هو الحبيب الذي [تُرْجَى] شفاعتُهُ … لكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحِمِ
دَعَا إِلَى اللهِ فالمستمسكون به … مستمسكون بحبل غيرِ مُنْفَصِمٍ
فاق النبيين في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ … ولم يدانوهُ في عِلْم ولا كَرَمَ
وكُلُّهم مِنْ رسولِ اللهِ ملتمس … غَرْفًا مِنَ البحرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيم
وواقفون لديه عند حدهم … من نقطة العِلْمِ أَوْ مِنْ شكلة الحكم
فهو الذي تم معناهُ وصُورتُهُ … ثُمَّ اجتباهُ حَبيبًا بارى النَّسَمِ
مُنَزَّهُ عَنْ شريك في محاسِنِهِ … فجوهرُ الحُسْنِ فِيهِ غِيرُ مُنْقَصِمٍ
دع ما أدعته النصارى في نبيّهمُ … وأَحْكُم بما شئتَ مَدحًا فِيهِ وَأَحْتَكِم
وانسب إلى ذاتِهِ ما شئتَ مِنْ شَرَفٍ … وانسُبْ إِلى قَدْرِهِ ما شئتَ مِنْ عِظَمَ
فإِنَّ فَضْلَ رسول الله ليسَ لَهُ … حَدٌ فَيُعْرِبُ عَنهُ ناطقٌ بِفَمَ
لو ناسبت قدره آياتُهُ عِظَمًا … أَحيا أسمُهُ حِينَ يُدعى دارس الرِّمَم
لم يمتحنا بما تَعْيَا العُقُولُ بِهِ … حرصًا علينا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِم
أعيا الوَرَى فَهم معناه فليسَ يُرَى … للبُعْدِ والقرب فيه غيرُ مُنْفَحِمَ
كالشمس تظهر للعينينِ مِنْ بعد … صغيرةً ويَكِلُّ الطَّرْفُ مِنْ أَمَمَ
فكيف يدرك في الدنيا حقيقةَ مَنْ … لولاه لم تخرج الدنيا مِنَ العَدَمَ
فكيف يُدْرِكُ في الدنيا حقيقته … قوم نيامٌ تَسَلُّو عنه بالحُلُمَ
فمبلغ العلم فيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ … وأَنَّهُ خيرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمْ
وكل أي أتى الرسل الكرامُ بها … فإنَّما اتصلت مِنْ نوره بهم
: فإِنَّهُ شَمسُ فَضْلٍ هُمْ كواكبها … يُظْهِرْنَ أَنوارها للناس في الظُّلَمَ
أَكْرِم بخلق نبي زانَهُ خُلُقُ … بالحُسْنِ مشتمل بالبِشْرِ مُتَّسِم
كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبدر في شَرَفٍ … والبحرِ في كَرَم والدهرِ في هِمَمَ
كأنه وهو فَرْدٌ مِنْ جلالته … في عسكر حين تلقاه وفي حَشَمَ
كأنما اللؤلؤ المكنون في صَدَفٍ … مِنْ مَعْدِنَيْ منطق منهُ ومُبْتَسَمَ
لا طِيبَ يعدِلُ تُربًا ضَمَّ أعظمَهُ … طُوبَى لمنتشقٍ منه ومُلْتَثمَ
أَبانَ مولدُهُ عَنْ طِيبِ عُنْصُرِهِ … يا طيبَ مُبتدأ منه ومُخْتَتَم
يومٌ تَفَرَّسَ مِنهُ الفُرْسُ أَنَّهُمُ … قد أُنذِروا بحلول البؤس والنِّقَمِ
وبات إيوان كسرى وهو منصدع … كشَمْلِ أَصحابِ كسرى غَيْرَ مُلتئِم
والنار خامدة الأنفاسِ مِنْ أَسَفٍ … عليه والنهرُ ساهي العينِ مِنْ سَدَمَ
وساءَ سَاوَةَ أَنْ غاضَتْ بحيرتها … وردَّ واردها بالغيظ حينَ ظَمي
كأن بالنار ما بالماءِ مِنْ بَلَلٍ … حُزْنًا وبالماء ما بالنارِ مِنْ ضَرَمِ
والجن تهتف والأنوار ساطعة … والحقُّ يظهرُ مِنْ مَعنى ومِنْ كَلِمَ
стр. 6512
عُمُوا وَصُمُّوا فاعلانُ البشائر … لمْ تُسْمَعْ وبارقة الإنذار لَمْ تُشَمِ
مِنْ بعد ما أخبر الأقوام كاهِنُهُمْ … بأنَّ دِينَهُمُ المعوج لم يقم
وبعد ما عاينوا في الأُفْقِ مِنْ شُهُبٍ … مُنْقَضَّةٍ وَفْقَ ما في الأرضِ مِنْ صَنَمَ
حتى غَدًا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ مُنْهَزِم … من الشياطين يقفو أثر منهزم
كأَنَّهم هَرَبًا أَبطال أبرهة … أو عسكر بالحصى مِنْ راحتيهِ رُمِي
نَبْذَا به بعد تسبيح ببطنِهِما … نَبْذَ المُسَبِّحِ مِنْ أَحشاءِ مُلْتَقِمِ
لا تُنكرُوا الوَحْيَ مِنْ رُؤيَاهُ إِنَّ لَهُ … قلبًا إذا نامت العينان لم ينم
فذاكَ حين بلوغ مِنْ نُبُوَّتِهِ … فليسَ يُنكَرُ فيهِ حال مُحْتَلِمَ
تبارك اللهُ ما وَحْيٌّ بمكتسب … ولا نبي على غيب بمُتَّهَم
كمْ أَبْرَأَتْ وَصِبًا للمس راحته … وأطلقت إربًا مِنْ رِيقةِ اللَّمَم
وأحيتِ السُّنَّةَ الشهباء دعوتُهُ … حتى حَكَتْ غُرَّةً فِي الْأَعْصُرِ الدُّهُم
بعارض جاد أو خلت البطاح بها … سَيْبًا مِنَ اليَمِّ أَوْ سَيْلًا مِنَ العَرِمِ
آياتُهُ الغُرُّ لا تخفى على أحدٍ … فدونَها العَدْلُ بينَ الناسِ لَمْ يَقُم
لا تعجبن الحسود راحَ يُنكرِها … تجاهلًا وهو عين الحاذق الفهم
يا خيرَ مَنْ يَمَّمَ العافون ساحَتَهُ … سَعيًا وفوق متونِ الأَيْنُقِ الرُّسُمِ
وَمَنْ هو الآية الكبرى لمُعتبِرٍ … ومَنْ هوَ النعمة العُظمى لمُعْتَنِمِ
سَرَيْتَ مِنْ حَرَم ليلًا إلى حَرَم … كما سَرَى البدر في داج مِنَ الظَّلَمَ
وبت ترقى إلى أَنْ يَلْتَ منزلةٌ … مِنْ قاب قوسين لمْ تُدْرَك ولمْ تُرَمَ
وقَدَّمتك جميع الأنبياء بها … والرسل تقديمَ مَحْدُومٍ على خَدَمَ
وأنت تخترقُ السَّبْعَ الطَّباقَ بهم … في موكب كنتَ فيه صاحب العَلَم
حتى إذا لم تَدَعْ شَأْوًا لمُسْتَبِقٍ … مِنَ الدُّنُو ولا مَرْقَى لِمُسْتَنِمِ
خَفَضْتَ كُلَّ مقام بالإضافةِ إِذْ … نُودِيْتَ بالرفع مثل المُفردِ العَلَمِ
كيما تفوز بوصل أَي مُسْتَتِرٍ … عن العيون وسرِّ أَي مُنْكَتِمَ
فَخُرْتَ كُلَّ فَخَارٍ غيرِ مُشْتَرَكٌ … وجُزْتَ كُلَّ مقام غيرِ مُزْدَحِمَ
وجلَّ مِقدار ما أوليتَ مِنْ رُتَبٍ … وغَرَّ إدراك ما أَوْلِيتَ مِنْ نِعَمَ
بُشْرَى لنا مَعْشَرَ الإسلام إنَّ لنا … مِنَ العنايةِ رُكنًا غيرَ مُنْهَدِمِ
لما دعا الله داعينا لطاعتِهِ … بِأَكْرَمِ الرُّسُلِ كُنَّا أكرمَ الأَمَم
راعت قلوب العدا أنباء بعثتِهِ … كَنَبْأَةٍ أَجفلت غُفْلًا مِنَ الغَنَمَ
ما زال يلقاهم في كُلِّ مُعْتَرَك … حتى حَكُوا بالقَنَا لحمًا على وَضَمَ
تمضي الليالي ولا يدرون عدَّتَها … ما لم تكن من ليالي الأشهر الحُرُمَ
كأنما الدين ضيف حلَّ ساحَتَهُمْ … فكلُّ قَرْم إلى لحم العِدا قرم
يَجُرُّ بَحْرَ خميس فوق سابحة … ترمي بموجِ مِنَ الأبطالِ مُنتظَمٍ
стр. 6513
مِنْ كُلِّ مُحتسب اللهِ مُنتسِبٍ … يسطو بمستأصل للكفرِ مُصْطَلِم
ومَنْ يَبع آجلًا منه بعاجلةٍ … يَبِنَّ له الغبن في بيع وفي سَلَمَ
كأنهم في ظهور الخيلِ نَبْتُ رَبِّي … مِنْ شدّةِ الحَزْمِ لا مِنْ شِدَّةِ الحُزْمِ
إِنْ آتِ ذَنْبًا فما عَهْدِي بِمُنتقَصْ … مِنَ الدنو ولا مرقى لمستنم
فإنَّ لي ذِمَّةً منه بتسميتي … محمدًا وهوَ أَوْفَى الخَلْقِ بالذّمَمَ
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمَهُ … أَوْ يرجع الجارُ منه غير محترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدتُه لخلاصي خير مُلتزم
ولن يفوت الغِنَى مِنهُ يدٌ تَرِبَتْ … إِنَّ الحَيَا يُنْبِتُ الأَزهار في الأَكُم
ولم أُرِدْ زَهْرَةَ الدنيا التي اقتطفت … يدا زُهير بما أثنى على هَرِمَ
يا أكرم الخلق مالي مَنْ أَلوذُ بِهِ … سِوَاك عند حُلُولِ الحادِثِ العَمَمَ
إن لم يكن في مَعَادِي آخذًا بيدي … فضلًا وإلا فقل: يا زلَّةَ القَدَم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلى باسم مُنتَقِم
فإن من جودك الدنيا وضرَّتُها … ومِنْ علومِكَ عِلْمُ اللّوح والقَلَمَ
يا نفس لا تقنطي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ … إِنَّ الكبائر في الغُفْرَانِ َكاللَّمَم
لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّي حين يقسمها … تأتي على حَسَبِ العِصيان في القِسَمَ
يا رب واجعل رجائي غير منعكس … لديك واجعل حسابي غيرَ مُنْخَرِمَ
والطف بعبدك في الدارين إنّ له … صبرًا متى تَدْعُهُ الأهوال ينهزم
وائذن بسحب صلاة منك دائمة … على النبي بمنهل ومُنْسَجِم
ما رَنَّحَتْ عَذَبَاتِ البانِ رِيْحُ صَبًا … وأَطْربَ العِيسَ حادي العِيسِ بِالنَّعَمُ
قلت: هكذا يكون المديح، ولمثل هذا الشفق يموّه هذا الصفيح، الله هو لقد خلف وراءه القرائح، وخلد في عقاله الغادي والرائح، وقد أكثروا في معارضتها، ولم يستطع أحد قوة عارضتها، وأدنى من داني، وجمع إحسانًا الصفي الحلي، في قصيدة عملها في وزنها، جعل في كل بيت نوعًا من أنواع البديع، وأتى بها كنوار الربيع، وسماها «الكافية البديعة في المدائح النبوية»، إلا أنه تقلب تحت سمائها، وظفر ببقية صبابة من نعمائها، وهي هذه (١): [من البسيط]
إِنْ جِئْتَ سَلْعًا فَسَلْ عَنْ جِيرَةِ العَلَمِ … واقْرَ السلام على عُرْبِ بذي سَلَمِ
فقد ضَمِنْتُ وجود الدمعِ مِنْ عَدَم … لهم ولم أستطعْ مَعْ ذَاكَ سَحَّ دَمِي
مَنْ شَأْنُهُ حَمْلُ أَعباء الهَوى كَمَدًا … إذا هَمى شأنه بالدمع لم يلم
مَنْ لي بكلِّ غَرِيرٍ مِنْ ظِبائِهِمُ … عَزيزِ حُسْنٍ يُداوي الكَلَّمَ بالكَلِمِ
стр. 6514
بكلِّ قَدْ نضيرٍ لا نظير لهُ … ما ينقضي أملي منه ولا أَلَمي
وكل لحظ أتى باسم ابن ذي يَزَنٍ … في فتكِه بالمُعنَّى أَوْ أَبي هَرم
قد طال ليلي وأجفاني بِهِ قَصُرَتْ … عن الرُّقادِ فلمْ أُصْبِحْ وَلَمْ أَنَم
كأنَّ آناء ليلي في تطاولها … تسويف كاذب آمالي بقربهم
هم أرضعوني ثَدْيَ الوَصْلِ حافلةً … فكيفَ يَحْسُنُ منها حال مُنْفَطِمِ
كان الرضا بدنوي من خواطِرِهِم … فصارَ سُخْطِي لَبُعْدِي عَنْ جِوارِهِمِ
وجدي حنيني أنيني فكرتي وَلَهِي … منهم إليهم عليهم فيهم بهم
الله لذة عيش بالحبيبِ مَضَتْ … فلمْ تَدُمْ لي وغيرُ اللهِ لَمْ يَدُم
وعادل رامَ بِالتَّعْنِيفِ يُرْشِدُنِي … عَدِمْتُ نُصْحَكَ هلْ أَسمعتَ ذَا صَمَمَ
أَقْصِرْ أَطِل أَعذر أعدل سَلْ خَلَّ أَغِنْ … خُنّ هنّ عنّ ترفق لُجَّ كُفَّ لم
أنا المُفَرِّط أطلعت العدو على … سرّي وأودَعْتُ نفسي كفَّ مُحترم
فَمِي تَحَدَّثَ عَنْ سِرِّي فما ظَهَرَتْ … سرائرُ القَلْب إلا من حديثِ فَمِيَ
لأنت عندي أخص الناس منزلة … إذ كنت قدرَهُمُ عندي على السَّلَم
مِنْ مَعشرِ يُرخِصُ الأَسعار جوهرُهُمْ … ويحملونَ الأَذَى مِنْ كُلِّ مُهْتَضَمَ
مَحَضْتَ لي النُّصْحَ إحسانًا إليَّ بلا … غِسٌ وقلّدتني الإحسان فاحْتَكم
ليت المنية حالت دونَ نُصْحِكَ لي … فيستريح كلانا مِنْ أَذَى التُّهَم
حسبي بذكرِكَ ذَمًّا لي ومنقصةً … فما نطقت فلا تنقص ولا تَذَمَ
سالمت في الحُبِّ عُذالي فما نَصَحُوا … وَهَبْهُ كانَ، فما نَفْعِي بِنُصْحِهِمَ
عَدِمْتُ صِحَّةَ جسمي مُذْ وَتَقْتُ بهم … فما حَصَلْتُ على شيء سوى النَّدَمَ
قالوا: سلوتَ لِبُعْدِ الإلفِ قلتُ لهمْ: … سلوتُ عَنْ صِحَّتي والبرءِ مِنْ سَقَمِي
ما كنتُ قبل ظُبى الإلحاظ قطُّ أَرَى … سيفًا أراق دمي إلا على قدمي
قالوا اصطبر، قلتُ: صَبْرِي غيرُ مُتَّبِعِ … قالوا: أَسْلُهُمْ، قلتُ: وُدّي غيرُ منصرِمِ
وإنني سوف أسلوهم إذا عُدِمَتْ … رُوحي وأحْييتُ بعد الموتِ والعَدَمَ
فالله يكلا عُذالي ويلهمُهُمْ … عَذْلِي فَقَدْ فَرَّجُوا كَرْبي بذكرهم
قالوا: أَلَمْ تَدْرِ أَنَّ الحُبَّ غايته … سلب الخواطر والألبابِ قُلْتَ: لم
لمْ أَدْرِ قبلَ هَوَاهُمْ والهَوَى حَرَمٌ … أَنَّ الظَّباءَ تُحِلُّ الصَّيدَ في الحَرَمِ
رجوتُ أَنْ يَرْجِعُوا يومًا فقد رجعوا … عند العتاب ولكنْ عَنْ وَفا ذِمَمِي
فلما سر قلبي واستراح به … إلا الدموع عَصَانِي بعدَ بُعْدِهِمِ
فلو رأيتَ مُصابي عندما رَحَلُوا … رَثَيْتَ لي مِنْ عَذَابي يوم بينهم
يا غائبين لقد أَضْنَى الهَوَى جَسَدِيٌّ … والغُصْنُ يَذوي لفقد الوابل الرَّدِمَ
ياليت شعري أسحرًا كانَ حُبُّكُمُ … أَزالَ عقلي أَمْ ضَرْبًا مِنَ اللَّمَمِ
стр. 6515
رَجَوْتُكُمُ نُصَحَاءً في الشَّدائد لي … لِضَعْفِ رُشْدِي واستسمنت ذا ورم
وكم بذلتُ تَلِيدي والطَّريفَ لكمْ … طَوْعًا وأرضيتُ عنكم كلَّ مُختصِمَ
مَنْ كَانَ يعلمُ أَنَّ الشَّهْدَ راحتُهُ … فلا يخافُ للسع النَّحْلِ مِنْ أَلَمَ
خِلْتُ الفضائل بين الناس ترفعني … بالابتداء فكانت أحرفَ القَسَمَ
لقبتني المعالي بابن بَجْدَتِها … يومَ الفَخَارِ ولا بَرَّ التَّقَى قَسَمِي
إن لم أَحثَّ مطايا العزم مُثْقَلَةٌ … من القوافي توم المجد عَنْ أَمِمِ
تجار لفظ إلى سوقِ القَبُولِ بها … مِنْ لُجَّةِ الفِكْرِ يُهْدِي جوهر الكَلِمَ
مِنْ كُلِّ مُعْرَبَةِ الأَلفاظ مُعْجَمَةٍ … يَزِينُها مَدْحُ خَيرِ العُربِ والعَجَمِ
محمد المصطفى الهادي النبـ … ـي أَجَلِّ المُرسلينَ بنِ عبدِ اللهِ ذي الكَرَمَ
الطاهر الشّيمِ ابن الطاهر الشّيمِ أبـ … ن الطاهر الشّيَم ابن الطاهرِ الشَّيَمَ
خير النبيين والبرهانُ مُتَّضِحٌ … في الحِجْرِ عَقْلًا ونَقْلًا واضحُ اللَّقَمَ
كم بينَ مَنْ أَقْسَمَ اللهُ العليُّ بهِ … وبينَ مَنْ جاءَ باسمِ اللهِ في القسم
أُمي خَطٍ أَبانَ اللهُ مُعْجِزَهُ … بطاعة الماضيين السيف والقلم
مؤيد العزم والأبطالُ في قَلَقٍ … مُؤَمَّلُ الصَّفْحِ والهيجاء في ضَرَمَ
نفسٌ مَؤَيَّدَةٌ بالعزم تعضدها … عنايةٌ صَدَرَتْ عَنْ باريءِ النَّسَمِ
أبدى العجائب فالأعمى بنفثتِهِ … غَدًا بصيرًا وفي الحرب البصيرُ عَمِي
لهُ السَّلامُ مِنَ الله السلام وفي … دار السلام تَراهُ شَافِعَ الأمم
كمْ قَدْ حَلَتْ جُنْحَ ليلِ النَّقْع طلعته … والشهبُ أَحْلَكُ ألوانًا مِنَ الدُّهُم
في مَعْرَك لأم لأمير الخيلِ عَنْبَرُهُ … بما يُرَوِّي المَواضِي تُرْبَهُ بِدَمَ
عزيز جار لو الليل استجار به … مِنَ الصَّباح لعاش الناسُ في الظَّلَمَ
كأَنَّ مَرَاهُ بَدْرٌ غيرُ مُسْتَتِرٍ … وطيب رياه مسك غيرُ مُكْتَتَم
لا يهدِمُ المَن منهُ عُمْرَ مَكْرُمَةٍ … ولا بسوء أذاه نفس موتهم
يُولي الموالينَ مِنْ جَدوى شفاعتِهِ … مُلكًا كبيرًا عدا ما في نفوسهم
كأنما قلبُ مَعْن ملءُ فِيهِ فَلَمْ … يَقُلْ لسائله يومًا سوى نَعَمَ
إِنْ حَلَّ أَرضَ أُناسٍ شَدَّ أَزْرَهُمُ … بما أَباحَ لهمْ مِنْ حَطّ وزرِهِم
آراؤه وعطاياه ونقمتُهُ … وعفوه رحمة للناس كلهم
فجودُ كَفَّيهِ لَمْ تُقْلِعْ سحائبُهُ … عَنِ العباد وجود السُّحْبِ لَمْ يَقُم
أفنى جيوش العِدًا غَزْوًا فلستَ تَرَى … سِوَى قتيل ومأسورٍ ومُنْهَزِم
سناه كالنارِ تجلو كُلَّ مُظْلِمَةٍ … والبأس كالنَّارِ يُفنى كُلَّ مُجْتَرَ
أبادهم فلبيتِ المالِ مَا مَلَكُوا … والروحُ للسيف والأجساد للرَّحم
مِنْ مُفْرَد بغرار السيفِ مُنْتَشِرٍ … ومزوج بسنان الرُّمْحِ مُنْتَظِم
стр. 6516
شَيْبُ المفارق يروي الضَّرْبِ مِنْ دَمِهِمْ … ذوائبِ البِيْضِ بِيْضِ الهندِ لا اللَّمَمِ
واستخدم الدهر ينهاه ويأْمُرُهُ … بعزم مُغْتَنِم في زِيِّ مُغْتَرِمِ
يجزي إساءة باغيهمْ بِسُنَّتِهِ … ولم يكن عاديا منهم على إرم
كأَنَّما حَلَّقَ السَّعْدِيُّ منتَشِرًا … على الثَّرَى بينَ مُنْقَضٌ ومُنْفَصِمِ
حروف خط على طرس مقطَّعةٍ … جاءتْ بها يد عمرو غير مفتهم
لمْ يَلْقَ مَرْحَبُ مِنهُ مَرحبًا وَرَأَى … ضِدَّ اسْمِهِ عندَ هَدَّ الحُصْنِ والأَطْمِ
لاقاهم بكماة عندَ كرِّهِم … على الجسوم دروع من قلوبهم
بكلِّ منتصر للفتح منتظرِ … وكُلِّ مغترم بالحقِّ ملتزم
مِنْ حاسر بغرارِ العَضَبِ مُلتحِفٍ … أَوْ سافر بغُبارِ الحربِ مُكْتَتِمِ
مستقتل قاتل مسترسل عجل … مستأصل صائل مستفحل خَصمِ
ببارق خُذِم في مازِقٍ أَمَمٍ … أَوْ سابقٍ عَرِم في شاهِقٍ عَلَمَ
فعال منتظم الأحوال مقتحم الا … هوال ملتزم باللهِ مُعْتَصِمِ
سَهْلٌ خَلائِقُهُ صَعْبٌ عَرَائِكهُ … جَمٌّ عجائبه في الحكم والحكم
فالحق في أفق والشرك في نَفَقٍ … والكفرُ في فَرَقٍ والدينُ في حَرَمِ
فالجيش والنَّقْعُ تحت الجونِ مُرتكم … في طَلِّ مُرتكم في ظِلِّ مُرتكم
بفتيةٍ أَسْكَنوا أطراف سُمْرِهِمْ … مِنَ الكماة مقر الظَّعْنِ والأصم
كل طويل نجاد السيفِ يُطْرِبُهُ … وقعُ الصَّوارم كالأوتار والنَّعَمِ
مِنْ كُلِّ مُبتدِر للموتِ مُقتحم … في مأزق بغُبارِ الحَرْبِ مُلْتَحِمَ
تَهْوَى الرقاب مواضيهم فتحسَبُها … حديدها كان أغلالًا من القدم
شُوسٌ تَرى منهم في كُلِّ مُعْتَرَكِ … أَسْدَ العرين إذا حَرَّ الوَطِيسِ حَمِي
صالوا فنالوا الأماني مِنْ عداتِهم … ببارقٍ في سِوَى الهيجاء لم يُشَمِ
كالنار منه رياح الموتِ قَدْ عَصَفَتْ … لما رَوَى مَاؤُهُ أَرضَ الوغى بِدَمَ
حرَّانَ يَنْقَعُ حَرُّ الكَرِّ غُلَّتَهُ … حتى إذا ضَمَّهُ بَرْدُ المَقِيلِ ظَمِي
قادوا الشوارب كالأجبال حاملة … أمثالَها ثَبْتَةً في كل مُضْطَرَمِ
مِنْ سُبَّقٍ لا يَرَى سَوْطٌ لها سملًا … ولا حديد من الأرسانِ واللَّجُم
كادتْ حَوَافِرُها تُدمي جحافلها … حتى تشابهت الأحجال بالرثم
يُكابرُ السَّمْعُ فيها الطَّرْفَ حِينَ جَرَتْ … فيرجعان إلى الآثار في الأكم
خاضوا عُباب الوغى والخيل سابحة … في بحرِ حَرْبِ بِمَوجِ الموتِ مُلْتَطِمَ
حتى إذا صدروا والخيل صائمةٌ … مِنْ بعدِ ما صَلَتِ الأسيافُ في القِمَمِ
فلاعبوا تحتَ ظِلِّ السُّمْرِ مِنْ مَرَح … كما تلاعبت الأشبالُ في الأجمَ
في ظل أبلج منصور اللواءِ لَهُ … عَدْلٌ يُؤلِّفُ بينَ الذئب والغَنَمِ
стр. 6517
سَهلُ الخَلائِقِ سَمْحِ الكَفَّ باسطها … مُنَزَّهُ لفظهُ عَنْ لا ولن ولم
أغر لا يمنع الراجين ما سألوا … ويمنع الجار من ضيم ومن حرم
شخص هو العالمُ الكُلِّيُّ في شَرَفِ … ونفسه الجوهر القُدْسِيُّ في عِظَم
ومَنْ له خاطب الجِذْعُ اليبيسُ ومَنْ … بكفّه أَوْ دَقَتْ عجراء مِنْ سَلَمَ
والعاقب الخبر في نجران لاح له … يوم التباهلِ عُقبى زَلَّةِ القَدَمِ
والذئب سلَّم والجني أسلم … والثعبانُ كَلَّمَ والأموات في الرجم
ومن أتى ساجدًا الله ساعته … وغيره ساجدًا في العُمْرِ للصنم
وَمَنْ غَدَا أَسْمُ أمه نعتًا لأمته … فتلك آمنة من سائر النقم
مَنْ مِثْلُهُ وذراع الشاةِ حَدَّثَهُ … عَنْ اسمه بلسان صادق الريم
هل من ينم بحب مَنْ ينم له … بما رَمَوهُ كمن لم يدر كيفَ رُمِي
هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي آيَاتُهُ ظَهَرَتْ … مِنْ قَبْلِ مَظْهَرِهِ لِلنَّاسِ فِي القِدَمِ
مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى المُخْتَارُ مِنْ خُتِمَتْ … بِمَجْدِهِ مُرْسَلُو الرَّحْمَنِ لِلْأُمَمِ
تَذْكِيرُهُ قَدْ أَتَى فِي هَلْ أَتَى وَسَبَا … وَفَضْلُهُ ظَاهِرٌ فِي نُونٍ وَالقَلَمِ
إِذَا رَآهُ الْأَعَادِي قَالَ حَازِمُهُمْ: (حَتَّامَ نَحْنُ نُسَارِي النَّجْمَ فِي الظُّلَمِ)
بِهِ اسْتَغَاثَ خَلِيلُ اللهِ حِينَ دَعَا … رَبَّ الْعِبَادِ فَنَالَ الْبَرْدَ فِي الصَّرَمِ
كَذَاكَ يُونُسُ نَاجَى رَبَّهُ فَنَجَا … مِنْ بَطْنِ نُونٍ لَهُ فِي الْيَمِّ مُلْتَقِمِ
دَعْ مَا تَقُولُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمْ … مِنَ التَّغَالِي وَقُلْ: مَا شِئْتَ وَاحْتَكمِ
صَلَّى عَلَيْهِ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا طَلَعَتْ … شَمْسٌ وَمَا لَاحَ نَجْمٌ فِي دُجَى الظُّلَمِ
وَآلُهُ أُمَنَاءُ اللهِ مَنْ شَهِدَتْ … لِقَدْرِهِمْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ بِالْعَظَمِ
آلُ الرَّسُولِ مَحَلُّ العِلْمِ مَا حَكَمُوا … للهِ إِلَّا وَعُدُّوا سَادَةَ الْأُمَمِ
بِيْضُ المَفَارِقِ لَا عَيْبٌ يُدَنِّسُهُمْ … ثُمَّ الْأُنُوفُ طِوَالُ الْبَاعِ وَالْأُمَمِ
بيض المفارق لا عيب يدنسهم … شم الأنوف طوال الباع والأمم
هم النجوم بهم يُهدى الأنام وينـ … ـجاب الظلامُ وَيَهْمِي صِيِّبُ الدِّيم
لهم أسامِ سَوَامٍ غير خافية … مِنْ أَجلها صارَ يُدعى الاسم بالعلم
وَصَحْبُهُ مَنْ لهم فضل إذا افتخروا … ما إنْ يُقَصَّرُ عَنِ آيَاتِ فضلهم
هم هم في جميع الفضل ما عَدِمُوا … سِوَى الإخاء ونص الذكر والرَّحِم
الباذلو النفس بذل الزادِ يوم قرى … والصائنو العِرْضَ صَوْنَ الجَارِ والحَرَمَ
خُضْرُ المرابع حُمْرُ السُّمْرِ يومَ وَغَى … سود الوقائع بيضُ الفِعْلِ والشَّيم
ذلَّ النَّصَارُ كَمَا عَزَّ النظير لهم … بالبَذْلِ والفَضلِ فِي عِلْمٍ وفِي كَرَم
مِنْ كُلِّ أَبْلَج واري الزَّنْدِ يومَ نَدًى … مشمر عنه يوم الحرب معلم
لهم تهلل وجه بالحياء كما … مقصورة من مستهل من الفهم
ما روضةً وَشَعَ الوَسْمِيُّ بُرْدَتَها … يومًا بأحسن من آثار سعيهم
стр. 6518
لا عيب فيهم سوى أَنَّ النزيل بهم … يسلو عَنِ الأهل والأوطان والحشم
يا خاتم الرسل يا مَنْ عِلْمُهُ عَلَم … والعدل والفضل والإيفاء الذمم
ومَنْ إِذا خِفْتُ في حَشْرِي فكانَ لَهُ … مَدْحِي نجوتُ فكان المدحُ مُعْتَصَمِي
فقلت: هذا قبُول جَاءَنِي سَلَفًا … ما نالَهُ أَحَدٌ قبلي مِنَ الأُمَمِ
لصدق قولك لو حَبَّ امرؤ حَجَرًا … لكان في الجسم عن مثواه لم يدم
فوقني غير مأمور وعودك لي … فليس رؤياكَ أَضغاثًا مِنْ الحُلم
فقد علمت بما في النفس مِنْ أَرَبِّ … وأَنتَ أكبرُ مِنْ ذِكْرِي له بقم
فإِنَّ مَنْ أَنْفَذَ الرحمان دعوتهُ … وأَنتَ ذاك لديه الجار لم يُضم
وقد مدحت بما تم البديعُ بِهِ … مَعْ حُسْنِ مُفْتَتَحَ مِنْهُ وَمُخْتَتَمَ
ما شب من خصلتي حرصي ومن أملي … سوى مديحك في شيبي وفي هرمي
هذي عصاي التي فيها مارب لي … وقد أهش بها طورًا على غنمي
إن ألقها تتلقف كلَّ ما صَنَعُوا … إذا أتيت بسحر من كلامهم
أَطَلْتُها ضمن تقصيري فقام بها عُذْرِي … وهيهاتَ إِنَّ العُذْرَ لَمْ يَقُمَ
فإِنْ سَعِدْتُ فمدحي فيك موجبُهُ … وإنْ شَقِيتُ فذنبي موجب القسم
عدنا إلى قوله - أعني البوصيري -:
وكان قد هجا بعض أقاربه فاقذع وضرب معهم فأوجع، ولامه أصدقاؤه وعنفوه وحذروه من نفار القلوب وخوفوه، وقال له رجل منهم: قد كان لك غير هذا مثل وجه في ذكر الغرباء على عادة الأدباء، فقال (١): [من البسيط]
وقائل كيف تهجُو كُلَّ معرفةٍ … فقلتُ: مالي إذلال على الغُربا
وكان السلطان الملك الظاهر قد أمر بكسر أوعية الخمر، وشدّد فيها، فقال: [من الوافر]
نهى السلطانُ عَنْ شُرب الحُمَيَّا … حدّها جد اليماني
فما جسرت ملوك الجِنِّ منه … لخوفِ القتل تدخل في القناني
قالوا: فبلغت الملك الظاهر، وكان يقول: لو كنت أجتمع بشاعر، لكنت أجتمع بهذا. حكى ذلك شيخنا الكندي.
ولما عمرت المدرسة المنصورية والمارستان بالقاهرة أكثر الشعراء في وصفها ومدحوا الشجاعي متولي عمارتها، فممن أنشده البوصيري قصيدة فريدة أولها: [من الكامل]
عَمَّرت مدرسة ومارستانا … لتُصَحِّحَ الأديان والأبدانا
стр. 6519
فقال له: حسبك في هذا كفاية، ولم يسمع تتمة القصيدة استحسانًا للبيت، وظل يومه كله ينشده ويترنّم به، وأجزل جائزته، وهي كلها طنانة تلج المسامع، وتعجّ في المجامع (١).
قلت: وهذا البيت أورده أبو الصفاء الصفدي في ترجمة ابن لؤلؤ، وليس البيت له، إنما البيت للبوصيري، وهو مشيد مبناه، والأحق بسكناه.
وللبوصيري في عمارة المدرسة المذكورة قصيدة أخرى لا تقع دونها، ولا تود النجوم الزاهرة إلا أن تكونها، وأولها (٢): [من الطويل]
جوارُكَ من جور الزمانِ يُجِيرُ … وبُشْرَكَ للراجي بذاك يُشير
ومنها في وصف ذلك:
بنى ما بنى كسرى وما قلتُ: مؤمنٌ … يُباهي به فما بناه كَفُورُ
وكان (٣) له صديق من الكتاب يعرف بالأكرم الحَشَاء، [له] عبد حبشي مليح الصورة بديع المحاسن، وكان شخص يعرف بسليمان المفتش يحبّ ذلك العبد ويتعشقه ويود لو أنه بفؤاده يرشفه، فحدّره البوصيري من سليمان المذكور على عبده وقال له ما بلغه من خبر حبّه له، فقال له الأكرم إلا أنا عبدي شيطان ما أخاف عليه، فقال: [من البسيط]
كم قلت للأكرم الحشَّاءِ أنصحه … بأنَّ عبدك محتاج للقان
فقال: عبدي عفريت فقلتُ لهُ: … إِنِّي أَخافُ عليهِ مِنْ سُليمان
حكي (٤) أنه بات ليلة بالقرافة الصغرى في رفقة فيهم رجل اسمه مسافر، فدبّ ليلًا على صبي اسمه النجم، فقال: [من السريع]
مسافر سارتْ أحاديثه … ما بين كلّ العُرْبِ والعُجْمِ
سرى على النجمِ ولا غَرْوَ في … مسافر يسري على النَّجْمَ
وقوله في معنى أقترح عليه، مما قال بديهة بين الروية والارتجال: [من الرمل]
ويشكو مِنْ ذقونٍ حُلِقَتْ قلتُ: … لابد لها أنْ تُحلفا
إِنْ حَلْقَ الذَّقْنِ خيرٌ للفتى … يابني عمّيَ مِنْ أَنْ يُنتَفا
والذي حَلَّقَ أَنصاف اللحى … كانَ في الأحكام عَدْلًا مُنصِفا
حَلَّقَ النصف بذنب حاضر … وعَفَا في النصف عَمَّا سَلَفا
وقوله: [من المنسرح]
لا تَأْمَنِ الدهر في تصرُّفِهِ … الدَّهْرُ لا تنقضي عجائبه
стр. 6520
وكم رأينا في الدهرِ مِنْ أَسَدٍ … بالت على رأسهِ تَعالِبهِ
وقوله: [من الخفيف]
لا تظنوا بأنَّ طَرْفي نال … مُذ عذرتم وأن قلبي حزين
إنَّما يحزنُ المُحبُّ على الحُبِّ … إِذا صَدَّ عنه وهوَ مَصُونُ
وقوله: [من الوافر]
أيهجرني ويسأل كيف حالي … ويحسبُ أنَّ قلبي منك خالي
أما واللهِ إِنِّي فيكَ صَبٌ … وغيرُ هَوَاكَ لم يخطر ببالي
وهل لسلو هذا الوجْهِ وَجْهٌ … وقدْ جُمعت بهِ جُمَلُ الجَمَالِ
وما رقمتْ محاسنه إلى أَنْ … رَجَعْتُ مِنَ الضَّنَى مثل الخلال
حكي أنه كان قليل المعرفة بصناعة الكتابة، وكان يباشرها، ويبغض طائفة الكتاب، ويضطر إلى أنه يعاشرها، وقل أن صعد العقبة، أو عطى ذيله عقبة، وكان لا يزال حظه الوَنِي مُقَتَرًا، ورزقه الدَّنِي مقترًا، ويرى الكتاب على حواصل الأموال يتغلبون، وفي سعة النعيم يتقلبون، فيري هذا له شجنًا، ويعد سرورهم له حزنًا، فقال (١): [من الوافر]
فقدت طوائف المستخدمينا … فلمْ أَرَ فيهم رجلًا أمينا
فخذ أخبارهمْ عَنِّي شفاها … وأنظرني أخبرك اليقينا
فقد عاشرتهم ولبئتُ فيهم … مَعَ التجريب من عُمُرِي سنينا
منها:
حوى الديوانُ طائفةً لُصُوصًا … عَدَلْتُ بواحد منهم منينا
فكتابُ الشمال جميعًا … فلا صَحِبَتْ شمالهم اليمينا
فكم سَرَقُوا الغلال وما عرفنا … بهم فكأَنَّما سَرَقُوا العُيونا
وباعوا بعضها بأقل سعر … وما اشتطوا ولا ردُّوا الزبونا
وكيف تقول إنَّهمُ تَعَدُّوا … وهم قد أرخصوا الأسعار فينا
ولولا ذاك ما لبسوا حريرًا … [وما شربوا] خمور الأَنْدَرِينا
ولا رَبَّوا مِنَ المردانِ قومًا … كأَغصانِ يَقُمْنَ وينحنينا
وقد طَلَعَتْ لبعضهم ذُقُونٌ … ولكن بعد ما نَتَفُوا ذُقُونا
بأي أمانة وبأيِّ ضَبْطِ … أَردُّ عَنِ (٢) الخيانة فاسقينا
ولا كيسًا وضعتُ عليهِ شَمْعًا … ولا بابًا وضعتُ عليه طينا
وأقلام الجماعة حاملات … كأسياف بأيدي لاعبينا
стр. 6521
فإن ساوقتهمْ حَرْفًا بحرفٍ … فكلُّ أسم تخطوا منه سينا
ولا تحسب حسابهم صحيحًا … فإنَّ لخصمه الداء الدفينا
أَلَمْ تَرَ بعضهم قد خانَ بَعْضًا … وعَنْ فِعْلِ الصَّفِيِّ سَل المكينا
أقاموا في البلاد لهمْ جُباةٌ … لقبضِ مُغِلِّها كالمقطعينا
وإن كتبوا لجندي وصولًا … على بلدٍ أَصابَ بها كَمِينا
فما نَقْدِيَّةُ السلطانِ إِلاّ … مَعَ المُستخدمين مُجرَّدينا
فكم ركبوا لخدمتِهِمْ نَهارًا … وليلًا يسأَلونَ ويَصْرَعُونا
وكم وقفوا بأبواب النَّصاري … على أسيافهمْ مُتَوَكِّئينا
ولم ينفعهمُ البِرْطِيلُ شيئًا … ولا أزدادوا به إلا ديونا
وقد تَعِبَت خيول القوم مما … يطوفون البلاد ويَرْجِعُونا
أمولاي الوزير غفلتَ عَمَّا … يتمُّ مِنَ اللئام الكاتبينا
أتُطلِقُ جامكيات لقوم … فَتُطْلَقُ في أُناس آخرينا
ولا تَغْفَلْ أُمور المُلكِ حتى … يذلَّ الجند للمُتعمِّمينا
فهل مَلَكُوا بأقلام قلاعًا … وهل فَتَحُوا بأوراقٍ حُصُونا
ومَنْ قَتَلَ الفِرَنْجَ أَشدَّ قَتل؟ … ومَنْ كَسَرَ الفرنسيس اللعينا؟
ومَنْ خاصَ الهَوَاجِرَ وهُوَ ظَامٍ … إِلَى أَنْ أَوْرَدَ التَّرَ المَنُونا؟
ولاقى الموتَ دونَ حَرِيم مِصْرٌ … وصانَ المال منها والبنينا
ولم يُحصر كما حُصِرَتْ دمشقٌ … ولا حزنت كميا فارقينا
ومَنْ لمْ يدَّخِرْ فَرَسًا جَوَادًا … لوقعتِهِ ولا سيفًا ثمينا
فبعد الفوتِ قُلْ لي أَيُّ شَيْءٍ … لَهُ في بيت مال المسلمينا
أليس الآخذون بغير حَقٌّ … لما فوقَ الكفاية خائنينا
فإن الكاثرين المال منهم … أولئك لم يكونوا مؤمنينا
تَمَسَّكَ معشر منهم وعُدُّوا … مِنَ الزُّهاد والمتور عينا
وقيل: لهم دعاء مُسْتَجاب … وقد مَلَأوا مِنَ السُّحْتِ البطونا
فلم لا شُوِطروا فيما استفادوا … كما كان الصحابة يفعلونا
وكم جعل الفقيه العَدْلَ ظُلمًا … وصيَّر باطلًا حَقًّا يَقينا
تقول المسلمون: لنا حقوق … بها ولَنَحْنُ أَوْلى الآخذينا
وحللت اليهود بحفظ سَبْت … لهم ما للطوائف أجمعينا
إذا أمناؤنا قَبِلوا الهدايا … وصاروا يزرعون ويَتْجُرُونا
تفقهت القضاة فخانَ كُلُّ … أمانيه وسَمَّوه الأمينا
وما أخشى على أموال مصر … سوى مَنْ مَعْشَر يتناولونا
وقال القبط: نحن ملوك مصر … وإنَّ سِوَاهُمُ هُمْ غاصبونا
стр. 6522
فلا تقبل من النُّوَّابِ عُذْرًا … ولا النظَّار فيما يُهملونا
فلم تستأصل الأموال حتى … يكونوا كلهم متواطنونا
إذا جَهَّزْتَ جيشًا في غَزَاةٍ … [تَرى كتابَهم متباشرينا]
[وإن رجعوا لأرضهم بخير] … فلم تر كاتبًا إلا حزينا
ولما أَنْ دَعوا للباب قُلنا … بأنَّ القوم لا يتخلصونا
وكانوا قد مضوا وهم عداة … فجاوا بعد ذلك مُكْتَسينا
وصاروا يشكرون السجن حتى … تمنى الناس لو دخلوا السجونا
فقلت: لعلكم فيه وجدتُم … بطول مقامكم مالًا دفينا
فقالوا: لا ولكنا أسأنا … بأنفُسنا وخالفنا الظنونا
وقلنا: الموت [ما] لا بُدَّ منه … فماذا بعد ذلك أن يكونا
فلم نترك من الأموال شيئًا … وخاطرنا وجننا سالمينا
يُحيل على البلاد بغيرِ حَقٍّ … أُناسًا يَعْسِفُونَ ويظلمونا
وإن منعوا تقولنا عليهم … بأنَّهمُ عُصاةٌ مُفْسِدُونا
وجهزنا ولاة الحرب ليلًا … على أن يكبسوهم مصبحينا
فصَالُوا صَوْلةً فيمن يليهم … وصلنا صولة فيمن بلينا
فجئنا بالتهاب وبالسبايا … وجاؤوا بالرجال مُصَفدينا
ومَنْ أَلِفَ الخيانة كيف نرجو … لهُ أَنْ يحفظ اللص الخوونا
وما أبن قُطية إلا شريك … لهم في كل ما تتحفظونا
أغار على [قرى] فاقوس منه … بجور يمنع الجور الجفونا
وجاس خلالها عَرْضًا وطُولًا … وأدْنَى عاليًا منها ودونا
وقد نَسَفَ البلاد الحُمْرَ نَسْفًا … ولم يجعل بعرْصَتها جرونا
وصير عينها حملًا ولكن … لمنزلة وغَلَّتِهَا خَزينا
وأصبح شُغله تحصيل تبر … وكانت راؤه من قبل نونا
وقدمه الذين لهم وُصُولٌ … فَتَمَّم نقصه صلة اللذينا
وفي دار الوكالة أَيُّ نَهْب … فليتك لو نهبت الناهبينا
فتم بها يهودي خبيثُ … يَسُومُ المسلمين أذى وهونا
إذا ألقى بها موسى عَصَاهُ … تَلَقَّفَتِ القوافل والسفينا
وشاهدهم إذا أتهموا بودي … عَنِ الكل الشهادة واليمينا
وأما قصيدته الرائية التي ذكرنا البيت المقدم منها فالمختار منها قوله (١): [من الطويل]
стр. 6523
بنى ما بَنى كسرى وما قلتُ: مُؤْمِنٌ … يُبَاهي بهِ فيما بناه كَفُورُ
حجارته السُّحْبُ الثِّقالُ تَسُوقُها … عَلَى عَجَلٍ سَوْقًا صَبًا وَدَبُوْرُ
يضيقُ بها السيلُ الفجاج فلا تَرَى … بها للرياح العاصفاتِ مَسِيرُ
ومنها نجوم في بُرُوجٍ مَجَرَّةٍ … على الأرض تبدو تارةً وتَغُورُ
ومِنْ عَمَدٍ في همة الدهرِ قبرُهُ … وفي باعِهِ مِنْ أَنْ تَجُرَّ قُصُورُ
أَشارَ لها فانقادَ سَهْلًا عَسِيرُها … إليهِ وما أَمْرُ عليهِ عَسِيرُ
ومئذنة كالنجم تُشْرِقُ في الدُّجى … عليها هُدًى للعالمين ونُورُ
فكم حسدتها في الكمال كواكب … وغارَتْ عليها في العُلُو بُدُورُ
إذا قام يدعو الله فيها مُؤَذِّنٌ … فما هو إلا للنجوم سمير
وفيه مارستان ليسَ لِعِلَّةٍ … عليهِ وإن طال الزمانُ مُرُورُ
صحيحُ هواء للنفوس بنشْرِهِ … مَعَادٌ وللعَظْمِ الرَّمِيم نُشُورُ
تهبُّ فَتَهْدِي كُلَّ روح لجسمِهِ … كأَنَّ صَبَاهُ حِينَ يَنفَخُ صُورُ
ومدرسة ود الخورنقُ أَنَّهُ … لديها خطير والسَّديرُ عَذِيرُ
مدينة علم والمدارسُ حَوْلَها … قُرِّى أَوْ نجوم بدرهنَّ مُنِيرُ
بناء كأنَّ النَّحْلَ هَنْدَسَ شَكْلَهُ … ولانَتْ لَهُ كالشـ كالشَّمْعَ فِيهِ صُخُورُ
يرى مَنْ يَرَاهَا أَنَّ رَافِعَ سَمْكِها … على فَعْلِ مَا أَغْنى الملوكَ قَدِيرُ
ثمانية في الجو تحملُ عَرْشَها … وبعضُ لبعض في البناء ظَهِيرُ
ذَكَرْنا لديها النَّسْرَ فِيهِ مَرَّةً … فما كانَ نَسْرُ للحياء يطير
فإِنْ نُسِبَتْ للنَّسْرِ فالطائرُ الذي … له بالبروج الثابتاتِ وُكُورُ
بناها سعيد في بقاع سعيدة … بها سَعِدَتْ قبل المدارس دُوْرُ
فصارت بيوت الله آخر عُمْرِها … قُصُورًا خَلَتْ مِنْ سادةٍ وخُدُورِ
بها عَمَدُ كَاثَرْنَ أَيامَ عامِها … ومِنْ عامها لمْ يَمْضِ بعدُ شُهُورُ
سماوية أرجاؤها فكَأَنَّما … عليها مِنْ الوَشْي البديع سُتُورُ
والله يوم ضم فيها أتمَّةٌ … تدفّقَ منهم للعلوم بحور
وما مَلَكَ السُّلطان إلا سعادةً … يدوم لهُ ذِكْرُ بها وأُجُورُ
فهل في ملوك الأرضِ أَوْ خُلفائِها … له في الذي سَادَتْ يداهُ نَظِيرُ
* * *
أنجز السفر الثامن عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» - والحمد لله وحده - ويتلوه في السفر التاسع عشر منهم: السراج الوراق
* * *
стр. 6524
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر التاسع عشر من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وهو تتمة لتراجم شعراء مصر الذين ترجم لبعضهم في السفر الثامن عشر.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤٣٢، وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والاسلامية - فرانكفورت - المانيا الاتحادية.
وفيها حذف وشطب لا نعلم مصدره هل هو من المؤلف، أم من غيره ممن امتلكها أو طالعها؟ وحفاظًا على الأمانة العلمية فقد وضعت المشطوب بين معقوفتين أينما ورد.
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة.
* * *
стр. 6525
هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم، والباحث الفاضل.
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه.
والله من وراء القصد.
وهو حسبي ونعم الوكيل
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 6526
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعلى الله توكلت
[تتمة شعراء مصر]
[٥٦٨] السِّراجُ الوَرَّاقُ (١)
سراج ما بَرِحَ لِسانُهُ يَلْهَج، وإحسانه في تجليةِ الظُّلَمِ ينهج، طارتْ أَجنحةُ ضَرَمِه بالسُّمْعَة، وتَوَقَدَ منهُ السِّراجُ وقد شَرِقَتْ بالبكاء الشمعة.
وكان في شعراء ذلك العصر على تَوَقِّدِ جَمْرَتِهِمْ، وَتَوقّي نيرانِ أُسرَتِهِمْ، هُوَ المَعْشِيُّ نارُهُ دُونَ القَبِيلة، والمشكُورُ بما يُعاب به غيره من طول الفتيلة، ولم تطمع تلك الرياحُ الهَوابُّ في إمالة شُعلته، ولا في إماتة مصباحِهِ، ظمآن بغلته، وكان لو قَدَحَ بِهِ زَنْدُ الفجر لأنار، أو استصبح بهِ اللَّيلُ لما ميّزت ساعاته من النهار، أو شُبَّتْ بناره الرياض لَعُمِّمت كلُّ منابتها بالنُّوَّار، أو قُذِفَتْ بها الحياضُ لَتَمَّمَتْ لِلقِرَى بها مواقد النار، وكَمْ لَهُ مِنْ بَيْتِ لم يُؤسسه، ومشكاة ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ (٢)، لو استضاءَ
الإسكندري لما عدل عن البحر إلى الخلج، ولا وَجَدَ غنى عنه من قال: [من الرمل]
إِنَّ بَيْتًا أنتَ سَاكِنُهُ … غَيْرُ مُحتاج إلى السرج
بَلْ لو عَنَّ ذكراه لابن أبي الخصال (١)، لعَلِمَ أَنَّهُ ما أَخصَبْ، أو الجَزَرِي (٢) لما لَقِيَ الكِباشَ بِقَرْنٍ أَعْضب، بل لو لم يُخيّم على مُعاصره ابن الخَيْمي (٣)، لما عَاجَ معاجا، ولا ظَنَّ أَنَّ بَرْقَ الجَزْع، بربى نجد أذكى سراجا.
стр. 6529
[أخذ عن أدباء مصر ولقي العلماء، وقدم دمشق واجتمع بأهلها، ومدح أكابرها]
وكان يعاني أول أمره الوراقة يرتزق ببيع الورق، فعرف بذلك، وهو لا يبيعه إلا صرر حرر، ولا ينشر منه إلا درج مروج، ولا يسمع بوصل منه إلا وهو أشهى من وصل الحبيب، وأحسن بياضًا وسوادًا من مقلة الغزال الربيب. لا يوفى النيل، وإن أوفى إمداده، ولا يُقالُ إنّه راقَ إلا وفي الوراق ما فيه وزياده.
وكان هو والجزار (١) فرسَيْ رِهان وقَبَسَيْ نارٍ، لا يسكُتُ لهما لسان، يتناقضان … نقائض الفرزدق (٢)
стр. 6530
وجرير (١)، ويتعارضان تَعَارُضَ ابن القَيْسَراني (٢)
стр. 6531
وابن مُنير (١)، يطلعان طلوع الشمس والقمر المنير، ويقولان قول الأنصار، منا أمير ومنكم أمير.
وكان شُعراء ذلك الصَّدْرِ مَعَهُما في المُطارحة على حسب الاتفاق، وما يقدر لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ من الإنفاق، إلا أنَّ الحَلْبة كانت تُخلى لهذين الفحلين وهما لا يُبقيان، والأرضُ لا تَسَعُهُما، و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٢)، إلا أنَّ أَبا الحسين الجزارَ [ممن ذُبِحَ معه بسكينه، وعُرِف مِسكينه]. وأصبحَ بِهِ لا يُعْرَفُ شَحْمُهُ مِنْ وَرَمه، ولا يُرَى مَعَهُ إِلَّا قِطعة لَحْمٍ، مِمَّا عُلِقَ على وَضَمه، لا تُضِيء مَعَ سِراجهِ شَمْسُه، ولا يَمتدُّ مَعَ جَوادِهِ نَفَسُه.
وكُتبَ الوَرَّاقُ لِوالي مِصْرَ الدَّرْج، وقَطفَ من ثَمَرِ الإنشاء إلا أَنَّهُ ما تَعَلَّقَ [إِذْ سَلَكَ سُبُلَهُ] إِلَّا بِفِج.
فَأَمَّا نَظْمُهُ فَهْوَ السُّلوك، ورَقْمُهُ، لم يَزل لكُبَراء الوزراء والملوك.
وجمع شعرَهُ بِنَفْسِه، وجاءَ يَزيدُ على ألفِ ورقة، والمختار له من هذه الطبقة قوله (٣): [من الكامل]
شَجَّتْ جَبينَ مُدامها بالماءِ … فَبَنانُها مِنها خَضِيبُ دِمَاءِ
[وَخَلَتْ مُحدَّدة الدِّنان فدن بها … منْ كفّها عذراء من عذراء]
هزَمَّتْ أَشِعتُها الدُّجَى فمضَى وقَد … سَلَبَ الحَبابُ قِلادَةَ الجَوْزاءِ
وبَدَتْ على وَجَناتِ مَنْ طَافتْ بها … فَرَأَيتُ جَذْوَةَ مارج في ماء
حمراء تُسكِرُ مِنْ جفون مُدِيرِها … ما أشبه الحمراء بالحَوْراءِ
[وكأنها ذوب النضارِ تَرقرقتْ … في جامد من فضَّةٍ من ماء
أو شمسُ دَجنٍ من وراء غمامةٍ … نسج النسيم لها أشف رداء]
قوله: [من الوافر]
стр. 6532
سَأَلْتُهُمُ وقَدْ حَثُّوا المَطايا … قِفُوا شيئًا فساروا حيثُ شاؤُوا
وما عَطَفُوا عَليَّ وَهُمْ غُصُونٌ … ولا التفتُوا إليَّ وَهُمْ ظِباءُ
قولُهُ: [من الكامل]
يَا رَبِّ صُنْ وجَهِي عَنِ الكُرَماءِ … فَضْلًا عَنِ الحاجاتِ لِلؤْماءِ
فلقَدْ رأيتُ القومَ جَفُّوا أَيديًا … حتَّى كَأَنْ لَمْ يُخلقُوا مِنْ ماءِ
قوله: [من السريع]
يا بني الآدابِ قَدْماتَ الرَّجَا … وقد اشْتَدَّتْ وقد وعَزَّ النجباء
سَفُنُ الآمال منا بحر المُنى … وَخلَتْ منا فأين الرؤساء؟
[يمينك أعذب النيل الوفاء … وما أعداك باطنك الصفاء
وانهضه جوارك أو ترقى … سموًا كُلّ يوم واعتلاء]
قوله: [من الوافر]
كَفَ ضعفاءَ مِصْرِ ظالمِيها … وأَوْرَدَ عَدْلَهُ ذِيًا وشَاءَ
وأظهر فيه سِرًّا من عليّ … أضاء لنا ومَنْ يُخفي ذُكاء
ولم نَعْجَبْ لِفَيْضِ النِّيلِ إنى … وإبراهيمَ عَلَّمَهُ الوَفاءَ
قوله: [من الكامل]
ولقد أَدامَ الصَّاحِبُ بنُ مُحَمَّدٍ (١) … بَذْلَ القِرَى في القفرة البيداء
стр. 6533
ولو أنَّ فيها حاتمًا (١) مَنَعَ القِرَى … وغَدا ابنُ مَامَةَ (٢) باخلًا بالماء
[قوله]: [من المتقارب]
تجلى لنا البَدْرُ في خِلْعَةٍ … أَفَاضَ عليها السنى والسناء
من الفاختياتِ لمَّا بَدَتْ … بِها طَلْعَةُ البَدْرِ كانتْ سَماءَ
[قوله: [من الخفيف]
طوقتني صنائعًا أنطَقَتني … فاستمع للثنا منَ الوَرْقاءِ
يا جوادًا قد ضَنَّ بالعرضِ نفديـ … ـه بمال غدا أغر فداء]
قوله: [من الوافر]
أمولانا الأمير وأنتَ سَمْحٌ … يُجيبُ نَداكَ مِنْ قَبْلِ النِّداءِ
لقَدْ بَرَدَ الهواءُ عَلَيَّ فارحَمْ … فَما حالُ السِّراجِ مَعَ الهَواءِ؟
[قوله: [من الكامل]
نَفْسٌ تنافس في السماح وقد طوت … بحديث ما يُشرك حديث الطائي
ومكارم لو أنَّ مَعْنًَا ساعدٌ … يُعنى لها ما عُدّ في الكرماء
شَغَفَ النواظر والقلوبَ بِخطّهِ … نُفديه بالمسود والسوداء
ولو اجتلته لابن مُقْلةٌ … شُغِلَتْ بلذتها الإغفاء
стр. 6534
وفني بلال لو رأى؟ يومًا به … وَارَى أباه بحندس الظَّلْماءِ
قوله: [من الكامل]
يَدعُو الضيوف بِأَلسن مِنْ نارِهِ … يُمسي الكَرِيمُ بها مُجابَ دُعاءِ
يَمْحُو سَوادَ اللَّيْلِ أَلويَةٌ لها … حُمْرٌ تَسِيرُ أَمامَ كُلِّ لِواءِ
يَأْوِي لها يَمَنْ وَقَيْس رايةً … حمراء تشرقُ عَنْ يَدٍ بَيضاء
[ولقد تجلُّ له الملوك مكانه … لم يرض كيفًا من الأكفاء]
فَبِأَيِّ مَدْح نَرْتَقِي لِعَلائِهِ … ما أَبعدَ الشَّعْرَى مِنْ الشُّعَرَاءِ
[قوله: [من الوافر]
قَدِمْتَ لنا ربيعًا في جمادى … وقلب الشيء شان الأولياء
وقد بدرت لك الغبراء بسطًا … نَضاحَكُ والغَمَائمُ في بكاء
ظننا الغيث باكرها فقالت: … يمينك ذاك قطر …
ولم ير مولانا وليًا … يقدم قل … ]
قوله: [من الكامل]
يا واهِبَ الصَّلَحَاءِ من دَعَواتِهِ … فَوقَ الذي يحوي مُجَابُ دُعائها
سَأَلَتْ لكَ الرَّحمانَ في جُنْحِ الدُّجَى … تَحْتَ المُسُوحِ السُّودِ مِنْ ظلمائِها
[قوله: [من الكامل]
وكسوتتَني فكفيتَني زَمني الذي … طَيَّبْتَ لي صيفي به وشتائي
أصبحتُ في الخضراء يحسدني … على شرفي بها مَنْ تحت ذي الخضراء
وملأت بالبيضاء أعينَ حُمَّدٍ … وعِدًا فكم لك من يد بيضاء
فلو انني الطائي قصَّرَ مدحَهُ … عمّن يُقصر عنه جود الطائي
قوله: [من المتقارب]
طعام الكريم يقينًا شفاء … وكم حسم الداء منكم دواء
وجدتُ الشَّفاء نبض الكتاب … وما للكتاب عليكمْ جَفاء
وما ذقت عندك شر السؤال … ولكنْ حَلالي منك العطاء
أيا محسنًا حظي الشهدُ منه … كما السُّمُّ حَظَّيَ ممن أساءوا
تبارك خالقُهُ أبيضًا … كما ابيَضَّ وجهًا لديك الرجاء
وما استغربت منك بيض الأيادي … ومن صُبح وجهك يجلى السناء
قوله: [من الكامل]
стр. 6535
با ابن الأولى أحياهم بعد الردى … ذِكرٌ بِهِ عُدُّوا من الأحياء
المطعمين الزاد والآفاق لم … ترفع فواقًا من ضروع سماء
والظاعنين إذا الرياح تشاجرت … وجَلَتَ أسنَّتُها دُجى الظلماء
بك قد عرفناهم وكم قد دلت … الأبناء من كرم على الآباء]
قوله: [من الكامل]
ما رَثَ لا وأَبيكَ عَهْدُ رثائي … بَلْ عَزَّ عَنْكَ وعَنْ أَبيكَ عَزائي
أُجْرِي الدموع على الدموع وذو الأسى … مَنْ طالب العبرات بالإبطاء
إنْ كانَ دَمْعُ العَيْنِ لَمْ يَبْلُغْ دَمِي … فَوَراءَ شُهْبِ الدَّمْعِ جَمْرُ دِماءِ
ما صان أحمدُ ما لَهُ عَنْ سائلٍ … فَيَصُونَ ما في جَفْنِهِ مِنْ ماءِ
ولَطَالَما جَلَّى سَوادَ مَطالبِ … جُوْدُ ابْنِ مُوسى (١) ذي اليد البيضاء
ولكم أبى في الجُودِ معنا قد شأى … مَعَنّا به وطوى حديث الطائي (٢)
قوله: [من الرجز]
عِندي مِنْدِيلٌ إِذا غَسَلْتُهُ … غَسَلْتُ ماءً جَاريًا بِماءِ
[خانت به لحمتُهُ قِيامَهُ … فاعجب لنسخ آية الوفاء
ألفه في راحتي كأنما … جمعت منثورًا من الهباء]
لا أستطيعُ نَشْرَهُ مَخَافَة … عَليهِ مِنْ غائِلةِ الهَواءِ
قوله: [من الكامل]
مِنْ كُلِّ خَوَّاضِ الغِمَارِ بِلامَةٍ … نُسِجَتْ عليه من حباب الماء
وكأنَّهُ ويَدَاهُ في مِجْذافِهِ … رَامَ الطَّعانَ بِصَعْدَةٍ سَمْراءِ
وتخالُ جِلْستَهُ على كُرْسِيّهِ … لِلجَذْفِ فَوقَ طِمِرَّةٍ جَرْدَاءِ
قوله: [من الكامل]
شكواكَ مِنْ ألم المفاصِلِ لِلَّذِي … حَمَّلتَها لِلمَجدِ من أَعْباء
стр. 6536
[قَدَّمَ مَسَاعِيَها الحَمِيدَةَ لم تَزَلْ … اللهُ كُلَّ صَبِيحَةٍ ومَسَاء
وَيَدٌ تَجُودُ على الزَّمَانِ بِمَالِها … والغَيْثُ حِينًا لا يَجُودُ بِمَاء
فَبُلِيتْ رَاحَتُها على تَعَبٍ بِهِ … قَدْ بَاتَ أحمدُ أحمدُ الكُرَمَاء]
تَقِفُ البحار ولَمْ تَقِفْ فارْفِقٌ بِها … أَوْ لَمْ تَكُنْ عُضوًا من الأعضاء؟
[ولقد تعطشت الشفاه للثمها … لا عطلت من صحة وشفاء]
قوله (١): [من الكامل]
مَا حَلَّ عَزْمِي مِثْلُ عَقْدِ قَبائِهِ … بَدْرٌ يُعَدُّ البَدْرُ مِنْ رُقَبائِهِ
يَحْلُو مُقَبَّلُهُ وَبَرْدُ رُضَابِه … (كالأقحوان غَداةَ غِبٌ سَمَائِهِ) (٢)
يَتَشَبَّهُ الغُصْنُ النَّضِيرُ بِقَدِّهِ … يَا غُصْنُ فَاتَكَ لَسْتَ من نُظرائه
أَشْكُو فَيَشْكُو خَصْرُهُ مِنْ رِدْفِهِ … لو أَنَّهُ يحنو على ضعفائه
مَنْ لم يرق لبعضه من بعضِهِ … أَيْلامُ في بصَدِّهِ وجَفائِهِ
تَشْتَاقُهُ عَيْنِي وَقَلْبي وهو منـ … ها في السواد ومنه في سودائه
ولرُبَّ ليل طاف فيه بكأسِهِ … والصبح في خدر الدُّجى وخبائه
والجو مسكي النسيم كأنما … قد بت فيه الدين ذكر علائه
الهاجر اللذاتِ خيفةَ رَبِّهِ … والمُسخط الكاسات في إرضائه
ماذا يريد به المدام وعنده … ما عندَهُ من بأسه وسخائه
أيخلص الغمراتِ جأش عتابها … واليوم قد زَخَرَتْ بجود دمائه
في كُلّ يوم بالعجاج كأنّما … قدبر ليلته دُجى ظَلْمائِهِ
يبكي دمًا جفن لهُ فاعَجِبْ لَهُ … جفنًا غدا بدمي بغير بكائهِ
الله جازك يا علاء الدين بحـ … ر ندى يُعدُّ البحر بعض عطائه
نبهت قدري بعد طولِ حُمولِهِ … ورفعتَهُ من أرضه كسمائه
وجعلتني أمشي على الزمن الذي … ما زلت قبلك مولعًا بهجائه]
قوله: [من الكامل]
أهواك لا عَبِتْ بك الأهواء … فالحب داء ليس منه دواء
стр. 6537
وتظنّ قلبي مثل قلبك فارغًا … هيهات ما كلُّ القلوبِ سواء
لا تقر طيفك بالصدودِ فليس لي … بالنوم مُذْ عز اللقاء لقاء
ولقد يطارحني النسيم حديثهم … وكأنّ أنفاس الصَّبا صَهْبَاءُ
ويهزني وكأنَّ رَيَّا عَرْفِهِ … ذِكرٌ عن ابن محمد وسناء
الله تمادي الناس بالنجم الذي … تنجاب عن أنواره الظلماء
وغدا له شَعَفٌ بزورته التي … منّت على مصر بها الزوراء
فليهنه رجب الأصم وانه … ليسرُّهُ لثنائه الإصغاء]
[قوله]: [من الطويل]
أَمِنْ سَقَمِ الأجفان يُرجى شفاؤه … إلا أن هذا الحب عز دواؤه
وبيض خدود قد طلعن كأنّها … شموس ضحى قد أطلعتها سماؤه
سَفَرْنَ ورَجَلْنَ الشعور فما دَرَى … أحسن مرأى صُبْحُهُ أم مساؤه
تأذن ما بني الأراك بمثلِهِ … فهاج بكاءُ الوُرْقِ ثمَّ بُكاؤه
وما أنا بالناس الشباب وانني … لمكتئب كان النامتي عزاؤه
يرد الفتى من دهره ما استعاده … ويمضي عن الدنيا ويبقى ثناؤه
فلا نتسدكا إلا المكارم منهجًا … إليه هُدَى من ضلَّ عنه ضياؤه
كرم غدا يُبدي مُحيًّا وراحةً … فهذي حياها ثم ذاك حياؤه]
تَواضَعَ عَنْ مِقدارهِ وَهُوَ مُرْتَقٍ … كذا البَدْرُ يُدْنِي النُّورَ منه اعتلاؤُهُ
أَبِي غَدَتْ آبَاؤُهُ مَنْ عَلِمتُم … ألا حَبَّذا آباؤه وإباؤُهُ
[من الحربين الألى في محمّدٍ … ولاؤهم محض وفيهم ولاؤه
هم نصروه والمثقف راعفُ … وللسيفِ حد ضرجته دماؤه
شهيد بما أبلوا لديه وحبّذا … فتية كان في نصر الرسول بلاؤه
وهُمْ خَلَفوا الأنواء أيانَ أخلفت … وجادوا الثرى مالا تجود سماؤه
مطاعيم في سلم مطاعين في وغى … فحسب الكريم بأسه وسخاؤه
إليك أبا العباس جاءت ولفظها … مع الماء لفظًا قد تحدر ماؤه]
قوله: [من الوافر]
بكلتا الخِلْعَتَيْنِ لَكَ الهَنَاءُ … هُمَا تَشْرِيفُ مُلْككَ والشَّفاء
فَبُرْدٌ أنتَ تُبليهِ وبُرْدٌ … لَهُ فَتَمَلُّهُ ولَكَ البقاء
لبستهما فمن نسج … بأيد وأيد بات ينسجها الدعاء
خطرت بحلةٍ كالروض فيها … حيا شفق السماء به حياء
стр. 6538
بدت بيضاءكم سابت كبود … بها من حَسَّد طلت نساء
ملأت بها عيونهم بياضًا … فهم رمد يقابلهم ذكاء
قوله: [من الخفيف]
جَاذَبَتْ نَسْمَةُ الصَّباح رِدائي … عَبَثًا جَدَّ في الهوى منه دائي
وأَذاعَتْ سِرَّ الرِّياضِ وَهَلَّ يُكْتَـ … ـسمُ بَينَ النَّسيم والآنَاءِ
بَاكَرَتْها غَمامةٌ شَقَّتِ الجَيـ … ـب وجَادَتْ بِدَمعةِ الشَّكْلاءِ
فَتُغُورُ الكِمام ذاتُ ابتسام … وَجُفُونُ العَمامِ ذَاتُ بُكاءِ
[قوله: [من الكامل]
ظمئت لجُودِكَ حائمات رجائي … الله في وفي حقوق ولائي
[إن كان قد أغرب الحسود لرفعكم … شأني فلم أنصب على الإغراء]
ولقدْ أُحَصِّنُ بالتجلّد ظاهري … لأَردَّ عنه شماتة الأعداء
لي ظاهر أبكى الحسود وباطن … أبلى الصديق فما استزدت بكائي
[فعلى مَ تُشْمِتُ بي الحسود صيّرتني … في عينه زمنًا مِنَ الأقذاء
بالخِضْرِ تُدعى أنتَ أم موسى مَكَمْ … لكَ في المكارم من يد بيضاء]
قوله: [من الرمل]
نَفِدَ الزَّيْتُ الذي جُدْتَ بهِ .... لِسِراج لَك وَقَادِ الذَّكاءِ
ذِي لِسانِ لَكَ رَطْب بالذي … طاب من حَمْدٍ وشُكْرٍ وَثَناءِ
وَهْوَ أمسى في ذُراكُمُ آمِنًا … مِنْ هَوًى يَعْدُو عليهِ أَوْ هَوَاءِ
غَيرَ أنَّ السُّرْجَ تَحتاج إلى … أنْ يُزادَ الزَّيْتُ في لَيلِ الشَّتاءِ
وقوله: [من الوافر]
[عطاء بني عليّ منْ عَطائِة … ونور البدر فيض منْ ذُكائِة
وخُذ أبناء فخر الدين عني … فيا طيب الثناء على علائة]
وَسَهَّلَ حَظَّهُ رِزْقًا عَسِيرًا … أراحَ بهِ فُؤَادِي مِنْ عَنَائِة
وعَادَ لِي الرِّصَاصُ بِهِ لُجَينًا … فَأَصلُ سَعادتي من كيميائة
وقوله: [من الخفيف]
[سكنت في الروضة الغناء … منقطعًا عن أُسري وأحبائي
فمن رأني بهذا البر كنتُ بهِ … أمشي على الخبز لا أمشي على الماء]
رَفَضُوا الشِّعْرَ جَهْدَهُمْ وَرَمَوْهُ … بَينَهُمْ بالهَوَانِ والازدراء
стр. 6539
فَلَو انَّ الكِتابَ كَانَ بِأَيْدِيـ … ـهِمْ مَحَوْا مِنهُ سُورَةَ الشُّعَرَاءِ
وقوله: [من الوافر]
أرى إنجاز وَعْدِكَ قَدْ تَمادَى … وطَالَ مَغِيبُهُ فَمَتَى اللقاء
وَمَا زالت وعودك كالأعادِي … قِصَارَ العُمْرِ دامَ لَكَ البقاء
قوله: [من مجزوء الكامل]
خُط في خَدِّكَ لامٌ … كَدُجَى فَوقَ ضِياء
ظَنَّها مَنْ ظَنَّها آ … خِرَ وَجْدِي وعَنائي
وَهيَ لو يَنحُون ما أنـ … ـحَوْهُ لام الابداء
قوله: [من الكامل]
قفْ نَبكِ أبيات القريضِ فَإِنَّها … أُقْوَتْ وكَمْ حُرِسَتْ مِنْ الإقواء
ولَقَدْ يَقِلُّ لها بأَنْ تَبَكي دَمًا … مَحْضًا لِوَحشتِها مِنْ الكُرَمَاءِ
قوله يرثي خادمًا لابن صندل الزمام: [من الكامل]
عُمْرُ المُعمَّرِ والصَّغِير سَوَاءُ … والمَوْتُ دَاءً لَيسَ مِنهُ دَوَاءُ
وإذا الرِّدَى جَذَبَ الزمامَ وسَيْرُنا … مُتَواصِلٌ فَمُناخنا البَيْداءُ
جَادَتْ بَهاءَ الدِّينِ صَنْدَلَ دِيمَةٌ … وَفاءُ تَقْفُو إِثْرَها وَطَفاءُ
[ثكلى تُشقُّ على ثراه جيوبها … ومنَ الحِداد سماؤهما الزرقاء]
ذا صَنْدَل فَوقَ الرؤوس مَكَانُهُ … لِمْ لا وفيه لرؤوس شفاء
[يهديه من دول إلى دول له … عقل أبي ما لم يتسع وإباء
وديانة وأمانة قد صانتا … سترًا عليه لا يهب هواء]
قوله: [من خفيف]
نَامَ مَنْ نام وانفردتُ بِهَمّي … أَينَ أَهلي يا لَيْلُ والأصدقاء؟
ما أظن الصباحَ حَيًّا فَيُرْجَى … لَكَ يا لَيْلُ في الصَّباح البقاءُ
قوله: [من المتقارب]
ذاك الأمير الذي مِثلُهُ … أحَقُّ وَأَوْلَى بِعَقْدِ اللواء
وإِنَّكَ أفرَسُها فارسًا … إذا ضاق بالخَيْلِ صَدْرُ الفَضَاءِ
وبدَّلَتِ البِيضُ أعْمادَها … بِسُود النواصي وحُمْرِ الدِّماءِ
وأَتْمَرَتِ السُّمْرُ هَامَ الكُماةِ … وَعَاجَلْنَها بِأَوانِ الْجَناءِ
وشَمَّرَتِ الحَرْبُ عن سَاقِها … وَقَدْ سَحَبَ النَّقْعُ فَضْلَ الرِّداءِ
стр. 6540
ومُحمَرُّ بِيضِكَ فَوقَ الرُّؤوسِ … شَقَائِق قَدْ نَبَتَتْ فَوقَ مَاءِ
وقوله: [من الخفيف]
أنمتُ طَرفي قَرِيرًا مِنْكَ في دَعَةٍ … لِمَوْعِدٍ قَدْ كَفَاني شَرَّ أعدائي
وقد أتى ضامنُ الشَّخْتور مُلتمسًا … إنجاز وعدك يا ألفين مولائي
ومنزلي حقه بحران دُوَنكُمُ … وما ادعيتُ لكم مشي على الماء
وقوله (١): [من الكامل]
شَجَّتْ جَبِينَ مُدامِها بالماءِ … فَبَنانُها مِنها خَضِيبُ دِمَاءِ
وَجَلَتْ مُخدَّرَةَ الدِّنَانِ فَدَنُّها … مِنْ كَفِّها عَذْراءُ مِنْ عَذراء
هَزَمَتْ أشعتها الدُّجَى فَمضَى وقَدْ … غَنِمَ الحَبابُ قِلادة الجَوْزاءِ
وَجَنَتْ على وَجَناتِ مَنْ طَافَتْ بِها … فَرَأَيْتُ نارًا أُخرِمَتْ في ماء
حَمْراءُ تُسْكَرُ مِنْ جُفون مديرها … ما أشبه الحمراء بالحَوْراءِ
وكأنها ذوب النضار ترقرقت … في جامد من فضَّةٍ بيضاء
أو شمس دَجْنِ من وراء غمامةٍ … نسج النسيم لها أشف رداء
(وقوله): [من الخفيف]
يَا رَبيعَ العُفَاةِ هذا الشّتاءُ … مَنْ تَولَّى شَبابه والفتاءُ
وَتَولَّتْ من كُلِّ أُفُقِ رِياحٌ … تَتَّقيها قبل السراج ذُكاء
[فهي تبدو يومًا وتحجب شهرًا … والحَيَا أصل ما بها لا الماء
حَجَبَ الدَّجنُ ضوءها فشككنا … أصباح أظلنا أم مساء
وإليها طال التشوق حتى … عاد منار قيها الحرباء (٢)
وإذا اهتز عاشق بهواه … هزّ عشاقها الهوى والهواء]
سَرَقُوا لي في لَيْلَةِ العِيد ديكًا … (هُوَ للعيش) والعُيُونِ سَواءُ
سَرَقُوهُ وخَلَّفُوا الفَحْمَ والثَّلْـ … ـج فَحَسْبي مُصِيبَةٌ بَلْياءُ
قَدْ مَضَى العِيدُ مِثْلَ ما جَاءَ [يومًا] … لا قَلاءٌ عِندي بهِ ولا شواء
مُنذُ عامِ رَبَّيتُهُ وَلَهُ قَبْـ … ـل غَدائي غداؤُهُ والعَشَاءُ
دَعْوَةٌ (لي) في النَّحْوِ قد جَمَعَتْنا … حَلْقَةً ثُمَّ فَرَّقَتْنا السَّماءُ
ودم الطَّريدة والطَّريد بسيِفِه … عُمر دنا مَنْ ذا لفرط حيائه
ملك يعاضده وزير صالح … راياته قُرِنَتْ إلى آرائه
فلذاكَ حُكمُ الماضيين نفاذ ذا … بنفاذ ذا ومضاؤه بمضائه
وبدا صلاح الدين منذ بدا لنا … ملك سعود الفأل من أسمائه
الأشراف الملك الذي يكفيه من … شرف بأنك أنت شمس سمائه
فَلْيُشْرِقَنَّ الثغر من أنوارِهِ … وَليَشْرَقَنَّ الفقر من أنوائه
أعطى الوزارة حقها بل فوقَهُ … من ذا الذي يُعطي كفيض عطائه
من كالوزير محمدٍ أَمْ مَنْ لَهُ … حَظِّ لَهُ مِنْ مجدِهِ وَعَلائِهِ
يكفيه لمن من سرها … ما زال ملك الأرض في سَرائهِ
يقظان تشغله نصائح مُلكه … عن نوم ناظره وعن أعبائه
وعلى الرعية مشفق إشفاق ذي … على الأطفال من أبنائه]
وقوله: [من الوافر]
أمولانا ضياءَ الدِّينِ دُمْ لي … وَعِشْ طول الزَّمانِ بلا انتهاء
فَلَولا أَنْتَ مَا أَغْنَيْتُ شَيئًا … وَمَا يُغْني السِّراجُ بِلا ضِياء
[وقوله:]
فرض تأخر عن أوَانِ أدائِهِ … أوْ جُود عدان دعت لقضائه
وتجاوز المولى الوزير وحبه فـ … ي العفو يدعوه إلى إغضائه
وفراسة الايمان تُطلعُهُ على … سري وجهري من صحيح ولائه
وعوائق حاشاهُ أَمراض بَرَتْ … جسدًا بحماها بفرط خفائه
وتطلَّبته فلم تجده وكمْ أَتى … للعبد لطف من طريق بلائه
وافت على ضعف المشيب فيا له … ما ناله غصن حدّ بعد لحائه
ومنام عيني والصباح كلاهما … ما ثَمَّ مُطلع على أنبائه
يا قادمًا والملك مبتهج به … والدين والدنيا بيوم لقائه
ذخرتك أيمن دولة ليمينِها … سيفًا لها ثقة بحسن مضائه
الأشرف الملك الذي غَر الهـ … ـدى من غره وبقاؤه ببقائه
ولقد أراك اللطف من سعي العداد … عَجَبالنفع المرء من أعدائه
وكفى بحفظ عهودِهِ لكَ سُؤددًا … أنسى الشمول فيه حسن وفائه
ودعاك وله فابتدرتَ مُلبيًا … وأجبت طوع سامع لدعائه
ونهضت نهضة مؤمن متيقن … ما عندَ رَبِّكَ من جزيل عطائه
стр. 6544
وقطعت أسوان المفاوز فائزًا … بثوا به لك في غد وثنائه
حتى أنختَ بكعبة الله التي … في أرضه قدْ عُظمت وسمائه
وحمدت عند صاحها ذاكَ السُّرى … وأَنلت قلبك منتهى سرائهِ
وقضيت من تلك المناسكِ حقَّها … متيقنًا باللهِ حُسْنَ جزائه
وعطفت آمنا الزمام الخير من … وطيء الثرى متحرمًا بمنائه
فظفرت بالدنيا وبالأخـ … ـرى بالله واشكره على آلائه
من مثل شمس الدين في إشراقه … وجماله وكماله وبهائه
يدنيه إفراط التواضع للورى … وكأنه في الجو فوق ذُكائهِ
ويلين عطفًا وهو يسطو … والسيف يقدح ناره من مائه]
قوله: [من البسيط]
لَمْ أَنْسَ إِذْ وَدَّعَتْني وَهْيَ بَاكِيةٌ … وبِالحَشَا مَا بِخَدَّيْها من اللَّهَبِ
فَأَرْسَلَتْ لُؤْلُؤًا رَطْبًا تُكفكِفُهُ … مِنْ فَوقِ مُخْتَضَبِ قَانٍ لِمُخْتَضِبِ
وَبَشَّرَتني بِلُقيا الطَّيْفِ قُلتُ ومَنْ … يَنامُ قَالتْ لَقَدْ أَجْمَلْت فِي الطَّلَبِ
إنْ كُنْتِ سَالِبةً عَيْنَيْكِ تَومَهما … فَقَدْ أَمُنُّ على المسلوب بالسَّلَبِ
قوله: [من الطويل]
هو الحي لا أعني به حيَّ زينب … فمن كانَ ذا قدر درى قَدْرَ مَطلبي
مقامي العاشقين ولعمتي … إلى ذاك الجمال المحجب
فما قلت من أهواه كالغصن قدُّهُ … ولا وجهُهُ كالبدر من تحت غيهب
أجل عن التشبيه من أنا واصف … فما مذهب التشبيه مما يليق بي
قوله: [من الطويل]
أيا ديك بيض في سوادِ المَطالبِ … حَلتْ موقعًا مني ومن كُلِّ طالب
ونُعماك أبقى الله نعماك للورى … لها رغبةٌ أن تبتدي كُلَّ راغب
أتتني وماء الوجه مني مُرِفَةٌ … وما جاءَ عفوًا جاء أهنا المواهب
ريًا طالما استسقى السحائب مَعْشَرُ … وما احتجت لاستسقاء هذي السحائب
همت كجليل الجود لي ودقيقه … وجاد نداها ساكبًا بعد ساكبِ
وأصبح بيتي عامرًا لو أَريْتَهُ … لقيس سلا ليلى سُلو المجانب
والهته من نعماك كلُّ جميلةٍ … تناسى بها حُبَّ الحسان الكواعب
ومنهن بيضاء الترائب ناهدٌ … حَلَت وجَلَتْ عني دياجي الغياهب
أتتني عطايا أحمد ومحمد … فحدثت عن بحريهما بالعجائب
стр. 6545
وحرّكت ذاك الطفل وهو بمهده … بِمَدْحَكُمَا فاهْتَزَّ هِزَّةَ قاضِبِ
وما استقبل الدُّنيا بمثلِ نَداكُمُ … وكم لكمَا بَردٌ بطفلٍ وشايِبِ
ومن حَسُنَ ظَنُّ المرءِ بالله جُودُهُ … فدَعْ للمسيءِ الظَّنِّ سُوءَ العَواقِبِ
وكان الصاحب المشار إليه قد أعطاه غرابًا نوحيًا لم ير قطُّ من الطير أفصح منه في قوله: «يا قوم اذكروا الله» وفي كلمة الشهادة وصحت عنده، فقال في ذلك وعرض بصاحب له خطيب وهو يداعبه: [من مخلع البسيط]
أسْتاذُ لَكَ الغُرابُ … لو طابَ ما بيننا الخِطابُ
لكنَّهُ لازِمٌ سُكوتًا … فلا ابتداءً ولا جوابُ
ولم يَلُمْ في الجوى كئيبُ … لبُعْدِكم اكتئابُ
ولم يَطْرُق واجمٌ عليهِ … وكم مِثْلُكُم اكتئابُ
كم قلتُ: يا قوم وهو وشاةٍ … والعبدُ يدعو فلا يُجابُ
وفي يديَّ مُطْرِقٌ وفيهِ … مَكْرٌ وقَدْ عَمَّنا العَذابُ
أقيم لِي هِسَّةً عليهِ … والبارِدُ الذَّقنُ لا يَهَابُ
وفيهِ ما فيهِ من دَهاء … يُحذِّرُ النِّسْرُ والعُقابُ
لَبِسَهُ خَطيبًا … يَشِيبُ من مكرهِ الغرابُ
فيه كرهًا وفيهِ خَيرٌ … هذا بهذا غَدًا يَشَابُ
وكُلَّكُم تعرفون من هو … والشَّمسُ ما دُونَها حِجَابُ
قوله: [من الخفيف]
عَرَفَ المَوْتَ قَدْرَ مَنْ هو طالِبُ … فَالْحَتْ صُروفُهُ والنَّوائِبُ
وآتي راجِيًا لِبابِكَ عِلْمًا … أأنَّ راجيكَ ليسَ يَرجعُ خائِبُ
قد أَصَمَّ النّاعِيُ بكَ اليومَ حَتَّى … رَجًا فَأشِمَهُ الأَصمُّ مُناسِبُ
ولئنْ مُتُّ فيهِ فالآنَ لا يُخـ … ـلِفُ الناسُ في انْقِطاعِ الرَّغَائِبِ
كنتُ عبدَ الوَهَّابِ من أَنْعَمَ اللـ … ـهُ عَلَيْنَا وَمِنْ أجلِ المَوَاهِبِ
كنتُ كالبَدْرِ طالعًا في دُجَى الخَطْـ … ـب ولا بُدَّ أنْ يُرَى البَذْرُ غائبُ
[ما رأى الناسُ حاكمًا جامدًا تلكَ الـ … ـأَرْضُ يسعى لَهُ بِدَعْوى مَطالِبِ
ذلك ما اختارُ أنْ يُحابي ولا ذ … ااك يُحَابَى فَشُكْرُ الاثنين واجبُ]
قُلْ لأبنائِهِ وَصَدْرُهُمُ الصَّدُّ … رُ وَأْصْباهمُ لَهُ حُكْمُ شَائِبِ
إنْ هَوَّى مِنْ سَمَائكُم بَذْرُها التَّـ … ـم فَمَا عُطِّلَتْ وأَنْتُمْ كَوَاكبُ
قوله (١): [من البسيط]
стр. 6546
[لا يحجب الطيف إنِّي عنه محجوب … لم يبق مني لفرط السقم مطلوب
ولا تثق بأنيني إن موعده … بأن أعيش للقيا الطيف مكذوب
سَلَبتَ خَضْرَكَ سُقمًا رَاحَ مُشترِكًا … في وصفه سالب منا ومسلوب
هذا وخدك مخضوبٌ يشاكِلُهُ … دمع يفيض على خدي مغضوب
وليس للورد في التشبيه رُتبتُهُ … وإنما ذاك من معناه تقريب
وما غدا ذل ريحانًا كما زعموا … فإن الرياحين ذال الحسن والطيب
ياقاسي القلب لو أَعْداهُ رِقَتَهُ … حبسمٌ من الماء بالألحاظ مشروب
والناس ما أجمعوا إلا على كرم … به تفرد زين الدين يعقوب
الباذل المال لا تلقاك معذرةً … لديه والعفو لا يغشاك تثريب
مجدًا بني أسد ينحط حاسدكم … عنه وهل يتساوى الليث والذيب
مهما أتى الناس من مجد فمسترقٌ … منكم وما قلتُ ذاك المجد مغصوب
وال الزبير وأبناء الزبير تجد … بَرْدَ الولاءِ غدًا والحشر مشبوب
أقسمتُ أَنَّ بني عبد الرفيع لهم … بين رفيع على كيوان مضروب
فأي أعجوبةٍ ما فاضَ زاخُرُه … بها ولنْ تَعدُ والبحر الأعاجيب
وأي أكرومةٍ لم تعد نسبتها … إليه والشيء للباديه منسوب
فداؤُهُ كل علمه جرّ الوعود بها … والمطل عرقوب
من كلّ مَنْ رنة الدينار يعبدُهُ … وضلَّ مَنْ هوَ للدينار مربوب
يا هذه قد خبرتِ الناس مخبرةً … وإنما يخبرُ الناس التجاريب
فما وجدت ليعقوب ولن تحدي … والعرض ممتنع والمال منهوب
قوله: [من الطويل]
حبا الملك المنصور إشفاق والد … وللود قرني لم يكن للمناسب
وكلتك للمجد الذي فيك والعُلا … فحسبي حسبي قد بلغت مآربي]
قوله:: ويعرض (لمحامعه) (١) سيف الدين بن اسباسلار (٢): [من البسيط]
حُمرتها في خضر … وماؤها من لهبِ
مَنْ لي ببدرٍ وَوَكَّلَ الطَّرْفَ برعي الشهِبِ
مُدلَّلٌ عند الرضا … كثير ذكرِ الغَضَبِ
إلى متى أصرف وجـ … ـهي فيهِ عَنْ مُؤنّبي
وهو كمعروف الأميـ … ـر أحمد في طلبي
دلت سجاياه على … حر كريم الحسبِ
كمْ وَكَفَتْ كفُ الصـ … وابي بِجَوْدٍ صَيْبِ
ذو خُلق كالماء صا … في الظل صافي المشرب
أو النسيم سَحَرًا … هبَّتْ بروض مُعشب
وعزمه كالسيف ما … ضي الشفرتين يَقْصِبِ
تَغْنَي بها الدولة عن … حد القنا والبِ
واسأل بِهِ مَلْكَ الوَرى … ترجع إلى مُجرَّب
والسيف بالضارب لا … بحده والمضرب
والقوس بالرامي الذي … متى يُفَوِّقْ يُصِبِ
ورتبة الشد بزين الـ … ـدين زين الرتب
الوارث السؤدد عن … خير كرام نُجُبِ
وماجد حاز العُلا … والجدَّ منْ خَيرِ أَبِ
مطهر الأعراق زا … كي الخير عالي النسب
له يد قد سلكت … في الجودِ كُلَّ مَذْهَبِ
كم فرجت منْ شِدَّةٍ … ونفستْ منْ كُرَبِ
اصطنعت من خامـ … ـل القدر نبيه الأدب
يا ابن الألى أضحت معـ … ـاليهم رياض الكتب
يا من غدا في عصره … فردًا كشهر رجب
تمثلت منه قادمًا … لقيته بالرَّحَبِ
وقوله: في عز الدين بن مقدام بن الزبير: [من البسيط]
أرى من البدر مغنّى في كواكبه … والمرء أقرب شيء من مناسبه
وللوزير نسيب ما غدا كرمًا … فيه ولا مكرمات من مناسبه]
لِلصَّاحِبِ النَّدْبِ عِزُّ لا يَبيدُ فَقُلْ … عِزُّ يَدُومُ وإقبال لِصَاحبهِ
إذا الأَباعِدُ أَعْداها الوَزِيرُ عُلًا … [حَقًّا] فَلمْ لا تراها في أقاربه
стр. 6549
في قبضتي اليومَ دَهْرُ يا بني أَسَدٍ … قَدْ كان أَرُونَ عنّي مِنْ ثَعَالبهِ
وَمُذْ رآني يتيمًا تحت رايتِكُمْ … فَمَا نَوَى لي شَرًّا مِنْ نوائبه
عَلَوتُمُ رُتبةٌ تَحْتالُ مِنْ فَرَح … والطَّرْفُ يَمْرَحُ مُختالًا براكبه
قَدْ قَدَّمَ اللهُ مِقدامًا وأوطأهُ … ما مَهَّدَتْهُ المَعالي من مراتبه
وَجَاءَ يَتْلُو المُجَلّي في يَدَيْ كَرَمِ … تَأَخَّرَ النَّاسُ عَنِ أَدْنَى مَواهبهِ
أغرُ يَهْدِيكَ لألاء بِغُرَّتهِ … والخَطْبُ أَغْطَشَ لَيْلًا مِنْ غَيَاهِبِهِ
تأخر البدر عن أدنى مطالعه … وبادر الدهر في أقطى مطالبه
[مولاي مولاي عز الدين دعوة من … بلَّغَتَهُ كلَّ آن من مآربه
هناك تشريف ملك من مواهبه … أيامكم لا خلونا من ذواهبه
وإنما الغمد بالعصب الحسامِ قدم … غضبًا مَنايا الأعادي في مضاربه]
وقوله: [من السريع]
لي مَطْبَخُ راجَعَ عَصْرَ الصِّبا … وَطِيبُهُ مِنْ عَصْرِكَ المُذْهَبِ
بيضتَ وَجْهِي حِينَ سَوَّدتَهُ … إِذْ باتَ ضَيْفِي وَهُوَ لَمْ يَسْغُبِ
وهذا طريف على تعقيده وإبعاد يجري مجرى اللغز.
وقوله: [من الطويل]
مَنازِلَهُمْ جَادَتْكِ غُرُّ السَّحَائِبِ … وَجَرَّتْ بِمَغْنَاكِ الصَّبا ذَيْلَ سَاحِبِ
وَلَيْلٍ بِهِ قد عَاجَلَتْني يَدُ السُّرَى … وَقَدْ كانَ مِنْ طُولٍ بَطِيءَ الكَواكِبِ
ولِلذِّكْرِ مِسْكَ مِنْ مُعَاقَرَةِ الكَرَى … أَقَرَّ وِسَادَ الهَامِ فَوْقَ الغَوارِبِ
سَرَوْا لِغِناهُمْ طَالِبينَ فَعَرَّجُوا … على ابنِ عَليَّ مِنْتَهَى كُلِّ طالبِ
عَلِمْنا يَقِينًا بِالتَّجَارِبِ شَأْنَهْ … ومَا تُوضِحُ الأَشياءَ مِثلُ التَّجارب
قوله: [من الرمل]
صَاحِ قُمْ إِنَّ نَسِيمَ الصُّبْحِ هَبْ … وَقَضِيبَ الدَّوْحِ خَفَّاقُ العَذَبْ
فاصْطَبِحْ مَشمولةً كاساتُها … جَمَعَتْ لِلماء شَمْلًا باللهب
لا تدع لَذَّةَ يَومِ لِغَدٍ … قَبْلَ عَوْدِ الدَّهْرِ فِيمَا قَدْ وَهَبْ
وَتَغنَّى الطَّيْرُ فَالْأَزْهارُ قَدْ … شَقَّتِ الأَكْمَامَ مِنْ فَرْطِ الطَّرَبْ
قوله (١): [من الكامل]
стр. 6550
[يا أيها البحر الذي وَسِعَ الوَرى … حاشاي منهُ زَخْرَةٌ وعُباب
يا من غدا لي واضعًا بقدورِهِ … قَدْرًا له فوق السماكِ قِباب]
جَاءَتْ بأنواع النَّوَى فَمُجَلْبَبٌ … أَدَبًا وَعَارٍ مَا لَهُ جِلْبَابُ
وعلى النَّفِيرِ لِمَرِّها أَثَرٌ عَفَا … فَهدَى إليه الحَائِرِينَ ذُبَابُ
وإذا رَجَعْتَ إلى الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ … عَتْبٌ وعَيشِكَ لَيْسَ فِيهِ سِبَابُ
وإذا تَباعَدَتِ الجُسُومُ فَودُّنَا … بَاقٍ ونَحنُ عَلَى النَّوَى أَحْبَابُ
[قوله: [من الكامل]
يا مَنْ لففت لمجده رأسي حيًا … وغضضتُ طرفي منْ عُلاهُ تُهيّبا
جاءت شواهق لو رقيتُ أقلّها … طولًا لطلتُ على المجرة منصبا
من كُلِّ قاصفة المدى … يتألّقُ الكافور منها كوكبا
هُنَّ الحوائر والحوابز لم تزل … أبدًا تروق الشاء المتأدبا]
(قوله): [من مخلع البسيط]
آنَ لِمَنْ وَدَّعَ الشَّبابَا … أَنْ يَدَعَ الكأسَ والشَّرَابَا
عَنِّي بالرَّاحِ يَا نَدِيمي … فالشَّيْب قَدْ أَغلَظ الخطابا
أَطار بَازِي المَشيبِ قَسْرًا … عَنْ لِمَّتي ذلك الغُرابا
وما المداجاة لي بِخُلْقٍ … فَكَيْفَ أَسْتَحْسِنُ الخِضَابًا؟
رُبَّ زَمانِ رَكِبْتُ فيهِ … لَهْوِي وَقَدْ خَفَّ لي ركابا
أَمْتَعَني والشبابُ غَضٌ … بِكُلِّ مَا لَذَّ لي وَطَابَا
يَأْتي صَبُوحِي علَى غَبُوقي … واللَّيْلُ لَمْ يَنْزِعِ الإِمَابَا
وَسَوْءَةٌ سَوْءَةً لِعَصْرٍ … أَصْفَرَ مِنْ خَيْرِهِ الوِطَايَا
[لم أجد الناس فيه حتى … طرقت للزاهدين بابا
أخرج في المدح من قشوري … له فآبي به كتابا
أسمعُهُ فيُصغي … في لمن أعلن السبابا]
وَمَا عِناني لِغَيْرِ حَظِّي … لو أنَّهُ يَسْمَعُ العِتَابَا
قوله: [من مجزوء الكامل]
بَيْنَ اللَّوَاحِظِ والقُلُوبِ … لا تَنْطفِي نَارُ الحُروب
وَهُناكَ لَيْثُ الغَابِ يَحْـ … ذَرُ فَتْكَةَ الرَّشَأَ الرَّبيب
وأَنَا الجَرِيحُ بِلَحْظِ مَنْ … تَلْقَاهُ ذَا خَدٌ خَضِيبِ
يُخفى دَمِي وَلَقلَّما … تَخْفَى إشارات المريب