ولي على عاذلي حُقُوقَ هَوًى … عليهِ شُكْرِي ببعضها يَجِبُ
لام فلما رآه هام به … وكنتُ في عِشْقِهِ أَنا السَّبَبُ
وقوله: [من الطويل]
إذا فَهِمَتْ منهُ الغُصُونُ توشوشت … بسرّ له شرحُ الغَرامِ يَطُولُ
إذا اختلجت عين الغدير القادم … فليسَ سِوَى أَنَّ النَّسِيمَ رَسُولُ
كأَنَّ القباب السُّود خيلانُ وَجْنَةً … وَرَبْعَ الحِمى خَدُّ لَهُنَّ صَقِيلُ
وفي سفح ذَيَّاكَ الحِمى مِنْ رُبَى النَّقَا … عُيُونٌ ولكن ما بهنَّ كَليل
تَشَابَهَتِ القامات والشمرُ أَيُّها الـ … أسِنّة منها أَزْرَقٌ وكَحِيلُ
وقوله: [من الكامل]
والدوح يعطفه النسيمُ كَأَنَّهُ … رَكْبٌ أَما لَهُمُ النَّسيمُ فَمَالوا
والقُضْبُ كالأحباب يسعى بينَهُمْ … بنميمةٍ نَفَسُ الصَّبا النَّقَالُ
فعناقها وصلٌ وَحُكْمُ فِرَاقِها … صَدٌ ووُرْقُ حَمَامِها عُذَالُ
وكَأَنَّهُنَّ صَوَالِجٌ وكُراتُها … ثَمَرَاتُها ولها الفضاءُ مَجَالُ
في رَوْضَةٍ مَا عَيْبُ أَهْيَفِ بانها … في الحُسْنِ إِلَّا أَنَّهُ مَيَّالُ
يا بدر مرآة السماءِ صَدِيَّةً … بالغَيم كيف يُرى بها الأشكال
وأرى المدامة كالنديم صفاؤها … كالصرف منها والمزاج زُلال
هي في الضُّحى شمس وفي جُنح الدُّجى … بَدْرُ وفي شَفَقِ العَشِيِّ هِلَالُ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
وأهر في روض الحمى … لمواطيء الأقدام لاثم
سكران لا أصحو ولسـ … ـتُ على فوات الصحو نادم
والورد يقطرُ دَمْعُهُ … طَرَبًا وكأس الراج باسم
وأبيك لو أني صحو … تُ لكنتُ في اللذات آثم
وقوله: [من الطويل]
علي حمامات الأَراكِ تَنُوحُ … وباسمِكِ أَنفاسُ النَّسِيمِ تَبُوحُ
فهل حَدَّثَتْ عنكِ الرياض فإنَّني … أَرَى البشر في وجه الرياض يَلُوحُ
وقوله: [من السريع]
يا قامةً تُخْجِلُ غُصْنَ النَّقا … أَنتِ أَمَرْتِ القلبَ أَنْ يَعْشَقا
مِلْتِ فهذا البانُ مِنْ خَجْلَةٍ … نكَّسَ رأْسًا وغَدًا مُطرقا
فَلِي بما استوجب نارًا وبال … مُرْسَلِ من صدغيكَ قَدْ صَدَّقا
يستوجب القلب لإيمانه … بسحَرِ أَجفانِكَ أَنْ يُحرقا
وحقٌّ مَنْ حَل لمعقود ذا … كَ الخَصْرِ مِنْ صَبري عقود التقى
لو أَنَّ ثُعبانًا سِوَى شَعْرِهِ … أَصابَ قلبي نفعتني الرقى
стр. 6267
وقوله: [من البسيط]
مُرَّ النَّسِيمُ على أَسْحارِها عجلًا … كأَنَّما كانَ مِنْ نَمامِهِ وَجِلا
فَقُمْ لننهب صَفْوَ العَيشِ إِنْ سَمَحَتْ … بهِ صُرُوفُ الليالي طالما بخلا
تلك الحدائق ما الأحْدَاقُ تُشبهها … لأنَّها اتخذت من نرجس مقلا
وروضة لخضاب نَقْسُ خُضْرَتِهِ … لغيرِ مِعْصَم ذاك النهر ما قتلا
واجلُ الدُّجَى باصفرارٍ مِنْ أَشِعَتِها … لينقضي الليل منها كُلُّهُ أُصلا
وقوله (١): [من الطويل]
ولا تَشْكُ هَجْرًا مِنْ حبيبٍ مُواصل … [ف] يُنْكِرُ إِذْ سَمَّيْتَهُ باسم كاشِح
وإن كنت مركومًا فليس بلائقٍ … مقالُكَ إِنَّ المِسْكَ ليس بفائح
وقوله (٢): [من البسيط]
فاليومَ مِنْ فَرْطِ لَهْفي بالصَّبابة لو … يَرُومُ نقصان ما ألقى لقلتُ زِدِ
لا تعتبن ناظرًا تلقاكَ عَبْرَتُهُ … فالشمسُ تُسْبِلُ دَمْعَ الناظرِ الرَّمِدِ
وقوله (٣): [من الطويل]
أحِنُّ إليه وهو قلبي وهلْ تَرَى … سِوَاي أَخُو وجد يحن لقلبهِ
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري … وما بُعْدُهُ إلا لإفراط قُرْبِهِ
وقوله: [من الرجز]
سألتُهُ يَرُدُّ عَنِّي أَدْمُعِي … فقالَ لي يقبحُ رَدُّ السائل
يا ذابل الجَفْنِ أَراكَ جاحِدًا … قَتْلِي وهل يُجْحَدُ قتل الذابل
غُصْنُ عليه القلب طائرٌ ثَني … أَعطافَهُ في وَرَقِ الغَلائل
كأَنَّما حُبِّي لَهُ مُدَامَةٌ … مَشْمُولَةٌ تَدِبُّ فِي مَفَاصِلِي
وقوله: [من الكامل]
يا شَعْرَها قَفْ بالكَثيبِ فَغَيْرَةٌ … مِنْ لثمِهِ الأقدام قلبي يخفق
سَرَقَتْ ذوائبكِ الدُّجَى ثُمَّ اختفتْ … أَرأَيْتِ يَفْعَلُ هكذا مَنْ يَسْرِقُ
وقوله: [من الطويل]
يشق على النعمانِ أَنَّ شَقِيقَهُ … بوجنتِها قَدْ أَوْحَشَتْ منهُ نُعمان
فَوَاعَجَبًا والقلب بيتٌ مُقَدَّسٌ … بِهِ حُسْنُها الأقصى وما فيهِ سُلْوَانُ
وقوله: [من الكامل]
عرب سُيُوفُهُمُ الجُفُونُ ومُعْجِزٌ … في حسنِهِمْ أَنَّ السُّيُوفَ جُفُونُ
стр. 6268
ومعاطف لو أثمرت غير الهوى … ما قلتُ إلَّا إِنَّهُنَّ غُصُونُ
وقوله: [من الكامل]
يا لائمي لا تعتبني في الضَّنى … وارحَمْ عَليلَ حَشًا عَلَى الكَمَدِ أَنطَوَى
بدر لطلعتِهِ الهلال قد أنحنى … سُقْمًا وفيهِ النَّجمُ ضَلَّ وما غَوَى
وقوله: [من الطويل]
أَلا هَلْ إلى عصر الحمى ليَ عَوْدَةٌ … وهيهات ما قد مر ليس يعود
كأَنَّ لياليه لمبدع حُسْنِها … شعورٌ ومُحمر الأصيل خُدُودُ
وقوله: [من مجزوء الوافر]
سباني المنظرُ الأَسْنى … بحُسْنِ كُلُّهُ حُسْنى
جَلا وَجْدًا مُحَيَّاهُ … فمالي فيهِ لا لا أَفْنَى
وأَطْرَبَ مَسْمَعِي فَحَسِبْـ … ـتُ طَائر بانة عنى
بلفظ رَقَّ حَتَّى خِلْـ … ـتُ أَنَّ اللفظ في المعنى
وقوله: من الكامل.
ذكر الحمى والذِّكْرُ للأوطان … مما يهيج لواعج الأَحْزَانِ
وهَفَتْ قُدُودُهُمُ بطائرِ قلبِهِ … إِنَّ الحَمَامَ لَمُولَع بالبان
وتلموا خُضْرَ المَعَاجِرِ فَاحْتفَتْ … خلف الكمام شقائق النعمان
فهم بأحشاءِ الخُدُورِ سَرَائِرٌ … طُويتْ عن الواشين بالكتمان
وقوله (١): [من الخفيف]
خُذْ بوجدي مِنْ ذِمَّةِ البُرَحاءِ … وأَجِرْني مِنْ لوعتي وغنائي
وبنجد عُرْبٌ نُزُولُ أَضَاعُوا … للمُحِبِّينَ ذِمَّةَ النَّزَلاء
ودعوا بالعَقِيقِ دَمْعِي ومِنْ أَيْـ … ـنَ لِدَمْعِي العقيق لولا دمائي
وبظبي الحمى إشارة وجدي … حين أكني عن طبية الجرعاء
وقوله: [من مجزوء الكامل]
نادِمْ عُيُونَ النَّرجس … بخُدود وردِ الأَكْوس
واسْتَجْل بِكْرَ مُدَامَةٍ … مَعْشُوقة للأنفُس
مِنْ فَوْقِ بُسْطِ بَنَفْسَج … مَرْقُومة بالندس
خَلَعَتْ خَلِيعًا واغْتَدَتْ … بجديدِ حُسْنٍ يكتسي
وقوله: [من الكامل]
يا ذا الذي بمُدَام رِيقَتِهِ أنْتَشى … أَنا عبدُ رِفْكَ شِئْتَنِي أَوْ لَمْ تَشَا
يا أهيف القدّ الذي وَقَفَتْ لهُ … الباناتُ تَعْظِيمًا لهُ لما مَشَى
стр. 6269
وَقَفَتْ وَهَمَّتْ بالسُّجُودِ فَعَاقَهَا … سَهْرٌ لأَنَّ جمالَهُ قَدْ أَدْهَشَا
قالوا: رشًا هيهات وهو يصيدني … لو كانَ ذاك لصدتُه مثل الرشا
وقوله: [من الطويل]
وأَحْوَر أَحْوَى إِنْ تكَلَّمَ أَوْ رَنَا … فراحَ يُعاطي أو غَزَالَ نَقًا يَعْطُو
توهم سلوان المُحب فجاءه … بأن سالوا عنه من صدغه خط
لهُ حُسْنُ شَكْلٍ مِنْ عِذارَيهِ فاترٌ … ومِنْ صُوَرِ الخيلانِ في خَدِّهِ نَقْطُ
فمن ينبت خطًا كما جاءَ صُدْغُهُ … ويعصرُ عَنْ عِطْفَيهِ مَا يُنبتُ الخَطَّ
وقوله (١): [من الكامل]
لا تُخدَعَنَّ برِةً رِقَةٍ في خَدِّهِ … فالسيف قتال بِرِقَةِ حَدِّهِ
ودَع الجُفُونَ فَإِنَّمَا وَسْنَانُها … أَضحى سنانًا في مُتَقَفِ قَدهِ
وسرى إلى جِسْمِي الضَّنَى مِنْ جِسْمِهِ … فَهَوَيتُ ذاكَ لأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ
يا بانة الوادي ويا ورقاءَهُ … نُوحِي لغُصْنِكِ إِذْ أَنُوحُ لقدِّهِ
وقوله (٢): [من الطويل]
خُذُوا عن تثني الغُصْنِ أَخبارَ قَدِّهِ … ولا سيما عنْ بانِ نَجْدٍ وَرَنْدِهِ
ولا تسألا عن فاتكاتِ جُفُونِهِ … وأسيافها إلا حُشَاشَةَ عَبْدِهِ
وما كنتُ أدري قبل وسْنانِ طَرْفِهِ … بِأَنَّ كَلَالَ السَّيْفِ أمضى لِحَدِّهِ
وقد كنتُ أَرْجُو أَنَّ قلبي يُطيعني … إلى أَنْ رأَيتُ القلبَ مِنْ بعضِ جُنْدِهِ
وقوله: [من الخفيف]
عاطني ذِكْرَهُ لأَصْحُو ففي الخَمْـ … ـرِ وإِنْ أَسْكَرَتْ دَوا المخور
ثمَّ صِفْ لي ذُؤَابَةٌ منه طالتْ … وَدَجَتْ فهي ليلةُ المَهْجُورِ
وقوله: [من الخفيف]
عَشِقَتْ قَدَّهُ غُصُونُ الآسِ … ما تَرى ما بها مِنَ الوَسْوَاسِ
وبخديه ذابتِ الخَمْرُ عِشقًا … فلهذا التهابها في الكاس
كيف يحكي النسيم فيهِ غَرَامِي … وهوَ قدْ راح بارد الأنفاس
ولَعَمْرِي لولا التَّجَنِّي عَلينا … لَمْ يكن فيه بالهوى من باس
وهو آخر الشعراء الأموات بالجانب الغربي ممن حطمه سيل المنون وغشاه، وأجنه القبر في حشاه، فذهبوا إلا هذه الآثار، وافلوا إلا هذه الأنوار، ومضوا إلى جوار الله، والله أوطى بالجوار.
* * *
стр. 6270
[شعراء الدولة العباسية بالجانب الغربي - عصر المؤلف]
وأما الأحياء من أهل الغرب، فجماعة لا يحضرني الآن منهم إلا القليل، ولا أجد من عندهم إلا أنها التي تروي الغليل، إلا أنني كنت حين ألفت كتابي المسمى بـ «ذهبية العصر» (١) قد أتيت فيه بأعيان منهم تقابلت بهم لآلئه في تاجها المرصع، وتفتحت كمائمه في ثوبها الموشى الموشع، إلا أن تصاريف الأيام التي نقلت إلى بوابها، وربت فلم تخط يدي صفحاتها، غالت شمل ذلك الكتاب بالتفريق وألقته فرقًا في كل فريق يقف على جمعه بل تعذر ولم أستطع لقط ذلك الدر وقد وهي سلكه فتبرز؛ فأما ما بقي منهم على الخاطر وهو النادر.
فمنهم:
[٥١٧] أحمد بن علي بن خاتمة (٢)
حِلْفُ فضائل، وخَلَفُ أوائل، ومنشئ قصائد ورسائل، ومُنسي مقاصد كاتب وقائل؛ هو ممن حدثني السري عن أدبه، وعرفني ما عرفته على بعد البلاد به الإمام أبو
стр. 6271
عبد الله العقيلي. فارقه وهو كالروض مخضر الغلائل، وكالنسيم مخضل الأنفاس القلائل، في خمائل فنّ لا تطوى قلائده، ولا يروى وارده، إلا أنه زعم أنه فارقه وقد أسن، وقال: إنه إلى الآن في قيد الحياة في غالب الظن.
ومما أنشدني له بالقاهرة المُعزّيَّة سنة أربعين وسبعمائة قوله (١): [من الطويل]
أَحِنُّ إلى نَجْدٍ إِذا ذُكِرَتْ نجد … ويعتاد قلبي مِنْ تَذكَّرِها وَجْدُ
رمتني النَّوى عمدًا فَأَصْمَتْ مَقاتلي … وللبينِ سَهُمْ لَيسَ يُخْطِيَ لَهُ قَصْدُ
سقى الله أَكناف الحمى كلَّ واكِفٍ … مِنَ الدَّمْعِ يَرويها إِذا أَخْلَفَ الرَّعْدُ
خليلي والعشاق في الحُبِّ أَضْرُبٌ … ولكنَّني في لوعتي العَلَمُ الفَرْدُ
بعيشكما إنْ جِئْتُما أجرعَ الحِمى … قفا فابكيا مَنْ ليسَ يُرجى لَهُ رُشْدُ
فإِنْ تُسألَا مَنْ ذا الذي تَنْدُبَانِهِ … فقولا مَشُوقٌ خانَهُ في الهَوَى الجَدُّ
أَعَاذِلتي إنْ كانَ عَذْلُكِ في الهَوَى … فليس لقلبي فيهِ أَخذ ولا رَدُّ
ومنهم:
[٥١٨] حفيظ بن عبيد بن محمد المربلي
من أهل مربلة.
بصير بالبلاغة لا يخاف عثرة قدم، ولا تسمع له زفرة ندم. حكى السري عنه: أن الألسنة لديه لا تطلق، ووجوه السوابق معه لا تخلق، تَرِدُ الأدباء من عُبابه، وتقف الألباءُ على بابه، وهو يسعهم بخُلق قطفته المكارم، وروّقته وتقلدته الأكارم، وتطوقته وتبعته البحار الخضارم، وآمنت به وصدقته بسجايا كريمة ألذ من فقد الواشي،
стр. 6272
وأرق من الماء أطرافا وحواشي.
ومما له قوله: [من الوافر]
بَكَيْتُ لِهَجْرِهِمْ طَوْرًا وطَوْرًا … لِبُعدِهِمُ وقَدْ أَزِفَ الرَّحِيلُ
ومما شفَّني وجدٌ عزيزٌ … يحاولُ قَهْرَهُ صَبْرٌ ذَليلُ
عذب الشمائل جم الفضائل، نما في العرب من أكرم عرق، وورد ماء الأدب وهو غير طرق، من أسرة علقوا بأمير إفريقيا، وارتضعوا بدر إنعامه، وتوسموا بشرف أيامه، واختص هو به، فأعاد كساد بضاعته نفاقا، واسترجع ذاهب زمانه قصدًا لا إنفاقا، وله أدب تميل به أعطاف الأفنان، وترنو نُخبه بعين الظبي الوسنان.
حدثني اليُبري عنه، وأنشدني له. ومن قوله: [من الوافر]
وَخِلٌّ كُنْتُ أَسْقيهِ وِدادي … فُراتًا عاد يسقيني أُجاجه
وأودِعُ عِنْدَهُ سِرِّي زَمانًا … فكانَ بِهِ أَنَمُّ مِنَ الزُّجاجَة
ومنهم:
[٥١٩] محمد بن أحمد الهواري، المعروف بابن جابر، أبو عبد الله المالقي
من أهل مالقة.
بحر يتلاطم أذيه، وحبر لا يزاحم … جمع الفضل موزّعًا، وبرع حتى لم يجد في قوس الأدب منزعًا، وتصعّت البلاغة حتى راد أكنافها، وراض أصنافها، وأتى بمصابيحها تتقد، ومعانيها وما فيها نقد لمنتقد. وبلغني أن له نظراء يسامونه فيسأمون، ويماثلونه فيكرم ويلؤمون، واستحقاقه يفضّله على القرناء، ويؤهله لما يستحقه من الاعتناء، ولا يتساوى الماذي واليلب، ولا يتماثل الدر والمخشلب.
حدثني عنه اليُبري وصاحبنا أبو عبد الله بن الشديد وأنشدني له قوله: [من الوافر]
نَدَى تَحْيَا العُفاةُ بهِ وعِزُّ … يَموتُ بهِ الضَّغَائِنُ والذَّحُولُ
تَرَدَّى الصُّبحَ مِنْ نَفْعٍ قِيامًا … كليل والدروع بهِ نُصُولُ
ومنهم:
[٥٢٠] أحمد بن عبد القوي الوادي آشي
أديب لا يعتريه سأم، ولا يعتليه سدم، ولا يعتاده على فائت ندم، لولا تدلّسه بالكيمياء، وتلبيسه بالسيمياء، لما تطامن به الإغضاء، ولا دفنت بالملامة منه الأعضاء.
стр. 6273
كان لا يزال يمد شباكه لصيد ما سَنَح، ومعاجلة ما جنح، ثم لا يلبث أن يظهر زيفه، ويغمد في عنقه سيفه.
وأنشدني له اليبري قوله: [من الكامل]
ولرب نار أججَتْ فأَحلْتَها … بَرْدًا على مَنْ حُطتَهُ وسَلاما
ولقد لقيت كتائبًا فَشَلَلْتَها … فردًا كما شك الخميس معامى
إنَّ الرَّعايا مُذْ وليتَ تَقَيَّلوا … مِنْ ظِلِّ عدلِكَ يَذْبُلًا وشَمَاما
أَمْنًا أَنامَ الساهرين وقبلَهُ … خَوْفٌ لَعَمري أَسْهَرَ النُّوَّاما
وحَسَمْتَ داءً لا يُصاب دواؤه … لو غيرُكَ الآسي لكان عقاما
بمضاءِ حَفْصِيٍّ أَطَلَّ على العُلا … يُسْنِي اللهى ويُعلم الإقداما
تَفْدِيكَ مِنْ غِيرِ الحَوادِثِ أَنْفُسٌ … أَنْتَ الَّذي أَوْطأتها الأجساما َّالَّذِي
فابل الليالي واستجدَّ ولا تُبَلْ … قَعَدَ المُنافس ساخطًا أو قاما
ما في البسيطةِ مَنْ يُساجِلُكَ العُلَا … شطّ المَدَى مرمى وعَزَّ مَرَاما
وقوله: [من الوافر]
تَسَلاهُم وقربه القَرارُ … فأصبح لا يزور ولا يُزار
فلمْ يَحْفَل بطيفهمُ مُلمًا … ولا أَصْباه في دارينَ دَارُ
وَشَيَّبَ رأْسَهُ حَدَثَانُ دَهْر … فقرَّ لهُ وحُقَّ لَهُ القَرَارُ
وليل شبابِهِ قَدْ كانَ عُذْرًا … ولا عُذْرٌ وقَدْ طَلَعَ النَّهارُ
وقوله: [من البسيط]
يَرْنُو فيرمي الحَشَا عَنْ قَوسِ حَاجِبِهِ … بأَسْهُم قَدْ علمنا أَنَّها الحَدَقُ
أَرَّقتُ دَمعيَ وَجْدًا في محبَّتِهِ … فلمْ يُرِقَ لِطَرْفِ مَضَّهُ الأَرَقُ
وذُبْتُ فِيهِ بنارِ الشَّوقِ مُذْ هَطَلَتْ … عيني فَلِي مِنْ هَوَاهُ النارُ والغَرَقُ
في الظَّبْيِ مِنْ حُسْنِهِ للعَينِ أَربعةُ: … النَّشْرُ والنَّفْرُ والعَينانِ والعُنُقُ
ومنها في المدح:
هو الإمام الذي إن سارَ جَحْفَلُهُ … ضاقتْ بِمُتَسعِ مِنْ عَزْمِهِ الطَّرُقُ
يشكو السنانُ مِنَ الهَيْجاء في يَدِهِ … ما يشتكي مِنْ عَطايا كفِّهِ الوَرِقُ
يُجدِي ويُردي فَرِدْ أَوْ زِدْ بِهِ حَذَرًا … فإِنَّهُ البَحْرُ منه الرِّي والشَّرَقُ
حسامه للمُباري مُحصدٌ ذَلِق … ومَجْدُهُ للمجاري مُصْعِدٌ زَلِقُ
لنْ يَفْرَقَ الناسُ مِنْ دَهْرٍ يُخِيف ردّى … محطه وهم في بابه فرق
يا مَنْ عَواطِفُهُ في حالنا سَعَةٌ … ومَنْ عَوَارِفُهُ في جِيدِنا رَبَقُ
قد لُحْتَ في الدَّسْتِ بَدْرًا فاستنارَ سَنّى … كَأَنَّهُ لكَ مِنْ إجلالِهِ أُفُقُ
لو حدث الناسُ أَنَّ الحُسْنَ مُنْتَقِلٌ … إليكَ يوسفُ عَنْ صِدِّيقَهِمْ صَدَقُوا
стр. 6274
ومنها في وصف القصيدة ويعرّض بمن عارضه ويهنى برجب:
جاءتك ما شانَها كَدُّ ولا كَدَرُ … إِيْهِ ولا شانَها مَيْنُ ولا سَرَقُ
لو قِسْتَها بِسواها بان جوهرها … ما كلُّ أَبْرَصَ يُدعى أَنَّهُ بَلقُ
قامت بواجب فَرْضِ مِنْ هُنا رحب … لها إليكَ بما في عُنْقِهَا عَنَةٌ
قدم ودهرُكَ فِي تَكْرَارِ أَشْهُرِهِ … عَودٌ يعود وفيه الماء والورق
تأتي إليك الليالي وهيَ باسمةٌ … وتستقل وما في وصفها رَنَقُ
ومنهم:
[٥٢١] ابن الحكم
واسمه محمد بن يحيى بن محمد الأموي الحكمي، جمال الدين.
كوكب سيار، وصيّت سفار، وذو رحل لا لمنعه نَشَبٌ ولا وَلَد، ونقل لا يعيقه سبب ولا بلد. فكان خافقةً لا يستقر بها قرار، وبدرًا لا يستمر له تمام ولا سرار. سريع البديهة، نطق اللسان، كأَنَّ قريحته تتدفع من صبب، وبديهته تمت إلى السيل بسبب، اجتمعت به وأخبرني أنه من بني أمية بن عبد شمس، ثم من بني عمر بن عبد العزيز، فناب بأحسابه، وأبان عن أنسابه، وأشرقت عليه البسمة العبشمية، وأعرقت إليه الشَّنْشِئَة الأخزمية، فأنفق من ذلك الحاصل، وطبع زبره من فضلات تلك المناصل. مولده في صفر سنة إحدى وسبعين وستمائة بمصر.
أنشدني كثيرًا من شعره إلا أنه كان قليل الغوص، عري المعاطف من الصنعة … ما سمعت من شعره قوله: [من مجزوء الكامل]
أفدي التي قالت … وقدْ أَوْلَجْتُهُ فيها بِحِيلَة:
عَمَّرْتَني وجَمَعْتَ لي … حَشَفًا يُذمُّ وسوءَ كَيْلَهْ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
شهرتُ ثوبَ مَسَرَّتي … والنِّيلُ صافٍ قَدْ تَرَوّق
كأس المدامة أحمرٌ … مُتَلَهَّب والنيل أزرق
وهذا نظم بديع، لو لم يكن له سواه، لكان فيه مقنع وممتع.
وقال: [من مجزوء الرجز]
تُفَّاحة تحكي لنا … في لونها قَوْسَ قُزَحْ
شبيه خد أبيض … مُعَذرِ قَدِ انْجَرَحْ
وحكى لي الخطيب جمال الدين الصوفي أنه خرج هو وإياه إلى جزين، فوقفوا
стр. 6275
على جسرها وصياد سمك يصيد في نهرها، وقد تلك الأسماء بحرث لا يلوّث بالدماء، وجال في صيد بنات ذلك الماء، واحد تلك الطيور الطائرة في طلب، فقال ابن الحكم: [من السريع]
وسابح يسبح في بحره
ثم استجاره، فقال:
وكفه يقنص أسماكها
فقال:
ماقلب سابحة قد بدت
فقال:
في الماء لي هاكها
ومنهم:
[٥٢٢] إبراهيم بن محمد الساحلي
المعروف بالطويجن، أبو إسحاق (١).
منبع زلال عذب الماء، مطب الأرض والسماء، أزهر نجما، وبدر رجما، ففاءت له ظلال، وفات عامه كُلّ قمر وهلال.
قدم مصر ونزل بها على بني الأثير في فلك علاء، وملك بهم جزيل آلاء، وجرت مكاتبات بينه وبين من لاذ بهم من الفضلاء، وأتى دمشق بكتب منهم إليّ، وسَبَبٍ كَرُمَ موقعه لدي، ومدحني بعدة قصائد، وتردّد إلي مدة أيام، ورأيت له بيانًا يصب منه المصايد، ولسانًا له الأعراض حصائد، وأخذ مني كتبًا طاف بها أكناف الشام، وطار بها إلى كلّ بارق يُسام، ثم عاد إلى مصر وأتاني داعي السلطان إثر عوده، فأتيت مصر، فوجدته قد غاب عنها غيبة الحين، ورحل لا إلى أين، إلا أنه اتجه وهو مغرب، لا يعرف
стр. 6276
من خبره إلا مثل عنقاء مغرب، وأعقاب نجم مُغرّب، ثم وافت الأخبار بأنه قصد بلاد التكرور، وقضى بها ما أراد من السرور، وقالوا والعهدة على الناقل: إنه سم ابن الكويك حين حل بناديه، وجزاه ولكن بكفر أياديه. هذا على ما حكي لي بمصر من إكرام ابن الكويك له إذ أتى مصر لا يمص بللًا، ولا يجد ما يسدّ خللًا، ولا يعد بيتًا يأوي إليه إلا رآه طللًا، وذلك قبل أن يعلق بحبالة بني الأثير، ويظفر بحباء ذلك المدد الكثير.
ومن شعره قوله: [من الكامل]
والخال نقطة مركز في وجْنَةٍ … دارت عليه دوائر الأحداق
ومنها قوله:
في ليلةٍ أَدْجى وأَدْجَنَ جوَّها … ليلانِ مِنْ صُدغيك أو أشواقي
إن أطلعت بدرًا أنرتَ ثلاثة … للثغر أو للخمر أو للساقي
وبكل مسرى أعين يُزيّنه … شغلت عن الإغضاء والإطراق
يا ظَبْيَ أُنْسِ لَمْ يُرَعْ بتنقص … وهلالَ أُفق لمْ يُشَنُ بمُحاقِ
أَنى خَفَيْتَ َوتَحتَ شَعْركَ كَوكَبٌ … للخَدِّ مَطْلَعُهُ مِنَ الأطواق
تُبْنا وخَمْرتُنا لَمّى في طيّها … نفثُ الحُباب وقوة الدرياق
متقسمين كؤوسها فالشَّقْيُ مِنْ … أَخلاقها والسُّكَرُ مِنْ أخلاقي (١)
وقوله من أخرى: [من البسيط]
تألق البرقُ مُجتازًا على إضم … فبتُ أعشو لوقد مهُ مُضْطَرِمِ
وصافح السفح من أكناف كاظمة … وسالم الدُّوحَ مِنْ علياءِ ذِي سَلَمَ
وطال متنًا على وَهْنٍ مُؤَرِجُهُ … تَحْنُو عليها قُدُودُ البانِ والسَّلَمَ
بحيث أجرى دموعي فوق دمنته … ماء تولد منْ لَفْحٍ ومِنْ ضَرَمَ
وحيث أوطأتُ خدي تَرْبَهُ كرمًا … وظلّت أقفو آثاره بفمي
دعني وَنَجْدًا أُناديها على خَرَس … مِنْ رَبْعِها فأناجيها على صَمَمِ
وأسألُ الريح هلْ جَرَّتْ مَطارِفَها … على المُحَصَّبِ أَوْ أَرْسَتْ عَلَى العَلَمِ
عاطت كؤوس الهوى صِرْفًا مُعَتَقَةً … فأبرزتْ حَبَبًا يطفو على لمم
ومال بي عن معاطاةِ الصِّبَا زَمَنْ … أدَّى إلى شيبة أدت إلى هَرَم
واها لعُمْرٍ قَطَعْناهُ على خُدَعِ … مِنَ الهَوَى وأَضَعناه على كَرَمَ
قضيتُ عُمْري وعينُ الغَيِّ مبصرةٌ … طُرْقَ الهوى وزهوي والرشاد عمي
وَصَمَّ سَمْعِي كأَنْ لَمْ يَأْتِهِ نبأ … للدهر حدث عن عادٍ وعن إرم
فيا أخا العِيسِ مُزْجِيها مُحَلأَةٌ … لم تشكُ مِنْ سَهَرِ يومًا ولا سَأَمَ
стр. 6277
تروى بدمع من الأجفانِ مُنبجس … وتصطلي بلى في القلبِ مُضْطَرِمِ
مُد شارف الركب أكناف العقيق وما … أرو هضباه من بانٍ ومَنْ سَلَمَ
وأظهرت طبية الطيب التي نَسَمَتْ … عن تربة حلَّ فيها أشرفُ النَّسَمِ
قفْ بالضريح وما ضُمّت صَفَائِحُهُ … مِنَ النبيِّ الرَّضِي الطاهر الشّيم
أنوارُهُ غُرَّةٌ في المَجْدِ نَيِّرَةٌ … وفخرُهُ شَمَمُ في مَعْطِسِ الكَرَمِ
ولاح من نوره معنى أضاءَ لَهُ … مقام آدم فخرًا وهو في العَدَمِ
ومنهم:
[٥٢٣] ابن أبي النوق
سيل بدائه، ووبل خاطر متدفق من بدائه، يقضي مجالسه العجب، وترفع مُجالسه كما وجب.
وقدم دمشق، وأقام بها، ثم فارقها، وقد مَوَّهَ بلالائه مشارقها، بقريحة مقتدرة، وبديهة مبتدرة، لو شاء لما كان تكلّم إلا موزونًا، ولا أخرج إلا من حاصله مخزونًا. وكان لا يمل إلي تردّدًا، ولا يميل عنّي تودّدًا، ولقد رأى مرة وفي يدي كتاب له فاتحة من الذهب يشب وقودًا، ويهب حتى تكاد تتناول نقودًا، فقال كأنه يتحدث ولم يتلبث: [من البسيط]
أراك تنظر في شيءٍ مِنَ الكُتُبِ … وفي أوائله شيءٌ مِنَ الذَّهَبِ
لو شئت تصرفُ نَقْدًا مِنْ فَوَاتِحِهِ … صَرَفْتَ منه دنانيرًا بلا ذَهَبِ
فوهبته الكتاب وأنشدته: [من البسيط]
خُذْهُ إليك بما يحوي مِنَ الذَّهَبِ … ففي نَدَى السُّحْبِ لا يُخْشَى مِنَ اللَّهَبِ
واضمم يديك عليهِ لا تُمزِّقُهُ … يا آفةَ الفِضَّةِ البيضاء والذَّهَبِ
وكتب إلي يتقاضاني لفرسه عليقًا يعلّقه، وشيئًا ينفقه: [من المتقارب]
دموعُ كُمَيْتِي على خَدِّهِ … مِنَ الجُوع يطلب مني العلف
وليسَ مَعِي ذَهَبٌ حاضر … ولا فِضَّةٌ وعلي الكلف
ولي منك وعدٌ فعجل بهِ … فمنْ أَنجزَ الوَعْدَ حازَ الشَّرَفْ
فبعثت إليه بشعير ونفقة وكتبت إليه أداعبه مداعبة مِقَةٍ: [من المتقارب]
مَسَحْتُ بكُمِّي دموعَ الكُمَيتِ … وقلتُ له قَدْ أَتَاكَ العَلَف
ووافي إليك جديد الشعير … لعلَّ يُداوي سَقَامَ العَجَفْ
وفي كُم سائقهِ صُرَّةٌ … تسرُّ لتخفيف ثِقْلِ الكُلف
فإياك تحسبها للوفا … فإني بَعَثْتُ بها للسّلَف
стр. 6278
ومنهم:
[٥٢٤] ابن الحاج
أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم النميري الأندلسي الغرناطي الفقيه المالكي.
من كتاب الإنشاء بالحضرة الشريفة المرينية.
أفق إحسان، وشفق صباح لا يختص بأحيان، طرق الفراقد في بواديها، ونزل بجبال المجرة وبواديها، وأصاب نبلًا، وصاب وبلًا، وصار حيث شاء براعة ونبلًا، من بيت معرق، ونبت مورق وثبت حوى زينة المغرب ومشرق، وفد مصر حاجًا، وجاء إلي بقلعة الجبل في جماعة من أهل الفضل جاؤوا معه، وانحطوا إليه حيث أعلاه قدره ورفعه، فخَضَعْت وهادهم عن رباه، وكان والناس ما عداه أشباه، فلما تكلّم سكتوا وهو أصغرهم سنًا، وأضرمهم ذهنًا، فرأيت منه متحفّزًا لا يدفع همه الوثوب، ولا يؤتى عزمه من خور الأنبوب، والصوان حجر لولا جذاه، والمسك دم لولا شذاه.
وكتب إلي ورقةً يُوسَفُ على صياغتها، ويؤسى على حبة قلب يشح بها في اتباعها، والله قلمه، وما ضمر، وطرسه وما أخرج ورقه من الثمر. فلقد جاء بدر نظيم، وسحر عظيم. على أن دوح نظمه أشف، وروح علمه فيه أخف، وبينه وبين نثره ما بين الأرض والسماء، ودائرة القمر ودارة الماء.
ومن شعره: [من الكامل]
يا مالكي بصبيح وجه حُسْنُهُ … أَرْبى على فَلَقِ الصَّباحِ الأَوْضَحِ
ما شَكٍّ قلبي فيكَ أَنَّكَ مالك … لما عَرَفْتُ وسامَةً بِالأَصْبح
وقوله: [من الخفيف]
لي جَفْنُ إِذا ذُكِرْتَ مُعِينُ … ليسَ يأتي إلا بدمع هون
جَرَحَ الخَدَّ راويًا وهو لا يمـ … سِك عنهُ لأَنَّهُ ابنُ مُعِينِ
وقوله: [من الطويل]
وبي عَرَبِيُّ النُّطْقِ ما زال هاجري … على فَرْطِ حُبّي والخلوص الذي يُرضي
طَلَبْتُ لدى أفعالِهِ خَفْضَ عِيشَتِي … فقال: أفي الأفعال ويحَكَ مِنْ خَفْضِ
وقوله: [من الطويل]
وقال عَذُولي حينَ لاحَ عِذاره … بوجنتِهِ أَنْهَرْهُ وإِنِّي قابل
أَرَانِي الضُّحَى إِذْ سالَ مِنْ سَفْح خدِّهِ … أَأَنْهَرُهُ مِنْ بعد ذا وهو سائل
وقوله: [من الكامل]
стр. 6279
يا رُبَّ كأس لمْ تُشَجَّ شَمُولُها … فاعْجَب لها جسمًا بغير مِزَاجِ
لما رأينا السِّحْرَ مِنْ أَشكالها … جُملًا نَسَبْناهُ إِلَى الزَّجَاجِ
وقوله: [من الكامل]
ومُمَنَّعِ رُفعت بعُلوِ هضابِهِ … نَارٌ تَضيء بجُنح ليل دامس
إنْ أم منه القابسونَ مُوَطَّنًا … جعلوا قراهُ مَلْجَأَ للقابس
وقوله: [من الطويل]
بدا عارِضُ المحبوب فاحْمَرَّ حَجْلَةً … وأَهْدَى لنا وَرْدًا بِهِ الحُسْنُ ناهِضُ
فقلتُ له: لا يُنْكِرُ الوَرْدُ ناضِرًا … فقد سالَ في خَدِّيكَ مِنْ قَبْلُ عَارِضُ
وقوله: [من المتقارب]
أجزني بوصل على مِدْحَتِي … فلي فيكَ مَدْحٌ يروى عزيزا
وإن كنت لي في الورى مالكًا … فما مالِكٌ مُنْكِرٌ أَنْ يُجِيزا
وقوله: [من الكامل]
يا مالكي وصلت هديتك التي … أهديتها فشكرتُ مِلءَ المِقْوَلِ
وتبعت منك لنا مذاهب مالك … حقًا فمذْهَبُنا قبولُ المُرسل
وقوله: [من المنسرح]
يا بدر بادر إليَّ بالكاسِ … فَرُبَّ خير أتى على ياس
ولا تُقَبِّلْ يَدِي فَإِنَّ فَمِي … أَوْلى بها مِنْ يَدِي ومِنْ راسي
وقوله: [من الطويل]
وحَقِّكُمُ ما زلتُ أسمعُ عَنْكُمُ … أَحاديث فضل كُلُّهُنَّ حِسانُ
إلى أَنْ حَدَاني الشُّوقُ نحو ديارِكُمْ … فأَرْبَى على ما قد سمعتُ عِيانُ
وقوله: [من الطويل]
أَتَوني فَعَابوا مَنْ أُحِبُّ جَهالةً … وذَاكَ على سَمْعِ المُحِبِّ خَفِيفٌ
فما فيهِ عَيْبٌ غيرَ أَنَّ جُفُونَهُ … مِراضٌ وأَنَّ الخَصْرَ منهُ ضَعِيفُ
ومنهم:
[٥٢٥] محمد بن سالم الألبيري
مورد فضل ومناهله، وسنام، أدب وكاهله، ومَحْتِدُ شعر زكت منه أعراقه، وذكت ذكاء زهر الغصون أوراقه، لا يفرح قلب حاسده من الرهب، ولا ينسخ مداده أكسير الذهب.
قدم علينا القاهرة، وقدم إلينا تشرق به الأيام الزاهرة جمعتنا وإياه ساعات غفل
стр. 6280
الدهر المتطلّع عنها، وغل الدهر المتضوع منها، ثم ذهب مشكور الأيادي مشهور الفعلات في ماله، والأعادي تبكي عليه حمامة الأيكة وغمامة الوادي، وكان يوصف بكرم لا يعرف من بلاد جاء منها زائرًا، وجَدَّ بها إلى أجله سائرا، وقد كان أوى من صاحب الأندلس إلى ملك لم يزل مسرورًا بجمع المكارم، وقمع المحارم، وتقليد المنن إذا أثقل الأعناق حمل المغارم. دواعيه بدد، ومساعيه مالها عدد. فلما علق بحباله، قال في حاله: [من الطويل]
ورَكْبِ سَرى والعِيس تجذبها الرُّبَى … لها كَبِدٌ يَقْظَى وطَرْفٌ مُهَوّمُ
تراها على الوَعْساء تَعْطُو كأَنَّها … سفين وبحرُ الآلِ ملآنُ مُفْعَمُ
وإِنْ أَدْلَجَتْ ليلًا ظَنَنْتُ الدُّجى فَلًا … وهُنَّ نجوم للشياطين تَرجُم
أقولُ لصحبي حينَ صِرْنا على مِنِّى … بِيَمْنَةِ ذا الوادي أقاموا وخَيموا
لئن كانَ في تلك الممالك مالك … فإنّي على تَتْمِيم حُزْنِي مُتَمِّمُ
بنفسي غَزَالٌ غَازَلَتْني لِحَاظُهُ … ورُبَّ فُتُورٍ عَنْ فُتُونِ يُتَرجِمُ
يطيلُ مَدى الهِجْرَانِ وَهوَ مُقَصِّرٌ … ويقتلُ عَمدًا بالقِلَى وهوَ مُحْرِمُ
إذا ما لوى ريم اللوى بوِصَالِهِ … ولَمْ تَسْلُ نفسي حُبَّهُ فهوَ أَلْوَمُ
أقولُ: لها لا تأسفي ما عاش … ... على أحد فهو الإمام المُقَدَّمُ
هُمَامٌ له رأي إذا شَهِدَ الوَغى … يُصحح معناه الحسام الملثم
إذا جادَ لن يثني ندى عن نَوَالهِ … وإن كاد أثنى الجيش وهوَ عَرَمْرَمُ
ففي راحتيه للسَّماحَةِ دِيمةٌ … وفي مِعْطَفَيهِ لِلشَّجَاعَةِ ضَيْغَمُ
وكمْ مَرِحَتْ فِي مَرْجِ حَيَّانَ خيلُهُ … وخاض بها بحرَ الرَّدَى وهوَ خِضْرِمُ
عَدَتْ ولَها بالطَّعْنِ فِي الكُفْرِ مَيْسَمٌ … وراحت وفي أحقابها الشيءُ مُبْهَمُ
أَيا مَلِكًا ما قامَ شِعْرِي بفرضِهِ … ولو كان لي في كل جارحةٍ فَمُ
ومَنْ لانَ لي مُدْ صِرْتُ في فيءِ ظِلِّهِ … زمانٌ قَسَا فالمغرم اليوم مغنم
رأيتُكَ في دَستِ الإمارَةِ حاكمًا … فقلتُ سليمان بن داودَ يَحْكُمُ
إذا حَضَرَ الْخَصمانِ أَظْهَرْتَ منهما … برَأْيِكَ مَسْتُورًا كَأَنَّكَ تعلم
وحكي لي أنه أتى تونس راغبًا في نعمة أوطانها، طالبًا ذمة سلطانها، فأقام بها لديه مكرمًا، ونزل عليه، فجعل له ربيع نداه على سواه محرّمًا؛ فلما غاب عن أفق إفريقيا، نجم ملكها، ثم عاد يجلي مدلهم حلكها، وأتي يسرّ به الرفيق، وينشر بقدومه التوفيق، فأهز بمقدمه الغريق، واعتذر الدهر تلقائه عن التفريق، وأصبح به الصباح في شَفَةِ الظلام يتبسم، والشمس في ثوب السماء حلوق تتقسم، وظلت تقبل في البيداء آثار ركائبه، وتستقبل من الأنداء مطار سحائبه سرورًا بغائب كان ينتظر، وقادم غاب السرور حتى حضر، ثم لم تحط حقائب سفره، ولا عرفت حقائق ظفره، حتى استدعاه إلى
стр. 6281
مجلس غيمُ النَّدِّ فيه صفيق، ومطر الكؤوس في جوه لا يفيق، ونداماه لا يرى إلا شفقًا يقربه بكأسه إلى شقيق، ولديه غدير يتقصف كأنه مرمر، ويتميل كأنه بالنجوم مسمر، والدوح قد أرخى عمائمه الساذج والمثمر، وخاض الماء وذيله مسبل ومشمر في حيز روض لو خير الحسن لما تعدّاه، أو دنا من الجنتين لودّاه، وبروق نوّاره كاد سناها يخطف البصر، وأطابت لؤمه لا يعاب بالقصر، فلما حلّ في كنفه وأقام له الحظ مائل جَنَفِهِ، وقربه منه نَجِيًا لا يمل منه سمرا، ولا يجتني سوى حديثه ثمرا، ثم أقبل يبلغه الوطر، ويمسحُ عِطْفَه بيد ينسي بنائلها المطر، فقال قصيدة منها: [من السريع]
قم فاطلع الشمس بكأس العُقارُ … قد ذهب الليل وجاءَ النهار
حتى إذا ما غَرَبَتْ في فَم … أبرزَ خَدُّ الشَّفَقِ الاحمرار
خمر إذا خامَرَها مَزْجُها … تَبسِمُ عنْ مثل المنايا الصغار
يلتئم الماء بأجزائها … سُبْحانَ مَنْ أَلَّفَ ماءً ونار
قُمْ عاطها أغيد ذا وجْنَةٍ … يُعذَرُ مَنْ يخلع فيه العذار
كأَنَّهُ والكأس في كفّه … بدرُ الدُّجَى قابل شمس النهار
ظَنَنْتُ والخمرة في رِيقِهِ … أَنَّ لها مِنْ وَجْنتيه اعتصار
جاد بما كان ضنينًا به … فانعقد الوِزْرُ وحُلَّ الإزار
ظَبْي مِنَ التَّرْكِ إذا ما رَنَا … قَدْ جَذَبَ القوسَ وَسَلَّ الشَّفار
لهُ عِذار تاه في خَدِّهِ … حتى إذا رندح بالشعر حار
كيف أُرَجِّي كَتْمَ وَجْدِي بِهِ … وحبُّهُ قَدْ هَتَكَ الاستتار
دعْ غَزَلَ الشَّعْرِ فَرَصْفي بهِ … فضل أبي بكر لمثلي شعار
مَلَكٌ إذا ما سار في جَحْفَلٍ … قَدْ أَمَّهُ النَّصْرُ بِهِ حيث سار
تعرفه السمر الطوال التي … طابَقَها بالمرهفات القصار
وردَّها مَخْضُوبَةً بعدما … جِراحُها يُسْمَعُ منها خُوار
إن جادَ بالرِّفْدِ على وافِدٍ … أَعجزَ عَنْ جُودِ يديه البحار
أو كاد أضحت منهُ أَعداؤُهُ … في قبضة الذُّلِّ وهُونِ الصَّغار
قدْ خَصَّهُ اللهُ وشُكرًا له … برفعة البيت وطيب النجار
من طينة الفاروق نجم الهُدَى … أَعْظِمْ بهذا في عَرِيقِ الفَخَارْ
جرى بِهِ طِرْفُ العُلا سابقًا … إلى مدى النَّصْرِ فَقُلْ: لَا عِثارُ
وجدل الأقران بأس لهُ … عَرَاهُمُ الرُّعْب وشط الديار
يا ملكًا لاح لنا وجْهُهُ … كالبدرِ في أُفْقِ السَّنَي والوقار
تَهَنَّ مَثْوًى لم يزلْ غَرْسُهُ … يُجنيك بالنصر أَلَذَّ الثِّمارْ
وانعم بعيش دام في غبطة … دارت به الأفلاك في خير دار
стр. 6282
لما رأيناك بها طالعًا … ظننتُ أن الشرق أضحى جدار
وخلتها جنّةَ عَدْنٍ بها … ما تشتهي أنفُسنا من ثمار
فاسْعَدْ بها واصعد إلى مُرتقّى … يسكنُ أعداؤُكَ دار البوار
ومنهم:
[٥٢٦] أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، أبو العباس
إمام تقى وورع، وزمام زهد كف هواه ووزع، وقائم في محراب صف أقدامه ووضع، وحائم على جناب حلق إليه قوادمه ووقع. أظنّه من مألفه أتى المدينة الشريفة وجاور بها، ونزل بقباب قبا على غربها، واحد ذمامًا بذلك الجوار، واقتبس ضرامًا من أشعة تلك الأنوار، وأقام على ربى تلك الربوع، وقام يغرف من صفاء ذلك الينبوع، وقدم دمشق علي، وكتب إلي: [من الطويل]
تشرف باب الملكِ إِذْ أَنْتَ قُفْلُهُ … فمالسديد الرأي عنه قُفُول
تصوّب للرأي القويم طريقَهُ … فأَنتَ على فِعْلِ الجَمِيلِ دَليل
إذا عن لي ذكر العقيق ومن به … توقد مني في الفؤاد غليل
رضيت ببعدي عن دياري لأجله … وظنّي فيما قد رضيت جميل
وقوله: [من الكامل]
هل مانع أم أنت لي تتمنع … في كل حال ما لغيرك أرجع
عودتني كَرَمًا وأصعب ما يُرى … عادات خير من كريم تقطع
ثقتي بفضلِكَ مُنذُ كنتُ فَإِنْ أَخِب … مما لديك فأيَّ شيءٍ أصنعُ
ولقد علمت بأنني في حاجة … ما لاحتمال الصبر فيها مَوضِعُ
أَنَّى أضيع وفي جَنَابِكَ مَوْثِلي … أنى أخيب وبابَ فَضْلِكَ أَقْرَعُ
أو ليس أقبح ما يكون لسامع … أني على قربي إليكَ أُضَيَّعُ
وقوله: [من الطويل]
عهود هوى لم يُبْلَ عندي جديدها … ومثلكِ لا يبلى لديَّ عُهُودُها
فتاةٌ يُريك الغُصْنَ في الرَّوضِ قدُّها … ويُنسيكَ عَنْ غِزْلَانِ رَامَةَ جِيدها
قَضَى رِدْفُها والنَّهْدُ هِجْرانَ بُرْدِها … فمثلُ الذي أَشكوه يشكوه بُرودها
ويا عَجَبًا مِنْ حَمْلِها ثِقْلَ جُلِّها … على أَنْ هبّاتِ النَّسيم تَؤُودُها
وما هي إلا الشمس لولا دَلَالُها … وما هي إلا الغُصْنُ لولا نُهُودُها
يَوَدُّ هِلالُ الأُفْقِ لو زارَ رَبْعَها … عَسى صِفَةٌ مِنْ حُسْنِهَا يَستفيدها
وتطمع قُضْبُ البان تحكي انثناءها … فتعجز عن ذاكَ التَّثَنِّي قُدُودُها
стр. 6283
وليلة زُرْناها على غيرِ مَوْعِدٍ … وقدْ شَغَلَ الأَبصارَ عَنَّا هُجُودُها
فمالت بنا عن جانب الحَيِّ موضعًا … بحيثُ أَمِنَّا كَيدَ واش يكيدها
فقلتُ: يمينُ اللهِ إِنَّا بِمَأْمَن … وتلكَ عُيُونُ لَمْ تُنسه رُقُودُها
فباتَتْ تُهادِيني حَدِيثًا كَأَنَّما … تَنَاثَرُ مِنْ شَدّ العِناقِ عُقُودُها
وله نغبة من النثر أروته جرعها، وآوته إلى جانب البيوت أربعها، منها قوله:
«فأويت إلى منزل قد قرن الخير بنزوله، لا يفرق الناظر بين رَبِّهِ ونزيله، فأصبحت به كمن لم يَرِم عن كناسِه، ولا رحل عن أناسه، فقلت لنفسي: ليفرخ همك، فربَّ أخ لم تلده أمك؛ فلما تعرفت عوارف ذلك المنزل، وتعرضت لما فيه ذلك المنزل، وجدته لا يطلب بغامض معنى إلا كشف معماه، وألفته زنيًا في اسمه ومسمّاه، فما زال بي إلى أن استغربت ورغبت ورأيت عجائب الفضل فعجبت، فقال إخالك قد استكثرت جواهر بحري، وغلبتك تمائم سحري. قلت له: والذي آتاك من كل شيء سببًا ما رأيت كهذا عجبًا، وهل وراء هذا البحر من مسبح، أو بعد هذا الساحل من مسرح، فقال: إي والذي أنزل الماء من الغمام، وفضّل زيدًا على بني الأنام. فقلت له: كنت مشيرًا؟ فقال: نعم، واسأل به خبيرًا، ولستُ أعجب أن أصبحت ذا أدب. من جاور النيل لم يصبح على طمأ. فقلت له: أتكلم بين يدي قدامة، أو أتكرم بحضرة كعب بن مامة؟ فقال: إنما يكلف المرء ما يستطيعه، وجهد المقل دموعه».
ومنهم:
[٥٢٧] محمد بن محمد المكودي
قادح زناد، وقاذف حصّى لعناد، وأي رجل هو يجنى من أدبه، ويغني بذهبه. أنشدني له صاحبنا أبو عبد الله السلالجي: [من الوافر]
بقلبي من بني الأتراكِ ظَبْي … يَغَارُ بحسنه البدر التمام
تعانقُهُ الحَمَائِلُ لا بوُدِّي … ويلثمُهُ على رُغْمِي اللثام
ومنهم:
[٥٢٨] إبراهيم بن محمد التلمساني
نزيل سبتة، ومزيل النجوم ليلًا تبلغ سمته.
أنشدني له صاحبنا السلالجي قوله، وقد قال له محبوبه: أنت ثلج: [من الخفيف]
стр. 6284
يا غزالًا له حديثٌ خَلُوبُ … قُلْبتْ في لظى هَوَاكَ القُلوبُ
كيف تعزو إلى مُحِبِّكَ بَرْدًا … ومِنَ الشَّوقِ في حَشَاهُ لَهِيبُ
أَنْتَ شمس وقلت: إِنِّي ثَلْجٌ … فلهذا إذا طَلَعَتَ أَذُوبُ
* * *
وهذا آخر الشعراء المغاربة المُمحَضين للمغرب أمواتًا وأحياء، ممن وقع عليهم الاختيار، ممن هو من شرط هذا الكتاب على ما وقع إلينا، وسقط طائره علينا وجاب إلينا ذلك البر والبحر، وقطع إلينا مدى الليل والنهار.
* * *
آخر السفر السابع عشر من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر الثامن عشر، وأوله جماعة المصريين ممن ذكر ابن سعيد، ومن نكب عن طريقه وما هو منه بعيد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. حسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
стр. 6285
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر الثامن عشر من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وقد اختص بتراجم شعراء مصر.
واعتمد فيه مؤلفه على كتاب «المرقصات والمطربات» لعلي بن سعيد المغربي وأضاف إليه ما توفر لديه من كتب أخرى.
وكان اعتمادي في تحقيق هذا السفر على مخطوطتين هما:
١ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٢٧٩٧/¬١٢، ص ١ - ٣٦٧.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي الملك المؤيد، شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ هـ)، ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وعليها كان جل اعتمادنا.
٢ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤٣١، وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
أما منهجي في تحقيقه فهو كما ذكرته في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة.
هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم، والباحث الفاضل.
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل
كامل سلمان الجبوري
جمهورية العراق - الكوفة
стр. 6286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[شعراء مصر]
وهو حسبي، ونعم الوكيل
وأما جماعة المصريين ممن ذكر ابن سعيد، ومن نَكَبَ عن طريقه وما هو بعيد، ومن جاء على ذيل تلك الطبقة، وأتوا تلويهم جيادهم المستبقة، إلى أهل عصرنا الذين هم أحياء يرزقون، وبلغاء ينطقون كدأبنا في الاستيفاء بجهد الطاقة لمحاسن كل شاعر، ولم تقنع بما قنع به ابن سعيد من شذور تلك النتف، ولم تُعد النظر إلى من عدل عن الغرض على عادتنا فيما سلف.
فمنهم:
[٥٢٩] تميم بن المعز بن معد بن المنصور إسماعيل ابن القائم محمد بن المهدي عبيد الله (١)
تشبه بابن عمه ابن المعتز، وتشبث بذيله فما قدر أن يبتز، وظهر بما نقض به
стр. 6287
قصائده الغر، وفرائده الدر، كامن بين البيتين من قديم سوالف الإحن، وعظيم خوارق المحن، إلا أنه ما استطاع مطار ذلك القشعم، ولا دخل مضيق ذلك الأرقم، ولا أتى بمثل تلك الأوابد التي سارت، واللوائد التي ثارت، ولا كان معه إلا كما يجيب القائل الصدى، ويجول المُقرف مع السابق في المدى. هذا مع كونه المعرق الجواد، والمغدق العهاد والمستشرق نورًا تجلى غيهبه، وكان به مثل فلق الصباح مغربه، والمطلق العنان في التشبيه والأوصاف، والمورق البيان في التسوية والإنصاف، وهو وإن لم يزاحم ابن المعتز، فإنه لا يقع دون مطاره، ولا يقصر ذهبه الموزون عن قنطاره، على أنهما سقيا من جرثومة، واستقيا من أرومة واشتقا طينة بالمسك مختومة.
ومن شعره قوله (١): [من الكامل]
ما بان عُذري فيه حتى عَذَّرا … ومشى الدُّجى في خده فتحيرا
همت بقبلتِهِ عقارب صُدْغِهِ … فاستل ناظره عليها خنجرا
والله لولا أَنْ يُقال: تغيَّر أوصَبًا … وإنْ كانَ التصابي أجدرا
لأَعْدْتُ تُفَاحَ الخُدُودِ بنَفْسَجًا … لثمًا وكافُورَ التَّرائِبِ عَنْبَرَا
ومنه قوله (٢): [من الطويل]
أما والذي لا يملك الأَمْرَ غيرَهُ … ومَنْ هوَ بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائبِ مُؤلمًا … لأعدتُها عندي أشد وألم
وبي كُلُّ ما يُبكي العُيُونَ أَقله … وما زلتُ منه دائمًا أتبسم
هذا البيت حِرْتُ لمن أنسب أبوته، وإلى من بنوته، لقد كثر ما طن منه في مسمعي، وحلَّ ما مزَّق شلوه مُدَّعي، ولعله لواحد وقد ضمنه البقية، وضمه إليه متكلّم به في قضية، إذ كان كأنه ملهج كل نطق، ومنهج كل معلل بالأماني.
عدنا، ومنه قوله (٣): [من الطويل]
ما أمُّ خِشْفٍ ظَلَّ يومًا وليلَةٌ … ببلْقَعَةٍ بيداء ظمان صاديا
نتهيم فلا تدري إلى أين تنتهي … مُولَّهَةٌ حَيْرَى تجوزُ الفيافيا
أَضرَّ بها هَجْرُ الهِجِيرِ فلمْ تَجِدْ … لغلَّتِها من بارد الماء شافيا
فلما دنتْ مِنْ خِشْفِها انعطفتْ لهُ … فأَلفَتْهُ ملهوف الجوانح طاويا
стр. 6288
بأَوْجَعَ مِنِّي يومَ شُدَّتُ حمولُهُمْ … ونادى منادي البَيْنِ أَنْ لا تلاقيا
وأورد له ابن سعيد في المرقص قوله (١): [من الخفيف]
أَطْلَعَ الحُسْنُ مِنْ جَبينِكِ شمسًا … فوق ورد من وجنتيكِ أَطلًا
وكأنَّ الغدار خاف على الورْ … دِ ذُبولًا فمدَّ بالشَّعْرِ ظلًا
وقوله (٢): [من الطويل]
كأن بقايا الليل والفجر طالع … بقية لطخ الكُحْل في الأعين الزرق
قلت: ولم يذكر له ابن سعيد سوى هذا البيت والبيتين اللذين قبله، فأما البقية فما اخترته له.
ومن تتمة ما اخترته له قوله: [من الطويل]
فتى ليس بين المال يومًا وبينَهُ … ذِمامٌ إذا ما زارَهُ الحَمْدُ والشُّكْرُ
إذا زارَهُ وَفْدٌ غَدَوا وطريفُهُ … وتالده عند الذي لم يَزُر وَفْرُ
[وقوله (٣): من الطويل]
ألا هل لألفاظي طريق إلى العُذْرِ … فدون التي أوليتني رتبة الشَّكْرِ
وما الشعر في قَدْرِ الأَئمة رائد … ولكنَّ نظمِ الدُّرِّ أَشْهَى مِنَ النَّشْرِ
وقوله (٤): [من السريع]
قيسوا بشعري شعره تعلموا … تضايق النهرِ عَنِ البَحْرِ
مَنْ أبطل الحقَّ هَجَا نفسَهُ … بجهلِهِ مِنْ حيث لا يدري
وقوله (٥): [من البسيط]
قد لاح نجمك بين العِرِّ والظَّفَرِ … وحازَ وجهك نور الشمس والقمر
أنت العزيز الذي لولا خلافته … ما أصبح العدل منشورًا على البشر
كأن عصرك في إشراق بهجته … تَفَتَّحُ الوَرْدِ بينَ الرُّوضِ والزَّهَرِ
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 6289
كأنَّ الدروع السابغاتِ عليهم … لما أَلِفُوها سُندُس وحرير
وأسمعتُ في حَمْدِ إلا لهِ بخُطْبَةٍ … تَفجَّرَ منها للصَّوابِ بحور
وقوله: [من المنسرح]
بالورد في وجنتيك مَنْ وسَمَك … ومَنْ سقاك المدام قد ظلمك
يا ويح ساقيك إذ سقاك كذا … لو كانَ أَحْنى عليك أو رحمك
بِسَلْسَلِ الصُّدْغِ قد، ثملت فلم يمنع … لتقبيل عاشقيك فمَك
وقوله، وقد ذكرته وإن كان مهلهل النسج نازك الطبقة (١): [من المنسرح]
يا صَارِمَي لحظه بدينكما … لا تُسلماني إلى العذارين
ويا عذاريهما أُجَبْنَ ما … برزتُما فيه لي بعذرين
كأَنَّ صُدْغِيهِ في سوادهما … ليلان قدْ طُرْنَا بِصُبْحَينِ
أَعَادَ شمس النهار شمسينِ … بهِ وبدر الظلام بدرين
لي فيهِ عَيْنٌ تَلَذُّ مؤلمها … رأيًا وقلب يحن للحَيْنِ
والحبُّ عَذْبُ ما قَلَّ فَإِنْ … زادَ دَعَا للشقاء والحَيْنِ
وقوله: وكأنها من أنفاس أبي نؤاس (٢): [من البسيط]
إذا خلوت بمحبوبِ نُجَمِّشُهُ … فأملأ محاسنَ حَديهِ مِنَ القُبَلِ
لا شيء أحسنُ مِنْ كَفَّ تُغَمِّرُها … كفٌ ومِنْ مُقَلٍ ترنو إلى مُقَلِ
وقل لمن لازم في لهو تُسَرُّ بِهِ … إليكَ عني فإني عنك في شُغُلَ
إنَّ الثقيل هو المحروم لذته … لا بارك الله فيمن راح ذا ثِقَلَ
وقوله (٣): [من المتقارب]
سَقَتْنا المدام وألحاظُها … مِنَ السُّكْر تفعل أفعالها
إلى الله أشكو مريض الجُفُونِ … مليح الشمائل مختالها
فَنُعْم ولم أَرَ أَنعامَها … وجُمْلٌ وَلَمْ أَرَ أَجمالها
وقوله (٤): [من الوافر]
رَضِيتُ بحُكم سابقة القضاء … عليَّ وإِنْ تَكَدَّرَ صَفْو مائي
стр. 6290
وهل يسطيع أهل الأرضِ حَلًا … لعقد شُدَّ مِنْ فوق السَّماءِ
وقوله يرثي أخاه (١): [من الخفيف]
كُلُّ حي إلى الفناءِ يصيرُ … والليالي تَعِلَّةٌ وسُرُورُ
وإذا لم يكن من الموتِ بُدَّ … إِنَّ طُولَ الحياة نزر حقير
كيف لم تسقط السماء على الأَر … ضِ ولم تهو شمسها والبُدُورُ
يوم ماتَ الأميرُ بل يومَ ماتَ الصَّبرُ … بل يوم مات السرور
يوم أبكى العيون حتى بكاهُ … الأَسَدُ الوَرْدُ والغَزالُ الغَرِيرُ
وسمعت الزفير وهو صُراخُ … ورأيتُ الدموع وهيَ هَجِيرُ
قَبَرُوا شخصَهُ وَوَارَوا سَنَاهُ … وتولُّوا والفائز المقبور
كم نصير له هناك ولكن … ليسَ مِنْ سَوْرَةِ الحِمامِ نصير
لو تركنا إلى الفداءِ فَدَاهُ … مِنْ يدِ الموت عالمون كثير
وسيوف ومثلهنَّ عبيد … ورماح ومثلُهنَّ عَشِيرُ
فالصباح الأغرُّ ليل بهيم … عندَ فَقْدِيْكَ والديارُ قُبُورُ
وقوله (٢): [من الطويل]
سرى البرق فارتاح الفُؤادُ المُعَذِّبُ … وحارَ الكَرى في العين فهو مُذبذب
أرقتُ لهذا البرق حتى كأَنَّما … بَدَا فَبَدَتْ منه لعيني زينب
وأني اهتدى طيف الحبيب ودونه … من البيد مجهولٌ وحَوْماة سَبْسَبُ
فواصلني تحت الكرى وهو عاتب … ولولا الكَرَى مازارني وهو يعتب
وبات ضجيعي منهُ أَهْيَفُ ناعِمٌ … وأَدْعَجُ نشوان وأَلْعَسُ أَشنبُ
كأَنَّ الدُّجى مِنْ لَوْنِ صُدغيه طالع … وشمس الضُّحَى مِنْ لونِ خَديهِ تغرب
إلى الله أشكو أَسْرَ شوق كتمتُهُ … فنم به واش مِنَ الدَّمع معرب
خليلي ما في أكؤس الراح راحتي … ولا في المثاني لذتي حين تضرب
ولكنني للمجد أرتاح والعُلا … وللجودِ والإعطاء أصبو وأَطْرَبُ
ومَنْ بينَ جَنْبيه كنفسي وهمَّتي … يروح له بين الكواكب كوكب
منها:
رفيع المعالي في العيون معظَّم … كريم السجايا للنفوس مُحبَّبُ
стр. 6291
كأَنَّ العَطايا والمنايا نوافل … يجود بها في حين يرضى ويغضب
ألذ من الشهد المُصفى لذائق … وأطيبُ مِنْ نَيْلِ الأماني وأعذب
مآثره في حَلْبَةِ الفَضْلِ سُبَّقٌ … وتدبيره في ظلمة الليل كوكب
وقوله (١): [من الطويل]
إذا حان من شمس النهارِ غُرُوبُ … تذكَّرَ مُشتاقٌ وحَنَّ غريب
(وما يَكَدُ الإنسان إلا الذي بِهِ … لَهُ سَكَنُ يشتاقُهُ وحبيبُ)
فآية حزي لوعةٌ وصَبابةٌ … وعنوانُ شوقي زفرةٌ ونحيبُ
وما فارقونا يرتضون فراقنا … ولكنْ مُلِمَّاتُ الزمان ضروب
قلت: وهذا البيت الأول هو لابن المعتز هذا، وساقه المعري في ترسله ضامًا نطاقه إلى سلسلة، وقد ادعاه ابن الظهير الإربلي على سعة علمه بالأدب وغزارة مدده منه، وسموم عن يحرض الادعاء بداية قصيدة نظمها، مرّ في ترجمته أبيات منها، ولعله كان قد شدَّ عن خاطره وطنه إذ سنح له وقت نظمه أنه ناسج ردنه، ومقتضب غصنه.
عدنا إلى بقية مختاره، ومنه قوله (٢): [من المتقارب]
تميس بقد كغصن الرياض … وتضحك عن مثل أزهارها
ترى النار والماء في خدها قد … امتزجا فوقَ أَبشارها
فلا النار تعدو على مائها … ولا الماء يعدو على نارها
وقوله (٣): [من البسيط]
لا تحجبا عَنْ عيون الناظرين سنى … هذا الجبين ولا ظلماء ذا الشَّعَرِ
قالت:
أصونُ بديعَ الحُسْنِ قلتُ لها … لا ينقص الحسن يومًا كثرة النظر
وقوله (٤): [من الطويل]
تضيء كبدر الوصل في القُرْبِ والنوى … فسيَّانَ عندي قُرْبُها وصُدُودُها
وأقبح مافي الماجد الحُرِّ بخلُهُ … وأقبح ما عند المليحة جُودها
وقوله (٥): [من المتقارب]
стр. 6292
ومظهرَةٍ عَقْدَ هميانِها … تدين بطاعة رهبانها
تراءت لنا يومَ دير القصيرِ … وقَدْ فَرَّقَتْ سَهْمَ أَجْفانِها
فلما قضتْ حَقَّ قُربانِها … وأَدَّتْ فريضةً صُلبانها
رَمَتْنا بلحظ يقدُّ القلوب … ويجرحها دون أبدانها
وقوله (١): [من الطويل]
ومَنْ كملتْ فيهِ النُّهى لا يسره … نعيم ولا يرتاع للحدثانِ
وقوله (٢): [من مجزوء الوافر]
أباحَ المُقلتي السَّهَرَا … وجار علي واقتدرا
غزال لو جَرى نَفَسِي … عليه لذاب وانفطرا
ولكن عينُهُ جَبَذَتْ … عليّ الغُنج والحورا
وقوله (٣): [من الطويل]
أُحبُّ عَذُول فيكِ والكاشح الذي … ينم علينا والرقيب الذي يسعى
لأنَّهمُ مِنْ أَجْلِ حُبِّكِ أَصبحوا … معارف لي لا أستطيع لهم دفعا
وقوله: [من المنسرح]
إن يحجبوا وصلها فما حَجَبُوا … عنِّي سوى طيفها وذكراها
هو من قول الأول (٤): [من الطويل]
فإن يمنعوا ليلى وحسن حديثها … فلن يمنعوا مني البكا والقوافيا
ويروى لقيس.
عدنا إلى قوله:
أعارت الراح لون وجنتها … وطبعَ الحاظها ومعناها
وليلة بتها على طَرَبٍ … آخرها مه لأولاها
أُقَبِّلُ البرقَ من تَرَائِبها … وألثم الشمس مِنْ مُحياها
فيا لها قهوةً مُعَتقةً … وليس إلا الخدود مأواها
إخالُها الشمس في تلألؤها … بل إخالُ الشموس إياها
стр. 6293
سلي الصبا والمدام عنْ شِيَمي … والمجد عن راحتي وجدواها
ألَستُ أُعطي العُلا حقائقها … منّي وأُجري اللذات مجراها
وإِنْ بَدَتْ لي الخُطُوب تسحرني … أَضعفَها سُخْطُهُ وأضناها
واسمع فعندي من كلِّ صالحة … ألطف أسرارها وأخفاها
لا أدعي الفضل فيكَ يشهد لي بهِ … أَداني الدنى وأقصاها
وقوله (١): [من مجزوء الرمل]
أَعْذَبُ الأشياء عندي … قُبْلَةٌ في صَحْنِ خَدٌ
وثنايا عَطِراتٌ خُلِقَتْ … مِنْ ماءِ شُهْدِ
وقوله (٢): [من الكامل]
وَقَفَا على جَمْرِ الأسى وضرامِهِ … مُتعانقين كأَنَّما خُلِقا مَعَا
صمًا خلا، دمعًا يجول، وأنفسًا … مقبوضةً، وتنفسًا مُتقطعا
وبللن كافور الخُدُودِ مِنَ البُكا … فَبَدَا بياقوت الدموع مُرَصَّعا
وقوله: [من الوافر]
لهُ نَبْتٌ على الخَدَّينِ غَصَّن … تضنعه ليتلف كُلَّ لُبِّ
تبارك مَنْ بَرَاهُ بلا شبيه … وسلَّطه على قتل المُحِب
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
وَيْلِي على مَنْ كُلُّ عَيْنٍ … أَبصرته متظلمُهْ
لو لامس الوَهْمُ الحَفِـ … ـيُّ أَديمَهُ لَجَرى دَمُهُ
لو زارني لم أَسْتَطِعْ … خَوْفًا عليهِ أَلْثَمُهُ
ظبي يُعَذِّبُ مُهْجَتي … ظُلمًا وقلبي يرحمه
وقوله (٤): [من السريع]
يسمح بالوعد ولكنَّهُ … لا يصدق الوعد إذا ما وَعَدْ
هذا ولا يحقد بي خلفَهُ … وأحمقُ العُشّاقِ مَنْ قَدْ حَقَدْ
وقوله في قبة: [من البسيط]
стр. 6294
في قبة سمكها في الجو مشرفةٌ … على اطرادِ مياه ذات تكسير
كأنما ماؤها والريح تدرجه … على يَقَةٍ مِنْ غير تكدير
نَقْشُ المَبارِدِ صِيغَتْ بعد ما جُلِيَتْ … بعضًا لبعض بتقدير وتدبير
وقوله (١): [من المجتث]
كمْ جُنَّ شَوْقًا وأَنَّا … ولمْ يَنَل ماتمنى
يا مَنْ إِذا سِيْلَ عَطفًا … وسِيمَ وَصْلًا تجنى
إن كنت أعرضت لمَّا … مَلَكْتَ دَلًا وحُسْنا
فكيف علمت عينيكَ … قَتْلَ هذا المعنى
وقوله (٢): [من الرجز]
قد أغتدي تحت الصباح المُسفِرِ
وأنجم الجوزاء لمْ تَغَوَّرِ
كأنها تحت الرواق الأخضر
ننسج في باطية مِنْ عنبر
سَبَقْتَ أُولى فجرها المنور
بأكلب مخرطماتٍ ضُمَّر
مخرومةٍ أشداقها للمَنْخِرِ
تلاحظ الوحش بعين المعار
مِنْ ذي سباق ليس بالمُقَصِّرِ
كأَنَّه في لونه المُشَهَّرِ
مُلتحِفٌ بحُلَّةٍ مِنْ عَبْقَرِ
يكادُ مِنْ سُرعتِهِ في العِشْيرِ
يسبق أُوْلى زَوْرَةٍ بالمؤخر
لا يضع الناب بغيرِ المَنْخَرِ
حباله الوحش وقيد الجُؤذر
وقوله (٣): [من مجزوء الرمل]
طابَ شُرْبُ الخَنْدَرِيس … ومُعاطاة الؤوس
стр. 6295
وغناء يخلقُ اللذَّ … اتِ في سر الفوس
وقوله (١): [من السريع]
إشْرَبْ على وَرْدِ بهارِ بَدا … والليلُ بال قد بدا بالسعود
كأَنَّما الأفق به لابس نور … الثنايا واحمرار الخُدُود
وقوله (٢): [من البسيط]
بدأت فيكم لنار الشوق أحشائي … ولم تعد بعدكم للنوم أعنائي
لو كانَ حُبِّكِ في أمري لحاجتِهِ … لما غَدَتْ خُصمائي فيكِ أهوائي
وقوله (٣): [من مجزوء الوافر]
أَتَاحَ القَلبي السَّهَرَا … وما أَبْقى وقدْ قَدَرَا
وَمَنْ أَوْدى بِهِ قَمَرٌ … فكيف يعاتب القَمَرَا
النصف الأول من البيت يشبه نصف بيت له تقدم بدا هو بمعناه، بل هو إياه، إلا أنه قال في الأول: أباح - بالباء الموحدة - وقال: هنا أتاح - بالمثناه - وهذا الفرق.
ومنهم:
[٥٣٠] المقداد المصري (٤)
حبا البيان وحبَّرَه، وخفق الإحسان وحرّره، وجاء بسحر عظيم، ودر نظيم، وشهب تنير في الغسق وسحب هي والعقود في نسق.
وهو ممن أورد له ابن سعيد في صدر شعراء المائة الرابعة، وذكر له في المرقص قوله (٥): [من المنسرح]
يقولُ مَنْ لامني عليهِ أَرى … فيهِ جفاء وذاك يغريني
في خَدِّهِ آيةُ الرّضا أَوَ ما … أَضحى بوَرْدِ الحَيَا يُحييني
ومنهم:
стр. 6296
[٥٣١] صناجة الدوح، وهو محمد بن القاسم بن عاصم (١)
شاعر الحاكم، وزاهر ذلك الليل العاتم، لم أقف له على ما أرتضيه إلا ما أنشد له ابن سعيد في مقتضبه، وذلك حين زلزلت مصر حتى رجفت أرجاؤها، وضجت الأمة لا يعرف كيف نجاؤها، والذي أورد له ابن سعيد (٢). [من البسيط]
بالحاكم العَدْلِ أَضحى الدينُ مُعتليًا … نَجْلِ الهُدى وَسليل السادة الصلحا
ما زلزلتْ مصرُ مِنْ كيد يُراد بها … وإنما رَقَصَتْ مِنْ عَدْلِهِ فَرَحا
ومنهم:
[٥٣٢] القاضي الجليس، أمين الدين المصري (٣)
ذو البيان الساحر، والبنان الساخر، كان ممن تُفْرَجُ الصدور لمجلسه، ويخجل الشفق لنرجسه.
وقد ذكره ابن سعيد في شعراء المائة الخامسة، وأورد شعره في المرقص (٤): [من الطويل]
стр. 6297
وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّ الصَّوارمَ والقَنَا … تحيض بأيدي القوم وهي ذُكُورُ
وأعجبُ مِنْ ذا أَنَّها في أكفّهم … تَأَجَّجُ نارًا والأكف بحور
ومنهم:
[٥٣٣] هاشم بن الياس المصري (١)
ما حلت مصر بمثله إقليمها، ولا حكت بشبيه فضله قديمها، طلع على السنام والغارب، وطبع في الأنام بره في يد الضارب.
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص قوله (٢): [من الطويل]
كأن بياض البدرِ مِنْ خَلْفِ نَخْلِهِ … بياضُ بَنان في اخضرار نقوش
وقوله (٣): [من الكامل]
وكأنما المريخُ بينَ نُجُومِهِ … ياقوتة في لؤلؤ مُتبدِّدِ
قلت: ويعجبني قوله أيضًا: [من البسيط]
والبدر في الأفق الغربي … إعراض وجهك لما لج في الغَضَبِ
ومنهم:
[٥٣٤] علي بن عباد الإسكندري (٤)
شاعر كان يجلو غرر المدائح، ويأخذ بدر المنائح، وكانت منن الوزراء تستوطف أعنقة قصائده، فيرد عليهم شُرُدَها، ويزن إليهم خُرَّدَها، ودام على هذا مدام عمره في تلك الأيام، وإيان تقلبه في عصور تلك اللئام.
стр. 6298
ثم غلب ابن الأفضل على الحافظ وامتهنه وأبقى باسمه سيماء الخلافة وسجنه حين لم يسمح له بالتسمية بأكثر من ولاية العهد ورعاية الوقت الحاضر لما يعلمه فيما بعد صرف إلى ابن الأفضل وجه مديحه، وأبي الأفضل مهجة، فلما دارت للحافظ الدائرة، واطلع نجوم تلك الحقود الغاشرة، وآل بابن الأفضل مآله، وودع الدنيا وما أوسقت أحماله، وأمر بضرب عنق هذا الشاعر، وحمله وسق ذنوب لا تحملها الأباعر.
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص يصف أقحوانة (١): [من البسيط]
كأَنَّ شمسةٌ مِنْ فِضَّةٍ حُرِسَتْ … خَوْفَ الوُقُوعِ بمسمار مِنَ الذَّهَبِ
ومن بقية شعره قوله: [من البسيط]
والأقحوانةُ هَيْفا وهي ضاحكة … عن واضح غير ذي ظَلْم ولا شَنَبِ
ومنهم:
[٥٣٥] إبراهيم بن شعيب المصري (٢)
رجل لم يضله تشعب الطرق، ولا لشغب الدجى على مطالع الأفق، وهو ممن يتمثل بأبياته، ويتأمل الحسن في أبياته، وقد أورد ابن سعيد قوله في المرقص (٣): [من السريع]
يا ذا الذي يذخر أمواله … عن مثل هذا الأسمر الفائق
ما الذهب الصامتُ إنفاقُهُ … مُسْتكَثر في الذهب الناطق
стр. 6299
ومنهم:
[٥٣٦] ظافر الحداد الإسكندري (١)
تدفق عذب الموارد، وتحقق أنه لم يضرب في حديد بارد، تضرم فطنة مثل لهيب موقده، وقابوس حسده، وأتى بما لا يقدر عليه صناع، ولا يتأتى عليه من قاسى الحديد امتناع، وابتسم به الثغر بوارق سيوفه التي طبعها، وسوارق أيامه التي نقى طبعها.
وقد أورد له ابن سعيد في المرقص قوله (٢): [من الكامل]
وَنَفَّرَ صُبْحُ الشَّيبِ ليل شبيبتي … كذا عادتي في الصُّبْحِ مَعْ مَنْ أُحُبُّهُ
وقوله (٣): [من الطويل]
وكأنما الدولاب يَزْمُرُ كلّما … غَنَّتْ وأَصواتُ الضفادع شيز
وكأَنَّما القُمْرِيُّ يُنشِدُ مُسرِعًا … مِنْ كلِّ بيت والحَمامُ يُجِيزُ
وقوله (٤): [من الوافر]
تأمل هيأة الهَرَمَينِ انظُرْ … فَحَوْلَهُما أَبو الهول العَجِيبُ
стр. 6300
كَعَمارِ ببيتين على رَحِيل … بمحبوبين بينهما رَقِيبٌ
وقوله في الرأي (١): [من المتقارب]
أَمَالَكَ في الرأي رأي فَإِنَّ … له صفةٌ أَوْجَبَتْ أَنْ يُحَبْ؟
يروقُكَ نَبيًَّا وفي قَلْبِهِ … فَيُبْصَرُ مِنْ حالتيهِ العَجَبْ
نصول السكاكين مصقولة … [و] في القَلي تمويهها بالذَّهَبْ
كأنَّ اللجين الذي قدْ عَلا … وذاك النضار الذي في الذَّنَبْ
لَفَائِفُ قُطْنِ لطافٌ وَقَدْ … تَبَدًا بأطرافهنَّ اللَّهَبْ
وقوله (٢): [من الطويل]
كأَنَّ الثَّرَيَّا تقدمُ الفَجْرَ والدُّجى … يضمُّ حَوَاشِي سِجْفِهِ للمغارب
مُقَدَّمُ جيش الرومِ أَوْمَى بكفِّهِ … لتهديد جيش من بني الزَّنْجِ هارب
وله في الهلال (٣): [من البسيط]
يلوح في الأفق الغربي في شَفَقٍ … كالنونِ خُطَّتْ على لوح مِنَ الذَّهَبِ
أَوْ حلقة مِنْ لَجَيْنِ ذابَ أَكثرُها … لما تغافل مُلقِيها على اللَّهَبِ
وقال في جام زجاج فيه قطائف مغرفة (٤): [من الرجز]
جام حوى في الظرفِ كُلَّ نابِ
لهُ غِشَاءُ صِيغَ مِنْ إهاب
مُزَعْفَرٌ مُجَلبَبُ الجِلباب
كظاهر النارنج والعاب
كأنّما صُوّرَ مِنْ سَرَابِ
صف على ساحاته الرحاب
قطائف لطائف روابي
لم يخش بلْ صُفَّتْ على اصطحاب
في المسك والفستق والجلاب
كأَنَّها أَلسِنَةُ الأحباب
في الشكل والنكهة والرضاب
стр. 6301
لمسها كوجنة الكَعَابِ
مختل وطعمها كان العناب
ينزل في الحَلْقِ بلا حجابِ
والناب عنها الدهر غير نابي
مختل واليدين السير والإياب
في نقلها للفم كالدُّولابِ
كانها زيارة الإغاب
وقوله (١): [من السريع]
وجلنار بين أغصانِهِ … يُبدِي أفانين الأعاجيب
كز عفران لاح في لادةٍ … حمراء في راحة مخوب
وقوله (٢): [من البسيط]
واقحوانه تحكي ثغر غانيةٍ … تَبَسَّمَتْ فِيهِ مِنْ عُجْبٍ وَمِنْ عَجَبِ
كشمسةٍ مِنْ لُجَيْنِ في زَبَرْجَدَةٍ … قد شرفت تحتَ مِسْمَارٍ مِنَ الذَّهَبِ
وللشقائق جمر في جوانبها … بغية الفحم لم تستره بالذَّهَبِ
وقوله (٣): [من الكامل]
رشفت ثنايا الشغر أفواه الصَّبا … أصلًا وَبرَّدَها الندى [ب] رضابِهِ
حيث النسيم الساحلي يزورُه … ونَدى رياض الرمل عطر ثيابه
ويعلني ذاك الخليج بسِرْبِهِ … سِيما إذا انتسجتْ دُرُوعُ أَحَبَابِهِ
فكأنه والريح تنقشُ مَتْنَهُ … خَرَزٌ عليهِ يُدَقُّ خط كتابه
كالمبرد المنقوش [نقشًا] خففت … آثار موقعه يدا ضُرَّابِهِ
حيث الغصون رواقص وحَمَامُها … يشدو لطيف الزمرِ مِنْ دُولا بِهِ
نعرت نواعير المياه واترعت … تلك التّراعُ وفض فيض عُبابِهِ
حتى يجرد سيفه أسيافه … بجداول جدلن في أعشابه
وقوله في المنارة بها والفانوس المعلّق وأجاد (٤): [من الوافر]
تُحاورها منارتها وفيها … وفي فانوسها أمرٌ عُجاب
стр. 6302
فتاة غادة بإزاء شيخ … قصير طال بينهما العتاب
وقوله:
وببحر المثل يرغو مثل عود … ويُزيدُ حين يُقلقه الهباب
وتحسب سفْنَهُ صِفَةً ولَوْنا … ينولا حين يرفعه العباب
وقوله:
وفي تلك الحدائق قدْ تَبَدَّتْ … شقائقُ شُقِّقَتْ منها الثياب
كأن الخمرة الحمراء راقت … وأوراق الشقيق لها قعاب
وقوله (١): [من الكامل]
قالوا: مَحَا الجُدَرِيُّ بهجتَهُ … قَسَمًا بربٌ مِنِّى لقدْ كَذَّبُوا
لكنْ صَفَتْ صَهْبَاءُ وجنتِهِ … لونًا فَكَمَّل وصفها الحَبَبُ
وقوله (٢): [من الوافر]
هي الدنيا فلا يُحزنك منها … ولا مِنْ أَهْلِها سَفَه وعاب
أتطلب جيفةً وتخاف منها … وتُنكِر أَنْ تُهارشكَ الكِلاب
وقوله (٣): [من البسيط]
كأَنَّما الليل يغشى الصُّبحَ مَغْرِبُهُ … فكلّما هم أن ينشق يشعبه
أو النجوم عطاش وهوَ موردُهُمْ … فكلَّما فاضَ نُورٌ منه تشربه
وقوله في الرؤوس وأجاد (٤): [من الوافر]
غدونا للغداء غَداةَ قُر … لأكل رؤوس أبناء النعاج
صغار السن وافرة سمانٌ … تُريكَ صفاء ناعمة نضاج
كأغشيةٍ مُبَطَّنةٍ بقطنٍ … مُقدرة على أدراج عاج
وقوله في الفحم (٥): [من الطويل]
كأَنَّ جُيُوشَ الفَحْم مِنْ فَوقِ جَمْرَةٍ … وقد جُمعا فاستُحسِنَ الضّدُّ بالضّد
غدائرُ جَوْدٍ فَرَّقَتَها وقَدْ بَدَتْ … على خَفَرٍ مِنْ تحتها حمرةُ الخَدِّ
فلما تناهي صبغُهُ خِلتُ أَنَّهُ … فصوص عقيق أو جَنى زَهَرِ الوَرْدِ
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 6303
كأن نجوم الليل لما تبلجت … توقّدُ جَمْرٍ في سواد رَمادِ
حكى فوق ممتد المجرّةِ شكلها … فواقعَ تطفو فوقَ لُجَّةِ وادي
وقد سَبَحَتْ فيهِ الثَّريا كأَنَّها … بَنِيقَةُ وشي في قميص حداد
ولاحت بنو نعش كتنقيط كاتب … بيسراه للتعليم هيأة صاد
إلى [أن] بَدَا وجه الصباح كأنَّهُ … رداء عروس فيهِ صَبْغُ حِدَادِ
وقوله (١): [من الطويل]
كأن الأقاحي والنهار دراهم … خلال دنانير تقابل ناقدا
كنورٍ بَدَتْ لولا ذُبُولٌ يُصيبها … لأصبح ما عند الصيارف كاسدا
وللسوسن المفتوح أبواقَ فِضَّةٍ … تُقابلُ مِنْ جمر الشقيق مطاردا
فلم أَرَ جمرًا قبلَهُ مُتَلَهْبًا … إذا لمسته الكف ألفته باردا
وقوله (٢): [من البسيط]
وليلة مثل عين الظَّبي داجيةٍ … عَسَفْتُها ونجوم الليل لم تقد
كأن أنجمها في الليل زاهرةً … دراهم والثريا كف منتقد
وقوله:
وفي يميني يمين الموتِ حائلةٌ … في صورة الموت لم ينقص ولم يزد
ماضي الغرارين لا تُدعى ضَرِيبتُهُ … بالفَرْدِ لو أنَّهُ أُلقي على أحد
راوي الجوانب ظمآنُ الحَشَا فَعَلَتْ … فيهِ يدُ القَيْنِ فِعْلَ الأُمِّ بالولد
كأنما النمل دبَّت فوق صفحته … فعادت آثرًا كالسر في الخَلدِ
وقوله يخاطب الأفضل، قاله بديها (٣): [من المتقارب]
ولما رأيتُكَ فوق السرير … ولاح المساور والمُسْنَدُ
رأيت سليمان في مُلْكِهِ … يخاطبني وأنا الهدهد
وقوله (٤): [من السريع]
انظر إلى الخال على خَدِّها … ولونه الأسود في الحُمْرَه
لطابع من عنبرٍخَطَّهُ … مُسَحِّر في أوسط الجمرة
стр. 6304
وقوله في الحمام (١): [من المجتث]
حمامُ لنا لِلنَّعِيمِ … وَلَذَّةٍ وسُرُورُ
مُنيرَةٌ بشُمُوسٍ … مَضِيَّةٍ مُبَثَّة بدور
كأنما كل حوضٍ … مَوَدَّة في ضُحَى ضَر
يكادُ يبصر فيه الـ … قذاةَ عين الضرير
يحكي المزاريب منها … صوابح البور
قد رُبِّعَتْ برخام … كنقشِ بُسُط الحرير
وقوله في الفحم والنار (٢): [من الطويل]
تأمل ففي الكانون أعجب منظر … إذا سرحت في فحمه جمرة النار
كما ميَّلَ الدَّنَّ المُرَوَّقَ ساكبٌ … فذابَ احمرار الخَمْرِ في حُلَلِ القدر
وقوله في الهلال (٣): [من البسيط]
أما رأيت هلال العيد حينَ بَدَتْ … منهُ بقايا جرم دائره
كحرف جام مِنَ البَلُّور قابلَهُ … ضوءُ وأخفي الدُّجى إشراق سائره
أو درهم فوق دينارٍ تَخَلَلَّهُ … علوًا وضاق عن استيعاب آخره
وقوله (٤): [من السريع]
والوَرْدُ فوقَ الماءِ ما بينَنا … قَدْ نُشِرَتْ أوراقه الحُمْرُ
لمْ تَرَ عيني منظرًا مثلَهُ … ماءً تَلظى فوقَهُ جَمْرُ
وقوله في النرجس (٥): [من البسيط]
كأنما النرجس البهيج حينَ بَدَا … قعابُ تِبْر على جامات بور
كأن أوراقه والشمس تصقلها … أوارق شمع فمن خام ومقصور
وقوله في المنارة (٦): [من البسيط]
وفي المنارة من تلقائنا قَبَس … والبدر يظهر ثلثاه لناظره
كشارب قام إجلالًا وفي يده … كأسان للشَّرْبِ مسرورًا بزائره
وقوله في النيل (٧): [من الطويل]
стр. 6305
تأملتُ بحر النيل طولًا وخلفه … مِنَ البُرْكَةِ الغَنَّاء شكلُ مُدَوَّرُ
عمامة شَرْبٍ في حواش بخضرةٍ … يُضَمُّ عليها طيلسانٌ مُقَوَّرُ
وقوله (١): [من السريع]
والشمس في مشرقها تُجتلى … مِنْ خَلَلِ الأَشجار في الأحمر
كأَنَّها نار وقدْ أُضرمتْ … مِنْ خَلْفِ سِترٍ خَلَقٍ أَخضر
وقوله في الفقاع (٢): [من الخفيف]
جاءنا بعد أكلنا فقاع … قد أجادَتْ إحكامه الصناع
وكأَنَّ الكيزانَ سُودُ السّبستا … ن ولكن جلودها أقماع
وقوله في كرسي نسخ (٣): [من الكامل]
نزّه لحاظك في غريب بدائعي … وعجيب تشبيهي وحكمة صانعي
وكأَنَّني كَفَّا مُحِبِّ شَبَّكَتْ … يومَ الفراق أصابعًا بأصابع
وقوله في الحمام (٤): [من السريع]
لا يشبه الحمام في وضعها … إلاّ حُمَيَّا الخَمْرِ فِي طَبْعِها
ففيهما منفعةٌ جَزْلةٌ … وإثمها أكبر من نفعها
وقوله في الرؤوس (٥): [من المتقارب]
غدونا إلى أرؤس أُحكِمَتْ … وتمَّتْ محاسن أوصافها
حكتْ قِطَعَ القطن ملفوفةً … كما فارقت كف ندافها
كأن تماثيل أشخاصها … وآنافها تحت أفواهها
خليع الطراطير بيضًا وَقَدْ … تَفَتَّق ما فوق أطرافها
وقوله في النيل (٦): [من المنسرح]
والنيل يحشو حَشَا الخليج وقد … كساهُ زَهر الربيع بإستبرق
ودَرَّجَتْ ماءَهُ الصَّبا فحكى … ثوب حرير مرايش أَزْرَقْ
وقوله:
وحُمْرَةُ الشمس في الغدير وقد … مرّت عليه ريح الصبا بعبق