← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ثوبين فأحرمتُ فيهما، وعلموني كيف أحجّ فسهّل الله لي الحج، وخفت أن ارجع إلى بغداد فيأخذني مولاي فيقتلني، فخرجت مع قافلة أخرى إلى مصر، وكنت أخدم الناس في الطريق، فكنت آكل معهم ووهبوا لي وكسوني، فلما دخلت مصر ومن صفتها كذا رأيت النيل (١)، فقلت هذا الماء من أين يجيء، فقالوا: أصله من بلاد الزنج، فقلت: من أي ناحية فقالوا: من ناحية كذا وكذا، فلزمت ساحل النيل، أخرج من بلد وأدخل آخر، وأطلب طول طريقي ما أؤمله، فوقعت في مدينة كذا، فاستعبدوني، وهربت ووقعتُ في مدينة كذا فباعوني، وهربتُ، ولم أزل أمشي من مصر حتى وردت البلد الفلاني من مواخر الزنج، فسألت عن بلدي هذا فقيل: إن أهله ما أجْلَسُوا ملكًا، فاحتلت إلى أن ركبتُ في مركب إلى موضع كذا، ثم ركبتُ إلى موضع كذا، ثم مشيت إلى بلدي ووافيته قبل مجيئكم بشهر، وليس في البلد ملك، فعدتُ إلى ملكي، وأنا اليوم فَرِحٌ مسرورٌ؛ لأن الله مَنَّ عليَّ بالإسلام ومعرفة الدين والصلاة والحج، وبلغت ما لم يبلغه أحدٌ في بلاد الزنج غيري، ومالي حسرة إلا شيء واحد، قال: فقلت: ما هو؟ قال: مولاي الذي هربت منه ببغداد اشتراني بنيف وثلاثين دينارًا، وكنت أشتهي أن أرى ثقةً فأدفع إليه ثمني ليردّه عليه ويستحله لي، ويحدثه بحديثي ليعذرني ولا يدعو علي. ولو كان فيكم خيرًا وفيكم ثقة لدفَعْتُ إِليه ثمني ليرُدَّه على مولاي. ووهبت له عشرة أضعافه بدلًا من أجرته على ذلك. ولكن ليس فيكم ثقة على حبة واحدة. قال: فودعناه، فقال: امضوا وإن رجعتم فبهذه المعاملة أعاملكم، وأزيدكم في الإحسان إليكم، وأما تشييعكم إلى مركبكم فليس إليه سبيل، وافترقنا. وقيل لي: إن ببلاد الزنج قافةً حذاقًا فهماء. وقال (٢) لي اسماعيلويه عن بعض النواخذة: إنه قال: دخلتُ بلاد الزنج في سنـ اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، فقال لي بعض القافة: كم أنتم من مركب؟ فقلتُ: ستة عشر مركبًا، فقال: يسلم منها إلى عُمان خمسة عشر مركبًا وينكسِرُ مركب منهم، يسلم منهم ثلاثة أنفس، وتحلّ بهم شدة عظيمة، ويتخلصون إلى عمان، قال: فخرجنا كلنا في يوم واحد. وكنت آخر من خرج منهم، فأغذذت السير لألحق الأول منهم، فلما كان في اليوم الثالث رأيتُ من بعد مثل الجزيرة السوداء، وأزعجني في السير ما لم أنحدر معه لحطّ الشراع لأعدل عنها؛ لأنّ السير في ذلك البحر شديد جدًا، فما كذبت

стр. 667

أن وصلت إليها فضربتني، وإذا هي سمكة (١) قد طَفَتْ على رأس الماء، فلما حاذاها المركب رَدَّتْ عليه بذنبها، فانكسر قطعًا، فسلمتُ أنا وابني والكارين (٢) في دونيج، ووقعنا في بعض جزائر الدبيحات (٣)، فأقمنا به ستة أشهر إلى أن أمكننا الخروج ووصلنا إلى عُمان بعد شدائد عظيمة مَرَّتْ بنا، وقد كانت المراكب الخمسة عشر سلمت بأسرها. وقال (٤): حدثني إسماعيلويه الناخذاه: إنه رأى أسفل ريشة ببعض بلاد الهند عند رجل من كبار تجارهم، وأنه سقاه فيها ماءً. قال: فقدَّرتُ أنها تسع خمسة أرطال أو نحوها. قال: فعجبتُ من ذلك، فقال لي: لا تعجب من هذا، حدثني بعض نواخذة الزايج (٥) أنه رأى عند ملك سريرة (٦) أصل ريشة تسع خمسة وعشرين قربة ماء. وقال (٧): وحدثني غير واحد من البحريين أنه سمع أن بسفالة الزنج من الطيور ما يأخذ الفيلة (٨) بمنقاره أو مخالبه ويحمله إلى الهواء، ثم يرمي به ليموت وينكسر، ثم ينزل عليه ويأكله. وقال (٩): مما حدثني به إسماعيلويه الناخذاه أن ببلاد الزنج معادن ذهب خوارة (١٠). وأكثر المعادن خوّارة، وأن الرجال يحفرون فيها الذهب فربما نقبوا على أرض مجوفة (١١) مثل أرض النمل فيخرج عليهم نمل مثل السنانير كبارًا فيأكلونهم ويقطعونهم قطعًا. وقال: وقد كان أحمد بن هلال أمير عمان حمل إلى المقتدر نملة سوداء في قفص حديد مشدودة بسلسلة في قدر السنوّر اللطيف، وماتت هذه النملة بناحية

стр. 668

جبل (١)، فَجُعِلَتْ في الصبر، وحملت إلى مدينة للسلام صحيحة، ورآها المقتدر ﵀. وقال (٢): حدثني محمد بن بابشاذ، عمن حدثه ممن دخل الواق واق (٣) أن هناك شجرًا كبارًا له ورق مدوّر، ومنه ما هو إلى الطول قليلًا يحمل حملًا مثل القرع، إلا أنه أكبر منه، وصورته صورة الناس، تحركه الرياح فيخرج منه صوت، وإن داخله منفوخ مثل حمل العشر (٤)، فإذا قطع عن الشجرة خرج الريح منه من ساعته، وصار مثل الجلد، وأن بعض البانانية رأى ذلك الحمل فتعشق صورة من الصور فقطعها ليجامعها (٥)، فلما قطعها خرج الريح منها وأن الصوت الذي يخرج منه هو على ضروب فمنه ما يشبه الأنين، ومنه ما يشبه أصوات الغربان الضعيفة وغير ذلك. وذاكرت (٦) محمد بن بابشاذ بأمر القردة وما يُحكى عنها، فحدثني بالران كثيرًا من أحاديثهم، ومما حدثني به أن بنواحي صنفين (٧) وبنواحي لامري (٨) وبنواحي قافلة (٩) قردة في نهاية الكبر، وأن لكل فرقة منها أمير حشمه أعظم حشم كل واحد منها، وأنها ربما خرجوا من الغياض إلى الطريق والمحاجّ فيمضي بهم القوم يمشون فيمنعوها من الاجتياز بها حتى يعطوها شيئًا، وإن بعض البحريين حدثه بل غير واحد أنه اجتاز على قطعة منها مع جماعة معه فمنعهم من المشي فحاربوها على المشي فمزقت ثيابهم وخدشتهم فدفعوا إليها شيئًا فتركتهم ثم لم تعرض إليهم. وقال: حدثني من رأى قردًا بقرية من قرى اليمن يقال لها حكى، بل هي بلدة من

стр. 669

بلدانهم في منزل رجل، وأن الرجل اشترى لحمًا وجاء به إلى منزله، وأوما إلى القرد أن يحفظه، فجاءت حداء فاستلبت اللحم، فبقي القرد متحيرًا. وكان في الدار نخلة، فصعد القرد إلى رأسها، ورفع استهُ إلى السماء ودلّى رأسه إلى أسفل، فتصقرت عليه الحدأة وهي تقدر أن استه من جنس اللحم الذي أخذته، فلما ضربته بكفيها استلبها القرد وخنقها ونزل إلى الدار فوضعها تحت شيء وغطاها، وجاء صاحب المنزل فلم يجد اللحم، فقام إلى القرد ليضربه، فعدا وصعد إلى رأس النخلة، وكشف الرجل الإناء، فوجد تحته الحدأة، فأمسك واشترى شيئًا ليأكله ونام، فنزل القرد وقدح وأشعل نارًا، ثم أخرج الحدأة ونَتَف ريشها حتى سَلَخَهُ ثم جعله في جوف النار، ولم يزل يقلب حتى شواها وأكلها. وللقرد أحاديث طريفة. قال: ومن أحاديث البحريين والنواخِذَه ما يُحكى عن ماقيا (١) الربان، وأصله من نجيرم (٢) وكان ببعض قراها (٣) يرعى الغنم، ثم صار صيادًا، ثم صار أحد بانانية (٤) مركب يختلف إلى الهند، ثم تحوّل إلى مركب صيني، ثم صار بعد ذلك ربّانا (٥)، وله في البحر طرائف واستخرج إلى الصين سبع طرق. ولم يكن يُسلك قبلَهُ إلى الصين إلا من باب واحد، ومما يحكى عنه ولم أر أحدًا من البحريين يدفعه مع طرفته وعظمته فإنه كالمستحيل عندي، أنه كان يخرج من سيراف يريد الصين فانكسر مركبه ولم يسلم أحد منه سواه. فإنه جلس في مطياله، وأخذ معه قربةً فمكث في البحر أيامًا فحكي عن شهرياري الربان، وكان أحد ربانية الصين أنه قال: كنت أمضي من سيراف إلى الصين، فلما صرت بين الصنف (٦) … والصين بالقرب من صندى فولات (٧) وهو بحر صنجي وهو بحر الصين وقفت الريح فلم تتحرك، وسكن البحر فطرحنا الأناجر، وأقمنا بمكاننا يومين، فلما كان في اليوم الثالث رأينا شيئًا بالبعد في البحر فطرحت الدونيج في البحر

стр. 670

وانفدت فيه أربعة من البانانية، وقلت اقصدوا ذلك السواد، فانظروا ما هو، فمضوا وعادوا، فقلنا: ما ذلك الشيء؟ فقالوا: ماقيا (١) الربان على مطيال معه قربة ماء، قلت لهم: فلم لم تحملوه؟ فقالوا: قد اجتهدنا به فقال: لا أصعد إلى المركب إلا بشريطة أن أكون الربان وأدبر المركب وآخذ أجرتي بنحو قيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف (٢)، وإلا لم أصعد، فلما سمعنا هذا الكلام خَبُثَتْ نُفوسنا ونزلت جماعة من المركب، وصرنا إليه وهو في البحر تضربه الأمواج، فسلمنا عليه وضرعنا إليه في الصعود، فقال: حالكم أقبح من حالي، وأنا إلى السلامة أقرب منكم، فإن دفعتم إلي بقيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف، ورددتم إليَّ أمر المركب صعدت، فقلنا: هذا مركب فيه أمتعة وأموال عظيمة لخلق من الناس ولا يضرنا أن نعرف ما عند ماقيا (٣) من الرأي بألف دينار نبسطها على سائر أمتعة المركب، فضمنا له ألف دينار، وصعد والقربة والدونيج معه إلى المركب، فلما حصل فيه قال: سلموا متاعًا بألف دينار، فسلمنا إليه، فلما أحرزه، قال للربّان: اجلس ناحية فتباعد ذلك عن موضعه، وقال هو: ينبغي أن تأخذوا في أمركم ما دام عليكم مهلة، قلنا: فبماذا؟ قال: ارموا الثقل كله في البحر، فرمينا نحو نصف حمولة المركب أو أكثر، ثم قال: اقطعوا الدقل (٤) الأكبر فقطعناه ورميناه إلى البحر، فلما أصبح، قال: ارفعوا الأناجر واتركوا المركب يسير لنفسهِ، فَفَعَلْنَا، فقال: اقطعوا الأنجر الكبير، فقطعناه، وبقي في البحر، وأخذنا الخبّ (٥)، فلولا أنا كُنّا قد رمينا بالحمولة وقطعنا الدَّقل، لكنا قد غرقنا من أول موجة أخذتنا، ولم يزل الخبّ ثلاثة أيام بلياليها والمركب تصعد وتنزل بغير أنجر ولا شراع، ولا ندري كيف نمضي، فلما كان في اليوم الرابع أخذت الريح في السكون، وتم سكونها، وصلح أمر المركب آخر النهار، وأصبحنا في اليوم الخامس والبحر طيب والريح مستقيمة، فاصلحنا دقلًا ورفعنا الشراع وسرنا وسلم الله، وَوَرَدْنا الصين، فأقمنا إلى أن بعنا واشترينا وأصلحنا المركب ودقلًا بدل الدقل الذي رمينا به في البحر

стр. 671

وخرجنا من الصين نريد سيراف، وقاربنا الموضع الذي قدرنا أنا رأينا فيه ماقيا (١) اجتزنا بجزيرة وجبال فقال ماقيا (٢): اطرحوا الأناجر، ففعلنا ثم طرح القارب إلى البحر ونزل فيه خمسة عشر رجلًا وقال لهم: امضوا إلى ذلك الموضع وأومى إلى بعض الجبال فهاتوا الأنجر الفلاني، فعجبنا من ذلك ولم نَجُز مخالفته، فمضوا وعادوا والأنجر معهم، ثم قال لهم: امضوا إلى ذلك الجبل الآخر - وأومى إليه - فهاتوا الأنجر الفلاني، فمضوا وعادوا والأنجر معهم، ثم قال: ارفعوا الشراع، فرفعناها وَسِرْنا، فقلنا له: كيف عرفت أمر هذه الأناجر؟ فقال: نعم لقيتكم على هذا الموضع في راس الثلاثين سنة، وهو وقت نقصان الماء حتى ينكشف هذا الجبل، وقد نقص الماء صدرًا صالحًا، وكنتم في وسط الجبال والجزيرة فأمرتكم بطرح الثقل من الأمتعة ففعلتم، ثم فكرتُ في أمر الأناجر فإذا حاجتنا إليها إلى الصين غير ماسة، ولم يبق في المركب من الأمتعة إلا ما قيمته دون الأناجر منه أضعاف قيمة الأناجر، فرميتُ بها لذلك، لأنه لم يكن بد من تخفيف المركب، فَحَصَلَتْ هذه الأناجر الثلاثة فوق الجبال، والجزيرة ظاهرة، وحصلت الثلاثة الأخر الآخر تحت الماء، قلنا له: كيف استدللت على هذا النقصان والخبّ؟ فقال: نعم، قد جزتُ هذا البحر قبل، وجرّبتُ في مسيري فوجدته في رأس كل ثلاثين سنة ينقص نقصانًا عظيمًا حتى تتكشف هذه الجبال، ويكون في وقت هذا النقصان خبّ عظيم أصله من قعر البحر، فانكسر المركب الذي كنت فيه على رأس جبل من هذه الجبال؛ لأن النقصان لحقني وأنا أسير ليلًا وسلمت في ذلك المطيال، ولو بقيتم في موضعكم لما بقيتم في البحر أكثر من ساعة إن لم يجنح مركبكم قبل الخب؛ لأنكم كنتم على الجزيرة. وإِن جَنَحْتُم عليها انكسرتُم. وماقيا (٣) هذا له طرائف وأخبار في البحر، وهذا الخبر من أطرف أخباره وأخبار حذاق ربانية البحر. وقال: قال لي محمد بن بابشاذ: إذا كنت في البحر وأردت أن تعرف هل أنت بقرب أرض أو جبل فانظر بعد العصر إذا انحطت الشمس فإنها إذا انحطت وكان في وجهها جبل أو جزيرة تبينت. وقال (٤): حدثني رُبّان من ربابنة البحر يقال له: عمران الأعرج، أنه خرج في

стр. 672

مركب من عمان مع عدة مراكب إلى جدة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فوقع علينا في بعض الأيام ريح شديدة فرمينا ببعض الحمولة وتخلف بعض المراكب، وأصيب البعض، وسرنا فلما صرنا بين كمران (١) وعثر (٢) … وقع بنا خبّ عظيم وريح عظيمة هائلة مختلفة فتقطعت الأناجر، ولم نضبط المراسي، وحملتنا الرياح، وكان معنا عدة مراكب من عدن وغلافقة (٣) وعثر وفيها جلبة (٤) جديدة حسنة من غلافقة، فرأيتها وقد طرحتها الريح والأمواج على جبل في البحر، ونزلت الأمواج عنها، فانقلبت فلعهدي بالأمتعة والناس يتساقطون إلى البحر من جوف الجلبة (٥) وغرقت الجلبة فما سلم أحد من أهلها. وقال (٦): حدثني غير واحد من البحريين بأمر سعيد الفقير العدني، وكان رجلًا صالحًا من أهل عدن يسف الخوص ويلزم مسجدًا بها يصلّي فيه سائر الصلاة، وكان له ثلاث بنين يعيشون أو بعضهم مثل معاشه، وإن بعض البحريين جهز مركبًا إلى كله (٧) وكان صديقًا لسعيد، فلما عزم على الخطوف (٨) قال له أسألك أن تسألني حاجة وتعطني بضاعة، فاشترى بنصف درهم جرّة خضراء وبدائق ملحًا جريشًا وجعله فيها وطينها ودفعها إليه وقال: هذه بضاعتي فقال له: فما أشتري لك بها؟ فقال له: اشتري لي بركة كما يقول الناس، فيما لا يعينون عليه، وخَطَفَ المركب ووصل إلى كله، وباع ما فيه وأنسي صاحب المركب الجرّة، فبينا هو كذلك في سوق كله إذ رأى رجلًا يجر سمكة في حبل وينادي من يشتري بركة، فلما سمع ذكر جرة سعيد الفقير، فدعا صاحب السمكة فقال: هذا جنس من السمك يسميه الصيادون بركة، فقال في نفسه لعل الرجل أراد هذه السمكة بعينها، فاشتراها على أن يعطيه بالثمن وزن أوقيتين ملح، وأجلسه وأنفذ بعض أصحابه إلى المركب، فجاء بالجرة كهيأتها ففتحها وأعطى الرجل من الملح ما وافقه عليه، وأمر بحمل السمكة إلى المنزل الذي يسكنه، وشُقَّتْ لتملح ببقية

стр. 673

الملح فهم ينظفونها إذا وجدوا عذرة صلبة، فشقوها فوجدوا بها صدفة فيها درّة. فقال الرجل: هذا رزق ساقه الله إلى سعيد، فعاش بعد وصولها في يده مدة يسيرة ثم مات. فأخذها ابنه الأصغر وخرج إلى سر من رأى والخليفة المعتمد (١)، فباعها عليه بمائة ألف درهم، وكانت قيمتها أضعاف هذا. وقال (٢): حدثني بعض الربابنة أنه رأى في لجة سمرقند - وهو البحر الذي يلي هركند ويقال: إن مصب ماء نهر سمرقند في هذا البحر، وإنه سمى سمرقند لذلك - شيئًا كثيرًا من الرال (٣)، وإنه أكبر سمك في البحر، وإنه رأى سمكة قدر أن طولها نحو مائتي ذراع (٤)، وأنهم رأوها من بعد وقد رفعت أجنحتها فقدروها شراع قوارب إلى أن حاذوها، وإن على ظهر هذا السمك مثل حجارة الأرحية مما قد تراكب عليه طول السنين من الطين والصدف فاستحجر وصار لا يعمل فيه الحديد، وأنه شيء عبرة، وأنه يسير في البحر وحوله يمنة ويسرة ووراءه وبين يديه فراسخ سمك لا يفارقونه والذكر والأنثى منه على ما قيل يحمل البيض فيعظم في بطونها إلا أن الذي يحمله الذكر نحو ثلث ما تحمله الأنثى فيعظم ما في بطن الأنثى حتى يضيق نفسها فتقذف بعضه ليخف عنها، فكلما تقذفه يقذف الذكر ما في بطنه أو أكثره فيختلط معًا وينزل إلى قعر البحر، فما اجتمع من بيض الذكر مع بيض الأنثى جاء منه سمك، وما لم يجتمع مع بيض الأنثى لم ينجب وبطل. وقال: حدثني من رأى ببلاد الهند خلقًا يزجرون، وإن بعض البحارين من أهل سيراف حَدَّثَهُ أنَّه أراد الخروج من صيمور (٥) إلى سوبارة (٦) طريق البر، فقال لصاحب الشرطة يضم إليه رجلًا من الهند يخفره في طريقه فضم إليه واحد ممن كانوا بين يديه من الباتك، وهم الرجالة. فخرجنا، فلما صار بظاهر صيمور، جلسنا عند تلاح وهو مجمع الماء وحرام وهو البستان يأكلون شيئًا ومن جملته أرز، فنعق غراب فقال الهندي

стр. 674

للسيرافي: أتعرف ما يقول الغراب؟ قال: لا. قال: يقول لا بد أن آكل من هذا الأرز الذي أكلتموه، فقال: فعجبتُ من قوله، لأنَّا كنا قد أكلنا جميع الأرز الذي كان معنا حتى لم يبق منه شيء. ونهضنا وأخذنا في مشينا، فما سرنا فرسخين حتى لقينا خمسة أنفس أو ستة من الهند، فلما رآهم الهندي اضطرب وقال لي: أريد أن أقاتل هؤلاء، قلت: لم؟ قال: لأنَّ بيني وبينهم عداوة. فما كلمني بما أراد حتى جردوا خناجرهم واجتمعوا عليه فقتلوه وشقُّوا بطنه حتى خرج ما فيه، ووقع عليَّ من الفزع ما لا يمكنني معه المشي فسقطت كالباهت العقل، فقالوا لي: لا تفزع، فإنَّ هذا بيننا وبينه عداوة، وأنت لا بأس عليك، ومضوا وتركوني، فما تباعدوا حتى سقط غراب لا أشك أنه ذلك الغراب، فجعل يلقط الأرزَّ الذي خَرَجَ من جوفه. قال (١): ومن طريف أخبار البحار ومن ركبها واستغنى فيه خبر إسحاق اليهودي، وكان رجلًا يتصرف في الدلالين بعمان فوقع بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فهرب عن عمان إلى بلاد الهند ومعه نحو ثلاثمائة دينار لم يكن يملك سواها، وغاب عن البلد نحو ثلاثين سنة لا يعرف له خبر، فلما كان في سنة ثلاثمائة ورد عُمان فحدثني غير واحد من إخواننا البحريين أنه ورد عُمان من الصين في مركب لنفسه وجميع ما فيه له. وأنه قاطع أحمد بن هلال صاحب عُمان عن المركب لثلاثلا يحصى ما فيه (٢)، ويفتش عليه بمكس ألف ألف درهم ونيّف، وأنه باع على أحمد بن مروان بابة واحدة من المسك مائة ألف مثقال فائق (٣)، وقدَّر ابن مروان أن ليس معه غير هذا المقدار من المسك، فباع على أحمد بن دربند بأربعين ألف دينار بابة أخرى وباع على رجل آخر بعشرين ألف دينار بابة أخرى واستقاله أحمد بن مروان المسك فنقصه في كل مثقال درهم فكانت الحطيطة مائة ألف درهم، وكانت معه كل طريقة من طرف البحر، وطار اسمه في البلاد وحسده الخلق، وطلب منه بعض أهل الشر شيئًا فلم يعطه فخرج قاصدًا إلى بغداد، وكان أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات (٤) وزيرًا فسعى باليهودي فلم يلتفت إليه فتسبب إلى بعض الأشرار من أصحاب المقتدر بالله وتنضَّح في اليهودي. وقال: حُكي أن رجلًا خرج من عمان ولا شيء معه، وأنه عاد ومعه

стр. 675

مركب مسك فقط بألف ألف دينار وذكر أن معه ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار من الجواهر واللآلئ وصنوف الأمتعة وهو شيخ لا ولد له، وأن أحمد بن هلال أخذ منه عن أمتعة مائة ألف دينار، فوقع الخبر إلى المقتدر، فاستعظمه، فأنفذ في الوقت خادمًا يقال له: فلفل أسود مع ثلاثين غلامًا إلى عُمان، وكتب إلى أحمد بن هلال يأمره بحمل هذا اليهودي مع الخادم ورسول من جهته، فلما وصل الخادم إلى عمان أمر أحمد بن هلال بالاحتياط على اليهودي وقطع مصانعته لنفسه على أن يدافع عنه على مال جليل، ثم دس إلى التجار من يعرفهم ما في حمل (١) اليهودي عليهم وعلى البلد وعلى سائر الغرباء من سوء العاقبة، فغلّقت الأسواق وعُمِلتْ المحاضر بأنه متى حمل هذا اليهودي انقطعت المراكب عن عُمان وهربت التجار ولم يأمن ذو مال، وأنه بلد فيه وجوه التجار وذوو اليسار، وإنما سكنت نفوسهم إلى المقام بعدل أميره وحُسن سيرته، وأحكموا هذا القول وشغبوا على أحمد بن هلال حتى همت الخادم ومن معه نفوسهم وتمنوا الخلاص، وكتب أحمد بن هلال يذكر ما جرى وأنه متى تم هذا على أصغر تاجر وأكبرهم لم يقم أحد ولم يجز أن تنظر في أمر البلد وخرج عنه أيضًا، وأخذ الخادم ومَنْ معه من اليهودي نحو ألفي دينار وانصرفوا فَخَبُثَتْ نفس اليهودي، ولم يزل يحتال (٢) ويجمع ماله، وبنى مركبًا كبيرًا وخرج إلى الصين ومعه جميع ماله حتى لم يخلف درهمًا بعمان، فلما صار بسريرة التمس منه صاحب سريرة عشرين الف دينار مصانعة لينزله بجزيرته ولا يعوقه (٣) فلم يدفع إليه فدس عليه من قَتَلَهُ ليلًا وأخذ مركبه وجميع أمواله، وكان مقامه بعمان نحو ثلاث سنين. وقال: خبرني من شاهده بعُمان في يوم مهرجان وقد أهدى إلى أحمد بن هلال برنية (٤) صيني مضبّبة الرأس بالذهب، فقال له: ما في البرنية؟ فقال: سكباج أصلحتها بالصين، فتعجب من هذا، وقال: سكباج يطبخ بالصين وقد مضى عليه نحو سنتين، كيف يبقى؟ فقلع الراس وفتح البرنية، وإذا فيها سمك من الذهب. عيونه من الياقوت، وقد عبّى في البرنية، وفي ذلك المسك التنبتي الفائق، وإذا قيمة ما في البرنية عشرة آلاف دينار (٥).

стр. 676

وقال: مما حدث به هذا اليهودي أنه قال: دخلت إلى بلد يقال له لوبين (١) من البلدان الصين - والمسلك (٢) … إليه بين جبال، وعلى جبال شاهقة، ويحمل المتاع إليه على الغنم؛ لأنه موعر مثل الدرج لا يقدر على الصعود إليه إلا الغنم فوجدت بهذا البلد ملكًا كبيرًا له قدر وجلالة، ملك عظيم، فدخلتُ إليه وهو جالس على سرير من ذهب مرصع باللؤلؤ وعليه حلى مثل حلى النساء، وفي رقبته مينة مرصعة باللؤلؤ مضببة بالذهب، مغلفة بمخنقة ذهب. وإلى جانبه زوجته، وعليها من الحلي مثل ما عليه إلا المينة، وعلى رأسه نحو خمسمائة جارية من كل لون حسن، فقال لي: يا عربي هل رأيت أحسن من هذا الذي في عنقي؟ فقلت: ما رأيت قط مثل هذا إلا واحدة اشتريتها بمال عظيم، وهي معي قصدتك ايها الملك بها، فقالت له امرأته: بقي لك شيء هو ذا قد جاءتك واحدة فرد علي هذه، فقالا: عجل بها علينا الساعة فقلت: بسببها جئت، والليلة أجيئكما بها، فقالا: لا إلا الساعة، وفرحا واستبشرا وَوَرَدَ عليهما أمر عظيم. قال اليهودي: وكان عندي من المينا عشرة، فبادرْتُ إلى الموضع الذي نزلته، فأخذتُ منها تسعة فدققتها بحجر حتى صيّرتها في قوام السويق ودفنتها في التراب، وأخذت الواحدة فلففتها في منديل، وظاهرت عليه المناديل، وحملتها في تخت وشددته وخيطته وأحكمته، ثم حملته وقصدت الملك ولم أزل أفتح وأنشر وهو يزحف إلي وزوجته قائمة تستعجلني حتى أخرجتُ المينة فسجد من ساعته لها وسَجَدَتْ زوجته ووهبا لي مكافأة عليها لها قدر عظيم. وقال (٣): من أخبار الهند وسننهم الظريفة ما حدثني به أبو الحسن محمد بن حرب (٤) العُماني، أنه سمع من يضبط ويفهم ببلاد الهند أن بعض ملوك الهند الكبار كان جالسًا يأكل وبإزائه ببغاء في قفص معلقة، فقال لها بالهندية: تعالي كلي معي. فقالت له: أنا أفزعُ مِنَ السنّورِ، فقال لها: أنا بلوجرك. إني أفعل بنفسي مثل ما يصيبك، وتفسيره لهذه اللفظة ومعناها هو ما أذكره وذلك أن الملك من ملوك الهند يجيئه من الهند عدة على حسب محله وجلالة قدره، فيقولون له: نحن بلاو جرك فيطعمهم الأرز بيده ويعطيهم التانبول بيده فيقطع كل واحدٍ منهم الخنصر من أصابعه من وسطها.

стр. 677

بين يديه ثم يكونون معه حيث سلك يأكلون بأكله، ويشربون بشربه ويتولّون إطعامه ويستقصون سائر أحواله، فلا يدخل إليه حظية ولا جارية ولا غلام إلا فتشوه، ولا يُفرش له فراش إلا فتشوه، ولا يُقدّم له طعام أو شراب إلا قالوا للذي أحضره يأكل منه أولًا وما أشبه هذا من سائر الأشياء. فإن مات قتلوا أنفسهم، وإن أحرق نفسه أحرقوا أنفسهم، وإن مرض مرضوا بمرضه وإن حارب أو حورب كانوا حوله ومعه. ولا يجوز أن يكون هؤلاء البلاوجرية إلا من عليّة أهل الموضع، ومن يرجع إلى الموضع ومن يرجع إلى حدّة وبسالة وشهامة، وله رواء ومنظر، فهذا معنى البلاوجرية فلما قال الملك للببغاء: إنا بلا وجرك نزلت من القفص وجاءت فوقَفَتْ على الخوان لتأكل فقفز السنور فقطع رأسها، فأخذ الملك بدن الببغاء فجعله في صينية وجعل عليه الكافور وحوله الهال والكبابه والجوزبوا والبسباسة وورق التانبوك والفوفل والنورة، وضرب الطبل ودار في البلد في عسكره والصينية على يده، ثم كان يوجه بالصينية في كل يوم فيطوف بها في البلد مدة سنتين وكسر فلما طال ذلك اجتمع عليه البلاوجرية وغيرهم من أهل مملكته فقالوا له: هذا قبيح، وقد طال الأمر فيه، فإلى كم تدافع إما إن تفي وإلا فعرفنا حتى نعزلك ونقلد ملكًا غيرك؛ لأن في الشرط إذا قال أنا بلاوجرك، ثم وجب عليه حكم فدافع به أو نكل عنه، فقد بصر بهند، والبهند عندهم من لا يجوز عليه الحكم لقلته ومهانته وسقوطه مثل المغني والمحتكر والراس وما أشبهه، والملك ومَنْ دُونه في ذلك سواء إذا نكل عن واجب، فلما رأى هذا جمع العُود والصَّنْدَل والسمن وحفَرَ حُفْرةً وجعل ذلك فيها وأحرقه بالنار ثم رمى بنفسه فيها فاحترق وأحرق بلا وجريته وبلا وجرية البلاوجرية نفوسهم معه. وكان أصل ذلك قوله للببغاء أنا بلاوجرك. وقال (١): حدثني عن محمد بن سعيد أخي إسحاق الخطيب لأمه أنه قال: رأيت بسندابور (٢) رجلًا من الهند قد اجتاز بدار فانصب عليه وعلى ثيابه بول من تلك الدار، فوقف وصاح بهم: هذا الذي انصب عليّ ماء من غسل اليد أو من غسل الفم وهو عندهم أقذر ما يكون، فقالوا له: هذا بول صبي بال الساعة، فقال: ها: كنا، أي جيد، ومضى وعندهم إن البول أنظف من الماء الذي غسل به اليد أو الفم. وقال (٣): حكي أن الواحد منهم يتغوّط وينزل إلى الثلاج وهو مستنقع المياه المنصبة من الجبال والصحارى عند كثرة الأمطار والسيول حتى يغتسل فيه ويستنجي.

стр. 678

فإذا تنظف تمضمض بالماء وخرج من الثلاج فمج الماء من فيه بالأرض؛ لأن عنده إذا مج الماء في الثلاج نجسه وأفسده. وقال: ذكر لي أبو الحسن محمد بن حرب أنه بظاهر ترتين من بلاد الهند على نحو فرسخ ونصف من البلد بد عظيم فيه صَنَم من حجر كبير، وفي هذا البد ستون جارية وقف على هذا البد ما يكسبونه من الزنا يُرَدُّ في النفقة على عمارة البلد وحفظ الصنم وأجرة القوام به وكل من مر بهذا البد من الغرباء ذاهبًا وجائيًا، وربما يمر أحد منهم بغير أجرة ولا عوض ولا شيء وإن وهب لإحداهنّ شيئًا لم تأخذه منه، وذكر أنه سمع جماعة بترتين يقولون: إن السبب في هذا أن زانية بعض ملوك الهند وهي زوجته كانت منصرفة من بعض الحرامات وهي البساتين إلى برتين فاجتازت بنخلة من نخل النارجيل وتحتها رجل جالس يدلك ذكره فوقفت ووقف مَنْ حولها، وكانت راكبة على فيل، وتقدمت بإحضاره، فأحضر فقالت: يا هذا ما تتقي الله ولا تخافه. أنت رجل صحيح البدن تفعل كذا وكذا، فقال: ما فعلت كذا إلا من حاجة وضرورة، فقالت له: تركت البلد وفيه من الجواري والقحاب كذا وكذا وخرجت تفعل هكذا، فقال لها: ليس معي شيء وأنا رجل غريب فقير، فقالت: فتشوه، ففتش فلم يوجد معه شيء، فاغتمّت وقلقت وبكت وقالت: هذا غريب مضطر ولم يجد شيئًا يزني به وقد أثمنا فيه. وفي أمثاله وقالت لوكيل من وكلائها: لا أبرح أو تحضر المهندسين والقوام وتقدر ههنا بيتًا لأبنيه بدًا وأجعل فيه جماعة جوار بسبب الغرباء والمجتازين، فأصلحت ذلك البد وفيه الصنم، ووقفت على الغرباء والمجتازين ستين جارية. وكلّما بَلَغَتْ جارية وأسنّتْ أقيم بدلها جارية، فمن زنى بها من الهند أو المقيمين بالبدّ أعطاهم الأجرة، ومن زنى بهم من الغرباء لم يعطهم شيئًا. وقال (١): حدثني بعض البحريين من أمر الحيات بكولم (٢) ما يدهش، وذكر أن منها حية تسمى الناغزان بنقط على رأسها مثل الصليب وتحت مثله، ترفع رأسها من الأرض مقدار الذراع أو الذراعين على حسب كبر جسمها، ثم تنفخ فينشر رأسها وأصداغها وآذانها وتصير مثل رأس الأرنب (٣)، وإِذا سَعَتْ لم تُلحق، وتلحق ما أرادت، وإذا نهشت قَتَلَتْ. وأن بكولم ملي رجل مسلم يقال له ( … .. ) (٤) ين خلد يلقب

стр. 679

بالهندية بيبي (١) وهو صاحب الصلاة بكولم يرقي من نهشة هذه الدابة، فربما كان قد تمكن سمها فلم ينفع. وفي الأكثر يعيش من يرقيه. ويرقي أيضًا من نهشة غيرها من الأفاعي والحيّات. وإن بهذه الناحية جماعة من الهند يَرقُون إلا أن رقية هذا المسلم لا تكاد تخطئ. وقال لي هذا الرجل وشاهدته وقد جاؤوه برجل قد نهشته هذه الحية وحضر رجل موصوف بالحذق يرقيه ليبرأ، وجَعَلَ المسلم يرقيه ليموت فمات. قلت: وحدثني الشيخ الخطيب بهاء الدين بن سلامة فيما حدثني به من أخبار الهند قال: أرسينا إلى مرسى كان إلى جانبه زرع فنزلنا على جانبه فبينما نحن هناك، ومنا رجل من أعيان التجار ذوي اليسار والمال قد انبطح على وجهه يستريح، ورجله ممدودة، فخرجت حية من أقصى الزرع تشقه شقًا، فضربت ذلك الرجل في رجله، ثم رجعت من حيث جاءت، وأغمي على الرجل، وتهممنا بإخراج الدرياق لنسقيه، فقال رجل هناك من الهند: ما تغني عن هذا شيء مما أنتم فيه وإنما إن أردتم حياة صاحبكم فتطلّبوا له راقيًا يرقيه فرغبنا إليه في الراقي، فأحضره، فشرط علينا مائة دينار، فضمناها له فرقاه بكلمات لم يتمها حتى أقبلت تلك الحية من حيث كانت جاءت فقال: دعوها وشأنها، فأتت الرجل، فامتصَّت موضع نهشتها، ثم انصرفت وقام الرجل كأنه لم يكن أصيب، فأنقدناه الذهب وعجبنا مما رأينا وعجلنا الرحيل، عُدنا إلى الأوسي. قال (٢): حدثني بعض من دخل بلاد الهند أنه سمع أن الألماس (٣) الجيد النادر المرتفع يجلب من نواحي قشمير. وأن هناك واديًا بين جبلين فيه نيران تتقد الليل والنهار والشتاء والصيف، والألماس فيه. ولا يطلعه إلا طائفة من الهند سفلة يحملون أنفسهم على المهالك فيجتمع الجماعة منهم ويقصدون هذا الوادي، ويذبحون الغنم المهزولة ويقطعونها قطعًا، ويقذفون بالقطعة بعد القطعة في كفّة منجنيق يعملونه؛ لأن التقرب من الموضع لا يمكنهم لجهات شتى منها: أن وهج النار يمنع من ذلك، ومنها أن بقرب النار من الأفاعي والحيات ما لا يوصف كثرةً، ومنها ما لا يمهل حتى يتلف فيتخوف من يقرب من الموضع تلك الأفاعي، فإذا قذفوا باللحم انحدرت عليه النسور، وهي كثيرة في الموضع فتخطفه إن وقع بعيدًا من النار فترفعه فإذا رأوا النسر قد أخذ اللحم اتبعوه حيث يمضي فربما سقط من قطع اللحم التي أخذها شيء من الألماس وربما

стр. 680

انحدر فأكلها في موضع فيجدون في الموضع الذي أكل فيه اللحم الألماس وربما سقطت القطعة اللحم في النار فتحترق، وربما سقط النسر عليها وقد حصلت في موضع بقرب النار فيحترق معها أو يتشيط، وربما اختطفها النسر قبل سقوطها إلى الأرض وعلى حسب ما يتفق فهكذا يوجد الألماس، وفي الأكثر يتلف من يطلبه بالأفاعي والحيات لكثرتها في الموضع. وملوك الناحية يطلبون الألماس ويشددون في طلب مَنْ يلتمسه، ويفتشونهم أشدَّ تفتيش لجلاله الألماس، وعظيم خطره. وقال: حدثني (١) موسى بن ميمون الربّان قال: حدثنا البلوجي المتطبب بعمان، قال: كنت بالتيز (٢) وقد وقعنا إليها بالتواهة، فأنزلنا المركب، ونجلنا الحمولة، وأقمنا ننتظر الشر، فإنا لكذلك يومًا من الأيام إذ وافت امرأة لها قدر وتمام وجسم حسن، ومعها شيخ أبيض الرأس واللحية، ضعيف الجسم نحيف، فقالت: اشكو إليكم هذا الشيخ، وكثرة مطالبته لي، فإني لست أطيقه، فلم نزل نرفق بها إلى أن وافقناه على أن يطأها في اليوم دفعتين وفي الليل كذلك، فلما كان بعد أيام عادت إلينا فشكت إلينا مثل ما شكت أولًا فقلت يا هذا أمرك عجيب فما خبرك؟ قال: كنت في مركب فلان في سنة كذا فأصيب وتخلّصتُ مع جماعة من أهل المركب على الشراع ووقعنا بجزيرة فمكثنا أيامًا لم نُطعم شيئًا حتى أشرفنا على التلف، ثم وقعت سمكة مُنْتِنَة قد قذفها الموج إلى الساحل، فتحامى القوم أكلها خوفًا أن تكون أكلت شيئًا من السموم فتتلف، وحملت نفسي للجهد الذي كان على أكلها، وقلتُ إِنْ تلفتُ استرحت مما أنا فيه. وإن عشت كنت قد عملت عملًا فأخذتها والقوم يمنعوني، وجعلتُ آكلها غير مشوية، فلما حصل لحمها في جوفي … التهب في ظهري مثل النار، ثم صار بطول ظهري كعمود من نار، فأنا منذ ذلك الوقت وإلى يومي هذا على هذه الصورة. وقال (٣): حدثني موسى بن نهرويه التاجر وغيره. قال: حدثنا من دخل الصين أنه رأى بستانًا لبغبور (٤) ملك الصين بخانقو مقدار عشرين جريبًا، فيه نرجس ومنتور (٥) وشقائق وورد، وسائر النوار، فعجبت من اجتماع أنواع الصيف والشتاء في وقت واحد

стр. 681

في بستان واحد، فقال لي: كيف ترى؟ فقلت: ما رأيت شيئًا إلا وهذا أحسن منه. ولا طرفة إلا وهذا أطرف منها، فقال لي: جميع ما ترى من الأشجار والنوار والأوراق معمول من الحرير فتفقدته بعد أن قال لي هذا، فوجدتُ الوَرَق والنوار من الحرير الصيني، قد عمل بالمقاريض، وَسُوّي، ومن رآه لم يَشُكّ في إنه شجر ونوار لا غير. وقال (١): حدثني غير واحد من البحريين بأمر الدرة المعروفة باليتيمة وإنما سميت اليتيمة؛ لأنه لم يوجد لها أخت في الدنيا. وأجودهم شرحًا للقصة حَدَّثَ: انه كان بعمان رجل يقال له: مسلم (٢)، وكان رجلًا مستورًا جميل الطريقة، وكان أحد من يجهز الغاصة في طلب اللؤلؤ، وكانت بيده بضاعة، فلم يزل يجهز الرجال للغوص ولا ترجع إليه بفائدة، حتى ذهب جميع ما كان يملكه. ولم يبق له جملة ولا ذخيرة ولا ثوب ولا شيء يجوز بيعه إلا خلخال من خمسمائة دينار (٣) لزوجته، فقال لها: أقرضيني هذا الخلخال لأجهز، فلعل الله يسهل علينا، فقالت له: يا هذا الرجل لم يبق لنا ذخيرة ولا شيء نعوّل عليه، وقد هلكنا وافتقرنا، فلئن نأكل هذا الخلخال أصلح من أن نتلفه في البحر فلاطفَها وأخذ الخلخال وصرفه وجهز بجميعه الرجال إلى الغوص، وخرج معهم ومن رسم الغوص أن يقيم الغاصة فيه شهرين لا غير، وعلى هذا يشارطون، فأقاموا يغوصون تسعة وخمسين يومًا، ويُخرجون الصَّدَف ويفتحونه ولا يحصل لهم شيء، فلما كان في غداة اليوم الستين غاصوا على اسم إبليس لعنه الله فوجدوا فيما أخرجوا صدفة استخرجوا منها حبّةً لها مقدار كبير لعل ثمنها يفي بجميع ما كان يملكه مسلم من لدن كان إلى وقته ذلك، فقالوا: هذا وجدناه على اسم إبليس لعنه الله فأخذها ودقها وسحقها ورمى بها في البحر، فقالوا: يا هذا الرجل لم فعلت هذا، أنت قد افتقرت وهلكت ولم يبق لك شيء يقع بيدك مثل هذه الحبّة التي لعلها تساوي آلاف دنانير تسحقها. فقال: سبحان الله كيف أستحل أنتفع بمال استخرج على اسم إبليس وأنا أعلم أن الله لا يُبارك فيه، وإنما وقعت هذه الحبة بأيدينا ليختبر الله بها يقيني ويعرف مَنْ يعرف خبرها اعتقادي، ولستُ أنْتفع بها ويقتدي كل أحدٍ بعدي بي، فلا يغوصون إلا على اسم إبليس لعنه الله فإثم ذلك يعفي على كل فائدة عظيمة، ووالله لو

стр. 682

كان مكانها كل لؤلؤة في البحر ما تلبست به، امضوا وغوصوا وقولوا باسم الله وعلى بركة الله. قال: فغاصوا على اسم الله فما صلّى صلاة المغرب من ذلك اليوم، وهو آخر يوم من الستين حتى حصل بيده دُرّتان أحداهما اليتيمة والأخرى دونها، فحملها إلى الرشيد (١) وباع عليه اليتيمة بسبعين ألف دينار والصغرى بثلاثين ألف دينار وانصرف إلى عُمان بمائة ألف دينار فبنى بها دارًا عظيمة، واشترى واعتقد عقدًا. وداره معروفة بعمان وبعض حيطانها وأبنيتها باق إلى هذا الوقت. فهذا ما كان من خبر اليتيمة. قلت: وهذا مضمون لمن اتقى بقوله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (١) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢). قال (٣): ومن طرائف الأخبار ما حدثني به بعض أصحابنا. قال: ركبتُ في سفينة من الأبلة أريد عُمان فأخذتنا الرياح والأمواج وزاد الأمر علينا حتى نزعنا ثيابنا ولم يكن عندنا شك في أنا تالفون، وكان في السفينة امرأة معها صبيّ، وكانت ساكنة، فلما اشتد بنا الأمر أخذت ترقص الصبي وتضحك، ولم يكن فينا فضل لخطابها؛ لأنا كنا يئسنا من الحياة، فلما صرنا في الشط، وأمنا الغرق، قلتُ لها: يا هذه الامرأة أما تتقين الله ، أنتِ ترين ما حلّ بنا من البلاء، وأنا قد يئسنا من الحياة، وأنت ترقصين الصبي وتضحكين ما خِفْتِ الغرق كما خفنا، فقالت لنا: لو سمعتم حديثي لعجبتم ما أنكرتم من صبري وتهاوني بالغرق، قلنا لها حدثينا، قالت: أنا امرأة من أهل الأبلة، وكان لوالدي صديق من ربابنة المراكب المختلفة من عُمان إلى البصرة وكان إذا ورد المركب الذي هو من عمان نَزَلَ إِلينا وأقام عندنا أيامًا، وأهدى إلينا، فَعَلَ مثل ذلك وأهدينا إليه ما يمكننا، وكان رجلًا مستورًا. فزوجني أبي، به فما مضت إلا ثلاث سنين حتى توفي أبي، فقال لي قومي أحملكِ إِلى عُمان، فإن لي بها والدة وأهلًا فخرجت معه إلى عُمان، وكنت مع أهله بها مقدار أربع سنين، وهو مختلف بين عُمان والبصرة، ثم توفي بعمان بعد أن ولد هذا الصبي بخمسة أشهر فلما قضيت العدة لم يطب لي المقام بعمان؛ لأن مقامي إنما كان بسببه فقلتُ لوالدته وأهله: أريد أن أرجع إلى أهلي بالأبلة فقالوا لي: إن أقمت عندنا قاسمناك حياتنا، فليس لنا في الدنيا غير هذا الصبي وسألوني فأبيتُ، فلما عَزَمْتُ على الخروج اشتريت للصبي سريرًا وثيقًا من

стр. 683

خيزران فيه ثويبات كنت قد جمعتها وحليات لي وللصبي وذخيرة كنت قد ذخرتها، وغطيت ذلك كله وأَحْكَمته، وجعلتُ الصبي فوقه، وخرجت في مركب، فلما صرنا نحو رفكان أخذنا الخبّ فانكسر المركب نصف الليل، وتفرّق الركاب والبابانية في البحر، فلم يَرَ أحد صاحبه وتعلقت بلوح من الألواح، فضبطته. ولم أزل عليه إلى نصف النهار من الغد، حتى رانا صاحب مركب مجتاز، فجمع من رأس الماء نحو عشرة أنفس، كنت أحدهم، وحملنا إلى مركبه ونكسوا رؤوسنا حتى قذفنا الماء الذي شربناه في البحر، وسقونا أدوية وعالجونا إلى الغد، حتى رجعت نفوسنا إلينا. وأنا قد يئست من ابني لما أنا فيه، وزال الفكر فيه عن قلبي، فلما كان من غد قال صاحب المركب وأنا أسمع: انظروا هذه المرأة ألها لبن؛ لأن هذا الصبي الذي وجدناه هو ذا يموت فقالوا لي: يا امرأة ألكِ لبن، فذكرتُ الصبي، فقلت: قد كان لي لبن وقع ما ترى فما أقدر أنه قد بقي منه شيء، فقالوا: على كل حال انظري هذا الصبي، فإنه يموت، فجاؤوني بالسرير وفيه الصبي بحاله ما فتحوه، ولا أخذوا منه شيئًا فلما رأيته وقعت على وجهي وصرخت وغشي عليّ، فرشوا علي الماء، وقالوا: ماتَتْ، فأفقتُ بعد ساعة، وأقبلت أبكي وأضمّ الصبي إليّ، قالوا: يا هذه المرأة مالك؟ فقلت: هذا الصبي ابني، فقام صاحب المركب واجتمع كل من في المركب علي وقالوا: هذا ابنك؟ فقلت: نعم، فقالوا: إن كان ابنك فأيش الذي فيه فاقبلت أعدّ عليهم ما تحته، ففتحوه. وجعلوا يخرجون شيئًا فشيئًا، كأنه إنما وضع الساعة، فما منهم أحد إلا بكى بكاءً عظيمًا، وحمدوا الله وشكروه، فأنا غرقت في ذلك البحر، وفرق الله بيني وبين ابني، فجمعني الله وإياه على تلك الصورة، أخاف من هذه الوحلة، إن كتب الله علي الغرق لم ينفعني الحذر. وقال: حكي عن رجل يقال له: أبو طاهر البغدادي أنه قال: دخلت الرانج (١) من بلاد جزيرة الرانج بلد يقال له: مرقاوند و به عنبر كثير، وأنه ما حمل قط من ذلك العنبر في مركب وخرج عن البلد إلا رجع إليه، وأنهم يحتالون في بيع العنبر على الغرباء، ومَنْ لا يعرف خبر العنبر بأرخص سعر وأدونِهِ، وأن أبا طاهر هذا كان في مركب فيه شيء من هذا العنبر قد حُمِل - سرا من صاحب المركب فرجعت الريح عليهم وردتهم إلى البلد.

стр. 684

وقال: حدثني علي بن الحسين بن يزيد الخلال العماني. قال: رأيت في نواحي بلاد الزنج جبلين عظيمين بينهما واد فيه آثار النار وعظامًا نَخِرةً وجلودًا محترقة، فسألت عنه فقيل: هذا وادي يجري فيه في وقت من السنة نار، فربما جاءت النار وفي الوادي غنم ومواشي ترعى، ولم يستعدّ أربابها ورعاتها لذلك فتحرقه. وإنَّ النار تجيء في الوادي أيامًا مثل السيل إذا جرى في الأودية. وقال: ببلاد الهند لصوص، يجيء منهم الجماعة إلى البلد من بلاد الهند فيعينون على تاجر موسرٍ أما غريب أو هندي، فيقبضون عليه في بيته أو في السوق أو في الطريق، ويجرّدون في وجهه السكاكين، ويقولون له: أعطنا كذا وكذا وإلا قتلناك، فإن تقدم إليهم أحد يمنع عن الرجل أو سلطان قتلوا الرجل ولم ينالوا بأن يُقتلوا أو يقتلوا هم أنفسهم، كل ذلك عندهم سواء، فهم إذا أخذوا الإنسان وطالبوه لم يترك أحدًا يكلمهم ولا يعرض لهم خوفًا على نفسه، ويمضي معهم فيجلس حيث شاؤوا، ويجمع لهم المال الذي قاطعوه وشارطوه عليه، وهم على ذلك يأكلون ويشربون ويزنون وسكاكينهم مجرّدة، وهي في أوساطهم، فإذا جمع لهم سائر ما وافقوه عليه أحضر من يحمله معهم ومضى وهم محيطون به حتى يبلغوا الموضع الذي يأمنون فيه على أنفسهم، فيطلقونه من هناك ويأخذون المتاع والمال. والهند يأكلون الميتة، وذلك أنهم يأخذون الشاة أو الطير أو ما أرادوا أكله، فيضربون رأسه حتى يموت، فإذا مات أكلوه. قال: وقيل لي: إن بعض كبارهم بصيمور (١) وسورمار (٢) اجتاز بفأرة ميتة فأخذها بيده ودفعها إلى غلامه وحملها إلى منزله، فأكلها، والفأر عندهم من ألطف ما يؤكل. ومما يحكى عن بغتور ملك الصين، وهو من الحكايات الظريفة أن له بركة عظيمة يجيئها الماء من فرسخ أو نحوه، ثم يفتح الماء عنها فينصب كله وهي فارغة، فإذا أراد أن تُملأ أمر بفتح الماء عليها من الموضع الذي يجيئها الماء منه وهو على نحو فرسخ، ثم يطرح اللؤلؤ مع الماء فيجري الماء إلى البركة في نهاية الصفاء والحسن واللؤلؤ فيه إلى أن تمتلئ البركة من اللؤلؤ ويفيض الماء على جوانبها، ثم يقطع الماء عنها، ويقيم اللؤلؤ مقام الحصى.

стр. 685

قال: وأخبرني غير واحد أنه شاهد ببعض بلدان الهند فيلة تتصرف في حوائج أربابها، وأن الفيل يُدفع إليه الوعاء الذي يشتري فيه الحوائج وفيه الودع، وهو نقد القوم، وإنموذج الحاجة مثل الفلل والأرز والسقط وأي حاجة كانت، فيكون معه في الوعاء شيء من ذلك الجنس والنعت ويمشي إلى البقال، فإذا رآه البقال ترك جميع شغله ولو كان على رأسه أجلّ تاجر يشتري منه، ويفرّق الزبون عنه، وأخذ الوعاء، فعد الودع الذي فيه ونظر بما يريد بحسب الأنموذج فباعه بأرخص سعر، وَدَفَع إليه أجود ما عنده من ذلك النوع، ويستزيده الفيل فيزيده، وربما عدّ البقال الودع فغلط فيه فيشوشها الفيل بخرطومه، فيعد البقال عدة ثانيةً ويمضي الفيل بما قد اشتراه، فربما استقله صاحبه فيضربه فيعود إلى البقال فيشوش متاعه ويخلط بعضه ببعض، فإما أن يزيده أو يرد عليه الودع، وأن الفيل الذي هذه صورته يكنس ويفرش ويدق الأرز بمدقة يأخذها بخرطومه، فيدق، ورجل يجمع له الرز، ويطحن الأرز، ويسقي الماء، وفي الوعاء حبل مشدود يدخل خرطومه فيه ويحمله ويقضي جميع الحوائج، ويركبه صاحبه في حوائجه البعيدة، ويركبه الصبي ويمضي عليه إلى الصحراء فيقطع الحشيش وورق الشجر بخرطومه ويدفعه إلى الصبي، فيجمعه في الكساء ويحمله فيكون ذلك طعامه، وإن الفيل الذي تكون هذه صفته يبلغ مالًا له قدر، وقيل عشرة آلاف درهم. قال: وقال لي بعض من دخل الصين: إنه رأى هناك حجارة تجتذب الرصاص من وراء طست، وإنه إذا تُرك تحت الحامل سهل عليها أمر الولادة، ومنها حجر يجتذب الصفر، ومنها حجر يجتذب الذهب، وحجر المغناطيس المشهور الذي يجتذب الحديد، وحجر يطفو على الماء، وإذا حُرِّك تحرك في جوفه شيء. وقال لي هذا الرجل: إنه رأى بباب أغباب بسردنيب حجرًا قد كسر فخرج فيه دودة، فلما ظهرت دبّت مقدار عشرة أذرع ثم ماتت، وإنه كان على رأسها وذنبها زغب مثل القرح. قال: ومن العجائب جبل باليمن يقطر من رأسه ماء، … فإذا صار إلى الأرض استحال فصار هذا الشب اليماني. قال: ومن أعجب العجائب ما حدثني به بعض البحريين ممن أقام ببلاد الهند وغيرها السنين الطويلة، أنه سمع غير واحد من دخل تخوم الهند أن بنواحي قشمير الأعلى في موضع يقال له بربارا بين بساتين وأشجار وغياض ومياه تجري سوقًا للجن يُسمع فيها ضجيجهم في الشراء والبيع. ولا تُرى أشخاصهم. وأن ذلك لم يزل يعرفُ على قديم الدهر بهذا الموضع، فقلت للرجل: فسمعت أنها سوق قائمة أبدًا أو في وقت دون وقت، فقال: لم أضبط المسألة عن هذا.

стр. 686

وقال: وقال لي من رأى شجر اللبان وهو نابت في أودية ومسايل المياه، وليس له فراخ ولا بزر ولا كل، وكباره لا تصغر وصغاره لا تكبر، وهو على قدر واحد منذ كان، لا يعرفه أربابه إلا على صورة واحدة، وهو مع هذا يتفاضل في الجودة، وليس يوجد له شجر في سائر الأرض إلا بالشجر من حد حاسك إلى حدود جارح، والجميع نحو مائة وخمسين فرسخًا. وقال: قال لي من دخل الهند: إنه رأى في غيضة بنواحي مانكير، وهي قصبة الهند التي بها بنهرا شجرة عظيمة غليظة الساق تكون في مثال شجر الجوز لها ورد أحمر فيه ببياض لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: وفي بحر الصنف جزيرة إذا وقعت السرطانات إلى أرضها صارت حجرًا، وهو حجر معروف يُجلب إلى العراق وسائر الدنيا، وهو أكبر الأدوية في جلاء البياض من العين. وقال: قال بعض البحريين: إن رجلًا حدثه أنه رأى بالبحر عينًا غزيرة عليها حجر من زبرجد عظيم، تحمله أربعة أصنام من ذهب، فإذا طلعت الشمس عليه اخضرت العين كلها بخضرته. وقال: حدثت أن بجزيرة من جزائر الواق واق طيرًا ملونة بحمرة وبياض وخضرة وزرقة على نحو الشقراق، وفي قد الحمام الشامي. الكبار يسمونه السمندل، يدخل النار ولا يحترق البتة، ويمكث الأيام ولا يطعم إلا التراب، وإذا حضن بيضة لم يشرب الماء الأيام الكثيرة، حتى يفقص البيض، فإذا خرج فراخه من بيضه تركه أيامًا لا يدنو منه ويطيف بالفراخ فيكون ذلك غذاء الفراخ إلى أن يخرج ريشهم، فإذا تحركوا وريشوا زقوهم حينئذ. وقال (١): قال لي: إن بجزيرة من جزائر الواق واق دابة تشبه الأرنب يصير الذكر منها مرةً أنثى ومرةً ذكرًا. والأنثى تصير مرة ذكرًا ومرةً أنثى، والذي حكى لي، ذكر أن بعض الهند حدّثه بسرنديب بهذا وما أدري ما أقول في هذه الحكاية، وقد يقال: إن الأرنب بهذه الصورة وهو عندي مستحيل. والله أعلم. وقال (٢) لي بعض من سلك البحر: إنه رأى ببلاد سفالة الزنج حيوانًا في قدر الضب أو أكبر قليلًا إلا أنه على نحو صورته ولونه، وللذكر منه ذكران، وللأنثى

стр. 687

فرجان، وإن هذه الدّابة تعض فلا تبرأ عضتها، ولا يزال الجرح أبدًا ينتقض على … صاحبه ويعالج فلا يبرأ، وإن هذه الدابة أكثر ما تكون في مزارع قصب السكر والذرة، وأكثر أكلها الحيات والأفاعي وإذا اجتمع منها على رجل واحد ثلاثة أو أربعة قطعوه، وهم يثبون في وجه الإنسان (١). وكل أكار أو حافظ فلابد له من كلبتين أو ثلاثة لا يفارقونه من أجلهم. وقال (٢): حدثني جعفر بن راشد (٣)، وهو أحد ربابنة بلاد الذهب ونواخذته والمشهورين فيه. قال حدثني بعض التجار بصيمور أن حيّةً جاءت إلى خور صيمور فابتلعت تمساحًا كبيرًا وبلغ صاحب صيمور الخبر فوجهه بمن يطلبها وأنه اجتمع عليها زيادة على ثلاثة آلاف رجل حتى ظفروا بها وشدّوا في عنقها الحبال، واجتمع عليها جماعة من أصحاب الحيات فقلعوا أنيابها، ثم ضموا إليها قصبات الساج وشدّوها بالحبال مع الساج من رأسها إلى ذنبها وذرعوها فكانت أربعين ذراعًا بالعمري وحملها الرجال بالدهوق على أعناقهم وكان تقدير وزنها آلاف أرطال، وأن ذلك كان سنة أربعين وثلاثمائة. وقال: حدثني بعض البحريين ممن دخل تلك البلاد: أن من خرج من بحر صنجي وهو بحر الصين وقطع عرضًا ثلاثين زاما ودون ذلك وقع في جزائر الواق واق، فإن كان هذا على ما حكي فطول جزائر الواق واق يحتمل أن تكون خمسة آلاف فرسخ، وستة آلاف وسبعة آلاف، لا يحصى كم بين سفالة الزنج إلى حد الصين، ولا يضبطه أحدٌ. ومن قال أنه يضبطه أو يحصره فقد أخطأ. وقال (٤): حكى لي قوم أنهم رأوا من دَخَل الواق واق كثيرًا ووصف سعة البلاد والجزائر وليس أعني سعة البلاد أن البلدان كبار ولكن أهل الواق واق كثير منهم مشابه من الترك وهم أحذق خلق الله بالصنائع، والواحد منهم يكفيه أن يقيم أدنى طرف من الصنعة ثم يبني عليه وهم أهل حيل ومكر وخبث. وقال: قال لي رجل من التجار أقام باليمن: إن جارًا له في منزل بعد أن اجتمع عنده ستة غلمان أو سبعة من أهل الواق واق فعلمهم صنائع، وكان منهم حداد فزاد أمره حتى أنه عمل من آلة الحديد والصفر ما يخيّر فيه أهل عدن لحسنه وزاد أمره حتى

стр. 688

بلغنا أن حذقه فيما يعمله الشيء الكبير الذي يقارب أُجرة غيره، وكَسَبَ مولاه به جملةً وأنه التمس منه مثمنة فامتنع مولاه من ذلك فأمسك عنه، واتفق أن خرج مولاه إلى زيلع وهي بحد البلاد المقاربة لعدن وبينهما مسافة قريبة، فأخذ الغلمان الواقواقيين معه، وكان هناك رجل من الواقواقيين، فأفسد الغلمان وأخذهم ومضى فما لهم خبر إلى اليوم. وقال (١): قال ابن الأكيس: إن رجلًا حدّثه بقبيلة أنه كان عند بعض ملوك الزنج بها، فجاءه من قال له: إن فرخًا من فراخ طيور كذا ونسي ابن الأكيس اسم الطير قد وقع في الغيطة الفلانية، وكان فوق فيل يأكله، فقام ذلك الملك وخرج إلى الغيطة الفلانية، ومعه خلق أنا منهم، فوقفنا على الطائر والفيل مطروح تحته وقد أكل منه نحو ربعه، فأمر ذلك المتملك فانحوه بالسهام والحراب والحجارة حتى صرعوه وقتلوه، فأخذ منقاره وشيئًا من مخالبه وشيئًا من جوفه وحمله معه، فكان في ذلك الريش الذي أخذ من جناحيه شيء قطع أسفله، فكان يسع قربتين ماء أو نحو ذلك، وحكموا أنه من فراخ طيور تكون بسفالة الزنج. قال (٢): ومن الجزائر الموصوفة التي ليس مثلها في البحر جزيرة سرنديب (٣)، وتسمى سهلان، وطولها نحو مائتي فرسخ (٤)، ودورها نحو مائتين وخمسين فرسخًا. وفيها مغاص اللؤلؤ النقي، إلا أنه صغار، وما كان فيه من كبار فهو رديء، وحصن جبلها وهو جبل الرّاهون (٥) معدن الياقوت والألماس (٦). قال: ويقال: إن هذا الجبل هو الذي هبط عليه آدم ﷺ ، وفي موضع منه أثر قدم طوله نحو سبعين ذراعًا، وأهل الجزيرة يقولون إن هذا الأثر هو أثر قدم أحد رجلي آدم ﷺ ، وأنه وضع رجلًا ههنا والرجل الأخرى في البحر، وتراب موضع من هذه الجزيرة أحمر (٧)، وهو هذا السنباذج (٨) الذي يُخرط به البلور والزجاج، ويثقب به البلور،

стр. 689

وقشور أشجارها القرفة المرتفعة، وهي القرفة السهلانية الموصوفة، وحشيش هذه الجزيرة أحمر يُصبغ به الثياب والغزل، وهو صبغ يفوق البقم (١) والزعفران والعصفر، وكل صبغ أحمر، وبها غير هذا مما يطول ذكره. وقيل: إن بجزيرة سرنديب نحو من مائتي (٢) ألف قرية. وقال: سمعت غير واحد يحكي أن رجلًا من أهل البصرة كان ينزل في وسط سكة قريش بالقرب من المعترض الذي يخرج سالكه إلى المتومين خرج من البصرة قبل الزنج وإلى الصين واختلف إلى البحر، ثم كسر به في بعض كراته بنواحي الزايج أو ما قاربه، فتخلّص ووقع إلى جزيرة، قال: فصعدت تلك الجزيرة وتعلّقتُ بشجرة كبيرة، فواريت شخصي بين أغصانها وورقها وبت ليلتي، فلما أصبحتُ رأيت غنمًا قد أقبلت نحو مائتي رأس أو أكثر في قدر العجاجيل (٣) … يسوقها رجل لم أر مثله عظم خلق وطول وعرض وبشاعة منظر، ومعه عصا يسوق بها الغنم، فقعد على ساحل البحر ساعة والغنم ترعى بين ذلك الشجر، ثم طرح نفسه على وجهه فنام إلى حدود نصف النهار، ثم قام فرمى بنفسه في البحر، واغتسل وخرج وهو مع ذلك عريان ليس عليه إلا ورقة من وَرَقِ الشجر تشبه ورق الموز إلا أنها أعرض منه قد جعلها في وسطه، ثم عمد إلى شاة فقبض على رجلها وأخذ ضرعها في فمه ومصها إلى أن شرب ما فيه، ثم فعل ذلك بعدة من الغنم، ثم استلقى في ظل شجرة، ففي تأمله الشجرة وقع طائر على الشجرة التي أنا فيها، فأخذ حجرًا فيه أرطال، وحذف به الطائر فلم يخطئ رجليه وسقط الطائر بين أغصان الشجرة بالقرب مني، فراعني، فأومأ إليَّ بيده أن انزل، فلخوفي منه بادرت وأنا ضعيف ميّت جَزَعًا وعطشًا وخوفًا، فنزلت، وصعد إلى الشجرة وأخذ الطائر، ورمى به إلى الأرض فقدرت أن وزن الطائر نحو مائة رطل أقله (٤)، ثم نزل ونتف ريشه وهو حي يضطرب، فلما نتفه أخذ حجرًا فيه نحو من عشرين رطلًا، فضرب به رأسه وتركه حتى مات، ثم لم يزل يضربه بذلك الحجر حتى فسخه وهراه، ثم جعل ينهشه بأسنانه ويأكله كما تأكل السباع، حتى أتى عليه ولم يبق إلا عظامه، فلما

стр. 690

اصفرت الشمس، قام وأخذ العصا وساق الغنم بعد أن صاح صيحة أرعبتني، واجتمع الغنم إلى موضع واحد وأوردهم شبه خليج في الجزيرة فيه ماء عذب، فسقاهم وشرب، وشربت ضرورة وقد أيقنت بالموت، ثم ساقنا أجمعين، حتى أوردنا موضعًا قد عمله بين الأشجار وحجره مثل الحظيرة، وحوله الخشب طولًا وعرضًا كأحكم ما يكون، وله شبه الباب الذي يكون في الدار يرفعه ويرمي به قائمًا ولا يمكن أن يدخل من خلال ذلك الخشب شيء. فرفع الباب ودخل الغنم، ودخلتُ معها، وإذا في وسط تلك الحظيرة مثل العرزالة (١) في ارتفاع نحو عشرين ذراعًا على الخشب الوثيق، والعرزالة على سقف البيت، فما عمل شيئًا حتى أخذ شاةً كانت من أصغر الغنم وأهزلها فدق رأسها حتى فَدَغَهُ، ثم أجّج نارًا وجعل يقطع الشاة بيديه وأسنانه كما تفعل السباع ويرمي باللحم مع الجلد والصوف في النار ويأكل كما يأكل السبع، وأكل الكبد ما أشبهه مما في جوف الشاة نيًّا، ثم عمد إلى الغنم فلم يزل يشرب من هذه وهذه حتى شرب من عدة كثيرة، ثم أخذ شاةً من أكبر الغنم فقبض على وسطها بيديه وأتاها (٢) وهي تصيح، ثم أخذ أخرى ففعل بها مثل ذلك ثم صعد إلى تلك العرزالة فأخذ شيئًا كان يشربه ونام. وجعل ينخر كما ينخر الثور، فلما انتصف الليل جعلتُ أدب قليلًا قليلًا إلى موضع النار وتتبعت ما بقي منه من لحم وبطون فجعلتُ آكل منه بمقدار ما يمسك رمقي وخفت من شُرب اللبن أن ينفر الغنم فينتبه فيجعلني مثل الطير والشاة، وبقيت مطروحًا إلى الغداة فلما أصبح وساق الغنم وساقني معهم ويومئ إليَّ مع هذا بكلام لا أفهمه وأتكلم بما أعرف من اللغات فلا يفهم عني، وكنت قد صرت مثل الخشبة ضُرًّا وهزالًا، وصار عليّ من الشعر أمر عظيم، وأظنه لما رآني على تلك الصورة عافتني نفسه، وكان ذلك سبب تأخيره أكلي. ولم أزل معه في تلك الجزيرة نحو عشرة أيام يفعل في كل يوم مثل ما يفعل في الذي قبله سواء ولا يمضي يوم إلا ويصيد فيه الطير والطيرين فإن حصل له من الطيور ما يشبعه لم يأكل من الغنم. وإن قصرت به الطيور أكل شاةً، وصرتُ أعاونه في إيقاد النار وجمع الحطب وأخدمه وأدبر الحيلة لنفسي إلى أن مضى لي عنده نحو من شهرين، وصلح جسمي ورأيت في عينيه آثار السرور، ووقع لي أنه قد عزم على أكلي، لأنه قد زاد في الاحتياط علي وعرفت أمره فيما يشربه وأنه من شجر الموز ومن شجر في الجزيرة يجمع ورقه وثمر مع أبدان الموز

стр. 691

فينقعه في الماء. ثم يصفيه ويشربه فيسكر طول ليلته حتى لا يعقل، وكنت أرى في تلك الجزيرة طيورًا كبارًا في عظم الفيل والحمار والثور، وأكبر منه وأصغر، ومنها شيء قد أكل بعض غنمه وإنما يسكن هو وغنمه، في تلك الحظيرة [خوفًا] من تلك الطيور؛ لأنها بين شجر كبار، وقد جعل تحت الشجر مثل السراديب من وثاقة ما قد عمل، والطير تفزع أن تنزل إلى هناك فتتعوّق في الأشجار وتبقى في مكانه، فلما كان في ليلة من الليالي شرب وسكر ونام، ثم قمت ودببت، وتعلّقت بشجرة ومسكت غصنًا من بعض أغصانها، ونزلتُ أمضي على وجهي في طلب صحراء قد كنت أشرفت عليها من بعض ذلك الشجر الذي صعدته في مقامي، فلم أزل أمشي على وجهي بين الأشجار إلى الصباح، فلما أصبحتُ تنكّبتُ طريقي خوفًا منه، وتعلقت بشجرة عظيمة الساق، ومعي خشبة قد أعددتها وعملت على أنه إن لحقني فصعد خلفي ضربتُ رأسه، فإما أن أدفعه عن نفسي وإما أن يقتلني إذ كان الموت لابد منه .. أقمتُ معه أم فارقته. فمكثت يومي في الشجرة فلم أره، وقد كنت أخذتُ قطعة من ذلك اللحم المشوي، فلما أمسيت أكلتها ونزلت فمشيتُ ليلتي إلى الصباح، فلما أصبحتُ وجدتني في صحراء، وفيها أشجار متفرقة وأمنتُ ذلك الرجل، فمشيت وما أرى أحدًا إلا الطيور ووحوشًا لا أعرفها وحيات ووصلت إلى ماء عذب وأشجار، فأقمتُ بمكاني وجعلت آخذ من ذلك الثمر ومن موز وجدته فآكل وأشرب من ذلك الماء أيامًا والطيور تطيف بي بالغيظة، إلى أن عيّنتُ على طير منها فأعددت شيئًا من قشور الشجر مثل الحبال، ولم أزل أرصد ذلك الطائر حتى سقط في الغيظة يرعى، ودرت من خلفه تعلّقت بساقه وهو مع ساقي هذا مشغول يرعى وشددت نفسي مع ساقه بذلك القشر، فلما فرغ من أكله شرب ماء وتحلّق في الهواء، فأشرفت على البحر وعانيت أمرًا عظيمًا، ولأني قد علمت أنه الموت لا محالة هان الأمر عليّ، فلم أكذب أن قطع بحارًا إلا ما شاء الله وانحط في جزيرة على جبل فيها فحللت نفسي من ساقه ونزلت وأنا قطعة لحم ضعفًا في جسمي وقلبي، وجعلتُ أجر نفسي إلى خلف خوفًا أن يدور عليَّ فلا آمن منه وطلعت إلى شجرة أخفيت شخصي فيها، فلما أصبحتُ رأيت دخانًا، فقلت: الدخان لا يكون إلا مع الناس فنزلت من الشجرة وجعلت أمشي إلى أن قاربت الدخان، فما مشيت قليلًا حتى اعترضني جماعة فأخذوني وكلموني فلم أعرف لغتهم، وكلمتهم فلم يعرفوا لغتي. وحملوني إلى أن وافوا بي قريةً بيوتها من طين وخشب فأدخلوني في منزل من منازلهم، وحبسوني في بيت فيه ثمانية أنفس أو تسعة، فسألوني عن خبري فحدثتهم، وسألتهم فخبروني أنهم أهل مركب فلان، وكان خارجًا من الصنف إلى الزايج فوقع عليهم

стр. 692

الخب، فانكسر مركبهم وتخلصوا في قارب المركب مع نحو عشرين رجلًا من أهل المركب، ووقعوا إلى هذه الجزيرة فأخذهم قوم منهم واقتسموهم، وإنهم قد أفنوهم وأكلوا منهم جماعة إلى هذا الوقت. قال: فنظرتُ فإذا مقامي عند صاحب الغنم كان أصلح، ثم فكرت وإذا إلفي بالقوم وإن كنت أؤكل قد هَوَّن علي الموت، لأنا جماعة وبعضنا يتأسى ببعض، فلما كان من غد ذلك اليوم جاءوا بسمسم أو شيء يشبهه مع موز وسمن وعسل ووضعوه عندنا، فقال لي القوم: هذا طعامنا منذ وقعنا معهم. فأكلنا مقدار ما يمسك ارماقنا، ثم جاءوا ونظروا إلينا، فأخذوا أحسننا حالًا في جسمه فودعناه، وقد كان بعضنا أوصى إلى بعض، وبكينا عليه، فأخرجوه إلى وسط ذلك المنزل ودهنوه من رأسه إلى قدمه بالسمن، ثم أقعدوه في السمن مقدار ساعتين، ثم اجتمعوا عليه فذبحوه وقطعوه بالسكاكين قطعًا صغارًا ونحن نراه، ثم شووا بعضه وطبخوا بعضه وأكلوا بعضه نيًا بليموا مملوح وسمن، ثم جلسوا فشربوا شرابًا لهم وسكروا فناموا، فقلت لهم: يا قوم ليس نتوقع إلا أن نؤكل واحدًا بعد واحد، والقتل فليس وراءه شيء، والوجه ان نقوم فنقتل هؤلاء، لأنهم سكارى، ونخرج على وجوهنا، فإن سلمنا فالحمد لله، وإن هلكنا فهو أسهل من هذا البلاء الذي يحل بنا وبعضنا يرى بعضًا، وإن لحقنا أهل القرية فهو الأكل، وهو هذا الذي نتوقعه، واختلف رأينا بقية يومنا، وأظلنا الليل وأصبحنا فجاءونا بما نأكله على الرسم، ومضى ذلك اليوم واليوم الثاني والثالث والرابع على الرسم فيما نأكله، وقوينا، فلما كان في اليوم الخامس جاءوا وأخذوا منا واحدًا ففعلوا به مثل ما فعلوا بذلك الأول فلما سكروا وناموا قُمنا إليهم، وقد كنا حققنا العزم عليهم، فذبحناهم بأسرهم وأخذ كل واحد منا سكينًا وحديدًا من حديدهم، وشيئًا من ذلك العسل والسمن والسمسم، فلما أظلمتِ الدنيا خرجنا من المنزل وقد كنا رتبنا أمرنا من النهار، وميزنا كيف الخروج، ومشينا نطلب ساحل البحر من جانب آخر لا مِنْ وسط القرية، وأصبحنا من غد في غيضة ونحن سبعة أو ثمانية، فتعلقنا بالشجر خوفًا من القوم وطلبهم إلى الليل، فلما جننا الليل نزلنا ومشينا ونحن نقدّر الطريق على الكواكب ونطلب ساحل البحر إلى أن أصبحنا من غدٍ على ساحل البحر، فأخذنا نمشي الساحل الساحل يومنا إلى ثم أمنا القوم، وكنا نمشي ونستريح ونأكل من ثمار الغياض وهي كثيرة الموز زمانًا طويلًا إلى أن وقعنا في غيظة حسنة وفيها ماء عذب طيب فعزمنا على المقام بها أبدًا إلى أن يمر بنا مركب أو نموت فيها، فأقمنا بتلك الغيظة دهرًا لا يمر بنا أحدٌ، ومات منا ثلاثة أنفس، وبقينا أربعة أو خمسة، فإنا في بعض تلك الأيام نمشي إذ نحنُ بقارب خلق قد قذف به

стр. 693

الموج وفيه جماعة موتى وقد تقطعوا، والقارب جانح في الطين يضربه الموج في المد ويدخله في الجزر، وهو مطروح، فاحتلنا إلى أن رمينا بهم من القارب في البحر وغسلنا القارب بالرمل والطين والماء من رائحتهم بحسب ما أمكننا، واحتلنا في أن جذبناه إلى الساحل، وأخذنا معنا طينًا من طين الجزيرة مثل الغِرَي من جودته، وأصلحنا فيه شبه الدقل (١) بعد أن فتلنا من ليف نخل النارجيل حبالًا وأصلحنا به شبه الشراع، وملأنا القارب من النارجيل وثمار الشجر، وقد كنا فرغنا شيئًا كثيرًا من قشور النارجيل، وملأناه بالماء وسددنا حوله بالطين والخوص والليف، ثم ركبنا في القارب وبعضنا يبصر عمل البحر، وسرنا نحو خمسة عشر يومًا، ووقفنا بقرية من قرى الصنف بعد أهوال مَرَّت بنا وتسببنا من تلك القرية إلى أن وصلنا إلى الصنف وخبرنا الناس بأخبارنا، فجمعوا لنا ما تزوّدنابه وتحملنا، وخرج كل واحد يقصد بلدًا، ورجع هذا الرجل إلى البصرة بعد أربعين سنة من غيبته، وقد باد أكثر أهله، وَوَجَدَ ولدًا لولده فأنكروه وقد كانوا لما انقطع خبره اقتسموا ماله، وكان موسرًا حسن الحال، فلم يصل من ماله إلى شيء، وأقام مديدة ومات. قال (٢): وحدثني بعض البحريين أنه كان ماضيًا من سريرة، فلما سرنا من سريرة مقدار خمسين زامًا (٣) وقع علينا الخب، ورمينا بعض الحمولة إلى البحر ومكثنا في الخبّ أيامًا، ثم وقعت علينا الريح ولم نضبط المركب، فأشفينا على الهلاك واستعددنا لأن نرمي نفوسنا في البحر ونتعلق بجزيرة، فإنا لعلى صورتنا إذ سكنت الأمواج وطرحنا الأناجر ونحن لا نصدق أنا قد تخلصنا، ولم تمض ساعة حتى لاح لنا من الجزيرة جماعة فانتظرنا أن يخرج إلينا قوم منهم فلم يخرج إلينا أحد، وأومأت إليهم أن يجيبونا، ولم نعرف الموضع وخفنا متى نزلنا إليهم أن نتأذى بهم، أو يكون وراءهم قوم فيوقعوا بنا، فلا نطيقهم فمكثنا في موضعنا أربعة أيام لا ينزل منا أحد إلى الجزيرة ولا يعبر إلينا منهم أحدٌ، فلما كان في اليوم الخامس أجمع رأينا على النزول إليهم؛ لأنا احتجنا إلى الماء وإلى مسألتهم عن الطريق، وأنا لم نعرف الطريق والمسلك إلى طريقنا الأول، فنزل منا مقدار ثلاثين رجلًا بالسلاح في القارب والدوانيج، فلما صعدنا إليهم تهاربوا كلهم ولم يبق إلا رجل واحد فكلمنا فلم نعرف لغته إلا رجلًا واحدًا كان في

стр. 694

المركب فقال لنا: هذه جزيرتان من جزائر الواق واق، وجعلنا نسائله بترجمة ذلك الرجل على الجزيرتين فحكى أنهما من جزائر الواق واق، وأنه ليس بقربهم إلى مسيرة ثلاثمائة فرسخ جزيرة فيها أحد سواهم، وأن عدد جميعهم نحو أربعين نفسًا، فسألناه عن طريقنا فذكر أنا نريد أن نأخذ عرضًا أيامًا إلى أن نرجع إلى الطريق فضمنا له شيئًا نهبه له، وكسوناه فوطتين، فرد علينا ذلك وقال: خذوا طريق كذا حتى تروا جبلًا من حاله كذا، وأخذ يصف الجبل صفة من يعرفه، وامتنع أن يُرشدنا وهو معنا في المركب، فقبضنا عليه وأدخلناه المركب، وأوثقناه وأقمناه يومين نطوف الجزيرة لنظفر بمن بقي فنسألهم عما نحتاج إليه، فلم نتمكن من أحدٍ منهم، ولم نجد بالجزيرة شيئًا مما يؤكل على وجه ولا سبب، فعجبنا من ذلك وقلنا للرجل: إنا نحملك معنا إلى الصين، ونردك إلى بلادنا ونحسن إليك، ونفعل بك ونصنع، وهو لا يزيدنا على البكاء والتضرع أن نردّه إلى الجزيرة، وقال لنا: إن له جوزة (١) بالجزيرة، وأنه يحبها، ولا يصبر عنها ولا عن مولده وموطنه، فسألناه ما الذي يأكلون في الجزيرة، فقال: أكثر ما نأكل الحيات والفأر، وفي الأوقات السمك لا يعرفون غير ذلك، فحملناه معنا وأخذنا في الرجوع إلى الطريق، وسلم الله ورجعنا، ووصلنا إلى الصين، قلت له: فما فعل الرجل؟ فقال: إنه كان يمضي به اليوم واليومان والثلاثة لا يطعم شيئًا، وأنهم كانوا إذا خافوا عليه التلف أكرهوه حتى يأكل إلى أن رموا به في بعض الجزائر في الطريق، وأهل الصين كلهم يأكلون الميتة. وقال: حدثني ابن الأكيس: أن شجر الكافور مثل المنارة، ملساء ليس عليها شيء إلى رأسها، ثم يصير في رأسها أغصان تتفرّعُ على عمل المظلة، وربما زاد طول الشجرة على مائة ذراع، وخشبه خوار رديء لا يصلح للعمل. وقال: حكي لي أنه رأى شجرة مطروحة قد مضت عليها سنون منذ سقطت أو قطعت، فمشى فيها من أوّلها إلى أن خرج من آخرها وهو قائم قد بسط يده ومَدَّها، وهذا يدل على أن سمك تجويف هذه الشجرة على الأقل ستة أذرع، أو خمسة ونصف. قال: وليس يقطع أشجار الكافور إلا أهل فنصور؛ لأنه مثل القبائل ولكل قبيل صقع وخطة لا يتعدّى بعضهم إلى ناحية بعض وهم يستسلفون من التجار على الكافور ويخرجون لقطع الشجر، وطلبه ويحملونه ويبيعونه عليهم.

стр. 695

قال: وحدثني عبد الواحد بن الحسن الفسوي قال: رأيت بتربين غلامًا صبيح الوجه حسن البدن من أولاد المسلمين مولده ببلاد الهند، وقد ذهب مذهب الهند وتخلق بأخلاقهم يطوف بالبلد وبين يديه طبل وبوق ومطرد، فسألته عن أمره، فذكر أنه قد خاطر رجلًا من الهند في أن يقتل نفسه، فاجتهدت به ولطفت له في أن يرجع عن رأيه، فامتنع وقال: لا يجوز أن أكذب، فقلنا له: أنت من أولاد المسلمين وهذا فضيحة عليهم، فلا تعجل بنفسك إلى نار الله، واتق الله ، فلم ينفعني كلامي له، فلما كان من غد حضر أفسر (١) المتملك بتربين وأهل البلد وجاء الغلام يخطر وهو يمضغ التانبول وعليه ثوبان قد ارتدى بأحدهما، واتزر بالآخر فطاف حول مسجد في الموضع، وصعد على كرسي خشب قد حُمِل له، ومُدَّ على خشبتين ويديه بين ثلاث خشبات وشدَّ شعره مع رأس قناة وكل إبهام من رجليه مع رأس قناة، ثم جاءه رجل معه طبر فيه نحو من عشرة أرطال أحد من الموسى فضرب أحد ساقيه ضربةً فتعلقت رجله مع ساقه في رأس القناة، ثم فعل بالرجل الأخرى مثل ذلك، ثم وضع المنشار على عاتقه فقطعه إلى الجانب الآخر مورّبًا ثم قطع ضلعين من أضلاعه ثم وضع المنشار على عاتقه الآخر فألحق القطع الثاني بالقطع الأول فتعلق الرأس مع العنق مع الصدر وما مع ذلك في رأس القناة. ثم وافي أهله فجمعوه ودفنوه. قال: وحدثني شاهان بن حمويه المعروف بدود في سنة خمسين وثلاثمائة قال: أنفذني أحمد بن مروان التاجر في مركب جهزه على يدي إلى كَلَهُ فاضطروا إلى المضي إلى منصور قال: وكانت لي مع صاحبِ سريرة نكتة لم أقم أنا على حفظها، واتصل به خبر موافاتي إلى منصور فأنفذ من أشخصني مع المركب وجميع ما معي إلى سريرة فلما وصلت إلى سريرة أهديت إليه شيئًا كثيرًا مما كان معي، وأهديت إلى وزرائه وصانعتهم، فزال بذلك ما كان في نفسه عليّ وأكرمني غاية الإكرام، وكنت لا أفارقه وقت الغداء والشرب، وفي الخلوات، وتسوّقت بما معي، فاتفق بعد مضي خمسة أشهر أو ستة أشهر أن خرج صاحب سريرة لمحاربة أصحاب الزنج، ومن رسوم أولئك الملوك وملوك الهند إذا خرج الملك في حرب ملك آخر قد قصده حمل معه ما خَفَّ حمله من أمواله وآلاته وذخائره وما ثقل عليه حمله أحرقه بالنار حتى يكون همه التجريد في القتال، وأن يجعل قصده المضي أمامه لا الرجوع إلى منزله، ولا يفكر في شيء يخلفه ولعله ينهزم فيملك عدوه داره فيتقوى عليه بما يجده من أمواله وذخائره وعُدَدِهِ،

стр. 696

فلما عزم صاحب سريرة على الخروج لمحاربة الراعي حَمَلَ معه ما أمكنه حمله ثم عزم على إحراق ما بقي من خزائنه، فقال له وزيره، وكان شديد العناية بي والمحبة لي أيها الملك، لا تُحرق هذا، وهبه لشاهان بن حمويه، فقال لي: خُذْ جميع ما في الخزائن، فقد وهبته لك. قال لي شاهان: فجعلتُ حمولة المركب كلّها من أصناف الأمتعة وأنه … حمل في جملة ما حمل ثلاثة آلاف منًا كافورًا مما أخذه من جزائر صاحب سريرة، وأنه قدر قيمة ما حرقه مما أخذه من خزائن صاحب سريرة ما لا أستجيز ذكره لعظمه، ثم خطف من سريرة في سنة ثلاثين وثلاثمائة يديه على عُمان فلما جاوز راهلي (١) وجعل هر كند وقع عليه الخبّ وذهب السرتا من يده في البحر فلم يزل في التيه ستة أشهر لا يعرف في أي موضع هو ومَرَّ به من الأهوال والعجائب ما لا يعلمه إلا الله وتلف بعض ما كان في المركب، فلما كان بعد ستة أشهر وقع إلى ساحل الهند وأصبح يومًا من الأيام وهو بحر خورتانة قال لي شاهان: فلما رأيت خور رتانه أو علامات الخور طرحنا الأناجر، ونزلت في الدونيج ومعي جماعة من البابانية لنمضي إلى تانه (٢)، ونأخذ الماء فإنّ الماء الذي كان معنا قد نَفَد ونحن تالفون من العطش والبلاء الذي قد مضى علينا، فلما حصلت بتانه سمعتُ أن أحمد بن مروان توفي بعمان وبقيت بتانه بعض يومي، وأخذنا الماء وعُدنا إلى المركب فوجدناه قد غرق ولم يسلم منه شيء قيمته حبة فضة، ورجعت إلى تانه، وهذا حديث لم أسمع في معناه بأطرف منه. ولا حدثني أحد من البحريين على كثرة من شاهدتُ منهم ومن شيوخهم الذين ركبوا البحار السنين الكثيرة أنهم تاهوا ستة أشهر، وحديث شاهان هذا كالمتعارف بينهم، وأنه لما نزل إلى تانه في الدونيج أخَذَ معه قطع ياقوت. قال: وحدثني بعض البحريين أنه حدثه أعني شاهان بن حموية، أنه لما سمع بتانه موت أحمد بن مروان عزم على أن يسرق جميع ما في المركب ويفوز به ولا يردّ على ورثة أحمد بن مروان منه شيئًا، فمضى وقد هلك المركب، وقيل لي: إن قيمة ما كان فاز به عند نزوله عشرة آلاف دينار، ثم لم يبق معه من ذلك أيضًا حبّة واحدة، وذهب منه في البحر، ولو لم يكن من الدليل على سوء عاقبة الخيانة الردية إلا خبر شاهان بن حمويه وما جرى في أمر هذا المركب خاصةً، لكان فيه عبرة. قال: وحدثني إبراهيم بن محمد السيرافي الأعرج، قال: حدثني يعقوب بن

стр. 697

حوان بودان أنه خطف من صيمور إلى سيراف ووافاها في ثمانية عشر يومًا وأقام بسيران أحد عشر يومًا، وعاد إلى صيمور في ثلاثة عشر يومًا. وقال: رأيت بكلة قومًا يقال لهم: الكمل يبلعون شيئًا من الشجر على ما ذكروا يضربون بالسيوف فلا تعمل في أبدانهم ويُرمون بالنشاب فتنبوا عنهم فلا تضرهم، فسألت عن ذلك الشيوخ من أهل كلة ومن له تحصيل فذكروا: أن هذا صحيح، وسألتهم من أين صح لكم هذا ومِنْ علمتم حقيقته فذكروا أن لصوصًا من الرانج جاؤوا إلى كله في البحر في قوارب لهم ليدخلوا إلى كلّة وينهبوها، وكان السالطي بانه (١) فخرج إليهم بالقوارب والرجال، وظفر بهم، وقتل منهم جماعة. وقدم واحدًا من رؤسائهم، فأمر أن يُضرب رأسه فما عمل فيه السيف فأمر به أن يُصلب على خشبة ويُرمى بالنشاب ففعل به مثل ذلك فما عمل فيه شيء، ورُمي بالحراب فما عملت فيه، فوجد بانة بن المنلى من ذلك وجدًا شديدًا على أصحابه، فقال له واحد منهم: أنا أقتله، فقال له بابل: افعل، فأخذ نشابة وجعل على رأسها شيئًا من العذرة ورماه بها فنفذت فيه، ثم إن أصحابه عملوا مثل ذلك وقتلوا الرجل، وقد كان معروفًا أنه يلقى الرجال ويقاتلهم فكلما أصابَهُ من الحديد لم يعمل فيه. قال: ورأيت أنا بكلة في سنة سبع وستين وثلاثمائة إنسانًا اسمه ركين رئيس اللصوص، وكان له في البحر صولة ومهابة عظيمة، وكان يُذكر عنه مثل ذلك، فرجع عن اللصوصية، ودخل إلى متملك سريره في الأمان وصار من أصحابه وفي جملته، فوجه به المتملك إلى كله على شيء من أعماله فرأيته أنا وسألته وسألت أهل كله عنه فأجمعوا عليه أنه لا يصل إليه الحديد وهذا مشهور من هذا الصنف من أهل تلك الديار لا ينكره أحد ممن يصل إليها، ويذكرون أنه شجر يبلعونه. قال: ومما رأيت من عجائب كله أنه إذا وصل مركب إلى جبل الذهب أو قريبًا منه فلا بد أن يجيء مطر شديد مثل الزلازل، وإذا جاء الرعد والمطر من جبل الذهب فهو مركب يصل في وقته أو غير وقته، وإذا جاء الرعد من جبل يقال له: بنوار وهو على يمين كله الداخل إليها فهو يؤذن بلصوص ويكون مع ذلك مطر شديد لا يشك أهل البلد في شيء من هذا، فإذا رأوا المطر وسمعوا صوت الرعد من بنوار طرحوا القوارب والعدة في البحر انتظارًا لحرب اللصوص، وإذا سمعوا الرعد ورأوا المطر من جبل الذهب وهو يسرة الداخل إلى كلة فيتباشرون بوصول مركب ويستعدون لذلك وهو

стр. 698

عندهم متقارب وربما وصل مركب في الصيف من بعض الأخوار القريبة، ويكون وقت ليس فيه مطر، فلابد أن يجيء المطر والرعد الشديد إلى أن يدخل المركب البلد وينقطع الرعد والمطر، وهذه عادتهم لا تُخلف ولا تحيل، وكنت أنا بكلة شتاءً وصيفًا ورأيت الأمر على ذلك وجربته، فلم يخط، وهذا مشهور لا ينكره أحد ممن دخل تلك الديار، وأقمت بكله سنة ستين وسنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرجت منها إلى سحالان فوصلت إلى كرب وهي ساحل سحالان تنجل المراكب بها، ويقيمون نحو شهرين إلى أن يزيد الماء العذب من خور سحالان في وقت الزيادة والانتظار فيجري الماء من سحالان في خليج إلى كوب ويَصُبُّ في البحر ماء عذبًا، ويحمل الناس حمولتهم في القوارب ويخرجون فيه من كرب إلى سحالان مسيرة سبعة أيام، فيه مواضع مثل البطائح والأهواز نباتها القصب لا فرق بينها وبين البطائح، فإذا وصل الناس إلى سحالان يقيمون ثلاثة أشهر فينصرف ذلك الماء الذي جرى في الخليج ويجف حتى يكون فيه طريق يمشي فيه الناسُ، ويبقى القصب فيباع بأموال وهو رطب علف الأفيلة وسائر البهائم، وهذا صورته من السنة إلى السنة، وكان الناس بسريرة في حالة عظيمة يأخذ التمساح في كل يوم من الساحل جماعة، فضج أهل البلد، وشكوا إلى السلطان فجمع علماءهم وقال لهم: هل من حيلة في هذا التمساح أوله دواء عندكم، فقال له واحد منهم: أنا أشدّه وأكفي الناس أمره، فقال السلطان: إن فعلت ذلك أحسنْتُ مكافأتك، فمضى البنكوا وغاب عن السلطان أيامًا وعاد إليه وقد فرغ من الأمر ونصب الصورة التي عملها وقال للسلطان تأمر بضرب الطبل في البلد وتأمر الناس يغتسلون في الخور، فقال السلطان إن الناس على خوف شديد. وإن فعلت هذا لست آمن أن يكون الأمر غير تام فيلحق الناس منه حال أكون ملومًا عليه، فقال البنكوا: إن لحق أحد من الناس سبب من التمساح فدمي لك حلال، فأمر السلطان بضرب الطبل في البلد فضُرب ودخل الناس مجربين فما رأوا إلا خيرًا، ووقَفَتْ التماسيح على وجه الماء وما رأوا إلا خيرًا، وكان عند الناس من هذا سرور عظيم، ومضى عليه مدة يسيرة فقال السلطان لبعض غلمانه: إذا دخل فلان البنكوا فخذه عندك واضرب رأسه ولا تسلني عنه، فدخل البنكوا على الرسم إلى دار السلطان، فاستدعاه الغلام وفعل به ما أمره السلطان، فلما وقف على ذلك أصحاب السلطان ومن يخصه قالوا له: أيها السلطان بما استحق فلان البنكوا أن يُقتَل؟ قال: ما كان له ذنب ولكني سُرِرتُ بما عمله من أمر التمساح، وتخوّفتُ أن يتغيّر قلبه بعد وقت فيفسد ما عمله، وأحببت أن يبقى الأمر على هذا لأجل ذلك، ولمنفعة الناس بهذا الحال، وبقي

стр. 699

التمساح بسريرة مشدودًا إلى هذه الغاية في الجانب الذي فيه الصورة، مما يلي البحر التمساح يعلى ويأخذ الناس من القوارب ومن السواحل، والناس يخافون منها هناك أمر عظيم، فأما في البلد وإلى حدّ الصور، فليس لها سلطان. قال: وحدثني أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى البصري، وكان رجلًا يسافر البحر منذ ثلاثين سنة على ما ذكر، وصَدَّق حديثه علي بن سعيد السيرافي المعروف بابن أبي سهل، أو ابن سهل وغيره ممن سمع حديث أبي العباس: أن قرودًا من ذاك جانب خور سريرة، كبيرة، وذاك الموضع قد رأيته، ليس فيه عمارة، وفيه أشجار، فذكر أن أهل سريرة ربما عبروا إلى هناك للنزهة والتفرّج فيحملون الطعام لهم ولتلك القرود، متفرقين على الأشجار ينظرون إليهم، فإذا انقضى أكلهم أخذوا طعامًا مثل الخبز واللحم والموز والحلاوة، وذهبوا به ناحيةً عنهم وطرحوا تحته حشيشًا أو خوصًا من خوص النارجيل، وفرشوا عليه الطعام، ورجعوا إلى مواضعهم. قال: وتنزل القرود كلّها من فوق الشجر، يقدمها واحد كبير له لحية مثل لحية خراساني عظيم الخلقة، وخلفه قردة دون خلقه. فإذا قرب من الطعام، تقدم القرد الكبير وحده، فيأكل من ذلك الطعام، والباقون وقوف ينظرون إليه، فإذا فرغ أكله تباعد ناحية عن الطعام، وتجيء الأنثى وحدها، فتأكل وتمضي نحوه ويجيء الباقون كلهم كافة، لا يتخلّف منهم أحد، فيأكلون بقيّة الطعام، فإذا فرغوا مما بقي انصرف القرد الكبير والأنثى وراءه، وتبعه الباقون كوكبةً واحدة. وبسريرة من يُصلح لهم الطعام وينذر لهم النذور، ويشتري لهم المأكول ويمضي به إليهم قاصدًا، وهذا مشهور معروف عند كل من وصل إلى هناك وسأل عنه. ورأيت الهند يحكمون بصياح الوزغ في قدوم الغائب وورود الخبر السار وما يحدث من هم وغم. قال: وحدثني أحمد بن محمد الكناني: أنه كان بمندر يعني عند علي بن محمد اللؤلؤي، وهو يومئذ رئيس الفرس وزعيمهم، وأنه كان يأكل معه، فصاح وزغ من السقف، فقال علي بن محمد اللؤلؤي يقدم غائب وليس هو مجيء وقت المراكب. قال أحمد بن محمد الكناني: ففرغنا من الأكل وخرجت من عنده إلى منزلي ولقيني أحمد بن محمد الملوي المقيم بدبيحات (١) الدم فقلت له من أين؟ فقال: خرجت من الدبيحات أو بدبلى فوقعت ههنا والساعة صعدت من المركب. قال: فأعدت عليه ما

стр. 700

كان من علي بن محمد اللؤلؤي عند صياح الوزغ، فقال الملوي: أنا إليه قاصد. وبقيصور موضع يُعرف بالبَلاحَة، فيه قوم من الباتك يُعرفون بالسار أموالهم وذخائرهُمْ وعُدَدُهم رؤس الناس المقطوعة، يتكاثرون فيه كما يتكاثر الناس بالأموال. مَنْ مَلَكَ منها أكثر كان أنبل وأشدَّ باسًا وأعظم هيبةً، ولا يزوّج الرجل منهم حتى يملك عشرين رأسًا، وبلغني عن أبي الخير المتطبّب المعروف بابن القطان أن رجلًا من السار طَلَبَ واحدةً يتزوّج بها، فقيل له: هل أتممت عشرين رأسًا؟ فقال: معي تسعة عشر رأسًا، فقالوا: تمّم عشرين رأسًا، فإنا نزوجك، فأخذ سلاحه وخرج إلى الجبل يطلب واحدًا يأخذ رأسه تمام العشرين، فلم يلق إلا أباه، فأخذ رأسه وتمم العشرين رأسًا، وأخذ المرأة. قال (١): وحدثني جماعة ممن وصل إلى الصنف: أنهم رأوا بها الأفيلة الأوساط في الأسواق، تشتري الحوائج مثل الباذنجان والبصل والأبزار الرطب والحشائش التي يطبخون بها، فسألتُ عن حقيقة ذلك، فذكروا أن لكل بيت من البيوت فيل يخدمه، يستقي عليه الماء ويحمل عليه الحطب، وإذا أراد أصحابه البقول من السوق، أخذوا مكتل، وجعلوا فيه فلوس بمقدار ما يحتاجون إليه من البقول، وجعلوا المكتل في خرطومه، فيمضي إلى صاحب البقل، فيدع المكتل بين يديه، فيأخذه صاحب البقل ويجعل له من كل شيء بمقدار ما في المكتل من الفلوس، ويترك المكتل بين يدي الفيل، فإن رضيه أخذه بخرطومه ومضى، وإن لم يرض أخذه بخرطومه ورده بين يديه، فربما وقع فيها مماكس على مقدار ما يوصونه أهله. والرسم ببلدان الهند إذا كان لبعضهم على بعض دينًا، فإن أراد ملازمته أن يجيئه فيقول له: أنت بيد الملك، أو برجل الملك، فلا يعمل ذاك شيئًا البتة ويجلس كل واحد مع صاحبه أما في دكانه أو في منزله أو البد أو المسجد إن كان الذي عليه الحق من المسلمين أو الحق لمسلم على مُشرك؛ لأن المشركين يدخلون المساجد ببلاد الهند فلا يأكل الملازم شيئًا مما اذكره ولا يأكل اللازم أيضًا وربما كان للتاجر على الملك شيئًا فيماطله به فيجيئه فيقول: أنت أيها الملك بيد نفسك أو برأس نفسك أو برجل نفسك أو برجل أبيك أو برجل أمك أو رأس أمك إن كانا يعيشان، فلا يعمل شيئًا البتة ولا يأكل إلى أن يُوفيه حقه أو يبريه، والذي يمتنعون من أكله عندهم أنه هو الطعام الأرز فقط، فأما غير ذلك فلا.

стр. 701

قال: وللهند رسوم وسُنَن قد جرت عادتهم بها، ومنها ما يتدينون به، ومنها ما قد اصطلحوا عليه، ومنها ما ينفرد به فزقةً دون أخرى، ومنها ما يستحسنه بعضهم دون بعض، وشرح ذلك لا سبيل إليه لطوله، فمن سننهم أنهم يحرقون أنفسهم بالنار، وهذا شائع في سائر الهند مستعمل، وإذا أراد الواحد منهم أن يحرق نفسه إما أن يكون قد تفتى أو قد خاطر أو قد غَضِبَ، أو قد أمَرَهُ الملك بهذا ولمعنى غير هذه المعاني طاف البلد قبل ذلك بثلاثة أيام، وبين يديه طبل يضرب به ومعه مطرد وحوله من أهله ومن يتعصب له جماعة فيجمع في تلك الأيام الحطب والدهن ليوقده إذا عزم على أن يحرق نفسه، فإذا كان في اليوم الثالث جمع ذلك الحطب وأجَجَ النار، وصب عليها الدهن، ثُمَّ جلس في كفّة حديد مثل كفّة القبان وزج نفسه في النار وأهله حول النار بالحراب، فإذا أراد أن يخرج من النار ردّوه إليها بالحراب حتى يتقطع، وكل من حوله من أهله وإخوانه وغيرهم يقول له: تقرأ على فلان السلام وفلان يقول له: كذا وكذا، يذكرون له قومًا قد ماتوا وأحرقوا أنفسهم، وهم قوم يعتقدون التناسخ وعندهم أن الإنسان يرجع بعد أربعين يومًا إلا أن روحه تعود في هيكل غير هيكله. فأما أن تعود روحه في كلب أو حمار أو بقرة، أو فيل أو غير ذلك من الحيوان، وَهُمْ أحسن الناس طاعة لملوكهم، وربما قال له الملك: امض فوجّه إليَّ برأسك فيخرج من بين يديه ويمضي فيجذب غصنًا من شجرة أو رأس قناةٍ ويُشدّ ذؤابته وطُرَّتَهُ بها ويقطع رأس نفسه يجري مثل الماء من شدّة حدته وهو سكين بمقبضين فتعلق رأسه في الشجر ويسقط جسمه، ولكل ملك من ملوك الهند جماعة يختصهم بحسب حاله، وإن مات أو قتل أو حدث به حادث قتلوا أنفسهم وإن اعتل اعتلوا، ومهما لحقه فعلوا بأنفسهم مثله. قال: وقال لي من رأى رجلًا من الهند بصندابور وهو يطوف وبين يديه طبول ومطارد، ومعه خلق منهم، وقد قوّر قحف رأس نفسه وقلبه، وجعل في مكانه مثل المسرجة وجَعَل فيه فتيلةً تَقِدُ ودُهنًا قد ضبّبَ رأسه بما يدور بصفيحة حديد وسمر فيه مسمارين وهو يمشي ويغنّي ويمضغ التانبول فلما كان في الثاني ضَعُفَ وخار ولم يمكنه الصبر إلى اليوم الثالث فأحرق نفسه في اليوم الثاني. ومن غريب ما يحكى: أن شجر الكافور لا يُقْطَعُ لاستخراج ما فيه إلا بعد أن يَبيت مَنْ يريد قطع الشجرة تحتها ليلةً أو ليلتين أو ما اتفق له ليرى في نومه شيئًا تخاطبه به الشجرة، وذلك أن الواحد منهم يرى في نومه كأنّ الشجر تخاطبه أو يخاطبه مخاطب عنها لا تقطعني إلا بعد أن تذبح عندي كذا وتلطخني بدمه أو نحو هذا القول والعادة جارية بذلك على طول الدهر، وأنهم لا يجوز لهم قطع شجرة إلا بعد أن يرى تحتها من

стр. 702

ينام عندها، هذا فإما أن يلتمس أن يُذبح عندها جاموسًا أو شاة أو كلبًا أو خنزيرًا أو ضربًا من الحيوان، فحينئذ يذبحه من يريد قطع الشجرة عندها ويلطخها بدمه، ثم يقطعها وإنهم يعتقدون أن من قطع شجرةً من غير أن يفعل هذا لحقته عقوبة ولم ينتفع بما يستخرجه منها. قال: وروى أنه قال: كنت يومًا بخالان عند زيد بن محمد وهو يومئذ الوالي على المسلمين والناظر في أحكامهم وعدواهم، وقد خرج من عنده إنسان اسمه جوامرد فخرج عليه قوم في الليل، فقاتلهم فقتل وأخذ رحله، فجاء الخبر إلى زيد، وكنت حاضرًا عنده، فقال جماعة حضروا من الفرس: الساعة يطمع الهند في الفرس ويقطعون عليهم الطريق وتنفسد أحوالهم، وهو يسمع الكلام فقال لي زيد: اسمع ما يقولون وإذا تفرّقوا نسوا ما تكلّموا به فقلت له: قد سمعت وسكت أيامًا، فلما كان بعد ذلك بنحو عشرين يومًا بكرتُ يومًا إلى سلامه، وإذا بقوم مكتفين فلم أدر ما هم فصبحته وجلست عنده، وجاء الناس للسلام عليه على الرسم فلما اجتمعوا قال زيد: يا أصحابنا، قد علمتم ما جرى على جوامرد، وهو رجل فارسي، وقد أخذت خُصماءه فليقم كل واحد منكم فليقتل واحدًا منهم كما قتلوا صاحبكم، وقد وجدنا بعض رحله وحسابه، فليتسلّم ذلك واحد منكم يبلغ به أهله ويخلّصني منه، ونظر إلي مذكرًا لي ما كانوا تكلّموا به في الأول، فَسَكَتَ الجماعة وما ردّ عليه أحد جوابًا، فقال: يا أصحابنا ليس هذا بمستو، توقعوني وتتبرأون، تجتمعون، وتتكلّمون بما تشتهون، فإذا حقت الحقائق أخذ كل واحد منكم في طريق ما تنصفوني، الله المستعان، ووجه إلى دار السلطان فطلب الذي بيده القتل، فقتل السرّاق وصلبهم على ساحل البلد، واتفق أن السلطان كان مجتازًا في الماء في عسكر كبير، فرأى رؤوسًا على خشب وقومًا مصلبين على الساحل، فقال السلطان: ما هذا؟ قالوا: لصوص قطعوا على أصحاب زيد فوجه خلفهم فوقعوا بيده فقتلهم، فقال السلطان: بارك الله فيه، ما علمت أن في الفرس من يجيء منه هذا، مَنْ يلومني على محبّة زيد، وهو يؤمّن الفرس في بلدي - ويحمل عني مثل هذا، وصار له عند السلطان بذلك يد. فهذه جملة كافية فيما يحكى عن العجائب. ولو لم أجدها من تصنيف جليل لجليل ما نقلتها لكثرة ما يقال في مثل هذا مما يكاد يئن سقمًا ويتساقط وضعًا. على أن البحر لا حرج على من حدّث عن عجائبه، وأخبر عن غرائبه، وتلك الأقطار الشرقية كثير ما يحدث عنها، وإنما الاقتصاد أجمل، والاقتصار أخرى بالتصديق وإبراء لناقله من جاهل حاسد، أو عالم معاند.

стр. 703

الباب الرابع في القبلة والأدلة عليها وفيه فصول: الفصل الأول: في أقوال الفقهاء وهو ما يحتاج إليه الظاعن والمقيم، ويقال قبلة البشر الكعبة، وقبلة أهل السماء البيت المعمور، وقبلة الكروبيين الكرسي، وقبلة حملة العرش العرش، ومطلوب الكل وجه الله تعالى ذكره المرغيناني (١). واستقبال القبلة شرط لصلاة القادر إلا في شدة الخوف وثقل السفر، ومن أمكنه علم القبلة حُرّم عليه الاجتهاد والتقليد واليقين قد يحصل بالمعاينة وبغيرها، كالناشئ بمكة العارف يقينًا بإمارات، ويتعذر التحرير إلا بأخذ الارتفاع بالاسطرلاب المسمت، وفي هذا الباب تأليفات كثيرة، وبين الفقهاء خلاف، هل يشترط إصابة العين أو الجهة. وفي مذهب الشافعي قولان، وكذلك في مذهب مالك قولان، والأرجح في مذهب الشافعي أصابة العين، اتفق عليه القفال (٢) والعراقيون وصححه النواوي. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: والفرض في القبلة إصابة العين فمن قَرُب منها لزمته ذلك بيقين، ومَنْ بَعُدَ لزمه ذلك بالظنّ في أحد القولين. وفي القول الآخر الفرض لمن بعد الجهة، والأرجح في مذهب مالك إصابة الجهة لا العين للتعذر، ورجح الباجي إصابة العين، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه (٣)﴾. قال أي سمته، قال: وهو المشهور من مذهب مالك. ومذهب أبي حنيفة، الجهة لا العين للتعذّر وقالوا: هو للبعيد تكليف ما لا يطاق، وكذلك مذهب أحمد بن

стр. 704

حنبل إصابة الجهة لا العين، واستدل بالحديث: ما بين المشرق والمغرب قبلة. وقال المرغيناني من أصحاب أبي حنيفة: وإن تيامَنَ أو تياسر يجوز؛ لأن وجه الإنسان مقوّس، فعند التيامن أو التياسر يكون أحد جوانبه إلى القبلة، حكاه عنه قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد السروجي (١) في تأليفه في معرفة القبلة. وهذا خلاف للصحيح من قولي الشافعي؛ لأنّه يدل على أن استقبال القبلة بجميع جسده ليس بشرط. وقال النواوي: إذا انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، نظر إن استدبرها وتحوّل إلى جهة أخرى عمدًا بَطَلَتْ صلاته، وإن فعله ناسيًا وعاد إلى الاستقبال على قُرب لم تبطل، وإن عاد بعد طول الفصل بَطَلَتْ على الأصح، وأما من هو في مدينة أو قرية، ولو كانت صغيرة بها محراب منصوب تداول المسلمون الصلاة إليه قرنًا بعد قرن، فلا يجوز له العدول عنه إلى الاجتهاد، بخلاف المحاريب المنصوبة في القرى الخربة التي لا ساكن بها، أو ما لا يعلم هل هو من بناء المسلمين أو الكفار، أو ما هو كالأعلام، أو على قوارع الطريق ممر المسلمين والكفار، والاجتهاد في ذلك أولى. قال النواوي: وتصح داخل الكعبة صلاة الفريضة والنافلة. قال: وله أن يستقبل أي جدار شاء، وله استقبال الباب إن كان مردودًا أو مفتوحًا وله عتبة تقدير ثلثي ذراع تقريبًا. والواقف على سطحها إن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصح، وإن كان الشاخص من نفس الكعبة فحكمه حكم العتبة، ومَنْ هو خارج المسجد، إن عاين الكعبة صلى إليها، ومَنْ لم يعاين ولا تيقن الإصابة فله اعتماد الأدلة. ومن صلى في محراب صلى به رسول الله ﷺ كمحراب المدينة أو قباء استقبله ولم يجتهد، ولا يجوز التيامن ولا التياسر فيها، ولا في المحاريب التي كثر إليها دخول الصحابة ﵃ وصلاتهم إليها كالكوفة والبصرة. ويجوز فيما سوى ذلك الاجتهاد. ولا يصح الاجتهاد إلا بأدلة القبلة وأضعفها الرياح لاختلافها، والجبال والأنهار لتعاريجها، وأقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مستقبلًا للقبلة إن كان يتاخم الكوفة وبغداد وهمدان وقزوين وطبرستان وجرجان وما والاها، وإذا تيقن الخطأ في الاجتهاد قبل الشروع في

стр. 705

الصلاة أعرض إلى الجهة التي يَعْلَمُها أو يظنّها، وإن تيقن بعد الفراغ أعاد، وإن ظهر وهو متلبس بالصلاة استأنف على الصحيح لخصت هذا عن كلام النواوي رحمه الله تعالى وزدت قولي والجبال والأنهار لتعاريجها. قال ابن الشاطر (١): والذي ذكره النواوي وقالته الفقهاء في هذه البلاد التي جعلوا سَمْتَها واحدًا فيه نظر؛ وذلك لأنها مختلفة الانحراف؛ لأن الكوفة (محل) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وبغداد (نح ب) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وثلث همدان (له ل) وهو خمس وعشرون درجة ونصف وقزوين (له د) وهو خمس وعشرون درجة وثلث، وطبرستان (له ل) وهو اثنتان وثلاثون درجة ونصف، وجرجان (لذل) وهو سبع وثلاثون درجة ونصف وبين مقادير الانحراف في ذلك تفاوت كبير أقله (نح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف، وأكثره (لز د) وهو سبع وثلاثون درجة وثلث. فيكون التفاوت (لح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف وثلث، وذلك تفاوت كثير، فكيف تكون الجهة واحدة، وكأن المراد بهذا التسمية دون الحقيقة. قلت: وعلى هذا ذهب الجويني (٢) ﵀ قال: وسمْتُ القبلة لمن بعد الجهة دون العين، ولأن الفرض إطلاق التسمية في اللغة لا حقيقة المسامتة، ولو كان الفرض المسامتة كان من تكليف، لا يُطاق، وهذا غير واقع في الشرع، ومثل له مثالًا ملخصه أن الصف إذا كان بإزاء البيت حتى خرج عن مسامتة جداره لا يكون الخارج مستقبلًا ولا تصح صلاته، فلو كان الصف في أخريات مسوّر المسجد صَحَتْ صلاته ولو كان الصف ألفًا مع كون أكثرهم خارجين عن المسامتة. وكانوا كلهم مستقبلين، ثم قال: فالفرض في الشرع التسمية ذكر هذا بمعناه إن لم يكن كله بلفظة الجويني في غاية المطلب في دراية المذهب. قلت: ووجه الفرق أن القريب لا يتسع بصره بل لا يتعدى ما تلقاءه.
следующие страницы →