تَصومُ وتفطرُ في عافية … ولا زلت في عيشة راضية
جلا فيكَ شُكْري وصحفتُهُ … فلّلهِ ما جَرَتِ القافية]
وقوله (١): [من المتقارب]
أقُولُ وَكَفّي على خَصْرِهَا … تَطوفُ وَقَدْ كادَ يَخْفَى عَلَيْ
أخذْتُ عَليكَ عُهُودَ الهَوى … وَمَا فِي يَدِي منكَ يا خَصْرُ شَيْ
وقوله (٢): [من الخفيف]
بأبي أَهْيفُ القَوامِ تَمِيلُ الـ … بِيْضُ والسُّمْرُ والغَصُونُ إليهِ
كلَّفُونِي مِنْ قَدهِ حِفْظُ خَصْرٍ … ضَاعَ مِنّي فَكَمْ أَدورُ عَليهِ
وقوله: [من الطويل]
إذا أُوتِرَتْ قَوسُ السَّحابِ وَفُرِّقَتْ … سِهَامُ الحَيا للحلي سَبِّحْتُ رَاميها
وَإِنْ أَشبهت ألوانُها زَهَرَ الرُّبى … عَرفْتُ لتلك القوس قُدرة باريها
وقوله: [من مجزوء الكامل]
مَوْلايَ زَيْنَ الدِّينِ سُدْ … تَ بحُسْنِ أَخلاقٍ رَضيَّه
فَبَقِيتَ لي يَا من قَنا … ديلي بِهِ أَبدًا مُضِيَّه
وهذا آخر ما وقع عليه الاختيار من شعره.
وأَمَّا نثرُهُ فَهُوَ أَقَلُّ بَضَاعتيهِ، وأسهل صناعتيه، ومنه ما كتبه إلى بعض أصحابه:
وَهِيَ أَنَّ الدُّوَيْرة على ما أنهاه، ورُبَّما قصد في مرضه أن تكون فداه، قد مَلَّتْ دعاؤها من طول الوقوف، وَكَلَّتْ نَفْثَةُ جُدْرانِها مِنْ حَمْلِ السُّقُوف، وَعَزَمَ جَمعُها على أنْ يَنفَضَ، وكُلُّ جِدارٍ يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَ، وَمَولانا مَسْؤُولٌ فِي تَجِدِيدِ المَراسِم، وأَوْلَى مَنْ فَكَ أَسْرِي منها وَأَسْرِ الدَّعَائِم.
وقوله وقد بَعَثَ إليهِ ابنُ حِنَّا الوَزير بمآكل فصادف وصولها وُصُولُ طَوائِفَ من الفقراء إليه: [من الرمل]
كانَ عِنْدِي فُقَراءُ أَحْمَدِيَّه … عَمَّهُمْ جُودُ الأَيادِي العَلَوِيَّه
وَسُعُودِيُّونَ قَدْ أَسْعَدَهُمْ … رَبُّهُمْ بِالمَكْرُماتِ الصَّالِحيه
يَا مَولانَا سَيِّدَ الوزراء، وكَهْف الفقراء، أكل واللهِ طَعامك الأبرار، وأفطر على معروفك مَنْ لا نَوَى الإفطار، وَصَلَّتْ عَليكَ مَلائكةُ السَّماءِ البَررَةُ الأطهار.
стр. 6691
المملوك يُقسِمُ بِاللهِ لَقد صَادَفَ المَأْكُولُ الشَّرِيفُ مَنْ فَضَلَّهُ المملوك على الطَّوائِفِ المذكورة (وعربهم) وعمَّهم كثر الطعام، وَبَرَكةُ سيد الصلحاء الكرام، وما رأى النَّاسُ صائمًا أبر بهذا الإيثار، ولا اقتفى أحَدٌ في المكارم هذه الآثار، أطعمه الله من طيبات الجنة من الدعاء المقبول في … . وأعاد مناقبه الشريفة من .. والجنَّة.
والمملوك يسأل شكر سيدنا الشاكر لا زال المجد عونًا الراجيه، والجود يغني المؤمل عن تقاضيه، والحب في الله يدعوه فيواليك، ويدعوك فتواليه.
وقوله:
وَقَفَ المملوكُ مَوقِف الإجلالِ لِقَدْرِهَا والإخلال بالعَجْزِ عن شُكْرِهَا، واجتلى الأنوار من زَهْرِهَا وزَهْرِه، وألهاهُ نَسْجُ الجَوَى عَ الجريري (١) ومقاماته، والخوارزمي (٢)
وأُسرِجَتْ أنوارها من ضياء وجههِ وَنُورِه، وأَجْرَى أنهارَها جَرَيانَ يمينه، مَعَ صَفَاءِ ضميره، فنشرتُ باباتِها العِيسَويّة، ولَثمتُ آثارَ يَدِهِ المَوْسَوية، وآمنتُ بموجزات مُعجزاتِها المحمدية، وأذنتْ من يميني اليَسَار، وبَاعَدَتْ بينها وبين الإعسار، وجَمَعتْ بينَ المُعَلَّى والرَّقِيبِ من سهامِ الأَيْسار، كما جَمَعتْ بين الفضل والإفضال، ومَحَاسِنِ القول والأفعال، فراحَ مَفضولًا بها البيسان، ومَعْمودًا ببدائهما عماد أصفهان (١)، ومعمودًا ببدائها عماد همذان (٢).
стр. 6694
وقوله يصف شعرًا وسكّرًا أهداهما إليه أبو الحسين الجزار عند ولادةِ وَلَدِهِ مُحمَّدٍ:
وَيُنْهِي وَرُودَ مَا سَمَحَتْ بهِ الأَنامِلُ الكَريمةُ من دَرِّها الذي ملأ الوطاب وَدُرِّها الذي مَلَكَ الرِّقَابِ، وكلتا الصَّنيعتين حَلا موقعُها، وَعَلا مُصطنعها، ولكلتيهما النَّسَبُ العالي، والثَّمن الغالي، فَلا خَلَتِ الآفاقُ من فَوائِدِهِ، ولا عُطِلَتْ الأعناق من فرائِدِه، فلقد استُنطِقَ بِحَمْدِهِ، حَتَّى الوليدُ بِمَهدهِ، وقد تفاءَلْتُ بهديه يحيى، فقلتُ يُهدى وتحيا. وكانت أبياتُكَ أَوْلَى بِتمامه، وهباتُك أَوَّلُ مَغَانِمه، وقد جَدَّدَ المملوك السُّؤالَ في تَشرِيفِ مَولانا بِكرائمهِ، كما شُرِّفَ بِمكارمه، وَرَأَيْهُ أعلى.
وحُكِيَ أَنَّ ابن اسباسلار والي مصر قد طلع في ذكره دمل أطال ليله، وقصَّرَ بطولِ القُعود ذيله، فكفَّ مِنْ جماحهِ الطَّمَع، وفَرِّقَ شَمْلَ مَسَرَاتِهِ بِمَا جَمَع، فَأَتَاهُ الطَّبيبُ والأَلَمُ قد أوسعَهُ فوق جهده وحمّله (يبس) الصاحب في رقعةٍ من خلدِهِ، فَأَمَرَه بتجنّب الزّفَر، وزَجَرَهُ عن أمور لو انزَجَر، فبعث إلى أبي الحسين الجزار في عمل مُزوّرات له، فَعَمِلَ مِنها أنواعًا مُنوَّعة، وبَعَثَ بها فجَاءتْ إليهِ مُسرعة، وكتب إليه معها رقعة المقصود منها:
وَما عَلِمَ المملوك ما تجدّد من حديث ذلك الشَّخْصِ الذي شَكَا أَلَمَ تَاجِهِ وَوَرَمَ أوداجه، وانحراف مِزاجه، وعَجْزَ مُمرضيهِ عن مداواتِهِ وَعِلاجه. وظاهر الحال أنَّ الذي أَحَدَّ بَأْسَه، وآلَمَ رَأْسَهُ، كَونُهُ تَقاوى وتَسَلَّطَ وَتَركَ الحِميةَ وخلط، فلو أَنَّهُ لَزِمَ من الأغذية ما اعتَادَ، وَجَرَى من الرِّياضةِ والتَّورُّع على ما جَرَتْ بِهِ العادة؛ لَمَا ضَعَفَتْ
стр. 6695
قَواهُ، ولا تَعَذَّرَ دَواهُ، ولا رَجَعَ بَعدَ فِطْرِهِ يَصُوم، ولا استغنى بالمَزْورات عنِ الأَلْيَةِ واللحوم، ولا عَدِمَ الرَّاحةَ من الرَّاحةِ بالمس، ولا افتَقَرَ لِمُباشَرَةِ البَدْرِ والشَّمْسِ، فالله تعالى يُبقيه لأولئك القوم، ويُمتعُهُ بالعافية قبل دخول شهر الصوم.
فأمر السراج بإجابته فكتب:
وَصَلَتِ الأواني العِطْرات، والألوان التي أَزْرَتْ بالخبرات، والحقائق على الحقائق لا المزوّرات، فَلفَتْ مَطعمًا، وَشَفَتْ أَلَمًا، ووفرت لكلِّ حَاسَةٍ من الحُسنِ أسهمًا لَمْسًا ومَذاقًا، ونَظَرًا وانتشاقًا وَوَصْفًا لَها يَعلَقُ بالنفس اعتلاقًا، سَلمَ كُشاجم الظرف لطاهيها، والوَصفُ لِمُهديها، ونَمَّتْ على المخفيَّة أَفاويها فَلَمْ تَكَدْ تُخفيها، فَجَرى الماء في ذلك الذي تَعلَمُهُ، وَشِفَي أَلَمُه، وَعَادت شهوتُهُ إليه ونَهَمُه، وقام من الصحة على ساق، وتَشوَّقَ الزِّفَرَ واشتاق، وإلَيكُمْ هذا الحديث يُساق، وقد دعت الحاجة إليه في أَلْيَة، واعتمدت عليه في نَيْلِ البُغْيَة، ونادته بالاسم واللقب والكنيةَ، فَطالما فَضَلَتْ عِندَهُ اللَّوايا، وَوُجِدَتْ في زَوَايَاهُ مِنها خَبايا، وَقُبلت منها على يده (للهِ) تَقَادُمٌ وَهَدايا، فَلْيُعجِّلْ بذلك قَبلَ الصَّوْم، وَلَيَلْزَمْ حالتهُ الوُسْطَى بين اليَقَظَةِ والنَّوْم، وإِنْ شَكٍّ في صِحَّةِ المريض، وتوقف عن زفيره توقف المُسترِيض، فَلْيَنعَمْ بجس نَبْضِهِ، وَبَسْطِ كَفِّهِ عليهِ وَقَبضِهِ، صَرفَ اللهُ عنهُ الشَّك باليقين، ولا زال بغير حجب بينه وبين ما يحبه يقين.
وكتب إلى ابن الخُوَيِّي القاضي (١) وَهُوَ بدمشق وقد بعث إليه بكتاب ونفقة]:
стр. 6696
ويُنهي وُرودُ المُشرِّف لِقَدْرِهِ، والمُشنِّف سَمَعهُ بِدُرّه، المنثور لذهنه وفِكْرِهِ، المُنوِّهِ بعد الخمول بذكره، مُتضمّنًا مِنْ الصَّدَقاتِ العَمِيمَة، والبَرَكاتِ العظيمة، والصلاتِ الجَسِيمَة، ما أَعجَزَ كاهِلَ الشُّكُرِ عن حملِه، بَلْ حَمْلِ أَقله، وَمَساعِي الكُرَماء أَنْ يَهتدوا السَّبِيلِ من سُبُلِهِ، وَدَوَاعِي البُلُغَاءِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورة مِنْ مِثلِهِ، فَقَبْلَ مَواقِعَ القَلَمِ، وَلَقِي بِهِ فرسان الكلام فألقوا السَّلَم، واهتدوا بمعانيه الشهابية في جنح الظلم، كاهتِدَاءِ السَّفْرِ بالعَلَم وَفِيهِ وَفِيه ولا أُوفيه، وَهُوَ لم يكن إلا التنبيه على الاجتماع بخدمة القاضي النبيه، فَحَمدتُ طَرِيقًا هَدَى، وَبَسطتُ للقبض الدَّاخِل يدا، وقلت لي البشرى اجتماع تولد، فَللَّهِ كِتابٌ تَضمَّنَ وَقَدْ، وهي التي بتحقيقها حُقَّ لِلسِّراجِ أَنْ وَقَدْ، وخالَطَ لِسانُهُ لِسان الميزان، فأثرن وانتقد، وقد كان الإفلاسُ سَعَى بَينَهما بالنَّمَائِم، فَأَنفَقَ الصُّلْحُ يَدَ الدَّرَاهِم، واندمَلَ من الجراح ما لا يندمل بالمراهم، ولا زالت الأيادي الشهابية تُصلِحُ من الأَيامِ ما فَسَد، وتتقن من بضائع الأدبِ ما كَسَد، وَتَقومُ في مَصالح أهله مقام الرُّوحِ لِلجَسَد.
ومنهم:
[٥٦٩] أحمد بن أبي الفرج بن عبد الله الشَّافِعِيُّ … .. الدين، أبو عبد الله:
فقيه لا يُطاقُ مَعَهُ نهوض، وَشَاعِرٌ لا يُرْكَبُ مَعهُ عَروض، طالما سَلَكَ البُحُور، وسَلَكَ الدُّرَرَ لِلنُّحور، إلى عِلْم بالعربيَّة، وَفَهم في اللطائفِ الأَدَبِيَّة، وإمعان واف، لأوزان وقواف، بِمَعرفةٍ لَو فَطَنَ لها الخليل بن أحمد، لأجراهُ مَجْرَى والده، وَتَرَكَ طَرِيفَ ما عِندَهُ لِتالده.
ومن شعره قوله في شيخنا قاضي القضاة أبي عبدِ اللهِ بنِ جَماعة (١) وكان قد عزَمَ عَلَى الحَجِّ، فَلَمَّا رَكِبَ بَغْلتَهُ سَقَطَ عَنْ ظهرِها فوقعَتْ عمامته وانكشف رأسه.
стр. 6697
وقوله: [من الكامل]
بُشْراكَ يَا قاضي القضاةِ بِحَجَّةٍ … تَكْسُوكَ مِنْ حُلَلِ الكَمالِ لَبُوسًا
قَدْ شَاقَكَ الإحرامُ لَمَّا شُقتَهُ … فأَتى يُقبِّلُ رَأْسَكَ المَحروسا
ومنهم:
[٥٧٠] عبد الله بن عليّ بنِ مُنجِدٍ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبو مُحَمَّدٍ السَّروجي (١)
قيس هَوًى وَغَرام، وَقَبسُ جَوّى وَضَرَام، من الفقهاء الفضلاء، والأكابر ذَوِي القَدْرِ والوَلاء، بِدْعُ فَضائل، وَطِلع كلِّ طائل وكان من الدُّنيا مُتقلّلا، وعلى الآخرة مُقبلا. وكانَ يَسكُنُ الحُسَينيّةَ، وهِيَ أَجَلُّ حَوَاضِرِ القَاهِرَة، وبَوادِي حَضرَتها الزَّاهِرَة، وكان يَقولُ: هي وَادِي الغزلان، ويهيمُ بِظِبائِها، وَيَصِفُ بِهِمْ أَسقامَهُ التي أعيتُ على
стр. 6698
أطبائها، ولا يَزالُ يَميلُ بِهِ هَوَى كُلِّ قَضِيب، وَيَصْرَعُهُ لَحْظُ كُلِّ حَبِيبٍ، بِوَجْدٍ لَوْ لامَسَ الصَّخْرَ للان، وَحُبِّ تَسَاوى فيه السِّرُّ والإعلان.
ومن شعره قوله (١): [من البسيط]
يَا رَائِسَ الوَصْلِ أَدرِكْني فَقَدِ وَصَلَتْ … مَراكِبُ الحُبِّ في بحرِي وَأَشواقي
وَلي بَضَاعَةُ شِعْرِ ضَاعَ أَكثرُها … وَقد بَدا ذا الهَوَى يَسْتَغْرِقُ الباقي
وَمِنهُمْ:
[٥٧١] الحَسَنُ بنُ عمر بن سالم، النَّقَاسُ الإسطرلابي، زكي الدين (٢) [أبو محمد
أطلع بآدابه النجوم وسيرها، ووقت لها المواقيت وسيرها، ولم يقنع بالدرر وأسلاكها، حتى طلع إلى الدراري وأفلاكها، فنسب المشارق والمغارب … .] وأثنى عليه شيخنا أبو حيان (٣) بالعلم والأدب. وَشِعْرُهُ يَدُلُّ على كثرة ما لَهُ من الدأب، ولَهُ ما يَهِزُّ هِنَّة الرّاح، وَيَبُثُّ في القلوب الأفراح.
стр. 6699
ومن شعره قوله: [من البسيط]
الحُرُّ بِالبرِّ والإحسانِ تَمْلِكُهُ … والنَّذْلُ بِالصَّدِّ أَفعالًا وأخلاقا
يزداد لومًا إذا ما زِدْتَهُ كَرَمًا … كالنِّفْطِ يَزْدادُ بِالتَّكريم إحراقا
ومنهم:
[٥٧٢] مُحمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ أَبي بكر بن إسماعيلَ، أَبو عبدِ اللهِ
شاعِرٌ لَهُ بَراعَه، وَسَاحِرٌ نَفْثَ في كلّ بَراعَه، طَلعَ كُلَّ شَرَفَ، وَأَخَذَ بِكُلِّ طَرَف؛ لفضلٍ مَدَّ فِيهِ بَاعَه، وَمَلَكَ حُرَّ الكَلَامِ فَاسْتَراهُ وَبَاعَه.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
أَحبَّتَنا بِنْتُمْ فَبانَ تصَبْرِي … وَذُقْتُ عَذَابًا لا يُحَدُّ لِواصِفِ
وَقَدْ كنتُ أَدْرِي أَنَّ في البَيْنِ آهَةٌ … وَلكنَّما التَّجْرِيبُ فَوقَ المَعَارِفِ
ومنهم:
[٥٧٣] ضياءُ بْنُ عِبدِ الكَرِيمِ بنِ حَاتِمِ الأَنصارِيُّ (١)، وَجِيهُ الدِّينِ، أَبو الحَسَن
بَزَغَ مِنْ قحطان، ونَزَعَ حيث لا (تمتد له) أشطان. من أصل مُعْرِق، ودوحٍ في الإسلام مُورِق. أتى بالحَسَن، وَوَاتى طَوْعَ إرادتهِ اللَّسَن، إلا أَنَّهُ مُقِلّ، وتَقْلِيلُهُ على كثيره يستدلّ.
стр. 6700
وذكره أبو حيان.
ومن شعره قوله (١): [من الطويل]
بِروحِيَ مَعشُوقُ الجَمَالِ فَما لَهُ … شَبِيه ولا في حُبِّهِ لِيَ لائم
تَثَنَّى فَمَاتَ الغُصْنُ مِنْ حَسَدٍ لَهُ … أَلَمْ تَرَهُ نَاحَتْ عليه الحَمائِمُ
ومنهم:
[٥٧٤] موسى بن علي بن موسى بن يُوسُفَ الزرزاري (٢)، شَرَفُ الدِّينِ، أبو عمران
شاعِرٌ نَوؤُهُ مَطِير، وَضَوؤُهُ يَكادُ يَسْتَطِير، وذَكاؤُهُ فَوقَ ذُكاءِ اتقادا، ومِثلُ عَينِ الشَّمْسِ لا تَكتَحِلُ رُقَادًا.
ومن شعره قوله (٣): [من الطويل]
تَواضَعَ كالنجم استبانَ لِناظِرِ … علَى صَفَحاتِ الماءِ وَهُوَ رَفِيعُ
وَلَمَ يَكُ كالدُّخَانِ يَرْفَعُ نَفْسهُ … إلى طَبَقاتِ الجَوِّ وَهُوَ وَضِيعُ
هكذا ذكرها أبو حيان وأنشد «كالدخان» مشددة. ومنهم:
[٥٧٥] أحمد بن محمد عبد المجيد بن صاعِدٍ الخَزْرَجِيُّ (٤)، نَجْمُ الدِّينِ، أبو العباس ابن الوزير عز الدين
قَبَسٌ أَضاءَ وأَرَى، وَمَضَى فَفَرَى، وَجنَى الثَّمارَ وَقَدْ وَشَجَ فِي عِرْقِ الثَّرَى سُؤدُدُهُ
стр. 6701
قَدِيمٌ، وَمَحْتِدُهُ اليَمَنِيُّ لِفَخارِ قَيْسٍ قَسِيمٌ، بِبَيْتٍ يَبِيتُ وَهُوَ لِلنَّجْمِ نَزِيلٌ وَسَمِير، وتقول بِهِ الخَزْرَجُ للأوس: (مِنَّا أَميرٌ ومنكم أمير).
وقد ذكره شيخنا أبو حيان، وكان لا يزال في الأحيان.
وله غُرَرٌ لا تَحْفَى مَحاسِنُ أَهِلَّتِها، ولا يُكاثر على قلتها.
ومما أنشد له قوله (١): [من الطويل]
رَأَيْتُ الذي أهواه يبكي فَسَرَّني … وَقُلْتُ لِمَا قَدْ نَالَني يَتَوَجَّعُ
وَمَا ذاكَ مِنهُ رَحْمَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ … سَقَى طَرْفَهُ والسّيفُ يُسْقَى فَيَقْطَعُ (٢)
ومنهم:
[٥٧٦] عليُّ بنُ أحمدَ بنِ الحُسَيْنِ الأَصْفُونِيُّ، عَلاءُ الدين، أبو الحسن (٣)
من بيت طلع في الوزارة نَجْمُه، وَتَدفَّقَ في جَانبِ المُلْكِ يَمُّه، وَكَانَ هُوَ مِنْ خِيارِ أبنائه، وأركانِ بِنَائِهِ، كانَ بالأَدَبِ مَلِيًَّا ومن ذَوِي السَّماتِ والأسماء عليا.
ومن شعره: قوله (٤): [من الكامل]
وَقُلِ المُتيَّمُ جَاءَكُمْ مُسْتَغْفِرًا … وَمِنْ الأَحِبَّة يُعْرَفُ الغُفْرانُ
فَإِذا تَصالَحَتِ القُلُوبُ على الوَفَا … فَخُذوا الفُؤَادَ فَإِنَّهُ شُكْرانُ
ومنهم:
стр. 6702
[٥٧٧] إسماعيل بن أَحمد بن إسماعيلَ القُوصِيُّ (١)، جلالُ الدِّينِ، أَبو الطَّاهِرِ
نَاجِذُ أَدَبِ مُفْتَرٌ، وَرَائِدُ كَنَفٍ مُخْضَرٌ، وكانَ صَادِقَ الوَفاء، صَادِعَ الصَّبَاحِ بِلا خَفَاء، مِنْ نَبْعَةِ الشُّعراء، وبَرَعَةِ أَهْلِ الأَدَبِ بِغَيْرِ مِراء، يَقولُ لِلمعنَى اصْحَبْ شِئْتَ أَوْ أَبَيْتُ، ولِلشِّعْرِ أَخل لي فَأَنا الذي رَفَعَ قَواعِدَ البيت.
أثبَتَ اسمه شيخنا أبو حيانٍ وَذَكرَهُ، وأَثْنَى عليهِ وشَكَرَهُ، وَكَانَ لا يُنالُ أَدْنى سبقه، ولا تَثْبُتُ عَينُ لِسَنَى برقِهِ.
وَوَقَفْتُ لَهُ أَيَّامَ مُقامي بِمِصرَ على شِعْرٍ كثيرٍ لا يَحضُرُني فيه الآن إلا ما قطفته من مجاني الهَصْرِ، ومنه:
قوله (٢): [من الوافر]
أقولُ وَمَدْمعي قد حالَ بَيني … وَبَين أَحِبَّتي يَومَ العِتابِ
رَدَدْتُمْ سَائِلَ الأَجْفانِ نَهْرًا … تَعثَر وَهُوَ يَجْرِي في الثيابِ
وقوله (٣): [من الوافر]
غَزَالٌ كَمْ غَزا قلبي بِعَضْبٍ … يُجَرِّدُهُ وليس لَهُ حَمَائِل
وَضَاعَ تَمَسُّكي بالنُّسَكِ فِيهِ … وَضَاعَ المِسْكُ مِنْ تلك الغلائِل (٤)
стр. 6703
ومنهم:
[٥٧٨] مُحَمَّدُ بن [موسى]، الشَّرَفُ القُدْسِيُّ الكاتب (١)
تَائِهُ يَخْبِطُ في عشواء، ويخلط في نُطْقٍ وَعُواء، بينَ رُشْدٍ وتَضليل، وتَحْريم وتحليل. وكتب الإنشاء مصرًا وشاما، وجَلا وُجوهَ المَعَانِي وِسَامَا، فَجَاءَتْ حَالِيةٌ التَّرائِب، [حاوية للغرائب، تسحرُ كَأَنَّ سُفُور الحُورِ في جنانها، كان يطوي الضلوع … . للدين ومحن لم يكن فيها … ].
وَخَدَمَ الشَّجاعي وكانَ لَديَهِ أَثيرا، وَقَليلُهُ عِندَه كَثيرا، ثُمَّ سَقَطَ من عَيْنِهِ سُقُوطِ الدَّمْعِ، وقُطَّ في مجلسهِ قَطَّ الشَّمْع، وذلكَ بِدِمشقَ عِنْدَ ظُهورِهِ عَلَى فَسَادِ مُعْتَقَدِه، وبيان بَهْرَجه في يَدِ مُنْتَقدِه. وكان على ما فيهِ مِنْ قَبِيحِ المَعايب، وَخُلُقِ السُّوءِ الذي لا يُؤذِّبُهُ الصَّرِيحُ المُكاتِب، مُغْرَى بِحُبِّ الكِيماء ومُعاناة عَملها، وَمُعَاداةِ مَا له في صُحْبَةِ أَمْلِها.
وقد خَمَّسَ دِيوانَ الشَّذور (٢)، وَرَجَعَ بالخَيْبَةِ رَجْعَةَ المَلومِ المغدور. وَحَكَى غير واحدٍ مِنهم والدِي، وَشَيخُنا أبو الثناء محمود الكاتب (٣) وابنُ
стр. 6704
البيع (١)، وعليُّ بنُ حَمزةَ النَّقِيب (٢)، وَغيرُهُمْ: أنّه كان - والله يعفو عنه - مُغْرَى بتربية صغار الأطفال، والمَيْل إليهِمْ والتخلُّقِ لهم بأخلاقهم، حتَّى كان يُرَبِّي جرى الكِلابِ العُكلية من الطرقات، وَيَحْمِلُهُنَّ معه تَحتَ ثيابه، لإرضاء الصغار، ومن هذا ومِثْلِهِ، مِمَّا لَوْ قُذِفَ في البَحْرِ لَنَجَّسَه أَوْ جُلِّلَ بِهِ النَّهَارُ لأَدْمَسَه هذا أَكثَرُهُ حَكَوْهُ مِنْ عَظِيم استهتارِهِ، وَقَبِيحِ اشتهاره، مَعَ فَضْلِ في الأدب، وخطَّ مَا مِثْلُهُ خَطَّ مَنْ كتب، ولا سيما التعليق الذي كَأَنَّهُ سَلاسِلُ الذَّهَبِ.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان … الشعراء لا في الكتاب لا … الشعراء أقدر وبه أجدر].
ومن شعره: قوله (٣): [من الطويل]
عَجِبْتُ لَهُ إِذْ دَامَ تَورِيدُ خَدِّهِ … وما الوَرْدُ في حَالٍ على الغُصْنِ دَائِمُ
وَأَعْجَبُ مِنْ ذا أَنَّ حَيَّةَ شَعرِهِ … تَجولُ على أعطافهِ وَهُوَ سَالِمُ
وقوله في بعض الفتوحات: [الوافر]
وما زالَ الحَمامُ يَنُوحُ فيها … إلى أَنْ صَارَ مَوْضِعَهُ الحِمامُ
стр. 6705
وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَومٌ عِظَامٌ … فَها هُمْ في جوانبها عِظامُ
أَرَى أَسوارها سَجَدَتْ لخَوف … ولكِنْ فَاتَها فِيكَ السَّلامُ (١)
ومنهم:
[٥٧٩] السَّيِّدُ الشَّرِيفُ الجَعْفَرِيُّ الحاكم بإِخْمِيمَ (٢)
ذكرَهُ السَّراجُ الوَرَّاقُ في مُختَصرِ دِيوانه، ولم يُعرِّفُهُ بِاسمِ وَلَا لَقَبٍ، وَلَا بِجَدٌ ولا بابِ. وَإِنَّمَا حَسْبُكَ منهُ ما شَهِدَ بِهِ الأَدَب، وَعُرِفَ ثَناؤُهُ وَهُوَ فِي مِجْمَرِ البُرُوقِ نَشَب، ذَكَرَ الوَرَّاقُ أَنَّ هذا السّيدَ الجَعْفَرِيَّ كَتَبَ إِليهِ: [من الكامل]
لَكَ عَزْمَةٌ مَأْثُورَةٌ عُمرية … كالسَّيْفِ أُصِلَت في يَمينِ المُنتَضِي
وَيَدٌ إِذا خَطَّتْ بِنَقْشٍ أَسوَدٍ … في طِرْسِهَا جَاءَتْ بِفَضْلٍ أَبْيَض
أَنْتَ السِّراج وضوؤك الهادي (٣) لنا … تحت الدُّجى وأنا بذاك المُسْتَضي (٤)
стр. 6706
وأقسم أن مثل هذه التوريات لا تتوارى بالحجاب، ولا يُلام مستحسنها لفرط الإعجاب.
وقال إنه أجابه: [من الكامل]
مَا الرَّوْضُ بَينَ مُفتَّقٍ وَمُنَمْنَمِ … مِنْ زَهْرِهِ وَمُذهَبٍ وَمُفضَّضِ
بَكَتِ السَّحابُ لَهُ وَشَقَّتْ جَيبَهًا … والبَرْقُ مُبتَسِمٌ بِشَغْرٍ مُومِضِ
واحمرَّ خَدُّ الأَرْضِ فِيهِ خَجْلَةٌ … من لَحْظِ نَرْجِسِهِ الْمَرِيضِ المُمْرِضِ
يومًا بأحسنَ مِنْ سُطُورٍ صَاغَها … فِكْرُ الشَّرِيفِ فَعَدِ عن شِعَرِ الرَّضِيَ (١)
مِنْ كُلِّ بَيْتٍ جَعْفَرِيٌّ سَادَهُ … كالجَعفرِي وَمَا بَنَى لَمْ يُنقَضِ
стр. 6707
قلت: [الجعفري، قصر بناه جعفر المتوكل كان من أبهى وأحسن مساكنه ودوره]، وأظن هذا الشريف هو الذي عناه السرّاج وكتب إليه بقوله: [من السريع]
وحاسِدٍ ما رَقَّ لَمَّا رَأَى … لي حَالَةٌ مَا مَعَها بُقْيَا
قَالَ َوإِنَّ الحَقَّ في قَولِهِ … يَكْفِيهِ أَنْ يَحيَا لَهُ يَحيى
نقلتهما من خط السراج من ديوانه، وقد قال فيهما: إنَّهما في مَدْحِ الشَّرِيفِ جمالِ الدِّينِ يحيى بن الجعفري ﵀ ثُمَّ ذكرهما (١).
(٢) ومنهم:
[٥٨٠] .. مجد الدين … عُرف بابن الجباب (٣)
سليلُ أَمَاجِد، ورَسِيلُ أَوَّلِ مُبكِّرٍ إلى المَسَاجِد، مِنْ قَومٍ كانوا للزمان أقمارًا،
стр. 6708
وللرُّكْبَانِ أَسْمَارًا، وللمُعتَفي مُزْنَا، وللمُعتدِي حُزْنًا، وَتَأَخَّرَتْ مِنْهُ قُنَّةٌ مِنْ شَوَاهِقِهِم، ولَمْعَةٌ مِنْ شَوَارِقِهِمْ، يُضِيءُ الدُّجَى، وَيُقِرُّ الحِلْمَ والحِجَى، إذْ كَانَ مِنْ تِلْكَ البَقِيه، وابنَ جَلا الطَّالِعَ مَنْ كُلِّ ثَنِيَّه، دينار من ألوف، وزُبْرَةَ مِنْ سُيُوف.
ذكره السراج الورّاقُ في غير موضع من ديوانه، والكِتابُ يُعْرَفُ بِعُنوانه.
قال السراج الورّاق: كُنْتُ طَلَبْتُ من القاضي الرئيس مَجْدِ الدِّينِ ابْنِ الجَبَّابِ قِرْبَةً عِنْدَ تَوَجُّهي إلى الحجازِ الشَّرِيفِ، فَبَعَثَ بِها وكتب إليَّ: [من الكامل]
يا شاعرًا ما الأحنف المشهور في … حِلْم يُقاسُ بِهِ وَلَيْسَ مُعَاوِيَه
أصبحْتَ مُحتاجًا لِفَاضلِ قِرْبَةٍ … هذا وَكَمْ مِنْ فَاضِل لكَ رَاوِيَه (١)
стр. 6709
فأجبته: [من الكامل]
قُلْ لِلفَتَى السَّعْدِي أَفضلُ مَنْ لَهُ … في الصَّنعَتَيْنِ قَرِيَنةٌ أَوْ قَافِيَه
من ذا يُجارِي منكَ بَحْرًا زاخِرًا … صَارَتْ بهِ السَّبْعُ البِحَارُ ثَمَانِيَه
أنا عنه راوِيةٌ وحَمَّادٌ لَهُ … خَلَّفْتُ حَمَّادًا يَسِيرُ وَرائيه (١)
стр. 6710
ومنهُمْ:
[٥٨١] أحمدُ بنُ نَصْرِ اللهِ بنِ باتكينَ المِصْرِيُّ القاهِرِيُّ (١)، مُحيي الدين، أبو العباس
ملأ العيان، وجَاءَ على فَتْرَةٍ بِمُعْجِزِ البَيان، فَأَطلع الألفاظ غُرَّا، وَأَطْمَعَ كُلَّ أَدِيبٍ قَالَ لَعَلَّ لَهُ عُذْرا، وَظَلَّ يُعَاطِي كُؤوسَ الأَدبِ مُعَاطَاةَ الرَّاحِ، وَيُدافِعُ على عُيُونِه دِفَاعَ الرَّاح، كَلَفَ بِهِ فَكَلفَ ذَوِي الغَرام، وَشُغِفَ بِهِ شَغَفُ الرَّوْضِ بِالغَمَامِ، فَحَاز منه الاقتراح، وَجَاز الغَايَاتِ فَحَطَّ الرق عنه واستراح. وكانَ ذِهْنُهُ يَتَوَقَّدُ الضَّرَامِ، وَجَفْتُهُ يَتجنَّبُ الكَرَى الحَلال تَجنُّبَ الحَرام، وَتَدفَّقَ خَاطِرْهُ بِالمَعَاني التي فَجَّرها وَتَوَقَّدَ بِالنَّارِ التي سَجَرَها، وتَفَنَّنَ بِالفُنُونِ التي ما كانَ لأقلام البُلَغَاءِ أَنْ تُنْبِت شَجَرَها.
وقد حُكي أَنَّهُ كَانَ على قَدَمِهِ الثَّابِتة في الأدب، وتَقَدُّمهِ في فَنْهِ الذي زَمَّ إِليهِ ركائب الطلب، رُبَّما أخطأ الوَزْنَ في مَواضِع وخرج عنه من غير موانع.
وحَكَى السِّراجُ الوَرَّاقُ أَنَّهُ انتَقَدَ عليهِ وَزْنَ الكاملِ فَبَلَغَ ذلك ابن باتكين، فكتب إليه: [من الكامل]
يَا جَابِرًا كَسْرَ الضَّعِيفِ بِطَوْلِهِ … وَمُصحِّحًا مَعْلُولَ كُلِّ سَقِيمٍ
لا تَعْجِبَنْ إِنْ تَبْدُ مِنِّي تَوْبَةٌ … عَنْ وَزْنِ بَحْرِ الكَامِل المُوسُومِ
لا زِلْتَ تَسْتُر كُلَّ عَيْبٍ ظَاهِرٍ … مِنّي وَتأسو دَامِياتِ كُلُومي
فأجابه: [من الكامل]
بَاكَرْتَني بِخَمِيلَةٍ مَطْوِيَّةٍ … يَسْرِي لها أَرَجٌ بِكُلِّ نَسِيم
فَشَكَرتُ من أَنفاسها أَدَبِيَّةً … ذَهَبِيَّةً في وشيها المَرْقُومَ
وَوَرَدْتَ بحرًا كاملًا من كامِل … تَرَكَ الخَلِيلَ يُحِنُّ قَلْبَ كَلِيمَ
ومن شعره قوله (٢): [من الكامل]
стр. 6711
يَا جَفْنَ مُقلتهِ سَكِرْتَ فَعَرْبدِ … كيف اشتهيت على فؤادِي المُكْمَدِ
مَنْ لَمْ يَبِتْ بِعَذَابِ حُبِّكَ قَلبُهُ … مُتَنعّمًا لا فَازَ فِيكَ بِمَوْعِدِ
لاموا على ظمأي إليك ولو دَرَوْا … في ماءِ خَدِّكَ مَا حَلاوَةُ مَوْرِدِي
[وَجْهٌ كَما سَفَرَ الصَّباحُ وحَوْلَهُ … حُسْنًا بَقَايَا جُنحُ لَيْلٍ أَسْوَدِ
وقوله (١): [من البسيط]
أقسمت بالله وآياتِه … يَمِينَ بَرٌ صَادِقٍ في اليَمِينُ
لَوْ زِدْتَ قلبي فَوقَ ذا مِنْ أَذًى … ما كُنْتَ عِنْدِي غَيْرَ عَيني اليَمِينُ
وكتب إليه أبو الحسين (٢) مُلْغزًا في الشَّطرنج (٣): [من الوافر]
وَمَا شَيْءٌ لَهُ نَفَسٌ وَنَفْسٌ … وَيُؤَكَلُ عَظمُهُ وَيُحَلٌّ جِلْدُه
يَوَدُّ به الفتى إدراك سُولٍ … وَقَدْ يَلْقَى به ما لا يَوَدُّه
وَيَأْخُذُ مِنهُ أَكثرَهُ بِحَقِّ … وَلكِنْ عِنْدَ آخرِهِ يَرُدُّه
فكتب ابنُ بَاتِكين جوابه (٤): [من الوافر]
لَقَدْ أَهْدَيْتَ لي شِعْرًا بَدِيعًا … يَضِلُّ عَنِ اللَّبِيبِ لَدَيْهِ رُشْدُه
بهِ ضِدانِ مُقتتِلانِ وَهْنًا … ويصطحبان في نطع يمده
هما ضدان من زَنج ورُومِ … يُقاتِلُ كُلَّ قِرْنِ فِيهِ ضِدُّه
تقومُ الحَرْبُ فيهِ كُلَّ وَقْتٍ … ولا تَكفِي مِنْ الوَقَعاتِ جُنْده
ويشتد القتال بهِ طَوِيلًا … وَيَحكُمُ بالأَصَاغِرِ فِيهِ عَقْدُه
وَيُقتَلُ مَلْكُهُ في كلِّ حِينٍ … وَيَبْعَثُه النَّشاط فَيَسْتَرِدُّه
وَمَا يُنجي الهُمَامَ بهِ حُسامٌ … وَقَدْ نَجَّى من الآفاتِ شَدُّه
قلت: وهذان ساحران قد تظاهرا فأتيا بمثل هذا السحر الذي يؤثر و (هكذا هكذا وإلا فلا لا) (٥)].
ومنهم:
стр. 6712
[٥٨٢] الشُّهابُ الأَعزازيُّ، وَهُوَ أَحمدُ بنُ عبدِ الملك بنِ عبدِ المُنعِم بن عبد العزيز شهاب الدين، أبو العباس (١)
عُودُ الأَدَبِ وَنَبْعَتُهُ، وَصِيتُ الذَّكاء وسُمعتُهُ، وكان حَسَّانَ قَوْل، وإحسانَ طَوْل، يَسحَرُ بِبَيانِ كَلِم بَوالغ، وَسِنانِ كُلُومٍ في دَمٍ وَالِغ. وَهُوَ جُملَةُ إِحسان، وجِلَّة كلام خُلِقَ للسان، بفكرٍ يُقذِفُ بَحرُهُ العَنْبر، ولا يُحَدِّثُ فِيهِ إِلا عَنْ بَرّ، ولم يَبْرَحْ شهابًا يَتوقَّدُ فَرْقَدا، ويَتَضَرُّمُ مَوقِدا، بِصَدْرٍ رَحِيبٍ، وَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ رَقِيب، إلى أن بَعُدَ منه ما اقترب، وداني شهابه المغيب فَغَرَّب.
أَصله من عزاز، وسكَنَ القاهرة المُعزِّيةَ وتَمطَّر في عنان صباه المطرية والحزية، ولم يَفُتْ مُنذُ كان فتى رافِلًا في بُرْدِها المُمَصَّر، وراقِلًا في بلدها الذي أعجزَ كِسْرَى وقيصر، وكانَ بِقَيْساريَّة (جَهاركس) في قطانِها التجار، وسكانها بالإبحار، والناس تنتابه، وأونَةً إعتابُهُ، وكانَ يَبيعُ البَرِّ، ويعيب الأماعزّ، ومَكَانُهُ نَادِي حَسب، وَبَادِي فَضْلٍ حَاضِرٍ ومُكْتَسَب يَغْشَاهُ أَكابِرُ الفَضَلا، وذوو المآثر من الأجلاء، فأما الأدباء فكان عُكاظَ سُوقِهم، وغاية سَبُوقِهِمْ، وَعَزَّتْ بِهِ عَزاز، وَرَفَلَت القاهرة في ثوب لها منه طراز. جالَسَ بِها الملوك وحَاضَرَها، وجانَسَ بادِيها وحاضرها، فَزَهَتْ بِهِ مَناظِرُها، وَبُهِتَ بأدبهِ مُناظِرُها.
стр. 6713
سأَلتُ شَيخنا أبا الثناء، فقال: كانَ قَوِيَّ التَّراكِيب، صحيح الأساليب. قلت:
وكان مظهرًا للأعاجيب، ومَظْهَرًا لأبكار من الجَاذِر في زي الأعاريب.
وكتب إلى شيخنا أبي الثناءِ يُهِنِئُهُ بِطَبَقَةٍ كانَ بناها بحارة (زُويلة) رَفَعَ سَمْكَها، [وَرصَّع في عنق الجوزاء سلكها، وَجَلا عقلتها الحالية، وطاول بها القصور فتضاءلت لطبقتها العالية، فأجابه عنها، ثم أجاب، وجاء كل منهما بالإعجاب. ولو حضرتني تلك المراجعات لأريت كيف يتقارع الفحلان، ويتقاطع النصلان، وهي قافية لا تسلك لها قافية، ولا توصف بشيء إلا وذاتها كافية. هذا الى ما لهذا مما عزَّ مطلبه إلا مما أخرجه مطلبه، فترك سوق الشعراء خاوية، وأدرك من المحاسن ما لا يخفى عليه خافية، وقد ذكره السراج الوراق ذكرًا ظل به لسانه يلهج وروضه يبهج، وذكر أن العزازي كان قد سافر عن مصر سفرة طالت فيها مدة بينه، وحملته فوق الطاقة من شدّة أينه، ثم بعث له بقصيدة وهي]: [من الطويل]
سلام على تلك المحاسنِ والحُلي … وتلك السَّجايَا الغُرِّ والخُلُقِ العَذْبِ
سَلامُ مُحب تطبيهِ صَبابَةٌ … إليكَ على بُعْدِ من الدّارِ أَوْ قُرْبِ
أَيَا عُمَرَ الجَمرات والمُدرِكَ العُلا … بمنصبه العالي ومنزلهِ الرَّحْبِ
أَبكَ ما بي من هوى منكَ زائدٍ … وَشَوْقِ قَنُوط بالملامة والعَتْبِ
عَهِدْتُكَ سَمْحًا بالتَّواصلِ واللِّقَا … فَصِرْتَ ضَنِينًا بِالرَّسائلِ والكُتُبِ
وَمَالِيَ ذَنْبٌ أَسْتَحِقُ بهِ الْجَفَا … وإنْ كانَ لي ذنبٌ فَحُبُّكُمُ ذَنبي
وما ازددتَ عِنْدِي جَفْوَةً بَعدَ جَفوَةٍ … وَحَقِّكَ إلا ازددت حبًّا على حب
أَيَا طَيفَهُ زُرْني ليسكُنَ مَضْجَعِي … وَيَا شَخصَهُ عُدْنِي لِتُطْفِي لَظَى كَرْبِي
وَيَا بارقاتٍ من رُباهُ ألا أو مضي … وَيَا نَسَمَاتٍ مِنْ حِمَاهُ أَلا هُبّي
فَتًى كفهُ تَهمِي وَنُعماهُ تَبتدي … وألفاظه تسبي وآدابُهُ تَصْبي
أَنمُّ من الريحان والبَانِ ذِكْرُهُ … وأَذكَى من الجَادِيِّ بالمَنْدَلِ الرَّطْبِ
لَهُ كَلِمَاتٌ نَشْرُها ومذاقها … كَراح النَّدامَى أَوْ كَرَيحانةِ الشَّرْبِ
أَلَذُّ إلى الأجفان من سِنَة الكَرى … وأَسْحَرُ للألباب من حَدَقِ السِّرْبِ
شُجَاعُ القوافي مائِلٌ بِبَدَاهَةٍ … يَروحُ بِلا طَعْنٍ وَيَغْدُو بِلا ضَرْبِ
إذا حَاكَ شِعْرًا أو رَواهُ مُحَرّرًَا … فَمَنْ أَحمدُ الكندي أو عامِرُ الشَّعْبي
سَقَى اللهُ مِصْرًا ما سَقَى عَذَبَ الحِمَى … وَلا أخطأتها صيّبات من السُّحْبِ
ولا بَرِحَتْ مُخضَلَّةَ الدَّوْحِ والثَّرَى … مُعَنبرة الأرجاء مِسْكية التَّرْبِ
أحِنُّ إلى أطلالها ورُبُوعِها … وَمَا دَارُهَا داري ولا شِعْبُها شِعْبي
стр. 6714
ولكِنْ لِمَنْ قَدْ حَلَّها وَثَوَى بِها … وَإِنْ غَابَ عَنْ عَيني فَما زال عن قلبي
سَأَشكُرُ مِنه نِعْمَةٌ عُمَرِيَّةٌ … وَعَارِفَةً حَسْبِي صَنائِعُها حَسْبي
وأذكُرُ أَيَّامًا لَهُ وَلَيالِيًا … رَأَيْتُ بِهِنَّ السَّرْجَ أَذكَى مِنْ الشَّهْبِ
فأجابه: [من الطويل]
لَقَدْ بَاكَرَتْني روضةٌ أَدَبِيَّةٌ … هِزَزْتَ بها أعطافنا هِزَّةَ القُضْبِ
وأغنيتني عن كلِّ غَنَّاءَ بالتي … سَقَتْها يَمِينُ مِنْكَ أَنْدَى من السُّحْبِ
لَثَمْتُ بِها لِلوَرْدِ خَدًّا مُضَرَّجًا … عَليهِ سَقِيطُ الظَّلِّ كَاللُّؤْلَةِ الرَّطْبِ
وقَبَّلْتُ ثَغْرَ الأقحوانِ مُفَلَّجًا … فَأَطفَأْتُ حَرَّ القَلْبِ بِالبَارِدِ العَذْبِ
وغَازِلْتُ لَحْظَ النَّرْجِسِ الغَضّ خاليًا … ولِلسُّحْبِ هُدْبٌ مِنهُ نِيَطتُ إِلى هُدْبٍ
فَمَنْ أَنبَتَ الأَنْهَارَ فَوقَ مَهَارِقٍ … سَوَاكَ ومَن ذا أَنْشَأَ الرَّوضَ فِي الكُثْبِ
وأَغْطَشَ لَيلَ النَّفْسِ تُشرِقُ تَحتَهُ … مَعَان إذا استجليْتَ أَبهى من الشهب
لَقَدْ راق لي ما راق من حُسْنِ لفظها … كَمَا رَقَّ لي ما راق من ذلك القلب
أَلَذُّ لجفن المستهام مِنَ الكَرَى … وأَعذَبُ في قَلبِ المُحبِّ مِنْ الحُب
وَأَطْيَبُ مَنْ لَيْلِ تَنفَّسَ صُبحُهُ … مِنْ الرَّاح والرَّيْحَانِ لِلفتيةِ الشَّرْبِ
وقَامَ يُنادِي لِلصُّبُوحٍ بِسُحْرَةٍ … غُلامٌ يُغَنِّي لِلفَتاةِ: أَلا هُبّي
وَغَنَّى عليها جَائِلٌ مِنَ وِشَاحها … علَى الصَّمْتِ مِنْ خَلْخالِها ومِن القُلْبِ
وَطَافَ بِراحٍ لَوْنُها مِنْ خُدودِه … وَرِقْتُها في الكَأْسِ مِنْ دَمْعَةِ الصَّبِّ
وأَطيبُ من ذا سَاعَةٌ أجتلي بها … مُحيَّا شِهابِ الدِّينِ مُحترق الحُجْبِ
وَتَشنيفُ سَمعي منه بالدُّرَرِ التي … تُرى عِندَها دُرَّ التَّرَائِبِ فِي التَّرْبِ
ولا اختار إلا شِعْبَ أحمدَ دُونَهُمْ … وَنَاهِيكَ لِلآداب والعلم من شِعْبِ
ومَن أَحمدُ الكِندِيُّ إِذْ قَال أحمدٌ … قَرِيضًا فأَعْيا قَالَةَ العُجَمِ والعُرْبِ
وَقَصَّدَ أحيانًا وَوَشَّحَ تارةً … لِيَطلُعَ في شَرْقٍ شِهابًا وَفِي غَرْبِ
إليكَ شِهَابَ الدِّينِ عُذرِي فإنّ لي … عَوائِقَ تُلْهِيني عنِ الأَكْلِ والشَّرْبِ
وَحَسْبُكَ مِنِّي حَسْبُكَ اليومَ خَجْلَتي … لَدَيْكَ وَحَسْبِي فِيكَ فَرْطُ الحَيَا حَسْبي
وَعَادَتُكَ الحُسْنَى إِذا لَمْ أَزُرْ تُزَرْ … فَنحنُ سَواءٌ لا مَحالَةَ فِي الذَّنْبِ
فَزُرْنِي وَهَبْ عَيني برؤياك حظها … كَمَا نَالَ قَلبي مِنْكَ يا سَاكِنًا قلبي
[وكتب إلى السراج الوراق] (١) [من الكامل]
стр. 6715
قَسَمًا بِوَجْهِكَ إِنَّهُ الوَجْهُ المُضِي … وَبِحُسْنِ خُلْقِكَ إِنَّهُ الخُلُقُ الرَّضِي
وَبِجُودِ راحتِكَ التي نَعْماؤُها … لِلْمُعْتَفِي وَنَوالُها لِلمُنْفَضِ
وَبِذِكْرِكَ الحَسَنِ الجَميلِ وَفَضْلِكَ الـ … ـغَمْرِ الذِي بِقَلِيلِهِ لَمْ أَنْهَضِ
أني على العَهْدِ الذِي أَسْبَابُهُ … لَمْ تَنصَرِمْ وَبِناؤُهُ لَمْ يُنقَضِ
يا ناقدًا لَمْ يَحْفَ عن لَحَظَاتِه … أَمْرُ المُحِبِّ من الحَسُودِ المُبغَضِ
نُبئتُ أَنَّكَ مُعْرِضُ مُتَعرِّضُ … رُوحِي فِداءُ المُعْرِضِ المُتَعَرِّضِ
وَأَتَتْ خُيولُكَ بالعتابِ سوابقًا … تَرْدِي وخَيلي قَبلَهَا لَمْ تَرْكُضِ
فَعَجِبْتُ من حظِّ لِمثْلِي أَسْوَدٍ … وَخجَلْتُ من عَرضِ لِمثلِكَ أَبيض
فَابْعَثْ كتابكَ ضَامِنًا عنكَ الرِّضَا … مِمَّا سَمِعْتَ وَداوِنِي يَا مُمْرِضِي
فمدامعي لم تنبجس حتى أَرَى … مِنْكَ الرَّضَا وَنَواظِرِي لَمْ تُعْمضِ
ضَلَّ امرؤ بسوى سراج الدِّينِ في … جُنحِ الحَوارِي يَهْتَدِي أو يَستَضِي
فأجابه [السراج الوراق]: [من الكامل]
حَبْلُ المَودَّةِ بَينَنا لم يُنقضِ … سَخِطَ الحَسُودُ بِذاكَ مِنَّا أَوْ رَضِي
فَلَئِنْ تُعرِّضَ أَوْ تَعَرَّضَ ناقِلٌ … فَالوَيْلُ لِلمُتَعَرَّضِ المُتَعرِّضِ
ثَبَتَتْ لَدَيَّ كَما لَدَيْكَ مَودَّةٌ … تُدْلي إليكَ بِحُجَّةٍ لَمْ تُدْحَضِ
وبها اكتفَيْتَ فَقَد دُعِيتَ المُكتفي … وَبِها استضأْتَ وَقَدْ دُعِيتَ المُسْتَضِي
قسمًا شهاب الدِّينِ بِالبِشْرِ الذي … من غيرِ وَجهِكَ ما أَراهُ بِمُومِضِ
وَبِراحَةٍ بِسَوَى النَّدَى لم تنبسط يومًا … وعَن غَيْرِ الخَنا لَمْ تُقْبَضِ
إنّي على وُد يَزِيدكُ صِحَةً … من [دونه] أَلَمُ العِتابِ المُمْرضِ
وَلَقَدْ بَعَثْتَ خَمِيلَةً أَغْنَيْتَني … مِنْ زَهْرِها بِمُذَهَّب ومُفَضَّضِ
وأَرَيتَني آثارَ كَفِّكَ في النَّدَى … يَا فَخرُ رَوّيها الطروسَ وَرَوضِ
ومن الغلام فقد أطاعك بين … أمران المجد وبين حنك المحمض
وكان السراج الوراق قد عَمِلَ في الملك المظفر صاحبِ حَماةَ فَأَنشدَها له بحضور العَزازِي في مَناظِرِ الشَّرَفِ الأعلَى المُطلّ على بِرَكةِ الفيل، وَهِيَ قصيدةٌ سَيَّارَةٌ منها: [من البسيط]
إليك بالإِذْنِ صارَ الناسُ والجُودُ … فَلا عَدِمْنا فَقِيدًا فِيكَ مَوجُودُ
وَلِلرَّبِيعِ لِسانٌ ظَلَّ يُنشِدُنا … النَّبتُ أَعْيَدُ والسُّلطان محمود
وأقبلَ الغَيثُ منهُ حَاجِبًا مَلِكًا … كَمْ شاعَ يَومًا له بالنَّصر مشهود
والنِّيلُ كَمْ حَسَدَ القاضي على مَلِكٍ … تَصوَّرَ الجُودُ فيهِ بَلْ هُوَ الجُودُ
стр. 6716
مَلْكٌ يَصدُّ بِنُعماهُ القلوب على … ما هَذَّبته به آباؤه الصيد
فَيَا لجدود العوالي والجدودِ معًا … لِواؤُهُ حَيثُ حَلَّ النَّجْمُ مَعْقُودُ
لَهُ شَرِيعةُ عَدْلٍ عِنْدَها شَرَعٌ … أُسْدُ الفَلا والمها والشاء والسيد
يَا نَاظِمَ الطَّعْنِ في لَبَّاتِ حُسَّدِهِ … كَصَنعةٍ ما خَلا مِنْ نَظْمِهِ جِيدُ
لقد أتيتُ بها جُهْدَ المُقِلِّ وللـ … ساري بها ومقيمِ الدَّارِ تَغْرِيدُ
فلما انصرف كتب إلى العزازي يَشكُرُ صُنعه إليه، وجميل ثنائه عليهِ وَهِيَ: [من الطويل]
وَقَدْ كُنْتُ دَهْرًا لِلمُروءةِ نَاشِدا … أُسَائِلُ عَنها من أغارَ وأَنْجَدا
وَأَسْمَعُ عَنهَا مَا يَشوقُ ولا أَرَى … إلى أَنْ رَأَتْ عَيْني العزازي أحمدا
فَراشَ جَناحِي نَحْوَ مَلْكِ مُتوَّجٍ … تَخِرُّ لَهُ الأفلاك ما لاحَ سُجَّدا
وأَنشدته في حَضْرَةِ المَلْكِ قَاعِدًا … وَوَدَّ ابنُ أَوْسٍ ثَمَّ لو قَامَ مُنشدا
ولا بيت إلا والشهاب [مُعزّز] … يَقولُ أَعِدْ فَالعَودُ مَا زالَ أَحمدا
وأَردَفَ ليَ النُّعْمَى بِنُعْمى مشافهًا … [بها] الأفضَلَ المَلْكَ الجَوادَ مُمَجِّدا
فأنشدت كالحال التي قد تقدّمتْ … وَعَادَ شِهابُ الدِّين يُثني كما بدا
يَقولُ كَذا فلينظم الشِّعْرَ نَاظِمٌ … وَيَأْتي به الأملاك مَثْنَى وَمَوحدا
فَحَدَّثْتُ نَفسي بالغنى غير كاذِبِ … لأَنَّ بَني أَيُّوبَ هُمْ مَنْبَعُ النَّدى
وَلَمْ تَرَ عَيني شاعرًا وَدَّ شاعرًا … لِذا وَلِذا ما شاد هذا الفَتَى سُدَى
فعاش شهابُ الدِّينِ يُفدَى بحُبِّهِمْ … وَبَينَهُمُ والعَبْدُ مِنْ جَمْلَةِ الفِدا
فأَجَابَهُ العَزازِي (١): [من الطويل]
لَقَدْ بَاكَرتني روضةٌ أَدَبِيَّةٌ … تَغَنَّى بِها طَيْرُ الثَّناءِ وَغَرَّدا
فَبِتُّ وقد هَمَّ الخَلِيلُ بوصلها … وأرشقني منها الأراك [المُبَرَّدا]
أُقبِّلُ مِنها مَبْسِمًا طابَ مُوْرِدًا … كَما قَبَّلَ المُشتاقُ خَدًّا مُوَرَّدا
أَيَأْتي بها شيخُ الفَضائِل فَاضِلًا … [سَدِيدَ] القوافي زاخرًا ومُقَصِّدا
أَرَى عُمرًا أَولَى الكَرامَةَ أَحمدًا … وَمَنْ غَيرُهُ أولى بإكرام أحمدا
سراجٌ هَدَى اللهُ الشَّهابَ بِنورِهِ … وَلَولاهُ في نَهجِ البَلاغَةِ مَا اهْتَدَى
تكاد العذارى يتخذْنَ قَلائِدًا … مُنظّمةً من شِعْرِهِ لَو تجيدا
أَتَرجُو بناتي لحاقًا يشاؤه … وأَبناؤُهُ قد أحرزَتْ قَصَبَ المَدَى
стр. 6717
وَهَلْ يَرْتَجِي غَيرَ المظفّرِ نَازِحٌ … وَقد أشبه المنصور بأسًا وسُؤددا
فأدنى سراج الدين مُستمِعًا لهُ … فَأَنسى حبيبًا حِينَ أَنشا وأَنشدا
وَسَاقَطَ ذاكَ الدُرَّ من لَهَواتِهِ … نَظيمًا ولولا نَظمُهُ لَتَبدّدا
وَرَنَّحَ أَعطاف الندامى ولم يُدر … منه ثَناء مُجددا
وقمنا وَوَجْهِي للسفارة أبيض … بمن سادَ في نَظْمِ القَرِيضِ وَسَوَّدا
وأعرِفُهُ أسخى الملوكِ شَمائِلًا … وأَسْمَحُهُمْ نَفْسًا وأَبْسَطُهُمْ يَدا
ولكِنْ هِيَ الأوراقُ يُحْرَمُها الفتَى … قَرِيبًا ويَجني زَهْرَها المَرْءُ مُبعَدا
فَلا تيأس المُدَّاحُ مِنْ صَدَقَاتِه … فَإِنْ فاتَ يَومًا جُودُهُ لم يَفُتْ غدا
ومن شعره قولُهُ (١): [من الخفيف]
وَحَدِيثٍ كَأَنَّهُ قِطَعُ الرَّوْ … ضِ سَقَتْها دموعُ وِبْلٍ وَطَلٌ
وَعِتابٍ أَرَقَّ من بسمة الفجـ … ـر تَمشَّتْ مَا بين ماء وظل
وقولُهُ (٢): [من السريع]
مُذْفَرَّ مِنّي الصَّبْرُ في حُكْمِهِ … حَكَى عَليهِ مَدْمَعِي مَا جَرَى
أَبَاحَ قَتْلي في الهَوى عَامِدًا … وَصَاحَ كَمْ مِنْ عَاشِقٍ في الوَرَى
رميتُهُ في أَسْرِ حُبّي ومن … أجفان عينيهِ أَخَذْنَ الكَرَى
وقولُهُ (٣): [من مجزوء المتقارب]
أقَامَ لِعُشَّاقِه … علَى حُكم ميثاقه
وهذا دليلٌ علَى … مَكارم أخلاقه
هلال بدا طالعًا … بأفلاك أطواقه
هلالُ السَّماءِ … يَخِرُّ لإشراقه
حمى آسَ أَصْداغهِ … بِنَرْجس أحداقه
وقال فَخِلْنا القَضِيبَ … يَمِيل بأوراقه
وقولُهُ: [من السريع]
هَلْ حَكَمٌ يُنصفني فَهْوَ لي … مُصَارِعٌ يَصْرَعُ أُسْدَ الشَّرَى
وقولُهُ (٤): [من السريع]
إن أقبلوا من بين تِلكَ السُّتُورُ … وأَقْلَبُوا فَوقَ القُدودِ الشُّعُور
стр. 6718
فَقُلْ شُموسٌ أَشْرَقَتْ في الدُّجَى … وَقُلْ غُصُونُ أَثْمَرَتْ بِالبُدُور
نواعس الأجفان بيضُ الطَّلَى … نَواعِمُ الأبدان هيف الخصور
كأَنَّما أَدمُعُ عُشّاقِهِمْ … قَدْ نظموها دررًا في النُّحُور
يَا كُحُلًا حَلَّ بِألحاظِهِمْ … جُرْتَ كَما جَارَ علي الفُتُور
وأَنتَ يا نَرْجِسَ أَحداقِهِمْ … شاركتُ في قتلي أُقاحَ الثَّغور
وقوله (١): [من السريع]
يَا خَصْرَهُ الدَّارِسَ أَشكُوكَ ما … حُمِّلته من ردفه العامر
يا أَيُّها الفاحم مِنْ شَعْرِهِ … للهِ كَمْ أَفَحَمْتَ من شَاعِرِ
وقوله (٢): [من الخفيف]
ماعلينا إذا التثمنا خُدودًا … قَدْ كَسَا الحسن فوقها أفوافا
واقتطفنا واوًا وراءً ودالًا … وشَمَمْنا مِيمًا وسينًا وكافا
وقوله (٣): [من الكامل]
ما عُذْرُ مِثلِكَ والرِّكابُ تُساقُ … ألا تفيض بدمعه الآماق
فأَذِلْ مَصوناتِ الدموع فإنَّما … هِيَ سُنَّةٌ قد سَنَّها العُشاق
وَلَرُبَّ دَمع خانَ بَعدَ وَفائِهِ … مُذْ حان من ذاك الفريق فراق
وَوَراءَ ذَيَّاكَ الكَثِيبٍ مُنَيْزِلٌ … لَعِبَتْ بِقَلبِكَ نَحْوَهُ الأَشواق
خُذْ أَيْمَنَ الوادي فكمْ من عَاشِقٍ … فَتَكَتْ به من سربه الأحداق
واحفظ فؤادَكَ إِنْ هَفَا بَرْقُ الحِمَى … أَوْ هَبَّ منهُ نَسِيمُهُ الخَفَّاقُ
وقوله (٤): [من الخفيف]
أَيُّها المُستبيح قتلي خَفِ اللَّهَ … وانْهَ عَينك للدم المُستَحِلَه
وأبن لي بأي ذَنْبٍ تَقلَّدْ … تَ دَمي عَامِدًا وَأَيَّةِ زَلَّه
يَا نَحِيف القوام من غيرِ ضَعْفٍ … وَسَقِيمَ الجُفُونِ من غَيرِ عِلَّه
بأبي منكَ وَجَنةٌ لِدَم العُـ … ـشَاقِ فيها شَواهِدٌ وَأَدِلَّه
كَتَبَ الحُسنُ فَوقَها سُورةَ النَّمـ … ـل وكانت للعاشقينَ مُضِلَّه
مشكلاتٌ حُروفُها وَهْيَ لا تُكْـ … ـتَبُ إلا بِنُقطةٍ وَبِشَكْلَه
стр. 6719
بَدْرُ تِمٍّ يَلوحُ في فَلَكِ الحُـ … ـسْنِ فَيَكسو البُدورَ نَقصَ الأَهِلَّه
وإذا ما خَطا فَبَانَةُ حِقْفٍ … وإذا ما عَطَا فَجُوذَرُ رَمْلَه
لو بدا للحِسانِ تَحتَ الأكاليـ … ـل تهتكن من سُتُورِ الأَكِلَّه
قُلتُ لما بدا لعيني يا مو … لَايَ [إنّ لي] حَاجَةً وَهْيَ سَهْلَه
قال صفها فقلت قد شَرَحَتْها … لَكَ في الخَدِّ أَدْمُعِي المُسْتَهلَه
قال لي قبلةٌ أَظنُّك تعني … قلتُ لِمْ تَعْدُها أَجَلْ هِيَ قُبِلَه
فَتَصدق بها لتطفى أوامًا … قد أَذابَ الحَشَا وتبرد غُلَّه
فإلى بَرْدِ فِيكَ واحَرَّ قَلْبا … هُ ومَن لي مِنْ بَرْدِ فِيكَ بِنَهْلَه
أَتُرَى يَسمحُ الزَّمانُ بِلُقيا … كَ وَهَلْ يَعْلَطُ الرَّقِيبُ بِغَفْلَه
كَمْ أُمنِّي بِوَصلِكَ القلب في السِّـ … ـر وفي الجَهْرِ والأماني ضَلَّه
وأُلاقي الأشجانَ مُكثرةٌ فِي … ك بنفس من العزاء مُقِلَّه
أَنَا أَشكُو لِعِزَّةٍ منكَ ما أَلـ … بَسَني الحبُّ من خُضوع وَذِلَّه
لي دَمْعٌ أَجَادَ في الخَدِّ ما خَـ … ـطَّ وَلِمْ لا يُجِيدُ وَهُوَ ابْنُ مُقْلَه
وَفُؤَادٌ مُقَلْقَلٌ وَضُلوعٌ … وَاهِياتٌ ومُهْجَةٌ مُضْمَحِلَّه
يَا نَبِيَّ الجَمال في أُمَّة العُشَّاقِ لا … تَجْعَلِ المَلالَةَ مِلَّهِ
وَتَرَفَّقِ بِأُمَّةٍ جَعَلَتْ حُبـ … ـبَكَ دِينًا (لنا) وَوَجهَكَ قِبلَه
أَطرقَ الغُصْن مُذْ خَطَرْت حَياءً … واعتَرَى البَدْرَ مُذْ تَبدَّيْتَ خَجِلَ
قَسمًَا لا سَلَوْتُ عَنْكَ ولو ذُبْ … تُ سَقَامًا أَوْ صِرْتُ فِي الحُبِّ مُثْلَه
كَيفَ أسلوك والمَلاحَةُ تَجلو … كَ لِعَيْني في حُلَّةٍ بَعْدَ حُلَّه
وقوله (١): [من السريع]
أثنت على عطفيهِ لمَّا انثَنَى … مَعَاطِفُ البانِ وسُمْرُ القَنَا
غُصْنُ نَقًا يَنبُتُ في خَدِّهِ … أَزاهِرٌ لِلحُسْنِ لا تُجْتَنَى
يُعطِيكَ من أَحداقِهِ نَرْجِسًا … غَضًّا ومِن أَصْدَاغِهِ سَوْسَن
فَهْوَ هِلال طالِعٌ إِنْ بَدا … وَهُوَ غَزالٌ رَاتِعٌ إِنْ رَنَا
لله ما أفتك ألحاظهُ … في مُهِجِ الخَلْقِ وَمَا أَفتَنَا
يَا رِدْفَهُ رِفْقًا على خَصْرِهِ … فَقَد تَشكَّى بلسان الضنى
وقوله (٢): [من المتقارب]
стр. 6720
إِذا ما رَنا ناظِرًا أَوْ جَلا … جَبينًَا وهَزَّ قَوامًا رَطيبا
فَلا تَلتَفِتْ لالتفاتِ الغزالِ … وذُمَّ الهلالَ وسُبَّ القَضِيبا
وقوله (١): [من البسيط]
لَوْ كنتَ تَقبلني عَبْدًا بِلا ثَمَنِ … رَأَيْتُها مِنَّةٌ مِنْ أعظم المِنَنِ
يَا مُعرِضًا عن عتابي في مَحبّته … كمثل إعراض أجفاني عَنِ الوَسَنِ
صف لي المنام فإنّي لستُ أعرفه … كلا ولم أَرَه يومًا ولم يرني
وَلَمْ يَمُرَّ لَهُ شَخص على بَصَرِي … لكنْ أحاديثُهُ مَرَّتْ على أُذُني
وقوله (٢): [من البسيط]
إنْ لم أَمُتْ في هَوَى الأَجفانِ والمُقَلِ … فَواحَيائي من العُشّاق واخجلي
ما أطيب المَوْتَ في عِشق الملاح كذا … لا سيما بسيوفِ الأَعْيُنِ النُّجُلِ
يا صاحبي إذا ما مُتُ بَينَكُما … دُونَ الشَّهِيينِ: وَرْدِ الخَدِّ والقُبَلِ
فاستغفرالي وقولا عاشِقٌ غَزِلٌ … قَضَى صَرِيعَ القُدُودِ الهيف والمُقَلِ
رَاشَ الفتورُ لَهُ سَهْمًا فَأَخطأَهُ … حتَّى أُتِيحَ لَهُ سَهْمُ من الكَحَل
وللعيون اللواتي هُنَّ من أَسَدٍ … إلى القُلوبِ سِهام هُنَّ من ثعَلِ
وقوله (٣): [من الخفيف]
قال لي مَنْ أُحِبُّهُ عِنْدَ لَيْمِي … وَجَناتٍ يُحَدِّثُ الوَرْدُ عَنها
خَلِّ عنّي أَما شَبِعْتَ؟ فَنادَيـ … ـتُ: رأيتَ الحَياةُ يُشبَعُ منها؟
وقوله (٤): [من المجتث]
يَا رَاشِقَ القَلْبِ مِنّي … أَصَبْتَ فاكفف سهامك
وَيَا كَثير التجني … قَطَعْتَ حَتَّى سَلامك
وَخُنْتَ ذِمَّةَ صَبٍّ … ما خَانَ قَطُّ ذِمَامَكْ
فاردُدْ عَليَّ منامي … فَلا سُلِبتَ مَنامَك
فَمن رَأَى سُوءَ حالي … بَكَى عَلي ولامك
فَلَو أَردتَ حَيَاتِي … لَمَا هَزَزْتَ قَوامك
بِمَنْ أَحَلَّكَ قَلبي … ارفَعْ قَلِيلًا لِثَامَكْ
стр. 6721
وابسم لعلي أحيا … إذا رأَيْتُ ابْتِسَامَك
يَا خَدَّهُ ما [أُحَيْلَى] … لِلعاشقين التَّامِك
بكيتُ دالًا وميمًا … لَمَّا تَأَمَلْتُ لامَك
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
غَضبانُ جَادَ بِوَعْدِهِ … وَطَوَى مَسافَةَ بُعْدِهِ
فَرَشَفْتُ خَمْرَةَ رِيقهِ … وَقَطَفْتُ وَرْدَةَ خَدِّهِ
وشَفَيْتُ حَرَّ جَوانِحِي … بِرُضابِ فِيهِ وَبَرْدِهِ
ولقد نَعِمْتُ بِوَصلهِ … وَلكَمْ شَقِيتُ بِصَدِّهِ
مُذْ هَزَّ بانَةَ عِطفهِ … وَثَنَى أَراكةَ قَدِّهِ
شَهِدَ القَضِيبُ بِفضلهِ … وَكَفَتْ شَهادَةُ ضِدِّهِ
وقوله (٢): [من الخفيف]
بَدَوِيٌّ كَمْ حَدَّثَتْ مُقلتاه … عاشقًا عن مقاتل الفرسان
ذو مُحيًَّا يَصيحُ يا لهلال … ولِحاظ تَصِيحُ يا لَسِنانِ
وقوله (٣): [من الخفيف]
ما يَقولُ الهاجون في شَيخ سَوْءٍ … راجح الجهل ناقص المقدار
شانَ تَلَعْفَرًا فأضحتْ بِهِ أَلـ … أَمَ أَرضَ نَعَمْ وأخبَت دار
ذو مُحيًَّا في غاية القبح ما يُر … خِي عَليهِ الحَياءُ فَضْلَ حِمارِ
فَلِكُمْ جَاءَ لابسًا ثَوبَ عَابِ … ولكمْ راحَ ساحبًا ثَوبَ عارِ
بَينَ مِيمَيْ مَهانِةٍ وَمَساوِ … ثُمَّ قَافِي قِيادة وقمار
وقوله ملغزًا في هنات (٤): [من الطويل]
ولله ممشوقُ القَوامِ أَطعتُهُ … وعَاصِيْتُ في حُبي لهُ كُلَّ لائم
لهُ شِفةُ العُنَّابِ في رَشفاتِها … شِفاءٌ وروي للقلوب الحوائم
كأَنَّ الغواني إذْ تَرشَّفْن رِيقَهُ … وَقبَّلَنَهُ قَلَّدنَهُ بالمباسم
تَبدَّى لنا في حُلَّةٍ عَسْجِدِيَّةٍ … عليها طراز رَقَّ من دُرّ ناظم
ووافي كَخَودٍ أَقبَلتْ في حُليّها … وشمس تَجلَّتْ بالنجوم العواتم
فأثبت فيه لحظه كلُّ ناظِرٍ … ومال إلى تقبيلهِ كَلُّ لائم
стр. 6722
مَسَرَّةُ قلبي أن يكون مُجالسي … وقُرَّةُ عَيني أَنْ يَبيتَ مُنادمي
إذا صَحْفُوهُ كانَ شِيمةَ ماجدٍ … وتَصحِيفه الثاني سجيَّةُ آثم
وإِنْ حَذَفُوا منه أخيرَ حرُوفِهِ … فَقُلْ فِي سُرور مُقبل لك دائم
يُذكرني فقد الشَّيبةِ عَكسُهُ … قُدودَ العَذارَى أو غناء الحمائم
وقوله (١): [من المنسرح]
قامَ يُرومُ الطَّهُورَ فانحسر الـ … مزَرُ عن أَبيض لهُ يَقَقِ
فَمَدَّ سَقْرًا عليه من سَبَج الـ … شَعرِ وغَطَّى الصَّبَاحَ بِالغَسَقِ
فَخِلْتُ بَدْرًا يَلُوحُ في ظُلمةِ الـ … ليلِ وغُصْنًا يميس في الوَرَقِ
وقولُه في مليح مُصارع (٢): [من السريع]
هَلْ حَكَمٌ يُنصِفُني من هوى … مُصَارِعِ يَصْرَعُ أَسْدَ الشَّرَى
مُذفَرَّ منّي الصَّبْرُ في حُبّهِ … حَكَى عَليهِ مَدمعي ما جَرَى
أَبَاحَ قتلي في الهوى عامِدًا … وَصَاحَ كَمْ من عاشق في الورى
رميتُهُ في أَسْرِ حُبّي ومن … أجفان عينيه أخذتُ الكَرَى
وقوله: مما يكتب على حياصة (٣): [من الخفيف]
ما عَلَوْتُ الخُصُورَ حَتَّى تَبَوأُ … تُ مِنْ السُّقْمِ مَقْعَدِي ومَكاني
وصَبِرْتُ الصَّبْرَ الشَّدِيدَ على البَرْ … دِ وَذُقْتُ العَذابَ بالنيران
وكأني أعلنتُ أَوْ بُحْتُ بالسـ … ـرِ فَكَفُّوا كَما رَأَيْتَ لِساني
وقوله: في القوس والنشاب ملغزًا (٤): [من الخفيف]
ما عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ بَلَغَتْ عُمْـ … ـرًا طَوِيلًا وتَتَّقيها الرجال؟
قَدْ عَلا جسمَها صَفارٌ ولَمْ تَشْـ … ـكُ سَقامًا ولا عراها هُزَالُ
وَلَها في البَنِينَ سَهْمٌ وقِسْمٌ … وَبَنُوها كِبارُ قَدْرٍ نِبالُ
وأَراها لَمْ يُشبهوها ففي الأُ … مِ اعوجاج وفي البنين اعتدال
وقوله ملغزًا في شَبّابة (٥): [من الوافر]
وَمَا صَفْراءُ شَاحِبةٌ ولكن … يُزَيِّنُها النَّضَارَةُ والشَّباب
стр. 6723
مُكَتَبَةٌ وليس لها بَنانٌ … مُنقَّبَةٌ وليس لها نقاب
تُصِيخُ لها إذا قَبَّلْتَ فَاها … أحاديثًا تُلَذُّ وَتُستَطابُ
ويحلُو المَدْحُ والتَّشبِيبُ فيها … وما هي لا سُعادُ ولا الرَّبَابُ
[وقوله] (١): [من البسيط]
مُهَاجِرِي في الهوى من غَيْرِ ما سَبَبٍ … هَا قد جَعَلْتَ دُمُوعَ العَيْنِ أَنصارِي
لَئِنْ قَطَعْتَ عن الأجفان راتبها … من الكرى فَلَها من دَمْعِها جَارِي
[وقوله] (٢): [من مخلع البسيط]
ما هَزَّ أَعطافَهُ النَّسِيمُ … إلا انثَنَى قَدُّهُ القَوِيمُ
بَدْرٌ له من ذُؤَابتيه … ليل ومن ثَغْرِهِ نُجُومُ
إذا ثَنَى قَدَهُ فَغُصْنٌ … وإِنْ لَوَى جِيدَهُ فَرِيمُ
إن كان جسمي بهِ سَقِيمًا … فَإِنَّ سُقْمِي بِهِ جَسِيمُ (٣)
ومنهم:
[٥٨٣] أحمد بن البغدادي، شهاب الدين
وحكى شيخنا أبو الثناء الحلبي قال: جلس إلي ابنُ البَعْدادِي ثُمَّ أَخذَ وَرَقَةً كتبَ فيها: [من الخفيف]
قَدْ عَرَفْنا الذهاب لا شَكَّ فِيهِ … فَعَنِ العَوْدِ بَعْدَهُ خَبِّراني
هَلْ تَعُودُ الأرواحُ في الجِسْمِ أَمْ بِالـ … عَكْسِ أَمْ لا رُجوع أَمْ يرجعان
ثُمَّ ناولتها فقطعت قوله: (يرجعان)، وأعطيتها له، واقتصرت عليها في جوابه، فَبُهِتَ وسكَتَ، كأنما ألقمتُهُ حَجَرًا.
ومن مختار شعره: قوله: [من الطويل]
حَجَجْتُ إليه والعَذُولُ يَحْجُني … عليهِ فكان العدلُ رَبِّةَ حَادِي
فَأَحْرَقْتُ لكنْ مُقلتي سِنَةَ الكَرَى … وَطُفْتُ ولكن حَوْلَهُ بِوادي
وقال: [من البسيط]
لو كان (شرب) حرام كالنبيذ لهُ … رِيحٌ لَعَزَّ وُجُودُ الزاهد الصاحي (٤)
стр. 6724
ومنهم:
[٥٨٤] عبدُ الرَّحِيمِ بن محمد بن يوسفَ السَّمهودي الخَطِيبُ (١)
ذكره الإدفوي وقال (٢): قال لي: حَضَر إليَّ بَعضُ أَصحابي وسألني أَنْ أَمضي معَهُ إلى زوجته لأصلح بينهما، فمضيتُ معه، فشَكَتْ زوجته من سُوءِ خُلُقه، وقالت: انظُرْ ما فَعَل بي، ضربني وكَسَر مِعصَمي، ثُمَّ كَشَفَتْ عن مِعصَمِ كَأَنَّهُ البَلُّور فقلت (٣): [من البسيط]
قَالَتْ وَقد كَشَفَتْ عن سِرِّ مِعصَمِها … انظُرْ إِلى فِعل مَنْ قَدْ جَارَ وابتدعا
فَما رَأَيْتُ بهِ لِلكَسْرِ من أَثَرِ … بَلَى رَأَيْتُ عَمُودَ الصُّبْحِ مُنصَدِعَا
ومنهم:
[٥٨٥] ابن دانيال (٤)
وَرْدٌ في النَّوادِرِ، وشِبْلٌ سَرِيعُ البَوادِر، ألطف مَذهَبًا من ابن