قَدْ نَزَّهَ النُّطْفُ والإِشْرَاقُ بهجتَهُ … عَنْ أَنْ تُمَتِّعَها الأستارُ والحُجُبُ
مَا يَنْتَهِي نَظَرِي مِنْهُمْ إِلَى رُتَبٍ … في الحُسْنِ إِلاَّ وَلاحَتْ فَوقَها رُتَبُ
وكلما لاح معنى من جمالِهُمُ … لبَّاهُ شَوْقٌ إِلَى مَعْنَاهُ مُنْتَسِبُ
أَظَلَّ ظَهْرِي ولي مِنْ حُسْنِهِمْ طَرَبٌ … ومِنْ أَليم استياقي نحوَهُمْ حَرَبُ
فالقلب يا صاح مِنِّي بين ذاك وذا … قلب كمعروفِ شمس الدين مُنْتَهَبُ
إنَّ الحديث شُجُونٌ فاستمع عَجَبًا … حديث ذا الحَبْرِ حُسْنًا كُلَّهُ عَجَبُ
بحر محيط بعلم الدرس ذُو لُجَجِ … أَمواجُهُ بذكاء الحُسنِ تلتهب
مهند صارم إِنْ صَرَّهُ عَصَبٌ … للحقِّ ما إذا استعطفت مُنسكِبُ
ذُو سطوة وحياء كَلَّلاه معًا … كالخمر والماءِ إِذْ يعلوهما الحَبَبُ
قد حاز بالذات علمًا غيرَ مُكْتَسَبٍ … لكنَّهُ كُلُّ علم مِنهُ مُكْتَسَبُ
ماضي البديهة والأفكار واقفةٌ … مسدّدُ الرأي والآراء تضطرب
خليفة الحكم والحكام سائرهم … دون الخليفة هذا الفخر والحَسَبُ
يجلو بفَضْلِ خطابٍ مِنْ بلاغَتِهِ … فَصْلَ القضاء فلا شك ولا ريب
زاكي الأصول له بيتُ عَلَا وَنَمَا … وطابَ لا صَحَبُ فِيهِ ولا نَصَبٌ
نَأَى عُلُوًا ويُدنيه تواضُعُهُ … والشمس للنقع تنأى ثم تقترب
رواه صادقًا فيما رَوَاهُ لنا … عَنْ يوسف الحُسْنِ إِذْ لا تصدقُ الكُتُبُ
إليه ترتفع الأبصارُ خاشعةً … مهيبةً وهو للأحكام مُنْتَصِبُ
حُبًّا لخاصية فيهِ مُجرَّبةٍ … فيها إليهِ قلوبُ الناسِ تَنْجَذِبُ
مولاي أوصافُكَ الحُسْنَى قد اشتهرت … فينا تسير بها الأشعار والخُطَبُ
فما ذكرتُ غَرِيبًا بالثناء على … علياك لكنها العادات والدرب
وليس لي عادة بالمدح سابقةٌ … ما كنتُ قَطُّ بهذا الفَنِّ أَكتَسِبُ.
وليس قصدي بهذا المدح جائزة … وليس [لي] في بُرُودٍ منكَ لي رَغَبُ
حَسْبِي قَبُولٌ وإقبال مُنِحْتُهما … منكَ ابتداءَهُما مِنْ غيرِ ما تَهَبُ
وإِنَّ شِعْرِي لا لسوى السَّماع بلى … بالقصد أعمالنا تُلقى وتُحتَسَبُ
فإِنْ أُقَصِّرْ فَجُهْدِي قد بذلتُ لكم … وباذلُ الجُهْدِ قَدْ أَدَّى الذي يجب
وما تجاسر لفظي بالمديح سُدى … ما مِنْ عبيدِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ أَدَبُ
لكن تقاضيك أبياتي التي سُرِقَتْ … مِنِّي هوَ الإِذْنُ مِنْ مولاي والسَّبَبُ
وكنتُ أَحْجَمْتُ إجلالًا فأَقْدَمَ بي … أَمْرٌ مُطاع وعفو منكَ مُرْتَقَبُ
وقد أتيتُكَ بالأبياتِ مُلحَقَةٌ … بأختها ليبينَ الصِّدْقُ والكَذِبُ
إذا تناسبت الأوصاف بينهما … فاحكم هُدِيتَ بما قد يشهدُ النَّسَبُ
واللهِ إِنِّي مُحِبُّ فيكَ مُجتهد … محبَّتي قُرْبَةٌ مِنْ دُونِهَا القُرَبُ
стр. 6477
وكيف لا وهي تُنسى بينَنا نَسَبًا … إِنَّ المودَّةَ في أَهْلِ النُّهى نَسَبُ
لا زلت في نعمة غَرّاءَ سابغة … تستوجب الفوز في الأخرى وتعتقبُ
ثم ولع أهل الأدب بسلوك هذه الجادة فجهد كلّ في المعارضة، وجاء على قدر ما سمحت به العارضة، فقال العفيف التلمساني (١): [من البسيط]
أينكر الوجد أنّي في الهَوَى شَجِبُ … ودونَ كُلِّ دخان ساطع لَهَبُ
وما سلوتُ كما طنَّ الوُشاة ولا … أَسْلُو كما يَتَرَجَّى والهُ التَّعِبُ
فإن بكى لصباباتي عَذُولُ هَوًى … فلي بما منه يبكي عاذلي طرب
ناشدتك الله يا روحي أذهبي كَلَفًا … بحب قوم عَنِ الجَرْعَاءِ قَدْ ذَهَبُوا
لا تسأليهم ذمامًا في محبَّتِهِمْ … فطالما قَدْ وَفي بالذِّمَّةِ العَرَبُ
هُمْ أَهْلُ وُدّي وهذا واجب لهم … وإنّما ودُّهُمْ لي فهوَ لا يَجِبُ
هم ألبسوني سقامًا مِنْ جُفُونِهِمُ … أصبحتُ أَرفل فيه وهو ينسحب
وصيرت أدمعي حُمْرًا خُدُودُهُمُ … فكيفَ أجْحَدُ ما مَنُّوا وما وَهَبُوا
هَلِ السلامة إلا أَنْ أَمُوتَ بهم … وجدًا وإلا بقيايَ هُوَ العَطَبُ
إن يسلبوا البعض مني والجميع لهم … فإنَّ أشرف جُزْئي الذي سَلَبُوا
لو تعلم العذبات المائسات بمن … قد بان عنها إذا ما اخضرتِ العَذَبُ
ولو درَى مَنْهَلُ الوادي الذي وَرَدُوا … مَنْ وارد ماءه لاهتزَّهُ الطَّرَبُ
إني لأكظم أنفاسي إذا ذُكِرُوا … كيلا يُحَرِّقُهُمْ مِنْ زَفْرَتِي اللَّهَبُ
وترسل الدمع عيني في منازلهم … كيلا تسابقها في سحها السُّحُبُ
كذا لكلِّ مُحَبِّ عِبْرَةٌ لهم … وعندَ كُلِّ غيور فِطْنَةٌ عَجَبُ
أسائِلُ البان عن ميل النسيم بهم … سواك مَنْ ليس يدري فيه ما السَّبَبُ
وتلك آثارُ لِيْن في قُدُودِهُمُ … مرَّتْ بها الريح فاهتزت لها القُضُبُ
يصحو السكارى ولا أَصْحُو ظمًا بكم … ويسكر السكر من بعض الذي شَرِبُوا
وقال العفيف أيضًا (٢): [من البسيط]
لولا الحمى وظباء بالحمى عرب … ما كان في الباري النَّجْدِي لِي أَرَبُ
حلَّتْ عُقُودَ اصطباري دونَهُ حُلَلٌ … خفوقها كارتياحي لها يجب
وفي رياض بيوت الحي مِنْ إِضَم … وَرْدٌ جَنِيٌّ ومِنْ أَكمامه النُّقُبُ
يسقي الأقاحِيَّ منها فَرْقَفٌ فإذا … لاحَ الحَبَابُ عليها قاسها الشُّهُبُ
يُقضى بها لعيون الناظرين على … كُلِّ القلوبِ قضاء مالهُ سَبَبُ
стр. 6478
إذا تمارض أجفان إذا سلت … لمقتصى همها المسلوب لا السَّلَبُ
وبي لدى الحِلَّةِ الفيحاءِ غُصْنُ نَقًا … يهفو بهِ فيجذبُهُ حِقْفٍ فينجذب
لا تقدر الحُجْبُ أَنْ تُخفي محاسنَهُ … وإِنَّما في سَناهُ الحُجْبُ تحتجب
وأرقب البرق لا سُقياهُ مِنْ أربي … لكنَّهُ مثل خديهِ لَهُ لَهَبُ
يا سالمًا في الهوى مما أكابدُهُ … رِفقًا بأحشائي صَبٌ شَقَّها الوَصَبُ
فالأجرُ يا أملي إن كنتَ تكسبه … في كلِّ ذي كَبِدِ حَرَّاءَ تُكتسب
يا بدرَ تَم مَحاني في زيادته … ما أن أن تنجلي عَنْ أُفقِكَ السُّحُبُ
صَحَا السكارى وسُكْرِي دامَ فيكَ أَما … السكر لا سَبَبٌ يُرْوَى وَلا نَسَبُ
قد أيأس الصبر والسلوانُ أَيسرُهُ … وعاقَهُ الصَّبُّ عَنْ آمالهِ الوَصَبُ
وكلما لاح يا عيني وميضُ سَنِّى … يَهْمِي وإِنْ هَبَّ يا قلبي صَبًا يَجِبُ
وقال (١) شيخنا أبو الثناء الحلبي (٢): [من البسيط]
قضى وهذا الذي في حبّهمْ يَجِبُ … في ذِمَّةِ الوَجْدِ تلك الروحُ تُحتَسَبُ
ما كان يوم رحيل الحَيِّ عَنْ إِضَم … لروحِهِ في بقاء بعدهُمْ أَرَبُ
صب بكى أسفًا والشمل مجتمع … كأَنَّه كان للتفريق يرتقب
نأوا فذابت عليهم روحُهُ كَمَدًا … ما كان إلا النَّوَى فِي حَفِهِ سَبَبُ
لمْ يدرِ أَنَّ قُدُودَ السُّمْرِ مُشْبِهَةٌ … للبِيْضِ لو لم تكن أسماؤها القُضُبُ
стр. 6479
فَظَنَّ كَأسَ الهَوَى يصموا النزيف بها … إذ أوهمته الثنايا أَنَّهُ الحَجَبُ
طُوبَى لهُ لمْ يُبَدِّلْ دِينَ حبّهُمُ … بل مات وهوَ إلى الإخلاص مُنْتَسِبُ
لو لم يمت فيهم ما عاش عندَهُمُ … حياتَهُ مِنْ وفاة الحُبِّ تُكتسب
بانوا وفي الحيِّ مَيْتٌ نَاحَ بعدَهُمُ … لَهُ الحَمَامُ وسَحَتْ دمعَها السُّحُبُ
وشق غُصْنُ النَّقَا مِنْ أَجَلِهِ حَزَنا … جُيُوبَهُ وأُديرت حوله العَذَبُ
وشاهد الغَيْثُ أَنفاسًا يُصعّدُها … فعادَ مِنْ أَحشائِهِ لَهَبُ
لو أنصفوا أوقفوا حِفْظًا لمهجتِهِ … إِنَّ الوقوف على قتلى الهَوَى قُرَبُ
يا بارقَ الشَّغْرِ لو لاحتْ ثُغُورُهُمُ … وشِمْتَ بارقها ما فاتَكَ الشَّنَبُ
ويا حيًا جادَهُمْ إِنْ لم يكن كَلِفًا … ما بال عينك منها الماء ينسكب
ويا قضيبَ النَّقَا لَوْ لَمْ تَجِدْ خَبَرًا … عندَ الصَّبا منهم ما هنَّكَ الطَّرَبُ
بالله يا نسيمات الريح أَيْنَ هُمُ … وهل نأوا أَمْ دُمُوعِي دونَهُمْ حُجُبُ
بالله لما استقلُّوا عَنْ دِيارِهِمُ … أَحَبَّتِ الدارُ مِنْ شَوْقٍ أَمِ النُّجُبُ
وهلْ وَجَدْتَ فُؤادي في رحالهم … فإِنَّهُ عِندَهُمْ في بعض مَا سَلَبُوا
نأوا غضابًا وقلبي في أسارِهم … يا ليتَهُمْ غَصَبُوا رُوحي ولا غَصِبُوا
طوبى لقلب غدا في الركب عندهم … فإنَّهُ عندهم ضيف وهمْ عَرَبُ
وإِنْ رَجَعْتِ إليهم فاذكرني لهمْ … أَنِّي شَرِقتُ بدمع العين مُذْ عَرَبُوا
ثمَّ اذكري سَفْحَ دمعي في معاهدهم … لا يذكر السَّفْحَ إِلا حَنَّ مُعْتَرِبُ
عَسَاكِ أَنْ تعطفي نحوي معاطِفَهم … فالغُصْنُ بالريح ينأى ثم يقترب
وجاء أبو الصفاء الصفدي في الزمن الأخير، وقد ضاق في هذه القافية سر عن مسير فقال (١):
يا جِيرَةً مُذْ نأوا قلبي بهمْ يَجِبُ … ولوْ قَضى ما قضى بعض الذي يَجِبُ
سِرْتُمْ وقلبي أسير في حُمُولُكُمُ … فكيفَ يَرْجِعُ مُضْناكُمْ وَيَنْقَلِبُ
وأَيُّ عَيش لهُ يَصْفُو ببعدِكُمُ … والقلب مضطرمُ الأَحشاءِ مُضْطَرِبُ
أضرمتُمُ نارَ أشواقي ببينِكُمُ … فالجسمُ مُنْسَبِك والدمعُ مُنسَكِبُ
ناحتْ عليَّ حمامات اللوى وَرَثَتْ … ولورَثَتْ ما في فِعْلها عَجَبُ
يُملي عليَّ مِنَ الأوراق ما صَنَعَتْ … سَجْعًا فتهتزُّ مِنْ أَلحانها القُضُبُ
والغيث لما رأى ما قد مُنِيتُ بِهِ … فكُلُّهُ مُقَلَّ بالدمع ينسكب
بالله يا صاح روحني بذكرِهُمُ … وَزِدْ عَسَى أَنْ يَجفَّ الوَجْدُ والوَصَبُ
ويا رسولي إليهم صف لهمْ أَرَقي … وَأَنَّ طَرْفِيْ لضيفِ الطَّيْفِ مُرْتَقِبُ
واسأل مواهبهم للعين بعضَ كَرَى … عَسَايَ أَنْ يَهَبُوا لي بعض ما نَهَبُوا
أوجبت حقًا على قلبي محبتَّهم … وقمتُ في الحُبِّ مِنْ قلبي بما يَجِبُ
وقمتُ في الدارِ أَبكي بُعْدَ ساكنها … والرَّعدُ يَشْهَقُ والأنواء تنتحب
أبكي لذكراهم والكأس دائرة … والكأس يضحك في حافاتها الحَبَبُ
فأصرف الكأس عنِّي وهي غادية … فينا ورائحة بالراح تنسكب
إن كان يحمل كفي بعد بينِهُمُ … كأسًا فإنَّ الذي في راحتي تَعَبُ
ولم أكنْ مِنْ رضًا أخشى ولا سَخَط … لولا الحمى وظباء بالحمى عُرُبُ
فقل لمُنْكِرِ أَشجاني بحبّهمُ … أَتُنكرُ الوَجْدَ إِنِّي بالهَوَى شَجِبُ
فاعمل ركابك دع يُخفي مناسمها … فهل لشيء ذا يُذْخَرُ الحُبُّ
حتى تُراحَ بظل الدوح قائلة: … بيني وبينك يا دوحَ الحِمي نَسَبُ
ولا تهب في الدُّجى إيمَاضَ بارقَةٍ … ودونَ كُلِّ دُخان ساطع لَهَبُ
يا برقُ وأَحْكِ وَمِيضًا مِنْ ثُغُورِهم … وما عليك إذا ما فاتَكَ الشَّنَبُ
ومنهم:
[٥٥٧] مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي الفتح التيمي (١) المصري الخياط، يعرف بابن أبي الربيع، ويعرف بشذا (٢)
روضه المريع، اشتغل بالأدب حتى صار أشهر صناعته، وأنفق بضاعته بلطائف إلا أنها زبر، ومحاسن تعجز السيوف منها عما تنال الإبر. كان من أعلام أدباء مصر المشاهير وأعلى ما يلقط منها من الأزاهير لو فضل بينه وبين الخياط الدمشقي لما جامعه على أول السوق، ولا كان له معه ما يفوق، ولوقف خاطره الوفي غرو أصله، وعلم أن كسب الشامي لا يفي بما ينفقه المصري من حاصله.
فمن شعره قوله (٣): [من السريع]
ثلاثة في أمر خصمينِ … العَيْنُ لكن عين العين
هما قريبان وإن فرقت … بينهما الأيام فرْقَين
стр. 6482
تراهما بينهما فُرْقَةٌ … أَوْ يقعُ العين على العين
وقوله في الجزار، وكان ينبز بتعاشير:
ما للأديب تعاشير بلا سَبَبٍ … في خَدِّهِ صفر في أَنفِهِ شَمَمُ
وسوق ورد إن لم يدرس ووالده … حي وما ماتت الأبقار والغَنَمُ
وقوله (١): [من المجتث]
أبا الحسين تأَدَّبْ … ما الفخرُ بالشِّعْرِ فَخْرُ
ومارشحت منه … بقطرةٍ وهو بحر
إن جئت بالبيت منه … وما لبيتكَ قَدْرُ
لم يأتِ بالبيت إلا … عليه [في] الناسِ حَكْرُ
وقوله: [من الوافر]
تعصب للأديب عليَّ قوم … وما كانوا أولئك في حسابي
كلاب وهوَ جَزَارٌ وإِنِّي … بهمْ قَطَّعْتُ أَذناب الكِلابِ
وقوله: [من الخفيف]
لا تلمني إذا غسلت تعاشيـ … ــرَ كغسل الكُرُوشِ مما جَنَاهُ
فسأشويه بالهجاء ولا أَتْـ … ـرُكُهُ باقيًا بشَحْمِ كُلَاهُ
قلت: وكان الجزار يلقب تعاشير.
وقد حكى أن الجزار أراد سفرًا، فطلب فراشًا وطبّاخًا، ليستخدمها فبلغ ذلك مجاهدًا الخياط، وكان إلى جانبه رجل كفيف، فسأله: من هو المسافر؟ فقال له: الجزار، فقال: ما هذا الذي كان سلاخًا، فقال: كان هذا، فقال الكفيف: ما تغيّر شيء، فقال مجاهد قطعةً منها: [من السريع]
مرَّ بنا ينصب أُحبُولَةً … للرزقِ أَوْ يدفنُ أَفْخاخا
وهو إذا [ما] سارَ مَعْ نَجْسِهِ … يحتاجُ فَراشا وطباخا
وواحد أعمى إلى جانبي … ما زال للتاريخ نساخا
يقول لي: ويحك مَنْ ذا الفَتَى … أَرادَ طَبَّاخًا وَمَراخا
فقلت: قالوا: إِنَّهُ شاعرٌ … يأْكُلُ بالأشعار أوساخا
هذا هو الجَزارُ قال: الذي … قد كان قبل اليوم سلاخا؟
فقلت: هذا في الصبا قال لي: … وهو بتلك العين قد شاخا
وقوله: [من البسيط]
وعدتني يا جلال الدين وَعْدَ فتى … ما زال يسبق بالأفعال أقوالا
стр. 6483
فالوعد قد طال مثل الظُّفْرِ وهوَ متى … ما لم تُقَلِّمْهُ أَنكى منه ما طالا
وقوله: [من الوافر]
أَعِد يا برق أهيل نجد … فإنَّ لكَ اليد البيضاء عندي
أشيمُكَ بارقًا فيضلُّ عَقْلي … فواعجبًا يضلُّ وأَنتَ تَهْدِي
وَيُبْكِيكَ السَّحابُ ولستَ ممَّنْ … تحمَّلَ بعض أشواقي ووَجْدِي
بعثت مع النسيم لهم سلامًا … فما مَنُوا عليَّ لَهُ بِرَد
وقوله: [من الخفيف]
فوقَ خَدٌ بنفسج وشَقِيقُ … كيفَ حَمَّلْتُمُوهُ ما لا يُطِيقُ
وفَمٌ فيه ما يجلُّ عَنِ الوَصْـ … ـفِ وتأتيهِ قُبْلَةٌ فيضيق
وقَوَامٌ يزيد فيه قلوبٌ … كما قام فيه للفسق سُوْقُ
وقوله (١): [من المتقارب]
لقتلي تظلّمتُ مِنْ خَدِّه … لقلبي عليهِ حُقُوقٌ ودَمْ
أخذتُ القِصاص بِتَعْضِيْضِهِ … ولم تجرِ جعد عليهِ قَلَمْ
وقوله (٢): [من مخلع البسيط]
إن تاه جزارُكُم عليكُمْ … بفظنةٍ عندَه وكَيْس
فليس يرجوه غيرُ كلبٍ … وليس يخشاه غيرتيس
وقوله: [من السريع]
مالتعاشير غلًا قيمةً … عليَّ قامت من مواعينه
فلا يلمني وليَلُمْ نَفسَهُ … إِذْ هُوَ مذبوح بسكينه
بالله ما أغضبها فعلة … إلاّلتقطيعِ مَصَارِينِهِ
وقوله: [من السريع]
يجحدني ما لم يُقِدْ جَحْدُهُ … دَعْهُ فما ينفعُهُ مَيْنُهُ
كذلك النرجس لما ذوى … وكاد يقضي ودَنَا حَيْنُهُ
ما إن صَبَبْتُ الماء في قاعه … وقام إلا قَوِيَتْ عَيْنُهُ
وقوله: [من السريع]
قُلْ لوزير العَصْرِ لا تطرح … أمرًا به أعني بك العيب
واحرز عن الجزارِ نفسًا فقد … يجني به ذنبًا ولا ذنب
ولا تجالس طرفًا نازلًا … يا طالما جالسه الكَلْبُ
ومنهم:
стр. 6484
[٥٥٨] نصير الحمامي (١)
وهو أديب لا يبلغ السماء إلا بمساويه، ولا يؤخذ الماء إلا من مجاريه قد عرف حَرَّ الأشياء وبادرها، وجعل جهنم حمامة جنة لا تجد من الناس إلا واردها، وامتلأ به الحوض وقال: قَطْنِي، وقال: كل مملوء الجوانح لسكره مهلًا رويدًا قد ملأت بطني، لولاه لم يكن قلب الماء يطيب، ولا سحاب العرق المكلل للوجنات يصيب، ولا صدر الحوض بمنسرح ولا بحر الخزانة المتدفق بالماء بوافر، ولا أنبوبه بمنسرح، وقد ذكرت بيتين كنت قلتهما في وصف حمام وهما: [من المتقارب]
وحمامنا كعبة للوفود … يحجُّ إليهِ حُفاةٌ عُرَاهُ
يكرّر صوتَ أنابيبه … كتاب الطهارة باب المياة
كان حجة في الأدب إلا أنها لا تحتاج إلى ثبوت، وشاعرًا ماثل العرب، وما ملت المدن له بيوت، لا يخذل نصيره، ولا يمل من مواقف الظَّفَر نصيره، لا يتكلف معه صديقه الكتمان، ولا يبالي معه إذا مشي وهو عريان، يكشف عنده الرؤوس كأنها واقفة في الاستغفار، وينزع لديه المخيط كأن بيته الكعبة ذات الأستار، ا هذا إلى محاسنه في حسن الصنيع، واعتدال الأوقات، حَمَّامُه كَأنها كلّها فصل الربيع، وأمانه لا يقال معها للداخل إليه: حفظ فما شك لا يضيع، كُلّ هذا وكان لمولاه نعم النصير، وإليه وإلا لا تنوي المسير.
وفيما وقع إليَّ من شعره الذي يشرب صهباء، ويطرب أبناء قوله: [من الطويل]
فكن عندما أَمَّلْتُ فيك فإنَّنا … جميعًا لما أَوْلَيْتَ مِنْ كَرَم أَهْلُ
ولا تعتذر بالشغْلِ عَنَّا فَإِنَّما … تُناط بك الآمال ما اتَّصلَ الشُّغْلُ
وقوله: [من الكامل]
إنِّي لأكره في الزمان ثلاثة … ما إن لها في عدها من زائد
قرب البخيل وجاهلًا متعاقدًا … لا يستحي وتودُّدًا من حاسدِ
ومن الرزية والبليةِ أَنْ تَرَى … هذي الثلاثةَ جُمعَتْ في واحد
ولما كتب إليه أبو الحسين الجزار (٢): [من المنسرح]
والعبدُ مُذْ كان في جِزَارَتِهِ … يعرفُ مِنْ أَيْنَ تؤكلُ الكَتِفُ
стр. 6485
كتب اليه (١): [من المنسرح]
أقبل عذرًا مِنْ كُلِّ معتذر … واطلب الرزق عند باريه
ومُذْ عَرَفْتُ الحمَّامَ صِرْتُ فتًى … لُطفًا يُدَارِي مَنْ لا يُداريه
أعرفُ حَرَّ الأشيا وبارِدَها … وآخذُ الماءَ مِنْ مجاريه
فكتب إليه الشمس الموصلي كان يقرضه لحسن قريضه، ويقرظه بما تحسد الشمس على وميضه، ويذكر ما يناسب الحمام، ورفع لموقده من ألوية الضرام، وأنه ذو البيت الذي ينفي من الدنس، ويزيل طهوره النجس، وهي: [من الطويل]
لئن فخرت بالمكرمات بنو مِصْرِ … فَإِنَّكَ بين الناس أجدرُ بالفَخْرِ
فما زلت ذا النادي النَّدِي لقاصد … كثير رماد القِدْرِ مُرتفعَ القَدْرِ
ونارك للعافين دائمةُ اللَّظى … لها لَهَبٌ يبدو كألويةٍ حُمْرِ
وبيتك بيت لم يزرْهُ مُدَنَّسٌ … فيذهب إلا وهو منه على ظَهْرِ
وكم سُقْتَ ياقوتًا إليه وجوهرًا … لزينته حتى نُسِبْتَ إِلَى أَمْرِ
فلا زلت ذا الرُّمح الطويل بهذه … يمينك عند النفع للبيض والسمر
ويسلب أسلاب الرجالِ وإِنَّهُ … لسلب فتى لم يأْتِ ذَاكَ على غَدْرِ
وكمْ لكَ مِنْ مَشْمُولةٍ قَدْ عَصَرْتَها … مُعَتَّقَةٍ للشرب طيبة النشر
وكم تائب وافاك يكشف رأسَهُ … فحقَّقت منهُ أَنَّهُ جَاءَ ذا عُذْرِ
وهذه أبيات يطاف بها، ويصاف إلى جنح الأصيل فائق ذهنها.
وما أحسن قوله: «فلا زلت ذا الرمح الطويل» وما فيه من الكناية، وما تحت ذيلها من حلو المزاح، ولطف الانبساط الذي كأنه صفو الراح.
فأما قوله: «وكم لك من مشمولة» فشبيه بقول أبي الفضل بن عبد الظاهر في الشملة، وهما متعاصران، ولا أعرف من هو أبو عذرته، فأما البيت الذي به ختمها، وجاء بمعانيه وكأنما قد مر قدامها خدمها، فهو كما نزله بيت معمور، وفصل يؤذن بأن الكلام بطاعته مأمور.
وقوله: [من السريع]
قوام غُصْن وسني بدر … يجولُ بين القلب والصَّبر
نطاقه يزجرُ أَرْدَافَهُ … إِذْ طلعت منه على الخضر
وكتب إلى السراج الوراق (٢): [من الخفيف]
أَيُّها المُحسنُ الذي وهَبَ اللَّـ … ـه تعالى الحسنى له وزيادة
أَنْتَ عودتني بفضلِكَ خيرًا … مِنْ قديم الزمان والخير عادة
وإذا ما أردتُ عندك قصدًا … جُدْتَ فضلًا بالقصد فوق الإرادة
стр. 6486
يا ابن بدر العلا الذي في مُحيَّا … هـ غَدَتْ كُلُّ نظرة في عباده
ضاع ما كان من وصولاتِ وصلِي … فتصدق بكتبها لي مُعادَة
كان عيسى إذا أتاني رسولًا … منك يجني خلًا أمت وداده
ومن الود قد قنعت مبرر … وكما قد علمت صيدي جَرَادَه
رِفْعَتِي مَعْ سعادتي منكَ قُرْبٌ … زادكَ اللهُ رِفعة وسعاده
وكان السراج الوراق قد رأى غلامًا ذَهَبَ الحسن خدّه، وقد اللينُ قده، وموه السحر ناظريه، وميل بوافر القلوب فتحترق على الفوز بوصاله، والتمتع عند العشاء برؤية هلاله، فما زال البصير حتى لَيْنَ عِطْفَ ذلك الغلام، وضرب بينه وبينه موعدًا إلى الظلام؛ فلما أمسى وقد حصل ذلك البدر في هالته، ووقع ذلك الغزال في حبالته، كتب إلى الوراق: [من الوافر]
تحرَّرَ أَمرُهُ تحرير خَدِّه … ولانَ كما يلينُ قَوَامٌ قده
فقم وانهض إليه بلا تَوَانٍ … بوصل لا بُليت بيوم صَدِّه
أتى بعلامة للحُسْنِ فِيهِ … فَلا مَنْ يُعامِلُهُ بِرَدِّه
وكم طالعتُ مِنْ شِعْرِ بَدِيعِ … فَأَنساهُ بِحُسْنِ نظامِ عِقْدِه
تسهدي لا يزالُ عليهِ طَرْفي … حياتي أو أفوز بطعم شَهْدِه
حتى ما تُبْتُ معتذرًا إليه … وأترك دائمًا قصدي لقصده
فقعد السراج عن انتهاز تلك الفرصة، وكاسر في قلبه غصة، وكتب إليه: [من الوافر]
أَمَا وأَبيكَ حِلْفَةَ مستزيد … بما آلي به إسعادُ جَدّه
لقد جددت لي وجدًا قديمًا … بناعِم خَدِّهِ وبِلِيْن قَدِّه
وما أنصفت أجفانًا مِراضًا … بهنَّ زَوَى المَشُوقُ صحيح وجدِه
ولحظًا ما نظرتُ إليهِ إلاّ … جُرَحْتُ بسيفه الماضي وحده
ولكن عائقٌ قَدْ صَدَّ عَنْهُ … كأَنّي ما خُلقتُ لغيرِ صَدِّه
ووصل في ضَمَانِكَ لَمْ يغثنى … على نأي الحبيب وبُعْدِ عَهْدِه
ومنهم:
[٥٥٩] يوسف بن سيف الدولة أبي المعالي بن رماح، بدر الدين، أبو الفضل بن مهمندار العرب (١)
له نسب إلى آل حمدان، وشرف يداني بني عبد المدان، ومعرفة بالأنساب لا
стр. 6487
يبلغها ابن بكار ولو بكر، ولا يعد البلاذري معها إلا أنه بدر، ولا يجيء معها الجواني إلا كأنه من خارج ولا حرم إلا وما لهمه من فارج بمعرفة لو دعي إليها الأصمعي لاعتذر، أو ابن الكلبي لنبح وألقم فيه الحجر، وهو ممن يروق في الأدب مشربه، ويرق في سيوف العرب مضربه، وخدم الملوك بمصر، وكان لديهم العزيز المكرم، والمشرف الذي يلبس حلل الربيع ولغيره المحرم، وكان الملك الظاهر بيبرس يدنيه مجلسًا ويُوريه قبسًا، وكان رحيب الصدر لا يكافيه كرم ولو عدم، ولا يقاس بفتى العرب منه هرم، ونظمه يُزْهَى على بدد الجمان ومدد القمر، التم لست وثمان.
ومنه قوله (١): [من البسيط]
عسى الليالي وفي قولي عسى خُدَعٌ … تردُّ لي مِنْ زماني بعض ما ذَهَبًا
بانوا بأبهى من الدنيا وزينتها … عندي وأكرم مطلوب إذا طلبا
كم بتُ أَرشف ثغرًا حَشْوُهُ بَرَدٌ … وكلَّما زدت لثمًا زادني لَهَبَا
وليلة مثل عين الظَّبْيِ وهو معي … قطعتُها آمنًا مِنْ يقظة الرقبا
أردفتُهُ فوقَ دُهْمِ الليلِ مُختفيًا … والصبحُ يركض خلفي خيله الشهبا
منها:
مَنْ حَاتِم وعطايا جُودِهِ جَمَلٌ … وجُوْدُ ذا جَمَلٌ يترى ولا عَجَبا
فأضمم يديك على مال به يعود … البدر لو قيدتَهُ وَثَبا
وارفق بنفسك لا تعديكَ راحتُهُ … فَتُغْرِقَ الناس في بعض الذي وَهَبَا
ومنهم:
[٥٦٠] ابن النقيب، محمد بن الحسن بن شاور الكناني ناصر الدين، أبو نصر
نقب عن الكواكب وأطلعها سوافر، وأبرزها في الليل عرزمها ولا يتمسك بعصم الكوافر، لا يعرف من قريحته غير الأمانة، ولا يقدر على مساهمته في كنانة، ولا يماثل منه في أمة الأدباء إلا فأنت الأواب، ولا يلاوى وهو ابن النقيب ودونه ابن البواب، لا بل هو بدر لا يطمح هلال بن هلال أن يكون له دارة، ولا يماثل أباه النقيب، ولا حاجب بن زرارة، يفوق الدراري حسن دُرّه الوسيم والغوادي ريقه غزله لسيب النسيم، ويأخذ لطفه بالقلوب، فيود لو كانت معه تحت الترسيم، وقد طارح الشعراء
стр. 6488
مصرًا أو شامًا، وأبرز وجوه الأدب وسامًا، وأتى بغرائب المعاني، وغرائر الكلم الغواني، وكان صَفًا يزلُّ عنه متن كُلّ مماتن، وبحرًا يقلّ لديه قدر كُلّ هاتن.
ومن شعره المختار قوله: [من مجزوء الكامل]
وأبا حني ثغرًا عَهِدْ … تُ حِماه ممتنع النواحي
ورشفتُ رِيقًا كالنَّدَى … مِنْ فوق ثغر كالأقاحي
وقوله: [من الكامل]
يا مَنْ أَدارَ سُلافةٌ مِنْ رِيقِهِ … وحَبَابُها الثَّغْرُ الشَّتِيْتُ الأَشْنَبُ
تفاحُ خَدِّكَ بالعِذارِ مُمَسَّكٌ … لكنه بدم القلوبِ مُخَضَّبُ
وقوله: [من الخفيف]
كم تجنيت أمردًا وتأليـ … ـت وكم تِهْتَ بالملاحة زائدْ
ثم زال الجميع إذ صرت ألحى … وبقي وجهنا ووجهكَ واحد
وقوله: [من المنسرح]
مَنْ لا له جوخةٌ ولا فَرْوَة … فكيف يلقى بخلق الشتوة
فما تَرى جسمَ مَنْ يكون بها … الفوار إلا من الكسوة
وقوله: [من الرمل]
قيل قدْ رَقَّ وقد لان لنا … وإذا المَحْبَر غير المنظر
قلت: إياكم وأن يخدعَكُمْ … رقةُ السيف ولينُ السَّمْهَرِي
وله: [من المتقارب]
وما غَيَّرَ الدهرُ مِنْ لِمَّتي … سِوَى أَنَّهُ بَيَّضَ الأسودا
وما كان ذاك السواد الذي … علاهُ الشَّعْرُ مِنْ قَبلُ إِلَّا صَدَا
وقوله: [من الوافر]
نَهَى شيبي الغواني عَنْ وِصالي … وواقع بين أحبابي وبيني
فلستُ بتارك تدبيرَ ذَقْنِي … إلى أن ينقضي أَجَلِي لِحَيْنِي
أُدَبِّرُ لِحْيَتي ما دمت حيًّا … وأعتقها ولكن بعدَ عَيْنِي
وله: [من مجزوء الرمل]
صِبْغَةُ اللحيةِ ذَنْبٌ … بدليل قد تأصل
فهي لا تبرح منهُ … كُلَّ يومٍ تُتَنَصَّلْ
وله: [من المتقارب]
ألا يا إمام الملاح أتئد … لقدْ ذَلَّ مَنْ بِالجمال انتصَرْ
ولا بُدَّ يُخْلَعُ عما قليل … إذا قام عارضُكَ المُنتظَر
стр. 6489
وقد أحسن في هذا كل الإحسان، وصاغه بأوضح عبارة، وأبداه بأقرب إشارة.
وله: [من الطويل]
خيال الفتى في كلِّ صافٍ لعينِهِ … كصَوْبِ الصَّدَى في سمعِهِ إِذْ يجاوب
فيسمعُ مِنْ ذا ناطقًا وهو صامتٌ … ويُبْصِرُ مِنْ ذا حاضرًا وهو غائب
ومثل هذا الشعر حقه أن يقدّم، وحكمه حكم ما تقدم.
وكتب إلى السراج الوراق وقد كان نور عينيه أن يُطفا ويتيم مقلته وما أغفى، حين أصبح ينظر لطرف أرمد، ويتوقد في محاجره نار لا تخمد، ويضع على عينيه الخرقة الزرقاء، فيذهب جوانبها شفقًا، وينشف دمعته وقد أصبح بها إنسانه غرقا، وأحمد إليه الرمد إذ أقعده النيروز عن بطش رِجْلٍ ويد، وكان في تلك السنة أي يوم أخلد أهل مصر فيه للخلاعة ولم يجعلوا لغير أمير النيروز سمعًا ولا طاعة، حتى بللوا من المارر إلى الطيالس، وعبثت برجال الأنس منهم الأبالس، كادت الأيادي تغترف الماء والأرض تكافيء عن مطر السماء، وأمير النيروز كأنه كسرى في فارس، وجنده بين عارٍ ولابس، وللماء ما زُرَّتْ عليه الجيوب، وللراح ما دارت عليه القلانس، والذي كتبه: [من مجزوء الرجز]
يا مَنْ تَشَكى رَمَدًا … لامتدّ للشكوى مدى
والله يكفي عَيْنَكَ الـ … ـعَيْنَ وأسباب الرَّدَى
فإنَّها عينُ السرا … ج لا أنطفا عَنِ الهُدَى
[و] إنَّها عينُ الرِّضا … فَما تَرى عينًا بَدَا
مولاي قل لي خَبَرًا … أَعرفُ منه المبدا
فنرجس العينين ما … أصبح كالوَردِ سُدَى
وصارم اللحظ الصَّقَيـ … ـلِ لَمْ تَغَشَّاهُ الصدى
وقد تخطّاكَ مِنَ النيرو … ز شَرٌّ وغَدا
مِنْ بعدِ ما بَلَّغَ مو … لانا بِهِ ما قَصَدا
يومًا مسامحين بِهِ … سَماحَ مَنْ سَنَّ النَّدَى
وطالما رَفَدْتَ فيـ … ـهِ مَنْ أتى مستر فدا
مِنْ كُلِّ مَنْ مَدَّ إلى … فضلِكَ عَينًا وَيَدَا
وطالما غَفَرْتَ من … ـهُ ذَنْبَ مَنْ تَعَمَّدا
وكمْ عَفَوتَ صافحًا … عَمَّنْ تجرا واعتدى
حتى انقضى عنك وما … وأخَذْتَ فيهِ أَحَدا
فأجابه: [من مجزوء الرجز]
أهلًا بها أَنْدى على الـ … أكبادِ مِنْ قَطْرِ النَّدَى
стр. 6490
لا بل الدُّ مِنْ سِنَاتٍ … عاودت مُهدا
ومن نسيم انقطعت … أجفان زُهْرِ سُجَّدًا
قابلت منها أسْطُرًا … حَمَتْ جفوني الرمدا
كأنما كان سوا … د النفس منها إثمدًا
نصف سراجًا مُنْذُ … نَوَّهْتَ به ما خمدا
رطب اللسان بالثنا … زردته تَوَفدا
قالت له العلياء قد … جاورت فارق الفرقدا
أثنى عليك ابن النقيـ … ـب منسبًا ومنشدا
وجاء في الإخماص بعد … الجد يطوي الجددا
يسألني عن نرجس … الناظر لم توردا عن نرجس
فقل له وإن تجرأ … في السؤال واعتدى:
سل الأمير دام والا … مر إليه أَبَدًا
ويلًا فهلا ظنني … حظيت بالكأس يدا
وأنني شربت في … مثل اللجين العَسْجَدا
حمراء أسبلت عليـ … ـها الليل سترًا أسودا
فَظَلَّ يبدو شفق اللـ … يلة في عيني غدًا
قالوا: فما أَمْرُكَ في … التوبة حيث دُرْتَ البلدا
وإن ندمانك قا … لوا ما عدا فيما بدا
فلا تغالط كَمْ تَنى … النيروزُ طَرْفًا أَرْمَدا
قُصِفْ لَنَا الحَالُ عَلَى الـ … ـواقِعِ وَصْفًا جَيِّدا
قُلْتُ: وَمَنْ وِصَالٍ … بِهَا مُخَلَّقَةٌ أَوْ جُدَّدَا
يَقْطُرُ لُبَدٌ .... العَيْشَرُ فِي مَا لَبَّدَا
مُرَشَّحَاتٌ كِبَدًا … مُوَشَّحَاتٌ كُتَّدا
فِي مَعْشَرٍ قَدْ أَغْمَدُوا الـ … ـبِيضَ وَسَلُّوا الأَغْمِدَا
وَجَرَّدُوا البِيضَ مِنَ … الأَرْجُلِ تَسْتَعلِي يَدا
وَفَرَّعُوا وَسَائِدًا … لَمْ تَبْقَ مِنْ تَوَسُّدًا
قَدْ أُخِذَتْ مِنْ عَامِهِمْ … نَارًا فَأَمَّتْ صُعُدًا
وَهَكَذَا أَنْطَاعُهُمْ … قَدْ شَمِلَتْ مَنْ أَرْتَدَى
فَسَهَّلُوا الْأَخْلَاقَ حَتَّى … لَمْ تَجِدْ مَنْ جُرَّدًا
وَاطَّرَحُوا الْكِبْرَ فَمَا … رَأَيْتَ مِنْهُمْ أُصَيِدًا
وَلَانَتِ الْأَجْيَادُ حَتَّى … قُلْتُ: مَالَتْ جَيِّدًا
стр. 6491
وكان أشهى ما إلى … رئيسهم أن يعقدا
أَمَا تَرَى وجه الظريـ … ـف أحمرًا موردا
وهو الذي ما رد للـ … ناعل والحافي يدا
يستعذب الأيدي يديه … ساحلًا وموردا
سبحانَ مَنْ خَوَّلَهُ … فيما يُنافي السؤددا
ووالدي عَوَّدَهُ … مِنْ ذاكَ مَا تَعَوَّدا
ما شهدت عيني في … النيروز ذاك المشهدا
ولم أكن مجاهدًا … بل كنت ممن قعدا
فظن خيرًا كنت للـ … ـخير تُرجي أبدا
وقوله؛ وكتب به إلى كمال الدين بن العطار: [من مخلع البسيط]
لاتعذلوا من بكي لبين … وبَدَّلَ الدمع بالدماء
إن فراق الكمال صَعْب … حتى على البدر في السماء
وقوله: [من الطويل]
تَنَزَّلْ مَجَازًا لا حقيقةَ واتَّضِعْ … شَبِيها ببدر التم وسط سمائِهِ
أَلَمْ تَرَهُ في كلِّ نهرٍ وجدولٍ … يُنَزَّلُ حتى لاح في قر مائِهِ
وقوله: [من الكامل]
خوف الوشاة وخَشْيَةُ الرُّقباءِ … مَنَعَا مِنْ التصريح والإيماء
ورواة أخبار تحرف قولها … وتضيف أفعالًا إلى أسماء
وإلام العامي لذكر أحبتي … حتى كأن أحبتي أعدائي
وأسير من أعين غادَرْتَنِي … نَصْبًا لها لكن على الإغراء
ووحقهم لولا الوشاة لحوتهم … ولزمت بانَهُمُ لُزُومَ شَنَاءِ
وأعيد ذاك مكررًا ومرددًا … مُستحسنًا في مثله إبطائي
ولقد أخافُ الهَمْز في وَصْلِي لَهُمْ … فأَميل للإدغام والإخفاء
وقوله: [من الكامل]
شَيْخُ يغرُّ الناظرين بلحية … في العيون بقيةٌ بيضاء
يلهو كما يلهو الشباب بجهلِهِمْ … فكَأَنَّها ببياضها سَوْداءُ
وقوله: [من الكامل]
يا ناظري ما خِلْتُ أَنَّكَ هكذا … عَوْنًا عليَّ وأَنتَ مِنْ أعضائي
أوقعتني وفعلت بي والله ما … لا يفعل الأعداء بالأعداء
وقوله: [من مجزوء الكامل]
داويته بلطيفِ عَيـ … بِ فِيهِ لِي وله شفاء
стр. 6492
وحَسَسْتُ نَبْضَ ضَمِيرِهِ … فَوَجَدْتُهُ وبه امْتِلاءُ
وبدا التغير بالدليل … مِنَ الجَفَا ولا خَفَاءُ
فأتيتُهُ بِمُحَرِّك … ما إن تقدمَهُ احْتِماءُ
ولربما فَعَلَ المُحرِّك … فوقَ ما فعل الدَّوَاء
الله هذه القطعة المقطوع لها، وما تضمنت من الألفاظ الظريفة، والكنايات الحسنة، وما نسب استعارة النبض للضمير مع ترشيحه بالحس إلى غير ذلك من بقية ما أتى به مما يناسبه، وهنا تبين القدرة.
وقوله: [من السريع]
يا من النار ماء أجفانه … لمْ تُطفِ مِنْ نيران أحشائِهِ
كمْ رَفَعَ الدمعُ لَهُ قِصَّةً … يذكرُ فيها بعض إنهائه
فوقعَ العِشْقُ على ظَهْرِها … يجري على عادة إجرائه
وقوله: [من الوافر]
أقول لنوبة الحمى: أتركيني … ولا تَكُ مِنْكِ لي ما عشتُ أَوْبَهْ
فقالت: كيف يُمكِنُ تَرْكُ هذا … وهل يبقى الأمير بغيرِ نَوْبَة
وقوله: [من الكامل]
سترث محاسنَها بِغَيْم نقابِها … لتصونَ ذاكَ الحُسْنَ بالتنقيب
والبدر يستره الغَمَامُ وحُسْنُهُ … متصوَّر في أعين وقلوب
وقوله: [من المتقارب]
أَرَى الشَّيخَ نَجْلَ الإمام الذي … عَرَفْنَاهُ مِنْ قبلها سائبا
غَدًا حاجبًا بعدَ شَيْبٍ علاه … وما أقبح الحاجب الشائبا
وقوله: [من الكامل]
وَلَقَدْ ركبتُ مِنَ الحميرِ مُكَمَّتًا … مكرًا بَطِيًا للحرانِ مُصاحِبا
رِجْلايَ في جَنْبيه منذُ ركبتُهُ … لنْ يَفتُرَا فَغَدَوتُ أمشي راكبا
وقوله: [من السريع]
أَقولُ إِذْ نَفَّسَ عَنْ أَنْفُسِ … بموته الشدّة والكُرْبَة
لا بَرَّدَ اللهُ لَهُ مَضْجعًا … ولا سقى الله لهُ تُرْبَه
وقوله: [من المنسرح]
يا طالب الكيمياءِ مُجْتَهِدًا … أَما تَمَلُّ السؤالَ والطَّلَبَا
دع ابن حيان والشذور وما … الغَزَ فيها ودونَكَ العِنبا
كَمْ أَخذَ الماءُ فِضَّةٌ ولَكَمْ … أَعادَهُ بعدَ عَصْرِهِ ذَهَبًا
стр. 6493
ما ألطف نسيم هذا الشعر وأطيبه، وأخفّه موقعًا وأعذبه وأحسنه قوله: «وأعاده بعد عصره ذهبا» وما في هذا من حسن الاستخدام.
وقوله: [من الطويل]
أَرِحْ نَظَرِي مِنْ عابس الوَجْهِ يابس … لهُ خُلُقٌ صَعْبٌ ووجهُ مُقَطَّبُ
أقولُ لَهُ إِذْ أَيْأَسَتَني صفاتُهُ … ... وإن قيل: إِنِّي في المطامع أَشْعَبُ:
متى يَظْفَرُ الآتي إليكَ بِسُؤْلِهِ … وينجح في مسعاهُ قَصْدٌ ومطلب
ولؤمُكَ سَيَّارٌ وشَرُّكَ ياسِرُ … ووجهكَ عبَّاسٌ وخُلْقُكَ مُصْعَبُ
وقوله: [من السريع]
يقول جسمي لنحولي وقدْ … أَفْرَطَ بِيْ فَرْطُ ضنّى واكتئاب
فعلت بي يا سقيم ما لم يكن … يلبس والله عليه الثياب
وقوله: [من البسيط]
جاء العذار الذي ما كنتَ تحسَبُهُ … وكَانَ عندَ سِوَاهُ ذاكَ مَحْسُوبَا
فقلت لما عليه ذا القضاء جرى: … قد كان هذا على خَديكَ مكتوبا
وقوله: [من الكامل]
لوْ أَنَّ لي في الأَمْرِ حُكمًا نافذًا … ومَلَكْتُ بَسْطَ الأمر في التعذيب
لقطعتُ أَلْسِنَةَ العَوَاذِلِ كُلِّها … ولكنتُ أقلع عينَ كُلِّ رقيب
وقوله: [من السريع]
لو لحن المقبل في آيةٍ … لقيل عنه: إِنَّهُ يُعرب
ولو فَسَا يومًا لقالوا له: … مِنْ أَينَ هذا النَّفَسُ الطَّيِّبُ؟
وقوله: [من المنسرح]
ا غائبًا لوْ قَضَيْتَ مِنْ أَسَفٍ … مِنْ بَعْدِ ما قَضَيْتَ ما يجب
ما تَرَكَ السُّقْمُ بعدَ بُعْدِكَ لي … واللهِ جَنْبًا عليه أنقلب
وقوله: [من السريع]
أيا شبابي كيف صديتَ عَنْ … لِحيَتِيَ السَّودا وخليتها
وأنت يا شبيبي شاباش قد … بيّضتها عندي وجَلَّيتَها
وقوله: [من الطويل]
وما بي سِوَى عين نظرتُ لحُسْنِها … وذاك لجهلي بالعيون وغرتي
وقالوا به في الحُبِّ عَيْنٌ ونَظْرَةٌ … لقدْ صَدَقُوا عين الحبيب ونظرتي
وقوله: [من المنسرح]
وليلةٍ أَظْلَمَتْ جوانبها … فلا نجوم ولا سماوات
стр. 6494
ضَلَّتْ بأفلاكها كواكبها … وكم بها في الدُّجَى هداياتُ
فأوقد البرقُ مِنْ َمشاعِلِهِ … لها ودَقَّتْ للرعد كوساتُ
وقوله: [من البسيط]
قل للوزير محمدِ بنِ محمدٍ … يا مِنْ هوَ الأَرَجُ الذَّكِيُّ لمنْ دَرَج
أنت الذي دار السعادة داره … طول الزمان وبابه بابُ الفَرَج
وقوله: [من البسيط]
يا مَنْ مقاماتهُ في الجُودِ مُذْهَبَةٌ … من تشاريفه وشي ودياج
أعطيتني جَسَدًا مُلقى وليسَ بِهِ … روح وللبرد إقلاق وإزعاج
وليسَ عَنْ فَرْوة تحت الحريرِ غِنِّى … إنّ الحريري للفراء مُحتاج
وقوله: [من المتقارب]
وذي كَرَم لم يكن بابه … لراجيه في مرتجي مُرْتَجى
ولم أَرَ مِنْ قَبلِهِ مَنْ رَقى … إلى رتبةٍ مَعْرَجًا مَعْ رَجَا
فكم من طريق إلى مدحه … وما يلتقي مَنْهجًا مَنْ هَجَا
وقوله: [من البسيط]
ما دامَ لِي مَوْعِدٌ منكم وليْ أَمَلٌ … فيكم فإنّي غني غير مُحتاج
وكيف أشكو خُمُول الذكر في زمن … يُشار لي فيه هذا صاحب التاج
وقوله: [من مجزوء الرمل]
قال فتح الدين قولًا … وهو في مَجْنٍ ومَزْحِ
كيف يا مولاي في الكثـ … ب حدثني قلتُ فتحي
وقوله: [من الطويل]
سمعتُ بما تشكو وما أَنْتَ واجِدُ … فَظَلَّتْ دُمُوعُ العين في الخد تسفح
فأرسلتُ خَطي في العيادة ثانيًا … وما كلُّ خَطَّ للقيادة يصلح
وقوله: [من الكامل]
شكوى الزمان وأنتَ [فيه] قبيح … ولو أنَّ روح المرء فيهِ تَرُوحُ
ومحلك المرفوع والمخفوضُ قَدْ … رًا حاسدوك وبابك المفتوح
وقوله: [من الطويل]
نَصَبْتُ عُيُونِي للخيالِ حبائلًا … لَعَلَّ خَيالًا منه في النوم يَسْنَحُ
وكيف إذا غمضتُهُنَّ أَصِيدُهُ … ومِنْ عادة الإشراك للصيد يُفْتَحُ
وقوله: [من الوافر]
أديب ليس ينجو منهُ حَيٌّ … ولا مَيْتٌ يوسدُ في الصَّرِيحِ
стр. 6495
فيقصد قبر هذا بالمراثي … ويقصد باب هذا بالمديح
وقوله: [من المنسرح]
رضاب فتح يُشفى الغَلِيلُ بِهِ … والبرءُ في رشفِهِ مِنَ البَرح
وشم آس العذار يُنعِشُني … منه وتفاحُ خَدِّهِ الفَتْحِيَ
وقوله: [من السريع]
يا ساكني جِلْقَ أَشْكُو لكمْ … مِنْ قاسيون بعض ما عندي
فَبَرْدُهُ الفارِسُ مِنْ ثَلْجِهِ … غَيَّرَ حتى اللون من جلدي
وكنتُ بالكسوة أَرْجُو الدفء … فَمُتُّ في الكسوة بالبَرْدِ
وقوله: [من مخلع البسيط]
حدثت عن ثغره المُحَلَّى … فَمِلْ إلى خَدِّهِ المُوَرَّدْ
خد وثغر فَجَلَّ رَبِّ … بِمُبدَع الخَلْقِ قد تفرد
هذا عَنِ الواقدي يُرْوَى … وذَاكَ يُرْوَى عَنِ المُبَرِّدْ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
ذات العماد ووصفُهُ … حُسْنانِ داما في أزديادِ
فإذا طَلَبْتَ الحُسْنَ أَجْـ … ـمَعَ فهو في ذات العمادِ
وقوله: [من الوافر]
وقالوا: رِجْلُهُ مُنِيَتْ بوَهْنِ … وقاسى منه آلامًا شديده
فقلتُ: وَهَلْ مَشَى مَرَحًا فَزَلَتْ … بِهِ قَدَمٌ مَراميها سَدِيدَه
وكيف وما سَعَتْ إلا لخيرٍ … ولا سَلَكَتْ سِوَى الطُّرق الحميدة
وقوله: [من الرمل]
ماتَ حُسْنُ الخَدّ ممن كانَ لَا … يحفظُ العَهْدَ ولا يرعى ودادي
فَكَسَاهُ الشَّعْرُ مِنْ حُزْنٍ على … حُسْنِه الدارج أثواب الحِدَادِ
يا لَها مِنْ كسوة قَدْ تَرَكَتْ … خَدَّهُ الأبيض مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ
وقوله: [من السريع]
لحيته البيضاءُ ثَلْجِيَّةٌ … وهيَ كما تعلمُ بَرَادَه
وكمْ غَدَتْ بالعَقْصِ سوَّادَةً … وفي الخرا السائح سواده
وقوله: [من الطويل]
وجُرِّدْتُ مَعْ فَقْرِي وشيخوختي التي … بها عادَ نَوْمِي عَنْ جُفُوني يشردُ
فلا يَدَّعِي غيري مقامي فإنني … أنا ذلك الشيخ الفقيرُ المُجَرَّدُ
وقوله حين ولي السنجاري الوزارة للملك السعيد، فعوجل خلعه: [من الوافر]
стр. 6496
تَطَيَّرَتِ الوزارةُ مِنْ قريب … بصاحبها الجديد ومن بعيد
وقالتْ: كَعْبُهُ كَعْبٌ مَشُومٌ … ولا سيما على الملك السعيد
وقوله: [من الكامل]
ما في النصارى حاسِبٌ مُتَعَقِّلٌ … إِنْ رُمْتُ إلا جاهلًا أَوْ جاحدا
وقوله: [من الوافر]
مَشَتْ أَيامُكُمْ لا بلْ نَرَاهَا … جَرَتْ جَرْيًا على غير أعتيادِ
وما عُقِدَتْ نواصيها بخيرٍ … ولا كانت تُعَدُّ مِنَ الجِيادِ
انظر رشاقة هذا المعنى، ووثاقه هذا المبنى.
وقوله: [من المجتث]
جانب غباغب واحذَرْ … منها حِجارًا ومِحْجَر
فلو جَرَى الماء فيها … والهوى تَعَرْ
وقوله: [من الخفيف]
قد أتى وإبطه يفوحُ صُنانًا … يَتْرُكُ الأعين الصحيحة جهرا
فاحذروا من لقائه وتوقّوا … فهوَ لا غيره تأَبَّط شرا
وقوله في الخروف المغني: [من الخفيف]
عجبًا للخروف يهرب منّي … في حماةٍ أو يعتريه نفار
أتراه يظن أنّي [أنا] الشو … اء أو ظنّ أنني الجَزارُ
وقوله: [من الطويل]
وكانت جهاتي فِضَّةً بوصالِكُمْ … فِغَيَّرْتُمُ ما كان منها مُقَرَّرا
ورتبتم من أدمعي لي جاريًا … وأطلقتموه جاريًا مُتَوَفِّرا
وقوله: [من الوافر]
وسمت الشياطين بوسم هجو … أفراخ مذ وغا داغ الحمير
وليس مِنَ الجِيادِ فَمَنْ رَآهُ … قَرَاهُ وقال: ذا داغ الأمير
وقوله: [من البسيط]
يا ليلةً لذَّلِي فيها بهِ السَّهَرُ … وطابَ لي بحديثِ الأَسْمَرِ السَّمَرُ
وغَرَّني قَمَرٌ بالقُرْبِ ثمَّ نأى … ولستُ أول شخص غره القمر
وقوله: [من المجتث]
شوقي إليك عظيم … وما خَفِي عَنْكَ أَكْثَرْ
وسل فؤادَكَ عنهُ … فإِنَّ قلبكَ أَخْبَرْ
وقوله: [من الكامل]
ومنكرش أضحى يُحلِّقُ سُفْلَهُ … لعساه لا يشكي إليهِ ويُشْكَرُ
стр. 6497
ويقص لحيته فإن ناديتَهُ … لبّاك وهوَ مُحَلِّقٌ ومُقَصِّرُ
وقوله: [من المنسرح]
في جَفْنِ ذاك الغزالِ أَربعةٌ … وهي عيوب بهنَّ يُفْتَخَرُ
والجَفْنُ يسبيكَ إذْ يكون كذا … وسنان كسلان فاتر خَدُ
وقوله: [من البسيط]
قدْ كَانَ أَسْوَدُ شَعْرِي حينَ أَحْمِلُهُ … أخف مِنْ رُوح زَوْراتي وأَنفاسي
واليوم قد صار لما ابيضٌ أَسْوَدُهُ … كَأَنَّهُ الجَبَلُ الراسي على الراس
وقوله في إبريق: [من الكامل]
ما أَحْسَنَ الإبريق حينَ بَدَا … بكياسة ما بين أكياس
إحدى يديهِ تَسِحُ جائدَةً … بِسُرُورِ خلان وجُلاس
ويشير بالأخرى لهامتِهِ … أَي أَنْ خدمتكم على راسي
وقوله وقد قدم حماة فتحجب له الخروف المغني مظهرًا له مكاتبة من ملكها المظفر بن المنصور: [من المنسرح]
أصبحَ صوف الخروف منفشًا … وهو على الأَرْضِ تائهًا يمشي
فقل لنجل المُظَفَّر الملك الـ .. منصور لا زال على العَرْشِ
جُزِيْتَ خيرًا عَمَّنْ صَحِبْتَ فَقَدْ … جَمَعْتَ بينَ الخَرُوفِ والكَبْشِ
وقوله: [من السريع]
قدْ كُشِفَتْ عَوْرَاتُ حُكَامُنا … وكَشْفَةُ العَوراتِ مُسْتَشْنَعَهُ
وكيف لا تكشفُ عَوْراتُ مَنْ … أَصبحَ في الناس على أَرْبَعَهْ
وقوله: [من السريع]
لا تسألَنْ عَنْ حالِ شَوْقي فقدْ … حُمِّلَ فوقَ الطَّوْقِ والوُسْعِ
وإن يكن بينهما ناقل … فاستقص عن طرفي ومن معي
وقوله: [من الكامل]
قالوا: رأينا العِلْقَ يُنْفِقُ مُسْرِفًا … والعِلْقُ لا شيء لديه ولا مَعَهُ
فَأَجَبْتُهُمْ إِنفاقُهُ مِنْ سَرْمِهِ … قالوا: صَدَقْتَ لَذاكَ يُنْفِق مِنْ سَعَهْ
وقوله: [من الوافر]
رميتُ بمُهجتي جمراتِ شَوْقي … ولم يأخُذْكَ بالمشتاقِ رأفة
فهرول دمع عيني فوقَ خَدِّي … وما حَصَلَتْ له مع ذاك وقفة
وقوله: [من الرمل]
أَخَذَ المسواك يستاك به … فشكا المسواك من ذا وبكى
стр. 6498
ثم ناداه وقدْ قَرَّبَهُ … مِنْ فَم بالنتْنِ أَمسى مُهلِكا
حُطني في سُرْمِكَ الواهي إذا … قُمْتَ تُخْرا واعفنِي مِنْ فَمِكَا
وقوله: [من الرجز]
أهلًا بِهِ مِنْ وَلَدٍ مُبَارَكِ … يسلك مِنْ طُرْقِ أَبِيهِ مَا سَلَكْ
بدرٌ جَلا عَنَّا الدياجي نُورُهُ … وكمْ مَحَا ضوءُ أَبِيهِ مِنْ حَلَكْ
بَشَّرَتِ العَليا بهِ والده … بشارة تعم أرضًا وفلك
قالت لعدمه من أملي … بلغك الله تعالى أَمَلَك
فكلنا أَصْبَحَ مسرورًا بهِ … لأَنَّهُ قُرَّةُ عين لي ولك
وقوله: [من الكامل]
أعملت فكري في السماءِ وقَدْ بَدَا … فيها هلال جسمه منهوك
فكَأَنَّمَا هِيَ شِقَةٌ ممدودةٌ … وكَأَنَّهُ مِنْ فوقها مَكُوك
وقوله: [من الخفيف]
نَدَفَ الثلج قُطْنَهُ فأَرانا … كيف شابَتْ منهُ رُؤُوسُ الجبال
وأتانا بريدُهُ فَغَدَتْ تُرْعَدُ … منهُ فينا قلوب الرجال
وسرَتْ ريحُهُ فَضَرَّطَ إِذْ … هَبَّتْ مِنَ البَرْدِ كُلُّ وافي السِّبالِ
وقوله: [من الوافر]
كأَنَّ البحر ميدان وفيهِ … مِنَ السُّفُن التي تجري خُيُولُ
يُطارِدُ بعضُها بعضًا وليستْ … تَكِلُّ ولا لَها عَرَقٌ يسيل
وما يُعزى لا عوج في انتساب … وللبحار نسبتها تؤول
وها دونك تمتع بهذه المحاسن، وَرِدْ منها غير آسن.
وقوله: [من الخفيف]
لَكَ وَجهٌ وَفيهِ قِطعَةُ أَنفٍ … مِثلُ خَيطٍ قَدْ أَدعَموهُ بِبَغلَة
فَهوَ كَالقَبرِ في المِثالِ وَلَكِن … جَعَلوا نَصبَهُ عَلى غَيرِ قِبَلَهُ
وقوله: [من الرجز]
قُلتُ وَقَدْ أَسبَلَ مِنْ لِحاظِهِ … دُرُّ دُموعٍ وَفُؤادي ذاهِلُ
وَاعَجَبًا مِنْ نَرجِسٍ في رَوضَةٍ … يَقطُرُ مِنهُ الماءُ وَهُوَ ذابِلُ
وقوله: [من الكامل]
قالوا: عِذاركَ مُخْبِرٌ عَنْ لَوْعَتِي … فأَجِبتُهم هيهات بل هو سائل
ولقد أرق له إذا شاهدته … وعليه أسُ عِذَارِهِ مُتحَامِلُ
وقوله: [من السريع]
رأيت في بيتك سجادة … لم تقع العين على مثلها
стр. 6499
غريبةً تشتاق أوطانها … فردَّها الله إلى أهلها
وقوله: [من المنسرح]
ما هكذا كانَ مَنْ تقدَّمَكُمْ … ولا التواقيع والمراسيم
إذا انقضى العام أُبْطِلَتْ أَتُرَى … هذي تواقيع أم تقاويم
ولما خرج الركاب المنصوري إلى حمص للقاء التتار، كان تحت لوائه، متدرعًا بولائه متنوعًا في حسن بلائه، إلى أن شهد ذلك اليوم وقد تسربل دمًا، وبل لبان حصانه مقدمًا، وكانت النوبة التي يثبت بها قدم الإسلام، وعلم أنها مقدمة لاسترجاع دار السلام، وكان قد حضرها سنقر الأشقر بعد مباينته، وأسلم بها كل قلب بعد مشاحنته، ثم لما نصرت العصابة المحمدية في ذلك الموقف، وقف أمام السلطان، وأنشده غير متوقف. والمختار من قصيدته قوله: [من الطويل]
هي النعمة العظمى هي النَّصْرَةُ الكُبْرَى … هي اللفظ والمعنى هي البِشْرُ والبُشْرَى
هي الوقعة الصَّمَّاءُ والحطمة التي … بها انكسر الكفر الذي لم يجد جبرا
وأمكن من صمغار حد سيوفنا … فخرَّ مِنَ الأذقان لا ساجدًا شكرا
ونكس أعلامًا وقل كتائبًا … لمنكوتمر كالأسد في الحرب بلْ أَضْرَى
علما رأوه قدْ تَقَطَّرَ قاتلوا … عليه قتالًا قَطَّعَ البِيضَ والسُّمْرًا
وراح ثخينًا بالجراح مُصَبرًا … يئن ويشكو مِنْ مَضاضَتِها ضُرَّا
قل الرؤوس المُغْلِ: إِنَّ قلاونًا … هو السيف ضَرَّابًا لأَعْناقِكُمْ قَهْرًا
هو الملك المنصور والله خاذل … أعاديه خُذلانًا وناصِرُهُ نَصْرًا
هو القائد الجيش العَرَمْرَمَ خَلْفَهُ … إلى القان في موغان يطلبه جَهْرا
عساكر ملء الأرضِ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ … تَجَمَّعْنَ حتى فاتتِ العَدَّ والحَصْرًا
فلم ينج منها الوحش عند إثارة … ولا الطير في جو السماءِ إِذا مَرَّا
فقل للتتار العادمين عقولهُمْ: … نَسِيْتُمْ سيوف التَّرْكِ تضربُكُمْ هَبْرا
وكمْ كَسَرُوكُمْ مَرَّةً بعد مرة … فما حَصَرُوا القتلى ولا استوعبوا الأسرى
وأنتم بسيف الدين أَخْبَرُ في الوغى … فذاكَ هُمامٌ قَدْ أَحَطْتُم بِهِ خُبْرَا
أَأُنْسِيتُمُ في عين جالوت ما جَرَى … وفي العَيْنِ قد أجرى دماءَكُمُ نَهْرا
أما كان في غير الفرات إليكم … مقدمة الجيش الذي عَبَرَ البَحْرَا
أما كان في يوم البلستين أولًا … وأعيُنُكُمْ ترنو إلى نَحْوِهِ شَزْرا
وفي الملتقى ما بين حمص وحماة … تلقاكم السيف الذي يقطع العُمْرا
فداسكُم مِنْ خيله بحوافرٍ … حَفَرْنَ لكم في كل جلمودة قَبْرًا
стр. 6500
أَغَرَّكُمُ مِنْ صاحب السيس قولُه … فكم غرّ بالقول المحال وكم أغرى
وقد وعدته الترك أَنْ ستزورُهُ … ولو أَنَّ أَرضَ السيس مفروشةٌ جَمْرًا
وأنتم فأدرى في الوعود بصدقهم … فما أخلفوا قولًا ولا اختلقوا عُذْرَا
فَمَنْ مُبلغ تحت التراب هلاونًا … وقائع تُرْكِ تقطع القلب والظَّهْرَا
ومَنْ مُبْلِغ بيبرس أَنَّ قلاونًا … حَمى الشامَ مِنْ أَعدائها وحمى مِصْرَا
سقى الله عهد الحيِّ والمَيْتِ منهما … سحائب تكسو الأرض أرديةً خُضْرَا
وحيا مُحَيا طالع بعد غاربٍ … جَلَا الهمَّ عنْ كُلِّ القلوبِ وقد سرا
وتعجبني شمس النهار إذا بدت … على أَنَّها في الوصفِ تُذكرني البَدْرَا
وبغداد ترجو أن يسير لنحوِها … ويفتكُها منهم بأسيافِنا قَسْرًا
ومَنْ مُخْبِرُ خاقانَ أَنَّ قَبيلَهُ … قد أعطاهم الله المهابة والنَّصْرَا
فلا يعتقد مُغل التتار بأنَّهم … قد اختلفوا في الرأي أَوْ أَضمروا غَدْرَا
فما اختلفت منهم قلوب تأَلَّفَتْ … على الشُّكْرِ في الدنيا أو الأجر في الأُخْرَى
وما فارقت زُهْرُ النجوم سماءها … ولا الماءُ مجراه ولا الحَبَبُ الخَمْرَا
وقد نَزَعَ الشيطان ما بينَ يوسف … وأُخوتِه حتى أَرادوا بهِ شَرا
فأعطاهم مما لديه ومارَهُمْ … وزَوَّدَهُمْ بُرًّا وزادَهُمُ بِرًا
وقد قال: لا تثريب بعد عليكم … وقد سأل الله الكريم له غفرا
وسلطان مصر يقتفي إثر يوسف … ليُبقي ثواب الله والحمد والشكرا
ويعلم أنَّ اللهَ آثَرَهُ إذا … عليهم بما أعطاهُ مِنْ نِعَم تَتْرَى
والله في ملك الملوك سريرة … لمصلحة قد شاءها وهي لا تُذرى
لخير أراد الله ملك قلاون … فأحيا به الإسلام والملة الغرا
فهن بهذا الفتح سكان مكة … وهن به البيت المُعَظَمَ والحِجْرًا
ووجه ولي العهد وجه مبارك … على الدين والدنيا وسكانها طرا
وما هو إلا الصالحُ المَلِكُ الذي … أَمِنَّا به الأعداء والدهر والفقرا
قدام علي في علو وقُدْرَةٍ … يُرى دونَهُ الأكليل والغفرُ والشَّعْرَى
وسيف علي ذو الفقار قلاون … والله ما أمضاه سَيْفًا وما أَبْرَا
فلا زالت الأعلامُ تُنْشَرُ خَلْفَهُ … ولا طَوَتِ الأيام [يومًا] لَهُ ذِكْرًا
قال ابن المحفدار: فلم يبق من السلطان وكبار الأمراء إلا من بره وأجزل لديه إحسانه وبره.
стр. 6501
ومنهم:
[٥٦١] محمد بن باخل (١)، الأمير شمس الدين أبو عبد الله الأموي (٢)
فمن فات عليه سمرة بني عبد شمس، وفاتت الأكفاء له سابقة يوم وأمس، وولي الأمر فضاحكه الأقحوان، وتبسم روضه لتلفى بسهم له، وهو وان، وضرب في الأدب إلى منتهى أعراقه، وضر ضوء الصباح بإشراقه.
كتب إليه السراج الوراق معلمًا بثناء الصدر بن حاسه عليه يقبل الأرض مملوك ومشتاق بدينه منك صبابات وأشواق: [من البسيط]
في قلبه لك شمس الدين ما طلعت … شمس وما عذبت بالود أشواق
يُنهي إليكم بأنَّ الصدر ممتلئٌ … حُبًا لكم ولهُ عَهْدٌ وميثاق
وأَنَّهُ قامَ يُثني في المحافل … وهامت بأشجاعه ورق وأوراق
وقد أتيت حسبة منه شهادته … فإن قبلتم وإلا فهو وراق
فكتب جوابه: [من البسيط]
مِني السَلامُ على مَهدي مُحَبَّتِهِ … تَفَضُّلًا فَهُوَ لِلغاياتِ سَبَّاقُ
أُثني على الصَدرِ ما يَحويهِ مِنْ خُلُقٍ … وَقَولُهُ صَحَ عِندي فَهُوَ مِصداقُ
بِنورِهِ يَهِتدي مَنْ ضَلَّ عَنْ سُبُلٍ … لَهُ عَلى الأَرضِ أَضواءٌ وَإِشراقُ
طِباعُهُ الخَيرُ لا تَنكًا جِراحَتُهُ … فَهُوَ السِراجُ الَّذي ما فيهِ إِحراقُ
ومنهم:
[٥٦٢] عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد، ابن تُؤْلُوا، معين الدين، أبو عمرو العمري المصري التنيسي (٣)
كان أحد الشعراء في عصره الذي ما جنح، وزمانه الذي به متح، وكان خاطره
стр. 6502
أغزر ينابيع الأدب، ومجاميع ما حفظ من لغة العرب، إلا أنه ممن لبس جلابيب الخلاعة، ورأى سوى قطع الأوقات للهو لعمره إضاعة.
قال الفاضل أبو الصفاء: ولد بتنيس سنة خمس وستمائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وستمائه، وكان أحد الشعراء في عصره، وعليه تخرج الحكيم بن دانيال، وبه تأدب وكان ابن دانيال يسخر به ويهزء ويُضحك منه الناس.
ومن شعره (١): [من المنسرح]
جَمْعُكَ بين الكثيبِ والغُصْنِ … فَرَّقَ بينَ الجُفُونِ والوَسَنِ
يأنسه ما دفنت صرعتها … مَعْ حَذَرِي دائمًا مِنَ الفِتَنِ
باللفظ واللحظ كم ترى أبدًا … لسخري دائمًا ويسخرني
وقد ألفْتُ الغرام فيك كما … فَرَّقْتُ بين الحياة والبَدَنِ
وقوله: [من الكامل]
عندي مُغنية يروعك خَلْقُها … سوداء مذنبة كوجه المُذنب
جَمَعَتْ - سَأَلتُ اللهَ قَطعَ يمينها - … ثِقَلَ الهزيعِ وَبَرْدَ شِعْرِ الأَحْدَبِ
والهزبع والأحداب شاعران.
ومن قوله: [من الطويل]
إذا لم يكن عند امرئ لك حاجةٌ … ولا أَنْتَ ترجوه لجاه ولا مال
فسلم عليهِ مِنْ بعيدٍ مُحَيِّيًا … كما سَلَّمَ الساري على الطَّلَلِ البالي
وقوله: [من الطويل]
وهيفاء إما قلب الدهر لمْ يَجِدْ … على أَحَدٍ ممن رآها كسهها
إذا ابتسمت والليل داج كشعرها … أعادتهُ صُبْحًا نيرًا مثل وجهها
وقوله: [من الكامل]
طارحة ذكر صبابتي مرفقًا … ليلين للمشتاق بعدَ جَفَاء
فالراح ينزل جهلها من حسه … حلمًا برقته لسان الماء
стр. 6503
وقوله: [من البسيط]
أشكو إلى الله ما ألقاهُ مِنْ رَشَإٍ … حُلْو الشمائل مُرِّ الهَجْرِ والغَضَبِ
أجد في حبه والحُسْنُ يَأْمُرُهُ … بِأَنْ يُقابل جدَّ الحُب باللعب
وقوله: [من البسيط]
ندب له البحر فكر والعمامُ يَد … كذاك فِي الطَّرْسِ يُبدي الدُّرَّ والزَّهرا
ما بين لفظ وخط سر حسنهما … في كل حين يسر السمع والبصرا
وقوله: [من الكامل]
ماذا على زمن الحمى لو عادا … فأرى سعادًا لا عَدِمْتُ سعادا
هيفاء يعطفها الصَّبا فتخالُها … غُصنًا تثنيه الصبا ميادا
لما رأت شيب العذارِ فَرَاعَها … منه بياض كان أمس سَوَادا
قالت: كَبِرْتَ وما كَبِرْتُ وإِنَّما … قَدَحَ الأسى في عارضي زنادا
مَنْ مُبْلِغ عني الأحبة أنني … ممن يَرَى غَيَّ الغَرَامِ رَشَادا
جار على الميعاد من كلفي وإن … جاز الحبيب وخالف الميعادا
ضاع الوصول إلى الوصال فليتهم … كَتَبُوا لنا ذاك الوصول معادا
ولقد أقول لهاجِرٍ ومَحَلَّهُ … قلبي فقل في الحار حار فعادا
يا دانيًا وهو البعيد مودَّةً … كُنْ كيفَ شِئْتَ تدانيًا وبعادا
لما حَلَلْت القلب حَرَّمْتَ الرضا … فدنوت دارًا وانتزحت ودادا
وقوله: [من السريع]
عَلًا جَلالًا ودَنَا رَأْفَةً … فَخَصَّهُ بالشكر قاص ودان
كأن طيب زمان الصبا … فهوله في كل قلب مكان
وقوله: [من المنسرح]
ومطرب حسن صوته أبدى … يُوحي إلى القلب آية الطرب
كأنه في بديع صَنْعَتِهِ … يأخذ حُسْنَ الغِنَاءِ عَنْ نَسَبٍ
هيفاء يثني الصبا معاطفها … فعل الصبا في مُنَعَمِ القُضُب
قدْ كَتَبَ الحُسْنُ فوق وجنتها … أَصْبُ إلَى مِثْلِ هذه تُصب
شوقًا إلى ثغرها وريقتها … يُرْغَبُ في الدر وابنة العنب
تُعْرِبُ أَوتار جنكها أَبَدًا … مِنْ عَجَمِي سَطَا على عَرَبِي
[ف] رائق من بديع صورته … وفائق مِنْ عِنائِهِ العَجَبِ
يتبسم اللهو حين يبصرها … يبكي المُعَنَّى بأدمع السُّحُب
وقوله: [من البسيط]
أما السماح فقد أَقْوَتْ معالمه … فما ترى اليومَ مَنْ تُرْجى مكارمه
ولا يَغُرَّنْكَ مَنْ يلقاك مُبتسمًا … فطالما غَرَّ بَرْقٌ أَنْتَ شَائِمُهُ
стр. 6504
وقوله: [من البسيط]
لي مِنْ يمينك والوجه الجَمِيلِ حَيًا … وروضة بلغا في غاية الأمل
فلست أسأل في سِرِّ وفي عَلَنٍ … مِنْ خالقِ الخَلْقِ إِلَّا أَنْ يُديمك لي
وقوله (١): [من البسيط]
ماذا على بارق بالغَورِ يأْتَلِقُ … لَوْ لَمْ يُهِجْ حُزْنَ قلبِ مِلْؤُهُ حُرَقُ
ذَكَرْتُ إِذْ لاحَ والذكرى مُشَوِّقَةٌ … بغير الرباب حكاه اللؤلؤ النَّسي
في ذمَّةِ اللهِ أَيامُ العقيق وإنْ … تَمَلَّكَ اللب فيها شادن حرق
أما وأهيف ذي حصر بأعيننا … كما كسا الهوى العُذْرِي ينتطقُ
ما حُلْتُ عَنْ عَهْدِ أَيام العقيق وهل … يحول عنهمْ مُحِبُّ حُبُّهُ خَلقُ
كمْ زُرتُه في الكرى طيفًا وأَحْسَبُني … للسُّقْم لو زرتُه شخصًا لما فَرِقُوا
وأَسأَلُ الشمسَ عَنْ أُخت لها غَرَبَتْ … فأَدمعي الدهر في آثارها شَفَقُ
قلبي وطرفي لنأي السائرين ضُحًى … كلاهما ببقاء منهُ لا أَثِقُ
حَبَسْتُ دمعي فقالت لوعة حلبت: … لا تحبس الدمع إنا لركب منطلق
وقلت للقلب: صبرًا بعدَ بُعْدِهُمُ … فقالَ: نَحنُ قبل اليوم نفترق
وقوله (٢): [من الكامل]
لمْ أَنْسَهُ إِذْ قالَ: أَين تحلُّني … حَذَرًا عليَّ مِنَ الخيال الطارق
فأجبته: قلبي فقال: تعجبًا: … أَرأَيتَ ويحك ساكنًا في خافق
وقوله (٣): [من الكامل]
ذَنْبِي إلى العفو الجميل وسيلةٌ … فارحم فتى بذنوبه يتوسل
وقوله: [من البسيط]
خَطَّ ولفظ غدا حُسْنُ اشتراكهما … يَلْقَى التنافس بين السمع والبَصَرِ
[وقوله:]
وقلت للناس: إذ لاموا على خُلُقي: … الناسُ تمنعُ ذُلَّ الحر للناس
ومنهم:
[٥٦٣] عبد الله الصوابي، علم الدين
والي البحر. جندي متأدب لا تخطئ مراميه، ولا يبرد سورة محاميه، كأنه لما
стр. 6505
ولي أمر البحر أخذ منه ما قلّد النحر، وله شعر بديع وإن قلّ، دقيق وإن جلّ. ومنه مما كتبه إلى أبي الحسين يعزيه بحماره وقد مات حماره: [من المنسرح]
مات حمار الأديب قلتُ مَضى … ما كانَ منه وفات ما فاتا
مَنْ ماتَ في جاهه العريض وقدْ … خَلَّفَ مثل الأديب ما ماتا
ومنهم:
[٥٦٤] أبو بكر، محمد بن عثمان بن إسماعيل السلماسي المصري
من شعراء مصر الذين جاؤوا بباقي السحر وجلبوا وهم ثاوون ما في الشجر، وكان ممن رقى بشرف الصناعتين، وامتاز بتحف البضاعتين.
ومن شعره قوله: [من البسيط]
يا ليلةٌ قَدْ تَقَضَّتْ في هَوَى رَشَأَ … أَشهى إلى العَينِ مِنْ يوم بها السَّهَرُ
من قبلها ما رأيتُ البدر معتنقي … ولا سمعتُ بليل كُلُّهُ سَحَرُ
وقوله: [من الطويل]
مكاتبة لولا عُذُوبَةُ لفظها … وحسن معانيها التي ملأت صدري
توهمتها البحر الأجاج لعظم ما … رأيتُ [بها] مِنْ نَظم دُرِّ إلى در
وقوله: [من الطويل]
سقى الله ساعات أخذنا اجتماعنا … بها مِنْ يَدِ الأَيام أَخْذَةَ سارق
وحيا ديارًا إن تزرها تجدْ بها … طَبِيبًا لأسقام وطيبًا لناشق
وقوله: [من البسيط]
أفدي التي ابتسمت وهنا بكاظمةٍ … فكان منها هُدَى الساري بنُعمان
مَرَّتْ على جانب الوادي وليس به … ماء فسال بدمعي الجانب الثاني
ومن نثره قوله:
«وأقبل بجيش ضاق به صدر الفضاء الواسع، وأظلم بغباره نور الشمس الساطع، وظن البر بحرًا حيلة سفنه وسوابقه أمواجه، والأرض فلكا نجومه أسنته، وسُحبه عَجَاجه، فباريا في المسارعة نحوه في الرياح الجوانب، واستعجلنا حتى قيل: لقاء عدو، أم لقاء حبائب، وحملنا على العدو حملة جعلت كرته خاسرة، ودائرة السوء على مركزه دائرة، ولم تغن عنهم كثرتهم شيئًا، وصارت أشخاصهم فيأ ولعوالهم فيا، وفرسانهم فريسة لراجلنا، وأرواحهم مستوفاة بعاملنا، ودماؤهم عيونًا على الأرض مسفوحة، وفروج مفارقتهم لسيوفنا الذكور منكوحة، وأسادهم بثعالب سمرنا مقتولة،
стр. 6506
وحواصل أجسادهم إلى حواصل الطير منقولة، ورجع العدو ونجوم أسنته أوافل، وأعالي عواليه سوافل، وأحاديث عوالينا في النزل عوال وقواطع نصارنا موصولة من هممنا بأيد وأيد طوال.
وقوله:
ما أقمناك للإقامة ولا كسرناك … إلا لنجمعك جمع السلامة
ومنهم:
[٥٦٥] حسن بن سناء الملك، شرف الدين، أبو محمد
من الرؤساء الكبراء، والبقية من سلف الشعراء. ولي وظائف السلطان مخطوبًا، وجهد في الإحسان ولم يشك دؤوبا، وكان بيته مراحًا للأدباء، ومقبلًا للشعراء والخطباء.
ومن شعره قوله: [من السريع]
أَحْسِنُ بظَبْي جاءنا شاكيًا … في دُمَّل في الخَدِّ قَدْ أَسْهَرَه
كأنما الدملُ في خَدِّهِ … ياقوتةٌ قَدْ حَمَلَتْ جَوْهَرَهُ
وقوله: [من الطويل]
فَقُمْ يا نديمي سَقْنِيها مُدَامَةً … تُزِيلُ سريعًا ما بقلبي مِنَ الفِكْرِ
إذا جليت والليلُ مُرْخِ سُتُورَهُ … رَأَيْتَ سَنَى شمسِ الضُّحَى ساعةَ الظَّهْرِ
وقوله: [من الوافر]
وساقية نزلتُ بها وإلفي … أُوَدِّعُه كتوديع المَرُوعِ
فَصَوْتُ حنينها يحكي أنيني … وفيضُ مياهها يحكي دموعي
ومنهم:
[٥٦٦] الجمال التلمساني، كاتب الخياط
كتب عن متولي القاهرة، وكشف الأضواء بأنواره الباهرة، وكان يميل إلى الملح، ويأتي من جيد الشعر فيها بما سَنَح.
ومنها قوله: [من الطويل]
رام فاستقلت لنعصها جميعي … وظنَّتْ مَخْبَرِي مثل منظري
فقلتُ لها: عندي الذي تشتهيهُ … خُذي بيدي ثمَّ اكشفي الثوب تنظري
стр. 6507
ومنهم:
[٥٦٧] محمد بن سعيد الدلاصي ثم البوصيري أبو [عبد الله] شرف الدين (١)
شاعر ينطق بكل لسان، ويقدر على كل إساءة وإحسان، لو هجا البدر لغاله بالنقصان، أو مدح القضيب، لألحقه بالخرصان، ولم يكن في تلك الحلبة أسبق منه على أنها ضمت كل جواد، وجمعت كل بحر لا يصد عنه صواد، إلا أنه لم يكن فيهم إلا من كان له يعرف، ومن ثمره يحذف، وخدم في الدواوين السلطانية، ورمى المباشرين بأوابده، وأيقظ لهم كوامن لوابده، وكان ذا كلم يجني منه العسل والصاب، ويجري بها السرور والمصاب، على أنه ما ينبيء المتنبي بمثل خبره، ولا تم لأبي تمام تفاصيل حبره، ولا حصل للبحتري نظم جوهره على جؤذره، ولا لدعبل بن علي مقدمات نده، ولا وجد مثل ما له ابن الرومي في كلام العرب، ولا ديك الجن في ذلك النفر لما يجد عند الأنس من إرب، ولا شرب أبو نواس منه إلا فضلة الكأس، ولا كان مسلم عنده إلا كبعض الناس، ولقد أفرس الأعراض ودمج القلوب على الأمراض، واستطاب لحوم الأخوان واستام عرض الأعراض بالهوان، وفعل في سرعة الإحراق ما يفعله اقتداح الزناد بالصوان، إلا أن له من المديح الشريف النبوي، زاده الله شرفًا ما يذهب حسناته السيئات، وله منها في كل مطولة طائلة مصولة صائلة زادها شرف ممدوحها الكريم، وزادها فخر من شهد له المتكلم في مهده والكليم، ومنها القصيدة المعروفة بالبردة وهي
стр. 6508
التي ما يلفع بمثلها رداء مادح، ولا شاد بمثل إنشادها طرب صادح، والميمية التي كل ميم فيها أشهى إلى لائمه من مقبل، وأحسن في غير ناظره من سواد عين لمن تأمل، التي أشرقت فكادت ترى وتمسك بها والميمات كالعرى إلى أنسب ميمية الفرزدق في بعض أبناء هذا الممدوح وميمية عنترة، وليس الغراب الناعق كالقمري الصدوح، ولقد عرفت بالمجربه بركتها حتى أصبحت عوذة وقدمت وسهام معارضها في القصائد منبوذة، وسآتي على بعض خبرها في موضعها.
حكى (١) لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود ﵀ قال: كان البوصيري على غزارة فضله ممقوتًا لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء.
قال: وكنت أشتهي أن أراه، وأتمنى قدوم مصر للقياه؛ فلما نقلت إلى مصر في الأيام الأشرفية، سألت عنه في الطريق قبل دخول البلد، فقيل لي: إنه مات. وكان قد مرض مرضة طويلة أغمى عليه فيها، فشنع عليه أنه مات وطارت هذه الشناعة واستقرت في كثير من النفوس، فأسفت على فوات لقائه، ثم لم يمض علي إلا مدة حتى طرق علي الباب فقلت: من أنت؟
فقال: البوصيري.
فشرعت أردد السؤال لأستثبته إلى أن قال: كأنه قيل لك إني مُتُّ؟
فقلت: قد قالوا هذا.
فأنشدني بديها (٢): [من الخفيف]
عاش مِنْ بعد موته البوصيري … وحياة الكلاب موت الحمير
عاش قوم مُذْ قيل: إِنِّي قَدْ مُتُ … فماتوا قبلي بوَخْزِ الصُّدُورِ
لست ممن يموتُ أَوْ … وأبكي عليهم في القبور
وصحيح بأنني كنتُ قَدْ مُتُّ … وأحياني جُود هذا الوزير
فقلت له: الحمد لله على بقائك وسلامتك، ثم أدخلته الدار فتحادثنا وشكا إليّ فاقة عظيمة وضرورة زائدة، فقلت له: أتقول: إن جود هذا الوزير أحياك، وهذه شكواك؟
فقال: أحياني بتجبره بهؤلاء الفعلة الصنعة الكتاب.
فقلت: دع هذا، وكمل علي هذه الأبيات في مدح هذا الوزير؛ لأعرضها لك عليه، فلعلها تكون سببًا لإحسانه إليك.
стр. 6509
ففعل، فكان كما قلت. وأما البردة فلها شأن عظيم، ونفع وَحِي وجُريت في الشدائد واستنجح بها في الوسائل، ولا يحصى عدد ما كتبت بها من النسخ السائرة في الأرض، المستصحبة في كل ركب، الطائرة بين الشرق والغرب ولأهل مصر فيها اعتقاد عظيم، وظنّ جميل، وقد صحت عندهم على التجريب، وتعجل بها في كل ضائقة فرج قريب.
وحكى لي غير واحد ممن أثق به: إن رجلًا من الكتاب بمطابخ السكر السلطاني بمصر مغرى بكتابة هذه القصيدة، مغرمًا بها، ولا يزال يذكر عظيم النفع بها، وإنه ما استشفى بها إلا من شفي، واستغنى بها عن الدواء «كفي» وكان له رفيق نصراني معاند يهزأ به إذا قال مثل هذا ولا يقدر أن يتكلم ولا يجد له سبيلًا إلى القول، إلى أن حصل لابن صغير كان لذلك الرجل المسلم رمد كاد يذهب بعينه، فأتاه غلام له يحمله توصى به وهو في مكان مباشرته، والكاتب النصراني إلى جانبه؛ فلما رآه أبوه قال للغلام: اذهب به إلى الكحال، فأره له، ودعه يكحله، ويصف له ما يراه من الطعام والشراب وغير ذلك. فرأى النصراني أنه قد جاءه وقت الكلام، فانتهز الفرصة، وقال له: ما حاجة إلى الكحال، تكفيه البردة.
فغضب المسلم، وقال: نعم تكفيه البردة، خذ يا غلام هذه البردة، وأعطاه القصيدة، ثم قال ضعها على عينيه، ولا تكحله ودعه يأكل ما أراد.
فأخذه الغلام وذهب به، وكان ذلك يوم السبت فلما أصبح بكرة يوم الأحد نظر إليه أبوه، فرأى الحمرة قد تقشعت، وصفت حمرة عينيه، وسكن ما به، فحمله وأتى به النصراني في كنيسته، وقال: انظر كيف ترى نفع البردة له؟
فوجم النصراني ولم يتكلم؛ فلما كان يوم الاثنين زال ما كان بالصغير حتى كأنه لم يكن، فأتى به أبوه النصراني، فقال له: انظر كيف هو اليوم؟
فقال النصراني: لا شك بعد عيان! أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وأسلم، وحسن إسلامه، ثم كان أشد الناس كلفًا بها.
وهي هذه (١): [من البسيط]
أَمِنْ تَذكَّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ … مَزَجْتَ دمعًا جرى من مقلةٍ بدم
أَمْ هَبَّتِ الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمةٍ … وأَومَضْ البرقُ في الظلماءِ مِنْ إِضم
فما لعينيك إن قلت: اكففا همتا؟ … وما لقلبك إن قلت استفق يهم؟
أَيحسبُ الصَّبُّ أَنَّ الحُبَّ مُنكَتِمُ … ما بينَ مُنْسَجِمٍ منهُ ومُضطرم
стр. 6510
لولا الهوى لم ترق دمعًا على طَلَلٍ … ولا أَرِقْتَ لذكر البانِ والعلم
فكيف تنكر حبًا بعد ما شَهِدَتْ … بهِ عليكَ عُدُولُ الدَّمع والسَّقَم
وأثبت الوجدُ خَطَّيْ عَبْرَةٌ وضنّى … مثل البهار على خديك والعنم
نَعَمْ سَرَى طيفُ مَنْ أَهْوَى فأرقني … والحبُّ يعترض اللذات بالألم
يا لائمي في الهَوَى العُذْرِيِّ معذرةً … مِنِّي إليك ولو أنصفْتَ لَمْ تَلُم
إيضاح حالي لا يسري بمُسْتَتِرٍ … عَنِ الوشاة ولا دائي بمنحسم
محضتني النصح لكن لستُ أَسْمَعُهُ … إِنَّ المُحبَّ عَنِ العُذالِ فِي صَمَم
إنِّي اتهمت نصيح الشَّيبِ فِي عَذَلِي … والشَّيبُ أَبعدُ فِي نُصْحٍ عَنِ التُّهَم
فإن أمارتي بالسُّوء ما اتعظت … مِنْ جهلها بنذيرِ الشَّيبِ والهَرَمِ
ولا أَعَدَّتْ مِنَ الفِعْلِ الجميل قرى … (ضَيفٍ أَلَمَّ برأسي غيرِ مُحْتَشِم)
لو كنتُ أعلمُ أَنِّي ما أُوَقِّرُهُ … كتمتُ سرًا بدا لي منهُ بالكَتَم
مَنْ لي بَرَد جماحٍ مِنْ غُوايتها … كما يُرَدُّ جِماحُ الخيلِ باللُّجُم
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها … إنّ الطعامَ يُقَوِّي شهوةَ النَّهِم
والنَّفْسُ كالطفل إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ على … حُبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
فاصرف هَواها وحاذرْ أَنْ تُوَلّيهُ … إِنَّ الهَوَى ما تَوَلَّى يصم أو يصم
وراعها وهي في الأعمالِ سائمةٌ … وإِنْ هيَ أستحلت المرعى فلا تَسُم
كم حسَّنَتْ لذة للمرء قاتلة … من حيث لم يدر أنَّ السُّمَّ في الدَّسَم
واخش الدسائس مِنْ جُوعٍ ومِنْ شِبَع … فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التَّخَمَ
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت … مِنَ المَحارِمِ والزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمَ
وخالف النَّفْسَ والشَّيْطَانَ وأَعْصِهِما … وإنْ هُما مَحَضَاكَ النَّصْحَ فَاتَّهِمَ
ولا تُطِعْ منهما خَصْمًا ولا حَكَمًا … فأنتَ تعرف كيدَ الخَصْمِ والحَكَمَ
أستغفر الله من قول بلا عَمَلٍ … لقد نسبت به نسلًا لَذي عَقَمَ
أمرتك الخير لكن ما أنتمرتُ بهِ … وما استقمتُ فما قولي لكِ: أَسْتَقِمَ
ولا تزودت قبل الموتِ نافلة … ولمْ أُصَلِّ سِوَى فَرْضٌ ولَمْ أَصْمَ
ظلمتُ سُنَّةَ مَنْ أَحيا الظلام إلى … أن اشتكت قدماه الضُّرَّ مِنْ وَرَمَ
وشَدَّ من سَغَبٍ أَحشاءَهُ وطَوَى … تحتَ الحِجَارَةِ كَشْحًا مُتْرَفَ الأَدَمَ
وراودته الجبال الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ … عَنْ نَفْسِهِ فأراها أَيَّما شَمَم
وأَكَدَتْ زُهْدَهُ فيها ضَرُورَتُهُ … إِنَّ الضرورة لا تعدو على العِصَمَ
وكيف تدعو إلى الدنيا ضَرُورَةُ مَنْ … لولاه لم تخرج الدنيا مِنَ العَدَمِ
محمد سيد الكَوْنَين والثقلين … والفَرِيقينِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نبينا الآمر الناهي فلا أَحَدٌ … أَبَرَّ في قول «لا» منهُ ولا «نَعَمِ»
стр. 6511
هو الحبيب الذي [تُرْجَى] شفاعتُهُ … لكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحِمِ
دَعَا إِلَى اللهِ فالمستمسكون به … مستمسكون بحبل غيرِ مُنْفَصِمٍ
فاق النبيين في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ … ولم يدانوهُ في عِلْم ولا كَرَمَ
وكُلُّهم مِنْ رسولِ اللهِ ملتمس … غَرْفًا مِنَ البحرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيم
وواقفون لديه عند حدهم … من نقطة العِلْمِ أَوْ مِنْ شكلة الحكم
فهو الذي تم معناهُ وصُورتُهُ … ثُمَّ اجتباهُ حَبيبًا بارى النَّسَمِ
مُنَزَّهُ عَنْ شريك في محاسِنِهِ … فجوهرُ الحُسْنِ فِيهِ غِيرُ مُنْقَصِمٍ
دع ما أدعته النصارى في نبيّهمُ … وأَحْكُم بما شئتَ مَدحًا فِيهِ وَأَحْتَكِم
وانسب إلى ذاتِهِ ما شئتَ مِنْ شَرَفٍ … وانسُبْ إِلى قَدْرِهِ ما شئتَ مِنْ عِظَمَ
فإِنَّ فَضْلَ رسول الله ليسَ لَهُ … حَدٌ فَيُعْرِبُ عَنهُ ناطقٌ بِفَمَ
لو ناسبت قدره آياتُهُ عِظَمًا … أَحيا أسمُهُ حِينَ يُدعى دارس الرِّمَم
لم يمتحنا بما تَعْيَا العُقُولُ بِهِ … حرصًا علينا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِم
أعيا الوَرَى فَهم معناه فليسَ يُرَى … للبُعْدِ والقرب فيه غيرُ مُنْفَحِمَ
كالشمس تظهر للعينينِ مِنْ بعد … صغيرةً ويَكِلُّ الطَّرْفُ مِنْ أَمَمَ
فكيف يدرك في الدنيا حقيقةَ مَنْ … لولاه لم تخرج الدنيا مِنَ العَدَمَ
فكيف يُدْرِكُ في الدنيا حقيقته … قوم نيامٌ تَسَلُّو عنه بالحُلُمَ
فمبلغ العلم فيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ … وأَنَّهُ خيرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمْ
وكل أي أتى الرسل الكرامُ بها … فإنَّما اتصلت مِنْ نوره بهم
: فإِنَّهُ شَمسُ فَضْلٍ هُمْ كواكبها … يُظْهِرْنَ أَنوارها للناس في الظُّلَمَ
أَكْرِم بخلق نبي زانَهُ خُلُقُ … بالحُسْنِ مشتمل بالبِشْرِ مُتَّسِم
كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبدر في شَرَفٍ … والبحرِ في كَرَم والدهرِ في هِمَمَ
كأنه وهو فَرْدٌ مِنْ جلالته … في عسكر حين تلقاه وفي حَشَمَ
كأنما اللؤلؤ المكنون في صَدَفٍ … مِنْ مَعْدِنَيْ منطق منهُ ومُبْتَسَمَ
لا طِيبَ يعدِلُ تُربًا ضَمَّ أعظمَهُ … طُوبَى لمنتشقٍ منه ومُلْتَثمَ
أَبانَ مولدُهُ عَنْ طِيبِ عُنْصُرِهِ … يا طيبَ مُبتدأ منه ومُخْتَتَم
يومٌ تَفَرَّسَ مِنهُ الفُرْسُ أَنَّهُمُ … قد أُنذِروا بحلول البؤس والنِّقَمِ
وبات إيوان كسرى وهو منصدع … كشَمْلِ أَصحابِ كسرى غَيْرَ مُلتئِم
والنار خامدة الأنفاسِ مِنْ أَسَفٍ … عليه والنهرُ ساهي العينِ مِنْ سَدَمَ
وساءَ سَاوَةَ أَنْ غاضَتْ بحيرتها … وردَّ واردها بالغيظ حينَ ظَمي
كأن بالنار ما بالماءِ مِنْ بَلَلٍ … حُزْنًا وبالماء ما بالنارِ مِنْ ضَرَمِ
والجن تهتف والأنوار ساطعة … والحقُّ يظهرُ مِنْ مَعنى ومِنْ كَلِمَ
стр. 6512
عُمُوا وَصُمُّوا فاعلانُ البشائر … لمْ تُسْمَعْ وبارقة الإنذار لَمْ تُشَمِ
مِنْ بعد ما أخبر الأقوام كاهِنُهُمْ … بأنَّ دِينَهُمُ المعوج لم يقم
وبعد ما عاينوا في الأُفْقِ مِنْ شُهُبٍ … مُنْقَضَّةٍ وَفْقَ ما في الأرضِ مِنْ صَنَمَ
حتى غَدًا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ مُنْهَزِم … من الشياطين يقفو أثر منهزم
كأَنَّهم هَرَبًا أَبطال أبرهة … أو عسكر بالحصى مِنْ راحتيهِ رُمِي
نَبْذَا به بعد تسبيح ببطنِهِما … نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أَحشاءِ مُلْتَقِمِ
لا تُنكرُوا الوَحْيَ مِنْ رُؤيَاهُ إِنَّ لَهُ … قلبًا إذا نامت العينان لم ينم
فذاكَ حين بلوغ مِنْ نُبُوَّتِهِ … فليسَ يُنكَرُ فيهِ حال مُحْتَلِمَ
تبارك اللهُ ما وَحْيٌّ بمكتسب … ولا نبي على غيب بمُتَّهَم
كمْ أَبْرَأَتْ وَصِبًا للمس راحته … وأطلقت إربًا مِنْ رِيقةِ اللَّمَم
وأحيتِ السُّنَّةَ الشهباء دعوتُهُ … حتى حَكَتْ غُرَّةً فِي الْأَعْصُرِ الدُّهُم
بعارض جاد أو خلت البطاح بها … سَيْبًا مِنَ اليَمِّ أَوْ سَيْلًا مِنَ العَرِمِ
آياتُهُ الغُرُّ لا تخفى على أحدٍ … فدونَها العَدْلُ بينَ الناسِ لَمْ يَقُم
لا تعجبن الحسود راحَ يُنكرِها … تجاهلًا وهو عين الحاذق الفهم
يا خيرَ مَنْ يَمَّمَ العافون ساحَتَهُ … سَعيًا وفوق متونِ الأَيْنُقِ الرُّسُمِ
وَمَنْ هو الآية الكبرى لمُعتبِرٍ … ومَنْ هوَ النعمة العُظمى لمُعْتَنِمِ
سَرَيْتَ مِنْ حَرَم ليلًا إلى حَرَم … كما سَرَى البدر في داج مِنَ الظَّلَمَ
وبت ترقى إلى أَنْ يَلْتَ منزلةٌ … مِنْ قاب قوسين لمْ تُدْرَك ولمْ تُرَمَ
وقَدَّمتك جميع الأنبياء بها … والرسل تقديمَ مَحْدُومٍ على خَدَمَ
وأنت تخترقُ السَّبْعَ الطَّباقَ بهم … في موكب كنتَ فيه صاحب العَلَم
حتى إذا لم تَدَعْ شَأْوًا لمُسْتَبِقٍ … مِنَ الدُّنُو ولا مَرْقَى لِمُسْتَنِمِ
خَفَضْتَ كُلَّ مقام بالإضافةِ إِذْ … نُودِيْتَ بالرفع مثل المُفردِ العَلَمِ
كيما تفوز بوصل أَي مُسْتَتِرٍ … عن العيون وسرِّ أَي مُنْكَتِمَ
فَخُرْتَ كُلَّ فَخَارٍ غيرِ مُشْتَرَكٌ … وجُزْتَ كُلَّ مقام غيرِ مُزْدَحِمَ
وجلَّ مِقدار ما أوليتَ مِنْ رُتَبٍ … وغَرَّ إدراك ما أَوْلِيتَ مِنْ نِعَمَ
بُشْرَى لنا مَعْشَرَ الإسلام إنَّ لنا … مِنَ العنايةِ رُكنًا غيرَ مُنْهَدِمِ
لما دعا الله داعينا لطاعتِهِ … بِأَكْرَمِ الرُّسُلِ كُنَّا أكرمَ الأَمَم
راعت قلوب العدا أنباء بعثتِهِ … كَنَبْأَةٍ أَجفلت غُفْلًا مِنَ الغَنَمَ
ما زال يلقاهم في كُلِّ مُعْتَرَك … حتى حَكُوا بالقَنَا لحمًا على وَضَمَ
تمضي الليالي ولا يدرون عدَّتَها … ما لم تكن من ليالي الأشهر الحُرُمَ
كأنما الدين ضيف حلَّ ساحَتَهُمْ … فكلُّ قَرْم إلى لحم العِدا قرم
يَجُرُّ بَحْرَ خميس فوق سابحة … ترمي بموجِ مِنَ الأبطالِ مُنتظَمٍ
стр. 6513
مِنْ كُلِّ مُحتسب اللهِ مُنتسِبٍ … يسطو بمستأصل للكفرِ مُصْطَلِم
ومَنْ يَبع آجلًا منه بعاجلةٍ … يَبِنَّ له الغبن في بيع وفي سَلَمَ
كأنهم في ظهور الخيلِ نَبْتُ رَبِّي … مِنْ شدّةِ الحَزْمِ لا مِنْ شِدَّةِ الحُزْمِ
إِنْ آتِ ذَنْبًا فما عَهْدِي بِمُنتقَصْ … مِنَ الدنو ولا مرقى لمستنم
فإنَّ لي ذِمَّةً منه بتسميتي … محمدًا وهوَ أَوْفَى الخَلْقِ بالذّمَمَ
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمَهُ … أَوْ يرجع الجارُ منه غير محترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدتُه لخلاصي خير مُلتزم
ولن يفوت الغِنَى مِنهُ يدٌ تَرِبَتْ … إِنَّ الحَيَا يُنْبِتُ الأَزهار في الأَكُم
ولم أُرِدْ زَهْرَةَ الدنيا التي اقتطفت … يدا زُهير بما أثنى على هَرِمَ
يا أكرم الخلق مالي مَنْ أَلوذُ بِهِ … سِوَاك عند حُلُولِ الحادِثِ العَمَمَ
إن لم يكن في مَعَادِي آخذًا بيدي … فضلًا وإلا فقل: يا زلَّةَ القَدَم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلى باسم مُنتَقِم
فإن من جودك الدنيا وضرَّتُها … ومِنْ علومِكَ عِلْمُ اللّوح والقَلَمَ
يا نفس لا تقنطي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ … إِنَّ الكبائر في الغُفْرَانِ َكاللَّمَم
لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حين يقسمها … تأتي على حَسَبِ العِصيان في القِسَمَ
يا رب واجعل رجائي غير منعكس … لديك واجعل حسابي غيرَ مُنْخَرِمَ
والطف بعبدك في الدارين إنّ له … صبرًا متى تَدْعُهُ الأهوال ينهزم
وائذن بسحب صلاة منك دائمة … على النبي بمنهل ومُنْسَجِم
ما رَنَّحَتْ عَذَبَاتِ البانِ رِيْحُ صَبًا … وأَطْربَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّعَمُ
قلت: هكذا يكون المديح، ولمثل هذا الشفق يموّه هذا الصفيح، الله هو لقد خلف وراءه القرائح، وخلد في عقاله الغادي والرائح، وقد أكثروا في معارضتها، ولم يستطع أحد قوة عارضتها، وأدنى من داني، وجمع إحسانًا الصفي الحلي، في قصيدة عملها في وزنها، جعل في كل بيت نوعًا من أنواع البديع، وأتى بها كنوار الربيع، وسماها «الكافية البديعة في المدائح النبوية»، إلا أنه تقلب تحت سمائها، وظفر ببقية صبابة من نعمائها، وهي هذه (١): [من البسيط]
إِنْ جِئْتَ سَلْعًا فَسَلْ عَنْ جِيرَةِ العَلَمِ … واقْرَ السلام على عُرْبِ بذي سَلَمِ
فقد ضَمِنْتُ وجود الدمعِ مِنْ عَدَم … لهم ولم أستطعْ مَعْ ذَاكَ سَحَّ دَمِي
مَنْ شَأْنُهُ حَمْلُ أَعباء الهَوى كَمَدًا … إذا هَمى شأنه بالدمع لم يلم
مَنْ لي بكلِّ غَرِيرٍ مِنْ ظِبائِهِمُ … عَزيزِ حُسْنٍ يُداوي الكَلَّمَ بالكَلِمِ
стр. 6514
بكلِّ قَدْ نضيرٍ لا نظير لهُ … ما ينقضي أملي منه ولا أَلَمي
وكل لحظ أتى باسم ابن ذي يَزَنٍ … في فتكِه بالمُعنَّى أَوْ أَبي هَرم
قد طال ليلي وأجفاني بِهِ قَصُرَتْ … عن الرُّقادِ فلمْ أُصْبِحْ وَلَمْ أَنَم
كأنَّ آناء ليلي في تطاولها … تسويف كاذب آمالي بقربهم
هم أرضعوني ثَدْيَ الوَصْلِ حافلةً … فكيفَ يَحْسُنُ منها حال مُنْفَطِمِ
كان الرضا بدنوي من خواطِرِهِم … فصارَ سُخْطِي لَبُعْدِي عَنْ جِوارِهِمِ
وجدي حنيني أنيني فكرتي وَلَهِي … منهم إليهم عليهم فيهم بهم
الله لذة عيش بالحبيبِ مَضَتْ … فلمْ تَدُمْ لي وغيرُ اللهِ لَمْ يَدُم
وعادل رامَ بِالتَّعْنِيفِ يُرْشِدُنِي … عَدِمْتُ نُصْحَكَ هلْ أَسمعتَ ذَا صَمَمَ
أَقْصِرْ أَطِل أَعذر أعدل سَلْ خَلَّ أَغِنْ … خُنّ هنّ عنّ ترفق لُجَّ كُفَّ لم
أنا المُفَرِّط أطلعت العدو على … سرّي وأودَعْتُ نفسي كفَّ مُحترم
فَمِي تَحَدَّثَ عَنْ سِرِّي فما ظَهَرَتْ … سرائرُ القَلْب إلا من حديثِ فَمِيَ
لأنت عندي أخص الناس منزلة … إذ كنت قدرَهُمُ عندي على السَّلَم
مِنْ مَعشرِ يُرخِصُ الأَسعار جوهرُهُمْ … ويحملونَ الأَذَى مِنْ كُلِّ مُهْتَضَمَ
مَحَضْتَ لي النُّصْحَ إحسانًا إليَّ بلا … غِسٌ وقلّدتني الإحسان فاحْتَكم
ليت المنية حالت دونَ نُصْحِكَ لي … فيستريح كلانا مِنْ أَذَى التُّهَم
حسبي بذكرِكَ ذَمًّا لي ومنقصةً … فما نطقت فلا تنقص ولا تَذَمَ
سالمت في الحُبِّ عُذالي فما نَصَحُوا … وَهَبْهُ كانَ، فما نَفْعِي بِنُصْحِهِمَ
عَدِمْتُ صِحَّةَ جسمي مُذْ وَتَقْتُ بهم … فما حَصَلْتُ على شيء سوى النَّدَمَ
قالوا: سلوتَ لِبُعْدِ الإلفِ قلتُ لهمْ: … سلوتُ عَنْ صِحَّتي والبرءِ مِنْ سَقَمِي
ما كنتُ قبل ظُبى الإلحاظ قطُّ أَرَى … سيفًا أراق دمي إلا على قدمي
قالوا اصطبر، قلتُ: صَبْرِي غيرُ مُتَّبِعِ … قالوا: أَسْلُهُمْ، قلتُ: وُدّي غيرُ منصرِمِ
وإنني سوف أسلوهم إذا عُدِمَتْ … رُوحي وأحْييتُ بعد الموتِ والعَدَمَ
فالله يكلا عُذالي ويلهمُهُمْ … عَذْلِي فَقَدْ فَرَّجُوا كَرْبي بذكرهم
قالوا: أَلَمْ تَدْرِ أَنَّ الحُبَّ غايته … سلب الخواطر والألبابِ قُلْتَ: لم
لمْ أَدْرِ قبلَ هَوَاهُمْ والهَوَى حَرَمٌ … أَنَّ الظَّباءَ تُحِلُّ الصَّيدَ في الحَرَمِ
رجوتُ أَنْ يَرْجِعُوا يومًا فقد رجعوا … عند العتاب ولكنْ عَنْ وَفا ذِمَمِي
فلما سر قلبي واستراح به … إلا الدموع عَصَانِي بعدَ بُعْدِهِمِ
فلو رأيتَ مُصابي عندما رَحَلُوا … رَثَيْتَ لي مِنْ عَذَابي يوم بينهم
يا غائبين لقد أَضْنَى الهَوَى جَسَدِيٌّ … والغُصْنُ يَذوي لفقد الوابل الرَّدِمَ
ياليت شعري أسحرًا كانَ حُبُّكُمُ … أَزالَ عقلي أَمْ ضَرْبًا مِنَ اللَّمَمِ
стр. 6515
رَجَوْتُكُمُ نُصَحَاءً في الشَّدائد لي … لِضَعْفِ رُشْدِي واستسمنت ذا ورم
وكم بذلتُ تَلِيدي والطَّريفَ لكمْ … طَوْعًا وأرضيتُ عنكم كلَّ مُختصِمَ
مَنْ كَانَ يعلمُ أَنَّ الشَّهْدَ راحتُهُ … فلا يخافُ للسع النَّحْلِ مِنْ أَلَمَ
خِلْتُ الفضائل بين الناس ترفعني … بالابتداء فكانت أحرفَ القَسَمَ
لقبتني المعالي بابن بَجْدَتِها … يومَ الفَخَارِ ولا بَرَّ التَّقَى قَسَمِي
إن لم أَحثَّ مطايا العزم مُثْقَلَةٌ … من القوافي توم المجد عَنْ أَمِمِ
تجار لفظ إلى سوقِ القَبُولِ بها … مِنْ لُجَّةِ الفِكْرِ يُهْدِي جوهر الكَلِمَ
مِنْ كُلِّ مُعْرَبَةِ الأَلفاظ مُعْجَمَةٍ … يَزِينُها مَدْحُ خَيرِ العُربِ والعَجَمِ
محمد المصطفى الهادي النبـ … ـي أَجَلِّ المُرسلينَ بنِ عبدِ اللهِ ذي الكَرَمَ
الطاهر الشّيمِ ابن الطاهر الشّيمِ أبـ … ن الطاهر الشّيَم ابن الطاهرِ الشَّيَمَ
خير النبيين والبرهانُ مُتَّضِحٌ … في الحِجْرِ عَقْلًا ونَقْلًا واضحُ اللَّقَمَ
كم بينَ مَنْ أَقْسَمَ اللهُ العليُّ بهِ … وبينَ مَنْ جاءَ باسمِ اللهِ في القسم
أُمي خَطٍ أَبانَ اللهُ مُعْجِزَهُ … بطاعة الماضيين السيف والقلم
مؤيد العزم والأبطالُ في قَلَقٍ … مُؤَمَّلُ الصَّفْحِ والهيجاء في ضَرَمَ
نفسٌ مَؤَيَّدَةٌ بالعزم تعضدها … عنايةٌ صَدَرَتْ عَنْ باريءِ النَّسَمِ
أبدى العجائب فالأعمى بنفثتِهِ … غَدًا بصيرًا وفي الحرب البصيرُ عَمِي
لهُ السَّلامُ مِنَ الله السلام وفي … دار السلام تَراهُ شَافِعَ الأمم
كمْ قَدْ حَلَتْ جُنْحَ ليلِ النَّقْع طلعته … والشهبُ أَحْلَكُ ألوانًا مِنَ الدُّهُم
في مَعْرَك لأم لأمير الخيلِ عَنْبَرُهُ … بما يُرَوِّي المَواضِي تُرْبَهُ بِدَمَ
عزيز جار لو الليل استجار به … مِنَ الصَّباح لعاش الناسُ في الظَّلَمَ
كأَنَّ مَرَاهُ بَدْرٌ غيرُ مُسْتَتِرٍ … وطيب رياه مسك غيرُ مُكْتَتَم
لا يهدِمُ المَن منهُ عُمْرَ مَكْرُمَةٍ … ولا بسوء أذاه نفس موتهم
يُولي الموالينَ مِنْ جَدوى شفاعتِهِ … مُلكًا كبيرًا عدا ما في نفوسهم
كأنما قلبُ مَعْن ملءُ فِيهِ فَلَمْ … يَقُلْ لسائله يومًا سوى نَعَمَ
إِنْ حَلَّ أَرضَ أُناسٍ شَدَّ أَزْرَهُمُ … بما أَباحَ لهمْ مِنْ حَطّ وزرِهِم
آراؤه وعطاياه ونقمتُهُ … وعفوه رحمة للناس كلهم
فجودُ كَفَّيهِ لَمْ تُقْلِعْ سحائبُهُ … عَنِ العباد وجود السُّحْبِ لَمْ يَقُم
أفنى جيوش العِدًا غَزْوًا فلستَ تَرَى … سِوَى قتيل ومأسورٍ ومُنْهَزِم
سناه كالنارِ تجلو كُلَّ مُظْلِمَةٍ … والبأس كالنَّارِ يُفنى كُلَّ مُجْتَرَ
أبادهم فلبيتِ المالِ مَا مَلَكُوا … والروحُ للسيف والأجساد للرَّحم
مِنْ مُفْرَد بغرار السيفِ مُنْتَشِرٍ … ومزوج بسنان الرُّمْحِ مُنْتَظِم