وابسم لعلي أحيا … إذا رأَيْتُ ابْتِسَامَك
يَا خَدَّهُ ما [أُحَيْلَى] … لِلعاشقين التَّامِك
بكيتُ دالًا وميمًا … لَمَّا تَأَمَلْتُ لامَك
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
غَضبانُ جَادَ بِوَعْدِهِ … وَطَوَى مَسافَةَ بُعْدِهِ
فَرَشَفْتُ خَمْرَةَ رِيقهِ … وَقَطَفْتُ وَرْدَةَ خَدِّهِ
وشَفَيْتُ حَرَّ جَوانِحِي … بِرُضابِ فِيهِ وَبَرْدِهِ
ولقد نَعِمْتُ بِوَصلهِ … وَلكَمْ شَقِيتُ بِصَدِّهِ
مُذْ هَزَّ بانَةَ عِطفهِ … وَثَنَى أَراكةَ قَدِّهِ
شَهِدَ القَضِيبُ بِفضلهِ … وَكَفَتْ شَهادَةُ ضِدِّهِ
وقوله (٢): [من الخفيف]
بَدَوِيٌّ كَمْ حَدَّثَتْ مُقلتاه … عاشقًا عن مقاتل الفرسان
ذو مُحيًَّا يَصيحُ يا لهلال … ولِحاظ تَصِيحُ يا لَسِنانِ
وقوله (٣): [من الخفيف]
ما يَقولُ الهاجون في شَيخ سَوْءٍ … راجح الجهل ناقص المقدار
شانَ تَلَعْفَرًا فأضحتْ بِهِ أَلـ … أَمَ أَرضَ نَعَمْ وأخبَت دار
ذو مُحيًَّا في غاية القبح ما يُر … خِي عَليهِ الحَياءُ فَضْلَ حِمارِ
فَلِكُمْ جَاءَ لابسًا ثَوبَ عَابِ … ولكمْ راحَ ساحبًا ثَوبَ عارِ
بَينَ مِيمَيْ مَهانِةٍ وَمَساوِ … ثُمَّ قَافِي قِيادة وقمار
وقوله ملغزًا في هنات (٤): [من الطويل]
ولله ممشوقُ القَوامِ أَطعتُهُ … وعَاصِيْتُ في حُبي لهُ كُلَّ لائم
لهُ شِفةُ العُنَّابِ في رَشفاتِها … شِفاءٌ وروي للقلوب الحوائم
كأَنَّ الغواني إذْ تَرشَّفْن رِيقَهُ … وَقبَّلَنَهُ قَلَّدنَهُ بالمباسم
تَبدَّى لنا في حُلَّةٍ عَسْجِدِيَّةٍ … عليها طراز رَقَّ من دُرّ ناظم
ووافي كَخَودٍ أَقبَلتْ في حُليّها … وشمس تَجلَّتْ بالنجوم العواتم
فأثبت فيه لحظه كلُّ ناظِرٍ … ومال إلى تقبيلهِ كَلُّ لائم
стр. 6722
مَسَرَّةُ قلبي أن يكون مُجالسي … وقُرَّةُ عَيني أَنْ يَبيتَ مُنادمي
إذا صَحْفُوهُ كانَ شِيمةَ ماجدٍ … وتَصحِيفه الثاني سجيَّةُ آثم
وإِنْ حَذَفُوا منه أخيرَ حرُوفِهِ … فَقُلْ فِي سُرور مُقبل لك دائم
يُذكرني فقد الشَّيبةِ عَكسُهُ … قُدودَ العَذارَى أو غناء الحمائم
وقوله (١): [من المنسرح]
قامَ يُرومُ الطَّهُورَ فانحسر الـ … مزَرُ عن أَبيض لهُ يَقَقِ
فَمَدَّ سَقْرًا عليه من سَبَج الـ … شَعرِ وغَطَّى الصَّبَاحَ بِالغَسَقِ
فَخِلْتُ بَدْرًا يَلُوحُ في ظُلمةِ الـ … ليلِ وغُصْنًا يميس في الوَرَقِ
وقولُه في مليح مُصارع (٢): [من السريع]
هَلْ حَكَمٌ يُنصِفُني من هوى … مُصَارِعِ يَصْرَعُ أَسْدَ الشَّرَى
مُذفَرَّ منّي الصَّبْرُ في حُبّهِ … حَكَى عَليهِ مَدمعي ما جَرَى
أَبَاحَ قتلي في الهوى عامِدًا … وَصَاحَ كَمْ من عاشق في الورى
رميتُهُ في أَسْرِ حُبّي ومن … أجفان عينيه أخذتُ الكَرَى
وقوله: مما يكتب على حياصة (٣): [من الخفيف]
ما عَلَوْتُ الخُصُورَ حَتَّى تَبَوأُ … تُ مِنْ السُّقْمِ مَقْعَدِي ومَكاني
وصَبِرْتُ الصَّبْرَ الشَّدِيدَ على البَرْ … دِ وَذُقْتُ العَذابَ بالنيران
وكأني أعلنتُ أَوْ بُحْتُ بالسـ … ـرِ فَكَفُّوا كَما رَأَيْتَ لِساني
وقوله: في القوس والنشاب ملغزًا (٤): [من الخفيف]
ما عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ بَلَغَتْ عُمْـ … ـرًا طَوِيلًا وتَتَّقيها الرجال؟
قَدْ عَلا جسمَها صَفارٌ ولَمْ تَشْـ … ـكُ سَقامًا ولا عراها هُزَالُ
وَلَها في البَنِينَ سَهْمٌ وقِسْمٌ … وَبَنُوها كِبارُ قَدْرٍ نِبالُ
وأَراها لَمْ يُشبهوها ففي الأُ … مِ اعوجاج وفي البنين اعتدال
وقوله ملغزًا في شَبّابة (٥): [من الوافر]
وَمَا صَفْراءُ شَاحِبةٌ ولكن … يُزَيِّنُها النَّضَارَةُ والشَّباب
стр. 6723
مُكَتَبَةٌ وليس لها بَنانٌ … مُنقَّبَةٌ وليس لها نقاب
تُصِيخُ لها إذا قَبَّلْتَ فَاها … أحاديثًا تُلَذُّ وَتُستَطابُ
ويحلُو المَدْحُ والتَّشبِيبُ فيها … وما هي لا سُعادُ ولا الرَّبَابُ
[وقوله] (١): [من البسيط]
مُهَاجِرِي في الهوى من غَيْرِ ما سَبَبٍ … هَا قد جَعَلْتَ دُمُوعَ العَيْنِ أَنصارِي
لَئِنْ قَطَعْتَ عن الأجفان راتبها … من الكرى فَلَها من دَمْعِها جَارِي
[وقوله] (٢): [من مخلع البسيط]
ما هَزَّ أَعطافَهُ النَّسِيمُ … إلا انثَنَى قَدُّهُ القَوِيمُ
بَدْرٌ له من ذُؤَابتيه … ليل ومن ثَغْرِهِ نُجُومُ
إذا ثَنَى قَدَهُ فَغُصْنٌ … وإِنْ لَوَى جِيدَهُ فَرِيمُ
إن كان جسمي بهِ سَقِيمًا … فَإِنَّ سُقْمِي بِهِ جَسِيمُ (٣)
ومنهم:
[٥٨٣] أحمد بن البغدادي، شهاب الدين
وحكى شيخنا أبو الثناء الحلبي قال: جلس إلي ابنُ البَعْدادِي ثُمَّ أَخذَ وَرَقَةً كتبَ فيها: [من الخفيف]
قَدْ عَرَفْنا الذهاب لا شَكَّ فِيهِ … فَعَنِ العَوْدِ بَعْدَهُ خَبِّراني
هَلْ تَعُودُ الأرواحُ في الجِسْمِ أَمْ بِالـ … عَكْسِ أَمْ لا رُجوع أَمْ يرجعان
ثُمَّ ناولتها فقطعت قوله: (يرجعان)، وأعطيتها له، واقتصرت عليها في جوابه، فَبُهِتَ وسكَتَ، كأنما ألقمتُهُ حَجَرًا.
ومن مختار شعره: قوله: [من الطويل]
حَجَجْتُ إليه والعَذُولُ يَحْجُني … عليهِ فكان العدلُ رَبِّةَ حَادِي
فَأَحْرَقْتُ لكنْ مُقلتي سِنَةَ الكَرَى … وَطُفْتُ ولكن حَوْلَهُ بِوادي
وقال: [من البسيط]
لو كان (شرب) حرام كالنبيذ لهُ … رِيحٌ لَعَزَّ وُجُودُ الزاهد الصاحي (٤)
стр. 6724
ومنهم:
[٥٨٤] عبدُ الرَّحِيمِ بن محمد بن يوسفَ السَّمهودي الخَطِيبُ (١)
ذكره الإدفوي وقال (٢): قال لي: حَضَر إليَّ بَعضُ أَصحابي وسألني أَنْ أَمضي معَهُ إلى زوجته لأصلح بينهما، فمضيتُ معه، فشَكَتْ زوجته من سُوءِ خُلُقه، وقالت: انظُرْ ما فَعَل بي، ضربني وكَسَر مِعصَمي، ثُمَّ كَشَفَتْ عن مِعصَمِ كَأَنَّهُ البَلُّور فقلت (٣): [من البسيط]
قَالَتْ وَقد كَشَفَتْ عن سِرِّ مِعصَمِها … انظُرْ إِلى فِعل مَنْ قَدْ جَارَ وابتدعا
فَما رَأَيْتُ بهِ لِلكَسْرِ من أَثَرِ … بَلَى رَأَيْتُ عَمُودَ الصُّبْحِ مُنصَدِعَا
ومنهم:
[٥٨٥] ابن دانيال (٤)
وَرْدٌ في النَّوادِرِ، وشِبْلٌ سَرِيعُ البَوادِر، ألطف مَذهَبًا من ابن
وأقرب ممّا يُعدُّ الهبارية (١) في قَلْب الأشهار. ولم يُرَ مثله الوهراني (٢) في منامه، ولا
стр. 6727
نَادَمَ بمثله الحوراني على مُدامِه، بِسُرْعَةِ جواب لا يُعدُّ قَرِيعَه القاضي ابنُ قُرَيْعَة (١)، ولا فتح على مِثْلِهِ (عَيْنًا)، أبو العَيْناء (٢) أَخَلقَ مَعَهُ ثَوْبَ أبي خليل مما يُرفَّع، وَسَئِمَ من سؤال الأدَبِ مِمَّا يُشنّع. رَوَى خَبَرَ طَرِي، وَنَسِيَ خَبَرَ أَبي الشَّمَقْمِقِ (٣) مَعَ البحتري (٤).
стр. 6728
وكان ممن يُورده الملك الصالح بن المنصور (١) بوده، وجَرَى على هذا الطَّلَق سلار (٢) من بعده، وله معهما حكاياتٌ مُضْحِكَةٌ، ليس هذا مَوْضِع مجونها، ولا مجمع شُجونها، وكان على هذا ممن له صناعَةٌ في الكُحْلِ يدٌ على كلِّ عَيْن، ومِيلٌ لو مِنَّا لَأَرَى بِهِ من فَرْسَخَيْن. كُلُّ هذا لِطُلاوةِ مَحَاضَرَة وأَجُوبةٍ حاضَرَة، وَطِبُّ لِلَبْسِ الأَجسامِ ملابس صحتها، وأَدَبٌ سَلَبَ الرِّياض أَرِيجَ نَفْحَتِها.
وحكى لي النقيب عليُّ بنُ حَمْزَةَ أَنه كان قد أُمِرَ بِقَطْع رَوَاتِبِ الناسِ من اللَّحْمِ، فَقُطِعَ لابن دانيال، ممن قُطِعَ، فَدَخَل على المَلِكِ الصَّالِحِ وَهُوَ يَتَعارَجُ، فقال: ما بِكَ يا
стр. 6729
ابن دانيال؟ فقال: قُطِعَ لَحْمٌ، وكان هناكَ شَابٌ قَدْ جَاءَ يَشكُو على النَّاسِ أَنَّهُمْ أَمْسكُوهُ وفعلوا به القَبِيحَ، فَقالَ ذاكَ الشَّابُ بِاللهِ جئتَ تَشكُو من قطع لَحْمِ؟ فقالَ لَهُ إي والله كَما جِئْتَ تَشكُو من تقطيع تينٍ، فَضَحِكَ الملكُ الصَّالِحُ وكلُّ مَنْ حَضَرَه.
وحَكَى لي أن (حنا) أَخا سَلارٍ كانَ قد حَصَل لَهُ رَمَدٌ شَدِيدٌ فَطَلَبَ سَلَارٌ بنَ دانيال وأَمَرَهُ بِملازمتهِ ومُعالجتهِ، فَلازَمَهُ حتَّى أَفاقَ، وَرَكِبَ ومشى، ولم يُعط ابن دانيال شيئًا، فأتى ابن دانيال إلى مجلس سلارٍ ودَخَلَ على سبيل الاتفاق، فنظر سلارٌ إلى ابن دانيال وقال له: أينَ الخِلْعَةُ؟ قال: أَيُّ خِلْعَةٍ، فقال: أي شيءٍ أعطاك الأميرُ وأَشار إلى أخِيهِ (حنا)، فقال ابن دانيال: [من الوافر]
إذا كان الأمير حنا [ضَنينًا] … فكيف تكون أخوال الحكيم
فَضحِك سلارٌ ومَن حَضَرهُ، ولامَ أَخاهُ، َوقالَ لهُ: مِثلُ هذا ما يُعامَلُ هَذِهِ المعاملة، وأمر له بألفِ دِرْهَمٍ، أَعطيت لابن دانيال.
وحُكِيَ أَنَّ ابن دانيالَ دَخَلَ مَجلِسَ الوزير ابن الخليلي فَجَلَسَ إلى جانب ابنِ المُحبي البغدادي، ثُمّ أخرج من كُمِّهِ مِنديلًا فيهِ قَرْعَةٌ فقدمها لابن البغدادي، فأخذها وشَمَّها، ثُمَّ التفت إلى ابن دانيال وقال: عَثَّرَكَ اللهُ مما جيتها حتى صَلَحْتَ بها عُمَيْرة، فَضَحِكَ مَنْ حَضَرَ، واستحيا ابن دانيال.
وحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ عَلَمُ الدِّينِ سَنجر الخياط ولاية القاهرة حضر النَّاسُ لِيهنئوه وابن دانيال فيهم، فأُحضِرَتْ خِلْعَتُهُ فَلَبِسها وقامَ يَتَعمِّمُ، وأكثرَ من وَضْعِ أَصابعه على لَفَّاتِ العمامة لإصلاحها وتعديلها فبقي كأَنَّه يُفتِّش على شيء فقال ابن دانيال ..
وَحُكِيَ أَنَّ نَصرانيًا قُطِعَ زُنَّارُهُ في مجلس فيه ابن سعيد، فاقترح العمل في ذلك فقال (١): [من المديد]
قَطعُوا زُنَّارَهُ فَغَدًا … بَعْدَ جمعِ الشَّمْلِ مُفْتَرِقَا (٢)
أَتُراهُ حِينَ بات على خَصْرِهِ … مِنْ رُتْبَةٍ قَلِقَا
سَرَقَ الخَصْرَ الخَفِيَّ فقد … بَاتَ مَقطوعًا بِما سَرَقَا
فلمَّا فُرِّغَتْ هذه الأبياتُ سُمِعَ ابْنُ دانيال، قال (٣): [من الرمل]
حَسَدُوا زُنَّارَهُ في ضَمِّهِ … دَونَهُمْ ما عا [ده] عَنه سنين
стр. 6730
فغدا يَشدُو لَدَى إسلامه … ارحموا مَنْ كانَ أحظى العاشقين
وقد يُذكَرُ الشَّيْءُ بمثله أو بضدِّهِ، وبهذا ذكرْتُ قولُ حَسَنِ بنِ الأَنصاري المصري: [من الخفيف]
شَدَّ زُنارَهُ فَللّهِ ماذا … حَلَّ فيهِ من كُلِّ مَعْنَى لَطِيفِ
مادَ بَينَ الكَثِيبِ والغُصْنِ حتَّى … غَرَسَ الفِسْقَ فِي ضَمِيرِ العَقِيفِ
وحُكيَ أَنَّهُ عَلِقَ بِهوى أنحلَّهُ، وأَمطرَهُ بِسَواكِبِ دَمعه حتى أمحلَهُ، [فأَ] نشد عن حاله، فقال (١): [من المتقارب]
مُحِبُّ غَدًا جِسمُهُ نَاحِلًا … يَكادُ لِفَرْطِ الضَّنى أَنْ يَذوبا
وَرَقَّ فَلَوْ حَرَّكَتْهُ الصَّبا … لصَارَ نَسيمًا وَعَادَتْ قَضيبا
وحُكيَ أَنَّهُ حَضَرَ مَرَّةً عِنْدَ بعض الولاة، وقد أُحضِرَ لِصٌ سَرَقَ فَلَمَّا قُدِّمَ إِلَى الوالي أَخرَجَ يَدَيهِ فإذا هُما مَقطوعتانِ، وجَعلَ يَقولُ: مَنْ لا لَهُ يَدٌ كَيْفَ يَسْرِقُ؟!، فقالَ ابن دانال (٢): [من مجزوء الرجز]
وأقطع قُلتُ لهُ … هَلْ أَنْتَ لِـ أَوحَدُ
فَقالَ هَذِي صَنْعَةٌ … لَمْ يَبقَ لي فيها يَدُ
وحُكِيَ أَنَّ السراج الورّاقَ شَكا رَمَدًا، ثُمَّ شُفِيَ، ثُمَّ عاوَدَهُ حتى كاد يَذْهَبُ نُورُ السراج وينطفئُ، فَعَاوَدَهُ الشَّرِيفُ القُدْسِيُّ، وقَد شَكَا مِثْلَهُ رَمْدَةً كَادَتْ تَذهَبُ بعينيه فأعطاهُ ابنُ دانيال كُحْلًا جَلا سَيْفَ بَصَرِهِ، وقَوَّى صِحَّةَ نَظَرَهِ، فَوَصفَهُ لِلسِّراجِ، ليستَهدي منه نورا، ويحدثُ به لإنسان عينه سرورا، فَبَعَثَ إلى ابن دانيال في طلبه، فَجَهْزَ إِلَيْهِ بِهِ، فلمَّا جَلا أكثر رَمَدِهِ، ودَنَا بِجفنهِ أَنْ يَنتضي مهندَهُ: كتب إليه: [من مجزوء الكامل]
يا واحِدًا في الجُودِ لا … يَثنيه قول ثاني
قَدْ جُدْتَ لي بِاللُّؤْلُؤ … ي فَثَنّه بالأصفهاني
ثُمَّ كتب إليه بَعدَهُ:
مولاي حسبي من الوسائل طلبي الأصفهاني من الفاضل، فَبَعَث إليه ابن دانيال به وكتب معه ليقرأ عليه (٣): [من الخفيف]
قُلْ لِعَينِ الأماثل الأعيانِ … وَسَوادِ الإنسان لإنان
стр. 6731
يَا سِراجًا أَسْنَى من الشَّمسِ والشَّمْـ … ـسُ سِراجًا قَدْ جَاءَ في القرآن
خُذْهُ كُحْلًا مِثلَ السُّيُوفِ فَرِيدًا … وَصِقالًا يروقُ في الأجفان
حَجَرٌ كَسْرَةٌ أَحَدُّ من الإكـ … ـسيرِ فِعلًا في العين أو في العيانِ
أَلفُ عَينٍ تُقِيمُها حَبَّةٌ مِنْـ … ـهُ قِياسًا يصح بالبرهان
إنْ يُعَظِّمْ مِثالُهُ في حِجاز … كانَ هذا مُعَظَّمًا في أصفهان
فكتب إليهِ السِّراجُ حِينَ تَمَّ لَهُ العافية والابتهاج: [من الخفيف]
أيُّها الفاضِلُ الذي قَصَّرَ الفا … ضِلُ عن صَنعتيه والأصفهاني
والذي تُنشِيءُ الرِّياض على مُهـ … ـرَقهِ هَاطِلاتُ تلك البنان
وَصَلَتْني مِنهنَّ باسِمَةُ الأَزْ … هارِ تَفتر عن شبيب المعاني
تُنْحِفُ الرَّوضَةَ التي أنا فيها … بِأَفَانِين الرَّوْحِ والريحانِ
وَيُضَاهِي مَوارِدَ النِّيلِ منها … كُلُّ صَافٍ من مَاءِ ذاكَ البَنانِ
وَلَدَى قُرْبِها بخفة [ذي] العَيْـ … ـنِ فَلِلَّهِ أَنْتَ مِنْ إنسان
بَانَ لي في فرندِها أَلَقُ الشَّمْـ … ـس الذي قد علا على كَيوَانِ
شَمْسُ فَضْلٍ قد وَافَقَ الشَّرف الأعـ … ــلَى قَرِينًا أَسْعِدْ بِذاكَ القِرانِ
فَأَضَاءَتْ مذاهبي بعد ما ألـ … ـزمني الدَّهْرُ مَوْقِفَ الحَيْرانِ
وَلَقد جِئْتَ قُرَّةً لِعُيونٍ … سَلِمتْ أَنْ تُعَدَّ في العُمْيَانِ
وحُكِيَ: أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ المَلِكِ الصَّالح وحوله من الغلمان الأتراك شَبِيبةٌ، اختلفت قدودُهُمْ، وائتلفت خدودُهُمْ، ونُسْبَتْ إليهمْ ظِباء رامة، ونُسبت إلى لِحاظِهِمْ كُلُّ ظُلامة، وكانَ فيهِمْ مَنْ قَدُّهُ كأَنَّه الرُّمح في التقريب، ومن قِصَرٍ وَهُوَ كَأَنَّهُ الغُصْنُ الرطيب، ومنهما شبابٌ مُعتَدِلُ القَامَةِ، زَادَ عَليهما حُسْنًا وأبى أن يكون رمحًا أو غُصنًا، فقال له الملكُ الصَّالِحُ: أَيُّ الثلاثةِ أَعلقُ بِقَلبكَ، وأليك بحبك:
فقال (١): [من الطويل]
أَيَا سائلي عَنْ قَدْ مَحبوبيَ الذِي … فُتِنتُ بهِ وَجْدًا وَتِهْتُ غَراما
رَأَى قِصَرَ الأَعْصَانِ ثُمَّ رَأَى القَنا … طوالًا فَأَضحَى بَينَ ذاك قواما
وَحُكيَ أَنَّهُ كَانَ بينه وبين الوطواط ما يكون بين الأدباء، ولا يخلو منه دأب بين الأحِبَّاءِ، فَعَرَضَتْ لِلوطواط رَمْدَةٌ تَكدَّرَ بها صَفِيحُهُ، وتَثَنَّى له فيها صريحة، فقيل له: لو
стр. 6732
طلبت ابن دانيال، فقال: لا يَسمَحُ بِذرَّةٍ، يعني من كُحلهِ، فَبلغ ابن دانيال، فقال (١): [من الطويل]
ولَمْ أَقطع الوطواط بُخْلًا بِكُحله … ولا أنا من يُعْيِيهِ يَومًا تَرَدُّدُ
ولكنَّهُ يَنبُو عَنِ الشَّمسِ طَرْفُهُ … وكيفَ به لي قُدْرَةٌ وَهُوَ أَرْمَدُ
ومن شعره (٢): [من الكامل]
وَلَرُبَّ قائلةٍ أَمَا من رِحْلَةٍ … تَمشي وَقَدْ أَعسَرْتَ مِنها مُوْسِرا
سر كالهلالِ كَمالُهُ في سَيْرِهِ … والماءُ والمَارُ أَعْذَبُ مَا يَكُونُ إِذا جَرَى
فَأَجِبْتُها سَيْري ومُكثي واحِدٌ … النَّحْسُ نَحْسُ مُنجِدًا ومُغَوِّرا
إنَّ المدائن وَهْيَ أَوسَعُ بُقعةٌ … ضَاقَتْ عليَّ فكيفَ أَرْحَلُ لِلقُرَى
فلأصبِرَنَّ على الزَّمانِ وإِنَّني … لأَخُو الشَّقَاءِ صَبَرْتُ أَمْ لَمْ أَصبرا
وقوله (٣): [من الطويل]
أُحَمِّلُ شَيبي صبغَةً بَعدَ صِبغَةٍ … وَصِيغَةُ رَبِّ العَرْشِ أَحسنُ صِبغَةِ
وَحَاوَلْتُ أَنْ يَحْفَى مَشيبي فَما اختفى … وَيَكفِيكَ أَنِّي كَاذِبٌ خَوْفَ لِحيَتي
وقوله (٤): [من الخفيف]
يَا نَدِيمَيَّ باكرا الخمارا … واشرباها صَهْبَاءَ صِرْفًا عُقارا
أَلبستها الرُّهْبانُ ثَوبًا من القَا … رِ لأَنَّ السَّوَادَ يَكسو القفارا
وقوله (٥): [من الوافر]
بلِيتُ بِضيّق الأنفاسِ قَاسٍ … فَدَمعي وَهُوَ جَارٍ فيهِ جَارِي
وكَمْ في الأَرْضِ مِنْ حَسَنٍ ولكن … عَليكَ لِشوتي وَقَعَ اختياري
وقوله (٦): [من الوافر]
خَفِيتُ عَنِ العُيُونِ فَلَنْ تَراني … وَعِشقُكَ في الحقيقة قد براني
عيانًا ما أُشَاهِد أَمْ مَنامًا … لَقد أفسَدْتَ من وَلَه عياني
وقوله (٧): [من الكامل]
стр. 6733
حيثُ اتجهت فلي إليكَ تَطلُعُ … وَلِشَمْسِ وَجهِكَ فِي ضَمِيرِي مَطْلَعُ
[يا] مَوضِعَ الوَجْناءِ عِنْدِي لم يكُنْ … أَبدًا لِغَيْرِكَ فِي فُؤَادِي مَوْضِعُ
إن كُنْتَ يممتَ الحِجاز فمقلتي … وادي العقيقِ وَدَمْعُ عَيْنِي يَنبُعُ
قَدْ كُنْتُ أَحسِبُ قبل تشييعي لكُمْ … أَنِّي لِقَلبي في الحُمُولِ أُشَيِّعُ
تبدو البلاقِعُ مِنْكُمُ مَأْهُولَةً … وَدِيَارُكُمْ لَمَّا رَحَلتُمْ بَلْقَعُ
وقوله (١): [من الكامل]
لَوْ لَمْ يَكُنْ قَلبي بحُبِّكَ مُبتلى … ما باتَ طَرْفِي بِالسُّهادِ مُوَكَّلا
يَا مَنْ أَطَعْتُ لهُ الغَرامَ تَولُّها … وعَصَيْتُ مِنْ وَجَدِي عليهِ العُزَّلا
انظُرْ تَرَى رَبعَ المَسرِّةِ ما خلا … يَا هَاجِرِي والعَيشُ بَعدَكَ ما حَلا
أَنْتَ الذي أكدت أسباب الهوى … وتركتني بَعدَ المَودَّةِ مُهْمَلا
وَجَعَلْتَ ما بين التواصلِ فترةً … وَبَعثْتَ دَمعي للعواذِلِ مُرْسَلا
ويلاه من وجدي عليك وآه من … شوقي إليكَ فقُلتُ لِمْ لا تَفْعَلا
ما ضَرَّ لو أحييتني بِتَحيَّةٍ … أَوْ أَنْ تُمنيني الوِصال تَعَلُّلا
أمعذبي بدلالِه وَمَلاله … آمنتُ مِثلي بالجفا أَنْ يُبتلى
يا سائلي عن حُبّهِ في حَيْهِ … ونحولِ جِسمي والضَّنَى يكفي البلا
وقوله (٢): [من مجزوء الرجز]
لا وَدُخان المشتعَلِ … وَضَوئِهِ المُشْتعلِ
يُرْهَى بِنارِ رُفِعَتْ … مِثلَ اللواء المُسْتَلِ
مشاعل كأنَّها … ليَنَوفَرٌ ذُو خَضَلَ
وَكَمْ هَدَتنا تَائِها … في جُنح ليل أَلْيَلِ
هذَا وَكَمْ حَسٌ نَزَحْـ … ـنا أَرضَهُ بِالمِعْوَل
فَفِعْلُنا في جوفهِ … فِعْلُ دَواءِ المُسْهِلِ
صنعتُنا مَحمودَةٌ … وَهُوَ كَبطنٍ مُمتَلِي
وَكَمْ نَقَمنالحدو … دِ اللهِ من ذي الحيل
تَدبُّ مِثْلَ النَّمْل في الـ … بَيت على تمهل
من كُل لِص طارق … مِثلِ البلاء النازل
стр. 6734
أدخل في الضّيق بها … من نَفَسٍ مُتَّصِلِ
حى إذا ما زَلَّ ذَيـ … ـلُ سِترِهِ المُنْسَدِل
تُمسِكُهُ فَيعْتَدِي … كالفَرَسِ المُشكَّل
وقوله: [من مجزوء الخفيف]
أَينَ مَنْ كانَ أَيْرُهُ … قائمًا يَملأُ الفَضَا
لا يَرَى رَدَّ سَائلٍ … رَحِمَ اللهُ مَنْ مَى
وقوله (١): [من الخفيف]
قُلْ لِغُصْنِ الأَراكِ وَيْحَكَ تَحكي … قَدَّ مَحبوبتي وَلَمْ تَخشَ مِنِّي
أنا لولا غَفَلْتُ عنها فَمَاسَتْ … ما تَعلَّمْتَ أنتَ مِنها التثني
وقوله (٢): [من الخفيف]
كُلُّ صَعْب على رِضاكُمُ يَهُونُ … وَجُنُوني بمن هَوِيتُ فُنونُ
يَعْجَبُ الصَّبْرُ من تَصبُّرٍ قَلبي … واحتمالي فَما رَأَتُهُ العُيُونُ
جَلَدي مُغْرَمٌ بِتَمزِيقِ جِلْدِي … وجُفُوني لها السُّيُوفُ جُفُونُ
وقوله (٣): [من الطويل]
أيا سائلي عن قد محبوبي الذي … بهِ هِمْتُ وَجْدًا في الهوى وغراما
أَبِي قِصَرَ الأَغصان ثمَّ رأى القَنا … طوالًا فأضحى بينَ ذاك قواما
وقوله (٤): [من الطويل]
عَجِبتُ وشَأْنُ الحبِّ غَيْرُ عَجِيبِ … إذا مات بالأشواقِ كُلُّ غَرِيبِ
تَبَاعَدَتِ الأجسامُ مِنَّا وإِنَّما … لنا جَامِعٌ مِنْ تُرْبَةٍ وقُلُوبِ
لنا كُلَّ يوم مَنزِل نَرْعَةُ النَّوَى … وقُرْبُ خَلِيطٍ وَهُوَ غَيْرُ قَرِيبٍ
كَأَنِّي مِنْ كُلِّ البَلادِ فَمَدمعي … على كُلِّ بَادٍ أَوْ فِراقِ حَبيب
على أنني لولا اغترابي لم أَطِبْ … وما عاقِل في بلدة بغريب
وقوله (٥): [من الخفيف]
стр. 6735
كُلُّ حَيَّ إلى المماتِ يَصِيرُ … ما لَهُ سَاعَةَ النزاع نَظِيرُ
والسعيد الذي يرى طرقَ الرُّشـ … ـدِ بعين اليقينِ وَهُوَ بَصِيرُ
ومن نثره:
وما هذا من أهل الملام، وما لجرح بميت إيلام؛ لأنه شيخ كبير، وأحول بنصف ضَرِير، قد بَلَغَ من التَّغفّل والنسيان، إلى غاية صار بها حمارًا في صورة إنسان.
وقوله يصف امرأةً قبيحةً:
من الدواهي بِأَنفٍ كَأَنفِ الحَمَل، وشَفاتير مثلُ شَفاتيرِ الجَمَل، بأجفان مُكحلة بالعمش، وخدودٍ مُضمَّخَةٍ بِالنَّمش، وأسنانٍ مِثلِ أَسنانِ المفتاح، ونَكْهَةٍ تفوح من المستراح.
وقوله:
وقد بَحَث بلسانه في الطبيعة بَحْثًا شَافيًا حتّى عَلِمَ أَنَّ الياقوت من الجَزْع، وأَنَّ القُرْطُمَ من الطَّلع، وأَنَّ الخَلَّ من النَّارَنج، وأَنَّ القطائف من الإسفنج، وأَنَّ السَّمْعَ من الشَّحْم، وأَنَّ الرِّفْتَ من الفَحْم، وأَنَّ الحَرِيرَ من الأرجوان، وأَنَّ السمسم من الباذنجان، فَهُوَ أَوَّلُ ناقل عن باقل، وأحسنَ مَنْ مَحَا نوادر جحا، أجهل من تُولس، وأَشأَمُ من طولس، فلَهُ من الحِمارِ أُذُنُهُ، ومِن التيس ذهنه، ومن الثَّورِ قَرْنُه، فَما يَفْرِقُ بينَ الخَشَبِ والقَصَب، ولا يُميّز بينَ الفَضَّة والذهب، ولا يعرفُ النَّارَ إلا بإحراقها، ولا السلحة إلا بمذاقها. ولو خَتَموا جانبَ الكَنِيفِ بهِ ما قَربْتَهُ بَناتُ وَرْدَانِ. طَالَما تَشمَّسَ بالقَمَر، وتَعشَّى في السَّحَر، وفتح رجليه لسقوط الكواكب، وعَلِمَ زيادة النيل في ظُهورِ المراكب، يَمْضَغ من اللُّقمةِ قِطعة من لِسانِه، ويُؤذِّنُ ثمَّ يَمْشِي لِيَسْمَعَ أَينَ بَلَغَ طَرْفُ أذانه، يَنامُ وَهُوَ قائِم، ويَمْشِي وَهُوَ نائِم.
وقال ملغزًا في السرموزة (١): [من الطويل]
وجَارِيَةٍ هَيفاءَ ممشوقةِ القَدِّ … لها وَجْنَةٌ أَبهى احمرارًا من الوَرْدِ
من اليمنيات التي حُرُّ وَجهِها … يَفوقَ صِقَالًا صَفحَةَ الصّارِمِ الهندي
وَثِيقةُ حَبلِ الوَصْلِ مُنذُ وَطِئتُها … فَلستُ أَراهُ قَطُّ مُنتَقِضَ العَهْدِ
ومن عَجَبٍ أني إذا ما وَطِئتُها … تَئِنُّ أَنِينًا دُونَهُ أَنَّةُ الوَجْدِ
(٢) ومنهم:
стр. 6736
[٥٨٦] الشريف ابنُ الضّياءِ القَنَاوِيُّ (١): وَهُوَ تَقيُّ الدِّينِ، أبو عَبدِ اللهِ، محمد بن جعفر بن محمَّد بن عَبدِ الرَّحِيمِ الحُسَينِيُّ، وَهُوَ مِنْ وَلَد جعفر الصادِقِ ﵁
حدثني عنه الأديب ابن نباته، وأراني إنباته. وشِعْرُهُ ناطِقٌ بِمَبْلَغ فَضلِه، وَمُسْتَوْدَعٍ وِرْدِهِ العَذْبِ وظله، يَنْطِقُ بِلسانٍ فَصيح، وَبَيانٍ صَحِيح، وإحسان لا غَروَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ جَوَادُهُ على أعراقِه، ويُباهِيَ فِي مِصْرِهِ الرَّضِيَّ فِي عِراقِه.
ومن شِعَرِهِ مِمَّا أَنشدني في شَيْخ مُطَيْلَسٍ، قوله (٢): [من مجزوء الرجز]
يَا مَنْ رَأَى الشَّيْخ الذي … كالعَيْنِ إِذْ نَعرِفُهُ
وَظهرُها حَدِيثُهُ … وَرَأسُها رَفْرَفُهُ
وَلَهُ في الشقيق: [من المتقارب]
أَتَتْكَ الشَّقِيقَةُ فِي نكته … ولَوْنٍ يُدِلُّ بِحُسْنِ غَريب
كَخَال بأسفلِ خَدِّ المليح … وكالشَّمْسِ عِنْدَ ابتداءِ الغُروبِ (٣)
ومنهم:
[٥٨٧] شَافِعُ بن عليّ بنِ عَبّاس الكاتب (٤) ناصر الدين، أبو علي.
قَرِيبٌ مِنِّي عِنْدَ الظَّاهِر، ونَسِيبُ ذلكَ العُنصُرِ الطَّاهِر، كان من أعيان كُتَّابِ
стр. 6737
الإنشاء، والمُستَقِي من قَلِيبٍ لا يحتاج إلى طول الرِّئَاء، ثُمَّ أُصِيبَ بِسَهْمٍ وَقَعَ فِي عَيْنِهِ فَأَذهَبَ نُورَها، وأطبق عليها من الأجفان بثورها.
والنَّظْمُ أكثَرُ بضاعته، وأكبرُ صِناعته. وكَتَبَ إليَّ وأنا بمصر، ولم يُقَدَّرُ لي به اجتماع، إنَّما أَروِي عَنهُ ما كان.
ومنه شعره قوله: [من الطويل]
عَهِدْتُ لإنعامِ المُلوكِ تَنوُّعًا … إذا لجميل القَصْدِ من بِرِّها تَجرِي
فَما نالهم في ذا الزَّمانِ تسافُل … إلى أَنْ غَدَوا بُخلًا كسيحون في الجر
وقوله (١): [في الوطواط الكتبي] [من الخفيف]
كَمْ على دِرْهَم يَلوحُ حَرامًا … يَا لَئيم الطباع سرًا تُواطي
دائمًا في الظَّلام تمشي مَعَ النا … س وهذي عوائد الوطواط
وقوله فيه (٢): [من السريع]
قالوا ترى الوطواط في شِدَّةٍ … مِنْ تَعَبِ الكَد وفي وَيل
فقلت هذا دأبه دائمًا … يسعى مِنَ اللَّيل إلى الليل
وقوله: [من مخلع البسيط]
стр. 6738
عابُوا على الظَّاهِرِ احتِفالًا … بَزَّتْكَ سَبْعٌ بِهِ يُراعُ
فقلتُ كُفُّوا ولا تَعِيبوا … مِنْ بَعدِهِ غَابَتِ السِّباعُ
قلتُ: في مثل هذا في امرأة اسمها غزالة، صار لها شأن وشفاعة مقبولة: [من الوافر]
رأَيْتُ غَزالة مهما أَرادَتْ … مِنْ الأشياء كانَ بِلا مُحَاله
لَقَدْ غابَتْ سِباعُ الغاب عَنَّا … فَلا عَجَبٌ إِذا لَعِبَتْ غَزاله
عدنا إلى شعره.
ومنه قوله: [من الكامل]
وافى رياؤُكَ مُبْدِعًا أقوالا … ومُخففًا بعزائه أثقالا
ونَعيتَهُ فَنعيته بمحاسن … أوضحت فيها من عُلاه خصالا
وقوله: [من الكامل]
إِنَّ البَطارِكَةَ الذينَ تَصَرَّمَتْ … نِيرانُ مُوطِئهم على الأحداق
خرقوا شَرِيعةَ هُدْنَةٍ عُمَرِيَّةٍ … فَجُزُوا على الإخراق بالإحراق
وقوله: [من مجزوء الرجز]
من بَعدِ أَهْلِ العَلَعَ … هَجَرْتُ طِيبَ المضجع
وَجُدْتُ فيهِ بالذي … أَملِكُهُ من أَدْمُعِي
قوم لهم في خَاطِرِي … أَغلَى وأَعلَى مَوْضِعِ
أَنَّى اتجهت لم يَزَلْ … حَدِيثُهُمْ مَعِي مَعِي
وقوله: [من الطويل]
أُهَيْلَ النَّقَا كَدَّرَتُمُ العَيشَ فاعطفوا … ولا تَجْعَلُوا سِلْمَ الوِدادِ بِكُمْ حَرْبا
إلى كَمْ أُقاسِي لَوْعَةً في هَواكُمُ … ولا ذَنْبَ إِلا أَنْ شُغِفْتُ بكُمْ حُبّا
أَلا تَرحَمُوا أَنْ تَحرِمُوا الصَّبَّ زَورَةً … وأَنتُمْ كَما شَاءَ الولاء ذُوو القربي
تُرَى تَجمعُ الأَيَّامُ بَيني وَبَيْنَكُمْ … وأَشْفِي فُؤادِي إِنْ ظَفَرْتُ بِكُمْ عَتْبا
وقوله: [من البسيط]
قَالُوا نَرَى ابْنَ فُلانِ الدِّينِ ذا غَلَط … كَأَنَّهُ مِنْ جِبالِ الصُّمُ مَنحُوتُ
قُلتُ أَمَا قَدْ غَدا لِلقُوتِ يَحْزُنُهُ … وَخَازِنُ القُوتِ فِيما قِيلَ مَمقُوتُ
وقوله: [من الطويل]
أشاد بجسمي آخذًا منهُ سُوسَهُ … رَفِيقٌ بِها من جِدَّةِ العُمْرِ يُؤْيِسُ
стр. 6739
فقلتُ أَمَا أَصبحتُ كالغُصْنِ ذاويًا … وَذاوِي غُصُونِ الدَّوْحِ حَقًَّا يُسوِسُ
وقوله: [من السريع]
سَأَلْتُ مَنْ أَعجبني جِرْمُهُ … في بَثّه الأقوال والأفعالا
فقلتُ ما وَضعُكَ يا ذا الفتى … فَلَمْ يُجبني بسوى لا لا
وقوله: [من الكامل]
وَيْلاءُهُ من حزني عليهِ وإِنَّهُ … حُزْنٌ طَوِيل ماله من آخر
قَدْ كانَ تَمَّ بَرَاعَةً وبَلاغَةٌ … والبَدْرُ يَنقُصُ في التَّمامِ البَاهِرِ
مَوْلايَ عَزّ أَبَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ … أولى بها من غائب [أو حاضر]
واندبه عِنْدَ ضَرِيحه مُتفضلًا … واذْكُرْ لَهُ فِعْلَ الزَّمانِ الغَادِرِ
قد ماتَ مِلءَ الصَّدْرِ … وانقطعت إلى أوطان ..
وقوله: [من الطويل]
تَشَوَّقْتُ لِلأهرام من عُظْم وصفها … وإعجاب ما أبداه في وصفها الشَّعْرُ
فَصِرْتُ إليها كي أُحقِّقَ خُبْرَها … فَلمَّا التَقَينا صَغَرَ الخَبَر الخُبْرُ
وقوله: [من المجتث]
لِدَمْعِ عَيني تَراكُمْ … إِذْ فاتَها أَنْ تَرَاكُمْ
عُودُوا وَعُودُوا عَليلًا … أضناهُ طُولُ جَفاكُمْ
لا تحسبوا أَنَّ قلبي … وَاللهِ يَهْوَى سِواكُمْ
رقوا عليَّ ومُنوا … ولو بِلَثم ثَرَاكُمْ
ومن نثرهِ وَهُوَ أَقَلُّ صناعتيهِ، وأَكْسَدُ بَضاعتيه قوله:
وَهوَ فتح قلعة، المتينة الأسباب، المتوارية من أسوارها ما مَنَعَ حِجاب، الشَّامِعُ على السُّحُبِ أَنْفُ تَساميها، الفائِتُ النجوم بما أوتيته من تباهيها، إلا الله سُبحانَه أَذلَّها إلى أن قبلت بينَ يَدي رِكابِنا الشَّرِيفِ الثّرى. وأراكَ مَعالمه بثباتِنا وَوَثباتِنا، إلى أن أصبحتْ خَاوِيةً على عروشها، فَلا أُذُنٌ تَسْمَعُ، ولا عَيْنٌ تَرَى، فَأَحَدقنا بها إحْدَاقَ الخَاتَم بالخنصر، والدملج بالسَّاعِد، وَحَسْبُنا ما لمواقاة الغَرَضِ في خَصْرِها من شَاهِد، فلم يَزَلْ يُراوِحها بالعزائم ويُغادِيها، ويُسْمِعُها الصَّرْخَةَ فالصَّرْخَةَ بِالسِنةِ المجانيق تناديها،، إلى أَنْ أَزَلْنا بتكاتف الستائر أستارها، وتَسَوَّرْنا أَسْوارَها، وهتكنا حريمها، واسْتَرَقَفْنا جَريمها فَلَيَأْخُذْ حَظَّهُ من البُشْرَى، وَليُقدِّر لها حَقَّها بالسجود للهِ حَمْدًا وشُكرًا.
وقولُهُ:
فَبَادَرْنا القومَ وأَحَطنا بهم إحاطة الدَّائِرَةِ بِقُطبها، والأجفان بهدبها، وأَخَذَتْ
стр. 6740
السُّيوفُ حَظَّها مِنهُمْ لا مِنَّا، ونَهَبتِ الأرماح لحومَهُمْ، والسبب .. فيهم سِنَّا، ولم تَدَعْ مِنْهُمْ مَنْ لاذ بالفرار حتى أدركناه، ولا مُعتلًا غَرَّتْهُ العافية بِزَعْمِهِ حتى برغمه أهلكناه.
وقوله مُعارِضًا لتاج الدِّينِ ابن الأثير (١) في منشور صاحب كانَ مُعتقلًا وأُطلق وهو:
وما أَحَقُّ وَصفِ مَناقِبِه بالأطناب، وأَجلُّها من صُحُفِ تحويله بمحل الإعجاب، وأبهر أنوارِهِ الشَّمسيّة لولا اكتساؤُهُ بِرَقيقِ غَيمِ التَّعوِيقِ والحِجابِ، كَمْ قَضَتْ آدابُهُ لأولياء الدولة بالواجب، وكَمْ رأيت وُجوهَها بإسفار ..
وَأَمَّا الذي قاله ابن الأَثير فمنه قوله:
وكانَ فُلانٌ مِمَّنْ قَضَى من حَقوقِ الوَفاءِ لِلسَّلَفِ واجبا، وحَلَّ من الدَّولَةِ مَحَلَّ العَينِ، وَإِنْ سُمِّيَ حَاجِبا.
عُدْنا إلى قول أبي شافع.
ومنه في ذِكْرِ وَفاءِ النِّيلِ:
والذي يُنهِيهِ لِعلمهِ أَنَّ الله سبحَانَهُ مَنَّ بِنعمته في مجرى النِّيلِ وَكَمْ بِهِ مَنْ، وَجَادَ بوابله وطله كما في الظَّنِّ وما ضَنَّ، وزاد إلى أن ملًا أوطابَه بِما يُحَسَنُ تأثيرُهُ من زاد، وبدأ بالرَّحْمَةِ وأعاد، ووَفى بميعادهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢)، فَلَو رَآهُ سَيِّدُنا وقد طفا ونهج، وجاء بالرَّجاءِ ورَجَح، وبَلَغَتْ أَيادِيهِ النَّافِعَةُ البَاقَعَةُ فَوقَ إمكانِها، وأَمِنَتِ الأُمَّةُ في أوان الاحتياج وما أحسنُ الأشياء في أوانها .. الصَّامِتُ النَّاطِقُ، الفائقُ الرَّائِقُ، العامِلُ المعمول، النَّاقِلُ المنقول، الكافِلُ المكفول، البَاذِلُ المبذول، قد اتَّسَقَتْ عُقودُ تَأثيراتهِ مَعَ تَناقُصِ هذه الأحوال، وأمنَ على صِدْقِ عَزائمهِ مَعَ تَغايُر هذهِ الأقوال. إنْ عَجَّلَ لا يكبُو، وإِن صُوفِحَتِ الصَّفائح لا يَنبو. يجرِي جَوادُ تَجويدِهِ ما وَجَدَ
стр. 6741
من الطَّرْسِ أَرضًَا، ويَجولُ في ميدانِها بِمُبْدِعِ التَّنميقِ طُولًا وعَرْضًا.
وقوله:
قَدْ جَعَلَ اللهُ العُلماءَ وَرَثَةَ الأنبياء كما ورد. وأوضحوا المذاهب المذهبة، والحقوق التي هي للأماطيل مذهبة، كالإمام الشافعي ﵁؛ فَإِنَّهُ قام الشَّرِيعَةَ المحمديَّةَ أَتمَّ قيام، وشَهَرَ لها بذكرِه، وذَكرَهُ وذوو التناسي من الناس نيام، وأوى بني القلم الشَّرِيف من تأليفه إلى أحنَى أُمِّ وأشفقها، وأرفدها وأرفقها، وأَدَرِّها للعلم ضَرْعًا، وأَخصبها مَرْعَى، وأتمها عقلًا وشَرْعا. وكانتْ مِصر قد شَرُفَتْ مِنهُ بِأَشْرفِ نَزِيل، وأَجَلٌ خَلِيل، وأَقامَ إلى أَنْ حان أن يتقي ويصيد، ويُبدي ويُعيد، ويقمع المَرِيد، ويَمدُّ المُرِيد، ويجلس بجامع عمر بن العاص، الذي هُوَ كَما نُعِتَ «تاج الجوامع» ويَحِلُّ بأشرف المرابع وَهُوَ راويهِ الكريمُ مُنسَحِبٌ عليها، وهلم جرا. ونسبتها إليه مستَمِرَّةٌ، وبهِ أَعلَى اللهُ بِها قَدْرا، فلهذا لا يَحِلُّ بِصَدْرِها إلا من العَقْدِ على أهليه الاجتماع، ومن إذا بحثت في مسألة من مسائلهِ هَنَّ الأعطاف وشَنَّفَ الأسماع، ومن دَرِبَ ودُرِّبَ وأعرب وأعرب. وكانَ فُلانٌ قَدْ أَخَذَ من مَذهَب هذا الإمام بنصِيبٍ وأَيِّ نصيب، وأنصف من آرائه، وكانتْ كُلُّها صَائِبةً بالرأي المُصِيبِ، وأفنى عُمُرَهُ على طول شُقَتِهِ في العِلْمِ، وتحصيل فُنونه، وحِيازَةِ أَبكارِهِ وعُونِهِ، فَقُوبِلِتْ جَلَالَةُ قَدْرِهِ بِمَا يَجِبُ لها من هذه المنزلة، حتَّى حَلَّ أكثر منها وأَجلَّها، وَوَلي وكانوا أَحَقَّ بها وأهلها.
وقوله:
صَدَرَتْ مَعْلَمَةٌ بِصِحَّةِ المِزاجِ الفُلاني من الألباب الذي حُمَّتْ له الأرواح، وحُقَّ لها أَنْ تُحَمَّ، وَضُمَّتْ الجَوارِحُ على مثلِ جَمْرِ الغضا، ويَعذُرُها أَنْ تُضَمَّ. هذا على خِفَّةِ زورتها، وضآلة زورتها، ولكنها ثَقُلَتْ على القلوب، وإِنْ خَفَّتْ وعَفَتْ مَعالِم الأجسام، وإنْ عَفَّتْ، وأوكَفت الدموع وإن كَفَتْ، إلا أَنَّها والحَمْدُ لِلهِ ما أَلمَّتْ حتى أقلعت، ولا سَلَّمتْ حتى وَدَّعَتْ وَجَاءَتِ الصِحَّة، ووافَتِ المحنة، وأَذهَبَ الباس رَبُّ النَّاسِ وَسُرَّ حتى سَرِيرُ المَلِك، وقد افتَرَشَ صَهْوَةَ صِحَّته، وابتهل سَرِيرُ التَّمرض، إذا كان الانفصال على خَيْرِ من فَرْشٍ فَرَشَتْهُ.
فالحياةُ سَاجِدَة، والأَلسِنةُ في شُكْرِ النِّعمةِ جَاهِدَة، والأَعْيُنُ قَرِيرَة، والقُلُوبُ مسرورة. والصُّدُورُ مِنشَرِحة والخواطر مُنفَسِحَة، وعُقُودُ التهاني منسقة، وأَعِنَّةُ الجِيادِ بِيَمِينِ اليُمنِ مُطلَقة، وأَركانُ المَعَاهِدِ مُخلَّقة ولا أقولُ: وغيرُ مُخلَّقة (١).
стр. 6742
ومنهم:
[٥٨٨] ابن الجبَّاسِ الدُّمياطِيُّ: وَهُوَ أَحمدُ بن منصور بن أسطوراس (١)
خَطِيبُ الوِرَادَةِ من مَنَازِلِ الرَّملِ، وكانَ يَتَرَدَّدُ إليَّ، وَيتَجَدَّدُ عَرْضُ ما عِنْدَهُ عليَّ، وكانَ قَليل المادة، جَمِيل الجادَّة، يَظفَرُ بِمُحبَّاتِ المَعَاني، ويُكسيها في أَجَلِّ المعاني، وكان كافًا للسانه، مُظهرًا لإحسانه، مُقبلًا على شانه، فَما أَهمَّهُ لا يعلَقُ [به] مَذَمَّة.
وقصيدته التي وَصَفَ فيها المُوزَ لا تُطاوَلُ ذُيُولُها، ولا تُعَارَضُ سُيُولُها، أَبَدَعَ فيها كُلَّ الإبداع، وأبعد منها الابتداع، ومن المختار منها قوله (٢): [من المنسرح]
كأَنَّما المَوْزُ في عَراجِنهِ … وَقَدْ بَدا يَانِعًا على شَجَرِه
فُروعُ شَعْرِ بِرَأْسِ غَانيةٍ … عُقِصْنَ من بَعدِ ضَمٌ مُنتَشَرِه
كَأَنَّ من ضَمَّهُ وَعَقَّصَهُ … أَرسَلَ شُرَّابَةً على أثره
وفي اعتدال الخريف أحسنُ ما … يُرْقِلُ مِثلَ الرَّداحِ في أَزْرِه
كَأَنَّ أَشجارَهُ وقد نُشِرَتْ … ظَلالُ أوراقه على ثَمَرِه
حَامِلَةٌ طِفلها على يدها … تُظلُّلُهُ بالخمارِ من شَعَرِه
كَأَنَّما ساقُهُ الصَّقِيلُ وقد … بَدَتْ عليهِ نُقوش مُعتَبرِه
سَاقُ عَروس أُمِيطَ مِنزِرُها … فبانَ وَشيء الخضاب في حبره
تُصاعُ مِنْ جَدْوَلٍ خَلاخِلُها … فَينجلي والنثارُ من زَهَرِه
حَدَائِقٌ خَفَّقَتْ سَناجِقُها … كَأَنَّهُ الجيش أم في زُمَرِه
زَهَا فَراقَ العُيونَ مَنظُرُهُ … فَما تَمَلُّ العُيونُ من نَظَرِه
وكُل آياته فباهِرَةٌ … تَبِينُ في وِرْدِهِ وفي صَدَرِه
كأَنَّما عُمْرُهُ القَصِيرُ حَكَى … زَمانَ وَصْلِ الحَبيبِ في قِصَرِه
كأَنَّ عُرْجُونَهُ المَشيبُ أَتى … يُخبِرُ أَنْ خانه انقضَى عُمْرِه
كأَنَّهُ البدر في الكمال وقد … أُصِيبَ بِالخَسْفِ فِي سَنَى قَمرِه
стр. 6743
كَأَنَّهُ بَعدَ قَطعِهِ وقد أَصـ … فَرَّ لِمَا نَالَ مِنْ أَذَى حِجرِه
مُتيَّمٌ قد أَذَابَهُ كَمَدٌ … يَبِيتُ مِنْ وَجْدِهِ عَلى خَطَرِه
مُعَلَّقٌ بِالرَّجاءِ ظَاهِرُهُ … يُخبِرُ عَمَّا أَجَنَّ مِنْ خَبرِه
يَطِيب ريحًا ويُستلَذُّ جنّى … على أَذًى زاد فوقَ مُصطَبِرِه
كَأَنَّهُ الحُرُّ حال محنتِهِ … يَزِيدُ صَبْرًا على أَذَى ضَرَرِه
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
إنْ قَلَّ سَمعِي إِنَّ لي … فَهْمًا يُوَفِّرُ مِنهُ قِسْمُ
يدني إليَّ مَقَاصِدِي … وَيَروقُكَ الرُّمْحُ الأَصَمُّ
وَلَرُبَّ ذِي سَمْعِ بَعِي … دُ الفَهْمِ عَيُّ النُّطقِ فَدْمُ
زادوا على عَيْبِ النَّصا … مُمِ أَنَّهُمْ صُمٌّ وبُكُمُ
وقوله في رمانة (٢): [من الكامل]
كَتَمتْ هوًى قد لَجَّ في أشجانِها … وَحَشَتْ حَشَاها من لَظَى نيرانها
فَتشقَّقتْ من حُبِّها عن حَبِّها … وَجْدًا وقَد أَبدَى خَفَا كتمانها
رمانة ترمي لها أيدي النَّوَى … من بَعْدِ ما رَمَّتْ على أغصانها
فَاعجَبْ وقد بَكَتِ الدُّمُوعَ عَقائقًا … لا مِنْ مَحاجرها ولا أجفانها
ومنهم:
[٥٨٩] محمد بن محمد المعروف بابن الجبلي (٣) الفَرْجُوطي (٤)
أنشد له الإدفوي قوله (٥):
стр. 6744
انظُرْ إلى النَّبْقِ في الأغصانِ مُنتَظِمًا … والشَّمْسُ قد شَرَعَتْ تَجلُوهُ في القضبِ
تَراهُ فيما تَراهُ من تَصوُّرِهِ … يَحكي جَلاجل قد صِيغَتْ من الذَّهَبِ (١)
ومنهم ممن هُوَ من أدباء هذا الزَّمان، ونَادِرَةِ هذا العَصْرِ والأوان.
ومنهم:
[٥٩٠] الشيخ عِزُّ الدِّينِ ابْنُ الموصلي (٢)
نَاظِرُ أَلفاظ تُغني عن الحُلُلِ والحُليّ، يَهِيمُ لِلأسحار بعذوبة أَشعارِهِ البَدِيعَة، ويخطف الأبصارَ بِبَوارِقِ بديَهتِهِ السَّرِيعَة. يَتِيمُ دُرَرٍ مُبتكرة، ونافِثُ سِحْر ببَيانِ يُبْطِلُ بِهِ كَيْدَ السَّحَرَة. يعاهد للصنعةِ اللَّطِيفَة، ويأتي في معانيها بِكُلِّ لَمعَةٍ ظريفة، بِقَرِيحَةٍ أَينعَتْ بِالفَرِيض، ورَوِّيَّةٍ رَوَتْ ورَوَّت، فهذا الرَّاكِبُ لغير البحر الطويل العَرِيض، يَسلُكُ البَدِيعَ والقوافي مُطلَقَة، فيُمطِرُ صَيْبَ أَدَبِ أَغدق من السَّحائِب الغَدِقَه على أَنَّه لم يَشغَلْ دَابَهُ من هذه الفنون، وطلقها من ذهنه ( … .) على سبيل المجون، بَلْ إِنَّما هُوَ من أَهلِ العلماءِ شَرِيف، واللُّغةِ بالتصريف، وله في التفسير أَيادٍ، وما يَحتاجُ إليهِ فِيهِ يَشْهدُ له إتقانه للحاضر والبادي، وله «الرّحلَةُ في الحَدِيث المنوَّر»، والمحبَّةُ في البيت المُعمر. يشكر … التي حلت بالفضائل، ولهذا ما شَهِدَتْ لَهُ بِأَنْ ليسَ لهُ مُماثل، كشف له من العلوم اللدنية، والمناهج السَّنيَّة، وَهُوَ لعمري أكثر من الوصف، ونهج ألفاظه تَعذُبُ المُدامَ، ويكدّ الوَصف] (٣).
/ ٢٥٧/ (٤)
стр. 6745
ومنهم:
[٥٩١] محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن أبي حسن بن صالح بن يحيى بن طاهر بن محمد بن عبد الرحيم بن نباتة (١)، جمال الدين (٢)
وقوله (٣): [من الطويل]
стр. 6746
صَحَا القلب لولا نَسمَةٌ تَتَخطَّرُ … ولَمعَةُ بَرْقٍ بِالفَضا تَتَسعَرُ
وذكر جبين المالكيَّةِ إِنْ بَدا … هلالُ الدُّجَى والشَّيءُ بالشَّيء يُذكَرُ
سَقَى اللهُ أَكناف الغَضَا سُبُلَ الحَيَا … وإنْ كنتُ أُسقَى أدمعًا تتحدَّرُ
وعيشًا نَضَا عنهُ الزَّمانُ بَياضَهُ … وخلَّفَهُ في الرَّأْسِ يَزْهَى ويُزهِرُ
تَغيَّرَ ذاكَ اللَّدْنُ مَعْ مَنْ أُحِبُّهُ … (ومَن ذا الذي يا يَعَزُّ لا يَتَغيَّرُ)
وكان الصبا ليلًا وكنتُ كحالم … فيا أسفي والشَّيْبُ كالصُّبحِ يُسْفِرُ
يُعَلِّلُني تحتَ العمامة كَتْمُهُ … فيعتاد قلبي حَسْرَةٌ حين أَحسُرُ
وينكرني ليلي وما خِلْتُ أَنَّهُ … إِذا وَضَعَ المرء العِمامَةَ يُنْكِرُ
ألا في سبيل الله صَوْمٌ عنِ الصّبا … وقلب على عَهْدِ الحِسانِ يُفطَّرُ
تَذكَّرْتُ أَيامَ الوِصالِ فَأَشْهَبٌ … من الدَّمع في مَيْدَانِ خَدِّي وأَحمرُ
إذا لم تُفض عيني العَقِيقَ فلا رَأَتْ … مَنازِلَهُ بالوَصلِ تَبهَى وَتَبهَرُ
وإن لم تُواصِلْ غَادَةُ السفح مُقلتي … فَلا عَادَها عَيشُ بِمَغْنَاهُ أَخضر
ليالي نجني الحسن في أَوجُهِ الدُّمَى … وتجني على أجسامها حينَ نَنظُرُ
يُؤَكِّرُ في خَدِّ المليحةِ لَحْظُها … وإنْ كانَ في ميثاقها لا يُؤَكِّرُ
رأيتُ الصبا مِمّا يُكفِّرُ لِلفتى … ذُنوبًا إذا كانَ المَشيبُ يُكفِّرُ
إذا حَلَّ مُبيضُ المَشيبِ بِعارضِ … فَمَا هُوَ إِلَّا لِلمَدامِعِ مُمْطِرُ
كأني لم أتبع صِبًا وَصَبابَةٌ … خَلِيعَ العِذارِ حيثُ ما هِمْتُ أُعذَرُ
ولم أطرق الحَيَّ الخَصِيبَ زَمانُهُ … يُقابلني زَهْرٌ لديكِ ومِزْهَرُ
وَغَيداءَ أَمَّا جفنُها فمؤنتٌ … كَلِيلٌ وأَمَّا لحظها فَمُذكِّرُ
يَروقُكَ جمع الحسن في لحظاتها … على أَنَّهُ بالطَّرْفِ جَمعُ مُكَسَّرُ
من الغيد تحتف الظَّبى لحجابها … ولكنها كالبَدْرِ في الماءِ يَظْهَرُ
يَشِفُ وراء المشْرَفيَّةِ خَدُّها … كَما شَفَّ من دُونِ الزَّجَاجَةِ مُسْكِرُ
ولا عَيْبَ فيها غيرُ سِحْرِ جُفُونِها … وأَحْبِبْ بها سَحَارَةٌ حِينَ تَسحَرُ
إذا جُرِّدَتْ من بُرْدِها فَهْيَ عَبْلَةٌ … وإِنْ جَرَّدَتْ أَلحاظها فهي عَنْتَرُ
إذا خَطَرتْ في الرَّوْضِ طاب كلاهما … فَلَم يُدْرَ مَنْ أَزْهَى وأشهى وأعطر
خَلِيليَّ كَمْ رَوْضٍ نَزِلْتُ فِناءَهُ … وفيهِ رَبِيعُ لِلنَّزِيلِ وجَعفر
وفارقته والطَّيرُ صَافِرَةٌ بِهِ … (وكَمْ مِثلُها فارقتُها وَهِيَ تَصفَرُ)
إلى أعين بالماء نَضَاحَةِ الصَّفا … إذا سُدَّ فيها مِنخَرٌ جَاشَ مِنخَرُ
نداماي من خودٍ وَراحٍ وفتيةٍ … (ثلاثُ شُخوص كاعِبانِ ومُعصِرُ)
стр. 6747
قَضيتُ لُبانات الشبيبة والهوى … وطَوَّلتُ حتى أن أني أقصر
وَرُبَّ طموح العَزْمِ أَدمَاءَ جَسرَةٍ … يَظُلُّ بها عزمي على البيد يجسُرُ
طَوَتْ بِدْراعَيْ وَحْدِهَا شُقَّةَ الفَلا … وَنَجْمُ الثَّرَيَّا في دُجَى اللَّيلِ يَسْبُرُ
وَمَدَّ جَناحَيْ ظِلّها أَلَقُ الضُّحَى … فَشَدَّتْ كَما شَدَّ النَّعَامُ المُنَفَّرُ
بِصُمِّ الحَصَى ترمي الحداةَ كَأَنَّما … تَغَارُ على مَحْبُوبِها حِينَ يُذْكَرُ
إذا ما حُروف العين خُطَّتْ بِقَفْرةٍ … غَدَتْ مَوضِعَ العُنوانِ والعَيشُ أَسْطُرُ
فَلِلَّهِ حَرْفٌ لا تُرامُ كأَنَّها … بِوَشْكِ السُّرَى حَرْفٌ لَدَى البِيدِ مُضْمَرُ
تخطت بنا رَوْضَ الشام إلى حِمى … به روضةٌ رَيَّا الجِنانِ ومِنْبَرُ
إلى حَرَمِ الأَمْنِ المَنِيعِ جِوارُهُ … إذا ظلَّتِ الأصواتُ بِالرَّوْعِ تَجأَرُ
إلى من هو التَّبرُ الخَلاصُ لناقِدٍ … غداةَ الثَّنا والصَّفوة المتخيرُ المُتَحيَّرُ
نَبيَّ أَتمَّ الله صورةَ فَخرِهِ … وآدمُ في فَخارِهِ يُتصَوَّرُ
نَظِيمُ العُلا والأفق ما مَدَّ طِرْسَهُ … ولا فِقَرُ الزُّهْرِ الكواكب يُنثر
ولا لِعَصَا الجوزاء في الشُّهْبِ آيَةٌ … تَجِرُّ الدُّجَى من تَحْتَها يَتفَجَّرُ
نبيَّ لَهُ مَجْدٌ قِدِيمٌ وسُؤدَدٌ … صَمِيمٌ وأَخبارٌ تَجِلُّ ومَحْبَرُ
تَحرَّمَ جِبريل لخدمةِ وَحْيِهِ … وأَقبلَ عِيسَى بِالبِشارَةِ يَجْهَرُ
فَمَنْ ذا يُضاهِيهِ وجِبْرِيلُ خَادِمٌ … لِمَقدمه الغالي وعِيسَى مُبشِّرُ
تهاوى لمأتاه النجوم كأَنَّما … تُشافِهُ بالخَدِّ الثَّرَى وتُعَفِّرُ
وينصب طام من بحيرة سَاوَةٍ … وَلِمْ لا وقد وافتْ بِكفيهِ أَبحُرُ
نبي له الحوضان هذا أَصابِعٌ … تَفيضُ وهذا في القيامة كوثر
وعن جَاهِه الناران هذي بِفارِسٍ … تَبُوخُ وهذي في غدٍ حِينَ تُحْشَرُ
إذا ما تشفعنا بهِ كُفَّ غَيظُها … وقالتْ عِباراتُ الصِّراط لنا اعبروا
تنقل نُورًا بين أَصْلابِ سَادَةٍ … فَلِلَّهِ منهُ فِي سَمَا الفَضْلِ نَيْرُ
بهِ أَيَّدَ الظهر الخليلي فانتَحتْ … يَداهُ على الأصنام تغزو وتَكْسِرُ
ومن أجله جيء الذبيحان بالفدا … وَصِينَ دَم بينَ الدِّمَاء مُطَهَّرُ
وَلمَّا أَراد الله إظهار دينهِ … بَدا قَمرًا والشَّرْكُ كاللَّيلِ يَكفُرُ
فَجَلَّى الدُّجَى واستوثق الدِّينُ واضحًا … وقَامَ بِنَصر الهِ داع مُظَفَّرُ
مخوف السطا بالرُّعبِ يُنْصَرُ والظَّبَى … وداني الحَيا في اليُسْرِ وَالْعُسْرِ يَهْمِرُ
عزائمُ مَنْ لا يَحْتَشي يَومَ غَزْوِهِ … رَدّى وعَطًا مَنْ ليسَ لِلفَقْرِ يَحْذَرُ
علا عن محاكاة العمامِ لِفَضْلِهِ … وكَيفَ يُحاكِيهِ الخَدِيمُ المُسخَّرُ
стр. 6748
تُظلِّلُهُ وَقتَ المسِيرِ وَتَارَةٌ … يُشِيرُ إليها بالبنان فتُمطرُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ القَطْرَ في الغيم فارس … إذا برزت آلاؤُهُ يَقَطَّرُ
هُوَ البحرُ فَيَّاضُ المَوارِدِ لِلوَرَى … ولكنَّهُ العَذْبُ الذي لا يُكدَّرُ
فمن لي بلفظ جوهرِي قَصَائِدٍ … تُنظَّمُ حتّى يَمِدَحَ البَحْرَ جَوْهَرُ
وهيهات أن تُحصَى بتقديرِ مَادِحٍ … مَناقِبُ في الذكر الحكيم تُقرَّرُ
إذا شعراء الذكر قامتْ بِمدحةٍ … فَما قَدْرُ مَا تُنشي الأنام وَتَشعُرُ
نَبِيُّ زَكَا أَصْلًا وفَرْعًا وأَقْبَلَتْ … إِليهِ أُصُول في الثرى تتجرر
وخاطبهُ وَحْشُ المَهامِهِ آنِسًا … إليهِ وما عَنْ ذلكَ الحُسْنِ يَنفِرُ
له راحةٌ فيها على البَأْسِ والنَّدَى … دَلائِلُ حَقٌّ في الجِهادِ تُؤَكِّرُ
فبيننَا العَصَا فيها وَرِيقُ قَضِيبها … إذا هُوَ مَسْحُوذُ الغرارين أبتر
كذا فلتكن في شُكْرِها وصِفاتِها … يَدْبَينَ أَوصافِ النَّبِيِّينَ تُشكَرُ
سَخَتْ ومَحَتْ شكوى قتادة فاغتدت … بها العين تجري أو بها العَينُ تُخبِرُ
لَعَمْرِي لقد سارتْ صِفاتُ محمّدٍ … كذاكَ النُّجومُ الزَّاهِرَاتُ تُسَيَّرُ
أَرَى مُعجِزَ الرُّسُلِ انطوى بانطوائِهِمْ … ومُعْجِزَهُ حتى القيامة يُنشَرُ
كَبِيرُ فَخارِ الذِّكرِ في الخَلْقِ كلَّما … تَلاقَارِى أو قِيلَ اللهُ أَكْبَرُ
هُوَ المُرْتَقِي السَّبْعَ الطَّبَاقَ إلى مَدًى … لِجِبْرِيلَ عَنهُ مَوقِفٌ مُتأخّرُ
هو الثَّابِتُ العليا على كُلِّ مُرْسَلِ … بِحَيْثُ لَهُ في حَضْرَةِ القُدْسِ مَحْضَرُ
هُوَ المصطفى والمقتفى لا مَنارُهُ … يُحَطُّ ولا أَنواره تتكَوَّرُ
إليكَ رَسولَ اللهِ مُدَّتْ مطالبي … على أَنَّها أَصْحَتْ على الفَوْرِ تَقْصُرُ
خُلِقْتَ شَفيعًا للأنام مُشفّعًا … فَرَجواكَ في الدَّارَيْنِ أَجدَى وأَجدرُ
ولي حالتا دنيًا وأُخرَى أَراهُما … يَمُرانِ بي في عِيشَةٍ تَتمرَّد
حياة ولكن بينَ ذُلِّ وغُرْبةٍ … فَلا العِزُّ يستحلى ولا البينُ يَفْتُرُ
وعَزْمٌ على الأخرى يَهمُّ نُهُوضُهُ … ولكنَّهُ بِالذَّنْبِ كَالظَّهْرِ مُوقَرُ
تصبّرْتُ في هذا وذاك كأنني … من العجز والبؤسى قتيل مصبر
وها أنا قد بَلَّغْتُ عُذرِيَ قَاصِدًا … وأيقنْتُ أَنَّ النُّجْحَ لا يتعذَّرُ
عليكَ سَلامُ اللهِ في كُلِّ مَنزِلٍ … تُعبِّرُ عن سِرِّ الجِنانِ وتَعْبُرُ
وآلِكَ والصَّحْبِ الذِينَ عليهمُ … تُحَلُّ حُبَى مَدْحٍ ويُعقَدُ خِنصَرُ
بِجاهِكَ عِنْدَ اللهِ أَقبلْتُ لائِدًا … فَكَثَرْتُ حَاجَاتِي وَجَاهُكَ أَكثَرُ
ونظّمْتُ شِعْرِي فِيكَ تُرْهَى قَصِيدةٌ … على كُلِّ ذي بَيْتٍ من الشِّعْرِ يُعْمَرُ
стр. 6749
مُعَظَّمة المعنى تَكرَّرَ لَفظُها … فَيَحلُونَباتي الكَلامِ المُكرّر
دنت عن صفاتِ الفَضْلِ مِنْكَ وإنَّها … لَتفضُلُ ما قالته طي وبُحْتُرُ
وما ضَرَّها إِذْ كَانَ نَشرُ نَسيمها … رُخاءً إذا ما لم يكُنْ فِيهِ صَرْصَرُ
وقوله (١): [من الكامل]
حَمَتِ الخدود بِناظرٍ فَتَانِ … أَوَ ما سَمِعْتَ شَقائِقَ النُّعمانِ
وتبسمت من لؤلؤ متمتع … تبكي العيون عليه بالمرجانِ
غيداء أستجلي البدور لوجهها … إذْ ليسَ حَظَّي منهُ غَيرَ عِيانِ
تُركِيَّةٌ لِلقانِ يُنسب خدُّها … واصبوتي منها بخد قاني
خَذْ يُرِيكَ تَنعمًا بتلهبِ … يَا من رَأَى الجَنَّاتِ في النيران
وَمَحاسِنٌ تُزهى وتُخلِفُ عَهدهَا … وكَذا يكُونُ الرَّوْضُ ذا أَلوان
كالجنَّةِ الزهراء إلا أنَّ لي … من أَدمعي فيها حميمًا آن
تَرنو لواحظها على عُشَّاقِها … فتصولُ بالأسياف في الأجفان
ويَهُزُّ حُلْوَ قَوامِها مَرَحُ الصِّبا … هَزَّ الكُماة عوالي المُرَّانِ
إِنْ صَدَّها عَنّي المَشِيبُ فطالَما … عَطفَتْ شَمائلها بما أرضاني
وبلغْتُ ما لا سَوَّلْتَهُ شَبِيبتي … وفعلتُ ما لا ظَنَّهُ شَيطاني
وجنيتُ من ثَمَرِ الذُّنوبِ تعمدًا … لمَّا رَأَيْتُ العَفْو حَظَّ الجاني
وحلبْتُ هذا الدَّهر أشطُرَ عَيشِهِ … فَوجَدْتُ زُبدتها متاعًا فاني
مَلِكُ ترنحت المنابر باسمه … حتى اذكرنَ مَعَاهِدَ الأَغصان
بَادِي الوَقارِ إذا احتبى وَحبَا النَّدى … أبصَرْتَ سَيْرَ السَّيْلِ من ثهلان
قامتْ بِسُؤدده مآثِرُ بيته … وعلى العماد إقامة البنيان
قَسَمًا بمن أعلى وأعلن مجدَهُ … وأَفاضَ أَنعمَهُ بِكُلِّ مَكَانِ
ما حاد عني الفقر حتى صحتُ في … مَدْحِي أَنا بالله والسلطانِ
فوجدْتُ لِلنَّعماءِ مِلْءَ مآربي … وَوَجدْتُ لِلأوصاف مل لساني
ومدحْتُ مَنْ نَشرَتْ مدائح مجدهِ … ذِكْرِي فلو لم يُعطني لكفاني
مَلِكًا أَبَرَّ على الألى مُتأخِرًا … عَنْهُمْ كَبِسم الله والعنوان
تَعِبُ الأنامل لا يغبُّ نوالُهُ … إِنَّ العُلا والمجد للتعبانِ
أعطى وقد مَنَعَ الغَمامُ وأَرشَدَتْ … آراؤُهُ والنَّجمُ كالحَيْرانِ
стр. 6750
واعتادت الهيجاء منهُ غَضنفَرًا … سَارٍ من اليزني في خُفَّانِ
تتألف العقبانُ فوقَ رِماحهِ … . إِلْفَ الحَمام على فروع البانِ
وَيَصحُ عِلْمُ الكيمياءِ لِبيضه … فترى اللجين يعود كالعقبان
ويقولُ فَيضُ فَعاله ومَقالِهِ … مَرَجَ التَّقَى بحرين يلتقيان
ا مشتري بلغ الثناءِ بِمالِهِ … هُنّنْتَ مَرتَبةً على كيوان
صانتْ يداك عن الأنام وسائلي … وثَنَى حِماك عن البلاد عناني
فمحَوْتُ إِلا مِنْ ثَناكَ خواطري … ونَفَضْتُ إلا من نَداكَ بناني
وتركتُ مَدح العالمينَ وذَمَّهُمْ … وشُعَلْتُ من هذا الندى في شاني
وأقمت متصل الرجاء بواحد … لم يختلف في الفضل منه اثنان
متسلسل الكلمات في أوصافِهِ … مُتقيّدًا بصنائع الإحسان
لا يعدم الدَّهرُ الأخيرُ بَدائعًا … تَنثالُ بينَ سَماحَةٍ وَبَيانِ
أمتار بالمكيال فضل هباته … وأبيحُه الأقداح بالأوزان
وقولُهُ (١): [من البسيط]
أهلًا بطيف على الجَرْعاءِ مُختلَسِ … والفجرُ في سَحَرٍ كَالثَّغْرِ فِي لَعَسِ
والنجم في الأُفُقِ الغربيّ مُنحدِرٌ … كَشُعلَةٍ سَقَطَتْ من كَفَ مُقتَبِس
يَا حَبَّذا زَمَنُ الجَرْعَاءِ مِنْ زَمَنِ … كُلُّ اللَّيالي فِيهِ لَيْلَةُ العُرُسِ
وَحَبَّذا العَيشُ مَعْ هَيفاء لو ظَهَرَتْ … لِلبدر لم يَزْهُ أَوْ لِلغُصْنِ لَمْ يَمِسِ
خُودٌ لها مثل ما في الظَّبي من مُلَحٍ … وَليسَ لِلظَّبي ما فيها من الأنس
محروسَةٌ بِشُعاعِ البِيضِ مُلتمِعًا … ونُورُ ذاكَ المُحَيَّا آيَةُ الحَرَسِ
يَسعى ورا لحظها قلبي ومن عَجَبٍ … سَعْيَ الطَّرِيدَةِ في آثارِ مُفتَرِس
ليت العدول على مرأى مَحاسنها … لو كانَ ثَنَّى عَمَى عَيْنِيهِ بِالخَرَسِ
إنّي وإنْ طُويَتْ في القلبِ غُلتُهُ … لَمحوِجُ العِيسِ طَيَّ الضَّوْءِ وَالغَلَسِ
سفينة ليس تجري بي إلى بخُلٍ … (إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي على اليَبَسِ)
توم باب ابنِ أَيُّوب إذا اعتَكَرَتْ … سُودُ الخُطوبِ كَما يُؤتَمُ بالقَبَسِ
المانح الرفد أفنانًا مُهدَّلَةٌ … فَما يَردُّ جَناها كَفَّ مُلتمس
والرَّافِعُ البخل في الدُّنيا وساكِنها … بِجُودِ كفَّيهِ رَفْعَ المَاءِ لِلنَّجس
محا المؤَيَّدُ بُؤْسَ المُقترِينَ فَما … تَكادُ تَظفَرُ جَدواهُ بِمُبتئِس
стр. 6751
واستأنس النَّاسُ جَدْوَى مُلْكِهِ فَرَووا … عن مالك خَبَرَ العَلْيا وعن أَنَسِ
مَلْكُ يُقاسُ مُجاريهِ بِسُؤدده … إذا يُقايسُ عَيْرُ الدَّارِ بِالفَرَسِ
وينتهي لضحَى بِشْرٍ مُؤَمِّلُهُ … إذا انتهى من بَني الدُّنيا إلى عَبَس
مُظفّرُ الجَدِ مَشَاءُ على جَدَدٍ … من حَمْلِهِ اللَّدْنَ أَوْ من حَربهِ الشَّرِسِ
يُخفي اللُّها ودَنانِيرُ الصَّلاتِ بها … تَكادُ تَضرِبُ لِلأَسماعِ بِالجَرَس
وينشُرُ العِلْمَ لا قَولٌ بمختلِف … إِذا رَواهُ ولا معنى بِمُلتَبِس
ويُشبِعُ الأَمْرَ آراء مُسدَّدَةً … تَمضِي وتَدفَعُ صَدْرَ الحَادِثِ الشَّكِسِ
تكون كالعَضَبِ أحيانًا وآوِنةٌ … تَكونُ من وَقَعاتِ العَضْبِ كالتُّرسِ
لو بَاشَرَ الأفق يومًا يُمْنُ طَلعتهِ … لَمَا سَمِعْتَ بِنجم ثمَّ مُنتَحِس
ولو تولَّتْ حُزون الأرض راحتُهُ … لَمْ يَبْقَ في الأَرْضِ صَلَّدٌ غَيْرُ منبجِسِ
مَنْ مُبلغ قومي الزاكي نِجارُهُمُ … أَنِّي أَغْتَرَيْتُ إِلى جَمِّ العُلا نَدِسِ
مُجددًا لي [في] أمداحهِ نَسَبًا … أَبَرَّ من نَسَبٍ في التَّرْبِ مُندرس
ما زِلتُ أخبر ممدوحًا وأَهجره … حتى اعتَلَقْتُ بِحَبْلٍ مُخْضَدِ المَرَسِ
وطاهر الخيم لا تُخلى خلائقه … على المَلالِ ولا تُطْوَى على الدَّنَسِ
مَا شِمْتُ بَارِقَ جَدواهُ فَأَخلَفني … ولا عَهِدْتُ إلى مَعروفهِ فَنَسي
تِلكَ العُلا لابن حمدان على حَلَبٍ … ولا بنِ عَمَّارَ شَأَرٌ في طرابلس
ماضَرَّني إِنْ تَولُوا وَهْوَ مُرْتَقَبُ … وخاسَ عَهْدُ الغوادِي وَهُوَ لم يَحْسِ
يا بن الملوك الألى خُذها عَروسَ ثَنًا … مِصْريَّةَ المُنتمى غَرِبِيَّةَ النَّفْسِ
الله أكبر صاغ الحق مادِحُكُمْ … كَأَنَّهُ نَاطِقٌ مِنْ حَضْرَةِ القُدُسِ
وقوله (١): [من الخفيف]
قامَ يَرنُو بِمُقلةٍ كَحْلاءِ … عَلَّمتني الجُنون بالسوداء
رَشَأُ دَبَّ في سوالفهِ النَّمْـ … لُ فَحارَتْ خَواطِرُ الشُّعراء
عذلوني على هَواهُ فَأَغْرُوْا … فَهَواهُ نَصْبٌ على الإغراء
مَنْ مُعِيني على لواعج حُبِّ … تَتلقَّى من أدمعِي بالماء
وحَبِيبٌ لَدَيَّ يَفْعَلُ بالقَلْ … ـبِ فَعَالَ الأعداء بالأعداء
يتثنى كقامَةِ الغُصن اللَّدْ … نَ ويَعطُو كالظبيةِ الأَدْماء
يَا شَبِيبه الغُصُونِ رِفقًا بِصَبٌ … نَائِحٍ في الهوى مَعَ الوَرقَاءِ
стр. 6752
يَذكُرُ العَهد بالعقيق فيبكي … لِهوَاهُ بِدمعةٌ حَمْراءِ
يالها دمعة على الخد حمرا … ء عَبَدَتْ من سوداء في حمراء
فكأني حَمَلْتُ رَنْكَ ابنِ أَيُّو … بَ على وَجْنَتي لِفَرْطِ ولائي
مَلِكُ حافِظُ المَناقِبِ تَروي … راحتاه عن واصل وعطاء
في معاليه للمديح اجتماع … كأبي جَادَ في اجتماع الهجاء
خَلٌ كَعْبًا ورُمْ نَداهُ فَما … كعب العطايا ورأسها بالسَّواءِ
وارجُ وَعْدَ المُنى لديهِ فإسما … عِيلُ ما زال معدنًا للوفاءِ
مالكفّيه في الشَّراءِ هُدُوٌّ … فَهْوَ فيه كسابح في ماء
جمعت في فنائه الخيل والإبـ … ـلُ وفودًا أكرم به من وفاء
لو سكتنا عن مدحهِ مَدحتْهُ … بِصَهيل من حوله ورُغاء
هِمَّة حازت السماك فلم يع … بأ مداها بالحاسدِ العَوَّاءِ
وَنَدَى يُخجِلِ السَّحابَ فَيمشي … من وَراجُوده على استحياء
طال بيتُ الفخار منه على الشعـ … ـر فماذا يقولُ بَيتُ الثَّناءِ
شَرَفٌ في تَواضُع ونوالٌ … في اعتذار وهيبَةٌ في حَياءِ
يا مليكًا علا على الشَّمْسِ حَتَّى … عَمَّ إحسانُهُ عُموم الضّياءِ
صُنْتَ لفظي عن الأنامِ وكَفِّي … فَحَرامٌ نَداهم وتنائي
وسَقَتني مياه جُودِكَ سَقْيًا … رَفعَتْني على ابن ماء السماء
فابق عالي المحل داني العطايا … قَاهِرَ اليَأْسِ طَاهِرَ الأبناء
يَتَمنَّى حَسودُكَ العَيش حتَّى … أَتمنى له امتداد البقاء
وقولُهُ (١): [من الطويل]
تَصرَّمتِ الأَيَّامُ دَونَ وِصالِكِ … فمن شافعي في الحب يا ابنة مالكِ
وكانَ الكَرَى يُدني خَيالَكِ وانقضَى … فَلا مِنكِ تَنوِيلٌ ولا مِنْ خَيَالِكِ
رُوَيْدكِ قد أوثقت بالهَمِّ مُهجتي … عَليكِ فَماذا يُبتغى بِمَلالِكِ
أفي كُلِّ يَوم لي إليكِ مَطَالِبٌ … ولكنَّها مَحفُوفَةٌ بِمطالِكِ
وَغَيْران قد مَدَّ الحِجاب من الظُّبَى … وقد كانَ يَكفِيهِ حِجابُ دَلالِكِ
فُتِنتُ بِخالٍ فوقَ خَدِّكِ صَانَهُ … أَبُوكِ فَوَيلي من أَبيك وخَالِكِ
وعَاينْتُ مَنكِ الشَّمْسَ بُعْدًا وَبهجةٌ … فَيا عَجَبًا من وابق بحبالِكِ
стр. 6753
هَجَرْتِ وما فازَ المُحِبُّ بِزَوْرَةٍ … فَدِيتُكِ زَورِي واهجري بعد ذلك
لي اللهُ قَلْبًا كُلَّما جُرَّ طَرْفُهُ … إلى الحُسْنِ أَلقَى عُرْوَةَ المتماسِكِ
تَأَبَّطَ شَرًَّا من أذى الوَجْدِ وانثنَى … (كَثيرَ الهوَى شَتَى النَّوَى والمسالكِ)
قفي تنطرِيهِ في لَظَى البِيدِ تَابِعًا … سُراكِ وإلا في رَمادِ دِيارِكِ
سَقَى اللهُ أَكناف الدِّيارِ هَوامِعًا … تَبِيتُ بِها الأزهارُ غُرَّ ضَواحِكِ
كَأَنَّ يَدَ المَلْكِ المُؤَيَّدِ جَادَها … فَأَسْفَرَ نُوَّارُ الرُّبَى عن سَبائِكِ
مَلِيكٌ إِلى مَعْناهُ تَستبقُ المُنَى … مسابَقَةَ الحجاج نحو المَسالِكِ
لهُ شِيَمٌ تُحصِي المدائح وَصفَها … إذا أُحصِيتُ زُهْرُ النُّجومِ الشَّوابِكِ
وفي الأرضِ أخبار له ومآثِرٌ … تَسِيرُ سُرَى الأَسْمَارِ بَينَ المَلائِكِ
حَمَى الأَرض من آرائِهِ وسُيُوفِه … بِكُلِّ مضيء في دُجَى اللَّيلِ فَاتِكِ
وسكنها حتى لو اختار لم تَمِسٌ … غُصُونَ النَّقَا تحتَ الرِّياحِ السَّواهِكِ
مَهِيبُ السَّطَا هامي العَطَا سَامِق العُلا … جَلِيُّ الحُلا كَشَّافُ ليل المعارك
تولَّى فَيا عَجْزَ الأكاسرة الألى … وَجَادَ فَقلنا يَا حَياءَ البَرَامِكِ
وشاركه العَافُونَ في ذاتِ مالهِ … وَليس له في مَجدِهِ من مُشارِكِ
كريم يجيل الرأي فعلًا ومَنطِقًا … فَلا يَرْتَضِي غَيْرَ الدَّرَارِي السَّوامِكِ
كُعُوبُ القَنا عُجْبًا براحته التي … يُروِّي نَداها مُشرعات طوالكِ
إذا هَزَّ مِنها الملكُ كَعْبًا مُثقّفًا … فيالك من كَعْبٍ عليهِ مُبارَكِ
وإِنْ جَرَّ فِي صَوْنِ النُّغُورِ رُؤوسَها … جَلَتْ فَلَحَ الأعدا جَلاءَ المَساوِكِ
ولله من أقلام علمِ بِكفِّهِ … سَوالب ألباب الرِّجالِ سَوَالِكِ
كأن معانيها كَواعِبُ تَتكي … على حُبكِ الأدراج فَوقَ أَرَائِكِ
كأَنَّ بَياضَ الطرس بين سُطُورِها … أَياديه في طي السنين الحوالكِ
أَمُسْدِي الأيادي البيضِ دَعوة ظافر … لديك على رَغْمِ الزَّمانِ المُماحِكِ
عطفت على حالي بنظرة ساتر … وقد مَدَّ فيها الدَّهْرُ رَاحَةَ هَاتِكِ
فَدُونَكَ من مَدْحِي اجتهاد مُقصِّرٍ … تَدارَكْتَ من أحواله شلْو هالِكِ
تَملكه الهَمُّ المُبرِّحُ بُرْهَةً … إلى أَنْ مَحا رضوانُ سَطْوَة مَالِكِ
وقوله (١): [من البسيط]
نفس عن الحب ما أَعَفَتْ وما غَفَلَتْ … بِأَيِّ ذَنْبِ وَقاكَ الله قد قُبلت
стр. 6754
وَعَينُ صَبٍّ إلى مَراكَ قد لَمَحتْ … كَفَى من الدَّمْعِ والتَّسهيدِ مَا حَمَلَتْ
دَعْهَا ومدمعها الجَارِي فقد لَقِيَتْ … ما قَدَّمَتْ من أَذَى قَلبي وما عَمِلَتْ
أفديك من نَاشِطِ الأَجفانِ في تَلَفِي … والسِّحْرُ يُوهِمُ طَرْفِي أَنَّهَا كَسِلَتْ
وأوضح الحسن لو شَاءَتْ ذَوائِبُهُ … في الأُفْقِ وَصْلَ دُجَى الظَّلماءِ لا تصلَتْ
مُعَسَّلٌ بِنُعاس في لواحظهِ … أَمَا تَراها إلى كُلِّ القُلوبِ حَلَتْ
من لي بِأَلحاظ ظبي تَدَّعِي كَسَلًا … وكَمْ ثِيابِ ضَنِّى حَاكَتْ وَكَمْ غَزَلْتُ
وسُمْرَةٌ َفوقَ خدّيهِ ومِرْ شَفِهِ … هَذِي تَرَوَّتْ مَجَانِيها وذِي ذَبَلَتْ
أَمَا كَفاني تكحيل الجفون أسى … حتَّى المَراشِفُ أَيضًا بِاللَّمَى كُحِلَتْ
لو ذُقتَ بَرْدَ رُضابٍ تحتَ مَبْسَمِهِ … يَا جَارُ ما لُمْتَ أغصاني التي ذَبِلَتْ
أستودِعُ اللهَ أَعطافًا شَوَتْ كَبِدِي … وكُلَّما رُمْتُ تَجدِيدَ الوِصالِ قَلَتْ
ومُهجة لي كَمْ أَلقَتْ بِمَسمَعِها … إلى المَلامِ فَلا والله ما قَبِلَتْ
كأَنَّ عيني إذا ارْفَضَّتْ مَدامِعُها … عن المُؤَيَّد أَوْ صَوْبِ الحَيَا نُقِلَتْ
مَلْك لهُ في الوَغَى والسِّلمِ بَسْطُ يَدٍ … مَأْثُورَة الفَضْلِ إِنْ صَالَتْ وَإِنْ وَصَلَتْ
تُعطي الألوف إذا جادَتْ لِمطلب … ومِثلَ أَعدادِها تُرْدِي إِذا قَتلَتْ
في كُلِّ نَهْج ومؤماةٍ رِكابُ سُرى … لولا ابنُ أَيُّوبَ مَا شِدَّتْ ولا رَحَلَتْ
إِنْ تَعْشَ أَبواب مغناه التي فُتِحَتْ … وطال ما بالعطايا والنَّدَى قُفِلَتْ
سل عن عطاياه كلَّ وافِدَةٍ … من المدائح فازَتْ قَبلَ مَا سَأَلَتْ
فَضْلُ أَبَرَّ فَوفَّى الحمدَ غايتَهُ … وراحَةٌ فَعَلَتْ كُلَّ النَّدَى فَعَلَتْ
وَسِيرَةٌ عَدَلَتْ في الخَلْقِ قاطبةً … مَعْ أَنَّها عن سَبِيلِ الحَقِّ مَا عَدلَتْ
هذي السيادة تعلو كلَّما اتَّضعَتْ … وأَنمُلُ الفَضْلِ تَهَمِي كُلَّما عُذِلت
أنّى يُقايَس بالأنواءِ نائلُهُ … وَهْيَ التي باحمرار البَرْقِ قد خَجِلَتْ
جادَتْ يداهُ بِلا مَنْ يُنخّصُها … والمَنُّ قد يَصْحَبُ الأنواءَ إِنْ نَزَلَتْ
وزاد بالجود ما شادت أوائلُهُ … وتلك قد تَهْدِمُ البُنيانَ إِنْ هَطَلَتْ
لا شيء أليقُ من مرأى أنامله … إذا تَأمَّلتَ أَمرَيْها التي كفلت
تخط بالرُّمح في الأجسادِ صَائلة … وتطعن العُسْرَ بالأقلامِ إِنْ بَذَلتْ
لو قيل إنَّ شُموس الصَّحْوِ خافِيةٌ … ما قال عنها عَدُوٌّ إِنَّهَا بخِلَتْ
يَمِّمْهُ وَالسُّحْبُ عُقْمٌ واخشَ سَطوتَهُ … والخيلُ من سَلَبِ الهيجاء قد نَسَلَتْ
ذاك الكريم الذي يُجدِي مَدائحنَا … وكان يكفي من الجَدْوَى إِذا قُبِلَتْ
مَنْ مُبلغ الأهلِ أَنِّي ضِيفُ أَنعُمِه … وأَنَّ كفّي على الآمال قد حَصَلَتْ
стр. 6755
عَزِيمةُ السَّعْي ما خابَتْ وَسائلُها … وآيَةُ المنطقِ السَّحَارِ ما بَطَلَتْ
بَسْلُ على النَّاسِ أَمداحي التي اشتهرَتْ … فَإِنَّها في معاني مجده، اشتغلَتْ
أَمَا وَوَصفُ ابن شاد قد سَما وعَلا … واللهِ لا قَصَّرَتْ عَيني ولا سَفَلَتْ
لا نسأل الله إلا أَنْ تَدوم لنا … لا أَنْ تُزاد معاليه فقد كملت
وقوله (١): [من الكامل]
عَوَّذْتَ شَعرَكَ بالظلام وَمَا وَسَقْ … وَسَناكَ بالقمر المنير إذا اتَّسَقْ
آهًا لها من طلعةٍ في طُرَّةٍ … لاحَتْ فلا لاحَ الصَّباحُ ولا الغَسَقْ
وهلالُ تم طالع في سَعْدِهِ … لكنَّ نجم حشاي فيه قد احترق
رَشَا وَجَدْتُ العَذْلَ فِيهِ بَاطِلًا … لَما وَجَدْتُ بِمُقلتيهِ السِّحَرَ حَقَّ
زَعَمَ المُشنّعُ أَنَّني واصلتُهُ … لَيتَ المُشنِّعَ عن تَواصُلِنا صَدَقْ
بأبي الذي أجريت أحمر أدمعي … في حُبِّهِ فإذا ابتغى أَمَدًا سَبَقْ
ما للجوانح والبُكاءِ تَطابَقا … هذِي مُقيدة وذاك قد انطلق
قُمْ يا غُلامُ وهاتها في حُبّهِ … صفراءَ مُشرِقَةً كَمَا وَضَحَ الشَّفَقَ
هذي الحَمائِمُ في مَنابِر أَيكها … تُملي الغنا والطَّلُّ يكتُبُ في الوَرَقْ
والقُضْبُ تَحْفِقُ للسلام رُؤوسُها … والزَّهْرُ يَرفَعُ زائرِيهِ على الحَدَقْ
فعسى تُجدِّدُ لِي زَمانَ تَواصُلٍ … قَدْ كانَ فِي اللَّذَّاتِ مَعْنَى مُسْتَرَقْ
لا تسمعَنَّ بِأَنَّ قَلبي قد سَلًا … ذاكَ الزَّمانَ فَذاكَ قَولٌ مُختَلَق
تَتخالف الأخبار لكنَّ النَّدَى … خَبَرٌ عَنِ المَلِكِ المُؤَيَّدِ مُتَّفَقٌ
مَلِكٌ خَزائِنُ مالهِ وَعِداتهِ … تَشكُو التفرُّقَ كُلَّ يوم والفَرَقْ
البحر في كفّيه أو في صَدْرِهِ … فَانهَلْ وإِنْ نَاوِيتَهُ فاحْشُ الغَرَقْ
ذاك الذي بالناس يُفدَى شَخصُهُ … ويُعاذُ في ظُلَم الحَوادِث بالفَلَقْ
للسيفِ في يُمنَى يَديه جدوَلٌ … فلذا يَفيضُ عَلَى جوانبهِ العَلَقَ
وبِكَفِّهِ القَلَمُ الذي لا يشتكي … فَتْقَ الأُمُورِ لِفَضلِهِ إِلَّا رَتَقْ
تجري البحار ولو رَمى بحرًا بهِ … لانشقَّ ذَاكَ البحر غيظًا وانفلق
فِيهِ مَارَبُ لِلعلوم ولِلنَّدى … إنْ فاضَ راق وإِنْ أَفاضَ القولَ رَقْ
كالغُصْنِ يُستحلى سَنَى أَزهارِهِ … وَيَجودُ بالثَّمَرِ الجَني ويُنتَشَقْ
فاز امرؤ ألقى يمينَ رَجَائِهِ … لِمَقامِ إِسْماعيل يومًا واعتلق
стр. 6756
المُرْتَجَى والأفقُ مَحَجُوبُ الحَيا … والمُلتَجا والدَّهرُ مَرْهُوبُ الحَنَقْ
للهِ كَمْ خَضَعَتْ لِعَليا مَجْدِهِ … رَأَسٌ وكانت ذاتَ صَوْلٍ لم تُطَق
سَارَتْ سِيادَتُهُ وأَمعَنَ شَوطُها … فَغَدتْ على الأعناق واصِلَةَ العَنَقْ
وأَرادَ أَنْ يَجري إلى غاياتِهِ … صَوْبُ الحَيَا فَلِذاكَ أَلجَمَهُ العَرَقْ
النَّصرُ والدُّنيا الخصيبةُ والهدى … إنْ صَالَ أَوْ بَذَلَ الصَّنائع أو نَطَق.
. لاقيتُهُ فَشَفَى رَجايَ وعَانَقَتْ … كَفاي من جدواهُ أَطيبَ مُعْتَنَقْ
وروائح المعروف لا تَخفَى على … حالٍ فَشُمُّوا من أَنامِليَ العَبَقْ
يا أَيُّها المَلِكُ المُؤَيَّدُ دَعْوةً … تَذَرُ العُداةُ بِغَيْظِها تشكو الحُرَقْ
واصلت قصدي باللها وقطعت ما … بيني وبين بني الزَّمانِ من العُلَقْ
فلاشكُرَنَّ جميل ما أوليتَني … شُكْرَ الرِّياضِ الزُّهْرِ للماء الغَدَقْ
بمدائح أَمَّلْتَنِي لِنِظامها … فَغَدَتْ مُحرَّرَةٌ وعُنقي مُسْتَرَقْ
دَرَرٌ خَدمتُ بها عُلاكَ وإنَّما … عُطِفَتْ على دُرَرِ العُلا عَطْفَ النَّسَقْ
وقوله (١): [من البسيط]
لامُ العِذارِ أَطالَتْ فِيكَ تَسهيدي … كأَنَّها لِغرامي لام توكيد
وخُلْفُ وَعْدِكَ خُلْقٌ منكَ أَعرِفُهُ … فَلِيتَ كَانَ التَّجافي مِنْكَ مَوعُودِي
يَا مَنْ أُفَنَّدُ في وَجدِي عليهِ فَما … أَبقَى الأَسَى في ما يُصغَى لتفنيد
عَابَ العِدا مِنْكَ أصداغًا مُجعّدةً … عَيْبَ المُقَصِّرِ عَنْ نَيْلِ العَناقيد
وعَقْدَ بَنْدٍ على خَصْرٍ رَجَعْتُ بِهِ … ذا ناظِرِ بِنُجومِ اللَّيلِ مَعْقُودِ
كأَنَّهُ تحت وجدانِ الْقَبَاعَدَمٌ … واحيرَتي بَينَ معدوم وموجود
رَدَّ الجَفاءُ سُؤالي فِيكَ أَجمعَهُ … فَما لِسَائل دمعي غَيرُ مَردود
لَقَدْ خضعتُ إلى وَجدِي كَما خَضَعَتْ … إلى المُؤَيَّد أَعناق الصَّنادِيدِ
داعي المقاصد في عِلْمِ وفي كَرَمِ … إلى اللقاءِ مَلِيُّ الفَضْلِ مَقصُودِ
تسري سفين الأماني نحو منزلِه … فَتَستَوي من أياديه على الجودي
ذاك الذي أسعَدَتْ أعمارنا يدُهُ … فَما نُفكّر في حكم المواليد
مَلْكُ إذا تُلِيتْ أَوصاف سُؤددهِ … أَلقَى السَّراةُ إليه بالمقاليد
ذو العِلْمِ قَلَّدَ طُلابَ الهُدَى مِنَنًا … حتى وَصَفْناهُ في عِلْمٍ وتقليد
والجُودُ راش ذَوِي الجَدْوَى وطَوَّقَهُمْ … فَما يَزالون في سَبْعِ وتَغْرِيدِ
стр. 6757
والجيش قد ألِفَتْ بالنَّسْرِ رايتُهُ … تآلفِ الطَّرف في مِعْزَاهُ بالسيد
يبدو وقد سَخَّرَ اللهُ العِبادَ له … والطير والوحش في الآفاق والبيد
حتَّى يَقولَ مُواليهِ وحاسِدُهُ … هذا ابنُ أَيُّوبَ أَمْ هذا ابن داود
لأشكرُ المِدَحَ الحُسنى وقد قُرِنتْ … بِشاهد من معاليهِ ومَشهُودِ
أغنى العباد فلولا نَاهِياتُ تُقَى … أَسْتَغْفِرُ اللهَ سَموهُ بِمعبودِ
وواصلَ الحَرْبَ حتى كُلُّ معركةٍ … كأَنَّها بَيتُ معنى ذاتُ تَرْدِيدِ
يَهْوَى الرِّماحَ قُدودًا ذاتَ مُنعَطَفٍ … والمُرْهَفَاتِ خُدودًا ذاتَ تَورِيدِ
إذا انتشى من دم الأرواح صارمُهُ … رَمَى العِدا بشديد السطو عربيدِ
وإن أفاض حديثًا أَوْ نَوالَ َيدٍ … وَرَدْتَ من حالتيهِ خَيرَ مَورودِ
جواهرًا لا يَحدُّ الوَصْفُ غَايتَها … فاعجَبْ لِجَوْهَرِ شيء غير محدود
وأنعمًا دأبها إسداءُ بِكْرِ يَدٍ … لكنهنَّ أَيادٍ ذاتُ تَوليد
لو أَنَّ للبحرِ جَدُواهُ أَفاضَ على … وَجْهِ الثَّرَى بِنَفِيسِ العِقْدِ مَنصُودِ
ولو أمر على جَلْدِ الصَّفايَدَهُ … لأَنبتَ العُشْبَ عَنها كُلُّ جُلْمُودِ
يَا حَبَّذا المَلِكُ السَّارِي على شِيَمٍ … يَروِي وَينقل عن آبائِهِ الصيدِ
أَدنَيْتُ من نارِ فكري عُودَ نَبعتهِ … عِنْدَ الثَّناءِ فَفَاحَتْ نَفحةُ العُودِ
نِعْمَ العِمادُ لِرَاجِ مَدَّ رَغبتَهُ … فَمَدَّ نَحوَ لِقَاهَا طَرْفَ مَعْمُودِ
يَمَمتُ في حالِ مَرْحُومِ مَنازِلَهُ … ثُمَّ انثنيت وحالي حال محسود
ورُحتُ أَنقُلُ عن أَيُّوبَ أَنعمَهُ … نَحوَ الصّلاتِ فَمِنْ عَطْفٍ وَتَوكِيدِ
إنْ شِئْتَ تَنظُرُ فِي زَهْرِ الرُّبَى مَطَرًا … فَانظُرْ نَوالَ يَدَيْهِ في أَناشيدي
وإِنْ أَرَدْتُ عِيانًا أو مُحادثة … فاهرع إلى سَنَدِي واسمعْ أَسانيدي
يا مَنْ تَحلَّيتُ عن ألفاظهِ ونَدى … كَفِّيهِ حِلْية فضل ذاتَ تَجدِيدِ
إِنْ كَانَ لَفظُكَ شِبْهَ القُرْطِ في أُذُنِي … فَإِنَّ جَدواكَ مِثلُ العِقْدِ في جيدي
وقوله (١): [من الكامل]
بالغْتَ في شَجَني وفي تَعْذيبي … وَمَعَ الأَذَى أَفدِيكَ من مَحْبوب
يَا قاسيًا هَلا تُعلّم قلبَهُ … لِينَ الصَّبا من جسمه المشروب
اهًا لِوَرْدٍ فَوقَ خَدِّكَ أحمر … لو أنَّ ذاك الوَرْدَ كان نصيبي
وَلَواحِظ تَرِثُ المَلاحةَ في الظُّبَى … إِرْتَ السَّمَاحَةِ في بَني أَيُّوب
стр. 6758
بَعَثَتْ بَنو أَيُّوبَ أَمواتَ الرَّجا … وأَتَتْ بِحارُهُمُ بِكُلِّ عَجِيبِ
وبِمُلْكِهِمْ رَفَعَ الهدى أعلامَهُ … وَحَمَى سُرَادِقَ بيته المنصوب
وإلى عِمَادِهُمُ انتهت علياؤُهُمْ … وإلى العَلاء قد انتهتْ لِنَجِيبِ
ملكت بأدنى سطوهِ ونَوالِهِ … أَنْسَى نَدَى هَرِمٍ وَبَأْسَ شَبِيبٍ
الجُودُ مِلءُ أَنامِلٍ والعِلْمُ مِلْ … ءُ مَسامع والعِزُّ مِلءُ قُلوبِ
أَلِفَتْ بأنبوب البَراعَةِ والقَنا … يُمْناهُ يَومَ نَدًى وَيَومَ حُروبِ
فَإِذا نَظَرْتَ وَجَدْتَ أرزاق الورَى … وَدَمَ العُداة تفيضُ من أنبوب
كَمْ مِدْحَةٍ لي صُعْتُها وأَثَابَها … فَرْهَتْ على التفضيض والتذهيب
وتَعوَّدَتْ في كُلِّ مِصْرٍ عِندَهُ … مَرْعَى يُقابَلُ جَدْبُها بِخَصِيبِ
يَا رُبَّ بِشْرٍ منهُ طائيَّ النَّدَى … لاقى مدائحنا لِقاءَ حَبيب
وقوله (١): [من الطويل]
أَلا مَنْ لمسلوب الفؤادِ رَهينهِ … مُعَنَّى بِمَحجوبِ الوِدادِ ضَنينه
تَجلُّدُهُ شَكٍّ إذا لامَ لائم … ولكنَّ ذاكَ الوَجْدَ عَقْدُ يَقينه
وفي قلبه داء دفين من الأسى … فَلا غَرْوَ أَنْ نَبكي لأجلِ دَفِينه
وظبي له في أُسرَةِ التَّرْكِ نِسبةٌ … وفِي الهِندِ مَعنَى مِنْ مَضَاءِ جُفُونِهِ
من الطالبي كتمَ الغَرامِ صِيانَةٌ … وأَحسِنُ بِمكتومِ الغَرامِ مَصُونه
كتمتُ الهوى في عشقهِ مُتفلسفًا … فَأصبحَ عِشقِي قَائِلًا يَكُمُونِه
وَعَاينْتُ في خَدَّيْهِ خَطَّ عِذارِهِ … فَأَقسمْتُ في صُحْفِ الجَمالِ بِنُونِه
يَحِنُّ له قلبي فَللَّهِ من رأى … حِمّى يَتبعُ الغَادِينَ رَجْعُ حَنِينِهِ
بِرَغمَي طَرْفٌ غاب عنه عزيزُهُ … فَعوَّدَهُ ماءَ البُكا بِمَهِينه
رَوَى بمعينِ الدَّمْعِ طَرْفي فَأَسمِعُوا … حَدِيثَ جَوَى قلبي من ابنِ مَعِينه
يَقومُ بِنَصرِي في الصَّبَابَةِ عَوْنُ مَنْ … أَقامَ ابْنَ أَيُّوبَ عِمادًا لدينه
مليك تَولَّى الفضل بعد ضياعهِ … وهَذَّبَ هذا الدهر بعد جُنونه
ومَدَّ يَمينًا يُعذَرُ البحرُ والحَيا … إذا حَلَفَا يومَ النَّدى بيمينه
أخو صدقاتٍ يَقدِرُ المدح قدره … فما يشترى في المَدْحِ غير ثمينه
وما ذاك حاج للثناء وإِنَّما … سَجِيَّةُ فَيَّاضِ الغَمَامِ هَونه
ش في العُلا والعلم والبأس والنَّدى … فللهِ ما أَحلَى حَدِيثَ شُجُونه
стр. 6759
لَهُ مَنزِلٌ تَهْوِي المقاصِدُ نَحوَهُ … هُوِيَّ حَمامِ الأَيْكِ نَحوَ وُكُونه
إذا طلب المَلْكُ المؤَيّدُ مُعسِرٌ … أَتى بشرُهُ في وجهه كضمينه
عَجِبْتُ لِبِشر ضامن الوجهِ إِذْ غدا … يُطالبُهُ عَافي النَّدَى بديونه
وأروعَ يَهتزُّ الزَّمانُ لأمره … وما الطَّوْدُ أَرسَى جانبًا من سُكُونِهِ
كثيرُ السُّرى ما بينَ مُسْتَجِرِ القَنا … فيالكَ لَيْئًا سَائِرًا في عرينه
يلاقي العدا يوم الوغى مُتَبسمًا … كأنَّكَ قد لاقيتهُ بِخَدينه
وتُلهيه في الهيجاءِ رَنَّةُ قَوسِهِ … إِذا وَتَرٌ أَلهى امرًا برنينه
ولو شاء أغناه عن الجيشِ ذِكرُهُ … وَرُبَّ حُسام هَاذِمِ بِطَنِينه
أيا ملجًا أغنى عن الغَيثِ جُودُهُ … وأَغنتْهُ حَوماتُ الوَغَى عن حصونه
بِكَ ارتَدَّ مشكو الزَّمانِ عن الأذى … وأطلق أبناء المنى من سجونه
وقد كان ذا هَمْزِ يُحاذِرُ فانتهى … إلى مُدَّةٍ بَعد الإباء ولينه
وكَمْ لكَ عِنْدِي من ندى يفْضُلُ الثَّنا … ويَحْلِفُ أَنَّ الشَّعْرَ غير قرينه
إذا قلت قد قابلته بقصيدةٍ … بَداغيرُهُ مستظهرًا بِكَمِينه
فدونَكَ جُهدًا من قريحة مادح … يُقابِلُ أَبكار الصَّلاتِ بِعُونه
رأى أَنَّكَ البحر الذي طابَ وِرْدُهُ … فَجَاءَكَ من نَظمِ القَرِيضِ بِنُونه
وقوله (١): [من الكامل]
لولا معاني السحر من لحظاتها … ما طال تردادي إلى أبياتها
وَلَمَا وَقفْتُ على الدِّيارِ مُنادِيًا … قلبي المُتيم من وَرَا حُجُراتها
دار عَرفْتُ الوَجْدَ مُنذُ أَتيتُها … زَمنَ الوِصالِ فَلَيتني لَمْ آتِها
حيثُ الظَّبا وكَواعِبٌ وحَدائِقٌ … أنّى التفتُ وقعت في جنباتها
والرَّاحُ هَادِيَةُ السُّرورِ إلى الحشا … مِثلَ الكواكب في أَكُفِّ سُقاتِها
لا تظلم الأحزان في أيامها … أو ما تَرى كِسْرَى على كاساتها
كم ليلةٍ عاطيتُ صورتَهُ طِلًا … كادتْ تُحرِّكُ معطفيه بذاتها
فَلَئِنْ بَكيتُ فإنَّ هذا الدمع من … ذاك الحباب يفيض من جَنَباتِها
مالي وما للهوِ بَعدَ مفارِقٍ … قد نُفِّرتْ غربانها ببزاتها
والشيب في فَوْدِي يَخُطُّ أَهِلَّةً … مَعْنى المنون يلوح في نوناتها
سقيًا لروضات الشَّبابِ وإِنْ جَنَتْ … هذي القلوب على قُلوبِ جُناتِها
стр. 6760
وَلِدولة المَلِكِ المُؤيَّدِ إِنَّها … جَمَعَتْ فُنونَ المَدْحِ بَعدَ شَتَاتِها
مَلِكٌ لِيُمناه عوائدُ أَنعُم … أَلِفَتْ نُحاةُ الجُودِ في صلاتها
ما قال إلا في مُبادَرَةِ العَطًا … وتَناوَلِ الأمداح هاك وهاتها
أكرم بساحته التي لا صَدْحَ من … ورْقِ الثَّنا إلا على روضاتها
غَذَّى الرَّجَاءَ نَباتُها فانظر لها … وَشَاهُ من مَدْحٍ فَمُ ابْنِ نَباتِها
واهرع إلى الشخص الذي قد أُلْفتْ … كُلُّ القلوب له على رغباتها
وإذا حلى الملك المؤيَّدِ أَشرقَتْ … فاخشَعْ لِما تُمليه من آياتها
شَرَفٌ يحار النجمُ دونَ مَنالِهِ … وَلُها يَضِيعُ الغَيثُ في قطراتها
لم يَكفِ أَنْ جَلَّى الخطوبَ عن الوَرَى … حتى جَلا بِعُلومِهِ جَهَلَاتِها
للهِ فِيهِ سَرِيرَةٌ مَكنُونَةٌ … فَصِفاتُها الإعياء دون صفاتها
لا تطلب من القرائحِ حَصْرَما … أُفضي إليهِ وَعَد عن إعناتها
رَكَعَتْ لِذِكراه الحروف ولم تَكَدْ … تَتَبيَّنُ الألفاظ من دالاتها
وتَقَشعَتْ أَنواءُ كُلِّ غَمامةٍ … وَهِباتُهُ تَجري على عاداتها
يا ابن المُلُوكِ الناشرين لبيتهم … سِيرًا تُبيِّضُ من وجوه رواتِها
مَدَّ القَصِيرُ إلى يديكَ يمينَهُ … إِذْ كَانَ صُنْعُ الجُودِ من لَذَّاتِها
وَصَبَتْ إلى لقياكَ غَير مَلُومَةٍ … نَفْسٌ رَأَتْ جَدواكَ أَصلَ حَياتها
لا تُعتبُ الأَيَّامُ كيف تقلبت … بالقاطنين وأنت من حسناتها
وقوله (١): [من البسيط]
لثمتُ شَعْرَ عَذولي حِينَ سَمَّاكِ … فَلَذَّ حتى كأني لاثمٌ فَاكِ
حبًا لذكراك في سمعي وفي خَلَدِي … هذا وإِنْ جَرَحَتْ في القلب ذكراك
تيهي وصدي إذا ما شئتِ واحتكمي … على النفوس فإنَّ الحُسْنَ وَلاكِ
وطولي من عذابي في هواك عسى … يَطولُ في الحشر إيقافي وإيَّاكِ
في فِيكِ خمر وفي عطفِ الصِّبا مَيَدٌ … فَما تَثنيكِ إلا من ثناياكِ
وما بَلِيتُ لكوني فيكِ ذا تَلَفٍ … إلا لكون سعير القلب مَاواكِ
يا أدمعًا لي قد أنفقتها سَرَفًا … ما كان عن ذا الوفا والبر أغناكِ
ويا مُدِيرةَ صُدغيها كَقُبلتِها … لقد غَدَتْ أَوجهُ العُشَّاقِ تَرضاكِ
مهما سلونا فلا نَسلو ليالينا … وما نَسِينا فلا والله ننساكِ