لم يشف طيفك لما زارني ألما … وإنما زادني إلهامُهُ لَمَما
سرى إليَّ وطرف الليل مركبه … والبدرُ إِنْ يركب الظلماء ما ظَلَما
ولم يزل يدعي زُوْرًا زيارته … حتى تملك مني الحلم والحلما
نادمته فسقاني كأسَ مُرتشِفٍ … يُغني النديم عليها كفَّهُ نَدَما
حتى إذا شابَ فَوْدُ الليل وانعطفت … قناته فبداني خطوها هَرَما
ورُحْتُ اعبد منه دمية فرضت … بعريب قلبي في دين الغرام دما
وَجْدٌ طلبتُ له كَتمًا فأردفني … سيبًا ثنائي أيضًا أطلب الكتما
ولمَّةٌ مُذْ هَفَتْ فيها مُلِمَّتُهُ … عادت رَمادًا وكانت قبلَهُ فَحَما
فالسير حتى يقول العِيْسُ مِنْ ضُمْرٍ … صِرنا رُسُومًا وكنَّا أَيْنُقًا رُسُما
في عصبة كلّما شامت صوارمُهُم … يد الحفيظة في جُنْحِ الدُّجى انصرما
عاطيتهم غير بنتِ الكَرْمِ مِنْ سَمَرٍ … على تعاطيه رحنا نذكَرُ الكَرما
وقوله (١): [من الخفيف]
حي وجهًا من الرياض وَسِيما … غاب عن ناظري فأهدى النسيما
عاودتنا البليل منه بليل … فأعادت لنا الحديث القديما
وأحالت على الفؤادِ غرامًا … طالَ تَرْدَادُهُ فصار غريما
ذكرتنا عهد المقيم على العَهْدِ … وإِنْ لم يكن عليهِ مُقيما
ومدامًا لا عذر للخالعِ الغُدْ … رِ وعليها أن لا يكون مديما
بعثت نفحة الحنان مِنَ الكأس … وشبّت في جانبيها الجحيما
أتراها إذ أدركت عصر إبرا … هيم جاءت بنار إبراهيما
هات بنت الكروم صرفًا ودعني … في يدي بائس أعيش كريما
زُرْتُ مِنهُ مَنْ لا يَمَلُّ مِنَ النُّعْمى … بديلًا فهلْ أَمَلُ النَّعيما
ملك شاعر السماحةِ يأْبَى … أَنْ يَمَلُّ التسهيم والتقسيما
أَخَذَ الدهرُ ذِمَّةً مِنْ يديهِ … منعتهُ مِنْ أَنْ يكونَ ذَمِيما
أريحي بني له الجودُ بيتًا … قد أَطافَ الورى به تعظيما
ووسيم الجبين يُظهِرُ منهُ … مِنْ بِلالٍ أبيه أشرف سيما
شَرَفٌ زاحم النجومَ بفَوْدَيهِ … ومجد رأسي فَشَقَّ التَّخُوما
أيها القاطع الفلاة أكامًا … يمتطيها دون الرفاق وكوما
стр. 6337
قُمْ فطالع من نيري آل عمرا … ن بدورًا قد تُمِّمَتْ تتميما
واعتمد ياسرًا خصوصًا تجده … فوقَ ما أَنْتَ ترتجيهِ عُمُوما
فهنيئًا بالعام ألبسك الله … به النائل الجزيل العميما
نِعَمُ اللهِ فيكَ لا أسألُ الله … إليها نُعمى سوى أن يدوما
وقوله (١): [من الوافر]
طَرَحْنا فوقَ غاربها الزماما … فأسلمها الفرار إلى الخُزامى
رَعَتْ بالجَزْعِ أَسْنِمَةَ الرَّوابي … فجاءت وهي تحملها سناما
إلى أن عارضتنا فاستَرَبنا … أَكُومًا نحن ننظرُ أَوْ أَكاما
وقالت: والخيام صباح عشر … لليلتها ألا حي الخياما
فعُجنا بالأراكِ على أرَاكَ … صَدَحْنا في ذَوَائِبِهِ حَماما
وملنا بالعَقِيقِ فقام جسمي … بِهِ يقري على قلبي السلاما
ويعمل كالأهلةِ ضامِراتِ … ليبلغ فوقها القمر التماما
بباب الفاضل المفضالِ حَطَّتْ … فأَطلَقها وأقعدنا وقاما
تحطُّ لثام نائله قصيدٌ … وقد عَقَدَ الحياء له لثاما
ومِنْ أَحكامِهِ أَنْ ليس يُبقي … على الأحرار للدهر احتكاما
وأَسْكَرنا بيانًا دامَ حتى … عجبنا كيفَ حَذَّرَنَا المُداما
معان يجلس الفُصحاء عنها … ويُسْمِعُها خواطرهم قياما
يتيماتٍ يُصدِّقُ في عُلاهُ … مقالةَ مَنْ دَعاهُ أَبا اليتامى
ويَعْمَى مَنْ رأَى الأَجسامَ عُطلًا … فقلَّدَها أَياديه الحساما
وقوله (٢): [من السريع]
ما ضر ذاك الريم أَنْ لا يريم … لو كان يرثي لسليم سليم
وما على مَنْ وَصْلُهُ جَنَّةٌ … أَنْ لا أُرى مِنْ صَدِّهِ في جَحِيم
أعندما هِمْتُ بهِ رَوْضَةً … أَنْحَلَ جسمي لأكون النسيم
مالسقيم صِحَّةٌ عندَ مَنْ … ضَنَّ بها منهُ لجَفْنِ سَقِيمٌ
وكيف لا يصرمُ ظَبْي وَقَدْ … سمعتُ في النِّسبة ظبي الصَّرِيم
رقيمُ خَدِّ نامَ عَنْ ساهر … ما أخلق النوم بأهل الرقيم
стр. 6338
وعاذل دام ودام الدجي … بهيمة نادمتها في بَهِيم
يُغِيظُني وهو على رِسْلِهِ … والمرءُ في غيظ سِواهُ جَحِيم
وقوله: [من الكامل]
أسهرتهم وشهرتها فهجوعُهُمْ … مُذْ أُحرقت في راحتيكَ حَرَامُ
فكلاهما جَفْنٌ منعت غرارَهُ … لكنَّ ذا غضب وذاك مسام
أوعرت في طلب العُلا وتسهّلَتْ … فيهِ أُناس إذ سهرت وناموا
لاموك في بذلِ النَّدَى وعصيتهم … فكرُمْتَ رُغمَ أنوفهم وألاموا
ما يوسف في المُلكِ إلا يوسف … لكنَّما أَعوامه الأعوام
وقوله (١): [من السريع]
طول قريبه وعلاهما … ما شَرِبا مِنْ نُطَفِ العالم
لؤ كان في الممكنِ أَنْ يُثمِرا … ما أُثمرا غير بني آدم
وقوله (٢): [من المنسرح]
هَبْهُمْ رَضُوا غير قلبِهِ وَطنا … ايرتضي غيرهم لهُ سَكَنا
لا والذي لو أحالَهُمْ خَبَرًا … أَحالَ أعضاءه لهم أُذُنا
ما نَثَرَ الشَّوقُ دَمعَهُ زَهَرًا … وللهوى أَنْ يُقطَّعَ البَدَنا
لولا بحار الدموع زاخرة … ما اتخذوها لغيرها سُفُنا
يا صاحبي احبسًا أَعَنَّتَها … ولا تُقيما صدورها عننا
رأيتُ عَدْنا بناظري فلا … أطلب للطيب بعدها عَدَنا
حمدتُ في ظل أحمدٍ زَمنًا … صَرَّف بالجودِ صَرْفَهُ زَمَنا
وقوله (٣): [من الكامل]
عَقَدُوا الشُّعُور معاقِدَ التيجان … وتقلدوا بصوارم الأجفانِ
ومشوا وقدْ هَنَّ الشباب قدودَهُمْ … هَزَّ الكُماة عَوَاليَ المُرَّانِ
وتوشَّحوا زَرَدًا فقلتُ: أَراقمٌ … جُعِلتْ ملابسها على غزلان
في حيث أذكى المهري شَرارَةٌ … رَفعَ الغبار لها منارَ دُخان
وعلا خطيب السيفِ منبر راحةٍ … تتلو عليهِ مَقاتِلَ الفرسان
стр. 6339
هاتيك شمس الراح يَسطعُ نُورُها … مِنْ خَلْفِ سُحْبِ أَبارقٍ وقَنَاني
وهلالُ شَوَّالٍ يقولُ مُصدِّقًا: بيدي … عصبتُ النون من رمضان
والورق في الأوراق قد هَتَفَتْ على .... عَذْبِ الغُصُونِ بأعذب الألحان
وكأنَّما مَدَحَ الأثيرُ أَثارَهَا … لو مُيّزت ألفاظها بمعاني
قاض لهُ فَضْلُ القَضَاءِ فقدْ غَدًا … يرضى بحكمة حكمه الخَصْمَانِ
بأنامل سالت وصالت فادَّعى … في حُسْنِها البهتان بالبهتان
وثنى تكرر كُلِّ أَوَّلِ مَفْخرٍ … تكرير بسم الله في القرآن
ومكارم عصبتْ بواجب حقها … ما قاله حَسَّانُ في غَسَّانِ
وقوله (١): [من البسيط]
حيث التفتَ فكثبان وقُضبانُ … شَجَتْكَ نيرين واستهوتك نعمان
يثني ويثنون مِنْ أعطافِهِمَ طَرَبًا … لقد تشاكلت الورقاء والبان
فانظر إلى جُلنار في ثُغُورِهُمُ … تَعْلَمْ بأَنَّ ثمارَ الصَّدْرِ رُمَّانُ
طالبتهم بالتفات عندَمَا رَحَلُوا … لمَّا شَكَكْتُ بِأَنَّ القومَ غزلان
وقلتُ: قلبك يطوي سِرَّ صُحِفهُمُ … فكيف فاتكَ أَنَّ الدمع عنوان
قال العذول: اسل عنهم فقلت نصحك … لي ما صادف القلب إلا وهوَ مَلَانُ
لو استعرتُ فؤادًا واستعنتُ بِهِ … ما كان يُمكنني في الحُبِّ سُلْوَانُ
خُذها وهات ومن عينيك ثانية … هي الكؤوس ولكن قيل: أَجفان
نفسي فداؤُكَ مِنْ غُصْنٍ شمائلُهُ … إِذا ذُكِرْتَ طَوَى نيسان نيسان
عطفتُهُ بيد الصهباء طَوْعَ يدي … هَلْ يُعطَفُ الغُصْنُ إلا وهوَ رَيَّانُ
ياهَلْ لقلبي من أن يحيد بِهِ … إلى اعتقاد الغواني وهو أوثان
ماذا الضلال ونجم الدينِ مُتَّضِحٌ … يكادُ يُبْصِرُ منه النور عُميان
نجم هو الصُّبحُ إِلا أَنَّهُ أَسَدُ … كالغيث في حُكْمِ طَوْدٍ وهو إنسانُ
وقوله (٢): [من الكامل]
وركبتُ فوقَ مَطَا أقبٍ مُضْمَرُ … في مَهْرَقِ البيداء مثل النون
لو لم يكن هاديه جذعًا مُشرِفًا … ما كانَ مِنَ عِطْفَيهِ كَالعُرْجُونِ
وسمت حوافره الفلا بأَهِلَّةٍ … هيَ مِنْ مَجَرِّ السِّحْرِ فَوقَ غُصُونِ
стр. 6340
وقوله (١): [من الوافر]
على عداه أحداق صغار … ترى ما الماء عَنْ مَراه جنّه
فيرسلها إليه وهي در … ويأتيه وقدْ مُلِئَتْ أَسِنَّة
وقوله: [من الطويل]
جَحَدْتُ الهَوَى عندَ العَوَاذِلِ ضِنَّةً … عليهمْ بِمَنْ أَصبُوا إليه وأهواه
ولو قلت: إني عاشق فظنوا بِهِ … لعلمهُمُ أَنْ ليسَ يُعْشَقُ إِلَّا هُو
وقوله (٢): [من مجزوء الكامل]
حسن ملاوي عُودِهِ … مهما تناوله مساوي
وكأَنَّهُ إِنْ جِؤْتَهُ … مِنْ بعدِ تحرير الملاوي
كلب يجاذِبُ كفّه … السوطه والكلب عاوي
وقوله: [من السريع]
إحسان شعري فيكمُ مُخْبِرُ … أَنَّكُمُ حَسَّنْتُمُ حاليا
فالأفق ما نهلت شآبيبه … إلا انثنى الروض به حاليا
وقوله (٣): [من الكامل]
أرسلت لي سطرين قَدْ جَمَعَا … حُمْقًا عليك يحرم البقيا
فَعَدمْتُها مِنْ رُقعةٍ وردتْ … ولوَ أَنَّها هي رقعة الدنيا
ومن الزيادات في ديوانه قوله (٤): [من السريع]
أنشأت حَرْبًا بينَ فُرسانها … تجري بنا فيها خيولُ الطَّرَبْ
رماحُها الشَّمْعُ وأسيافها … نارُ الغَضا والدم ماءُ العِنَبْ
تسمح الراح بأرواحنا … لكننا تَرْجِعُ فيما نَهَبْ
وقوله (٥): [من الطويل]
لقد ذكرتنا عهد ظمياء باللوى … حمائم أيك في ذراه صوادح
وقد كان ينأى بالمليحة بخُلُها … فكيف فهذا بينها والكواشح
وقوله (٦): [من الكامل]
стр. 6341
ولقد أَسَمْتُ الثغر منكَ مُهْنَّدًا … خِلناه ذاكَ العَضْبَ رُدَّ لِعَمْدِهِ
فكأنّ عدلك أقحوانةُ ثغرِهِ … وكَأَنَّ ما سَكَ جُلَّنارَةُ خَدِّهِ
وكفى أمير المؤمنين مفاخرًا … أَنَّ المعظم واحدٌ مِنْ جُنْدِهِ
لا تبك للإسكندر الماضي فَذَا الإ … سكندرُ الباقي أتى من بعده
وقوله (١): [من الخفيف]
وغني الجمال يشرق خدا … هـ بما لا أحده من نضاره
لم يكن بهرج العقول ليخفى … وهو جار على مَحَكَ عِذاره
وقوله في الكتاب (٢): [من الكامل]
ومُسامِرٍ تُسليكَ عَنْ سِنَةِ الكَرى … ألفاظه فالليل منه نهار
لا شيء أنصفُ منهُ يُظْهِرَهُ سِرَّهُ … أبدًا وتخفى عنده الأسرار
وقوله (٣): [من الكامل]
إنَّ الليالي ما ذممتُ صُرُوفَها … مُنْذُ استجرت بياسر وذِمامِهِ
إن شئت تعلمُ أَنَّهُ الملك الذي … ما زالَ صَرْفُ الدهرِ مِنْ خُدامِهِ
قم حامِهِ في معشرِ مِنْ حَامِهِ … أوسامِهِ في معشر من سامه
يلقى الذي ما زال مِنْ إقدامِهِ … يتعثّرُ التيجانُ في أَقدامه
ومنهم:
[٥٣٩] الأسعد بن مماتي (٤)
معين مُعان عذبه المكرع، وجنات ثمر طيبة لا تقطع، كان في الصحبة
стр. 6342
الفاضلية لا يفارقها إلا قليلًا، ولم يرافقها وقد أمسى للنجوم نزيلًا، من بحره الطامي ولا يروى، ويحبّ في فهمه المنامي ولا يغوى، وجاش في الدواوين وخدم عدة من السلاطين، أتت عليه الدولة الصلاحية وهو من أهل الصلاحية، وبقي إلى أخريات زمان الكامل، وقلمه مصرف العامل، وقد أخذ بجانبي البلاغة، لا بجانب في طرفيها، ولا يغالب على بدائع وصفيها، هذا إلى حساب أتقنه حتى لو أراد أحصى الحصا لعدّه، أو حصر الفضاء لحدّه.
وهو إلى هذا شاعر متحمس لأفكاره الحواري، وينام عن عينه السواري، ويجيء بالأسمار بنهر حسنها، ويفارق لها القرائن فيظهر حزنها، وكانت بينه وبين السعيد ابن سناء الملك هنات وأمور ما ألمت فيها بأحلامهم، وقد ملأت رسائل هذا المتكلم أذن رفيعة، وإذ كنت في جوانب قلبه شُعَل حريقه.
ذكره ابن سعيد وجعله أول شعراء المائة السابقة، وأورد له في المرقص قوله (١):
مررت بدار الملك والنيل آخذ … بأطواقها والماء يضربها ضربا
وذكره ابن خلكان، وقال (٢): كان ناظر الدواوين بمصر وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة ونظم السيرة الصلاحية، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر رأيته بخط ولده، ونقلت منه مقاطيع، فمنها قوله: [من الوافر]
يُعاتبني وينهى عَنْ أمور … سبيلُ الناس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني … وحقك ما عليَّ أضر منها
стр. 6343
وقوله في ثقيل رآه بدمشق: [من مجزوء الوافر]
حكي بنهرين مافي الأر … ضِ مَنْ يحكيهما أبدا
حكى في خَلْقِهِ ثَوْرًا … وفي أخلاقه بردى
ثم قال: وقد أخذ معنى بيته من قول بعضهم: [من الكامل]
ضاهى ابن نمران مدينة جِلَّقٍ … فكلاهما يومَ الفَخَارِ يزيد
ألفاظه بردى وصورةُ خَلْقِه … ثورٌ ونقص العقل منه يزيد
قلت: وقد ذكر ابن مماتي بيتيه هذين في كتابه المسمى «طريق الطليق»، وقال: إني قلتهما لا في أحدٍ بعينه فبلغت السلطان، فقال لي: فيمن قلتهما، فقلت: يا مولانا والله - ما تعيَّن إلى الآن [مَنْ] يحسن ألصقهما في قفاه، فضحك وقال: هذه الكلمة - والله - أحسن منها.
قال ابن خلكان (١): فكان الأسعد قد خاف على نفسه من ابن شكر فهرب من مصر مستخفيًا، وقصد حلب لائذًا بجناب الملك الظاهر فتوفي بها في سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة ودفن بالمقام قريب مشهد الهروي. قال (٢): وكان جده أبو مليح مماتي نصرانيًا، وكان كثير الصدقة، وقد رثاه ابن مكنسة بقوله: [من مجزوء الكامل]
قويت سماء المكرمات … وكُورَتْ شمس المديح
من ذا أُؤملُ أَوْ أُرَجُي … بعد موت أبي مليح
انتهى كلامه فيه.
قلت: وللأسعد شعر بل سحر، وقد اخترته، ومنه قوله (٣): [من البسيط]
أراكم كحَبَابِ الكأس مُنتظمًا … فما أرى جمعَكُمْ إلا على قدح
وقوله (٤): [من البسيط]
ما صِرْتُ أُجسرُ أَنْ أبكي لفرفتهمْ … لأَنَّهم زَعَمُوا أَنْ البُكا فَرَجُ
وقوله (٥): [من البسيط]
стр. 6344
فمتعوني ولؤ ليلًا بطيفكُمْ … ما دمتُ أَقدرُ مِنْ رُوحي على رَمَقِ
وقوله (١): [من الوافر]
خليج كالحسام لهُ صِقَالٌ … ولكن فيه للرائي مَسرَّه
رأيتُ بهِ الصغار تُحيدُ عَوْمًا … كَأَنَّهُمُ نجوم في المجره
وقوله: [من الوافر]
مخازيكُمْ تضمنت المجاري … يجوز فعلها ما لا يجوز
لصوص يرفعون إلى لصوص … حسابهم وبينهمُ رُمُوزُ
وقوله: [من الوافر]
مخاريم عملن بغير ميم … لديوان الخَراجِ بغيرِ حِيْمِ
وقوله: [من المنسرح]
صبحك الله بالسعادة … والنعمة يا من عليهِ مُتَّكَلي
ودمت في دولةٍ مُؤَيِّدة … بطالع طالع على الدُّوَلِ
وقوله: [من الطويل]
لنا مَلِكٌ قد أجمعَ الخَلْقُ كلُّهم … على أَنَّهُ لمْ ينتج الدهرُ شِبْهَهُ
واطراب جو كانا له حسنُ لعبه … فصافحَ يُمناه وقبَّلَ وجهَهُ
ومنهم:
[٥٤٠] السعيد، أبو القاسم، هبة الله بن الرشيد جعفر بن سَنَاء المُلْك (٢)
كان شعلة قريض، وشعبة ناره لا يخبو لها وميض، تنوع في الكلام وفنونه،
стр. 6345
وأنف إلا ما يسحر بفتونه لزم الخدمة الفاضلية وتخرّج عليها، وتدرج لديها وأخذ من بضاعتها وردّه إليها، وافى له في كل الأساليب كل معين لا يغور له قليب، ولا ينور له غير الجوزاء قضيب، ولا يجيء أدرع أصابع منثورة في راحة الكف الخضيب، ولا يماثل نظمه عقود الشهب على مفرق الصباح، ولا موشحاته ما يوشح به الطل مشرفات الأقاح، وكان يؤدّب الأشرف ابن الفاضل، وكان عليه أبوه جد حريص، وكان يطالبه بتثقيف أوده، وتأجيج مفتاده، وكم له من كتاب كتبه إلى الرشيد يذكر فيه ولده الأشرف ويتعلّم منه أخباره ويتعرف، ويقول فيه ما معناه: وأنا ما أعرف إلا معلمه ولا ألزم بصقال فهمه إلا مفهمة.
وكان السعيد يكتب في ديوانه الإنشاء، ثم نقل إلى الجيش فتألم من جرائده، وانحصر بضبط قوانينه وعوائده، فتكلّف ما لم يُعوّد، وتشوف من عقود الإنشاء إلى ما كان يتقلد، فعمل على هذا الأمر وبنى وينبغي له حتى تسنى فهدأ حينئذ قلبه، واطمأن في مهاد الراحة جنبه، وكان لا يطرح يوم السرور إلى غد، ولا يقترح من الدنيا إلا العيش الرغد، وكان لا يزال في معشوقه، ولا يبرح بين صبوحه وغَبوقه، يعمل كؤوس اللهو بحبها، ويمسكها في يديه ثم لا يطول فيها لبثها. ولا يفتأ له فتى كالبدر يغازله، وسنى من البدر ينازله، أو فتاة يهواها ويضرم قبله بهواها، ومجلسه مجلس سرور لا يكدر صفوه، ولا ينغص بالجد لهوه، وكانت تعينه سعة الحال على هذه اللذات، ولأبيه مكانة تمتع أن يُطرق سربه بقذاه.
وقد أورد ابن سعيد له في المرقص قوله (١): [من الطويل]
وأشكو إلى ليل الغَدَائِر غدرها … وأُملي عليه وهو في الأَرْضِ يكتب
وقوله (٢): [من البسيط]
стр. 6346
لا تخش منّي فإني كالنسيم ضني … وما النسيم بمخشي على الغُصُنِ
قال ابن خلكان فيه (١): الشاعر المشهور المصري صاحب الديوان المضمن الشعر البديع، والنظر الرائق، أحذ الفضلاء الرؤساء النبلاء، وكان كثير التخصص والتنعم محظوظًا من الدنيا، أخذ الحديث عن السلفي واختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسماه «روح الحيوان» - وهي تسمية لطيفة، وله ديوان جميعه موشحات سماه «دار الطراز» (٢) وجمع شيئًا من الرسائل الدائرة بينه وبين الفاضل إلى أبيه مما جاء ذكره فيه عرضًا أو إلى ابنه الأشرف على هذا المقتضى، إذ كان الفاضل كثير الغض منه، والتغافل إذ عدمت الأعيان عنه.
قال ابن خلكان (٣): واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين، وكانت لهم مجالس تجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها، ودخل مصر في ذلك الوقت ابن عنين فاحتفلوا به، وعملوا له دعوات، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش، وكانوا يقولون: هذا شاعر الشام، وجرت لهم محافل سطرت عنهم، لولا خشية التطويل لذكرت بعضها.
وقال (٤): وكان بمصر شاعر يقال له: أبو المكارم هبة اللهبن وزير فبلغ السعيد أنه هجاه فأحضره إليه وأدبه، فقال ابن الهيثم: [من البسيط]
قُلْ للسعيد أدام الله نعمته … صديقنا ابن وزير كيف تظلمه
صفعته إذ غَدَا يهجوكَ مُنتقمًا … فكيفَ مِنْ بعد هذا أنت تشتمه
هجو بهجو وهذا الصَّفْع فيه … والشَّرع ما يقتضيه بلْ يُحرِّمُهُ
فإن تقل ما لِهَجْوِ عِندَهُ أَلَمٌ … فالصفح - والله - أيضًا ليسَ يُؤلَمُهُ
قلت: ولابن مماتي رسائل إلى ابن سناء الملك فيه ذكر ابن وزير فيها من قوارع التقريع ومؤلم الكلام مالا طاقة له بحمل سهامه الناضجة، ووقع سيوفه القاتلة.
وقد ذكر العماد الكاتب في الخريدة، وقال (٥): كنت عند القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ثاني عشر ذي القعدة سنة سبعين وخمسمائة فأطلعني على قصيدة
стр. 6347
كتبها إليه من مصر، وذكر أنه لم يبلغ عشرين سنة فأعجب بنظمه، ثم ذكر العينة التي أولها (١): [من الطويل]
فراق قضى للهم والقلبِ فالجَمْعِ … وهجرٌ تَوَلَّى صُلْحَ عيني مع الدمع
قال ابن خلكان (٢): وعلى هذا التقدير يكون مولده سنة خمسين وخمسمائة، وقيل سنة ثمان وأربعين، والله أعلم.
قال العماد (٣): ثم وصل - يعني السعيد - إلى الشام في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين في الخدمة الفاضلية فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز صناعتي النظم والنثر غاية يتلقى عرابة العربية له باليمين راية، قد ألحقه الإقبال الفاضلي قبولًا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولًا، وأنا أرجو أن يرقى في الصناعة رعيته، ويعزر عند تمادي أيامه في العلم نُغْبَتُه، وتصفو من الصبا منقبته، ويروى بماء الدُّرْبَةِ رَوِيَّتُه، ويستكثر فوائده، ويؤثر قلائده.
قلت: وأما المنتقى من درّه فمنه قوله (٤): [من مخلع البسيط]
وبا ذهنج علا بناء … لكنه قد هوى هواء
دام عليل النسيم فيه … كأنه يطلب الشفاء
وقوله (٥): [من البسيط]
لو رامها الطرف لم يظفر ببغيته … ولو رماها بقوس الأُفْقِ لَمْ يُصبِ
تلقى إذا عطشت والبرقُ أرشيةٌ … كواكب الدَّلْوِ في بئر منَ السُّحُبِ
ل القلاع تروم السحب في صُعُدٍ … إلا العواصم تبغي السُّحْبَ فِي صَبَبِ
حتى إذا أتى من منال النجم مطلبه … يا طالب النَّجم قد أوغلت في الطَّلَبِ
مَنْ لو أبى الفلك الدوّار طاعتَهُ … لَصُيّرَ الرأس منه موضع الذَّنَبِ
أتي إليها بحر البحر ملتطمًا … والبيض كالموج والبَيْضاتُ كالحَبَبِ
وقد حواها وأعطى بعضها هِبَةٌ … وهُوَ الذي يَهَبُ الدنيا ولم يُهَبِ
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 6348
سرى طيفه لا بل سرى بي سرابه … وقد طارَ مِنْ وَكْرِ الظلامِ غُرابه
وأحلى عتابًا يستطاب فليتني … أطَلْتُ ذنوبًا لي بطول عتابه
وفي غَزَلي ذِكْرُ العُذَيْبِ وبارق … وما هو إلا تَعْرُهُ ورُضابُهُ
وفي القلب شوق كادَ مِنْ ذِكْرِهِ فَمِي … تُحَرِّقُه نيرانه والتهابه
إلى غائب إن جاءني عنه سائل … فسائِلُ دمع المقلتين جَوَابُهُ
إذا استبطأ المشتاقُ أَوْبَةَ حِبِّهِ … فَمَنْ لي بمحبوب يُرجى إيابه؟!
وإنْ لم يَجُدْ لي مِنْ يديكَ سَحَابُهُ … فبيني وبين الهالكين تشابه
وما الدهر إلا خادم أنتَ رَبُّهُ … وما الرزقُ إلا منزل أنتَ بابه
وقوله (١): [من الطويل]
ملوك يحوزون الممالكَ عُنْوَةً … بسمر العوالي أو ببيض القواضِبِ
رماح بأيديهم طوال كأنَّما … أرادوا بها تثقيب در الكواكب
وقوله (٢): [من الطويل]
وقد زَعَمُوا أَنّي قُتِلْتُ وإنَّني … رضيتُ فما بال المليحةِ تَغْضَبُ
وشاربةٍ خَمْرَ الدلال فعمرها … يُغنّي عليها حليها وهي تشرب.
أخوضُ دموعي وهي تلعب غفلةً … فإني وإياه نخوض ونلعب
وأشكو إلى ليل الغدائرِ غَدْرَها … وأُمْلي عليه وهو في الأرض يكتب
منها:
نصحتك جنّب بأسه فهو مُهْلِكٌ … وإلا جودَهُ فهوَ مَطْلَبُ
وليس القلاع الشم إلا ببابِهِ … فَمَنْ شاءَ يكسوها ومَنْ شاءَ يسلب
تغيَّرت الآفاق فيكَ محبةً … ومَنْ ذا الذي يحبو ولا يتجنَّب
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
وحوائجي لم تقض منـ … ـها حاجةً وقضيت نحبي
ختم الحبيب بخاتم منه … على سمعي وقلبي
هو خاتم لي فيه يًا … مافيه مما صاغ ربّي
الحُسْنُ خَلْقُ اللهِ جـ … ـلَّ جلاله والعشق كسبي
стр. 6349
وقوله (١): [من الطويل]
لنصرك حتى تملك الغَرْبَ بالغَلْبِ … قد اجتمعت زُهْرُ الكواكب في الغَرْبِ
وأنت بفضل البأس والعلم والتقى … مليءٌ من الأنصارِ والجُنْدِ والصَّحْبِ
وأظهرت فينا مِنْ سَمِيكَ سُنَّةً … فأظهرتَ ذاكَ الفَرْضَ مِنْ ذلكَ النَّدْبِ
أُحِبُّكَ للفضل الذي أنتَ أهلُهُ … ويُعذلُ إِلا مَنْ يحبك في الحُب
وقوله (٢): [من الطويل]
أبي القلب إلا أن يبيتَ بهِ صَبّا … وهيهاتَ صَبًّا أَنْ يُلاقي لهُ قَلْبا
سبا القلب منّي لحظُ ظَبْي أُحِبُّهُ … فيا قلب ما أصبى ويا لحظ ما أسبى
وقالوا: أمن باب التفرق بيننا … دخلت إلى السلوان قلت: نعم سربا
وكيف سُلُوِّي بعد بعدي لحفظِهِ … عُهودي وقدما كنتُ أَنَّهِمُ الْقُرْبا
وقوله (٣): [من الطويل]
أخذت ضَنَى عينيك وهنا على قلبي … [و] حَسْبِيَ جَهْلًا لم أَقُلْ بعدَهُ قلبي
صفاتك في كُلِّ الوجود مليحةٌ … فلحظكَ يُضْنِي وَهُوَ إِنْ صَحْفُوا يُصْبِي
وقوله (٤): [من الطويل]
عليك زكاة فاجعليها وصَالَنا … فَعُمْرُكَ في العشرين وهيَ نِصاب
منها:
وإفراط حبّي للعجوز التي غَدَتْ … عَروسًا تَهَادي والعقود حباب
إذا قتلوها بالمزاجِ تَبَسَّمَتْ … كشاربها يرتاح وهُوَ مُصاب
ومنْ عَجَب إنا نصيرُ بشُرْبِها … شياطين تُردي الناس وهي شهاب
وقوله (٥): [من البسيط]
حماه نار وذاك الجسم منْ ذَهَبِ … والنارُ تُعرف بالتحسين للذهب
وقوله: [من مجزوء الكامل]
مَلُحَتْ ليال بالعُذَيبِ … لِحِمى غَزَالٍ لا كُليب
ومضت لا وعيب لها … إلا المضي بغيرِ عَيْبِ
стр. 6350
وقوله (١): [من الكامل]
فَرَّقْتَ بينَ بنانها وخضابها … وجَمَعْتَ بينَ سُلافها ورضابها
ورأيت منها قدَّها متمايلًا … فجنيتُ مِنهُ زَهْرَهُ مُتشابها
إني فاعثر في سلوكِ عُقُودِها … وتظلُّ تعثر أنتَ في أطنابها
كانت وكنت وكانت الدار [التي] … ياليت لا كانت ولا كُنّا بها
منها:
جود بسيط والبسيط طبيعةٌ … أَمِنَتْ تغيُّرها على أحقابها
عبد الرحيم على البريةِ رحمةٌ … أَمِنَتْ بِصُحْبَتِها حُلُولَ عِقابِها
وقوله (٢): [من الكامل]
حَسْبي كما حَكَمَ الغرام وحسبها … إنّ الغرام يزورني ويُغِبها
أسري بأودية الفلا فيخصني … بسَرَابِها ويخص غيري شُرْبُها
وأُحِبُّ ليلي وهي ليس تحبُّني … وتحبّني سعدى ولستُ أحبها
عُلِّقْتُ ظبيته وعيشي أخضرٌ … فَرَعَتْهُ ظَنًّا أن عَيْشَى عُشْبُها
وأبي الغرام لقد رثيتُ لِمُقلتي … إِذْ صَارَ شَرْقَ دموع عيني غربها
ضَرَبَتْني الدنيا فلم أحْفَلْ بها … إنَّ الحبيبة ليسَ يُوجِعُ ضَرْبُها
حمدًا لأحمد كم له من نعمةٍ … أَوْرَتْ أَشِعَتُها وأَرْوَتْ سُحْبُها
المنهبُ الآلاف عِلْمًا أَنَّهُ … لا يحرسُ العلياء إلا نهبها
وأرى العقودَ حَسَدْنَ ما َقدْ سَطَّرَتْ … يُمْناه حتى اصْفَرَّ منها حَبُّها
أما البريّةُ فالقشور لهذهِ الـ … ـدُّنيا وأما أنتَ أنتَ فقلبها
وقوله (٣): [من الخفيف]
آذَنْتَنا يومَ النَّوى بالحَربِ … أسْهُمُ التَّرْكِ من عيونِ العَرَبِ
ووراء السيوف محتجبات … تنتهز أنوارها بالحجب
لثمت فوق نقبها فتهنينا … ولا غرو فالهنا في النقب
أَلِفَتْ نومها على الكتب حتى … عَلِقَتْ في الإزار بعض الكتب
عَذَّبَتْني بحبها وهُوَ عذب الـ … ـطَعْمِ وَيْلي مِنَ العذاب العذب
ليس إلا دمعي الذي مَنْ رأى جَفْـ … ـني راه كأن دمعي هذبي
стр. 6351
منها:
غلطوا ما هي الأساريرُ في كَفَّـ … ـيْهِ بل تلْكَ سُحُب للسحُبِ
ورأتْ حُبَّه الملوك من الفـ … ـرْضِ ولا فرض مثل حبّ النَّدبِ
وقوله (١): [من الطويل]
لَئِنْ كنتَ من عيني نُقِلْتَ إلى قلبي … فقد صار أقصى البُعْدِ فِي أَقْرَبِ القُرْبِ
لم أبق مني العين إلا لأنها … تُريحُ ثراكِ الحُرِّ مِنْ مِنَّةِ السُّحْبِ
ووالله ما وفاكِ حَقَّكِ مدمعي … على أنَّهُ قد أَنْبَتَ الأَرضَ مِنْ عُشْبِ
عَدِمْتُ الصِّبا مِنْ قبلها وعَدِمْتُها … وأوجعُ مِنْ فَقْدِ الصِّبا فَقْدُ مَنْ يُصْبِي
وأشبه حالي حالها فَتَرى الذي … قضى نَحْبَها فيما أرى أو قضى نَحْبي
أيا تُرْبُ ما أنصفت نَضْرَةَ غُصْنِها … أهذا صنيعُ التَّرْبِ بالغُصُنِ الرَّطْبِ
ويا عاطلًا مِنْ عِقْدِها إنَّ مدمعي … لأكبر مما فيه من ذلك الحب
خُذيها وإن لم ينتظم فلرُبَّما … بخلتُ في تنقيبها لكِ بالهدب
وقوله (٢): [من مجزوء الرجز]
لقد لقيتُ نَصَبا … وقد سُقيت نصبا
مِنْ حَرَب صرت به … مُبَغَضًا مُحَبَّبا
الماء منه قد جرى … والخمر قد تَلَهَّبا
والنار تذكى إذ أرى … لها عظامي طبا
فَيَظَلَم عيشي كُلَّما … أبصرتُ منه كوكبا
أكتم كفي حياء … عن الناس أو إبا
من الهوان صار كفّ … ـي ملكًا مُحَجّبا
يا جَرَبًا إِنْ لمْ أَقُلْ … مِنْ أَلَم يا جربا
أصبحت ذا القروح لا … شعرًا ولكن كربا
وقوله: [من الطويل]
أَلَمْ تَرَني أولى بالجميل تكرّمًا … فلا مسكرًا إني أكونُ مُحَبَّبا
وقوله (٣): [من المتقارب]
стр. 6352
يروم أعاديك ما لا يكون … ولا يستقيم ولا يُستَتَبْ
وما الجَدُّ مِنْ جنس ما يُشترى … ولا السَّعْدُ مِنْ نوعِ مَا يُكْتَسَبْ
بحسب الحريص وكم راقد … يُجَرُّ إلى حظه بالسَّلَب
وكم مُتَمَن إلى عبرة … له كاره يا لهذا العَجَب
منها:
رَفَعْتَ العماد لأهلِ العَمُودِ … وأطلعتَ مِنْ سَعْدِهِمْ مَا غَرَبْ
وأَصْلُهُمُ أنتَ يا فَرعَهُمْ … فلا تطلع الله أصل العَرَب
وقوله (١): [من الخفيف]
ونعم كنتُ أبيض الحال لكن … سوَّدته تلك السنونَ الشُّهُبُ
وقوله (٢): [من البسيط]
أَهْوَى من العربِ العَرْباءِ مَنْ سَأَلَتْ … عنهُ المَلاحَةُ أَوْ حَلَّتْ بحلَّتِهِ
وما رأى الناس نارًا في توقُدِها … كنارِ قلبي إلا نار وجْنَتِهِ
ويعقد الطبع منه قاف منطقه … ويحللُ السُّكْرُ منه سين طُرَّتِهِ
يا ناعس الطَّرْفِ لا والله ما انتبهت … فيك المحبَّةُ إلا بعد نعسته
وقوله:
يا سائلًا عن معانيه ليُشهِرَها … البدرُ في الأفق يستغني بشهرته
وأسعد الناس مَنْ لاقى بلا تَعَبِ … مَبْدا السعادة في مبدا شبيبتِهِ
وقوله (٣): [من الطويل]
بكيتُكَ بالعين التي أنتِ أُخْتُها … وشمسُ الضُّحى تبكيكِ إذ أنتِ بِنْتُها
شهدت بأني فيكَ الأم ثاكل … صبيحةَ بَيْنِ مِتُّ فيها وعشْتُها
وقوله (٤): [من الطويل]
يقولون فوقَ الخَدِّ منه بنفسَجٌ … لعلَّهمُ ما يعرفون البنفسجا
وقبلت بين الحاجبين صبابة … وقد كان مقرونًا فأصبح أبلجا
стр. 6353
وقوله (١): [من الكامل]
يا قلبُ ويحكَ إِنَّ ظَبْيَكَ قَدْ سَنَحْ … فتنحّ جهدَك عنْ مرابعِهِ تنحْ
ولَمى صقيل في مَراشِفِ شادِنٍ … لو شئتُ أمسحُهُ بلثْمي لانْمَسَحْ
قبَّلْتُه وقَبِلْتُ أمرَ صَبَابتي … ونصحتُ نفسي في قطيعةِ مَنْ نَصَحْ
ورشفتُ رِيقَتَهُ على رُغْمِ الطِّلا … مِنْ كأسِ مِرشَفِهِ على غيظ القَدَحْ
كم يعذلون ولست أسمع منهم … فأنا وهم مثل الأصم معَ الأَبَحْ
منها:
إنَّ الرحيمَ بعبدِهِ رَحِمَ الورى … فأتى كما اقترحوا وجاء كما اقترح
وإذا ضحكت فلو بدا لك باطني … ويُعيذُكَ الرحمان كنت ترى الترح
أو لو قدمت فسوف أغفرُ ما جَنى … دهري عليَّ وسوف أجبرُ ما جَرَحْ
ونظمتها والوزن منها فاترٌ … فأَتَتْ كأنَّ الخمرَ منها قدْ لقَحْ
وقوله (٢): [من البسيط]
يا ساقي الراح بل يا ساقي الفَرَحِ … ويا نديمي بل يا كُلَّ مُقترحي
لا تخش في ليل همي من تقاصُرِهِ … أما تراني شربتُ الصَّبْحَ في القَدَحِ
وقوله (٣):
أرْضَيْتَ ربَّكَ في حراسة دينِهِ … وسَرَرْتَ عيسى إِذْ نَصَرْتَ مُحَمَّدًا
مَنْ رامَ شَأوَ عُلاكَ عاش مُغَصَّصًا … إِنْ عاش أو إن ماتَ [مات] مُنَكَدا
وقوله (٤): [من المنسرح]
ما العيش ري ولا الحمامُ صَدى … إنْ كنتَ أبقى كما بقيت سُدى
خامِلُ ذكرٍ ضَئيل منزلَةٍ … حيٌّ كميت و ميت كمدا
مافيَّ ما يعرفُ الصّعودَ نَعَمْ … ذكرت إلاّ أنفاسي الصعدا
منها:
خَليعُ قلبي في كُلِّ جَارِحَةٍ … يطلب مني أَحِبَّةٌ جُدُدَا
إن اختفى البدرُ بالمَلالِ أو الـ … هَجْرِ دلالًا فلا بدا أبدا
يا صاحب الوجنة المشعشعا … آنست نارًا وما وجدت هدى
стр. 6354
وقوله (١): [من المديد]
إنك المخلوق في كبدي … وأنا المخلوق في كَبَدِ
إنْ نَجَا مِنْ نارِ مُقْلَتِهِ … فإلى نارٍ مِنَ الكَمَدِ
أنت لي ماء الحياة وما … قاله الواشون كالزيد
إنَّ لي صَحْبًا يَسُوؤُهُمُ … مقتلي في اليوم دونَ غَدِ
حسدًا من عند أنفسِهِمْ … لا شُفوا من ذلكَ الحَسَدِ
وبِرَبِّ قَدْ عَتِبْتُ بهِ … لستُ مُحتاجًا إلى أحد
وقوله (٢): [من الطويل]
سواي يخاف الدهر أو يرهَبُ الرَّدى … وغيري يهوى أن يعيش مُخَلَّدا
ولو مد نحوي حادث الدهر طَرْفَهُ … لحدَّثْتُ نفسي أنْ أَمُدَّ له يَدَا
توقد عزم يترك الماء جمرَةً … وحِلْيَةُ بأس تترك السيف مبردا
وأظمأ أنْ أَبْدِي [إلى] الماءِ مِنَّةً … ولو كان لي نهر المجرَّةِ مَوْرِدًا
ولي قلم في أَنْمُلٍ إِنْ هَزَزْتُهُ … فَما ضَرَّني أنْ لا أَهُنَّ المُهَنَّدا
إذا جال فوق الطَّرْسِ وقْعُ صَرِيرِهِ … فَإِنَّ صليل المُرهفات له صَدى
منها:
يُحِبُّ حبيبي مَنْ يكونُ مُفَنِّدي … فيا ليتني كنتُ العَذُولَ المُفنّدا
وقالوا: لقد آنست نارًا بخدِّهِ … فقلتُ: وإني ما وجدتُ بها هدى
ولم أدم ذاك الخَدَّ لحظًا وإنّما … عملت حلوفًا حين أبصرتُ مشهدا
وقوله (٣): [من السريع]
صدوا فأنساني إليهم صدى … وكم به للدمع مِنْ مَوْرِدِ
تكاثَرَ الدَّمْعُ على مقلتي … تكاثر الهم على حسدي
وهو لحتفي صَنَم فاتن … مافيه غيرُ القلبِ مِنْ جَلْمَدِ
وهو إذا أَطْرَقَ من عُجْبِهِ … يقتُلُني بالصارمِ المُغْمَدِ
وقوله (٤): [من البسيط]
ولو تراه وشمس الضحى في يده … رأيت كيف تحلُّ الشمسُ في الأَسَدِ
стр. 6355
وقوله (١): [من الطويل]
ببرقةِ ثَغْرٍ لا بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ … ذكرتُ غرامي أو نسيت تجلدي
متى تأتِهِ تعشو إلى نارِ خَدِّهِ … تجد خيرَ نار عندها خير مُوقِدِ
وليس عذارًا ما رأيت وإنّما … دخان لِنَدِّ الخالِ فِي خَدِّهِ النَّدي
وقلت له: أَد الزكاة لأهلها … فوجهكَ مُشْرٍ مِنْ لُجَيْنٍ وعَسْجَدِ
وبتنا كجسم واحدٍ مِنْ عِناقِنا … وإلا كحرف في الكلام مُشدَّدِ
وقوله (٢): [من الطويل]
دنوتُ وقد أبدى الكرى منهُ ما أبدى … فقَبَّلْتُهُ في الخد تسعين أو إحدى
وأبصرتُ في خَدَّيْهِ ماءً وخضرةً … فما أمْلَحَ المرعى وما أعذب الوَرْدا
وفي القلب نار للخليل توقَّدَتْ … ولمْ أَلْقَ منها لا سلامًا ولا بردا
ورَبْعَ الذي أهْوَى يُرَوِّي شَرابُهُ … العطاش ويشفي تُرْبُهُ الأعينَ الرَّمْدَا
منها:
ولا عيب فيه غيرَ أَنَّ عَلاءَهُ … إذا حدَّدوه كان قد أحرز الحدا
ولا عيب أيضًا في مآثر بيته … سوى إنما تُروى بألسنة الأعْدَا
وقوله (٣): [من الخفيف]
عادني مِنْ هوى الأحبَّةِ عِيْدُ … فلباسي فيه غرام جديد
ونحرت الجفون إذ أشعرت جَفْـ … ـني بأن نومي شريد
أنتَ أجر الشهيد حسنا فكن أجـ … ـري يومًا لأنَّ قلبي شهيد
قد عجِبْنا وقوسُ جَفْنِكَ مكسو … رُ وقدْ جاءَ منه سهم شديد
كيف خلَّدْتَ في جهنَّمَ ذا الصَّـ … دِّ وديني في عشقه التوحيد
قطعوني عليهِ لَوْمًا وتقييـ … ـدًا وقالوا: تَعود، قلتُ: أعودُ
منها:
لِيَ مَنْ راحتيه جنة مأوى … وله بالثناء مني خُلُودُ
شهد العالمون بالفضل للفا … ضل أو كادَ يشهدُ المولودُ
وعد الدهر أن يجود على الخلـ … قِ ولكنْ بمثلِهِ لا يَجودُ
стр. 6356
وقوله (١): [من الخفيف]
شبت فودي رماد نار فؤادي … مَنْ رمى لمتي بهذا الرماد
جاء شيبي قبل الشباب ولمْ أدْ … رِ بأنَّ الغايات قبل المبادي
ولقد ساءني وساءَ سُعادًا … بقبيح عندي وعند سعادِ
قُلْ لخد المليح عني إِنِّي … غير صاد لخمرة الفرصادِ
وكذا قُلْ لكاسر الجَفْنِ لم يَبْـ … قَ مِنَ الهُدْبِ مخلب في فؤادي
وقوله (٢): [من الطويل]
وأصبح إبريق المدامةِ صائمًا … على أنَّهُ في صومِهِ ما تَهَجَّدا
وقلت: أرقدي يا ربَّةَ الخالِ سَلْوَةٌ … فما نَعَسَتْ عيناكِ إلا لترقدا
وقوله (٣): [من البسيط]
لو واصلتني يومًا لمْ أَمُتْ أبدا … أَوْ لم تصلني فيا موتي بها كمدا
لمنْ أُوَصِّي بميراث الغرام بها … هيهات هيهات لا أرضى لها أحدا
ومن غرامي دموع ما لها عَدَدُ … وكيف أسخو بما لم أُحْصِهِ عَدَدا
فتغرُها ومُحَيّاها وقامتها … كانت طرائق عندي للهوى قددا
وعينها وهي لا تدري وإنْ رَقَدَتْ … أَعَزَّ عنديَ مِنْ طَرْفي وإِنْ سَهِدا
قالت: سلوت وما أدري أعلمها … بذاك دمعي أو أنفاسي الصعدا
جارت علي وسل خدي فكم تركت … به طرائق ويل للبكا قدا
منها:
يد لو أنَّ [فَمَ] الصادي يُقبِّلُها … ما كانَ يظمأ يومًا بعدها أبدا
يد تسح فقال البحرُ وا أسفًا … والسيل وا حسدًا والغيث وا كَمَدا
يُعطي البحار ولكن ما ترى كَدَرًا … أو ينفثُ السحر لكن ما ترى عُقَدَا
خير الأنام ومولاهم وفاضلهم … عبد الرحيم ولا تستثن لي أَحَدًا
في الدَّسْتِ يقعد والأقدار قائمةٌ … مَنْ شاءَ يقعد فليقعد كما قَعَدَا
قد آنسوا نار موسى من بديهته … فما يجيئون إلا يقبسون هدى
أغنى الملوك بكُتب عن كتابتهم … فما بَري قلمًا إلا غَزَا بَلَدًا
وَعَدْتَني بنجومِ السَّعْدِ طالعة … مثلي ومثلُكَ مَنْ أَوْفَى بما وَعَدَا
стр. 6357
وقوله (١): [من الكامل]
تجنني لواحظه وتستعدي … أوما علمت تمرُّدَ المُردِ
أصفُ الحبيب ولستُ أبْصِرُهُ … وكذلكَ تُوصَفُ جَنَّةُ الخُلْدِ
ولقد وقفت على منازله … أرأيتَ عارضه على الخد
وطردتموه ولمْ يَعْدُ خَجِلًا … لا القلب عندكم ولا عندي
قوله (٢): [من الطويل]
نَعَمْ هِيَ سُعْدى وهْيَ لِي قَمَرٌ سَعْدُ … وِصال ولا صَدَّ وقرب ولا بُعْدُ
ولو أبصر النظام جوهر ثَغْرِها … لما شَكَ فيهِ أَنَّهُ الجوهر الفَرْدُ
ونهر يظلُّ الكَرم أسود فاحم … كشعركِ حتى أَنَّهُ مثْلُهُ جَعْدُ
بكيتُ عليهِ در دمعي كأنَّمًا … تعلَّقَ منه في ظفائرهِ عِقْدُ
بكيتُ لبين ما أتى ولهجره … سيأتي وأخرى ما أتى وقتها بعد
وقوله:
وأشكو إليك الحاسدين عليكَ لي … وإن كان يبدو منهم الحب والود
وما منهم إلا أسيرُ كابةٍ … ورُبَّ أسير ليس في عُنْقِهِ قِدُّ
وإني لفي شُغْلٍ بِنُعْماكَ عنهم … فلا يشتغل بي لا سعيد ولا سَعْدُ
أغب مديحي مَرَّةً ثم زاركم … ولا بد للورقاء بالطبع أن تشدو
ومنها (٣): [من البسيط]
يا حيرة الخلق لما غُيّب الهادي … ووحشة العلم لما أظلم النادي
يا آل عبد منافٍ أيُّ داهيةٍ … خَلا بها الحي أو أودى بها الوادي
ويا شماتة تعطيل وفلسفة … ويا مسرة إشراك وإلحادِ
يا ساكنًا وسط قبْرٍ ظَلَّ موضعُهُ … ما بينَ قصر أبي ذر ومقداد
وقوله: [من الطويل]
يُعِدُّ الفَتى إخوانه الزمانِهِ … وَأَعْدى له مِنْ صَرْفِهِ مَا أَعَدَّهُ
فللهِ وَعْدٌ في زيادَةِ مُلْكِهِ … فلا تحسبَنَّ اللهَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ
стр. 6358
وقوله (١): [من الخفيف]
حَمَلَتْ زينة الفريقين فوقَ الـ … نَّهْدِ عِقْدٌ وفي الجُفُونِ مُهَنَّدْ
وقرأنا الغريب من فمها الكا … مِل حُسْنا والثغر فيه المُبَرَّدْ
وقوله (٢): [من الخفيف]
سيفه في الجهاد قلده المُلْـ … ـكَ فتقليدُ مُلْكِهِ تقليدُهْ
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
قتلي بحبِّكُمُ شهادهْ … وشقاوتي فيكمْ سعاده
ويح العذول إذا مضى … منْ عَذَلِهِ فَن أعاده
والنفس تُعرَفُ في مُعا … داة الأحاديث المعاده
متقلّد بدمي وما … نَزَعَتْ حواضنه القلاده
فبكَيْتُ حتى قال بعـ … ض الركب مَنْ فتح المَزَادَه
فخذوا الحديث عن المدا … مع فهي تروي عنْ قَتَادَه
إني بديهيُّ الدُّمُو … عِ وإِن دمي لا يُاده
وقوله (٤): [من الوافر]
شقائي في محبَّتِكُمْ سَعَادَة … وقتلي في الغرام بكم شهاده
فسار القلب يُخبر عن شهاب … ودمع العين يروي عن قَتَادَه
وقالوا: ما لعادله هدو … فقلتُ: ولا له عندي هواده
منها:
سعدتُ وليس لي حَزْمٌ وغيري … لهُ حَزْمٌ وليس له سعاده
[وقوله] (٥): [من السريع]
جَلِيدُ قلبي ذَابَ لمَّا بَدَتْ … والشمس ما زالت تُذيبُ الجَلِيد
ذاك زمان كان ثم انقضى … وبادسبحان الذي لا يبيد
وقوله (٦): [من الطويل]
وَقَفْت صباباتي ببرقة مبسم … في فيه لا عيسى بِبُرْقَةِ تَهْمَدِ
стр. 6359
ولثمته من دون خصره شارب … فَسَرَقْتُ دُرًّا تحتَ قُفْلِ زَبَرْجَدِ
وقوله (١): [من البسيط]
لستُ الملوم بما يجني عَلَي بَصَري … أدميتَ بالدمع ما أدماك بالنظر
دع منه قبل بلوغ البين غايتَهُ … إمّا طريقُ البُكَا أَوْ منزلُ السَّهَرِ
كم كدتُ ألثم ذاك الثغرَ مِنْ ظمإٍ … لولا فوارس طعانون في الثغر
حقت به [من] عواليهمْ أسنَّتُها … كأنَّها الشُّهْبُ إِذْ يَحْفُفْنَ بالقمر
وشبت منه [و] إنَّ الشيب أكثرَهُ … يبدو من الهم لا يبدو مِنَ الكِبَرِ
ثم التفت إلى عيشي فقلت له: … يا آخر الصَّفْو هذا أَوَّلُ الكَدَرِ
وقوله:
مَلْك وما الحق إلا أَنَّهُ مَلِكٌ … فقد علا بمعاليه على البَشَرِ
إن رام أمرًا عظيمًا ساقَهُ قَدَرٌ … إليهِ أو جَاءَهُ يسعى على قَدَرِ
مُكَمَّلٌ وسواه ناقص أبدًا … كأنَّهُ إنّ [قد] جاءت بلا خبر
تكلموا وأتت طبعًا مواهبه … وفي البداوة حُسْنُ ليسَ في الحَضَرِ
يا مُجْدِبَ الحالِ زُرْ ناديهِ مُعْتَفِيًا … واسأل يديه ولا تسأل عن الخَبَرِ
ألم تدَعْكُمْ على رُغم بواتِرُهُ … وكلُّ درع كَمِي قُدَّ مِنْ دُبُرِ
وسرَّه أَنْ فَرَرْتُمْ مِنْ أسِّنَّتِهِ … والطعن في الظهر لا في البطن كالسرر
ويعشق الورد والأبطال صادرةٌ … والموتُ في الوِرْدِ والمنجاةُ في الصَّدَرِ
ناءَتْ جُمُوعُكَ حملًا في صفوفهم … مثل التراجم إذ يبرزنَ في الطَّرَرِ
كل المدائح إلا فيكِ باطلةٌ … إِنِّي جُهَيْنَةَ فَاسْأَلْنِي عَنِ الخَبَرِ
بقيت حتى يقول الناس قاطبةً … هذا أخو اليأس أو هذا أخو الخضر
وقوله (٢): [من المتقارب]
أناخ بها البارقُ المُمْطِرُ … ومرَّ النسيم بها يخطر
وأُضْرِمَتِ النارُ مِنْ فوقها … ففاحَ لنا الند والعنبر
ونبه منها صهيل الرعود … لواحظ ما خلتُها تَسْهَرُ
وطاش النباتُ فهل راقه … ليركبه ذلك الأشقر
وما حملت مِنَّةٌ للسحا … ب إلا ومنتها أكثر
стр. 6360
متى جاءَ مِنْ دمعِهِ زائر … تلقّاهُ مِنْ زهرِها مَحْجِرُ
ولوْ حَلَّ مِنْ رَعْدِهِ حاطبٌ … لوافاهُ مِنْ سَروها منبر
فكمْ مُقْلَةٍ ثَمَّ معضوضةٍ … وكم وجنة بالحيا تقطرُ
وكم من غدير غدا صفوه … بأسرارِ حَصْبائِهِ يُخْبِرُ
وكم فيه للقَطْرِ مِنْ خوذة … تدلُّ على أَنَّهُ مِغْفَرُ
وأعجبُ مِنْ كُلِّ شيءٍ جَرى … عجوزٌ تَغَنى بها مُعْصِرُ
فواصلتُها في كؤوس ظَنَنْتُ … بها أنَّ حارسنا قيصر
وأحرقت منها ظلام الدُّجى … لِمَا صح مِنْ أَنَّهُ يكفرُ
وبات نديمي لا ليله … يطول ولا شُرْبُه يقصر
منها:
وكيف يسمونه جعفرًا … ومِنْ فيض راحتِهِ أَبْحُرُ
فحلق نحو السماءَ العُلا … وهُمْ قبل تحليقه قَصَّروا
وقوله (١): [من الطويل]
تذكرت أحبابي وإني لمؤمن … ولكن أراني ليس تنفعني الذكرى
وما بلدة لم يسكنوها ببلدة … ولو أنَّها بين السماكين والشعرى
أَأَهبِطُ عن مصر وقدمًا قد اشتهى … على الله أقوام فقال: اهبطوا مصرا
جلست ببستان الجليس ودارِهِ … فهيَّجَ ذاك الروضُ في مُهْجَتي جَمْرا
سقيت بختم الكأس ساعةَ ذِكْرِهِ … فلم يستطع في ليل هَمِّيَ مِنْ مَسْرى
فيا ساقي الراح التي قد شَرِبْتُها … رويدَكَ إِنَّ القلب في أمة أخرى
تذكرتُ وردًا للمليح مُحَجّبًا … يَمُدُّ عليهِ ظِلُّ أهدابه سترا
أُقَبِّلُ ذاك الظَّلَّ أحسَبُهُ اللَّمى … وألْتُمُ ذاكَ الزَّهْرَ أَحسَبُهُ التَّغْرا
وقوله (٢): [من الكامل]
مَنْ للغريبِ هَفَتْ بهِ الفِكَرُ … لا الوِرْدُ ينفعُهُ ولا الصَّدَرُ
لا تلتقي أجفانُهُ سَهَرًا … فكأنّما أهدابُهُ إِبَرُ
يأبي حماه ويشتكي كَدَرًا … أوما علمت بأنَّها كَدَرُ
стр. 6361
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
بين المآزر والأَزِرَّه … بدر تر بهِ الأَسرَّة
وأهل الأعكان أَطْـ … ـلَعَ بينَها للنجم سِرَّة
شمس إذا طَلَعَتْ فَمِنْ … نيرانها في القلبِ جَمْرَه
وإذا دَنَتْ لِغروبها … بان الأصيل عليهِ صُفْرَه
والله لا رفع الهوى … عني وفي الأجفانِ كَسْرَه
وألام فيه أخضرٌ … للعين فيه أي نَضْرَه
والنفس خضراء كما … قد قيلَ يَعْشَقُ كلَّ خُضْرَهُ
وقوله (٢): [من الرجز]
ذكرتُ والقلب أسيرُ الذَّكَرِ
ليلة وصلٍ حُسِبَتْ مِنْ عُمْرِي
لم تَكُ غيرَ سُفُنٍ وبَحْرٍ
ما هي إلا خال وجه الدهر
وبت أخفي ضوء ذاك الغر
كي لا أروع ليلتي بِفَجْر
وقوله (٣): [من السريع]
يا رُبَّ عِلْقٍ قَالَ لي مَرَّةً … يا هاجري ظُلْمًا ولم أَهْجُرِ
معتزليًا صِرْتَ قلتُ: أَتَّئِدْ … أعتب على مبعرك الأشعر
وقوله (٤): [من البسيط]
لو كنت تعلم ما ألقاه من أسفٍ … في العيش ساءَتْكَ في الفردوس أخباري
يبكي عليه مُصلاه ومسجده … فما المصابيح إلا نار تذكار
والمرء بالدهر لا ينفك منكسرًا … منه وغير عجيب كَسْرُ فَخَارِ
وقوله (٥): [من البسيط]
يا ليلةَ الوصل بل يا ليلةَ العُمُرِ … أحسنت إلا إلى المُشتاقِ في القِصَرِ
стр. 6362
يا ليت زيد بحكم الوصل فيك لنا … ما أطول الهجر في أوقاتِكَ الأُخرِ
أوليت كلًا من السرقين ما ابتسما … أوليتَ كُلا من النسرين لم يطر
أوليت قلبي وطرفي تحت ملك يدي … فزدتُ فيك سواد القلب والبَصَرِ
ومنها:
أكفف أياديك عني إنني رجلٌ … أخافُ منها على نفسي من النظر
وخاطري أن يوفِّقْ مَعْ بلادَتِهِ … فالماء ينبع أحيانًا من الحجر
وقوله (١): [من السريع]
لا الغُصْنُ يحكيك ولا الجُؤذَرُ … حُسْنُكَ مما كَثُرُوا أكثر
يا باسمًا أهدى لنا ثَغْرُهُ … عِقْدًا ولكن كله جوهر
قال لي اللاحي: أَلَمْ تستمع؟ … فقلتُ: يا لاحي ألا تُبْصِرُ
وقوله: [من الكامل]
إني وحقك ما لعيشي أوَّلٌ … لما نأيت ولا لِهَمِّي آخر
وعجبت للكاسات حينَ تبسَّمَتْ … في مجلس ما أنت فيه حاضر
وقوله (٢): [من مجزوء الخفيف]
ويح نفس مُفَطَّرَه … بجفون مُفَتَرَه
يقتل الصبَّ حُسْنُها … فَهْيَ ذَنْبٌ ومَغْفِرَه
ورشا لو رأيته … قلت: يارب لم أرَه
نَظَراتي لوجهه … بدموعي مُغيره
رق حتى كأنما … لثمُهُ سوءُ مَقْدِرَه
لا تلم حبّه عليـ … ـه إذا كانَ ذا شَه
لا ولا تلح بل يكو … نُ على الذنب زاجره
فمِنَ الصَّدٌ زَلَّةٌ … ومِنَ الذَّنْبِ مَغْفِرَه
وقوله (٣): [من الكامل]
قالوا: مُحِبُّكَ يا حبيبُ صَبَرْ … ما عند قابل ذا الكلام خَبَر
لما أراد بأن يقول: صَبا … غير اللسان به، فقال: صَبَرْ
стр. 6363
وَنِعَمْ صبوتُ إليه حينَ رَنا … ونَعَمْ صبرت عليه حينَ غَدَرْ
ويقول: دمعك لم يَدَعْ صبرًا … أسمعت قطُّ لعاشق بِبَصَرْ
قمر الفؤاد ولج في لَغَبٍ … يا صدقَ مَنْ قالَ: المليحُ قَمَرْ
وقوله (١): [من الكامل]
بانَتْ مُعانِقَتي ولكن في الكرى … أتُرى دَرى ذاك الرقيب بما جرى
ونَعَمْ دَرى لما رأى في بُرْدَتي … رَدْعًا وشَمَّ من الثياب العنبرا
طيف تخطى الهول حتى يشتري … بيت الحشا فقد اشترى وقد اجْتَرا
ما زار إلا في نهار جبينه … فأقول سار ولا أقول له سرى
بأبي وأُمِّي مَنْ حَلَمْتُ بذكْرِها … لما انتبهت ومُذْ رَقَدْتُ تفسّرا
أشكو إليها رقتي لترِقَّ لي … فتقولُ: تطمع بي وأنت كما ترى
وإذا بكيت دَمًا تقولُ: شَمِتَّ بي … يومَ النَّوى فصبغت دمعك أحمرا
مَنْ شاءَ يمنحها الغرام فدونَهُ … هذي خلائقُها بتخبير السُّرى
فَتَحْت أبواب السُّهادِ لناظري … وتركت ليلي بالنجومِ مُسَمَّرا
فمتى أقول جوانحي بكِ قَدْ هَدَتْ … ومدامعي رَجَعَتْ إِليكِ إِلى وَرَا
ومنها:
جَعَلَتْ براعتُهُ الكلام للفظِهِ … عَبْدًا ولكنا نراه مُحَرَّرا
وسقى الندى في راحتيه براعَة … فلذاكَ أَزْهَرَ بالبيان وأثمرا
وقوله (٢): [من الطويل]
وإني لأهواه على الصَّدِّ والقلى … وأذكرُهُ بين القنا المتشاجر
وإنَّ الهوى ما زال في قلب عاشق … كصارم سيف الدين في قلب كافر
إذا شئتَ أنْ تَروي أحاديثَ بأسِهِ … يَقينًا فما يُنبيك مثل المغافر
يؤم العدا في عسكر من جنودِهِ … وقد سَبَقَتْ أخباره في عساكر
سَنابِكُها بين العريش وغزَّةٍ … وعِثِيرُها بين العذيب وحاجر
فكم من قلوب في صُدُورِ مَخَالِبٍ … وألسنةٍ أفواهها منْ مَنَاسِرِ
إذا شئت أن تدعو فواضلَ كَفِّهِ … فَقُلْ ما مُقِيلاتُ الجُدودِ العَواثِرِ
стр. 6364
وقوله (١): [من الطويل]
مضى معهم قلبي قللهِ دَرُّهُ … لقد سَرَّني إذْ مَرَّ مع من يسرُّهُ
وأطولُ من حُسْنِ الحبيب وصبوتي … ويوم النوى ليلي وهمي وشَعْرُهُ
وليس دمًا ماء الجُفُونِ، وإنما … فُؤادي بماء الدمع قد ذابَ جَمْرُهُ
وبستان حُسْن ما أُحيط بثمره … ولكن أحاطت بالضمائر ثمره
وقوله (٢): [من الطويل]
ألا فانتبه من أفقها طلَعَ الفَجْرُ … وحاشاك نم مِنْ وجهها ضَحِكَ التَّغْرُ
هوَ التَّغْرُ إلَّا أَنَّهُ الفجر طالِع … على أَنَّهُ الكافور لكنَّهُ الدُّرُّ
وما رَضِيَتْ سُود الليالي ضفائِرًا … عليها ولا أَنَّ الهلال لها ظفر
وساحرة صانت ملاحةَ جَفْنِها … بكأس به كسر وهذا هو السِّحْرُ
وشى المِسْكُ إذْ زارت فلا كانتِ الظَّبا … ونَمَّ عليها الحَلْمُ لا حَلَقُ التِّبْرِ
فلا تُنكِرا منها الخضاب فإنما … هي الغُصْنُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ
عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها … فلما انقضى ما كان لم يسكن الدهر
أَمُتْعِبَةً عيني بدقَةِ خَصْرِها … لأتعبَ عَيني من تأمُّلِهِ الخَصْرُ
منها:
وزير ملوك الأرض من وزرائِهِ … تصرُّفُهُم مِنْ فِعْلِهِ النهي والأَمْرُ
فتحرسُهُ مِنْ جُنْدِهِ البِيضُ والقَنا … ويحرسهم منه التلاوة والذكر
إذا قيل بيت قد تجلى بمدحه … فما هو إلا من جلالتِهِ قَصْرُ
ولا عيب من إنعامه غيرَ أَنَّهُ … يُعَلَّم منه كيف يُستعبد الحُرُّ
وقوله (٣): [من مجزوء الكامل]
يا خيبة الحُرِّ الذي … لم يَلْقَ فوق الأرضِ حُرّا
وإذا اشتكى فقرًا أسا … ل الدمع من عينيه نهرا
منها:
والكل لما مات قد … سَجَدُوا له في الكأس شُكرا
ومعطر الأنفاس يحـ … ـملها فتكسبُ منهُ عِطْرا
نفسي تتوقُ لأخضرٍ … بعذاره والنفس خَضْرا
стр. 6365
والموتُ أرفق بالفتى … من عيشة بالذُّلِّ غبرا
وإذا تمكنت اللئا … مُ فإنَّ موتَ الحُر أخرى
وقوله (١): [من الخفيف]
زارني طيفها مُحَلّى مُعَطَّرْ … وتخطى كمثلها وتَخَطَّرْ
وتوقّفْتُهُ بقفل عناقٍ … فَشَّه الانتباه لما تعسّر
كنت مستيقظًا وزار خيال الـ … ذكر منها ومُذْ رَقَدْتُ تَفسر
سألتني ما حال قلبي بعدي؟ … رَبَّةَ البيتِ أنتِ بالبيتِ أَخْبَرْ
كيف ينفك جَمْرُ خَدِّكِ منهُ … وهُوَ بالخالِ فوقَهُ قَدْ تَسَمَّرْ
رُبَّ ليل لهوتُ فيهِ ببدْرٍ … يَنْتَضي أبيضًا ويهتزُّ أَسْمَرْ
ومنها:
هوَ قاض وحولَهُ مُتَقاضٍ … حولَهُ مِنْ يديه جند وعسكر
قُلْ لِمَنْ رام راحتيه تقدَّم … ولِمَنْ رام غايتيه تأخر
وقوله (٢): [من الخفيف]
ليلُ وَصْلٍ منيرةٌ أقماره … شابَ مِنْ قَبلِ أَنْ يُخَطَّ عِذاره
زارني من حلاه لما تجلى … كيف يبقى ليل وفيه نهاره
جاءَ مُستعذرًا فَلَمْ أَرَ أحلى … منْ رُضاب بفيه إلا اعتذاره
فعفا اللهو حينَ عَفَّ المُعَنى … لا صباباته ولا أوطاره
ولَعَمْرِي مَنْ ينتظر بعد خمسيـ … ـن رجوع الأوطارِ طال انتظاره
منها:
أَثَرَتْ رجله على وجنة البَدْ … رِ فـ فتلك التي بها آثاره
وقوله (٣): [من السريع]
الشام للإسلام دار القرار … وكان من قبل طريق البوار
وكانَ في ظُلْمَةِ ليلٍ دَجَتْ … فجاءَ عثمان معًا والنهار
فيا أمانَ الكُفْرِ لا تأمنوا … بدار ما الشام للكفر دار
لولا سراى القومِ وتعجيلُهُمْ … عجّلت في القوم شفاء الشفار
стр. 6366
وما سمعنا قَطُّ فتحًا جرى … ما فيه لا بل ما عليهِ غُبار
ياملكًا يهزم أعداءه … بالرُّعْبِ هذا وأبيك الفخار
وقوله (١): [من الخفيف]
حَمَلُوا الراح في المباسم لكن … هم صحاة منها ونحنُ سُكارى
أطْلَعَ الشيب في عذاري نُجومًا … فرأيتُ النجوم منها نهارا
وقوله (٢): [من السريع]
ونمت وطيفًا زارني فاعجبوا … لنائم يسعى إلى ساهر
فتنتني بالليلِ مِنْ طُولِهِ … فإنَّهُ عندي بلا آخر
رجعت عندي حسانُهُ … في تلك المسلم بالكافر
وقوله (٣): [من الطويل]
أمجلس لَهْوي ليس لي عنك مجلس … لأوحشت لما غاب لي عنك مؤنس
وما كان ليلي فيك بالبدرِ مُقْمِرًا … ولكنَّهُ منْ مخجل الشمس مشمس
تُصَرِّفُ أمري حوره فبأمره … ترى الصبر يبقى والصَّبابة تُحْبَسُ
وكلفني أن لا أنام فزادَهُ … تبرُّعُ طَرفي أَنَّهُ ليسَ يَنْعُسُ
ويلبس ديباج الحريرِ مُصوّرًا … ومن فوقه ديباج خدَّيْهِ أَطْلَسُ
ولي فيه إما ناطق بملامتي … فأعمى وإمّا مُبْصِرُ فَهُوَ أخرس
رجاء به يخفى الجواري بحسنِها … أَلَمْ تعلموا أَنَّ الجَوارِي خُنَّسُ
يُزخرف منها وجهها فهْوَ جَنَّةٌ … ويخضَرُّ منها نَضْرَةً فَهْوَ سُنْدُسُ
ويُصبح مثل حُلْيها عاشقًا لها … ألست تراه أصفرًا يتوسوس
منها:
أغار عبوس الوجه منه جواده … ومنْ عجَب أَنَّ الجوادَ مُعَبِّسُ
غدا شجرُ المُرَّانِ يحملُ بينهم … ولكنَّهُ بين الجوانح يُغرس
ترى بيضهم بعد اللقاء كأَنَّما … أحاط بها من أسهم القومِ قُنْدِسُ
وأغناك عن كيد الأعادي احتقارها … فما لَكَ فيهمْ مُخْبِرُ يتجسس
стр. 6367
وقوله (١): [من البسيط]
كأنما الكفُّ منه مثلُ مُصْحَفِهِ … واللَّثْمُ فيه لأعشار وأخماس
إذا أردت ترى الأقدار جارية … فانظر له قَلَمًا في بطنِ قِرْطاس
وقوله (٢): [من السريع]
للجيش ديوان وما لي به … أنس ولا لي عنده عيش
وصِرْتُ مَهزومًا فلا تَعْجَبُوا … لواحدٍ يهزمه الجيش
وقوله (٣): [من الطويل]
ويوم مطير قد ترنّمَ رَعْدُهُ … وصفّقَ لمَّا أَحْسَنَ القَطْرُ فِي الرَّقْصِ
ورقعة ماء تحت برد فواقع … غدا البرق فيها وهُوَ يلعب بالغُصْنِ
شَرِبْنا على هذا وذاكَ مُدامَةٌ … بدتْ كالعقيق الرَّطْبِ والذَّهَبِ الرَّخْصِ
وقوله (٤): [من المجتث]
أدنو إليك فأقطى … وكم أُطيع فأعصى
جَوْرًا تقضيتُ فيه … وجائرُ مَنْ تَقَصى
وقوله:
ياقاسي القلب مالي … أرى بنانَكَ رَخا فضا
يا خاتم الفَمِ مُرْ لي … أن أجعلَ اللَّثْمَ فُصا
وقوله (٥): [من المتقارب]
أضاء بثغرك وادي أضَا … وفَضَّضَ بالنور ذاك الفضا
وقام الثرى لالتقاء الغما … مِ لما رأى البرق قدْ أوْمَضا
وتَغْرُكَ كالتَّغْرِ مِنْ دُونِهِ … عَدى يبقى وظبًا يُنْتَضى
وأغْيَدَ يُنْهِضُهُ قَدُّهُ … فيمنعُهُ الرِّدْفُ أَنْ يَنْهَضا
قد استيقظ الحُسْنُ في خَدِّهِ … فلا غَمَّضَ الصبُّ ما غَمَّضا
يتيه وتُبْصِرُهُ مُقبلًا … فَيُحسَبُ من تِيْهِهِ مُعْرِضا
ويا ربّما صَرَّحَ الوَصْلُ منه … يقينًا فأَحْسَبُهُ عَرَّضا
стр. 6368
ومَعْ شَغَفي لا أُحِبُّ الوصال … فلستُ أُحِبُّ الذي أبغضا
وما لي وللوصل من بعد أن … نضامن شاني ما قد نضا
ووسخ شعري هذا المشيبُ … فَأَعْجِب به وسخًا أبيضا
وقوله (١): [من الوافر]
أما والله لولا خَوْفٌ سَخْطِكْ … لهانَ على مُحِبِّكِ أَمرُ رَهْطِكْ
ملكت الخافقين فَتِهْتِ عُجْبًا … وليسَ هُما سوى قلبي وقُرْطك
وقوله (٢): [من مجزوء الكامل]
يا هذه لا تستحي … مني فقدْ كُشِفَ المُغطى
إنْ كانَ كُسُّكِ قَدْ تَثَا … ءَبَ إِنَّ أَيْري قد تمطى
وقوله (٣): [من الطويل]
ووصل سعى في قطعِهِ مَنْ أُحِبُّهُ … ولا عَجَبٌ قَدْ يَهْلِكُ النجم بالقطع
يتيه بفرع منه أصلُ بَلِيَّتي … ولم أرَ أصلًا قط يُعزى إلى فرع
إذا نظرت عيني سواه تلثَّمَتْ … حياءً بأردانِ الوفاء منَ الدَّمْعِ
وقوله (٤): [من الخفيف]
لا وأرض القلوب ذاتِ الصَّدْعِ … وسماءِ الجُفون ذاتِ الرَّجْعِ
لا أرى القلب بالمسرَّةِ والرًَّا … حَةِ جمعًا من بعدِ سُكَانِ جَمْعِ
حدت العين ربعهم وأَرَاني … أوْجُهَ القوم في أحاديث ربع
فسمعت الأخبار منهم بعيني … ورأيتُ الوجوة منهم بسمعي
منها:
أيها السيد الذي كلُّ مَنْ جا … راهُ يَعْنى وكلُّ مَنْ قامَ يَقْعي
كم أمص الثماد وحدي وغيري … كاد يفني البحر المحيط بجزع
وقوله (٥): [من البسيط]
تلتف قامتها بالوَشْيِ إِنْ خَطَرَتْ … في حَلْيِها فأرى الجَنَّاتِ ألفافا
ولم تَدَعْ لِغزالِ الهَندِ نكهتها … في المِسْكِ ميمًا ولا سينًا ولا كافا
стр. 6369
لو واصلتني يومًا لمْ أَمُتْ أبدًا … إذْ كنتُ أسكن جنّاتٍ وأعرافا
ومنها:
سلوتُ لونك بالمبيض أندية … وعيش وصلك بالمُخْضَر أكنافا
الفاضل المانح الأوصاف مادِحَهُ … فراحَ يطلب للأوصاف أوصافا
ما مال قط إلى الدنيا وزُخْرُفِها … ما زال للعَطْفِ ميالًا وعطافا
وقد حواها وأعطاها بجُملتِها … تقسَّمَ الجُود أنواعًا وأصنافا
فصَيَّرَ السطر مبذولًا ومُنْتَهَبًَا … وصيَّرَ السطر أجناسًا وأوقافا
واكفُفْ نَوَالَكَ قَدْ أَضْرَرْتَ بي كَرَمًا … مَنْ جاوز الحد إخفاء وقد خافا
جارت أياديك لما أثْقَلَتْ عُنُقي … وأنتَ أكثر خلق الله إنصافا
وقوله (١): [من الكامل]
نظر الحبيب إليَّ مِنْ طَرْفِ خَفِي … فأتى الشفاءُ لِمُدْنَفٍ مِنْ مُدْنَفِ
ودنا يُسَكِّنُ نار قلبي خَدُّهُ … أرأيتم نارًا بنار تنطفي
وملية بالحُسْنِ يسحر وجهها … بالبدر يهزو ريقها بالقَرْقَفِ
يتلو ملاحتها محاسن وجهها … فتُريكَ أعظم آيةٍ في الزُّخْرُفِ
فتقول: مَنْ هذا وقد سَفَكَتْ دمي … ظلمًا ويسأل عن فؤادي وَهْوَ في
لا شيء أعجبُ مِنْ تَلَهُبِ خَدِّها … بالماء إلا حسنها وتعففي
ماذا لقيت من الصُّدودِ لأنني … ألقى خشَونَتَهُ بقلبٍ مُتْرَفِ
والقلب يحلفُ أَنْ سَيَسْلُو ثم لا … يسلو ويحلف أنه لم يحلف
منها:
جاء البشير بأن يوسفَ قَدْ شُفي … مَرَضُ الزمان بأن يوسف قد شُفي
وأشع بشائر برئه ثم انظروا … كَمَدَ الصليب بها وبشرى المصحف
الله أكبر أنْ يُضَيّعَ أُمَّةً … أَمِنَتْ بِعَدْلِكَ بعدَ طُولِ تَخَوُّفِ
منها في مليحة عمياء (٢): [من السريع]
شمس بغير الليل لم تحتَجِبْ … وفي سِوى العينين لم تكسف
رأيتُ منها الخُلْدَ في جُؤذَرٍ … وناظري يعقوب في يوسف
стр. 6370
وقوله (١): [من البسيط]
ليل الحمى بات بدري فيك معتنقي … وبات بدرُكَ مَرْمِيًا على الطُّرُقِ
شتان ما بين بدرٍ صِيعَ من ذهب … وذاك بدري، وبدر صِيغَ مِنْ بَهَقِ
زار الحبيب وبدر التم في كَمَدٍ … بادٍ عليهِ وغصن البان في قَلَقِ
يمشي على خَدٌ مَنْ يهوى وأَدْمُعُهُ … تَهْمي فسبحان مُنجيهِ مِنَ الغَرَقِ
وقبل ذا كانَ طَيْفًا منْ تَكَبْرِهِ … فَإِنْ سَرَى كَانَ مَسْراهُ على الحَدَقِ
وبات باللثم تحت الخَتْمِ مُبْسِمُهُ … والصدرُ بالضم تحتَ القُفْلِ والغَلَقِ
يا عاذلي فيه أَمَّا خَدُّهُ فَنَدٍ … كما تراه وأما ثغره فنقي
تُريدني خارجيًا عن محبَّتِهِ … أنّي وبيعةُ ذاكَ الحُسْنِ فِي عُنُقِي
جاء الغمام وهذا الحسن في قَرَنٍ … والغيثُ يَهْمي ونور الدين في طَلَقِ
تسابقا فاللهم الدجنُ في ظُلَم … منَ الخُطُوبِ وفاز النور بالسبق
إنَّ السحائب جارته فأتْعَبَهًا … وذلك القَطْرُ بعدَ الجُهْدِ كالعرق
مولى الإمام علي هكذا نقلت … لنا الرواة حديثًا غيرَ مُخْتَلَقِ
تصبو إلى مَعْرَكِ الهيجاء همَّتُهُ … كأَنَّها منه في مستنزه أنق
يا فالق الصبح من سيف براحتِهِ … أنتَ الذي فلق الهامات بالفَلَقِ
فكم تركت بها كَفًَّا بلا عَضُدٍ … وقد توسّدها رأس بلا عُنُقِ
يروي عدوّك شربًا ماء لبته … بالنحر منها وبعضُ الرِّي بالشَّرَقِ
يُثني لساني وقلبي منك في جَدَلٍ … وينثني لقصوري عنه في خَنَقِ
عَذَرْتُ عاذل مَدْحي في مناقبِهِ … إِذْ كانَ يدخل بينَ المِسْكِ والعَبَقِ
وقوله (٢): [من الكامل]
خَصْرٌ يدور عليهِ مِعْصَمٌ من قبلة … فكأنَّ تقبيلي له تعنيق
وافي وصبح جبينه متنفّس … وأتى وجيد رقيبه مخنوق
ومنها:
قدم السرور مَهَنّيًا بقدومه … وأتى يُبَشِّرُنا به التوفيق
والصبح في شفة الظلام تبسم … والشمس في ثوب النهار خَلُوقُ
سَبَقَ الكرام وما ازْدَهَى مُتَكَبِّرًا … حتى ظنَنَّا أَنَّهُ مسبوق
لو رامت الشمس اللحاق بمجدِهِ … يومًا يو لعاقَ مُرادها العيوقُ
стр. 6371
وقوله (١): [من المنسرح]
وكانَ ظَنِّي أن سوف يطرقُني … لأنَّهُ النجم واسمه الطارق
وقال لي: مَسْكَني السماء فإن شئـ … ـتَ أوِ اسْطَعْتَ فارق أو فارق
لهُ فم كمْ سَرَتْ به قبلي … بالوَهْم بين العُذَيْبِ أو بارق
رِيقَتُهُ عاتق مُحَرَّمَةٌ … يا قومُ ما للغلام والعاتق
فقل لكأس المُدام في يَدِهِ … قَبلْ وقُلْ يا قميصه عانق
سبقتني للعناقِ فَاحْظَ بِهِ … وما رأى الناسُ قَط لي سابق
[وقوله] (٢): [من الطويل]
هَدَى بثناياه وضَلَّ بِشَعْرِهِ … فَكِدْنا نقول: المانوية تصدق
تَحَلَّقَ شَعْرُ الصُّدْغِ من حولِ خَدَّهِ … (وباتَ على النارِ والنَّدى والمُحَلَّقُ)
بحقك احْمِلْ لي على الخَدِّ قُبْلَةً … فخدُّكَ ماء فيه للصُّدْغِ زَوْرَقُ
وإن شوش الصُّدْغَ النسيم فخلها … عسى أنها في ذلك الماء تغرق
وإلا على الخَصْرِ الدقيق، فقال لي: … إليك فإن الخَصْرَ عن ذاك أضيق
وقوله (٣): [من مجزوء الرجز]
أنا أمير العشاق … قلبي لوائي الخفاق
عذارُهُ وخَدُّه … سطر عليه إلحاق
ياعجبًا لأدمعي … تزّكوبطول الإنفاق
وأصل دائي نَظْرَةٌ … تَسَلَّقَتْ إلى الطاق
فسرقت وعوقب الـ … جسم عِقاب الشراق
هذا هو الظلم الذي … يُقضى به للعشاق
إن كان أسري سَرَّهُ … فالأسْرُ مثل الإطلاق
وقوله (٤): [من البسيط]
نقضي به
غاضَتْ دُموعي وقد قيل: البُكا فَرَجٌ … فلستُ أحسد إلا عين باكيكا
شكاك للبرق يا إيماض مبسمه … بدر التمام فألقى البرق يشكوكا
قرب فؤادَكَ من قلبي مُعانقةً … لعلَّ رِقَّةَ هذا القلب تعديكا
стр. 6372
ملكت قلبي فقل لي: كيف أصْرِفُهُ … وحُزْتَ رُوحي فقل لي: كيف أفديكا
وقوله (١): [من البسيط]
رميت من مصر قلبًا بالشام فما … أسراكِ سهما إلى أحشاء إسراك
كم صادَ طيفَكِ طَرْفي بعدَ هَجْعَتِهِ … فالجَفْنُ فَنِّي والأهداب أشراكي
رحلت عنك وقد أُولِعْتُ بعدَكُمُ … فما تذكرك أو قلبًا بذكراك
يحكيني الربع أو أحكيه بعدَكُمُ … سُقْمًا فيا ليتَ شِعْرِي أَيُّنا الحاكي
منها (٢): [من مجزوء الكامل]
وديارهم أخليتها … فكأنما هي بيت مالك
والله ما للبدر مكـ … ـتَمِلًا كما لكِ في كمالك
وقوله (٣): [من الطويل]
وصفتُكِ واللاحي يُعاندُ بالعَذْلِ … فكنتُ أبا ذر وكان أبا جهل
رأيتُ مُحِبًّا منكِ تحت ذوائب. … فأخليتُ طَرفي منكِ في الشمس والظَّلَّ
ألا فارفعي ذا الشَّعْرَ عنه فإنني … أغار عليه من مداعبة الحجل
وأثْقَلَها الحُسْنُ الذي قد تكاثرت … ملاحته حتى تثنَّتْ مِنَ الطِّفْلِ
لها ناظر يا حَيْرَةَ الظَّبي إِذْ رَنا … به كَحَل ناداه يا خجلة الكحل
إذا استحسنوا في وردة دمعة الحيا … فمانظروا في خدها دمعة الدَّل
ووصل تَوَلَّى أَدْمَجَ الدهرُ ذكرَهُ … كما أُدْمِجَتْ في ذِكْرِها أَلِفُ الوَصْلِ
ومَنْ عَرَفَ الأيامَ مِثْلي فإنه … يعيش بلا حُبّ ويحيا بلا خل
منها:
تَحَجَّبَ عنها سيفه بنجِيعِهِ … فما يتملى سيفه زينة الصَّقْلِ
ظُبَاهُ كمثلِ البَقْلِ ترعى جُسُومَهُمْ … غَداةَ الوغى رَعْيَ الظَّباءِ مِنَ البَقْلِ
أتاهم بمثلِ الرَّمْلِ ينقلُ خَيْلَهُ … إلى الأفق ما فوق الطريق منَ الرَّمْلِ
إذا كنت من قتلاك تملأ سبْلَها … فكيف يسير الجيش منها بلا سُبْلِ
جنى أهل تلك القلعة الشرّ إذ رأوا … هَوَادِيها كالباسقات منَ النَّخْلِ
شَبَبْتَ وقودُ الحَرْبِ بالبيض والقَنا … عليهم فقدْ أَضْحَتْ دماؤُهُمُ تَغْلِي
стр. 6373
وكانت بهم تلك البلادُ تَنَجَّسَتْ … فَنابَ دَمٌ للقوم فيها عن الغُسْلِ
ولم يبق إلا مَنْ سَبا الجيش منهم … وإنْ كانَ يَسْبي الجيشَ بِالحَدَقِ النُّجْلِ
حَيَارَى أَسَارَى كُبِّلَتْ بِشعورها … فتُخرِجُها في الساق والمِعْصَمِ العَبْلِ
وقوله (١): [من السريع]
يكفيكَ منهُ أَنَّهُ رُبَّما … قاد إلى المهجور طيف الخيال
لو شاء من رِقَةِ ألفاظِهِ … أَلْفَ ما بين الهدى والضلال
منها (٢): [من الكامل]
أعدو ولي نَفْسٌ ولي نَفَسٌ … هدى منكسة وذا عالي
ولأجل قبرك صِرْتُ منْ أَدبي … أُولي المقابر كُلَّ إجلالي
قد كان يحسب من مُلازَمَتي … وبلائي أني مية البالي
وقوله (٣): [من الطويل]
عَرُوسُكُمُ يا أَيُّها الشَّرْبُ طالقٌ … وإِنْ فَتَنَتْ في حُسْنِها كُلَّ مُجتَلي
دفعت لها مالي وعقلي مُعَجَّلًا … فقالت: وجنَّاتُ النعيم مؤجلي
وقوله (٤): [من السريع]
لا كانتِ الشمسُ فكم أصدأتْ … صفحةَ خَذْ كالحُسامِ الصَّقِيل
وكم وكمْ صَدَّتْ بوادي الكرى … طيف خيال جاءني من خليل
يكذب في الوعد وبرهانُهُ … أن سرابَ القَفْر منها سليل
يا جلدة المحموم يا زفرة المهـ … ـموم يا حُرْمَةَ صَبٌ نحيل
يا فرحة المشرق عند الضُّحى … وسَلْحَةَ المغرب عند الأصيل
أنت عجوز لِمْ تَبَرَّجْتِ لي … وقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطانِ قَرنانَةٌ … فكيف تهدينا سواء السبيل
وقوله (٥): [من السريع]
يا مُعْرِضًا قَدْ آنَ أَنْ يُقْبِلا … وغائبًا قدْ آنَ أَنْ يَقْفُلا
стр. 6374
ليس بعار أنْ تُرى هاربًا … فإنما عادة ريم الفلا
ما أحسن الصبر وأما على … أن لا أرى وجهك يومًا فلا
وقوله (١): [من المتقارب]
رعى الله بدرًا معَ الضَّاعِنين … ضللت به عن سواء السبيل
تناهى الجمال به أو غَدا … يتيه علينا بوجه جميل
وقوله (٢): [من الرجز]
وكنت أخشى بالصدود قبلكم … فكان منكم بالوصالِ قبلي
في كُلِّ حالٍ أنا مقتول الهوى … ما أنتَ [مني] يا هوى في حل
وقوله (٣): [من الخفيف]
بَعَثَتْ لي على فمِ الطَّيفِ قُبْلَة … فأتتني تلكَ المَسَرَّةُ جُمْلَهُ
لا يحاول غيري هواك فلم يبـ … ق فؤادي في كأس حُبِّكِ فَضْلَه
وبِجَفْنَيْكَ عَلَّةٌ قد دَعَتْ شَوْ … قي فإني إِنْ حَييتُ حييتُ بِعِلَّه
وقوله (٤): [من المتقارب]
هَواي لمحبوبيَ الأَوَّلِ … فقصر من العَدْلِ أَوْ طَوِّلِ
وإنْ كانَ في صَمم العاشقين … فبالعاذلين عمى العُذلِ
أُسِرُّ الغرام ويُبدي الجمال … فأُخْفي الجفاء ويحلو الحلي
وأشكو هواي إلى جَفْنِهِ … كشكوى الجريح إلى المفصل
منها:
وذَلَّ به الأسد في غابِها … فأضْحَت تصانع بالأشبل
وقام من الدرع في منهل … ويُمناه بالسيف في جَدْوَلِ
وقوله (٥): [من المتقارب]
وظبي حبائِلُهُ شَعْرُهُ … فمنه له الصيد والحابل
توَهَّمْتُ أني لا عاشق … لأني ما لي به عاذل
стр. 6375
وقوله (١): [من البسيط]
أسير عنك بقلب عن هواكَ سَلَا … لِمْ لا أسير وقد سيَّرْتَني مِيلا
هَبْ أنني كنتُ أهوى جوره سعفًا … منّي أما كان يهوى صورة المللا
وهَبْهُ والصُّدْعُ واو فوق وجنته … لا يُحسِنُ العَطَفَ أني يُحْسِنُ البَدَلا
رنا إلي بعينيه فقلتُ: طَلًا … حتى إذا كَسَرَ الأجفان قلت: طلا
وقمتُ أُبْصِرُ والصَّهباء دائرة … بنتَ السُّرُورِ جَلاها بيننا ابْنُ جَلا
إذا جرى ذِكْرُ مَنْ أهوى فَخَلَّ بِهِ … ذِكْرَ الغزال وخَلَّ اللهو والغزلا
وإِنْ مَدَحْتَ فلا تَمْدَحْ سِوى مَلِكٍ … يُعطي الممالك والأيام والدُّولا
أسني الملوك عطايا كُلَّما نَفَدَتْ … وأكثر الناس جُودًا كُلَّما عَدَلا
لو أنَّهُ كانَ في تصميم حَمْلَتِهِ … وحيثُ يطلب منهُ طِرْفُهُ نَزَلا
وقوله (٢): [من مجزوء الرمل]
ليس [لي] منه سوى لا … كلّما زِدْتُ سُؤالا
نَصَبَ الفَنَّ عِذارًا … تحتَهُ الحبَّةُ خَالا
أنا فيه بشقائي … أنعم العالم بالا
أخذ الراحَ حَرامًا … وتَحَسّاها حلالا
طَبَخَتْها نارُ خَديـ … ـهِ بنارٍ تَتَلالا
ومشيب عم حتى … عَمَّمَ الرأس لشتمالا
فمتى ما قال ساقي الـ … ـراح هاها قلت: لالا
وقوله (٣): [من الكامل]
شَهِدَ اللَّمى في المرشِفَين لها … عندي بأنَّ المسكَ قَبَّلَها
فرأيت لثمي حينَ جَرَّحَهُ … وهو الذي بالحُسْنِ عَدَّلَها
لمياء فاضَ بِطَرْفِها كَحَلٌ … ورأى مَرَاشِفَها فَكَحْلَها
تمشي الهُوَيْنا وَهْيَ مُتْعَبَةٌ … قصرًا لأنَّ الحُسْنَ أَثْقَلَها
يا مَنْ تَهَتَكَ في مُعَمَّمَةٍ … أَوْسَعْتَ نفسك في الهوى بَلَها
وذكرت أن الآس عذره … ونسيت أنَّ الآس أنعلها
الله ليلةُ وَصْلِ قاتلتي … ما كانَ أَقْصَرَها وأطْوَلَها