في مدارج حلوقهم، وتذهب لو قبل الجدل بمناهج حقوقهم، ثم لم يزل على هذا إلى أن وضح له نور الحق الساطع، وأصاب مقاتل جدله حد السيف القاطع، وبانت له أعلام الإسلام، وما يسعه ظلّها الذي يسبغه، وحرب الحق، وهو يكر على الباطل فَيَدْمَعُه، والبدأة وقد جاءت والشريعة المحمدية، وهي لأطراف ملك الملل قد حارت فهدمت حينئذ ضلالته، وعُجّلت من عثرات الإصرار أقالته، ثم دخل في الدين الحنيف بكليته وأقبل يُطهّر به ذنوب أوليته، ثم كان آخر أمره أنه مات شهيدًا، ركب البحر فغرق، وغُصّ به اليم لفضله الجمّ فشرق وذلك في شهور سنة تسع وخمسين وستمائة،
стр. 6246
ولقد أجاد من قال حين بلغه غرقه، هو دُرَّة غار عليها الدهر فردها إلى مكانها. هو والله كذلك. لو كانت هذه الفضائل في قوى الدُّرَّة أو مكانها، وقد أنشدنا رواية عليه شيخنا أبو حيان إجازة إن لم يكن سماعًا، وذكر في «مجاني العصر»، وروى عن قاضي الجماعة بالأندلس … محمد بن أبي نصر الإشبيلي الأنصاري عنه.
ومن ميسور شعره قوله (١): [من الطويل]
أقلّد وحدي فليبرهن مفندي … فما أضيع البرهان عند المُقلّد
هَبُوا نُصْحَكُم شمسًا فما عَيْنُ أَرْمَدٍ … بِأَكْرَهَ في مراهُ مِنْ عَيْنِ مُكْمَدِ
تأمل لظى شوقي وموسى يشبه … (تجد خير نار عندها خير مُوقِدِ)
إذا ما رَنَا شَوْرًا فَعَنْ لَحْظِ أَحْوَرٍ … وإِنْ يَلْوِ إعراضًا فصفحة أَغْيَدِ
وعَذَّبَ بالي نَعمَ اللهُ بالَهُ … وسَهَّدَني لا ذاقَ بَلْوى مُسَهَّدِ
فيا طيب سُكْرِ الحُبِّ لولا جُفُونُهُ … مَحَا لذَّةَ النَّسْوانِ سُكْرُ المُعَرْبِدِ
وقوله بما أنشده له الفاضل أبو الصفاء الصفدي (٢): [من البسيط]
وخالُهُ نُقْطَةٌ مِنْ غُنْجٍ مُقْلَتِهِ … أَتى بها الحُسْنُ مِنْ آيَاتِهِ الكُبَرِ
جاءَتْ بها العين نحو الخدر زَائرةً … فَرَاقها الوِرْدُ فاستغنتْ عَنِ الصَّدَرِ
وقوله (٣): [من البسيط]
ردُّوا على طَرْفِي النَّومَ الذي سُلِبًا … وخَبِّروني بِقَلْبِي أَيَّةٌ ذَهَبا
علمتُ لما رضِيتُ الحُبَّ منزلةً … أَنَّ المنامَ على عَينَي قَدْ غَضِبا
فَقُلتُ واحرَبا والصَّمْتُ أَجْدَرُ بِي … قَدْ يَغْضَبُ الحِبُّ إن ناديت واحربا
قالوا: عَهِدْنَاكَ مِنْ أَهْلِ الرَّشادِ فما … أَغْرَاكَ قلتُ: اطلبوا في لحظه السَّبَبا
مَنْ صَاغَهُ اللهُ مِنْ مَاءِ الحياة وقدْ … جَرَتْ بَقِيَّتُهُ في ثَغْرِهِ شَنَبا
مُرَدّدًا في الدُّجى لهفًا ولو نَطَقَتْ … نُجُومُها رَدَّدَتُ مِنْ حالتِي عَجَبًا
ماذا ترى في مُحِبِّ ما ذُكِرْتَ لَهُ … إِلا بَكَى أَوْ شَكَا أَوْ حَنَّ أَوْ طَرِبا
يرى خيالك في الماء الزلال وما … ذاق الشراب فيروى وهو ما شربا
وقوله (٤): [من الكامل]
وجه يفضّ عُرَى التقى تفضيضُهُ … منّي ويُذهِبُ عفتي تذهيبه
يُذْكِي الحَيَاءُ بوجنتيهِ جَمْرَةً … فِيكَادُ نَدُّ الحَالِ يَعْبَقُ طِيبُهُ
غُفِرَتْ جَرَائِمُ لحظِهِ لسَقَامِهِ … فَسَطَا ولمْ تُكْتَبْ عليهِ ذُنُوبُهُ
стр. 6247
ما ضرَّ مُوسى أَنْ يُسقِّ مَدَامِعي … بحرًا فيَغْرَقَ عَاذِلي ورَقِيبُهُ
يا نَجْمَ حُسْنٍ في جُفُوني نَوْؤُهُ … وبِأَضلُعي خَفَقَانُهُ ولهيبه
أَوَ مَا تَرِقُ على رَهِينِ بَلابلٍ … رَقَتْ عليكَ دُمُوعُهُ ونَسيبه
وقوله (١): [من البسيط]
سل في الظلام أخاكَ البَدْرَ عَنْ سَهَرِي … تَدْرِي النُّجُومُ كما يَدْرِي الوَرَى خَبَرِي
بعضُ المحاسِنِ تَهْوَى بَعْضَهَا … عَجَبًا تأَمَّلُوا كَيفَ هَامَ الغُنْجُ بِالخَفَرِ
وخاله نقطةٌ مِنْ غُنْجٍ مُقْلَتِهِ … أَتى بها الحُسْنُ مِنْ آيَاتِهِ الكُبَرِ
جاءَتْ بها العين نحو الخدّ زائرةً … وراقَها الوِرْدُ فاستغنتْ عَنِ الصَّدَرِ
إن تُقصني فَنَفارٌ جَاءَ مِنْ رَشًا … أَوْ تُضنني فمُحاقٌ جَاءَ مِنْ قَمَرِ
قدمت فيك ولكنْ أَدَّعِي شَطَطًا … أني سقيمٌ ومَنْ للعمي بالعود
وقوله (٢): [من المتقارب]
ولما عَزَمْنا ولم يَبْقَ مِنْ … مُصانعةِ الشَّوقِ غير اليسير
بكيتُ على النهرِ أُخْفِي الدُّمُوعَ … فَعَرَّضَها لَوْنُها للظهور
ولو عَرَفَ السَّفْرُ عند الوداع … لما صَحِبُوني عِنْدَ المَسِيرِ
ومَنَّ الفراق بتوديعَةٍ … فشَبَّهْتُ ناعي النَّوى بالبشير
وَقَبَّلْتُ وجنَتَهُ في الدُّمُوعِ … كما التُقِطَتْ ورْدَةٌ مِنْ غَدِيرِ
وقبلت في التُّربِ منهُ خُطى … أُميّزُها بشميمِ العَبِيرِ
وقوله (٣): [من الكامل]
طار الكرى لكن وجْدِي قُصَّ في … وكُرِ الضّلوع فلمْ يُطِقْ أَنْ يَنْهَضا
أَحْبُو إِلى قَفَصِ الكليم وقَومِهِ … قَصَدًا بذكرك عندها وتعرضا
أشكو إلى الحَدَقِ المِراضِ وضِلَّةٌ … أن يشتكي هَدَفٌ إِلَى سَهُم مَضى
يجني على قَلْبِي المُتَيَّمِ حَرَّها … طَرْفِي الظُّلُومُ ولحظ مُوسى والقَضَا
وقوله (٤): [من الكامل]
عَبِئَتْ بقتلِ مُحِبِّهِ لَحَظَاتُهُ … يا رَبِّ لا تَعْتِبْ عَلى لَحَظَاتِهِ
بِتْنَا نُشَعَشِعُ والعَفَافُ نَدِيمُنا … خَمْرِينِ مِنْ غَزَلي ومِنْ كَلِمَاتِهِ
يأبى عَفَافِي أَنْ أُقَبِّلَ ثَغْرَهُ … والقَلْبُ مَجْبُولٌ على حَسَراتِهِ
стр. 6248
فاعْجَبْ لمكتئب الجَوَانح غُلّةً … يشكُو الظَّما والماء في لَهَواتِهِ
وقوله (١): [من الطويل]
يقولونَ لَوْ قَبَّلْتَهُ لاشْتَفى الجَوَى … أَيطمعُ فِي التَّقْبِيلِ مَنْ يَعْشَقُ البَدْرا
ولو غَفَلَ الوَاشي لقبلْتُ نَعْلَهُ … أُنَزِّهُهُ أَنْ يذكر الجيد والشعرا
وما أنا ممن تحمل الريحُ سِرَّهُ … أَغارُ حِفاظًا أَنْ أُذِيعَ لَهُ سِرًا
إذا فِئَةُ العُذالِ جاؤوا بسِحْرِها … ففي وَجْهِ مُوسى آيةٌ تُبْطِلُ السِّحْرا
وقوله (٢): [من الوافر]
كأَنَّ الخالَ في وَجَناتِ مُوسى … سوادُ العَتب في نُورِ الوداد
لواحظُهُ مُحَيَّرةٌ ولكن … بها اهتدت الشُّجُونُ إِلى فُؤَادِي
وقوله (٣): [من الطويل]
شكوتُ فجاؤوا بالطبيب وإنَّما … طبيبي سَقام من لواحظ مُبْعِدي
فقال على التأنيس: طِبُّكَ حاضر … فقلتُ: نَعَمْ لَو أَنَّهُ بعضُ عَوَّدِي
فيا آفةَ العَقْلِ الحَصِيفِ وصَبْوَةَ الـ … عَفيفِ وغَيَّ الناسكِ المُتعبدِ
عليكَ فَطَمْتُ العَيْنَ منْ لذَّةِ الكَرَى … وأَخْرَجتُ قلبي طَيِّبَ النَّفْسِ مِنْ يَدِي
وقوله (٤): [من الكامل]
مُوسى تَنَبأ بالجَمالِ وإِنَّما … هارُوْتُ لا هارُونُ من أنصارِهِ
إن قلت فيه هو الكَلِيمُ فَخَدُّهُ … يَهْدِيكَ مُعجزة الخليل بناره
أَنِسَتْ بنارِ الشَّوقِ منكَ جوانحي … والزَّنْدُ لا يَشْكُو أَلْقادَ شَرَارِهِ
أتلفت قلبي فاستَرَحْتُ منَ المُنْى … كمْ مِنْ رِضًا في طَيِّ كُرْهِ الكاره
ومنهم:
[٤٩٧] صالح بن يزيد بن صالح بن علي بن موسى بن أبي القاسم بن شريف النفري الرندي، أبو الطيب الأندلسي
من أهل رندة.
أحد الأدباء المجيدين، والألباء المفيدين. وكان في الأندلس يعقد الرأي في أعلام عسكرها، ويدبّ النشوة في مفاصل مسكرها. غاص في البحر فجاءته جواهره،
стр. 6249
ومر بالروض فأجنته أزاهره، وأغمد دهنه الأسياف حتى صَدِيت، وأخلى درّه الأسماع حتى مليت، فاخضر به الزمان، وصُرَّ به في زبرجد ورقه الجمان.
ومن شعره المخلًا للظمآن الفارع به القلب الملآن قوله مما أنشده أبو حيان: [من البسيط]
يا منكر الحُبِّ دَعْنِي أنثني كلفًا … على الحبيب بكائي لا على الطَّلَلِ
يكادُ إِذْ نَتَلاقَى أَنْ نَذُوْبَ مَعًا … أَنا لِفَرْطِ غَرَامِي وهوَ مِنْ خَجَل
وقوله موطئًا على أعجاز أبيات امرئ القيس: [من المديد]
رب شيخ قد مررتُ به … تقشعر النفس من حبره
وهو بالحمام منبطح … بإزاء الحوض أو عُقره
ينبغي الفيشات ليس له … غيرُها كسب على كِبَرِه
فأبى مِنْ حَكَ إليتِهِ … ثم أمهاه على حَجَرِه
ثم ولى عنه قبل رب … صفو ماء الحوض عَنْ كَدَرِه
فانشنى يبكي فقلتُ لهُ … مالهُ لا عُد مَنْ نَفَرِه
فشذا شذوًا وأضلعه … كتلفّي الجمر في شَرَرِه
مثل هذا الأير يقتلني … ثم لا أبكي على أثره
ومنهم:
[٤٩٨] علي بن محمد بن يوسف القيسي القيذافي القرطبي، عُرف بابن خروف (١)
مجيد ليس بينه وبين الموصلي شقيق نسبه فرق، إلا أن هذا بالغرب وهذا بالشرق، ساقه من أقصى دياره المحل المخوف، وطرده ومُدَى البرق الخلب ترسل إليه
стр. 6250
الحتوف، وامتد به المرعى حتى أتى حلب، وخلفت له أخلاف شاتها عن أمه الحلب، اتصل بسلطانها الملك الأفضل، فأنعم عليه وأفضل، ثم اتصل بأخيه الملك الظاهر، فسرح في خصبه الظاهر، فنعم في ذراهما، ورغم حاسده بما أراهما من أدب ما عُهد مثله لابن خروف، ودأب لا ينكر منه له معروف، وكان بينهما يتقلب على صوف، ولا يتطلب له مرعى مخضبٌ ولا كلًا موصوف، ثم لم يزل في كنفهما يسرح وبمقيله لديهما لا يبالي بالفقر الذي يذبح، فهنأه لديهما الماء والعلف وأرضاه سوق الدهر له إليهما عما سلف، وأقام لديهما واحدًا بعد واحد سائمًا في تلك المسارح، هائمًا بطالع كلّ نجم يرعاه الأسعد الذابح. لم ينظر منذ أحيا بأنواء تلك السحب لطيره المقفل، ولا خاف الذبح وهو يزهو بلحم كصفاح البناء المشيد، وشحم كهداب الدمسق المفتل، وجوائزهما يصل إليه حتى تفقأ سَمِنا، ورأى كل عامرٍ سوى جنابهما الممرع دمنا … فعت عن الكلأ وخف بعد أن طغى به شمم الكلأ، وناطح الكباش، ولم يتعظ بذاهب القرون، ولا تبصر بما أفنته سكاكين المنون، ولم يعلم بأن ابن الخروف، وإن كان الحمل فإن طرفه في السماء لم ينم/ ٣٨٥/ ولم يشعر بأنه وإن نأى عن العرب، سيعقب في مصر بجزار لا يهوله كثرة الغنم، وأعر بكف يد الأيام عن مد أسره، وغنى الأنام عن رض عظمه وكسره، وأنساه الغرور، فأمسى وأضحى، وامتد كأنه لم يؤخر لفطر، ولا أضحى، وأدفأته جلدته، ولم يعلم كيف تُنزع فروته، وتقصر مدته، فسعى إلى مصر ولم يأن له أن يسعى، ولا بان له كم من خروف في المسلخ، وكبش في المرغى. فحين أتاها عاجله الحين، وأُدخل الرأس منه البطين، وأتاه جيش المنايا، ولا يعرف إلى أين. ومما حضرني له قوله في كأس تدار على الندامى مملوءة مداما، قوله، وهو: [من مجزوء الرمل]
أَنَا جسم للحُمِيّا … والحُمِيّا ليَ رُوحُ
بين أهلِ الظَّرْفِ أَغدو … كل يوم وأَرُوحُ
وقد ذكره أبو حيان وأنشدهما له.
ومنهم:
[٤٩٩] محمد بن محمد بن أحمد بن محمد الطائي القفصي
ما نهنه في الدأب، ولا قصر به إلا حرفة الأدب. قدم مصر وأقام بالقاهرة، لا تسعه شوارعها، ولا تجرعه مشارعها، وهي على مجمع ناسها، ومسبع أخياسها، لا تبيته إلا على سغب، ولا يسكن له إلا على شعب. كان بها يستجدي بالشعر، ولا يجدي عليه الرخص السعر، وكان فيها يخمد كلّما التهب، ويطلب نحاسة، وهو ينفق الذهب،
стр. 6251
فآها لتصاريف الأيام، وأحواج الكرام إلى اللئام، فلقد طويت به محاسن طي بل هدّت قواعدها، وهدأت رواعدها، وقصر باعها، ولا ساعدها امتد ولا مساعدها.
ذكره شيخنا أبو أحيان.
ومن بديع شعره قوله في السفينة التي على قبة الإمام الشافعي ﵀: [من المتقارب]
سَقَى قُبَةَ الشافعي الإمام … من الكوثر الأعين الجارية
له قبّةٌ تحتها سيد … وبحرٌ له فوقها جارية
ومنهم:
[٥٠٠] أبو الحسن، سهل الأزدي
من أصل كريم يتيه على النجم ويشمخ، ويفخر على الصبح ويبذخ. وكانت له قدرة على تشقيق الكلام، وتحقيق ما يؤخذ عن مثله من الأعلام. كان لو شاء نزف البحار لما بلت بها اليد، أو نسف الجبال، لم يلقها طرفة العين مِرْوَده. رحبت به بقعة المسلمين بالأندلس، وكانت كالضريح وأفهمت معاريضه، فكادت تكون كالصريح. ناهيك من رجل يزداد شغفًا به كلما فحص فاحص، وشرفًا بأدبه كلما تطلع إلى النجوم شاخص.
قال شيخنا أبو حيان: هو من أهل غرناطة، ويُعدُّ في علمائها، وفي رجال الكمال، وكانت له معارف في العلوم، وتصرّف بين منثور ومنظوم، وأظنُّه قال: إنه كان خطيبًا.
ومما أنشد له قوله: [من البسيط]
مُنغص العيش لا يأوي إلى دَعَةٍ … من كان في بلد أو كانَ ذا وَلَدِ
والساكنُ النَّفْسِ مَنْ لمْ تَرضَ هِمَّتُهُ … سُكْنى مَكانٍ ولم يسكن إلَى أَحَدِ
ومنهم:
[٥٠١] أبو الزهر، محمد بن عبد العزيز بن الناصر الحميري التونسي
خدم السلطان ثم نسك، وأطلق عنانه ثم أمسك، وقدم مصر حاجًا فلما أدى فريضته، ملأ بحها حقيبته، فعاد إليها راغبًا في وطنها، وضاربًا في حياض نيلها المتدفّق
стр. 6252
بعطنها، وحضر المدارس بها، وارتزق نسبها.
قال شيخنا أبو حيان: له معرفة بالعروض والأدب.
ومما أنشد له قوله: [من المنسرح]
ينظر في النَّحْوِ وهوَ مُجتهد … لكنّه لا يقولُ بالعَطف
قد علم العين في محاسِنِهِ … تقارن الابتداء بالوقف
ومنهم:
[٥٠٢] ابن القينة الغرناطي
فاضل لو أمهل غصنه لسمق، أو لم يُعاجل هلاله لا تسق. لم يخل من أدب لم يذد طيره عن شجره، ولم يذع سرّ ناره الكامن من حَجَرِه، إلا أن المنايا بدأته بشرب كأسها، وصرف مكاسها، فخلته في ضريحه موسدًا، وخلّفته في يوم لا ينتظر له غدًا.
قال شيخنا أبو حيان - وقد ذكره -: كان يُقرئ الفقه والعربية وتوفي شابًا، ولم أقف له على اسم ولا نسب.
ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
جَحَدْتُ الهَوَى فِيهِ فباحَتْ مَدَامِعي … وهل ينفعُ الهَيْمَانَ فَرْطُ جُحُودِهِ
وهيهاتَ يَخْفَى وَجْدُهُ وغرامُهُ … وما الدمعُ إلا مِنْ أَدَلٌ شُهُودِهِ
ومنهم:
[٥٠٣] محمد بن عبيد الله بن هارون بن خطاب الغافقي المرسي، أبو بكر
دواء دأب لو عُوِّذَ بها الحَنِقُ لَسَكَنَ غضبه، لو عُوّد بها الدهر، لتيقن غَلَبُه، … من قصائد أسر من الراح في الزجاج، وأسرى من الروح في معتدل المزاج. تحرك الشوق في القلوب، وتردُّ السَّلَبَ من الأفئدة والمسلوب، بأغاريد لو فهمتها الورق بأغاريد، لجعلت أطواقها لها مما تهب أو وفتها الأيام حقها لكتبتها بعين البصر لا عين الذهب. قال شيخنا أبو حيان - وقد ذكره -: كاتب عالم عالي الهمة قدم غرناطة، وكتب بها عن ملكها الغالب بالله أبي عبد الله بن الأحمر، ثم رغب عنه وجاز البحر إلى تلمسان، وكان في كنف مالكها أبي يحيى يغمور العبد الوادي المعروف بعمراس معظمًا مكرّمًا إلى أن توفي بها. وقدم القاهرة حاجًا.
ومما أنشد له قوله: [من الرمل]
стр. 6253
مَرَّتِ المُوسَى على عارِضِهِ … فكأَنَّ الآس بالماءِ غُمِرْ
مجمع البحرين أمسى خَدُّهُ … إذ تلاقى فيه موسى والخَضر
ومنهم:
[٥٠٤] يحيى بن مرادة الأشبيلي، أبو زكريا
رجل أقام الدهر المذنب عُذره، وأوفى به الزمان المتذمِّمُ نَذْرَه، وحلى به الفخار قلائده، والنجم شذره. وكان مَرِيع الجناب سريع الجواب، حتى كان ربما حمق، وقيل فيه الشيء يصدّق. وقدم غرناطة حيث تُجلى عروسها، وتجنى غروسها، واتصل بسلطانها ابن الأحمر فلاذ منه بملك يكاثر زهر الدراري عددًا، ويُجير من صرف الدهر إذا اعتدى. يُغيث النبت الهشيم فيُربع، ويحمي الكِناس المُغْزِل فيسبع. قبل به عود الفواضل وقد ذوى، وشدّ أسر الفضائل وما لهنَّ قوى، ثم لم يفارق كنفه حتى أمرع، ولا تنحى عن سيله حتى أسرع.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان، ومما أنشد له قوله: [من الطويل]
وليل مُصاب قادَ صُبْحَ مَسَرَّةٍ … فَللَّهِ ما أَدْجى لدينا وما أجلى
لئِنْ كَانَ ذاكَ القِسْمُ أَغْمَدَ صارمًا … فقدْ سَلَّ منْ ذا القِسْمِ آخرَ لا فُلا
وإِنْ كَانَ أَصْلُ المَجْدِ والفَخْرِ قَدْ ذَوَى … فقد أينعَ الفَرْعُ الذي أَشْبَهَ الأَصْلا
وإنْ كانَ كُلُّ الأَمْرِ عَنَّا قد انقضى … فقدْ بَقِي العَضْبُ الذي وَرِثَ الكُلًا
وقوله: [من الكامل]
لله دولاب يفيض بسَلْسَلٍ … في رَوْضة قد أينعت أفنانا
ضاقت مَجَارِي جَفْنِهِ عَنْ دَمْعِهِ … فتفتحتْ أَضْلاعُهُ أَجفانا
ومنهم:
[٥٠٥] يوسف بن أبي الحسن بن منوّز
الأديب، والمبرز الأريب. كم له بيت لا يهي مبناه، ولا يلهي عن حسن لفظه إلا معناه.
أنشد له شيخنا أبو حيان في مليح منعت الشمس النظر إليه: [من الرمل]
وهلال لاحَ في رَأْدِ الضُّحى … كُلُّ حُسْنٍ مِنْ مُحَيَّاهُ اسْتَمَدْ
حجبته الشمس لما أَنْ رَأَتْ … كل لحظ في سَنَاهُ قَدْ وَرَدْ
مَنَعَتْ مرآه إما عن هوًى … غُلِقتْ منه وإما مِنْ حَسَدٌ
стр. 6254
ومنهم:
[٥٠٦] محمد بن الحسن بن حنيش، أبو بكر
نزيل تونس.
رجل بغض الله نظراءه وكمله، وقبح أعداءه وجمله، لم يخيب من أمله، ولا لَزَّ بِهِ نبيه إلا نبهه وأخمله لو قرن بمضائه الصارم الذكر لأرمله، … أو بسط يده مع السحاب، لما جاء البرقُ بأنمله بوجه لو بدا للبدر لأخجله، وبأس لو توقاه الحمام لأدنى أجله، وفهم لو جاراه الريح إلى مدى الأعجله، المحاسن شيم لا تمر بالتوهم، ودقائق كرم لا تحتاج إلى التفهم هذا إلى مهابة لو صرخت بالرعد لرجف، وبشاشة، لو سقت الروض لم يجف.
قال شيخنا أبو حيان فيه: أحد الأدباء المكثرين المجيدين، له تصانيف في الآداب. دخلت تونس ولم يقض لي به اجتماع، وقد استجازه لي صاحبنا أبو العباس الأشعري، وله سماع ورواية.
ومما أنشد له قوله: [من الكامل]
أفلا تَشُوقَكَ رَوْضةٌ نَجْدِيَّةٌ … نَفَاحَةُ الآصال والأسحار
أفيكتُمُ الأسرارَ صَبُّ والصَّبا … يُفشِي مِنَ الروضات كُلَّ سِرارِ
أفلا يُذِيبُكَ رقةً ما ذابَ من … ذَهَبِ العَشِيِّ بِفِضَّةِ الأنهار
أفلا تُنَعمُ أَعْيُنًا ومَسامِعًا … بجمالِ أَقمارٍ وسَبْعِ قُمَارِي
فاسْحَبْ ذُيول الأنس بينَ أَباطِحٍ … لَبِسَتْ رِداءَ الحُسْنِ غَيْرَ مُعارِ
نَهْرٌ يَرِقُ بشاطئيهِ نَباتُهُ … مثلَ الزَّبَرْجَدِ حُقَّ بالبلارِ
والدَّوْحُ مِثْلُ العِيدِ يُكْسَى سُنْدُسًا … خَضِرًا وَشَتْهُ لَها يَدُ الأَمْطَارِ
تُثْنَى لنا الأعطافُ حينَ نَزُورُها … فَكَأَنَّها ترتاح للزوار
والليل يصبو نحو مجلس أُنْسِنا … فنُقابل الأقمار بالأقمار
دلت على الخَلاقِ مَخْلُوقاتُهُ … أَفلا اعتبار يا أُولي الأبصار
قوله من قطعة قالها في مجلس فيه مليح والشمع قد أوقد، وقد نزل المطر: [من مخلع البسيط]
بدر شكَا وَحْشَةً إلينا … فجاءَ بالشمس للنديم
أَطْلَعَ مِنْ شَمْسِهِ نُجُومًا … تُشْرِقُ في ليله البهيم
فحُقَّ للشَّمْسِ أَنْ تُبكي … بأَدْمُعِ للحَيَا سُجُومُ
فقد عصيناه في ثلاث … الشَّمْسُ والبَدْرُ والنُّجُومُ
стр. 6255
وقَوْلُهُ: [من البسيط]
مَتِّعْ جُفُوني بِذاكَ المَنْظَرِ الحَسَنِ … وَاسْتَبْقِ رُوحي فَإِنَّ الجِسْمَ فِيكَ فَنِي
حَنَتْ لِلُقْياكَ رُوحي يا مُعَذِّبَها … وَاسْتَعْذَبَتْ فِيكَ ما تَلْقَى مِنَ المِحَنِ
قاسَيتُ بَعْدَكَ ما رَقَّ الجَمَادُ لَهُ … فَما لِقَلْبِكَ لَمْ يُشْفِقْ وَلَمْ يَكُنِ
وقدْ وَهَبْتُكَ نَفْسِي لا أَمُنُّ بِها … فَإِنْ تَقَبَّلْتَ كانَتْ أَعْظَمَ المِنَنِ
باللهِ يا مَنْ جَفَانِي سَلْ جُفُونَكَ لِمْ … قاسَمْتَني السُّقْمَ واسْتَأْثَرْنَ بالوَسَنِ
ومنهم:
[٥٠٧] الحسين بن عتيق بن الحسن بن رشيق الربعي الأندلسي، أبو علي
ذو علم ثاقب أمضى من الأسهم، وعلم ساطع أضوأ من الأنجم. علق بصاحب المرية فأتى منه رجلا فتح للجود بابا مغلقا، وأفاد النجوم بضياء جنته تألقا، وأعاد بتواضعه الدهر محمقا، وأعار فيض راحته الجهام، فانهل مغدقا. طالما بات في حب الفضائل مؤرقا، وهز عود الآداب فأصبح مورقا، وجاء يتلو كريمي طييء فأنساهما كأن لم يخلقا فنقبله بكرم ما رد سعي آمل مخفقا، ولا ترك حديد همة مخلقا، ونزل منه بملك جاره جار الفرقد، وإن بعد عن مداه فكأن قد.
قال شيخنا أبو حيان كان بسبتة في كنف الغرفيين له فنون من المعارف، وله تصانيف وأدب كثير. وقال يمدح الرئيس أبا الحسن علي بن نصر صاحب المرية: [من الكامل]
فَعَلَ النَّوَى مُلْغى لِبَعْضِ نَوَالِكا … فاشْفِ الخَيَالَ وَلَو بِطَيْفِ خَيَالِكا
ما ضرَّ لَو سامَحْتَ مِنْهُ بِزَوْرَةٍ … أَرِدُ السَّرابَ بها مَكَانَ زُلالِكا
ما زَوْرَةُ الطَّيفِ المُرادِ وَإِنَّما … صِدْقُ الهَوى يُرْضِيهِ زَوْرُ وَصَالِكا
حُسْنُ الحَبيبِ حَقيقةٌ أَبصرتُها … فَمَتى يُمَحِّلُها مَجَازُ خَيَالِكا
أَبْصِرْهُ تَستحسن قبيحَ فِعَالِهِ … وتكفّ عَنِّي مِنْ قَبيح فعالكا
فَمَجَالُ باعِ الحُبّ أَوسَعُ مَذْهَبًا … مِنْ باعِ عَدْلِكَ واتساع مَجَالِكا
عاينت لامي فلما عاينوا … عجبوا لفرط تجملي وجمالكا
فمتى اشتكى صَدْرٌ فَدُونَ شِكايتي … ومتى بدا بدر فدون كمالكا
ومنهم:
[٥٠٨] أحمد بن صابر القيسي، أبو جعفر
رجل كان بصيرا بالدنيا وسوء تقلبها، وجد لياليها العواثر في تطلبها، ورأى ما فات بالعمى أن يراه سميه ابن سليمان، فتبعه وزاد عليه بقدر ما بينهما من الزمان، إلا
стр. 6256
أنه لم يعدل عن كتاب وسُنّة وحق عمل منه بيقين لا ظنَّة.
ومما أنشد له شيخنا أبو حيان قوله: [من المتقارب]
أرى الدهر ساد به الأَرذَلُونَ … كالسَّيْلِ يطفو عليهِ الغُشَاءُ
ومات الكرام وفات المديح … فلم يبق في القول إلا الرثاء
وقوله: [من الطويل]
أَتُنْكِرُ أَنْ يبيض رأسي لحادث … مِنَ الدهرِ لا يَقْوَى لَهُ الجَبَلُ الرَّاسِي
وكل شعار في الهوى قد لبستُهُ … فَرَأْسِي أُمِّي وقَلْبِي عَبَّاسِي
وقوله: [من الطويل]
فلا تَعْجَبًا مِمَّنْ عَوَى خَلْفَ ذِي عُلًا … لكلِّ علي في الأنامِ مُعَاوِيَّة
ومنهم:
[٥٠٩] عبد الله بن أحمد الأنصاري القرموني
أبو محمد، عرف بابن الأخرش.
رب فضائل تعنو له بها وجوه أربابها، وبلاغة بلغ بها السماء حتى سُئل عن أسبابها، طَمَتْ فوائده، فكادت يُغرق بعبابها، ويغدق لولا تعلق الغمام بربابها، ذُلّلت له المعاني، فغدت تساقُ إليه برقابها، وحللت له الغواني فما أتته مسترة بنقابها، ومنت نفوسها الغوادي أن تماثله فما قدرت على غير انتحابها، وظنت أنها تشابهه، وما جبينه كهلالها، ولا يمينه كسحابها بروائع ما جرت على العوائد، وبدائع لو بدلت للغيد لعلت القلائد على أنها تقصى المدى، وتقصد العدا وتدع زاهيًا كل زاهد، وما حنا كل ماجد ببيان يدنو من فهم الجماد، ويذكو منه برد الرماد.
وتوفي بفاس فدفن بها، وسقط نجمه وغار في تربها.
قال شيخنا أبو حيان عنه: أديب فاضل، نحوي يحبّ كتاب سيبويه وغيره، وأنشدني كثيرًا من شعره، وكتبتُ عنه وضاع مني. فمما بقي في محفوظي منه قوله: [من الكامل]
جبلوا على أتْباجِ كُلِّ مُطهِم … نَهْدِ يُباري الريح في هباتها
لم يعرفوا بعدَ المُهودِ سِوى … الذي قد مَهَّدوا في الدهْرِ مِنْ صَهَواتِها
وقوله: [من الوافر]
أمير المؤمنينَ َألَا عِتابٌ … فقدْ ضَجَّتْ ملائكة السماء
стр. 6257
قُضاةُ المُسلمينَ بنو إماءٍ … لقدْ نَزَلَ القضاءُ على القضاء
ومنهم:
[٥١٠] محمد بن علي بن العابد بن الكاتب
ماجد شريف، وماجن ظريف، لو تأخَّرَت شمس ابن الحجاج، لاستمد من حجاه، أو هب نسيم ابن الهبارية، لتعلّق به يطلب النجاة. أنارت به غرر غرناطة، فوضحت، وبارت بادية أقمار سمائها ففضحت. وقد ذكره شيخنا أبو حيان، وقال: هو والد الكاتب أبي القاسم علي العابد.
ومما أنشد له قوله: [من السريع]
ما اسم لحسناءَ تَسمَّتْ بهِ … مما بعينيها لقتل العباد
ونصفه الثاني مُرادي الذي … أختارهُ منها ونعم المُراد
ومنهم:
[٥١١] يحيى بن المرابط، أبو بكر
مورد يقصر أمله لقرب المستقى، ويحجّ إليه الشكر مقصرًا، إذ كان في السماء محلّقًا. أضحى به قاصده في مغنم، وحاسده في مغرم ومنافسه فيما يذل معطسه ويرغم. طالما منح الجفون الكرى، ومنع من أقام لوطنه أن يحمد السرى. نفقت لديه بضائع كل فضل لا يشترى، ووقفت التجار له هيبة لما جرى. لا تسنى له كل سائرة، ولا تسف كل طائرة. قام بالحق وقد قعد الزمان، وقال والكلمة جمان، وقال ولا هجير إلا ذكاء خاطره، وتحرقه على الإيمان.
قال شيخنا أبو حيان: كان الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يذكر أنه من قضاة العدل، وروى عنه. وهو والد أبي عمرو بن المرابط كاتب السرّ السلطاني لابن الأحمر.
وقال: ويأتي ذكره.
وأنشد لأبي بكر يحيى مادحًا ومتفائلًا، أنه حيث غدا كان فاتحًا، وهو قوله:
[من الكامل]
الفتح في راياتِكُمْ معقودُ … والنصرُ من أَجنادِكُمْ مَعْدُودُ
وجناح جبريل عليكمْ خَافِقٌ … يَضْفُو عليكم ظِلُّهُ الممدود
فانهض أمير المسلمينَ بعَزْمَةٍ … تُضحي لها شم الجبال تميد
стр. 6258
سُرَّ فِي ضِمَانِ اللَّهِ مُكتَنِفًا بِمَا … نُصِرْتَ بِهِ يَومَ القَلِيبِ الصَّيْدِ
ومِنْهُم:
[٥١٢] محمد بن موسى السلوي
رجل جواب أرض، وحواز طول وعرض، تغلغل بيدا تكد قوادم العقبان، ويبيض أجنحة الغربان، لقفار يهول اقتحامها الأسد في خفان، ويجفف ضرامها الدموع في الأجفان، ينكر مجاهلها العرفان، ويخاف دواخلها الضيفان، وتغير بها الرياح، وعليها للسحاب أكفان.
ومما أنشد له شيخنا أبو حيان قوله: [من البسيط]
دِماءُ جُرْحٍ بَدَتْ مَا بَيْنَ مُنْبَلِجٍ … مِنَ الجَبِينِ وشَعْرٍ صِيْغَ مِنْ غَسَقِ
هُوَ اتِّضَاحُ نَهَارٍ وانبهَامُ دُجىً … لا بُدَّ بَيْنَهُمَا مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَقِ
ومِنْهُم:
[٥١٣] عياش بن حواقر الأموي، أبو الحيا
فتى كان لا يكف في مروم، ولا يقنع بما دون النجوم، ولا يفاخر إلا بنفسه. وآباؤه بنو عبد شمس إلا أن أقمارهم دون شمسه.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان وأنشد له: [من البسيط]
مَا فِي بَنِي فَعْلَةَ مَنْ يُرْتَجَى لِنَدَىً … وَلَا يُهَانُ لِبَأْسٍ مِنْهُم أَحَدُ
هَجَوتُهم حِينَ عَافَ النَّاسُ هَجْوَهُمُ … فَلِي عَلَيْهِم بتَنْوِيهِ الهِجَاءِ يَدُ
وقوله: [من البسيط]
اصْبِرْ عَلَى الدَّهْرِ إِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ … وَلَا تَقُولَنَّ ذَرْعِي مِنْهُ قَدْ ضَاقا
فَبِالنَّوَائِبِ يَزْدَادُ الفَتَى شَرَفًا … كَالنَّجْمِ يَزْدَادُ فِي الظَّلْمَاءِ إِشْرَاقا
ومنهم:
[٥١٤] ابن الجنان (١)
وهو محمد بن سعيد بن محمد بن هشام بن عبد الحق بن خلف بن مفرج بن
стр. 6259
سعيد، أبو الوليد فخر الدين الكناني الشاطبي. عُرف بابن الجنان.
ونسبه في «مجاني الهصر» المرسي، خص من بني العديم بكمال، وظفر بكل مال، قدم عليهم قدم المنى، وحلّ لديهم حلول الغنى، وجاء والسعد يحدوه، والحظ لا يعدوه، والقبول يوطئ له الكنف، ويوطد له الجنف، فنزل بيتهم الرفيع، وحصل بسيبهم في زمن الربيع، وحفظ بسببهم نسب أدبه وقد أوشك أن يضيع.
ذكر ابن اليونيني (١): أن مولده بشاطبة وأثنى عليه والناس قاطبة ووصفه بكرم الخلائق، وما لم يُرم مما هو به لائق. كان مالكي المذهب فلم يزل به بر بني العديم إلى أن أنساه حتى مذهبه وأسلاه عن كل ما فات إلا زمانًا عند غيرهم أذهبه، فتبعهم حتى في التمذهب للإمام أبي حنيفة والاهتمام في تحصيله بالهمة العنيفة، ودرس بالمدرسة الإقبالية الحنفية بدمشق مدة عم الطلبة نفعها، وعرف به وترها وبره يشفعها، وكانت له يد في علوم كثيرة، وعلو مراتب في فضائل أثيرة.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان وقال: كان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، وكان لطيف المزاج، أديبًا فاضلًا، وشعره حسن، وكان بدمشق، وبها توفي. وقع من علو فمات.
ومما أنشد له قوله (٢): [من الكامل]
نَشْرُ النَّسيمِ بِعَرْفكُمْ يتعرَّفُ … وأَخو الغرام بحبكم يتشرف
شرف المتيم في هَواكُمْ أَنَّهُ … طورًا ينوح وتارة يتلهف
صب إذا كتمَ المَشُوقُ دُموعَهُ … كَتَمَتْ محاجرهُ الدُّمُوعُ النُّرَّفُ
لَطُفَتْ معانيه فهبَّ معَ الصَّبا … فرقيبُهُ بهبوبه لا يعرفُ
ولأنه تَغْدُو النسيم دياركم … وله على تلك الديار توقف
وأما ما له سوى هذا فكثير، فمما أورده ابن اليونيني له (٣): [من المتقارب]
ودوح بدت معجزات لهُ … تَبينُ عليه وتدعو إليه
جرى النهر حتى سقى أَرْضَهُ … وقام فقبَّلَ شُكرًا يَدَيْهِ
وكف الصبا ضيَّعَتْ حِليَهُ … فقامَ الحَمامُ يُنادي عليه
كساه الأصيل ثياب الضَّني … فحل طبيب الدياجي لديه
وجاءَ النسيم له عائدًا … فقامَ لهُ لائمًا مِعْطَفَيهِ
وقوله (٤): [من الكامل]
لله قوم يعشقون ذوي اللحى … لا يسألون عن السوادِ المُقبل
وبِمُهْجَتِي نفر وإنّي منهم … جُبلوا على حُبِّ الطراز الأَوَّلِ
стр. 6260
وقوله (١): [من الطويل]
وَمَا مَالَ ذَاكَ الخِدْرُ إِلَّا لأَنَّهُ … بِخَمْرِ دَلال الحَاجِرِيَّةِ نَشْوَانُ
يقولونَ: عُنوان المُحبِّ دُمُوعُهُ … وَصَبُّكِ يا ليلى على الدَّمْعِ عُنوانُ
وقوله (٢): [من البسيط]
قُمْ سَقينها وجيش الليلِ مُنهزم … والصبحُ أَعلامُهُ مُحْمَرَّةُ العَذَبِ
والسُّحْبُ قَدْ نَثَرَتْ في الأَرْضِ لَؤلؤها … فضَّمَّهُ الشمس في ثوب منَ الذَّهَبِ
وقوله (٣): [من الطويل]
مُتَيَّمُ ذاك الحي لا تعدو حُبَّهُمْ … لِتَظْفَرِ مثلي مِنْ جُنُونِكَ بالوَصْلِ
جننتُ بهم حَيًّا ولي في رِجالِهِمْ … تَمَائِمُ وَسْوَاسِ تُعِيذُ مِنَ العَقْلِ
وقوله (٤): [من الخفيف]
يا رعى الله يومنا بين روض … حيثُ ماءُ السُّرورِ فِيهِ يَجُولُ
تَحْسَبُ النهر عندَهُ يتثنى … وتخالُ الغُصُونَ فيهِ تسيل
وقوله (٥): [من الطويل]
وبي كاتب أضمرت في القلبِ حُبَّهُ … مَخَافَةَ حُسَّادِي عليهِ وعُذَّالِي
لهُ صَنْعَةٌ في خَطِّ لامِ عِذارِهِ … ولكنْ سَهَا إِذْ نَقَطَ اللام بالخال
وقوله (٦): [من البسيط]
بالله يا سرحةَ الوادي إذا خَطَرَتْ … تلك المعاطف حيث البان والغار
فعانقيها عن الصَّب الكئيب فما … على معانقة الأغصان إنكار
وقوله (٧): [من البسيط]
قُمْ سَقنيها وثغر الصُّبحِ مُبتسم … والليلُ تبكيه عين البدر بالشُّهُبِ
والكأس حُلَّتُها حمراء مُذْهَبَةٌ … لكنْ أَزِيَّتُها مِنْ لؤلؤ الحَبَبِ
وأعين الزهر من طولِ البُكارَمِدَتْ … فَكَحَلَتْها يمينُ الشمس بالذَّهَبِ
إِنْ تَهْتَ بالشمس يا وَجْهَ السماء فلي … شمسان وجهُ حَبِيبي وابنةُ العِنَبِ
وقوله: [من الطويل]
стр. 6261
غَدًا مُغرمًا أفق السماءِ بدوحنا … فدمعُ النَّدَى حُزنًا عليهِ أَسالَهُ
وهام بصير الدوح فيهِ فَأَبْرَزَتْ … له نهرها حتى يصيد خياله
ومنهم:
[٥١٥] محمد بن علي الرندي
بدر من العرب طلع. وسابق لا يمشي على ظلع أبى له آباؤه أن يقر على ضيم، أو يفر ولو ساوره كل أيم، حيث كانت تسمح الأنفة بأنفه، ويتكفّل العفاف بكفه. وله أسباب في الفضائل متنوّعة، وآداب لا تطمأن بها أحشاء البروق المروّعة. أنكر مألفه، وقد مشى الزمان على تلك المعاهد ودبّ الحدثان في تلك المعاقد فأخلى على تلك المعاقل، وأخفى محاسن تلك العقائل، وهم ثغور تلك الشرفات، وهدم معمور تلك الغرفات، فأتى مصر لعله يغسل شقوة أيامه الذاهبة، ويفل أيدي لياليه الناهبة، فما اعتذر إليه زمانه المسيء، ولا زاده إلا ما يريده في الأيام النسيء، فصرف مطيه للرحيل، وصدَّ عن نيلها، وإن كان لا يروى بمثله الغليل.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان، قال كلامًا ما معناه: قدم القاهرة، ثم تركها استنقاصًا لهمم أهلها. وقال: لا أدري أين أذهب. قال: وله أشعار وموشحات. وأنشد له قوله في بعض بني شكر: [من البسيط]
شُكْرِي لِعُليائِكُمْ كالرَّوضِ لِلسُّحُبِ … وقَدْ غَذَاها بدرٌ غَيْثُ مُنسكِبِ
إِذْ لُحْتَ في آلِ شُكْر بدر هالتِها … تمدُّ بحرَ النَّدَى بالعلم والأدب
في بيت عز سهير لا يُلم بهِ … خَرمٌ ولا وتد ينفك عن سَبَبٍ
مدد سبق طويل في دوائره … وكامل وافِرٌ يُغني عن الخَبَبِ (١)
ومنهم:
[٥١٦] العفيف التلمساني (٢)
وهو سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن ياسين الكومي العابدي.
стр. 6262
رجل قلب، وسحاب ممطر خُلَّب، يباشر مرة الخدم، ويثابر مرةً على التخلّق بالندم، ووقتًا حرصًا، ووقتًا زُهدًا، وآونة صابا، وآونة شهدا، يتطوّر في هذا كله على غير نظام، وينتقل في أحواله جميعها من غير استعظام، ولم يزل مختلف الأحوال، مؤتلف الأقوال، يجيد الشعر لا لكلف ولا نوال، ويطوف بالطلل لا لرد جواب ولا سؤال يكلف بليلي ولا ليلي ولا أترابها، ويهيم بحُزْوَى ولا حُزْوَى ولا ترابها، صرّح بهواه المقيّد الحمال المطلق، وبرح به الحب ولا حبّ يُعرف ولا مليح يعشق، وإنما هي أسماء سمّاها، وأشياء لا يدرك مسمّاها، وأمور ادّعى أنها الحقيقة وهي الباطل قد خيلته لا بل ختلته، وقال: إنها الطريقة وسلكها جاهلًا لا يخبر أرضها فقتلته. سلك طريقة القوم بزعمه فأخطأها، واستسقى تلك السحب، فما قصد إلا أبطأها، وظنّ أنها المعارف وهي النكر، والسكر شراب القوم فعربد في بالسكر، وجد في زجاجة أهل الاتحاد بقية شربها وحده، وبقي خمارها حتى نزل لحده. وتحكى عنه - سامحه الله - أمور متناقضة، وأحوال متعارضة، وتمسك بباطل، وتنسك من حلية عاطل، وتهتك لا يليق بعاقل، ولا يقيل عثرة ناقل، هذا إلى ارتكاب عظائم، واحتقاب جرائم لا يزعه وازع، ولا ينزعه عن قبح فعلاته نازع. قليل المبالاة لا يبالي لمحذور الفضائح، ومحظور القبائح، والإصرار على المآثم الشنيعة والمحارم المخالفة للشريعة.
وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود قال ما معناه: قصدته في جماعة من الأدباء؛ فلما طرقنا عليه الباب أذن لنا من داخل الدار بصوت رخيم كأنه صوت امرأة، فدخلنا إليه فرأيناه قد خضب يديه ورجليه ولبس ثياب النساء عليه، وخطط حاجبيه وحشاهما، ونقش معصميه ووشاهما، وتهيأ في زي النساء
стр. 6263
العواهر، وعمر أذنيه ويديه بالأقراط والأساور، هذا والكبر قد أزال أعذاره، والشيب قد وشح لمته وعذاره. فلما رأيناه على تلك الهيأة المنكرة، والحالة المسكرة، قد خلع رياش الرجال، ولبس زي ربات الحجال، فقلنا له ما هذا الذي نراه؟ وما هذا القبيح الذي لا ينظره إلا من ازدراه؟ فقال: أردت تحقيق هذا المقام، وما يناسب هذا القول مما لا يُطبّب له سقام، فخرجنا ونحن نذمّه، ونبالغ في سبه ولا يهمه.
وحكى أنه قيل له: إنّ ابنه قد أمسك ودخل به إلى اصطبل؛ ليفعل به الفاحشة، فقال: أنتم رأيتموه؟ قالوا: نعم، قال: فهل شكا إليكم؟ قالوا: لا، فقال: فما نقول نحن إذا كان هو ما شكا منه، دعوه وما اختار لنفسه.
وحكي أنه ربما كان يراود ابنه على القبيح، ولعل هذا غير صحيح، ويحكى عنه من هذا ومثله من سقوط الغيرة، وعدم النخوة وقلة المبالاة وتساوي الخير والشر لديه، والمدح والذم عليه ما تقشعر منه الجلود، وتعقم بمثله أم الدهر الولود، مما لا يحظى كثرة، ولا يحصل منه له ولا لأمثاله أثره، وكان على هذا كله، وسرعة انجذابه في يد مضلة أديب دهره، ورقيب النجوم على درّه، إلا أنه خلط شهده بالسم الناقع، وبنى بيوته في القفار البلاقع، ولولا ما شاب مراح كوسه بمعتقده، وزيف قدر خلاصه في كف منتقده، لكاتب طنّاناته دأب الألسنة، وحسب المسامع من كل حسنة. ومما له في هذا قوله: [من الطويل]
توهمت قدمًا أَنَّ ليلى تَبَرْقَعَتْ … وأَنَّ حِجابًا دونَها يمنع اللثما
فلاحتْ فلا والله ما كانَ حجّها … سِوَى أَنَّ طَرْفِي كَانَ عَنْ حُسْنِهَا أَعْمَى
وقوله (١): [من الطويل]
وفي الحي هيفاء المعاطف لوْ بَدَتْ … معَ البان كانَ الوُرْقُ فيها تغنَّتِ
عجبت لها في حُسْنِها إذ تَفَرَّدَتْ … لأيةِ مَعنى بعد ذاك تثنت
قلت: هذا من رواية شيخنا أبي الثناء، وأما رواية شيخنا الكندي فهي: وإن لثامًا دونها يمنع اللثما.
وذكره شيخنا أبو حيان، وقال: أديب حسن النظم، كثير التقلب، فتارة يكون شيخ صوفية، وتارة يعاني الخدم. قدم علينا القاهرة ونزل بخانقاه سعيد السعداء عند صاحبه الأيكى، وكان شيخها إذ ذاك، وكان منتحلًا طريقة ابن العربي، وله النظم الكثير فمن ذلك (٢): [من الطويل]
وقفنا على المَغْنى قديمًا فما أَغْنى … ولا دَلَّتِ الألفاظ منه على مَعْنَى
стр. 6264
تَمَلَّنَا ومِلْنَا والدموع مُدامِنَا … ولولا التصابي ما تَمَلَّنَا ولا مِلْنَا
فلم نَرَ لِلغِيدِ الحِسَانِ بها سَنّى … وَهُمْ مِنْ بُدُورِ التَّمَّ فِي حُسْنِهَا أَسْنَى
نُسَائلُ باناتِ الحِمى عنْ قُدُودِهِمْ … ولا سيما في لينها البانة الغنا
ومن شعره مما لم يتضمنه «مجاني الهصر»، وذكره الفاضل أبو الصفاء الصفدي (١): [من الوافر]
وخُضْرٍ خَمَائِلٍ كَجُسُومٍ غِيْدٍ … قد انتفشت فراق بها الخِضَابُ
لها بالطل أزرار حِسَانٌ … وأَطْواقٌ ومنْ وَرَقٍ ثِياب
وورق حمائم في كُلّ فنّ … إذا نَطَقَتْ لَها لَحْنُ صَوَابٌ
وللأغصانِ هَيْنَمَةٌ تُحاكي … حَبَائِبَ رَقَ بينهم العتاب
قلت: وذكرت بالبيت الأوّل منها مجاراة جرت بيني وبين الخطيب أبي محمد يوسف الصوفي: خرجنا مرةً إبان ربيع وشى الرياض ونقشها، وصقل الأرض وأزال نمشها، فجلسنا على مجرى كان يجري به الماء وقد اكتسى ثيابًا خضرًا، واطلع بينه زهرًا أبيض نضرًا، فتعاطينا القول فيه فقال: [من مجزوء المجتث]
وجدول حف ماء … وزهرة في اشتعال
فكانَ جَدْوَلَ ماء … فصارَ لُجَّ لآلِ
وقلت: [من الطويل]
وجدول ماء زانَ مُخْضَرّ بيته … بياض أقاح تامت رياضه
كبنات نعش أخضر فوقَ مِعْصَم … صقيل تجلـ بنهنَّ بياضه
عدنا إليه، قال أبو الصفاء: وأمًا سوى هذا من شعره، فأكثره على نوع: [من الكامل]
ما دون رامة للمُحِبِّ مَرَامُ … سِيما إذا لاحت له الأعلام
لا تملك العَبَراتُ مُقْلَتُهُ … ولا تَثْنِي أَعِنَّةَ شَوقِهِ اللُّوَّامُ
يا عُربَ نجد ما مضى من عيشنا … أَتُرَى تَعُودُ لنا بِهِ الأَيَّامُ
رُدُّوا الكَرَى إِنْ كَانَ عِزَّ وِصالِكُمْ … فَعَسَى تمثلُهُ ليَ الأَحْلامُ
لو لم يَلَذُّ الموتُ لي في حُبِّكُمْ … لَمْ أَصْبُ نحو البرق وهو حسام
ولما اعترضت بنار قلبي للهوى … ولكلِّ نار بالنسيم ضرام
وكقوله (٢): [من الكامل]
لو كنتُ فيه هائمًا وحَدِيْ … لَعَذَرْتُ عُذالي على وجدي
стр. 6265
أَمَا وَكُلُّ الكَوْنِ يَعْشَقُهُ … فَعَلامَ أُخْفِي فِيهِ مَا عِنْدِي
قلت: وهذه طريقة مناسبة مختارة كلها، وليس فيها النادر، ولا الذي إليه السمع يبادر، فأما أعلاها طبقة، وأقربها من الغوص فهو ما اخترته من حسنه، وآثرته من معدنه، وهو قوله (١): [من الوافر]
تبسم ثغرها والليل داج … فنبهتُ النَّدامَى للصبوح
فكيف بقاء ليلٍ مَعْ صَباحٍ … ولا سِيمَا لَدَى القلبِ الصَّحِيحَ
وقوله (٢): [من الخفيف]
هاتِ كَأْسِي في حبه يا نديمي … فهيَ تُعْزَى منه لثغْرٍ وخَدٌ
وأجلها في غلالةٍ مِنْ نُضارٍ … زَرَّرَتْها يد المزاج بعقدِ
وقوله: [من الخفيف]
فأَدِرْ يا فَدَتْكَ رُوْحِيَ راحِي … دائمًا في الصبوح والاغتباق
ما ترى كيف تنجلي في قميص … باللالي مُزَيَّرِ الأطواق
قد كَسَتْ بالشعاع وجْهَ النَّدامى … وكَسَاها جمال وجه الساقي
وقوله: [من الكامل]
قلبي المُنَعَمُ في هَوَاكَ بنارِهِ … إن كانَ غيري في الهوى يتألم
للصَّبِّ أُسْوَةٌ خالِ خَدِّكَ إِنَّهُ … في جَمْرِهِ مُتَوقّدًا يتنَعَّمُ
وقوله: [من السريع]
يا صاح ما بال نسيم الحِمى … قَدْ بَلَّ بُردَيهِ دُموعُ الغَمَام
وهام في الآفاقِ مُضْنَى فَهَلْ … هَامَ بللى فاعتراهُ غَرَامْ
مُعانِقًا أَغصان بان الحمى … إذ أَشْبَهَتْ في اللين منها القوام
كأَنَّما الأغصانُ إذْ هَيْمَنتْ … حَيَّتْ فقدْ رَدَّ عليها¬ السلام
وقوله: [من الرمل]
يا عُيون البدويات التي … جَعَلَتْ بالهُدْبِ للخَدِّ لثاما
اجعليني دونَ صَحْبي غَرَضًا … إنْ رمت من عينك السهاما
وقوله: [من الوافر]
أَيا عَرَبَ الخيام كذا أَضعتُمْ … نزيلًا في جَنَابِكُمُ المَنِيع
ويا ظَبْيَ الصَّرِيم أَخَذْتَ قلبي … فليتَكَ لو أَضَفْتَ لَهُ جَمِيعِي
وقوله (٣): [من المنسرح]
стр. 6266
ولي على عاذلي حُقُوقَ هَوًى … عليهِ شُكْرِي ببعضها يَجِبُ
لام فلما رآه هام به … وكنتُ في عِشْقِهِ أَنا السَّبَبُ
وقوله: [من الطويل]
إذا فَهِمَتْ منهُ الغُصُونُ توشوشت … بسرّ له شرحُ الغَرامِ يَطُولُ
إذا اختلجت عين الغدير القادم … فليسَ سِوَى أَنَّ النَّسِيمَ رَسُولُ
كأَنَّ القباب السُّود خيلانُ وَجْنَةً … وَرَبْعَ الحِمى خَدُّ لَهُنَّ صَقِيلُ
وفي سفح ذَيَّاكَ الحِمى مِنْ رُبَى النَّقَا … عُيُونٌ ولكن ما بهنَّ كَليل
تَشَابَهَتِ القامات والشمرُ أَيُّها الـ … أسِنّة منها أَزْرَقٌ وكَحِيلُ
وقوله: [من الكامل]
والدوح يعطفه النسيمُ كَأَنَّهُ … رَكْبٌ أَما لَهُمُ النَّسيمُ فَمَالوا
والقُضْبُ كالأحباب يسعى بينَهُمْ … بنميمةٍ نَفَسُ الصَّبا النَّقَالُ
فعناقها وصلٌ وَحُكْمُ فِرَاقِها … صَدٌ ووُرْقُ حَمَامِها عُذَالُ
وكَأَنَّهُنَّ صَوَالِجٌ وكُراتُها … ثَمَرَاتُها ولها الفضاءُ مَجَالُ
في رَوْضَةٍ مَا عَيْبُ أَهْيَفِ بانها … في الحُسْنِ إِلَّا أَنَّهُ مَيَّالُ
يا بدر مرآة السماءِ صَدِيَّةً … بالغَيم كيف يُرى بها الأشكال
وأرى المدامة كالنديم صفاؤها … كالصرف منها والمزاج زُلال
هي في الضُّحى شمس وفي جُنح الدُّجى … بَدْرُ وفي شَفَقِ العَشِيِّ هِلَالُ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
وأهر في روض الحمى … لمواطيء الأقدام لاثم
سكران لا أصحو ولسـ … ـتُ على فوات الصحو نادم
والورد يقطرُ دَمْعُهُ … طَرَبًا وكأس الراج باسم
وأبيك لو أني صحو … تُ لكنتُ في اللذات آثم
وقوله: [من الطويل]
علي حمامات الأَراكِ تَنُوحُ … وباسمِكِ أَنفاسُ النَّسِيمِ تَبُوحُ
فهل حَدَّثَتْ عنكِ الرياض فإنَّني … أَرَى البشر في وجه الرياض يَلُوحُ
وقوله: [من السريع]
يا قامةً تُخْجِلُ غُصْنَ النَّقا … أَنتِ أَمَرْتِ القلبَ أَنْ يَعْشَقا
مِلْتِ فهذا البانُ مِنْ خَجْلَةٍ … نكَّسَ رأْسًا وغَدًا مُطرقا
فَلِي بما استوجب نارًا وبال … مُرْسَلِ من صدغيكَ قَدْ صَدَّقا
يستوجب القلب لإيمانه … بسحَرِ أَجفانِكَ أَنْ يُحرقا
وحقٌّ مَنْ حَل لمعقود ذا … كَ الخَصْرِ مِنْ صَبري عقود التقى
لو أَنَّ ثُعبانًا سِوَى شَعْرِهِ … أَصابَ قلبي نفعتني الرقى
стр. 6267
وقوله: [من البسيط]
مُرَّ النَّسِيمُ على أَسْحارِها عجلًا … كأَنَّما كانَ مِنْ نَمامِهِ وَجِلا
فَقُمْ لننهب صَفْوَ العَيشِ إِنْ سَمَحَتْ … بهِ صُرُوفُ الليالي طالما بخلا
تلك الحدائق ما الأحْدَاقُ تُشبهها … لأنَّها اتخذت من نرجس مقلا
وروضة لخضاب نَقْسُ خُضْرَتِهِ … لغيرِ مِعْصَم ذاك النهر ما قتلا
واجلُ الدُّجَى باصفرارٍ مِنْ أَشِعَتِها … لينقضي الليل منها كُلُّهُ أُصلا
وقوله (١): [من الطويل]
ولا تَشْكُ هَجْرًا مِنْ حبيبٍ مُواصل … [ف] يُنْكِرُ إِذْ سَمَّيْتَهُ باسم كاشِح
وإن كنت مركومًا فليس بلائقٍ … مقالُكَ إِنَّ المِسْكَ ليس بفائح
وقوله (٢): [من البسيط]
فاليومَ مِنْ فَرْطِ لَهْفي بالصَّبابة لو … يَرُومُ نقصان ما ألقى لقلتُ زِدِ
لا تعتبن ناظرًا تلقاكَ عَبْرَتُهُ … فالشمسُ تُسْبِلُ دَمْعَ الناظرِ الرَّمِدِ
وقوله (٣): [من الطويل]
أحِنُّ إليه وهو قلبي وهلْ تَرَى … سِوَاي أَخُو وجد يحن لقلبهِ
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري … وما بُعْدُهُ إلا لإفراط قُرْبِهِ
وقوله: [من الرجز]
سألتُهُ يَرُدُّ عَنِّي أَدْمُعِي … فقالَ لي يقبحُ رَدُّ السائل
يا ذابل الجَفْنِ أَراكَ جاحِدًا … قَتْلِي وهل يُجْحَدُ قتل الذابل
غُصْنُ عليه القلب طائرٌ ثَني … أَعطافَهُ في وَرَقِ الغَلائل
كأَنَّما حُبِّي لَهُ مُدَامَةٌ … مَشْمُولَةٌ تَدِبُّ فِي مَفَاصِلِي
وقوله: [من الكامل]
يا شَعْرَها قَفْ بالكَثيبِ فَغَيْرَةٌ … مِنْ لثمِهِ الأقدام قلبي يخفق
سَرَقَتْ ذوائبكِ الدُّجَى ثُمَّ اختفتْ … أَرأَيْتِ يَفْعَلُ هكذا مَنْ يَسْرِقُ
وقوله: [من الطويل]
يشق على النعمانِ أَنَّ شَقِيقَهُ … بوجنتِها قَدْ أَوْحَشَتْ منهُ نُعمان
فَوَاعَجَبًا والقلب بيتٌ مُقَدَّسٌ … بِهِ حُسْنُها الأقصى وما فيهِ سُلْوَانُ
وقوله: [من الكامل]
عرب سُيُوفُهُمُ الجُفُونُ ومُعْجِزٌ … في حسنِهِمْ أَنَّ السُّيُوفَ جُفُونُ
стр. 6268
ومعاطف لو أثمرت غير الهوى … ما قلتُ إلَّا إِنَّهُنَّ غُصُونُ
وقوله: [من الكامل]
يا لائمي لا تعتبني في الضَّنى … وارحَمْ عَليلَ حَشًا عَلَى الكَمَدِ أَنطَوَى
بدر لطلعتِهِ الهلال قد أنحنى … سُقْمًا وفيهِ النَّجمُ ضَلَّ وما غَوَى
وقوله: [من الطويل]
أَلا هَلْ إلى عصر الحمى ليَ عَوْدَةٌ … وهيهات ما قد مر ليس يعود
كأَنَّ لياليه لمبدع حُسْنِها … شعورٌ ومُحمر الأصيل خُدُودُ
وقوله: [من مجزوء الوافر]
سباني المنظرُ الأَسْنى … بحُسْنِ كُلُّهُ حُسْنى
جَلا وَجْدًا مُحَيَّاهُ … فمالي فيهِ لا لا أَفْنَى
وأَطْرَبَ مَسْمَعِي فَحَسِبْـ … ـتُ طَائر بانة عنى
بلفظ رَقَّ حَتَّى خِلْـ … ـتُ أَنَّ اللفظ في المعنى
وقوله: من الكامل.
ذكر الحمى والذِّكْرُ للأوطان … مما يهيج لواعج الأَحْزَانِ
وهَفَتْ قُدُودُهُمُ بطائرِ قلبِهِ … إِنَّ الحَمَامَ لَمُولَع بالبان
وتلموا خُضْرَ المَعَاجِرِ فَاحْتفَتْ … خلف الكمام شقائق النعمان
فهم بأحشاءِ الخُدُورِ سَرَائِرٌ … طُويتْ عن الواشين بالكتمان
وقوله (١): [من الخفيف]
خُذْ بوجدي مِنْ ذِمَّةِ البُرَحاءِ … وأَجِرْني مِنْ لوعتي وغنائي
وبنجد عُرْبٌ نُزُولُ أَضَاعُوا … للمُحِبِّينَ ذِمَّةَ النَّزَلاء
ودعوا بالعَقِيقِ دَمْعِي ومِنْ أَيْـ … ـنَ لِدَمْعِي العقيق لولا دمائي
وبظبي الحمى إشارة وجدي … حين أكني عن طبية الجرعاء
وقوله: [من مجزوء الكامل]
نادِمْ عُيُونَ النَّرجس … بخُدود وردِ الأَكْوس
واسْتَجْل بِكْرَ مُدَامَةٍ … مَعْشُوقة للأنفُس
مِنْ فَوْقِ بُسْطِ بَنَفْسَج … مَرْقُومة بالندس
خَلَعَتْ خَلِيعًا واغْتَدَتْ … بجديدِ حُسْنٍ يكتسي
وقوله: [من الكامل]
يا ذا الذي بمُدَام رِيقَتِهِ أنْتَشى … أَنا عبدُ رِفْكَ شِئْتَنِي أَوْ لَمْ تَشَا
يا أهيف القدّ الذي وَقَفَتْ لهُ … الباناتُ تَعْظِيمًا لهُ لما مَشَى
стр. 6269
وَقَفَتْ وَهَمَّتْ بالسُّجُودِ فَعَاقَهَا … سَهْرٌ لأَنَّ جمالَهُ قَدْ أَدْهَشَا
قالوا: رشًا هيهات وهو يصيدني … لو كانَ ذاك لصدتُه مثل الرشا
وقوله: [من الطويل]
وأَحْوَر أَحْوَى إِنْ تكَلَّمَ أَوْ رَنَا … فراحَ يُعاطي أو غَزَالَ نَقًا يَعْطُو
توهم سلوان المُحب فجاءه … بأن سالوا عنه من صدغه خط
لهُ حُسْنُ شَكْلٍ مِنْ عِذارَيهِ فاترٌ … ومِنْ صُوَرِ الخيلانِ في خَدِّهِ نَقْطُ
فمن ينبت خطًا كما جاءَ صُدْغُهُ … ويعصرُ عَنْ عِطْفَيهِ مَا يُنبتُ الخَطَّ
وقوله (١): [من الكامل]
لا تُخدَعَنَّ برِةً رِقَةٍ في خَدِّهِ … فالسيف قتال بِرِقَةِ حَدِّهِ
ودَع الجُفُونَ فَإِنَّمَا وَسْنَانُها … أَضحى سنانًا في مُتَقَفِ قَدهِ
وسرى إلى جِسْمِي الضَّنَى مِنْ جِسْمِهِ … فَهَوَيتُ ذاكَ لأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ
يا بانة الوادي ويا ورقاءَهُ … نُوحِي لغُصْنِكِ إِذْ أَنُوحُ لقدِّهِ
وقوله (٢): [من الطويل]
خُذُوا عن تثني الغُصْنِ أَخبارَ قَدِّهِ … ولا سيما عنْ بانِ نَجْدٍ وَرَنْدِهِ
ولا تسألا عن فاتكاتِ جُفُونِهِ … وأسيافها إلا حُشَاشَةَ عَبْدِهِ
وما كنتُ أدري قبل وسْنانِ طَرْفِهِ … بِأَنَّ كَلَالَ السَّيْفِ أمضى لِحَدِّهِ
وقد كنتُ أَرْجُو أَنَّ قلبي يُطيعني … إلى أَنْ رأَيتُ القلبَ مِنْ بعضِ جُنْدِهِ
وقوله: [من الخفيف]
عاطني ذِكْرَهُ لأَصْحُو ففي الخَمْـ … ـرِ وإِنْ أَسْكَرَتْ دَوا المخور
ثمَّ صِفْ لي ذُؤَابَةٌ منه طالتْ … وَدَجَتْ فهي ليلةُ المَهْجُورِ
وقوله: [من الخفيف]
عَشِقَتْ قَدَّهُ غُصُونُ الآسِ … ما تَرى ما بها مِنَ الوَسْوَاسِ
وبخديه ذابتِ الخَمْرُ عِشقًا … فلهذا التهابها في الكاس
كيف يحكي النسيم فيهِ غَرَامِي … وهوَ قدْ راح بارد الأنفاس
ولَعَمْرِي لولا التَّجَنِّي عَلينا … لَمْ يكن فيه بالهوى من باس
وهو آخر الشعراء الأموات بالجانب الغربي ممن حطمه سيل المنون وغشاه، وأجنه القبر في حشاه، فذهبوا إلا هذه الآثار، وافلوا إلا هذه الأنوار، ومضوا إلى جوار الله، والله أوطى بالجوار.
* * *
стр. 6270
[شعراء الدولة العباسية بالجانب الغربي - عصر المؤلف]
وأما الأحياء من أهل الغرب، فجماعة لا يحضرني الآن منهم إلا القليل، ولا أجد من عندهم إلا أنها التي تروي الغليل، إلا أنني كنت حين ألفت كتابي المسمى بـ «ذهبية العصر» (١) قد أتيت فيه بأعيان منهم تقابلت بهم لآلئه في تاجها المرصع، وتفتحت كمائمه في ثوبها الموشى الموشع، إلا أن تصاريف الأيام التي نقلت إلى بوابها، وربت فلم تخط يدي صفحاتها، غالت شمل ذلك الكتاب بالتفريق وألقته فرقًا في كل فريق يقف على جمعه بل تعذر ولم أستطع لقط ذلك الدر وقد وهي سلكه فتبرز؛ فأما ما بقي منهم على الخاطر وهو النادر.
فمنهم:
[٥١٧] أحمد بن علي بن خاتمة (٢)
حِلْفُ فضائل، وخَلَفُ أوائل، ومنشئ قصائد ورسائل، ومُنسي مقاصد كاتب وقائل؛ هو ممن حدثني السري عن أدبه، وعرفني ما عرفته على بعد البلاد به الإمام أبو