← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

يهب الأدباء إلا وله في تلك الشريحة ريحة، تود القوافي لو خضبت من ذبائحه الغنم، وتعد الأعادي له والجزار لا يهوله كثرة الغنم، وتتفانى قرون القرناء ولا تبلغ له مدى، ولا تذهب إلا ومناحرها منه تحت المُدَى. قال الشعر وهو صغير أول ما احتلم، وطاف بأركان بيت له واستلم، إلا أنه كان في مبدأ أمره ربما اشتبه عليه الوزن، وأثبته إلا أنه يجد أثر الوهن، فأتى به أبوه أو عمه إلى ابن أبي الأصبع، وعرض عليه شيئًا من هذا النوع مما قرضه، وهو يظن أنه قد قدم فأخر جوهره وعرضه، فقال له: احسب بالعوام الذي يخرج من بحر إلى بحر فظن بجهله أنه قد بالغ في تقريضه، وأعجب بقدرته على نظم قريضه؛ فلما علم ابن أبي الأصبع أنه لم يعلم ما أراده من خطابه، عرفه به وأعلمه إن تركه عليه عرضه لسبه، ثم دله على ما يضع، وعلمه ولم يمنع، وقال له: إذا جاءك لفظة مثل: اعلم واعرف انظر أيهما كان أشهر فقلهما ولا تقل الأخرى؛ لأنها أقرب إلى الأفهام، واجمع لرضا الخواص والعوام فحفظها الجزار في تاموره، واقتدى بها كما قال الحريري في أموره. ثم برع أدبًا سلس القياد، غض الجنى حلو المذاق، قريب التناول، وسمعت سمعته الأقطار، ووسعت الآفاق، وبلي بجماعة من فضلاء الدهر وأدباء الزمان يهجونه ويهيجونه ويهيجهم، منهم من كان له صاحبًا، ولذيل الأنس معه ساحبًا، فيحمل هجاء كل منهما لصاحبه على أنه كان معه لاعبًا، وله به مداعبًا، ومنهم من كان بينه وبينهم ما

стр. 6442

يكون بين النظراء، ويهون إثمه الكبير عند الشعراء، إلا أنه كان جزارًا يكثر منهم النحائر، ويدير على قرونهم الدوائر، فما قدروا على أكل لحمه، ولا نظروا إلا ما يبيض عيونهم من شحمه، فلم يظفروا له بغرة، ولا قدروا أن يطبخوا له قِدْرَه، وكان آخر أمره من معدله الشهود، ومعدة التبيان التي لا تحتدي معها الجحود، وكانت مجالس الوزراء تتهادى رياحينه، ويستطيب شعره وتلاحينه وعمر حتى كان يقال إنه هو والسراج الوراق فرقد أسماء الآداب بمصر، ومسمعًا في الإنصات. وقد ذكره ابن سعيد وأورد له في المرقص قوله (١): [من مجزوء الكامل] مَنْ مُنْصِفي مِنْ معشر … كثروا عليَّ وكَثروا صادقتهم وأرى الخُرو … جَ مِنَ الصداقة يعسر كالخط يسهل في الطرو … س ومحوه مذر وإذا أردتَ كشطتَهُ … لَكنَّ ذاك يؤثر وقوله (٢): [من الكامل] أملي يُقَرِّبني إليك معَ النَّوى … يا مَنْ بِذَيْلِ رِجائِهِ عَلِقَتْ يَدِي أرجو نداك مع الخُمُولِ وربَّما … كانَ الحَيا حَظَّ الحضيض الأَوْهَدِ وقوله (٣): [من الطويل] فما العيش إلا أن أموتَ صبابةً … بليلى ولم أَمْدُدْ إلى غيرِها يَدِي دع اللومَ أَوْ لُمني فلستُ بسامع … لقد ظلَّ مَنْ أَمْسَى بِنُصْحِكَ يهتدي ومنها: [من الطويل] لقد شادَ مُلْكًا أَسَّسَتْهُ جُدُودُهُ … فأَصبحَ ذَا مُلْكِ أَثِيلٍ مَشِيدِ وصَحَ بِهِ الإسلام حتى لقدْ غَدَتْ … بِسلطانِهِ أَهل الحقائق تقتدي فقل للذي قد شك في الحقِّ: إِنَّما … أَطَعْنَا أبا بكر بأمر محمد وقوله (٤): [من الطويل] وكم ليلةٍ قد بتها مُعْسِرًا ولي … بزُخرفِ آمالي كنوز مِنَ اليُسْرِ أقول لقلبي كلّما اشتقت للغنى … إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ تَبَّتْ يَدُ الفَقْرِ وقوله (٥): [من الخفيف]

стр. 6443

أنتَ موسى وقد تفرعن ذا الخط … ـب فعرفه من نَدَاكَ بِيَمٌ ليَ مِنْ حِرْفَةِ الجزارة والا … داب فقر يكاد يُنسيك اسمي كنْتُ قِدْمًا أُدْعَى بقطعة جرًا … وأصبحتُ اليومَ قطعة لَحْمِ وقوله (١): [من الطويل] ولستُ أَخافُ السِّحْرَ مِنْ لحظاتها … لأني بموسى قد أمنتُ مِنَ السِّحْرِ فتى إِنْ سَطَا فرعون فَقْرِي وَجَدتُهُ … يُغَرِّقُهُ مِنْ جُودِ كفَّيهِ في بحر له باليد البيضاء أعظم آية … إذا اسودتِ الأَيامُ مِنْ نُوَبِ الدَّهرِ وقوله (٢): [من الخفيف] قُلْ لمن كان قد تفرعن بَغْيًا … إن موسى بالعدل قدْ جاءَ مِصْرَا فَكَأَنَّ الأيام جاءتْ بِهِ عَنْ … كُلِّ ذنبٍ أَبدتْهُ للناسِ عُذْرا كلُّ قلب يصبو إليهِ فَلَوْ لَمْ … يكُ مُوسى ظننتُه منه سِحْرا وقوله (٣): [من الرجز] مولايَ مِنْ خَلَّةٍ سددتها … أحسنت فيها وادهرُ قَدْ أَسَا وغيرُ بِدع منك يا موسى إذا … ضَرَبْتَ في البحر طريقًا يَبَسَا وقوله (٤): [من الكامل] يا مَنْ نلوذُ بمالِهِ وبجاهِهِ … فنفوزُ بالإسعاف والإسعاد ما إِنْ شَكَوْنا في الخُطُوبِ ضَلالَةٌ … إلا رأينا منك موسى الهادي وقوله (٥): [من الرجز] لما توالى حِلْمُهُ قُلْنا لَهُ … مما رأينا أنتَ موسى الكاظم إنِّي وإن كنتُ حَبيبًا عندَهُ … فإِنَّهُ للرزق عندي قاسم وقوله: في طول عمر ثوبه وأجاد (٦): [من الخفيف] لي نصفيةٌ تَعُدُّ مِنَ العُمْـ … ـرِ سِنينًا غَسَلْتُها أَلفَ غسله لا تسلني عَنْ مُشتراها ففيها … مُنذ شريتُها بِجُمْلَهْ نَسَفَ الريح صدرها والأرا … زب فباتت تشكو هواء ونَزْلَهْ

стр. 6444

كلُّ يوم يحوطها العْصَرُ … والدَّقُّ مرارًا وما تقر بعملة فهي تعتلُّ كلما غَسَلُوها … ويزيلُ النشاء تلك العلة أَينَ عَيْشي بها القديم وذاك … الزِّيقُ فيها وخَطْرَتي الشَّمْلَهُ حيث لاقي أجنابها رقعة قط … ولا في أكمامها قَطُّ وصْلَه قال لي الناس حين أطنبت فيها: … بس أكثرتَ حلّها وهي بَقْلَه وقوله (١): [من الطويل] تهنَّ بعيد أَنْتَ أكبر عيدِهِ … تضاعف في الأولى الثواب وفي الأخرى فصل به وانحر عِدَاكَ فإنَّهم … على نقصهم لا يأمنون بك النحرا وقوله (٢): [من الخفيف] بانَ عَنِّي فكدتُ أَفْنى أشتياقًا … كيف تبقى بعد النفوس الجُسُومُ ساحر المقلتين فاعجب لقلبِ … نَفَذَ السِّحْرُ فيه وهوَ الكَلِيمُ وقوله (٣): [من السريع] أَشكر مولانا ونصفيَّتي … بشُكْرِهِ أَكثرُ مِنْ شُكري أَباحَها جَدْوَاهُ مِنْ كُلِّ ما … يشكوهُ مِنْ دَةٌ ومِنْ عَصْرِ كم مرة كادت معَ الماءِ إِذْ … يَغْسِلُها غَسَّالُها تجري أراحها الدهر وطوبى لمن … يُريحه في آخرِ العُمْرِ وقوله (٤): [من الوافر] وعَمِّي قَدْ غَدًا غَمِّي وأَمْسى … يحطُّ ببخلِهِ قَدْرِي وقِدْرِي كأني بي وقدْ رَكَبْتُ ناقًا … على عُبْقَى أَبِي وأَخِيهِ صِهْرِي لأحرث جامع ابن العاصِ فَقْرًا … وكمْ فَقْرِ غَدًا سَبَبًا لفَقْرِي فإِنْ لامَ الجَهولُ أَقولُ: دَعْنِي … أَنا في صنعة في وسط مِصْرِ وقوله (٥): [من المنسرح] حَسْبي حرافًا بحرفتي حَسْبي … أصبحتُ فيها معذَّبَ القَلْبِ مُوَسَّخُ الثوب والصحيفة مِنْ … طُولِ اكتسابي ذَنْبًا بلا كَسْبِ أعمل في اللحم للعشاء ولا … أنال منه العشا فما ذَنْبي

стр. 6445

خلا فؤادي ولي فَمٌ وَسِخٌ … كأَنَّني في جَزَارَتي كَلْبي وقوله (١): [من الخفيف] لا تَلُمْني يا سيدي شَرَفَ الد … ين إذا ما رأيتني قصابا كيف لا أشكر الجزارة ما عِشْـ … ـتُ حِفاظًا وأرفض الآدابا وبها صارت الكلاب ترجي … ني وبالشَّعْرِ صِرْتُ أرجو الكلابا وقوله (٢): [من الطويل] طلبت من الكتان فصًا فجاد لي الـ … وجيه بوعد عوض المَنَّ بِالمَينِ مَتى جئتُه يدعو عليه لسانه … إذا قلتُ أَينَ الفص قال على عيني وقوله (٣): [من المتقارب] أمولاي ما من طباعي الخُرُوجُ … ولكن تعلمتُهُ بالخُمُولِ وصِرْتُ أروم لديك الغِنَى … فيُخرجني الضرب عند الدخول وقوله (٤): [من الخفيف] أدركوني فَبِي مِنَ البَرْدِ هَمَّ … ليسَ يُنسى وفي حشاي التهاب كلّما أَزْرَقَ لون جسمي مِنَ البر … د تخيلتُ أَنَّهُ سنجاب وقوله (٥): [من الكامل] والكامل الملك ارتضاك لعزمة … أغنتُهُ عَنْ سُمْرٍ وبِيْضِ صَوَارِمِ فاجمع شمل الفخار فإنما … بمحمد كمل الفخار لها شم وقوله (٦): [من الوافر] كَتَبْتَ لنا بذاك البِرِّ بُرًا … وقصدًا في الثناء وفي الثواب فكدَّرَ صَفْوَهُ الكيَّالُ حتى … بقينا منه في أمرٍ عُجاب وجدناه عتيقًا وأرتضينا … به إذ عاد وهو أبو تُرَابِ وقوله (٧): [من الكامل] سر القلوب تذيعه الأجفان … هيهات ينفعُ مُغرمًا كتمان

стр. 6446

طَرْفُ المُحِبِّ فَمُ يُذاعُ بِهِ الجَوَى … والدمعُ إِنْ صَمَتَ اللسان لسان يا سائلي عما يكابد مُهْجَتي … إعراب نفسي بالدموع عيان تبكي الجُفُونُ على الكرى فأعجب لمن … تبكي عليه إذا نأى الأوطان وقوله (١): [من الطويل] أيا شرف الدين الذي فيضُ جُودِهِ … براحتِهِ قَدْ أَخْجَلَ الغَيْثَ والبحرا لئنْ أَمْحَلَتْ أَرضُ الكِنانة إنني … لأرجو لها مِنْ سُحْبِ راحتِكَ القَطرا وقوله (٢): [من الطويل] سَقَى اللهُ أَكناف الكنافة بالقَطْرِ … وجادَ عليها سكرًا دائم الدَّر وتبًا لأوقاتِ المُخَلَّلِ إِنَّها تمرُّ بلا … نفع وتُحسَبُ مِنْ عُمْري أهيم غرامًا كلّما ذُكِرَ الحِمى … وليس الحمى إلا القطارة السعر وأشتاقُ إِنْ هَبَّتْ نسيمُ قَطَائِفِ … السَّحُورِ سُحَيرًا وهي عاطرةُ النَّشْرِ ولي زوجة إن تشتهي قاهريةً … أقولُ لها ما القاهرية في مصر وقوله (٣): [من السريع] مولاي عز الدين يا مَنْ غَدًا … وهو عظيمُ القَدْرِ والقُدْرَة لقد مضى أكثرُ صَوْمي وما ذُقْتُ … مِنَ القطر ولا قَطْرَه وقوله: ولا تَسَلْ عَنْ حالتي في هَوَى … عِلْقٍ يُريني كلَّ ما أَكْرَه قد اشتهرت الآن في أَمرِهِ … وصِرْتُ في الدنيا به شهره يقولُ إذْ أَشكو له زَفْرَتي … لابدّ للجزارِ مِنْ زَفْرَه وقوله (٤): [من الطويل] وأهيف يحكي الغُصْنَ لِيْنُ قَوَامِهِ … وتَفْعَلُ أَفعال الشَّمُولِ شَمائِلُهْ يَلِينُ إِلى أَنْ يجرح الوهم جسمه … وتغرقُ في ماء النعيم غلائلة إذا ما بدا في شَعْرِهِ مِنْ ذَوَائِبِ … رَأيتُ غَزَالًا لم تُرِعْهُ حبائله وسدَّدَ مِنْ عِطْفَيهِ لَدْنا مُثقفًا … وناظِرُهُ الفَتَّانُ بِالسِّحْرِ عَامِلُهْ رَمَانِي فَأَصْمي نَبْلُ عينيهِ مُقلَتي … فرّقوا لِصَبٌ قَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ أرجو حياة عندما ماسَ أَوْ رَنَا … ورامِحُهُ يَسْطُو عليَّ ونابِلُهْ

стр. 6447

وقوله (١): [من مجزوء الكامل] أصبحت في أمري ولا … أَشْكُو لغير الله حائر ولَكُمْ يُذَكِّرُنِي الشّتا … ء بأمره ولكمْ أُكاسر واللحم يقبحُ أَنْ أعو … دَ لبيعِه والشعر بائر ياليتني لا كنتُ جَز … زَارًا ولا أصبحت شاعر وقوله (٢): [من الكامل] ماضي العزيمة منصف الأمداح في … نادي نداه وتظلم الأموال دع ما سواه ومَنْ سِوَاهُ وسِرْ لَهُ … إنْ كنتَ تدري العزّ كيف يُنال حَسْبُ الموالي والمعادي عنده … يأس على طولِ المَدَى وَنَوَالُ حَبْرٌ إذا هَنَّ اليراع بنانه … شاهدت منه السِّحْرَ وَهُوَ حَلَالُ خطًا ولفظًا راق ذاكَ وَرَقَّ ذا … كالماء [إذ] مُزِجَتْ بِهِ الجِرْيالُ وقوله (٣): [من الطويل] أقول لسفر يمموا قِبْلَةَ النَّدى … عليكم إذا بالقَصْرِ فَالقَصْرُ أَفْضَلُ وقوله (٤): [من الطويل] تلذ لي [الآمال] عجزًا وإنما … الدُّ مِنَ الآمال عندي بلوغها وقوله (٥): [من البسيط] وما تراقصت الأعضاء في كَبِدِي … إلا وقد صَفَّقَتْ بالبَرْدِ أَنيابي وقوله (٦): [من الخفيف] فاق جُودًا وسطوة وذكاء … وصف مَعْنٍ وعَنْتَرٍ وإياس دو سيوف يوم النِّزَالِ كورد … جناب يوم النَّوَالِ كاسي وقوله (٧): [من الخفيف] ونهار الشتاءِ أَطْوَلُ عندي … من نهار الصيام في شهر آب إذْ تَرَى سائر المَفاصِلِ مِنِّي … راقصات إِذْ صَفَقَتْ أَنيابي

стр. 6448

وقوله (١): [من السريع] فخاطب السلطان فيَّ مَرَّةً … واحدةً من قبل تلقى السفرا فهو أبو بكرٍ وأَرْجُو أَنَّهُ … في كلِّ أَمْرٍ لَمْ يُخالف عُمَرا وقوله (٢): [من البسيط] كم تأسفت ولكن لم يقدْ أَسَفِي … كما حَذِرْتُ وما أَغناني الحَذَرُ بكيتُ إذ قيل لي: في عينِهِ أَثرلا … فكيف حالي ولا عين ولا أَثَرُ (٢): ومنهم: [٥٥٢] الشرف النساج بن غنوم الإسكندري الذي لا يُعرف مثل حسن تفاضله، ولا يحكي المحدر منها بديع عسله ولا تفاخر برقمه، إلا من لحن بحجمه، وحسن تصنيع البحر وخلجه، ونشر من حُلَلِهِ ما يفوق بمقصوره، ويخلط مسكه بكافوره، ويبدع في طريقته ويجيء بفاخر البر الاسكندري على حقيقته. وقد أورد له ابن سعيد في المرقص قوله (٣): [من السريع] لا غرو الأعينُ قَدْ رَقْرَقَتْ … دُمُوعُها عِنْدَ وَدَاعَ السَّفَرْ فالنُّورُ قَدْ أَصبحَ مُستعبرًا … وليسَ إِلا لَوَدَاعِ السَّحَرْ ومنهم: [٥٥٣] علي بن عمر بن قزل، أبو الحسن سيف الدين المُشِدّ (٤)، قريب الأمير الكبير جمال الدين أبي الفتح موسى يغمور. أصبح به عليًا وأصح به حظه، وكان أبيًا فراع الأعداء سيفه المهزوز، وغدا

стр. 6449

المعتدين رمت حتى حبابه المركوز، وسعد بقرابته سعادة سحبت مطارفها، والسحب في آثارها، والشهب وراءها لا ينهض من عثارها، والرياح تجهد أن تدرك أثرها ولا تلحق، والرتب لا تجيء إلا دونها وكأنها هامش أو ملحق. ولد بمصر ونشأ بالشام ودنا من الملك الناصر بن العزيز دنوا من رتبة صدره، وعلوًا لرتبة قدره، ومرجوًا لولا ابن يغمور، لما أعشبت أرضه الممحل، ولا سعد جَدُّه المقبل، بل بجناحه طار، ثم ما وقع وطال فجاء السهم الراشق بعده، وهو تبع، وجعله الناصر على الدواوين شادًا ولثغر ما عليه من الكلف سادًا، فساس الأمور، وسار زمانه في نهار لا يغشاه ديجور، ومال إلى الأديب بمآربه وروى من نُطف مشاربه، وقدح ببرق مهسه زناد سحائبه، وأتى به في يد جانبه حين أعرض ونأى بجنبه، وكان زير نساء لا يزال يغشاهن ويعشو إلى نار خدودهن ولا يخشاهن ويعلق بالأهيف يناظر قده، ويتأثر بالنظر خده، ولا يزال بين حبيبة وحبيب، ولا يبرح يقرن بريحان الشباب ياسمين المشيب، بين خود لا يرفع فمه من فمها، ولا يروي عطش مقلتيه من نهر معصمها، وأغيد لا يؤلمه من جفنه جرح قاضب، ولا يمل معه من حال عليه نواصب، بخلائق دمها وحقائق صبًا في روح السحر نفثها. ومن لطائف نظمه التي حكت الصهباء إلا رفتها. وقوله (١): [من الكامل] وإذا نظرت إلى اللحاظ … وجدتها مثل السهام ورِشْقُها الإيماء بَدْرٌ جعلتُ القلب أَخْبِيَةٌ لهُ … كيلا يَراهُ رَقِيبُهُ العَوَّاءُ في نَمْلِ عارضِهِ ونُورِ جبينه … يتنافس الأحزاب والشعراء فبخده الزاهي يهيمُ صَبَابَةً … وبِصِدِّهِ يتغزلُ الوَأوَاءُ وقوله (٢): [من الكامل] ولقد شربت مع الحبيبِ مُدامَةً … عَذْراءَ إِلا أَنَّها شَمْطاءُ والروض بين تكبر وتواضع … نَضَحَ القضيب بهِ وخَرَّ الماء وقوله (٣): [من الخفيف]

стр. 6450

إن تَرَقَّى إلى المعالي أولو الفضـ … ـل وساخت تحت الثرى السُّفهاء فَحَبَابُ المُدام يعلو على الكأسِ … مَحَلًا وترسب الأقذاء وقوله (١): [من البسيط] لم أنس بالجامع المعمور حينَ بَدَتْ … فِيهِ القناديل في نُورٍ وأَضواء كأَنَّها وعيونُ الشَّمْعِ يرمقها … لَمعُ الكواكب في صافٍ مِنَ الماءِ وقوله (٢): [من الخفيف] خُذ بِحَقِّي من دمه البُرَحاءِ … وأَقْضِ لي في الهَوَى بحُسنِ الوفاء خرجت أدمعي شهودَ جُفُونٍ … قد فتنها يوم النَّوَى بالبكاء شهدت لوعتي بأنَّ فؤادي … يومَ بانوا مِنْ جُمْلَةِ الشُّهداء كم تقاضيت سلوةً مِنْ فؤادي … وغَرَامي مِنْ أَمْطَلِ الغُرَمَاءِ وقوله (٣): [من مخلع البسيط] باكر كؤوس المُدام واشرب … واسْتَجْل وجه الحبيب وأطرب ولا تخف للهموم داءً … فهو دواء لهُ مُجَرَّب والليلُ دَبَّ الصباحُ فِيهِ … كَأَنَّهُ عنبر تَعَشَبْ والبدر بين النجوم يسري … من جانبيه البروقُ خُلَّبْ كأَنَّهُ الناصر المُرَجى … وحولَهُ المُرهَفاتُ تُجْذَبْ وقوله (٤): [من مجزوء الكامل] سَمْحٌ يجود بما يريـ … ـدُ على الأماني والمطالب لا تعجبوا لعطائِهِ … فالبحر يأتي بالعجائب وقوله (٥): [من الطويل] أيا ملكًا قد عظم اللهُ قَدْرَهُ … وحوَّلَهُ ما يُرتَجَى مِنْ مَطَالب أتي رَجَبٌ فردًا كمثلِكَ في الوَرَى … فلا غَرْو إن وافي لنا بالرغائب وقوله (٦): [من الطويل] وليلة وافاني خيال مُعَذِّبِي … فأَفنَيتُها حتى الصباح عتابا وما لاح ضوء الفجرِ مِنْ غَسَقِ الدُّجَى … ولكنَّ عُمْرَ الليل طالَ فَشَابًا

стр. 6451

وقوله (١): [من الطويل] كأَنَّ دُخانَ العُودِ والنَّدِ بيت … وأقداحنا ليلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ ولاحت لنا شمس العُقارِ فمزَّقَتْ … دُجى الليل حتى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهُ وقوله (٢): [من مجزوء الكامل] ومليحة خَضَبَتْ أناملها … حُمْرًا كما العُنَّابُ والرُّطَب فتعلمت منها ملابسها … فجميعُها أَطرافُها ذَهَبُ وقوله (٣): [من الوافر] ولما زار من أهواه ليلًا … وخفْنا أَنْ يُلِمَّ بنا مُرَاقِبْ تعانقنا لا خيفة فصرنا … كأَنَّا واحد في عقد حاسب وقوله (٤): [من مجزوء الرجز] ثمارها في غرس … تلهو به وتلعب تُفَاحُها مُخَضَّبٌ … وتِينُها مُكتب وقوله (٥): [من الرمل] بنتُ كَرْم جُلِيَتْ ما بيننا … تتهادى في عُقود الحَبَبِ فكأَنَّ الْمَاءَ إذا مازَجها … فِضَّةٌ قَدْ مُوهَتْ بِالذَّهَبُ وقوله (٦): [من الخفيف] وفتاة من الغواني الكِعابِ … أَقبلت في مُعَصْفَرَاتِ الثَّيابِ تتغنى على الرباب في وجنتيها … شمس دَجْنٍ يصوغ قوسَ سَحَابِ واصلتني فبت في طيبِ عَيْشٍ … أَتغنى بزينب والرباب وقوله في أعور مأبون (٧): [من المديد] وقليل العقلِ والأَدبِ … عُجْبُهُ في غاية العَجَبِ أعور في سُرْمِهِ شَبَقٌ … علّةٌ في الرأس والذنب وقوله في شمعة كافورية (٨): [من مخلع البسيط] بيضاء كالشادِنِ الرَّبِيبِ … ومثلُ غُصْنٍ على كَثِيبٍ كأَنَّما ريقها سلافٌ … جَرى على لؤلؤ رطيب

стр. 6452

ما جُلِيَتْ في الظَّلامِ إِلا … أَرَتْكَ شمسًا على قضيب وقوله (١): [من السريع] وغادة أسقمني هَجْرُها … لما رأتني في الهَوَى أَشْيبا فقلتُ خَلّي عنكِ هذا الجَفَا … فأطيب العنبر ما أَعْشَبا وقوله (٢): [من الكامل] يامُطربًا أَغْنَى النديم غِناؤُهُ … عَنْ طِيْبِ مشموم وعن مشروب سيب إذا اعسا متغزلًا … إِنَّ الغِناءَ يطيب بالتَّشْبِيبِ وقوله (٣): [من مجزوء الكامل] زعم الأوائل أن ما … تبدو الذوائب للكواكب وتوهموا الفَلَكَ المُعَظَّمَ … أَظْلَسًا ما فيه ثاقب أتراهم لم ينظروا … ما في الزمان مِنَ العَجائب كم من هلال قدْ بَدًا … في أطلس وله ذَوَائِب وله مما كتب به إلى الشريف شهاب الدين بن ثعلب ومعه نسب (٤): [من البسيط] أمسى الشريف شهاب الدين ذا طَرَب … بكلِّ خَوْدٍ رَدَاحٍ زَانَهَا الطَّرَبُ فلا تلوموه في إيثاره نَسَبًا … فهل رأيتم شريفًا ماله نَسَبُ (٤): [من البسيط] وقوله (٥): [من السريع] يا جِيرَتي جُرْتُمْ ولم تعدلوا … في صدكم عني وفي عَتْبكُمْ لا تتركوا قلبي رَهْنَ الأَسى … فإِنَّهُ وقف على حُبِّكُمْ وقوله (٦): [من السريع] لئن تفارقنا ولم نجتمع … وزادت الفُرْقَةُ عَنْ وقتِها فهَذِهِ العَينانِ مَعْ قُرْبِها … لا تنظر العين إلى أختها وقوله (٧) في المراكب البحرية: [من الخفيف] والشَّوَاني مثل العقارب في الرمـ … ـل تَثَنِّي تَشَنِّيَ الحَيَّاتِ مشبهات الغربان سودًا تَرَاها .... بقلوع تفوقُ شُهْبَ البُزَاةِ فهي مثل السهام في سُرْعَةِ السبـ … ـيقِ ومثل الرماح في الطعناتِ

стр. 6453

وقوله (١): [من مجزوء الرجز] أحباب قلبي دُمْتُمُ … في نعمة وراحة أقصى مُرادي في الهَوَى … بأن يحلوا ساحتي وراحتي في قَدَح … أنظره في راحي وقوله مما كتب إلى النور الأسعردي به (٢): [من السريع] يا مَنْ سَبى الأحزاب أبياتهُ … حِكْمَة لقمان بتلك البيوت أنتَ هو النور بلا مِرْيَةٍ … والشُّعراء النَّمْلُ والعنكبوت وقوله (٣): [من السريع] يا رُبَّ يوم طالَ مَعْ طِيبِهِ … نهارُهُ لا تنقضي غايته آيتُهُ مُـ مُبصرَةٌ لم يزل … وليله قد مُحيَتْ آيته وقوله (٤): [من السريع] دجاجة صفراءُ مِنْ شَحْمِهَا … حَمراء كالوَرْدِ مِنَ الوَهج كأَنَّها والجَمْرُ مِنْ تحتِها … أَتْرُجَّةٌ مِنْ فوق نارنج وقوله (٥): [من السريع] وفي السكر دان وفي ضِمْنِهِ … مُطَجَّناتُ مِنْ دَرَارِيج كأنه بدر وقدْ رُصِّعَتْ … تُرَيّا مِنْ سَكاريج وقوله (٦): [من الطويل] أيا بدر تم في غُصْنِ بانةٍ … لهُ ليلُ شَعر تحت وجهيه صبح فَدَتْكَ الظبي والبيض لحظًا وقامة … لأجلك أحد السيف واعتُقِلَ الرُّمْحُ وقوله (٧): [من البسيط] الله يوم شربناها مُشَعْشَعَةٌ … مِنْ عهد آدم كانت فهي تاريخ أهدت إلينا سرورًا مِنْ لطافتها … فأصبحَ الهم عنا وهو منسوخ كأنها في يد الساقي المُدِيرِ لها … بدر تقدَّمها في الجَوِّ مِرِّيخ وقوله (٨): [من الوافر] أدار منا لحوم الصَّيدِ يومًا … رميناها على بُعدِ الفَرَاسِخُ بِمَعْنِي المَطَاصُلْبِ التَّثَنِّي … تعالى فرعه عن كُلِّ شامخ

стр. 6454

كأَنَّ سهامنا ودمَ الرَّمايا … على أطرافها أقلام ناسخ وقوله (١): [من السريع] لا تلم الديوان انفعه … ولست تدري قلم النّسْخ وصِرْتَ بِالمُخلص تُدْعَى هِجًا … بينَ الوَرَى لكن بلا مُخ وقوله (٢): [من البسيط] نادمته وثغور البرق باسمة … والغَيْثُ ينزلُ مُنحَلًا ومُنعقدا كأَنَّ خَلْقَ حياء الله ساكنها … أَهدَتْ إلى الغَوْرِ مِنْ أَنهَارِها مَدَدا فأسترسل الجو مُنْهَلًا يزيد على … ثورٍ ويعقد محلول الثَّرَى بُرُدَا أَوْ أَنَّهُ مِنْ أيادي الناصر اغترفتْ … كَفَّاهُ بحرًا ففاضت لؤلؤًا بَدَدَا الغافر الذنب والمعروف نائلُهُ … أَنْدى السلاطين وجهًا مُشرِقًا ويَدَا وقوله (٣): [من السريع] لعبتُ بالشطرنج مَعْ شَادِنٍ … وشَاتُهُ الأَغصانُ مِنْ قَدِّهِ أَحُلُّ عَقْدَ البَنْدِ مِنْ خَصْرِهِ … وأَلثم الشامتِ مِنْ خَدِّهِ وقوله في غلام أرمد (٤): [من السريع] قد أفحم الوأواءَ صُدْعٌ له … والخد أَرْدَى بالأبوردي وشَعْرُهُ الطائلُ في حُسْنِهِ … طال على النابغة الجَعْدِي وقوله (٥): [من مجزوء الرمل] عُدْتُ فيهِ جاهلي الـ … حُبِّ مِنْ غيرِ تَعَدِّي لحظ عيني عبدُ شَمْسٍ … وفؤادي عدُ وُد وقوله: [من البسيط] وللدموع أحاديث مسلسلةٌ … أَتى بها من طريق الدمع والسَّهَد وعَنْ فُؤادي حكى فرط الضَّنَى خَبَرًا … قَدْ أَخرجتْهُ رُواةُ السُّقْمِ عَنْ جسدي وقوله مما كتبه إلى من اسمه محمود (٦): [من المنسرح] يا فاضلًا خاطري وخاطرُهُ … في وُدِّهِ شاهد ومشهود إن غبتَ عَنَّا وإِنْ مَرَرْتَ بنا … فأنتَ في الحالين محمود وقوله في الميل وهو غاية في اللغز (٧): [من الطويل]

стр. 6455

وأهيف لدن القَدِّ إنْ زِدْتَ ثانيًا … على أَوَّلٍ مِنهُ تَعَرَّضَ للصَّدِّ يغيبُ عَنِ الإنسانِ ساعةَ قُرْبِهِ … ويبدو [قريبًا] للعيون على بُعْدِ وقوله (١): [من الوافر] فولُّوا لايذين بكلّ فَجٍّ … وعادوا عائذين بكل وادي وقدْ سَلَقَتْهُمُ لما التقينا … قَوَاضِبُنا بألسنةٍ حِدَادِ وقوله (٢): [من المتقارب] كأنَّ النجوم نجومَ السَّما … وقدْ لُحْنَ للعينِ مِنْ فَرْطِ بُعْدِ مساميرُ مِنْ فِضَّةٍ سُمِّرَتْ … على وجه لوح مِنَ الآزورد وقوله في عواده (٣): [من المتقارب] وحاضنة صنما ناطقا … ويكرم مثواه مثل الوَلَد تُدَغْدِعُ أحشاءه صالحًا … وتُعركَ آذانَهُ إِنْ تُمَدْ وقوله (٤): [من الخفيف] وَسَقَانِي مِنْ رِيقهِ البَاردِ العَذْبِ … بكُؤوسًا حَوَتْ شَرَابًا طَهُورًا بِقَوَارِيرِ فِضَّةٍ مِنْ ثنايا … قَدَّرُوهَا بلؤْلُؤٍ تَقْدِيرا وغُيوم مِثلَ الجِنانِ فمَا تنـ … ـظر فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهرِيرا نَصَبَ رَوضٌ وَشَيء مِنْ النَّسِيمِ عَلَيْهِ … فانبَرَى سَعيُهُ بِهِ مَشكُورًا أيُّهَا الحَاسِدُ المُفَنَّدُ إِمَّا … إِنْ تَكُنْ شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورا كَيفَ يَجفُو إِلى بِصْرِيهَا الهَمُّ … وإن كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيرا وقوله وقد ركب الملك الناصر، ودار بدمشق وأمر بتعميق خندقها (٥): [من السريع] يا مَلِكَ الدُّنيا وما قدْ حَوَتْ … مِنْ غامر الأرض ومغمورها دمشق أمست بك محروسة … لما تكفلت بتدبيرها وكيف تحتاج إلى خَنْدَقٍ … والبحر قد دار على سورها وقوله في غلام يُباع (٦): [من السريع] يسام للبيع على أَنَّهُ … أَبْهى مِنَ الزُّهْرَةِ والمُشتري

стр. 6456

دمعي لذاك الخالِ في خَدِّهِ … أُرسِلَ للأسود والأحمر وقوله (١): [من الطويل] إذا أشتقت وادي النَّيْرِبَيْنِ لمحته … فأنظر معناها به وهو انصر حوى الشرف الأعلى مِنَ الحُسْنِ … وجهُهُ على أن ميدان العذارين أخضر وقوله (٢): [من البسيط] من آل عيسى يرى بعد تقربه … ولم يخف في دم العُشَّاق أوزارا لأجله أصبح الراووق معتكفًا … على الصليب وشَدَّ الكأس أوتارا وقوله: [من الطويل] يلاعبني بالنرد يومًا شُوَيْدِنٌ … لطيف المعاني مثل ما [قده] رأى الورى تمنيت أني لا أزال بكفّه … طَرِيحًا وثرى لا يزال مستدرا وقوله (٣): [من مخلع البسيط] رشيقة القَد ذُو اعتدال … قدْ كَحَلَتْ طَرْفَها بسحر مقرها في صميم قلبي … ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ﴾ (٤) وقوله (٥): [من البسيط] وافى إلي وكأس الراح في يده … فخلت من لطفه أن النسيم سرى لا يُدْرِكُ الراح معنى من محاسنه … والشمس لا ينبغي أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَا وقوله (٦): [من الكامل] يا حبذا فصل الربيع وطيبه … والروض يزهو في الثرى أزهاره وكَأَنَّ قَوْسَ الغَيْم جَنَّكَ مُذْهَبٌ … وكَأَنَّما صُوبُ الحَيَا أَوْتَارُهُ وقوله (٧): [من السريع] يا مَنْ عِذَارَاهُ وأَصداغُهُ … حدائق همتُ بأزهارها لو لم تكن معداك لي كعبة … لما تعلقت بأستارها وقوله (٨): [من الكامل] لا تجزعن الحادث فلرُبَّما … عُكِس العسير به فصار يسيرا بقميص يوسف نال يعقوب العمى … وبريجه مِنْ بَعْدُ عاد بصيرا

стр. 6457

وقوله (١): [من المتقارب] كأن المياه خلال الرياض … وأعين أزهارها ناضرة سَمَاءٌ يُقَطَّعُ فيها الغَمام … فلاحتْ بها الأنجم الزاهرة وقوله (٢): [من الخفيف] وغزال من اليهود أَتاني … زائرًا مِنْ كنيسةٍ أَوْ كُناسة مَنْ يَرَانَا يظنُّني لنحولي … واصفراري عمامة فوق رأسه وقوله في غلام تركي أهدى له ظبيًا صاده (٣): [من الكامل] أَهْدَى إليكَ مُشاكلًا ومُداعبًا … ما قَدْ هَدَاهُ إليه جودة حِسّه رشا مِنَ الأتراك يقتنص الظبا … ولكلِّ شيءٍ آفةٌ مِنْ جِنْسِهِ وقوله (٤): [من السريع] لولاه ما كانَ لفَرْطِ الأسى … حديث دمعي في الأسى مستفيض تلاعب الشَّعْرِ على رِدْفِهِ … أَوقعَ قلبي في الطويل العريض وقوله: [من المنسرح] سَنُوا غَرامي وأوجبوا سَهَرِي … لَكن شَوْقي إليهمُ فَرَضُوا اسمي علي وكلَّهمْ حَسَنٌ … وبعد هذا دموعي فَرَضوا وقوله في معر كان يحلق (٥): [من السريع] مُعَذِّرٌ باتَ بهِ أُبْنَةٌ … فعاد بعد الخِصْبِ في قَحْطِ ولم يزل مُشترطًا حالقًا … عِذارَهُ جَزْمًا على الشَّرْطِ وقدْ بَدَا الشَّعْرُ على خَدِّهِ … كَأَنَّهُ خَط [على] كَشْطِ وقوله يذكر أرض الطبالة من ضواحي القاهرة والتاج والقرط الذي هو البرسيم (٦): [من الوافر] وفي الطبالة الفيحاء أَرْضُ لها … مِنْ سُندس الريحان بسط وقد كَتَبَ الشقيق بها سُطُورًا … وأَحسنَ شَكَلَها للطَّلِّ نَقْط رياض كالعرائس حين تُجلى … وجوهها تاج وقرط وقوله (٧): [من المجتث] وكيف أَكْتُمُ ما بي … مِنْ لوعة ولوع

стр. 6458

والذارياتُ جُفُوني … والمُرسلاتُ دُموعي وقوله في شمعة كافورية (١): [من الوافر] ولم أَرَ مثل شمعتِنا عَرُوسًا … تَجَلَّتْ في الدُّجَى ما بينَ جَمْعِ نصبناها لخفض العيش حزمًا … فآذَنَ ليلنا مِنها بَرَمعِ كأَنَّ عُقُودَ أَدمعِها عليها … سلاسلُ فِضَّةٍ أَوْ قُضْبُ طَلْعِ وقوله (٢): [من البسيط] لا تهجر الراح يا مَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِهِ … وأَقْصُرْ فَدِيتُكَ عَنْ ذَا التَّيْهِ وَالصَّلَفِ فالراح مثلي إليك الدهرَ شَيْقَةٌ … صُفْرًا فَرَقَتْ مِنَ الهجران والأسف وقوله فيمن صرف عن عمل واعتقل (٣): [من المجتث] لئن صُرِفْتَ وحاشا … إنَّ الدنانير تُصْرَفْ وما اعتقلتَ كَرِيمًا … إلا وأَنْتَ مُقف وقوله يتقاضى البدر يوسف بن لؤلؤ تعبير رؤيا رأها يقصها عليه (٤): [من السريع] وَعَدْتَ في الرؤيا بتعبيرها … فأنجز فعهدي بكَ لَمْ تُخلِفِ وكنتُ فيما رمته ظالمًا … أَنْ أبتغي التأويل من يوسف وقوله (٥): [من المنسرح] شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ غلائلَهُ … فقلتُ: مَهْلًا واكفُفْ عَنِ الباقي غَنَّى وكأس المُدام في يده … قامت حُرُوبُ الهَوَى على ساق وقوله (٦): [من البسيط] حكى العِذار على خَدَّيهِ حِينَ بَدَا … وَشْيَ السَّوادِ على لوح مِنَ الوَرَقِ إنْ كانَ غَطَّى سواد الشعر وجْنَتَهُ … فظلمة الليلِ تَغْشَى حُمْرَةَ الشَّفَقِ وقوله (٧): [من الكامل] إياكم نارًا بمنعرج اللوى … لمستها من قلبي الخَفَّاقِ وحَذَارِ أَنْ تَرِدُوا العُذَيْبَ فَإِنَّهُ … ما فاضَ يوم البين من آماقي وقوله في غلام جرح (٨): [من الرمل] بأبي خَدُّك ذا المجـ … ـروح قد نال خلوقا

стр. 6459

كانَ وَرْدًا فَغَدًا … مِنْ دَمِهِ القاني شقيقا وقوله (١): [من السريع] في كفه راحٌ خَلُوقِيَّةٌ … أَبْدَعَ في صَنْعَتِها الخالق تخفى على الناظرِ مِنْ لُطْفِها … وإنَّما يُدركها الناشِقُ وقوله (٢): [من السريع] قُمْ نصطبحها والدُّجى مُنْقَضِ … والصبح في أول إشراقه فالورد قد فَتَّحَ أَزْرَارَهُ … وَشَمَّرَ النرجس عَنْ سَاقِهِ وقوله (٣): [من مخلع البسيط] بَدًا فغار الهلال منهُ … وافْتَرَّ فاستحيت البروق وقابلتْ خَدَّهُ بخَدٌ … فاعتذرَ الوَرْدُ والشقيق وقوله في بعض الجند (٤): [من الوافر] له طوق وهي نسجًا فأمسى … وليس له بمس الريح طاقة وكبر قد أبادته الليالي … فصار بكل طاق منه طاقة وقوله (٥): [من الخفيف] جَرَحُوا قلبي الأسير لديهم … وأسالوا الدماء من آماقي عجبًا لي وقدْ فَنِيْتُ بُكاءً … وبرغم الدموع أني باقي وقوله في غلام عليه جوشن وخوذة (٦): [من مجزوء الرجز] في لابس الجَوْشَنِ والـ … خُوذة أغض لومك وكُلَّهُ غَضًَا إِنَّهُ … أَشْبَهُ شيء بالسَّمَك وقوله في عوَّادة (٧): [من المتقارب] وعَوَّادَةِ نَقَرَتْ عُوْدَها … فَحَنَّ الفؤاد إلى ذلكا كمرضعة لاعبتْ طِفْلَها … إِذا دَغْدَغَتْهُ ابتدا ضاحكا وقوله في مليحة منقشة (٨): [من الرجز] بَدَتْ عَرُوسًا عَجَنُوا حِنَّائها … بماءِ وَرْدِ لَمْ يَزِلْ مُمسكا للنقشِ في مِعْصَمِهَا حَلَاوَةٌ … لما علًا مِنْ فَوْقِهِ مُشَبَّكا

стр. 6460

وقوله (١): [من البسيط] لا تسقني الكأس إلا وهيَ مُتْرَعَةٌ … لكي تَرَى حُسْنَ أَقوالي وأفعالي وما أعربد في الدنيا على أَحَدٍ … إِذا سَكِرْتُ بها إلا على مالي وقوله في رجل كان يصبغ لحيته (٢): [من الوافر] أَلا قُلْ للمكين ولا تُبالي … وعنّفْهُ فَدَيتُكَ في المقال تجيء بلحية من بعدِ أُخْرَى … كَأَنَّكَ بعضُ صُنَّاعِ الخَيالِ وقوله (٣): [من الطويل] وقد نَسَجَتْ أيدي الربيع مَطَارِفًا … مِنَ الزهر في ليل بهِ الزَّهْرُ يَعْزِلُ تبسم ثغر الأقحوان بروضَةٍ … بها الغَيْثُ يبكي والنَّسِيمُ يُوَلُّولُ وقوله (٤): [من الوافر] أَساوِدُ شَعْرِهِ لَسَعَتْ فؤادي … وأمستْ بين أحشائي تجول كأَن الشَّعْرَ يطلبُني بدين … فكم يجفو علي ويستطيل وقوله (٥): [من السريع] لئن تمسكت بيحيى رشًا … تقبيلُهُ فَرْضٌ على الواله فالعروة الوُثْقَى بأصداغِهِ … والحَجَرُ الأسود في خاله وقوله (٦): [من مجزوء الرجز] وفاحَ مِسْكِيُّ الصَّبَا … واكتستِ الأَرضُ حُلَل وللطيور إذ إذ رأتْ … مُوَشَّحَ الأَرْضِ زَجَلْ وقوله؛ وهو بتل العجول في البيكار الناصري (٧): [من الخفيف] ربِّ إما دمشق تُفْرِجُ هَمِّي … أَوْ إلى مصر فهي تشفي غليلي ومِنَ المِحْنَةِ التي نحنُ فيها … حَرُّ تموز آب في أيلول وقوله (٨): [من البسيط] هلْ شُوهِدَتْ عَبَرَاتِي غَيرَ طافحة … وهلْ جُفُوني بغيرِ السُّهْدِ تكتحل أبكي فترثي لي الأطلال راحِمَةً … وارحمتاه لمن يرثي له الطللُ

стр. 6461

وقوله (١): [من مخلع البسيط] لَعِبْتُ بالنَّرْدِ مَعْ رَشِيقٍ … مُهَفْهَفِ لَيْنِ القَوَامِ قال: تمامي، فقلت: صبرًا … ما أحسن البدر في التمام وقوله (٢): [من السريع] إنِّي وإن أصبحت سنيها … أُحِبُّ آلَ المصطفى الهاشمي في حالة السُّخْطِ أَوْ إلى الرضا … واقتدي في الغيط بالكاظم وقوله (٣): [من مجزوء الرمل] أُذِنَ النُّمَرِيُّ فيها … عِنْدَ تهويمِ النُّجُومِ فانْثَنى الغُصنُ يُصلِّي … بتحيات النَّسيمِ وقوله (٤): [من البسيط] ومجلس راقَ مِنْ واشِ يُكدِّرُهُ … ومِنْ رَقِيب له في اللوم إيلام ما فيهِ مِنْ ساع سوى الساقي … وليس فيه سوى الريحان نَمَّامُ وقوله (٥): [من الوافر] أَلا قُمْ نَجْتَلِيها يا نديمي … مُدامًا خير ما تهدي الكُرُومُ صَفَتْ حتى بَدَا كَرُّ الليالي … ورَقَتْ أَوْ جَفَا عنها النسيم وقوله (٦): [من السريع] لا تحسَبُوا غَمْضِيَ مِنْ سَلْوَةٍ … عنكمْ وأَنَّ الطيف يغشاني وإنما نومي لما قد قضى … دَفَنْتُهُ ما بين أجفاني وقوله (٧): [من الطويل] ولما بدا في بغلطاق مقندس … غَزَالٌ حَكَى ضوء الهلالِ جَبِيْنَهُ تَوَهَّمْتُهُ إنسانَ عَيْنِي أُطبقت … عليهِ جُفُوني فرحةً لتصونَهُ وقوله (٨): [من مخلع البسيط] جرى على الركب دمع عيني … يوم استقلوا بعين عيني وفاض حتى خشيتُ منهُ … يَحُولُ ما بينهم وبيني

стр. 6462

وقوله (١): [من السريع] وغادة أعشق من عشقها … بدر الدجى والظبي والخيزران لأن ذا شبها بها بهجة … وذلك اللحظ وهذا بنان وقوله (٢): [من الطويل] ولما تبدا في الخليج وقد صفت … دوائره والموج يبدي فنونه توهمته بدرا جرى في مجرة … أحاطت بها الهالات والسحب دونه وقوله (٣): [من الوافر] كلفت بحبه فالجسم مضنى … ودمعي مطلق والقلب عاني ولم أحزن على كلفي لأني … أمنت من الوشاة بأن تراني وقوله (٤): [من الهزج] بليد قط لا يفهـ … ـم ما يفهم إنسان وإن قيل: له سمع … فللحيوان آذان وقوله (٥): [من البسيط] رحلت عنكم بلا سمع ولا بصر … فكيف أنظر أو أصغي لسلوان دمعي يفيض وأجفاني مؤرقة … فلست أطمع أن الطيف يغشاني ومنهم: [٥٥٤] أبو الحسن العرضي (٦) سفحت سحبه الصيبة، ونفحت من طيبه عرف خزاماه الطيبة، وجاءت صباه تهب على طرر الشيح، ويصقل غرر الزهر خوافق الريح، إلا أن مصر هي داره التي لم يرد بها بدلا، ولم يروض غير نيلها بللا وبها تأدب وعرف، ونفق ديناره الرابح حتى صرف. وأنشد ابن سعيد في المرقص قوله (٧): [من الوافر] ألا الله في نهر بطاح … يحض على الشجاعة من رآه

стр. 6463

تلاعب بالحَبَابِ بهِ فِرندٌ … فأُدْمي بالشَّقائق جانِباه ومنهم: [٥٥٥] أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك، أبو العباس، الأمير شهاب الدين (١) متولي الغربية مؤلّف الدر النظيم، ومشرق قدر والده العظيم، ظهر منه عجيب، وولد منه نجيب النجيب. إن عُدَّ مع ابن حمدان كان له أسوة أو عدل قلبه بأن الحجر كان مثله أو أشد قسوة، أو أتى ببدائع ابن وشمكير فلا نكير، أو زاد على كيل الميكالي فمنه لا كثير، وكان له على رقة شمائل نسيبه، ووفور ما أحرز له الأدب من نصيبه ذا سطًا يسبق العذل فيه سيفه ويؤمن به الجور فلا هو ولا طيفه حتى تجاوز الحد ولم يبق معه للص في صعبه يد. قلت: وحدثني صلاح الدين يوسف بن عبد الله عمن لحقه من كتاب الدولة الظاهرية. قال: كان شهاب الدين بن يغمور ذا مكانة من الملك الظاهر، وكان يكتب إليه المملوك، وهو في ولاية الغربية، وإذا قدم عليه بالغ في إكرامه وأجلسه مع أكابر الأمراء. قال: وكتب إليه ببليك الخازندار كتابًا غاظه فبعث به إلى الملك الظاهر، فطلب ببليك الخزندار، وأنكر عليه، وبقي شهرًا لا يكلِّمه على مكانة الخزندار منه. ومن شعره قوله: [من مخلع البسيط] خَطْبٌ أَتى مُسرِعًا فَأدنى … أصبحَ جسمي بهِ جُذاذا خَصَّصَ قلبي وعم غيري … ياليتني مت قبل هذا وقوله في نحوي مليح (٢): [من الخفيف] ومليح بعلم النحو يحكي … مشكلات له بلفظ وجيز ما تميّزتُ حسنَهُ قَطُّ إِلاّ … قامَ أَيري نَصْبًا على التمييز وقوله في مليح عنبري: [من الطويل]

стр. 6464

تحكم في الألباب حتى رأيتُهُ … يُنَظِّمُ حَبَّاتِ القُلُوبِ قلائدا تملك قلبي عنبري كأَنَّما … أَتانا مِنَ الولدان إن جاء رائدا وقوله (١): [من الكامل] قال العواذلُ إِنَّ مَنْ أَحببتَهُ … قَدْ شَابَهُ كَيٌّ أَلَمَّ بِزَندِهِ فَأَجِبْتُ: قلبي في يديه وإنما … طارت عليه شرارةٌ مِنْ وقدِهِ وقوله في مليح يمد شريط ذهب: [من الطويل] وبي شادن كالبدر والظَّبْي بَهْجَةً … وحيدًا بقلبي نارُهُ وَهوَ جَنَّتي مُنَعَّمُ خَدٌ كاللجين بياضُهُ … يمدُّ نُضارًا كاصفراري ورقتي وقوله: [من الطويل] وبي أَهْيَفٌ وافى وفيهِ مَحَاسِنٌ … بَدَتْ وفيها للعيون تهافت مشى في ضياء البدر كالبدرِ وجهُهُ … وبينَهما للناظرين تفاوت واعجب ما شاهدتهُ فِيهِ أَنَّهُ … يُكَلِّمُ قلبي طَرْفُهُ وهو ساكت وكان الملك الظاهر بيبرس قد بعث سنجر الدواداري كاشفًا للوجه البحري؛ فلما اجتاز به بالبلاد الغربية، لم يأته، فكتب إليه: [من الخفيف] إِنْ صَدَدْتُمْ عَنْ منزلي فلكُمْ في … هِ ثناءُ كَنَشْرِ روضِ بَهِي أَوْ وَرَدْتُمْ فللمُحِبِّ الذي مِنْ … آلِ مُوسى في الجانب الغربي وأهدى إلى ببليك الخزندار الظاهري شاهينًا بدريًا وقع عنده في أول الوقت، وكتب إليه: [من الكامل] يا سيّد الأمراء يا مَنْ قَدْ غَدًا … وجه الزمانِ به جميلًا ضاحكا وافى لك الشاهين قبلَ أَوَانِهِ … ليفوز قبلَ الحائمات ببابكا حتى الجوارح قد بَدَتْ بدريَّةً … لما رأَتْ كُلَّ الوجوه كذلِكا ومنهم: [٥٥٦] ابن الخيمي، شهاب الدين، أبو الفضل محمد بن عبد المنعم (٢) قدوة في الطريقة، وأسوة في علم الحقيقة، إلا أن صنعة الأدب أغلب

стр. 6465

فيه، وعلم الشعر أرجح وزينه، ظنَّ ابن إسرائيل أنه سهته فجف لسانًا عند مشهده في الندى، وذهب باطل إسرائيلياته بحقه المحمدي، وذلك في البائية الثانية، له على السماء بيتًا لا يبلغه الحوم، ولا يتمثله الهوم، ولا ينصب له منها بيت إلا وولائد النجوم حوله قيام، وعوائد الغيوم تقول: سُقيت الغيث أيتها الخيام، لقد أعرب لساكنه بيوته الخيمية عن كرم خِيْمِه، وطنب موارد مائها المترقرق لهيمه وجاء منها بما لا يعرف يحمي من نسج، ولا لسائق هودج المخدرة من نهج، وله فائق شعر يحسد النسيم هبوبه، ويتوقد البرق ولا يجيء منه جمرة مشبوبة. وقوله: [من الكامل] روح بذكرِ مَراتع الرَّوْحاءِ … رُوحي التي راحتْ مِنَ البُرَحاءِ لا تكن من حدّ الرقيب لكن إذا … في رؤية الرقباء كالرقباء إنَّ الوصال يزيد شوقي حدة … والهَجْرُ لم يحلل عقود رجائي ويظن لوامي بأني مبتلى … يارب لا تبلو ببعض بلائي وقوله: [من الرمل] ظَنَّ صُحْبي أَنَّ بَرْقَ الجَزْع هاجا … حينَ أَذْكَى رُبى نجد سِرَاجًا ما عَذُولي قط إلا عاشقًا … سَتَرَ الغَيْرَةَ بِالعَدْلِ وَدَاجي نعم الريح كساها جَؤُهُمْ … مِنْ شَذَا طيبهم بُرْدًا وتاجا فأَنْتَ تُبْرِدُ بالبردِ الجَوَى … وسَرَتْ تملأ بالطيب الفجاجا

стр. 6466

تُنْطِقُ الخُرْسَ فما إن خَطَرَتْ … بغصون البان إلا تتناجى وإذا ما جاءت الوادي ضُحًى … طَرِبَ المَنْهَلُ والرَّوْضُ فماجا لمْ يُهيج لي غرامًا لم يكن … إنما كانت لما عندي فراجا إنَّ عندي يا أَهَيْلَ الحَيَّ كم … شغفًا قد مازج الروح امتزاجا وقوله: [من الكامل] الحب معنى دونه الأفهام … فترى علام يلومني اللُّوام ماذا عليهم أنْ أضِلَّ ويهتدوا … ما ضرَّهم أني سهرت وناموا سيَّانَ إِنْ عَدَلُوا وإن لم يعدلوا … نَفَذَ القضاء وجَفْتِ الأقلام وقوله: رَشَأْ تَأَلَّفَ جسمُهُ مِنْ جوهر … دون التمام وذاك فيه تمام وهواه لولا قدهُ وحديثة … لمْ يَثْنِ عِطْفِي بِانَةٌ وَحَمَامُ وقوله في رثاء صغيرة: [من الكامل] إني لأكرهُ أَنْ أَنام فألتقي … بك في الكرى خوف الفراق الثاني ويَلَةٌ لِي سُكْنَى الثَّرَى إذ صِرْتِ سا … كنة به والدار بالسكان أصبحت جارتنا الكريمة إنَّما … لم نحظ منكِ بِزَوْرَةِ الجيران وبعثتِ رُوحَك للجنان فصار لي … من أجل ذا شوقان للأوطان يا صاح إن العين وهي صغيرة … فضلت كبار جوارح الإنسان والقلب يا هذا على صِغَر به … مأوى العلوم ومنزل الرحمان وأبيك إن أحق مفقود بأن … تُحنى الضلوع له على الأحزان ويعز عنه كل محلفة العَزَا … مَنْ لم يُسيء بيد ولا بلسان لم تكتسب إثمًا بجارحة ولم … تملأ لها صَدْرًا مِنَ الأَضغان ولطيفة ظهرت لنا في ألطف … الإشكاكِ بعمر ألطف الأزمان وهذا أسلوب غريب، ومستقى قريب، وكلام سهل يحرك الجماد، ويفيض الشؤون؛ وهكذا الشاعر المجيد لا يتعمق في معاني المراثي، فإن تعمق قربها بسهولة اللفظ ووضوحه ليفهمها كل سامع، ولا يحتجب عن النساء؛ لأنهن أشد رقة وأكثر ندبًا للميت وحزنًا عليه، ولاسيما صغار الأولاد وخصوصًا البنات. وقوله في رثاء: [من الطويل] خليلي هلْ مِنْ عَودَةِ الظَّعْنِ مَطْمَعُ … وهل لبدور غِبْنَ فِي التَّرْبِ مَطْلَعُ وما واحد مما تمنيت عائد … ولكن منى تعليلها ليس ينفع

стр. 6467

أَلَا إِنَّ سَهْمَ الموت لنْ يُخطئ امرءًا … وليس إلى شيءٍ مِنَ الموتِ مَفْزَعُ وما الناس إلا راحل ومشيّع … ولكنَّهُ عمّا قليل يُشَيَّعُ وإني لأهوى الموتَ مِنْ حيثُ إِنَّهُ … سبيلٌ إِلى لُقيا الأَحِبَّةِ مَهْيَعُ يقولونَ: صبرًا إِذْ جزعتَ لِبَيْنِهِ … ولو لم أكن صَبًّا به كنتُ أجزع أيا صاحبي كُلِّي أَسى لفراقه … فما الاصطباري في يا صاح موضع فا كَبِدِي إِنه كدى فتقطَّعي … وهلْ كبدٌ مِنْ بعدِهِ لا يُصدعُ ويا عين صبرًا أَحْسَنَ اللهُ في الكَرَى … عَزَاكِ كِلانا في الحبيب مُفَجَّعُ وقوله: [من الكامل] وأعد حديثَكَ يا عذول فإنَّ في … أَثناءِ عَذْلِكَ مَا يَسُرُّ سَرَائِرِي وإِذا أُثِبْتُ مِنَ الملام بفاطر … كفَرْتُ مِنْ ذكر الحبيب بغافر وأمرتني بسلوه وبتركه … حاشاك ما أنا طائع يا آمري حَجَرَ الكَرَى عني ونامَ مُهَنًَّا … فلذا أَحِنُّ إلى ليالي حاجر وأَحَبَّ سَفْكَ دمي فما عارضتُهُ … في مُلْكِهِ وأغنته بمحاجري ا مانعي طِيبَ الرُّقادِ بهجرِهِ … كُنْ مَانِعِيْهِ إذا رضيت وهاجري وقوله: [من الرمل] وعَذُولي لج في عَذْلِي إِذْ … لم يَرَ الخال على الخد الأسيل لو رأى وجه حبيبي عاذلي … لتفاضلنا على وجه جميل وقوله: [من الطويل] مت قر قلبي دون قصد فنائه … فلا قر قلبي أَوْهَدَا الوجد لا هدى ضمان على قلبي السُّرَى المُرادِهِ … ولا أرهب الأهوال فيه ولا العدا وقوله: [من الطويل] سكنتم فؤادي مرَّةً ورحلتُمُ … فأصبح منكم خاليًا خالي السِّرِّ وقال لي العُذالُ: هَلْ أَنْتَ راجع … إِذا رَجَعُوا عَنْ عُذْرِهِمْ قلتُ: لَا أَدري وقوله: [من الطويل] وفي الأيل ناجاني النسيم وقال لي: … تحمل رسالات الغرام إلى قلبي رسائل من ذات الرسائلِ تُرْهَتْ … بِلُطفِ شَذَاهَا أَنْ يُمَنَّعُ بالحُجْبِ ألمت بركب نازحينَ فَها أَنا … إلى اليوم أستشفي برائحة الركب وبي من يعز العاشقون بحبِّهِ … فلو ساءَلُ العُزَّالُ قلت لهم: مَنْ بِيَ حبيب إذا أصباك بالحُسنِ غيرُه … فذاك بما قد نالَ مِنْ حُسنِهِ يُصْبِي بَدَا لِي مُحَيَّاهُ فيا خِلُّ خَلْنِي … وسِرْ بي يا سِرْبي ويا طربي طربي إذا أنا داويت اشتياقي بقربِهِ … تُضاعِفُ شوقي نحوه لذةُ القُرْبِ

стр. 6468

وقوله: [من مخلع البسيط] ياربَّ يوم وربَّ ليل … قصَّرَهُ الوَصْلُ والهَناءُ كأَنَّهُ حَاسِدٌ حَكَانًا … فاعتنق الصبح والمساء وقوله: [من البسيط] تَرَادَفَ البين حتى صِرْتُ آلْفَهُ … وطابَ لي فيه ما [قد] طالَ فِي الحَزَنِ ألفت فُرْقَة مألوفي ففُرقَتُهُ … شيءٌ كما حَكَمَتْ عاداتُهُ حَسَنُ ألم يكن فرقة المألوف حاصلها … كيف السبيلُ إِلَى أَنْ يُنصفَ الفَطِنُ هذا لسان غرام ليس يعرفُهُ … إلا فتى غابَ في أحشائِهِ الشَّجَنُ ورق لطفًا فإنْ مرَّت عليهِ صَبًا … مالت فذاك نسيم الصبا غصن لو رقَّ كُلُّ فؤاد مثل رِقَةِ هـ … ـذا القلب ما ساءني العُزَّالُ والزمن وهذه أبيات فيها من المغايرة ما ليس لابن الرومي، وهو الإمام في هذا الباب، ولو لم يكن له منها إلا قوله: «ورق لطفًا» .. البيت، وما جاء فيه من المغايرة، ورد الفرع أصلًا، والأصل فرعًا، لكفاه هذا إلى ما جاور هذا البيت أو كسفه من كل مكان معمى في ذلك، من سهولة اللفظ، ووضوح المعنى، وحسن الصناعة، ولا ينكر هذا الشاعر مثله، وأين هو؟ وقوله (١): [من الخفيف] إِنَّ صُدْغَ الحبيب والفم والعا … رض منه واو وصادٌ ولامُ هي وصل بين المحاسنِ لمَّا … تمَّ حُسنًا وبالعَذَابِ التَّمام غير أني أَرَاهُ وَصْلَ ودَاعِ … فِيهِ يُقضَى فراقنا والسلام وقوله: [من الخفيف] أعين العلنيات مُدْبانَ عَيْشِي … بانَ منها الصدود والإعراض ظَهَرَتْ شمسُ الشَّيبِ والشمس تأبَى … أَنْ تَرى ضوءها العُيونُ المِرَاض تأمل هذه الكلمة الباهرة والحكم الظاهرة، والمعنى الصحيح الذي تُصدِّقه الظنون، وتحققه العيون. وقوله: [من الكامل] أهلًا وسهلًا بالمشيب ومَرْحَبًا … لو لم يكنْ عُمْرُ الشباب قصيرا شا شيب تُنكرُ مُنْكَرًا مِنْ صَبْوَتِي … فَعَلامَ تجلب مُنْكَرًا وَنَكِيرا وقوله (٢): [من الكامل] ا طالبًا للعزّ هاك نصيحتي … لَفْظًا على المعنى البسيط وَجِيزا

стр. 6469

ما الذُّلُّ إلا في مطاوعةِ الهَوَى … فإذا عَصَيْتَ هَوَاكَ كنتَ عزيزا وقوله (١): [من الطويل] رأيتُ بشيبي وهوَ أَصدقُ ناظرِ … أُمورًا بنورِ الشَّيبِ كَانَ ظُهُورُها وقل إبصار عيني كأَنَّما … يُقَسِّمُ بينَ الشَّيبِ والعين نورها وهذا معنى أظنه ما سبق إليه، ونادر لم أقف لأحد عليه. وقوله: [من الكامل] أفدي الذي بهرت محاسنُهُ … فَحَلَتْ محبَّتُهُ مِنَ العَدْلِ لم تبد طلعتُهُ لَدَى نَظَرٍ … إِلا غَدًا كَلِفًا بِهِ مِثْلِي قالوا: جُنِنْتَ بهِ؟ فقلتُ: نَعَمْ … هوَ ساكن في موضعِ القُفلِ حتى إذا ما الحبُّ مَكَّنَهُ … مِنْ بعضي أستولى على كُلِّي وقوله: [من الرمل] أَتُرَى أَرْضَى أُهَيْلَ الأَجرعِ … ما جَرَى في بينهمْ مِنْ أَدْمُعي فأُرَوِّي برضاهُمْ غُلَّتي … وأقوي برجَاهُمْ طَمَعِي يا فروع البان بالله متى … رُفِعَتْ أظعانهم مِنْ لَعْلَع ومتى عهدك بالقلب الذي … سار في إثر الخليط المُزمع ضاع في آثارِهِمْ قلبي فلا … مَعَهُمْ قلبي ولا قلبي مَعِي عادلي عَدْلُكَ مَنْ يسمعُهُ … ولئن كنت سميعًا مَنْ يَعِي ملأوا قلبي وعينيَّ فَمَا … لسواهُمْ فيهما مِنْ مَوْضِعِ وأحاديتهم ما تركت … لسواهُمْ مَوْضِعًا في مَسْمَعي بي هوى يعجزُ رَضْوَى حَمْلَ ما … حَمَلَتْ منهُ حَنَايَا أَضْلُعِي وغرام شَهِد الواشي به … قبل دعواي وغيري يَدَّعِي وقلت في ذلك معارضًا له وقد سئلت: [من الرمل] حدثاني عن عَقِيقِ الأجرع … وابكياه واستعيرا أدمعي يا خليلي بمن عافاكمًا … وابتلاني بالنَّوَى نُوْحَا مَعِي أخبراني أين قلبي إِنَّهُ … بانَ عني دون بان الأجرع وارفقا ثم هلالًا طالعًا … غاب عنِّي وثوي في مضجعي واذكرا لي رَمْلَةً من حاجرٍ … وَكَثِيبًا باللَّوَى أَوْ لَعْلَع وأَطْلبا لي عَوْدَ أَيَّامٍ مَضَتْ … وأَعيدا ذِكْرَها في مسمعي وأسقيا الجَرْعاءَ جَرْعاء الحمى … إن يحتلم بالحيا من مدمعي

стр. 6470

فعلى عَيْنِيَّ عَهْدُ للبكا … ورسوم في رسُومِ الأَرْبُعِ واقصدا نارًا لليلى بالحمى … والبسوها جَذْوَةً مِنْ أَضلعي ما تركتُم لي منّى في وصلِها … فَدَعُوني في هَوَاهَا أَدَّعِي عدنا إليه. ومنه قوله: [من الكامل] الله أَيامُ الشباب فإنَّها … وَطَنِّ للذات الحياة وموسم ولئن ملكت به الماربُ أَدْمُعِي … مِنْ لُونِ فَوْدَيَّ السوادُ الأَعْظَمُ وقوله (١): [من الوافر] ألام على الخلاعة إذ سَبَاني … وفق خدي ذهبا جميعا ومن ذهبت بِجِدَّتِهِ الليالي … فلا عَجَبٌ إذا أضحى خَليعا وقوله: [من الطويل] رأيتُ على قد مَلِيحٍ ذُؤَبَةٌ … فَعَيْنِي غَرَامًا بالذؤابة تَهْجَعُ وقال لي الواشون: مالك باكيًا … فقلتُ: بعيني شَعْرَةً فهي تَدْمَعُ والله هذا المعنى الجليل الدقيق الذي جاء كأنه كناية اللطف موقعه، وتمكنه في موضعه. وقوله: [من الطويل] بَدَتْ وجَفَيْنا هكذا كُلَّ مَنْ بَدَا … جَفَاءً وظنّتْ هكذا الحُسْنُ والدَّلُّ ومِنْ أَعْجَبِ الأَشياء بادية وما … لها مِنْ قِفارِ البيدِ دار ولا أَهْلُ وانظر إلى حسن هذا التلعب وغرابة هذا التفنن. وقوله في الفانوس (٢): [من الكامل] ومُقَدَّم في القَوْم تُطلب في السُّرَى … آثارُهُ ولَدى المقام جِوَارُهُ وقد ارتدى بُرْدًا تقي منع الهوى … مِنْ أَنْ تشين بظلمة أسراره في الليل بيتُ الشَّعْرِ منزلُهُ بِهِ … مِنْ كلّ ناحيةٍ تُرى أنواره لهداية السارين في غَسَقِ الدُّجَى … وكرامة النزالِ تُوقد ناره ولنفع صاحبِهِ تَرَاهُ عاريًا … يطوي الضلوع على طَوَاهُ نَهارُهُ وقوله في كرسي المصحف (٣): [من المنسرح] وقائم بالكتاب فهو بِهِ … مُستمسك عندَ حَدِّه يَقِفُ يَصْرِفُ وجَهَهُ الذي يُلازِمُهُ … عَنِ اتِّباع الهوى فينصرف

стр. 6471

صحبتُهُ أَرْتَجِي بصحبتِهِ … منفعةً يومَ تُنْشَرُ الصُّحُفُ وقوله في المرآة (١): [من الرمل] وممدودة كبد المحتدى … بكفّ على ساعدٍ مُسْعِدِ يُرَى بعضُها في فَمِي كاللسان … وجُملتُها في يدي كاليد وقوله في الشمعة وأحسن (٢): [من البسيط] وشمعةٍ مَزَّقَتْ ثوب الظلام بما … بَثَّتْ مِنَ النُّورِ في الأرجاء مُتَّسِعا وأحرقت نارها ما مَزَّقَتْ فَتَرَى … بالقط تُخْرِجُهُ مِنْ ظهرها قِطَعَا وقوله (٣): [من المتقارب] إذا ما رمى بسهام القِطَارِ … على هَدَفِ الماء قوسُ الغَمَامِ رأيتَ الفَوَاقِعَ في سَطْحِهِ … رؤوسَ نِصال لتلك السهام وقوله (٤): [من السريع] بالشِّعْبِ مِنْ شَرْقَيْ نَجْدٍ غَزَالٌ … حُلْوُ الجِنايات مليح الدلال هَوَّنَ شكوايَ الهَوَى عندَهُ … ذُلُّ المُحبين وعز الجمال علي [أن] ألقاه وقتًا إذا … ما كان وسنان وجسمي خيال إِنْ مالَ عَنِّي أَوْ إلى وصلتي … غُصْنُ النَّقا مُسْتَحسَنُ كَيفَ مال وحل جرعاء الحمى مَرَّةً … فطابَ تَشْبِيْهُهُمُ بالرمال يا رملة الجَرْ عَاءِ مَرَّتْ لنا … فيكِ لُيَيْلاتُ تَسُودُ اللَّيال وقوله: [من البسيط] قال العَواذِلُ: ما هذا الضَّلالُ بمن … لهوى بعقلك منه المنظرُ النَّضِرُ فقلتُ: إنْ كانَ مغرورًا بطلعتِهِ … فلستُ أوّلَ مَنْ قَدْ غَرَّهُ القمر وقوله في السبحة: [من السريع] وسبحة مسودة لونها … يحكي سواد القلب والناظر كأنني عند اشتغالي بها … أَعدُّ أَيامَكَ يا هاجري وانظر إلى هذا تجده قد تطارف ما شاء. وقوله فيها (٥): [من الكامل] ولقد أَنِسْتُ بسبحةٍ أَمثالُها … أُنس لكلِّ مُسَبِّح ومُمَجِّدِ

стр. 6472

نُظِمَتْ مُلوَّنةً وشُرِّفَ قَدْرَها … فجعلتُها ذُخرًا وعقدًا لليد وقوله: [من السريع] ياطيفَ مَنْ أَهْوَى إذا جِئْتَهُ … فقلْ لَهُ عَنِّي بعد السلام: كان زمان الوصل حلمًا إلى … أنْ أيقظ الهجر جميع النيام وقوله: [من الطويل] تظن فدتك النفس عندي تغيَّرُ … صَدَقْتَ ولكن كيف ذاك التغير. تغيَّرت سقمًا في هواك وإنما … عَنِ الود لا والله ما أتغير وقوله: [من] أبدًا أَحِنُّ إلى مُحَيَّاكَ الذي … يُصْبِي البعيد إليه نور مُشرق وأروم شكوى مُوجِعاتِ الحُبِّ لا … سَخَطًَا بها لكن لعلَّكَ تُشْفِقُ فأرى لساني بالصبابةِ أَخْرَسًا … ولسان حالي بالصبابة ينطق وأفوه باسمك والمسافةُ بينَنا … قُصْوَى فيضحى الجو طيبًا يعبق وقوله يذكر القاضي شمس الدين بن خلكان بكتاب طلب منه فأمر شخصًا يكتب عنه يعرف بالبرهان الحسني بأن يكتبه، والله هو لقد أحسن: [من السريع] مولاي هذا أبن السبيل الذي … رام كتابًا منك بالأمس أحاله المولى بإنعامه الـ … عام على برهانه الحسي وإِنَّهُ نِعْمَ دليل الفتى … لاسيما إن كان كالشمس وقوله: [من الخفيف] أَعذرِ الشَّيْبَ جاءَ قبلَ أَوانِ الشيب … وأسمع يا صاح عند اعتذاري أعجب الشيب طاعتي فأتاني … في ثيابي مُقَبِّلًا لعذاري وقوله: [من السريع] يا صاح يا صاح البدار البدار … فالشرق قد أضحى وصاح الهَزار وقم بنا نحو ابنة الكرم أم … الدهر زوج الماء أُخت النهار ثم أجلها عذراء مِنْ ذاتِهَا … صِيغَتْ حُلاها والحَبَابُ النَّارُ كوجنة الساقي فلا غَرْوَ أَنْ … يخلعَ إِذْ تُجْلى عليها العذار ولا أخافُ النارَ مِنْ شُرْبِها … لأَنَّني أشربها وهي نار وما أَضَعْتُ المال فيها وقد … بعث بها وهي النضار العقار تملأ أعطافي وسمعي بها … سُكْرًا ووقرًا على حديث الوقار فَعَاطِني يا صاح كاساتها … وعاطني واشرب نهارًا جهار دعني بها أقطع ليلي فما … أطوله بعد الليالي القصار

стр. 6473

وأما القصيدة البائية المشهورة، وكان من خبرها ما حدثني به جماعة من أهل (١) الأدب، قالوا: كان ابن الخيمي قد قال هذه القصيدة وهي: [من البسيط] وما طمحت لمرأى أو لمستمع … إلا لمعنى إلى علياك ينتسب يا مطلبًا ليس لي في غيرِهِ أَرَبِّ … إليكَ آلَ التَّقَصِّي وانتهى الطَّلَبُ وما أُرَانِيَ أَهلًا أَنْ تُواصِلَني … حسبي عُلُوًا بأَنِّي فيكَ مُكتئب لكن ينازع شوقي تارةً أدبي … فاطلب الوَصْل لما يضعفُ الأَدَبُ ولستُ أبرح في الحالين ذا قَلَقٍ … نام وشوقٍ لَهُ مِنْ أَضْلُعي لَهَبُ وأدمع كُلّما كفكفتُ أدمُعَهُ … صَوْنًا لذكرك يعصيني وينسكب ويدعي في الهوى دمعي مُقاسمتي … وجُدِي وحُزْنِي وَنَحْرِي وَهُوَ مُختضب كالطَّرْفِ يزعم توحيد الحبيب ولا … يزال في ليله للنجم يرتقب يا صاحبي قدْ عَدِمْتُ المُسْعِدِينَ فسا … عِدْني على وَصَبِي لَا مَسَّكَ الوَصَبُ باللهِ إِنْ جُزْتَ كُنْبانًا بذي سلم … قف بني عليها وقل لي: هذه الكتب ليقضي الخد أجراعِها وَطَرًا … مِنْ تُربها ويُؤَدِّي بعض ما يجب ومل إلى البان [من] شرقي كاظمة … فلي إلى البانِ مِنْ شرقيها طَرَبُ وخُذْ يمينًا لِمَغْنَى يَهْتَدِي بشَذَا … نسيمه الرطب إِنْ ضَلَّتْ بكَ النُّجُبُ حيث الهضاب وبطحاها يُرَوِّضُها … دمعُ المُحبِّينَ لا الأنداد والسُّحُب أكرم به منزلًا تحميه هيبته … عنى وأنواره لا السُّمْرُ والقُضُبُ دعني أعلل نفسًا عزَّ مطلبها … فيه وقلبًا لعذر ليس ينقلب ففيه عاهدت قدْمًا حُبَّ مَنْ حَسُنَتْ … به الملاحة واعتزت به الرتب أحيا إذا من مِنْ شوقي لرؤيته … لأنني صحتي إنما سُقْمي هوَ العَجَبُ والهف نفسي لو يُجْدِي تلهفُها … غَوْنًا وواحربي لو ينفع الحرب يمضي الزمان وأشواقي مُضاعَفَةٌ … يا لَلْرِجَالِ وَلا وَصْلٌ وَلا سَبَبُ يا بارقًا بأعالي الرقمتَينِ بَدَا … لَقَدْ حَكَيْتَ ولكن فاتكَ الشَّنَبُ ويا نسيمًا سَرَى مِنْ جَوِّ كاظمة … باللهِ قُلْ لي: كيف البانُ والعَذَبُ وكيف جِيْرَةُ ذاكَ الحَي هَلْ حَفِظُوا … عهدًا أراعيه إنْ شَطُوا وإن قربوا أم ضيعوا ومرادي منك ذكرُهُمُ … هُمُ الأَحبَّةُ إِنْ أَعطوا وإن سَلَبُوا فلما فرغ منها كتبها في ورقة، وأوما بيده ليضعها في جيبه، فسقطت فمر ابن إسرائيل على آثاره فرآها فأخذها وقرأها فرأى منها ربعه حذر وبحيه صد، وما شَذَتْ

стр. 6474

شبيهها أئمة الطرب، ولا شدّت بمثل أطناب بيوتها العرب قد ركبت البسيط من البحور عرضًا، وعلت إلى حيث لم يستطع جناح النسر نهوضًا، فظفر ابن إسرائيل منها بلقطة متثبت، وبغية متعنّت، فخرج فادعاها لنفسه، وانتحل جناها لغرسه، فلم يبق سمع إلا اقتطفها ولا لسان إلا اختطفها، فقرعت أسماع ابن الخيمي أناشيدها، والتاع واستطار بمومض برقها، وارتاع وجد في نزاعه، وجهد في أنزاعه، وابن إسرائيل مصر على التمسك بجنابها المزور والتشنيع بما ليس له كلابس ثوبي زور، ثم تراضيا على تحكيم ابن الفارض والتسليم إليه من كل معارض، فلما تحاملا إليه، ووصلا إلى حلوة لك السبيه عليه، أمر كلًا منهما أن ينظم في وزنها وينظر ما يقارنها في خزنها فذهبا، ثم أتياه، فأنشده ابن الخيمي (١): [من البسيط] الله قوم بجرعاء اللوى غُيَبُ … جَنَوا عليَّ ولما أَنْ جَنَوا عَتِبُوا يا رَبِّ هُمْ أَخذوا قلبي فَلِمْ سَخِطُوا … وإنهم غصبوا عَيْشِيَ فَلِمْ غَضِبُوا؟ هُمُ العُريب بنجد مُذْ عَرَفتُهُمُ … لم يبقَ لي معهم مالٌ ولا نَسَبُ شاكون للحرب لكن مِنْ قدودِهُمْ … فاترات اللحظ والسُّمْرُ والقُضُبُ فما أَلمُوا بِحَيِّ أَوْ أَلَمَّ بهم … إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا عهدتُ مِنْ دِمَنِ البطحاء عَهْدَ هَوًى … إليهم وتمادت بيننا حِقَبُ فما أضاعوا قديمَ العَهْدِ بَلْ حَفِظُوا … لكن بغيري ذاكَ العَهْدُ قَدْ نَسَبُوا مَنْ مُنْصِفِي مِنْ لَطِيفٍ فيهمُ غَنِجٍ … لَدْنِ القوام الإسرائيل ينتسب مُبَدَّلِ القَولِ ظُلْمًا لا يفي بموا … عيدِ الوِصال ومنه الذنبُ والغَضَبُ في لُغَةِ الراء منهُ صِدْقُ نسبتِهِ … والمن منه بزُورِ الوَعدِ والكَذِبُ فَعَنْ عَجَائِبِهِ حَدِّثْ ولا حَرَجٌ … ما ينتهي في المليح المطلق العَجَبُ بدر ولكن هلالًا لاحَ إِذْ هُوَ بالـ … ـورى مِنْ شَفَقِ الْخَدَّينِ مُنْتَقِبُ في كأس مبسمِهِ مِنْ حُلْوِ رِيقتِهِ … در وخمرُ ثناياه لها حَبَبُ فلفظه أبدًا سكرانُ يُسَمِعُنا … مِنْ مُعْرَبِ اللَّحْنِ مَا يُنسى لَهُ الأَدَبُ تجني لواحظه فينا ومنطِقُهُ … جِنايةٌ يُجتني من مُرها الضَّرَبُ قد أظهر السِّحْرُ مِنْ أَجفانِهِ سَقَمًا … البُرْءُ منهُ إذا ما شاء والعَطب حلو الأحاديث والألفاظ ساحرُها … تُلْغَى إذا نطق الألواح والكُتُبُ لمْ يُبْقِ منطقه قولًا يروقُ لنا … لقدْ شَكَتْ ظُلْمَةُ الأَسفارُ والخُطَبُ فداؤُها ما جرى في الدَّمْعِ مِنْ مُهَجِ … وما جَرَى في سبيلِ الحُبِّ مُنْتَسِبُ

стр. 6475

ويح المُتَيَّم شامَ البرقَ مِنْ إِضَم … فَهزَّهُ كاهتزاز البارق الحرب واسكن البرق من وجد ومِنْ قَلَقٌ … في قلبِهِ فَهوَ فِي أَحشائِهِ لَهَبُ وكلّما لاح منه بارقٌ بَعَثَتْ … قِطَرَ المدامع مِنْ أجفانه سُحُبُ وما أعادت نُسَيمات الغرير لهُ … أَخبار ذي الأَثَلِ إِلا هَزَّهُ الطَّرَبُ واها له أعرض الأحباب عنه وما … أَجْدَتْ رسائلُهُ الحُسْنَى ولا القُرَبُ ثم أنشده ابن إسرائيل (١): [من البسيط] لم يقض في حقكم بعض الذي يَجِبُ … قلب متى ما جَرَى تَذكَارُكُمْ يَجِبُ ولي وفي كرسم الدار بعدَكُمُ … دمع متى جادَ ضَنَّتْ بالحَيَا السُّحُبُ أحبابنا والمنى تُدنِي زيارَتَكُمْ … وربَّما حالَ مِنْ دُونِ المُني الأَدَبُ ما رابَكُمْ مِنْ حياتي بعدَ بُعْدِكُمُ … وليس لي في حياتي بَعْدَكُمْ أَرَبُ قاطعتموني فأحزاني مواصلتي … وحلتمُ فَحَلا لي فيكمُ التَّعَبُ رحتم بقلبي وما كادت لتسلبه … لولا خُطُوطُكُمُ الخَطَّيَّةُ السُّلُبُ يا بارقًا ببُراقِ الحُزْنِ َلاحَ لنا … أَأَنْتَ أَمْ أَسْلَمَتْ أَقمارها النُّقُبُ ويا نسيمًا سَرَى والعِطْرُ ُيصْحَبُهُ … أجرت حيثُ مَشَيْنَ الخُرَّدُ العُرُبُ أقسمت بالمقسمات الزُّهْرِ يحجبها … زَهْرُ العَوالي والخطيةُ القُضُبُ لَكِدتَ تُشْبِهُ بَرقًا مِنْ ثُغُورِهُمُ … يا دُرَّ دَمعي لولا الظَّلْمُ والشَّنَبُ (٢) فنظر إلى ابن إسرائيل نظر الازدراء، وقد كاد يرمي قصديته بالعراء، وقال: لقد حكيت ولكن فاتك الشنب فقضى عليه وتركه نادمًا يعض يديه. قلت: وقد كان ابن خلكان طلب من ابن الخيمي قصيدته هذه، وكان لا يرى البحر الزاخر إلا من رذاذه، ولا زبر السيوف القواطع إلا من فولاذه، فبعث بها إليه، وذيل عليها بمدح وهو (٣): إنْ كانَ يُرضيهم إبعاد عبدِهم … فالعبد منهم بذاك المَدْحِ مُقترب والهجر إن كانَ يُرضيهم بلا سبب … فإِنَّهُ مِنْ لذيذ الوَصْلِ يُحْتَسَبُ وإن هم احتجبوا عَنِّي فإنَّ لهم … في القلبِ مشهودَ حُسْنٍ لَيْسَ يَنْحَجِبُ

стр. 6476

قَدْ نَزَّهَ النُّطْفُ والإِشْرَاقُ بهجتَهُ … عَنْ أَنْ تُمَتِّعَها الأستارُ والحُجُبُ مَا يَنْتَهِي نَظَرِي مِنْهُمْ إِلَى رُتَبٍ … في الحُسْنِ إِلاَّ وَلاحَتْ فَوقَها رُتَبُ وكلما لاح معنى من جمالِهُمُ … لبَّاهُ شَوْقٌ إِلَى مَعْنَاهُ مُنْتَسِبُ أَظَلَّ ظَهْرِي ولي مِنْ حُسْنِهِمْ طَرَبٌ … ومِنْ أَليم استياقي نحوَهُمْ حَرَبُ فالقلب يا صاح مِنِّي بين ذاك وذا … قلب كمعروفِ شمس الدين مُنْتَهَبُ إنَّ الحديث شُجُونٌ فاستمع عَجَبًا … حديث ذا الحَبْرِ حُسْنًا كُلَّهُ عَجَبُ بحر محيط بعلم الدرس ذُو لُجَجِ … أَمواجُهُ بذكاء الحُسنِ تلتهب مهند صارم إِنْ صَرَّهُ عَصَبٌ … للحقِّ ما إذا استعطفت مُنسكِبُ ذُو سطوة وحياء كَلَّلاه معًا … كالخمر والماءِ إِذْ يعلوهما الحَبَبُ قد حاز بالذات علمًا غيرَ مُكْتَسَبٍ … لكنَّهُ كُلُّ علم مِنهُ مُكْتَسَبُ ماضي البديهة والأفكار واقفةٌ … مسدّدُ الرأي والآراء تضطرب خليفة الحكم والحكام سائرهم … دون الخليفة هذا الفخر والحَسَبُ يجلو بفَضْلِ خطابٍ مِنْ بلاغَتِهِ … فَصْلَ القضاء فلا شك ولا ريب زاكي الأصول له بيتُ عَلَا وَنَمَا … وطابَ لا صَحَبُ فِيهِ ولا نَصَبٌ نَأَى عُلُوًا ويُدنيه تواضُعُهُ … والشمس للنقع تنأى ثم تقترب رواه صادقًا فيما رَوَاهُ لنا … عَنْ يوسف الحُسْنِ إِذْ لا تصدقُ الكُتُبُ إليه ترتفع الأبصارُ خاشعةً … مهيبةً وهو للأحكام مُنْتَصِبُ حُبًّا لخاصية فيهِ مُجرَّبةٍ … فيها إليهِ قلوبُ الناسِ تَنْجَذِبُ مولاي أوصافُكَ الحُسْنَى قد اشتهرت … فينا تسير بها الأشعار والخُطَبُ فما ذكرتُ غَرِيبًا بالثناء على … علياك لكنها العادات والدرب وليس لي عادة بالمدح سابقةٌ … ما كنتُ قَطُّ بهذا الفَنِّ أَكتَسِبُ. وليس قصدي بهذا المدح جائزة … وليس [لي] في بُرُودٍ منكَ لي رَغَبُ حَسْبِي قَبُولٌ وإقبال مُنِحْتُهما … منكَ ابتداءَهُما مِنْ غيرِ ما تَهَبُ وإِنَّ شِعْرِي لا لسوى السَّماع بلى … بالقصد أعمالنا تُلقى وتُحتَسَبُ فإِنْ أُقَصِّرْ فَجُهْدِي قد بذلتُ لكم … وباذلُ الجُهْدِ قَدْ أَدَّى الذي يجب وما تجاسر لفظي بالمديح سُدى … ما مِنْ عبيدِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ أَدَبُ لكن تقاضيك أبياتي التي سُرِقَتْ … مِنِّي هوَ الإِذْنُ مِنْ مولاي والسَّبَبُ وكنتُ أَحْجَمْتُ إجلالًا فأَقْدَمَ بي … أَمْرٌ مُطاع وعفو منكَ مُرْتَقَبُ وقد أتيتُكَ بالأبياتِ مُلحَقَةٌ … بأختها ليبينَ الصِّدْقُ والكَذِبُ إذا تناسبت الأوصاف بينهما … فاحكم هُدِيتَ بما قد يشهدُ النَّسَبُ واللهِ إِنِّي مُحِبُّ فيكَ مُجتهد … محبَّتي قُرْبَةٌ مِنْ دُونِهَا القُرَبُ

стр. 6477

وكيف لا وهي تُنسى بينَنا نَسَبًا … إِنَّ المودَّةَ في أَهْلِ النُّهى نَسَبُ لا زلت في نعمة غَرّاءَ سابغة … تستوجب الفوز في الأخرى وتعتقبُ ثم ولع أهل الأدب بسلوك هذه الجادة فجهد كلّ في المعارضة، وجاء على قدر ما سمحت به العارضة، فقال العفيف التلمساني (١): [من البسيط] أينكر الوجد أنّي في الهَوَى شَجِبُ … ودونَ كُلِّ دخان ساطع لَهَبُ وما سلوتُ كما طنَّ الوُشاة ولا … أَسْلُو كما يَتَرَجَّى والهُ التَّعِبُ فإن بكى لصباباتي عَذُولُ هَوًى … فلي بما منه يبكي عاذلي طرب ناشدتك الله يا روحي أذهبي كَلَفًا … بحب قوم عَنِ الجَرْعَاءِ قَدْ ذَهَبُوا لا تسأليهم ذمامًا في محبَّتِهِمْ … فطالما قَدْ وَفي بالذِّمَّةِ العَرَبُ هُمْ أَهْلُ وُدّي وهذا واجب لهم … وإنّما ودُّهُمْ لي فهوَ لا يَجِبُ هم ألبسوني سقامًا مِنْ جُفُونِهِمُ … أصبحتُ أَرفل فيه وهو ينسحب وصيرت أدمعي حُمْرًا خُدُودُهُمُ … فكيفَ أجْحَدُ ما مَنُّوا وما وَهَبُوا هَلِ السلامة إلا أَنْ أَمُوتَ بهم … وجدًا وإلا بقيايَ هُوَ العَطَبُ إن يسلبوا البعض مني والجميع لهم … فإنَّ أشرف جُزْئي الذي سَلَبُوا لو تعلم العذبات المائسات بمن … قد بان عنها إذا ما اخضرتِ العَذَبُ ولو درَى مَنْهَلُ الوادي الذي وَرَدُوا … مَنْ وارد ماءه لاهتزَّهُ الطَّرَبُ إني لأكظم أنفاسي إذا ذُكِرُوا … كيلا يُحَرِّقُهُمْ مِنْ زَفْرَتِي اللَّهَبُ وترسل الدمع عيني في منازلهم … كيلا تسابقها في سحها السُّحُبُ كذا لكلِّ مُحَبِّ عِبْرَةٌ لهم … وعندَ كُلِّ غيور فِطْنَةٌ عَجَبُ أسائِلُ البان عن ميل النسيم بهم … سواك مَنْ ليس يدري فيه ما السَّبَبُ وتلك آثارُ لِيْن في قُدُودِهُمُ … مرَّتْ بها الريح فاهتزت لها القُضُبُ يصحو السكارى ولا أَصْحُو ظمًا بكم … ويسكر السكر من بعض الذي شَرِبُوا وقال العفيف أيضًا (٢): [من البسيط] لولا الحمى وظباء بالحمى عرب … ما كان في الباري النَّجْدِي لِي أَرَبُ حلَّتْ عُقُودَ اصطباري دونَهُ حُلَلٌ … خفوقها كارتياحي لها يجب وفي رياض بيوت الحي مِنْ إِضَم … وَرْدٌ جَنِيٌّ ومِنْ أَكمامه النُّقُبُ يسقي الأقاحِيَّ منها فَرْقَفٌ فإذا … لاحَ الحَبَابُ عليها قاسها الشُّهُبُ يُقضى بها لعيون الناظرين على … كُلِّ القلوبِ قضاء مالهُ سَبَبُ

стр. 6478

إذا تمارض أجفان إذا سلت … لمقتصى همها المسلوب لا السَّلَبُ وبي لدى الحِلَّةِ الفيحاءِ غُصْنُ نَقًا … يهفو بهِ فيجذبُهُ حِقْفٍ فينجذب لا تقدر الحُجْبُ أَنْ تُخفي محاسنَهُ … وإِنَّما في سَناهُ الحُجْبُ تحتجب وأرقب البرق لا سُقياهُ مِنْ أربي … لكنَّهُ مثل خديهِ لَهُ لَهَبُ يا سالمًا في الهوى مما أكابدُهُ … رِفقًا بأحشائي صَبٌ شَقَّها الوَصَبُ فالأجرُ يا أملي إن كنتَ تكسبه … في كلِّ ذي كَبِدِ حَرَّاءَ تُكتسب يا بدرَ تَم مَحاني في زيادته … ما أن أن تنجلي عَنْ أُفقِكَ السُّحُبُ صَحَا السكارى وسُكْرِي دامَ فيكَ أَما … السكر لا سَبَبٌ يُرْوَى وَلا نَسَبُ قد أيأس الصبر والسلوانُ أَيسرُهُ … وعاقَهُ الصَّبُّ عَنْ آمالهِ الوَصَبُ وكلما لاح يا عيني وميضُ سَنِّى … يَهْمِي وإِنْ هَبَّ يا قلبي صَبًا يَجِبُ وقال (١) شيخنا أبو الثناء الحلبي (٢): [من البسيط] قضى وهذا الذي في حبّهمْ يَجِبُ … في ذِمَّةِ الوَجْدِ تلك الروحُ تُحتَسَبُ ما كان يوم رحيل الحَيِّ عَنْ إِضَم … لروحِهِ في بقاء بعدهُمْ أَرَبُ صب بكى أسفًا والشمل مجتمع … كأَنَّه كان للتفريق يرتقب نأوا فذابت عليهم روحُهُ كَمَدًا … ما كان إلا النَّوَى فِي حَفِهِ سَبَبُ لمْ يدرِ أَنَّ قُدُودَ السُّمْرِ مُشْبِهَةٌ … للبِيْضِ لو لم تكن أسماؤها القُضُبُ

стр. 6479

فَظَنَّ كَأسَ الهَوَى يصموا النزيف بها … إذ أوهمته الثنايا أَنَّهُ الحَجَبُ طُوبَى لهُ لمْ يُبَدِّلْ دِينَ حبّهُمُ … بل مات وهوَ إلى الإخلاص مُنْتَسِبُ لو لم يمت فيهم ما عاش عندَهُمُ … حياتَهُ مِنْ وفاة الحُبِّ تُكتسب بانوا وفي الحيِّ مَيْتٌ نَاحَ بعدَهُمُ … لَهُ الحَمَامُ وسَحَتْ دمعَها السُّحُبُ وشق غُصْنُ النَّقَا مِنْ أَجَلِهِ حَزَنا … جُيُوبَهُ وأُديرت حوله العَذَبُ وشاهد الغَيْثُ أَنفاسًا يُصعّدُها … فعادَ مِنْ أَحشائِهِ لَهَبُ لو أنصفوا أوقفوا حِفْظًا لمهجتِهِ … إِنَّ الوقوف على قتلى الهَوَى قُرَبُ يا بارقَ الشَّغْرِ لو لاحتْ ثُغُورُهُمُ … وشِمْتَ بارقها ما فاتَكَ الشَّنَبُ ويا حيًا جادَهُمْ إِنْ لم يكن كَلِفًا … ما بال عينك منها الماء ينسكب ويا قضيبَ النَّقَا لَوْ لَمْ تَجِدْ خَبَرًا … عندَ الصَّبا منهم ما هنَّكَ الطَّرَبُ بالله يا نسيمات الريح أَيْنَ هُمُ … وهل نأوا أَمْ دُمُوعِي دونَهُمْ حُجُبُ بالله لما استقلُّوا عَنْ دِيارِهِمُ … أَحَبَّتِ الدارُ مِنْ شَوْقٍ أَمِ النُّجُبُ وهلْ وَجَدْتَ فُؤادي في رحالهم … فإِنَّهُ عِندَهُمْ في بعض مَا سَلَبُوا نأوا غضابًا وقلبي في أسارِهم … يا ليتَهُمْ غَصَبُوا رُوحي ولا غَصِبُوا طوبى لقلب غدا في الركب عندهم … فإنَّهُ عندهم ضيف وهمْ عَرَبُ وإِنْ رَجَعْتِ إليهم فاذكرني لهمْ … أَنِّي شَرِقتُ بدمع العين مُذْ عَرَبُوا ثمَّ اذكري سَفْحَ دمعي في معاهدهم … لا يذكر السَّفْحَ إِلا حَنَّ مُعْتَرِبُ عَسَاكِ أَنْ تعطفي نحوي معاطِفَهم … فالغُصْنُ بالريح ينأى ثم يقترب وجاء أبو الصفاء الصفدي في الزمن الأخير، وقد ضاق في هذه القافية سر عن مسير فقال (١): يا جِيرَةً مُذْ نأوا قلبي بهمْ يَجِبُ … ولوْ قَضى ما قضى بعض الذي يَجِبُ سِرْتُمْ وقلبي أسير في حُمُولُكُمُ … فكيفَ يَرْجِعُ مُضْناكُمْ وَيَنْقَلِبُ وأَيُّ عَيش لهُ يَصْفُو ببعدِكُمُ … والقلب مضطرمُ الأَحشاءِ مُضْطَرِبُ أضرمتُمُ نارَ أشواقي ببينِكُمُ … فالجسمُ مُنْسَبِك والدمعُ مُنسَكِبُ ناحتْ عليَّ حمامات اللوى وَرَثَتْ … ولورَثَتْ ما في فِعْلها عَجَبُ يُملي عليَّ مِنَ الأوراق ما صَنَعَتْ … سَجْعًا فتهتزُّ مِنْ أَلحانها القُضُبُ والغيث لما رأى ما قد مُنِيتُ بِهِ … فكُلُّهُ مُقَلَّ بالدمع ينسكب بالله يا صاح روحني بذكرِهُمُ … وَزِدْ عَسَى أَنْ يَجفَّ الوَجْدُ والوَصَبُ ويا رسولي إليهم صف لهمْ أَرَقي … وَأَنَّ طَرْفِيْ لضيفِ الطَّيْفِ مُرْتَقِبُ واسأل مواهبهم للعين بعضَ كَرَى … عَسَايَ أَنْ يَهَبُوا لي بعض ما نَهَبُوا

стр. 6480

ولُطْفُ القول لا تسأل مُرَاجَعَةً … واشكُ الهَوَى والنَّوَى قَدْ يَنجِحُ الطَّلَبُ عَرِّض بذكري فإن قالوا: أَتعرفُهُ؟ … فَسَلْ ليَ الوصل وأنكرني إذا غَضِبوا شَمْعِي ضِيا فَرْقِهِ والوَرْدُ وَجْنَتُهُ … والرِّيقُ خمري لا ما يُعْصَرُ العِنَبُ ومُذْ رشفت لماه وهو مبتسم … ما راق لي بعده خمر ولا حَبَبُ وقلت وإن كنت لا أجري في هذا المضمار ينادي هو لا المسمار: [من البسيط] دَمْعٌ يَفِيضُ وفي الأَحْشَاءِ يَلْتَهِبُ … ما بَالُهُ لِفُؤَادِ الصَّبِّ يَنْتَهِبُ يا جِيرَةَ الشَّطْ إِنْ شَطَّ المَزارُ بِكُمْ … فَأَنْتُمُ في فُؤَادِ الخِمْرَةِ الحَبَبُ قَاطَعْتُمُوني وقلبي في مُوَاصَلَةٍ … لأَجْلِ ذاكَ إِلَيْكُمْ ظِلُّ يَنْجَذِبُ أَوْقَدْتُمُ القَلْبَ بِالأَشْوَاقِ بَعْدَكُمُ … فَلَيْتَ شِعْرِي أَشَوْقُ ذَاكَ أَمْ حَطَبُ؟ طَالَ البِعَادُ ومَا تَدْنُو الدِّيَارُ بِكُمْ … كَمْ ذَا القَطِيعَةُ والأَيَّامُ تَرْتَقِبُ بِاللهِ باللهِ إِنْ نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ … فَأَنْتُمُ لِدَوَاعِي وَجْدِهَا السَّبَبُ نَاشَدْتُكَ اللهَ يَا حَادِي الرَّكَائِبِ قِفْ … بِهِمْ وذَكِّرْهُمْ إِنْ حَنَّ مُغْتَرِبُ حَدِّثْ بِحَقِّكَ عَنْ جَفْنِي وَعَبْرَتِهِ … حَدِّثْ عَنِ البَحْرِ أَشْيَاءً ولا عَجَبُ وقُلْ لَهُمُ: مَا يُلاقِي الصَّبُّ بَعْدَهُمُ … وكَيْفَ حَالَةُ صَبٍّ دَمْعُهُ صَبَبُ وَصِفْ لِسُكَّانِ ذَاكَ الحَيِّ حَالَةَ مَنْ … حَكَى الأَحِبَّةَ نَأْيِي وهْوَ مُعْتَرِبُ صَرِّحْ لَهُمُ ودَعِ التَّعْرِيضَ عِنْدَهُمُ … فَعِنْدَهُمُ تُحْفَظُ العَادَاتُ والأَدَبُ واستَوْقِفِ الرَّكْبَ مِنْ دُونِ الفُرَاتِ وَقُلْ: … يا سَائِقَ الرَّكْبِ لا تَعْجَلْ فَلِي أَرَبُ وانْظُرْ خَفِيَّ هَوَى سَارُوا بِهِ سَحَرًا … فَوْقَ الرَّوَاحِلِ حَالَتْ دُونَهَ الحُجُبُ فيَا أَخِي الَّذِي قَدْ ضَاقَ مِنْ شَجَنِي … نَظِيرُ مَا ذُقْتُهُ والخَيْرُ مُحْتَسَبُ كُنْ مُسْعِدِي في هَوَاهُمْ واقْضِ لِي وَطَرًا … ولا يَهُمَّكَ إِرْقَالٌ ولا خَبَبُ هَذِي مَنَازِلُ مَنْ أَهْوَى وحبّهم … فَامْسِكْ فُؤَادِي لا يَهْفُو بِهِ طَرَبُ قَدْ بَانَ بَانَ الحِمَى فانزِلْ أَيامِنَهُ … ومِلْ إِلَيْهِ فَقَدْ مَالَتْ بِهِ العُذُب وقُلْ لِحَيٍّ دُوَيْنَ السَّفْحِ مَنْزِلُهُ … إِلَيْكَ آلُ التَّقَصِّي وَانْتَهَى الأَرَبُ وانزِلْ عَلَى حَلَبِ الشَّهْبَاءِ حَيْثُ … ثَوَوْا وقِفْ عَلَيْهَا وقُلْ لِي هَذِهِ حَلَبُ واشْرَحْ لَهُمْ بَعْضَ مَا عِنْدِي لَبَيْنِهِمْ … واقْصُصْ حَدِيثَ غَرَامِي إِنَّهُ عَجَبُ وخُذْ لِقَلْبِي أَمَانًا مِنْ عُيُونِهِمُ … إِنْ كَانَ تَعْرِفُ حَقَّ الجِيرَةِ العَرَبُ بِذَاكَ مَعْهَدُ أَتْرَابِي ومَنْزِلُهُم … إِلى الكَثِيبِ سَقَتْ عُلْيَاءَهُ السُّحُبُ رِطْلُ بَلِيسَ مَا دَامُوا بِهِ نُزُلًا … وَسْنًا ويَحْضُرُ في أَرْجَائِهِ العُشْبُ مَسَاكِنُ السَّفْحِ قَصْدِي لا أُجَارِعُهُ … لَوْلَا المُدَامَةُ لَمْ تَسْتَكْرِمِ العِنَبُ إِنِّي لأَسَفٌ إِنْ شَطَّ المَزَارُ بِنَا … لَكِنَّمَا الطَّيْفُ يُدْنِينَا فَنَقْتَرِبُ فَهُمُ أَحِبَّةُ قَلْبِي لا أُرِيدُ لَهُمْ … هَوَى سِوَاهُمْ نَأَوُا في الحُبِّ أَوْ قَرُبُوا
следующие страницы →