قال: وللهند رسوم وسُنَن قد جرت عادتهم بها، ومنها ما يتدينون به، ومنها ما قد اصطلحوا عليه، ومنها ما ينفرد به فزقةً دون أخرى، ومنها ما يستحسنه بعضهم دون بعض، وشرح ذلك لا سبيل إليه لطوله، فمن سننهم أنهم يحرقون أنفسهم بالنار، وهذا شائع في سائر الهند مستعمل، وإذا أراد الواحد منهم أن يحرق نفسه إما أن يكون قد تفتى أو قد خاطر أو قد غَضِبَ، أو قد أمَرَهُ الملك بهذا ولمعنى غير هذه المعاني طاف البلد قبل ذلك بثلاثة أيام، وبين يديه طبل يضرب به ومعه مطرد وحوله من أهله ومن يتعصب له جماعة فيجمع في تلك الأيام الحطب والدهن ليوقده إذا عزم على أن يحرق نفسه، فإذا كان في اليوم الثالث جمع ذلك الحطب وأجَجَ النار، وصب عليها الدهن، ثُمَّ جلس في كفّة حديد مثل كفّة القبان وزج نفسه في النار وأهله حول النار بالحراب، فإذا أراد أن يخرج من النار ردّوه إليها بالحراب حتى يتقطع، وكل من حوله من أهله وإخوانه وغيرهم يقول له: تقرأ على فلان السلام وفلان يقول له: كذا وكذا، يذكرون له قومًا قد ماتوا وأحرقوا أنفسهم، وهم قوم يعتقدون التناسخ وعندهم أن الإنسان يرجع بعد أربعين يومًا إلا أن روحه تعود في هيكل غير هيكله. فأما أن تعود روحه في كلب أو حمار أو بقرة، أو فيل أو غير ذلك من الحيوان، وَهُمْ أحسن الناس طاعة لملوكهم، وربما قال له الملك: امض فوجّه إليَّ برأسك فيخرج من بين يديه ويمضي فيجذب غصنًا من شجرة أو رأس قناةٍ ويُشدّ ذؤابته وطُرَّتَهُ بها ويقطع رأس نفسه يجري مثل الماء من شدّة حدته وهو سكين بمقبضين فتعلق رأسه في الشجر ويسقط جسمه، ولكل ملك من ملوك الهند جماعة يختصهم بحسب حاله، وإن مات أو قتل أو حدث به حادث قتلوا أنفسهم وإن اعتل اعتلوا، ومهما لحقه فعلوا بأنفسهم مثله.
قال: وقال لي من رأى رجلًا من الهند بصندابور وهو يطوف وبين يديه طبول ومطارد، ومعه خلق منهم، وقد قوّر قحف رأس نفسه وقلبه، وجعل في مكانه مثل المسرجة وجَعَل فيه فتيلةً تَقِدُ ودُهنًا قد ضبّبَ رأسه بما يدور بصفيحة حديد وسمر فيه مسمارين وهو يمشي ويغنّي ويمضغ التانبول فلما كان في الثاني ضَعُفَ وخار ولم يمكنه الصبر إلى اليوم الثالث فأحرق نفسه في اليوم الثاني.
ومن غريب ما يحكى: أن شجر الكافور لا يُقْطَعُ لاستخراج ما فيه إلا بعد أن يَبيت مَنْ يريد قطع الشجرة تحتها ليلةً أو ليلتين أو ما اتفق له ليرى في نومه شيئًا تخاطبه به الشجرة، وذلك أن الواحد منهم يرى في نومه كأنّ الشجر تخاطبه أو يخاطبه مخاطب عنها لا تقطعني إلا بعد أن تذبح عندي كذا وتلطخني بدمه أو نحو هذا القول والعادة جارية بذلك على طول الدهر، وأنهم لا يجوز لهم قطع شجرة إلا بعد أن يرى تحتها من
стр. 702
ينام عندها، هذا فإما أن يلتمس أن يُذبح عندها جاموسًا أو شاة أو كلبًا أو خنزيرًا أو ضربًا من الحيوان، فحينئذ يذبحه من يريد قطع الشجرة عندها ويلطخها بدمه، ثم يقطعها وإنهم يعتقدون أن من قطع شجرةً من غير أن يفعل هذا لحقته عقوبة ولم ينتفع بما يستخرجه منها.
قال: وروى أنه قال: كنت يومًا بخالان عند زيد بن محمد وهو يومئذ الوالي على المسلمين والناظر في أحكامهم وعدواهم، وقد خرج من عنده إنسان اسمه جوامرد فخرج عليه قوم في الليل، فقاتلهم فقتل وأخذ رحله، فجاء الخبر إلى زيد، وكنت حاضرًا عنده، فقال جماعة حضروا من الفرس: الساعة يطمع الهند في الفرس ويقطعون عليهم الطريق وتنفسد أحوالهم، وهو يسمع الكلام فقال لي زيد: اسمع ما يقولون وإذا تفرّقوا نسوا ما تكلّموا به فقلت له: قد سمعت وسكت أيامًا، فلما كان بعد ذلك بنحو عشرين يومًا بكرتُ يومًا إلى سلامه، وإذا بقوم مكتفين فلم أدر ما هم فصبحته وجلست عنده، وجاء الناس للسلام عليه على الرسم فلما اجتمعوا قال زيد: يا أصحابنا، قد علمتم ما جرى على جوامرد، وهو رجل فارسي، وقد أخذت خُصماءه فليقم كل واحد منكم فليقتل واحدًا منهم كما قتلوا صاحبكم، وقد وجدنا بعض رحله وحسابه، فليتسلّم ذلك واحد منكم يبلغ به أهله ويخلّصني منه، ونظر إلي مذكرًا لي ما كانوا تكلّموا به في الأول، فَسَكَتَ الجماعة وما ردّ عليه أحد جوابًا، فقال: يا أصحابنا ليس هذا بمستو، توقعوني وتتبرأون، تجتمعون، وتتكلّمون بما تشتهون، فإذا حقت الحقائق أخذ كل واحد منكم في طريق ما تنصفوني، الله المستعان، ووجه إلى دار السلطان فطلب الذي بيده القتل، فقتل السرّاق وصلبهم على ساحل البلد، واتفق أن السلطان كان مجتازًا في الماء في عسكر كبير، فرأى رؤوسًا على خشب وقومًا مصلبين على الساحل، فقال السلطان: ما هذا؟ قالوا: لصوص قطعوا على أصحاب زيد فوجه خلفهم فوقعوا بيده فقتلهم، فقال السلطان: بارك الله فيه، ما علمت أن في الفرس من يجيء منه هذا، مَنْ يلومني على محبّة زيد، وهو يؤمّن الفرس في بلدي - ويحمل عني مثل هذا، وصار له عند السلطان بذلك يد.
فهذه جملة كافية فيما يحكى عن العجائب. ولو لم أجدها من تصنيف جليل لجليل ما نقلتها لكثرة ما يقال في مثل هذا مما يكاد يئن سقمًا ويتساقط وضعًا. على أن البحر لا حرج على من حدّث عن عجائبه، وأخبر عن غرائبه، وتلك الأقطار الشرقية كثير ما يحدث عنها، وإنما الاقتصاد أجمل، والاقتصار أخرى بالتصديق وإبراء لناقله من جاهل حاسد، أو عالم معاند.
стр. 703
الباب الرابع في القبلة والأدلة عليها
وفيه فصول:
الفصل الأول: في أقوال الفقهاء
وهو ما يحتاج إليه الظاعن والمقيم، ويقال قبلة البشر الكعبة، وقبلة أهل السماء البيت المعمور، وقبلة الكروبيين الكرسي، وقبلة حملة العرش العرش، ومطلوب الكل وجه الله تعالى ذكره المرغيناني (١).
واستقبال القبلة شرط لصلاة القادر إلا في شدة الخوف وثقل السفر، ومن أمكنه علم القبلة حُرّم عليه الاجتهاد والتقليد واليقين قد يحصل بالمعاينة وبغيرها، كالناشئ بمكة العارف يقينًا بإمارات، ويتعذر التحرير إلا بأخذ الارتفاع بالاسطرلاب المسمت، وفي هذا الباب تأليفات كثيرة، وبين الفقهاء خلاف، هل يشترط إصابة العين أو الجهة. وفي مذهب الشافعي قولان، وكذلك في مذهب مالك قولان، والأرجح في مذهب الشافعي أصابة العين، اتفق عليه القفال (٢) والعراقيون وصححه النواوي.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: والفرض في القبلة إصابة العين فمن قَرُب منها لزمته ذلك بيقين، ومَنْ بَعُدَ لزمه ذلك بالظنّ في أحد القولين. وفي القول الآخر الفرض لمن بعد الجهة، والأرجح في مذهب مالك إصابة الجهة لا العين للتعذر، ورجح الباجي إصابة العين، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه (٣)﴾. قال أي سمته، قال: وهو المشهور من مذهب مالك. ومذهب أبي حنيفة، الجهة لا العين للتعذّر وقالوا: هو للبعيد تكليف ما لا يطاق، وكذلك مذهب أحمد بن
стр. 704
حنبل إصابة الجهة لا العين، واستدل بالحديث: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
وقال المرغيناني من أصحاب أبي حنيفة: وإن تيامَنَ أو تياسر يجوز؛ لأن وجه الإنسان مقوّس، فعند التيامن أو التياسر يكون أحد جوانبه إلى القبلة، حكاه عنه قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد السروجي (١) في تأليفه في معرفة القبلة. وهذا خلاف للصحيح من قولي الشافعي؛ لأنّه يدل على أن استقبال القبلة بجميع جسده ليس بشرط.
وقال النواوي: إذا انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، نظر إن استدبرها وتحوّل إلى جهة أخرى عمدًا بَطَلَتْ صلاته، وإن فعله ناسيًا وعاد إلى الاستقبال على قُرب لم تبطل، وإن عاد بعد طول الفصل بَطَلَتْ على الأصح، وأما من هو في مدينة أو قرية، ولو كانت صغيرة بها محراب منصوب تداول المسلمون الصلاة إليه قرنًا بعد قرن، فلا يجوز له العدول عنه إلى الاجتهاد، بخلاف المحاريب المنصوبة في القرى الخربة التي لا ساكن بها، أو ما لا يعلم هل هو من بناء المسلمين أو الكفار، أو ما هو كالأعلام، أو على قوارع الطريق ممر المسلمين والكفار، والاجتهاد في ذلك أولى.
قال النواوي: وتصح داخل الكعبة صلاة الفريضة والنافلة. قال: وله أن يستقبل أي جدار شاء، وله استقبال الباب إن كان مردودًا أو مفتوحًا وله عتبة تقدير ثلثي ذراع تقريبًا. والواقف على سطحها إن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصح، وإن كان الشاخص من نفس الكعبة فحكمه حكم العتبة، ومَنْ هو خارج المسجد، إن عاين الكعبة صلى إليها، ومَنْ لم يعاين ولا تيقن الإصابة فله اعتماد الأدلة. ومن صلى في محراب صلى به رسول الله ﷺ كمحراب المدينة أو قباء استقبله ولم يجتهد، ولا يجوز التيامن ولا التياسر فيها، ولا في المحاريب التي كثر إليها دخول الصحابة ﵃ وصلاتهم إليها كالكوفة والبصرة. ويجوز فيما سوى ذلك الاجتهاد. ولا يصح الاجتهاد إلا بأدلة القبلة وأضعفها الرياح لاختلافها، والجبال والأنهار لتعاريجها، وأقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مستقبلًا للقبلة إن كان يتاخم الكوفة وبغداد وهمدان وقزوين وطبرستان وجرجان وما والاها، وإذا تيقن الخطأ في الاجتهاد قبل الشروع في
стр. 705
الصلاة أعرض إلى الجهة التي يَعْلَمُها أو يظنّها، وإن تيقن بعد الفراغ أعاد، وإن ظهر وهو متلبس بالصلاة استأنف على الصحيح لخصت هذا عن كلام النواوي رحمه الله تعالى وزدت قولي والجبال والأنهار لتعاريجها.
قال ابن الشاطر (١): والذي ذكره النواوي وقالته الفقهاء في هذه البلاد التي جعلوا سَمْتَها واحدًا فيه نظر؛ وذلك لأنها مختلفة الانحراف؛ لأن الكوفة (محل) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وبغداد (نح ب) وهو ثلاث عشرة درجة ونصف، وثلث همدان (له ل) وهو خمس وعشرون درجة ونصف وقزوين (له د) وهو خمس وعشرون درجة وثلث، وطبرستان (له ل) وهو اثنتان وثلاثون درجة ونصف، وجرجان (لذل) وهو سبع وثلاثون درجة ونصف وبين مقادير الانحراف في ذلك تفاوت كبير أقله (نح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف، وأكثره (لز د) وهو سبع وثلاثون درجة وثلث. فيكون التفاوت (لح ل) وهو ثلاث وعشرون درجة ونصف وثلث، وذلك تفاوت كثير، فكيف تكون الجهة واحدة، وكأن المراد بهذا التسمية دون الحقيقة.
قلت: وعلى هذا ذهب الجويني (٢) ﵀ قال: وسمْتُ القبلة لمن بعد الجهة دون العين، ولأن الفرض إطلاق التسمية في اللغة لا حقيقة المسامتة، ولو كان الفرض المسامتة كان من تكليف، لا يُطاق، وهذا غير واقع في الشرع، ومثل له مثالًا ملخصه أن الصف إذا كان بإزاء البيت حتى خرج عن مسامتة جداره لا يكون الخارج مستقبلًا ولا تصح صلاته، فلو كان الصف في أخريات مسوّر المسجد صَحَتْ صلاته ولو كان الصف ألفًا مع كون أكثرهم خارجين عن المسامتة. وكانوا كلهم مستقبلين، ثم قال: فالفرض في الشرع التسمية ذكر هذا بمعناه إن لم يكن كله بلفظة الجويني في غاية المطلب في دراية المذهب.
قلت: ووجه الفرق أن القريب لا يتسع بصره بل لا يتعدى ما تلقاءه.
стр. 706
والبعيد يتسع بصره، وإن كان الفرض في استقبال القبلة مع البعد انطباق المصلى على الخط المستقيم المار بالمصلي وبالبيت فلا سبيل إلى تحقيق ذلك بوجه من الوجوه. إلا بما أخذ توقيعًا من الشارع ﵊، وإلا فهو كما قال الجويني من تكليف ما لا يطاق وليس ذلك شرعًا.
قال ابن الشاطر: واعلم أن مخروط شعاع البصر يتسع مع البعد؛ لأن الإنسان إذا بعد عن جدار بمقدار طول ذلك الجدار واستقبل وسطه أدرك بصره طرفيه من غير أن يتيامن أو يتياسر، وإذا توهمنا خروج خطين مستقيمين من البصر إلى طرفي الحائط إلى غير نهاية، كان ما وقع بين هذين الخطين من وراء الجدار ان بعد أو قرب محجوبًا عن البصر، فإذ توهمنا زوال الحائط كان البصر مدركًا لجميع ما كان محجوبًا، فعلى هذا التقدير إذا وقعت مكة المعظمة فيما بين هذين الخطين، كان البصر لا محالة واقعًا عليها، وعلى ذلك أيضًا إذا تيامن أو تياسر بمقدار نصف سدس دور الأفق، وهو ثلاثون درجة عن حقيقة المسامتة عُرفت باستقراء التجريب، كان مع ذلك بصره واقعًا على البيت، ويُسمّى مُستقبلًا، فإن زاد المقدار عما ذكرنا لم يكن البصر واقعًا على البيت ولا يسمّى مستقبلًا، وإذ تقدر هذا فلا يجوز التيامن ولا التياسر عن حقيقة المسامتة بأكثر من هذا المقدر إذ لا يكون معه مستقبلًا، وذلك في التيامن والتياسر بستين درجة، ثلاثون متيامنًا، وثلاثون متياسرًا.
وهذه صورة مخروطي شعاع البصر والجدار ومواقع مكة وراءه تقديرًا حيث كانت.
стр. 707
الفصل الثاني: بدليل النجوم
منها: الشمس في مطلعها ومغربها، والقمر في سيره ومنازله، والنجوم في طلوعها وأفولها، والمجرة ويقال لها: سرج السماء والمجرّة تشبه أثر ما يجرّ به البعير وتسميها العامة طريق التبن. ذكر أرباب الهيأة أن السماء على مثال الكرة تدور بجميع ما فيها من الكواكب كدور الكرة على قطبين ثابتين غير متحركين شمالي وجنوبي، وذكر بطليموس: أن الفلك يدور مثل المنجنون يعني محلة الساقية، وأن الأرض معلّقة فيه بمنزلة مح البيضة منها، وقد تقدّم. قالوا: وأنها وسط الفلك، وقال أرسطاطاليس: إن الفلك بمنزلة الرحى في دورانها، فأما الشمس فمن أشْكَلَتْ عليه القبلة وكان بالمشرق يجعل الشمس خلفه في أول النهار وتلقاء وجهه في آخره. وإن كان بالمغرب فعلى العكس، وإن كان بالشام يجعلها في أول النهار على حاجبه الأيسر، وفي آخر النهار على حاجبه الأيمن، وإن كان باليمن فعلى العكس وتطلع الشمس في اليوم الرابع عشر من كانون الأول من الشهور السريانية والثامن عشر من كيهك من الشهور القبطية، وهو أقصر يوم في السنة وليلته أطول ليلة في السنة، وأول يوم من الشتاء ما بين مهب الجنوب والصبا مقابلة لوسط جدار الكعبة بين الركن اليماني والركن العراقي الذي فيه الحجر الأسود، وهو موضع مصلى النبي ﷺ قبل الهجرة، وتغرب في هذا اليوم بين الركن اليماني والركن المغربي، وهناك يهل الهلال في هذا الشهر، وتطلع في اليوم السابع عشر من حزيران والحادي والعشرين من بونه وهو أطول يوم في السنة وليلته أقصر ليلةً فيها، وأوّل يوم في الصيف مقابلة لوجه الكعبة، وتغرب في حيال ميزاب الرحمة، وهناك يهل الهلال في ذلك الشهر. وتطلع في الثالث عشر من آذار والسادس عشر من أيلول والسابع عشر من برمهات والتاسع عشر من توت وهما يوما الاستوائين على أبي قبيس مقابلة الركن اليماني، وتغرُبُ فيها مقابلة الركن الغربي، وهناك يهل الهلال في ذلك الشهر.
وقال أبو البقاء العكبري: تطلع من يسرة المصلّي مُحاذية بحرف كتفه تصعد في يسرته على حذو منكبه الأيسر إلى أن ينتهي علوها، وفي نقصان النهار تبعد حتى تصير عند قيامها محاذية لوجهه، وتصعد حتى تكون عند غروبها حذاء حرف كتفه اليمنى، وقيل إذا كانت الشمس في برج الجوزاء في آخر وقت الظهر، واستقبلت الشمس بوجهك فتلك القبلة.
وقال الشيخ أبو منصور الماتريدي: السبيل في معرفة جهة القبلة أن تنظر إلى مغرب الصيف في أطول أيام السنة وتعينه، ثم تنظرُ إِلى الشمس في أقصر ايام
стр. 708
السنة وتعيّنه ثم تدع الثلثين على يمينك والثلث على يسارك فتكون مستقبلًا القبلة إذا استقبلت ذلك الموضع.
قلت: هذا يفعله المقيم، وأما المسافر فيُجزيه أن يأخُذ من المكان المحرر باجتهادٍ على أعلام يستصحب بها توجه القبلة لا يحيطها تحرير الأدلة، فأما إذا لم يجد ما يكون منه على يقين لم يجزه الاجتهاد.
وأما القمر، فإنّه يطلع في أوّل الشهر على يمنة المصلّي، ويختلف تطلعه في اليمنة فربما كان مع قرب كتفه اليسرى، وربما كان إلى مقابلتها أقرب، وربما كان إلى مدابرتها أقرب، ويطلع ليلة ثمانية وعشرين رقيقًا لحظةً ثم يغيب على يسرة المصلى، وقيل في الليلة السابعة يكون في القبلة، ويغيب الهلال في الليلة الأولى على مضي ستة اسباع ساعة.
وأما النجوم، فأقوى الدلائل، إلا الجبال في المواضع القريبة من الكعبة، وأقوى النجوم القطب الشمالي، وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي. بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، وفي مهبّ الشمال. عالي مرتفع لا يغيب شتاء ولا صيفًا، وأكثر استدلال الناس على الجهات في البحر والبرية، لكونه غير زائل عن مكانه وحوله الكواكب جلية وخفية تسمى السمكة وفاس الرحى تدور حول أنجم دائرة كفراشة الرحى في أحد طرفيها (١) الفرقدان، وفي الآخر نجم مضيء يقابلها، وتدور الفراشة حول الجَدْي دوران فراشة الرحى حول سفودها، وحولها بنات نعش، يدور هناك القطب أبدًا كقطب الرحى والفرقدان يكون أعلاه في أول الليل، ثم يزولان عنه كلما تصرّم الليل، والجدي قطبها، لا يبرح مكانه في جميع الزمان، وإذا قوى نور القمر خفي، ويُعْرَفُ موضعه بالفرقدين.
قال في الصحاح: القطب نجم ثابت بين الجدي والفرقدين، وقطب الرحى بالحركات الثلاث، وفي المغني: الجدي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى في أحد طرفيها الفرقدان. وفي الآخر نجم مضيء يقابلهما، وتدور الفراشة حول الجدي دوران فراشة الرحى حول سفودها، وحولها بنات نعش تدور حولها، والجدي قطبها، لا يبرح مكانه في جميع الزمان، فإذا توجّه المصلي إلى القبلة وكان محاذيًا لظهر أذنه اليمنى على علوّها، ومتى صار الجدي مما يلي الغرب والفرقدان مما يلي الشرق فإنهما حينئذ حيال الركن الشامي.
стр. 709
وأما سهيل اليماني (١)،، فإنه لا يُرى بالأندلس ولا بخراسان لانخفاضه ويرى مع الفجر في آخر القيظ في السادس والعشرين من مُسرَى بمصر، فيطلع عند ظهوره حيال مصلى النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة، وهو ما بين الركن اليماني والعراقي. وقال في مكان آخر: القطب الشمالي في داخل السمكة عند رأسه الفرقدان وعند ذنبه الجدي وهو مقابل للقطب الجنوبي مثال ذلك (٢):
قطب وفرقدان ونعش أربعة نجوم مربّعة كالنعش تتبعها بناتها الثلاث مثال ذلك (٣):
وتغرب بنات نعش الكبرى والنسر الواقع (٤) حيال الميزاب سواءً وإن الإكليل (٥) إذا سقط كانت الشولة (٦) حيال الركن الغربي، وعند الفقيه أبي جعفر أنه قال: إذا قمت مستقبل المغارب عند العشاء الآخرة يكون فوق رأسك نجمان مضيئان، وهما بموضع زوال الشمس من رأسك، متقابلان، فالذي عن يمينك النسر الواقع، والذي عن يسارك، النسر الطائر (٧) كان سقوطه بوجهك بحذاء عينك اليمنى فالقبلة ما بينهما.
وقال السروجي: وعن صدر الإسلام القبلة ما بين النسرين قريبًا من عشرين ذراعًا من النسر الطائر، انتهى كلامه.
والقطب (٨) الذي بين الجدي والفرقدين يكون خلف أذن المصلي إذا كان بالمشرق وخلف أذنه اليسرى إذا كان بالمغرب، وبين كتفيه إذا كان بالشام وخلف أذنه
стр. 710
اليسرى إذا كان بالمغرب، وبين كتفيه إذا كان بالشام. وخلف كتفه اليسرى إذا كان بأرض مصر. وغروب بنات نعش خلف ظهره، ومطالع المغارب تلقاء وجهه، ويصلّي أهل مصر على حدّ مشرق الشتاء، إلا أهل أسوان، فإنها أشدّ تشريقًا من البلاد الشمالية لقربها من الجنوب. والقطب قبالة وجهه إذا كان باليمن.
وأما المجرّة، فإنها تكون ممتدة على كتف المصلّي اليُسرى إلى القبلة، ثم يلتوي رأسها حتى تصير في آخر الليل على كتفه اليمنى، فاعرف ذلك. هذا ما ذكره، وفيه نظر.
الفصل الثالث: بدليل الرياح
وأما صفة مهاب الرياح إلى الكعبة ومواضع مطالعها، فاعلم أن الرياح الأربع وهي الشمال والجنوب والصبا والدبور تقابل أركان الكعبة الأربعة. فالصبا شرقية تقابل الركن العراقي الذي به الحجر الأسود، سُميت الصبا؛ لأنها تصبو إلى وجه الكعبة، ومهبها بين مصلّى آدم ﵇ إلى الميزاب، وهو بين الركن الشامي والركن الغربي، ثم ريح الدبور، سميت بها؛ لأنها تأتي من دبر الكعبة وهي غربيه؛ لأنها تقابل الركن الغربي، ومهبّها حيال الميزاب إلى ما بين الركن اليماني والغربي، ثم ريح الجنوب، سميت به لأنها تستقبل الجانب الأيمن من الكعبة، وهي يمانية؛ لأنها تقابل الركن اليماني، ومهبها بين الركن الغربي والركن اليماني إلى مصلى نبي الله ﷺ قبل الهجرة، وتخرج من تحت سهيل وتهبّ من يسرة المصلي مستقبلةً بطن كتفه اليسرى إلى ظهر كتفه اليمنى مارّةً مِنْ يسرتها إلى يمنتها على ازورار إلى ما يلي وجهه. والشمال يقابلها والدبور تهب مستقبلةً للمصلّي تلي شق وجهها الأيمن تستقبل ظهر البيت والصبا يقابلها، فالحاصل أن الصبا تقابل الدبور والشمال تقابل الجنوب، وكل ريح بين ريحين من الرياح الأربع المذكورة ههنا نكباء. وقد أوضح هذا العلامة حجة المذهب آخر المجتهدين قاضي القضاة تقي الدين، مفيد الطالبين، أبو الحسن علي بن عبد الكافي (١) السبكي الشافعي، نفع الله به، ومن خطه نقلت. قال: الاستدلال
стр. 711
بالرياح على القبلة له شرطان: أحدهما أن يعرف مهبها، فإن الصبا تهب من نقطة الاعتدال الشرقية وهي مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار، والشمال تهب من القطب الشمالي وهي عبارة عن نقطة مُتوهمة بين الجدي والفرقدين، ومن الفقهاء من يقول: هو نجم صغير، وليس كذلك، بل هو موضع من الفلك، وارتفاعه عندنا في هذه البلاد أعني ديار مصر ثلاثين درجة، ومقابله القطب الجنوبي منخفض عن الأرض ثلاثون درجة، والقطبان ثابتان لا يدوران والفلك دائر عليهما من الشرق إلى الغرب، وإذا فُرِضَ خط خارج من أحد القطبين إلى الآخر، وخط خارج من أحد نقطتي الاعتدال إلى الآخر تقاطعا على زوايا قائمة، ويسمى الخط الذي بين القطبين خط نصف النهار. والخط الذي بين نقطتي الاعتدال خط الشرق والمغرب، فهذا لابد لمن يقصد معرفة القبلة من معرفته، فإذا لم ير كوكبًا وهبَّتْ ريح وعرف أنها من أي الرياح هي، عَرَفَ جهتها وقد يخفى عليه بأن تكون الريح نكباء، وهي التي تهب بين جهتين، أو بأن تستدير الريحُ استدارةً تمنع من معرفة مهبّها، فلابد أن يكون الشخص مميزًا لذلك، وكثير من أهل التجربة يعرفون ذلك، فإذا ميّزه وعَرَفَه وغلب على ظنه استواؤها ومكان خروجها ضبطَهُ، وهي غلبة الجهات الأربع، فأنها أصل الأعمال كلها.
الشرط الثاني: أن يعرف بلده في أي جهة من جهات الكعبة، فإن مكان الكعبة شرفها الله معلوم، وهي ليست مبنية على تربيع الجهات ولا بين جهتين على السواء، وإنما وجه الكعبة شرفها الله تعالى وبابها إلى الشرق بشمال، وجهة الميزاب شمال بغرب، وظهر الكعبة غرب بجنوب، وبين الركنين جُنوبٌ مُشرِّق، وأقطار الدنيا محيطة بها، فديار مصر بين الميزاب والركن الشمالي، فهي شمال بغرب يسير، فإذا هبت ريح الشمال وجعلها المصلّي وراء ظهره سواءًا استقبل الجنوب فإذا انحرف إلى يساره قدر شبر إلا عقد، كان قد أخذ ظهره من الربع الغربي أكثر من ثلثه قليلًا، وحينئذ يكون مستقبلًا الكعبة، وفي كل بلد يصنع بحسبه، وكل جزء من الكعبة يمكن أن يحرّر إلى أي جهة هو وإلى أي جزء من كل جهة، وهذا يظهر في مكة على التحرير. فقال: هذا المكان يستقبل مثلًا مطلع الشمس وقت الاعتدال أو الدرجة الثانية منه أو الثالثة أو الرابعة، وهكذا إلى تمام ثلاثمائة وستين درجة، حتى ينتهي إلى المكان الذي بدأ فيعرف الجهات الأربع على التحرير، وكل ربع منها وكل درجة إلى أين ينتهي منه بحيث إذا هبت ريح من تلك الدرجة انتهت إلى ذلك الجزء من الكعبة. وكون بلده في أي ربع هو لا يخفى، فإذا عرفه وعرف مهب الريح من شمال أو جنوب أو صبا أو دبور فرض
стр. 712
دائرة من مهبّها إليه وقسمها بذهنه ثلاثمائة وستين جزءًا وقد حفظ الجزء الذي ينتهي إلى الكعبة فيجعله وراء ظهره، ويستقبل فتكون القبلة أمامه، ومتى لم يعرف بَلَدَهُ أين هي لا يفيده معرفة الريح؛ لأن الصبا تأتي في وجه الكعبة، فإذا استقبلها أهل اليمن كانوا مستقبلين الكعبة، وإذا استقبلها أهل العراق كانوا مستدبرين الكعبة، فإذا كان الإنسان في مكان مجهول لا يعرف هل هو حكم اليمن أو حكم العراق مثلًا لا يفيده معرفة الرياح شيئًا. هذا آخر ما نقلته مما كتبه، ورأيه أن مهب الرياح ليس على مخارج أركان الكعبة، ولا على جنباتها، بل هو دال بهبوبه عليها.
الفصل الرابع: بدليل الجبال
ونحن نذكر من مشاهيرها، فمن ذلك: الجبل الممتد غربي النيل على نيل الدمادم، ويُسمى نيل السودان، فمن كان وراءه جعل هذا الجبل قبلته، تلقاء وجهه متشاملًا، ومن كان شرقيّه استدبره وراء ظهره متشاملًا، ومن ذلك الجبل الفاصل بين طليطلة ووادي آش، وهو المعروف بهيكل الزهرة.
والقبلة حيث يجعله أهل وادي آش على يسارهم، وأهل طليطلة على يمينهم ثم يستقبلون بتشريق ضفة البحر الشامي مع سفحه.
وعامة جبال إفريقية وبرّ العدوة يستدبرها المصلّي منحرفًا إلى الجنوب بتشريق، وكذلك الجبل الفاصل بين بلاد الأندلس والأرض الكبيرة (١) وكذلك الأمم الخارجة من البحر الشامي مع زيادة تشريق، والجبل الممتد على الشام المسمى في كل أرض باسم يستدبره المصلّي مع بعض تشريق إلا عند دمشق. فإنه يأخذ على بعض تغريب لانعطاف الجبل. وجبال أذربيجان وأرمينية يجعلها المصلي على منكبه الأيسر، ويستقبل الجنوب بتغريب.
وجبال الروم يجعلها من هو داخلها إلى البحر الشامي على منكبه الأيسر ومن هو خارجها إلى جهة ملطية (٢) على منكبه الأيمن، ويستقبلون الجنوب بتشريق.
وجبال قزوين وأصفهان، يجعلها المصلّي على منكبه الأيسر ويستقبل ما بين
стр. 713
الجنوب والغرب يميل إلى الجنوب.
وجبال مصر، حكمها حكم النيل، لاكتنافها له يمينًا ويسارًا.
وجبال اليمن جميعها يستدبرها المصلي منحرفًا بوجهه إلى الشمال. وأما الجبال فوجهها مستقبلة البيت.
قال أبو البقاء: اعلم أن لكل شيء وجهًا. تقول: هذا وجه الحائط، ووجه الشجرة تريد موضع فكل جبل وجهه مستقبل الكعبة يعرف ذلك مكانه ومن كثر اجتيازه به.
الفصل الخامس: بدليل الأنهار
ونحن نذكر أشهرها على صحيح الاستقامة في عمود كل نهر لا على ما تعترضه من التعريجات أو يشق منه من الأنهار.
فمنها: النيل، وهو نيلان نيل السودان ونيل مصر، فأما نيل السودان فهو آخذ بعد انحداره من الجنوب إلى الشمال فيما خلف المعمور من الشرق حتى يصب في المحيط بالغرب كما ذكرنا، وجميع من على ضفتيه قبلتهم مع استقبال جرية الماء في انحراف على يسارهم إلى الشمال المحض، فمن كانت ديارهم على ضفته الغربية، فمن مصبه في البحر الشامي بدمياط ورشيد إلى الواحات الخارجية، وما يُسامِتُ أسوان إلى الدو شرق محض، وضفة النيل تلقاء وجوههم. ومن الدو إلى دنقلة إلى أقصى الجنوب قبلتهم إلى ضفة النيل مع ميل إلى منحدر الماء بين تشريق وشمال، ومَنْ كانت ديارهم على ضفته الشرقية فَمِنْ مصبّه في البحر الشامي بدمياط ورشيد إلى قوص وأسوان قبلتهم وضفة النيل على أيمانهم مع استقبال جرية الماء من تشريق - وجنوب - ومن أسوان إلى مقابل الدو قبلتهم شرق محض، وضفة النيل وراء ظهورهم، مع ميل إلى منحدر الماء بين تشريق وشمال:
وأما الفرات: فالقبلة على يمينها مع منحدر الماء مائلًا إلى التغريب.
وأما دجلة فكذلك.
وأما نهر الكرّ ونهر الرس (١) فالقبلة حيث يجعلهما الواقف من وراء الظهر وينحرف إلى اليسار جنوبًا بتغريب.
стр. 714
وأما جيحون (١)، فالقبلة مع وراب زائد على يسار المصلّي حتى يكون النهر على الكتف اليمنى لسكان ضفته الجنوبية، وعلى الكتف اليسرى لسكان ضفته الشمالية، والقبلة إلى مغارب جنوبهم.
وأما نهر السُّغد (٢) المنصب من جبال البتم؛ فالقبلة على يساره للغرب.
وأما نهر مكران (٣) السند، فقبلة السكان على ضفتيه على يسار مجراه إلى الجنوب، لا بتغريب، وكذلك مشاهير أنهار الهند، وهو نهر بهنك (٤) ونهر القنوج (٥) ونهر جينجس (٦) الآخذ على مشاريق كابل، وكذلك نهر كلها (٧) بالصين مع زيادة تغريب ومثله نهر حمدان (٨) الأعظم.
وقال السروجي: وأما الأنهار والمياه، فإنها كلّها جارية من يمنة المصلّي إلى يسرته على انحراف بقرب من كتفه اليمنى، ويعد من الماء في اليسرى كدجلة والفرات والنهروان وغيرها من الأنهار، إلا نهرين أحدهما بخراسان والآخر بالشام يُسمى العاصي، ويقال لكلِّ منهما المعكوس؛ لأنهما مخالفان بجريان الماء؛ لأنهما يجريان يسرة المصلّي إلى يمنته. ولا اعتبار بالمحدثة والسواقي؛ لأنها بحسب الحاجات. ونيل مصر أيضًا يجري إلى الشمال خلاف الأنهار.
وأما مشاهير أنهار الغرب فهي آخذة من الجنوب إلى الشمال، وموقع القبلة بها حيث تَزْوَرُّ عن منكب المصلّي مع استقبال الجرية بانحراف إلى الشرق، أخبرني بتلك الثقة، وقال: مثل وادي سُبو (٩) ومثل وادي ملوية (١٠) ووادي بهت.
стр. 715
الفصل السادس: في قبلة كل أرض
ونحن نبدأ في هذا الفصل بذكر الكعبة المشرفة التي أمرنا باستقبالها، وإليها التوجه من كل جهة بالصلاة والحج والعمرة والمناسك المفترضة. قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ (١)، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (٣) يعني قوامًا لصلاتهم، وهي عماد الدين وآكد الفرائض. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤).
وعن النبي ﷺ أنه قال: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة، وقد تقدم القول على أقوال الفقهاء في ذلك.
стр. 716
وهذه صورة الكعبة المعظمة.
زادها الله تشريفًا وتعظيمًا
стр. 717
وأما قبلة أهل كل أرض من جهات الكعبة الشريفة، فاعلم أن أهل القادسية والكوفة وبغداد والموصل وحلوان وهمذان والري ونيسابور ومرو الروذ وخوارزم وبخاري والشاش وفرغانة وما كان من البلاد على سَمْتِ ذلك يستقبلون من الكعبة مصلّى آدم ﵇ إلى بابها (١)، ومن كان في هذه البلاد وما سامتها واراد التوجّه إليها من ذلك يجعل بنات نعش الكبرى إِذا طَلَعَتْ على أذنه اليمنى، والهنعة (٢) إِذا طَلَعَتْ بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسرى، والعيوق (٣) إذا طلع على فقار ظهره، والجدي على خده الأيمن. والقطب الشمالي على كتفه اليُمنى وريح الصبا على كتفه اليسرى، وريح الشمال على عاتقه الأيمن على قفاه والدبور على صفحة خده الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، فمن استدل في هذه البلاد وفيما يُسامتها بهذه الدلائل أو ببعضها في بر أو بحر، سَهْلٍ أو جَبَل، فقد استقبل جهة القبلة التي أمر باستقبالها.
واعلم أن أهل البصرة والأهواز وفارس وأصبهان وكرمان وسجستان وبست وهراة إلى بلاد الصين إلى البحر الأسود، وما كان من البلاد على سَمْت ذلك يستقبلون في صلاتهم من باب الكعبة إلى الركن الأسود (٤)، فَمَنْ كان في هذه البلاد وما سامتها يجعل في هذه القطب على أذنه اليمنى، والنسر الواقع خلفه، والشولة إذا تدلَّت للغروب بين عينيه، والشرطين (٥) والبطين (٦) إذا طلعا على فقار ظهره، ومشرق الصيف خلف كتفه اليمنى، ومهب الصبا على كتفه اليسرى وريح الشمال على أذنه اليمنى والجنوب على عينه اليسرى، والدبور على خده الأيمن.
واعلم أن مَنْ كان بالسند والهند والمهرجان وكابل والقندهار، وما وراء ذلك مما يُسامته من البلاد يستقبل الركن العراقي إلى مصلى النبي ﷺ (٧)، ويجعل بنات نعش إذا طَلَعَتْ على خده الأيمن والقطب على عينه اليمنى، وريح الصبا خلف أذنه اليمنى
стр. 718
والشمال على خده الأيمن، والدبور على خده الأيسر، والجنوب على كتفه اليسرى.
واعلم أن مَنْ كان باليمن والسدير والتهائم إلى عدن والبحرين وحضرموت والشحر وصنعاء، وهي نجدية، وكذلك صعدة إلى البحر الأسود، وما كان من أهل هذه البلاد على سمت ذلك، يستقبل مُصلّى النبي ﷺ إلى الركن اليماني، ويجعل القطب بين عينيه، وسهيلًا إذا طلع على أذنه اليمنى، وإِذا غَرَبَ خلف أذنه اليسرى، ومشرق الشتاء على أُذنه اليمنى، والصبا على كتفه اليمنى، والشمال تلقاء وجهه، والدبور على جنبه الأيسر، والجنوب على كتفه اليسرى.
واعلم أن من كان ببلاد الحبشة، وجزائر فارس، وكان من البلاد على سمت ذلك يستقبل من الركن اليماني إلى الباب المسدود، ويجعل الثريا إِذا طَلَعَتْ على فقار ظهره، والنسر الطائر إذا غاب على أذنه اليمنى والقطب على أذنه اليسرى، وريح الصبا على يمينه والشمال تلقاء وجهه، والدبور على شماله والجنوب على خلفه.
واعلم أن مَنْ كان بالنوبة والبجاة وغانة ومغارب اليمن وبلاد السودان وصعيد مصر والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان والمعين نحو ذلك، يستقبل الباب المسدود إلى ما دون الركن الغربي بسبعة أذرع ويجعل العيوق إذا طلع بين عينيه، والثريا على عينه اليمنى، والشولة إذا غربت بين كتفيه والقطب على صفحة خده الأيسر، ومشرق الصيف قبالته ومغرب الشتاء خلفه، وريح الصبا على عينه اليمنى والشمال على حاجبه الأيسر، والدبور على أذنه اليسرى، والجنوب على كتفه اليمنى.
واعلم أن من كان بالأندلس والمغرب من أهل طرابلس وإفريقية، وما كان من البلاد على سَمْتِ ذلك يستقبل من دون الركن الغربي بسبعة أذرع إلى الركن الغربي، ويجعل الثريا إذا طَلَعَتْ بين عينيه والشعرى على عينه اليمنى، والعيوق إذا غرب خلفه، وريح الصَّبَا قبالتَهُ، والدبور خلف ظهره، والشمال على كتفه اليسرى، والجنوب على كتفه اليمنى.
واعلم أن مَنْ كان بأرض الاسكندرية ومصر إلى القيروان إلى تاهرت والسوس الأقصى إلى البحر الأسود وما يُسامِتُ ذلك من البلاد، يستقبل من الركن إلى ميزاب الرحمة، ويجعل الأحجرة إِذا طَلَعَتْ بين عينيه، وبنات نعش إذا غربت على كتفه اليسرى، وإذا طلعت على أذنه اليسرى والقطب على أذنه اليسرى، وريح الصبا على جنبه الأيسر، والشمال خلف أذنه اليسرى والدبور خلفه، والجنوب على عينه اليمنى.
واعلم إن أهل مدينة رسول الله ﷺ ، وأهل الحجاز والرملة وبيت المقدس
стр. 719
وفلسطين وطرسوس والمصيصة وأرض الروم وما يسامتها من الأراضي يستقبلون ميزاب الكعبة، ويُسمّيه أهل مكة ميزاب الرحمة، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلتين للبول والغائط؛ لأن من كان بالمدينة واستقبل القبلة فقد استدبر الصخرة، فكان نهيه عن استقبال القبلتين بالبول والغائط، نهيًا عن استقبال الكعبة واستدبارها، ثم قال: ولكن شرقوا أو غرّبوا، تكون الكعبة عن يمينه وبيت المقدس عن يساره، أو الكعبة عن شماله وبيت المقدس عن يمينه، وهذا خاص بأهل المدينة.
فمن كان في هذه البلاد يجعل بنات نعش إذا غربت خلفه، وسهيلًا إذا طلع بين عينيه، والنسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، وإذا غرب خلف أذنه اليمنى، وريح الصبا على عينه اليسرى، والشمال خلف أذنه اليسرى، والدبور خلف أذنه اليمنى، والجنوب على حاجبه الإيمن.
واعلم أن قبلة الشام خلا الرملة وبيت المقدس، وما كان من البلاد على سَمْتِهِ، ميزاب الكعبة إلى الركن اليماني، ويجعل المصلّى في تلك الجهات بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى أو الجدي إذا علا على منكبه الأيسر أو الهنعة إذا طَلَعَتْ عن شماله، والصبا على صفحة خده الأيسر، والشمال على مرجع الكتف اليمنى أو الدبور على أذنه اليمنى إلى قفاه، والجنوب تلقاء وجهه.
واعلم أن مَنْ كان بملطية وشميصات وزبطة ومرعش والجزيرة ونصيبين وأرمينية إلى باب الأبواب، يستقبل من الركن الشامي إلى مصلّى آدم ﵇، ويجعل عيوق الثريا إذا طلع خلف أذنه اليسرى إلى قفاه، وإذا غرب على جنبه الأيمن. والقطب على أذنه اليمنى إلى قفاه وشرق الشتاء على العظم الذي خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على كتفه اليسرى، أو الشمال على صفحة خده الأيمن، أو الدبور على عاتقه الأيمن إلى عينه اليمنى أو الجنوب على عينه اليسرى.
ولا بد لمن أراد استعمال ما ذكرته في هذا الفصل من معرفة الكواكب التي سميناها، وهي يسيرة فيعرفها بأعيانها بموقف، وكذلك الرياح ومهباتها فإنه يصل بذلك إلى بغيته ومُرادِهِ إِنْ شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن المبارك (١): من أصحابنا أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف
стр. 720
القفا في استقبال القبلة. قال: ونحن نجعله خلف الأذن اليمنى.
وعن أبي يوسف (١)، قال في قبلة أهل الري: الجدي على منكبك الأيمن وقيل فيما سوى ذلك إذا جعلت بنات نعش الصغرى على أذنك اليمنى وانحرفت قليلًا إلى شمالك فتلك القبلة.
وعن ابن المبارك وابن مطيع (٢) وأبي معاذ (٣) وسلم بن سالم (٤) وعلي بن يونس، أنهم قالوا: قبلتنا العقرب، ذكره المرغياني، وقيل: قبلة أهل الشام الركن الشامي، وقبلة أهل المدينة موضع الحطيم، يعني الحجر والميزان، وقبلة أهل اليمن الركن اليماني، وقبلة أهل الهند وما يتصل بها ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وقبلة خراسان والمشرق الباب، ومقام إبراهيم. وأن يتيامن أو يتياسر يجوز؛ لأنّ وجه الإنسان متقوّس، وقد تقدم ذكره.
وعن سلام بن حكيم محاريب خراسان إلى الحجر الأسود، وفي ميسرة الكعبة، فمن توجّه إلى الكعبة ومال بوجهه إلى ميسرة القبلة، وقع وجهه إلى جبل قبيس ومَنْ مال بوجهِهِ إِلى يمنتها، وَقَعَ وجهُهُ إِلى الكعبة، ولهذا قيل يجب أن يميل إلى يمنتها. قال: ومحاريب الدنيا كلها نُصِبَتْ بالتحري حتى مِنِّى.
قال السروجي: ويجب أن يستثنى محراب النبي ﷺ والمحاريب التي ثَبَتَ أنه صلّى إليها. وبالله التوفيق.
هذا آخر الباب الرابع وخاتمته:
стр. 721
فصل جامع:
يشتمل على ذكر تداخل الشهور والكواكب الثابتة والسيارة.
وصورة الأفلاك والقول في الخسوف والكسوف، وما يستطرد في ذلك، ويتدرج معه، وقد ذكرناه لما يُحتاج إليه في الاستدلال على القبلة والطرق ونحو ذلك، مما لا يخلو من فائدة يتعلق بعضها ببعض.
[الكواكب الثابتة]
هذه نبذة يحتاج إليها من أمر الكواكب الثابتة من صُوَرِها وأوضاعها وأزمان طلوعها وغروبها وتوسطها السماء في أوقات مخصوصة من الليل والنهار في جميع أيام السنة الشمسية في سائر بقاع الأرض، ومن الواجب أن نقدم قبل الخوض في ذلك مقدمة في كيفية استخراج سني شهور القبط وشهورهم ليكون تقييد أوقات طلوع الكواكب المذكورة، وبيان ذلك على ما جَرَتْ به الرسوم القديمة والحديثة: أن تضرب السنون العربية التامة الماضية من هجرة الرسول ﵊ في ثلاثمائة وأربعة وخمسين وخمس وسدس، ويزاد على المبلغ أيام السنة الناقصة، ثم يزاد على المبلغ وهو المسمى بالأصل (العى) مائة ألف وثلاثة وعشرون ألفًا وثلاثة مائة وأربعة وأربعون، ثم تلقي المبلغ ثلاثمائة وخمسة وستين وربع، فما خرج في العدد تلقى لكل مائة منه واحد، وما بقي دون ثلثمائة وخمسة وستين فهي أيام من السنة المنكسرة، فأجعل لكل ثلاثين منها شهرًا، وما بقي دون ثلاثين فهو أيام من الشهر الناقص، فإذا فعلنا ذلك، فنكون قد تحصلنا على السنين الماضية من تاريخ دقلطيانوس (١)، وهو تاريخ القبط، وكذلك الشهور والأيام، وهنالك يظهر أول كل سنة أردنا ما هو من الأيام من سني القبط، وكذلك أول كل شهر. ومن بعد ذلك يُستحبّ أن نوضح أوائل السنين والشهور ما هي من أيام الأسبوع بطريق قريب المتناول ليس بخارج عن الأصول، وكذلك إذا أردنا أول سنة من سني القبط ما هو من أيام الأسبوع فنأخذ السنين التامة القبطية الماضية ونزيد عليها رُبعَها بغير كسر فما بلغ زدنا عليه لكل مائة سنة من السنين التامة واحدًا أو دونها فالغهِ ولا تأخذ له شيئًا. وإلا فخذ له يومًا، وزد
стр. 722
على المجتمع أربعة أبدًا، فما بلغ ألقه سبعةً سبعةً، وما بقي دون ذلك عَدَدْتَهُ من يوم الأحد، فما انتهيت إليه من الأيام فهو اليوم الذي به تدخل تلك السنة، وهو أول توت. ويوم النيروز عند أهل مصر .. وشهور القبط أسماؤها (١):
توت (٢) ثم بابه (٣)، ثم هتور (٤)، ثم كيهك (٥)، ثم طوبه (٦) ثم أمشير (٧) ثم برقهات (٨) ثم برمودة ثم بشنس، ثم بؤنة (٩) ثم أبيب (١٠) ثم مَسْرَى (١١)، وبعد ذلك خمسة أيام تُسمّى أيام النسيء (١٢) في السنة التي ليست بكبيسة، وأما في الكبيسة فالنسيء ستة أيام، وتعرف الكبيسة من غيرها من قبل أخذ ربع السنين الماضية كما مَرَّ، فإن لم يكن فيه كسر فكبيسة وإلا فلا .. ومعرفة أول كل شهر غير توت بضابط كلّي هو أن تَعُدَّ من أول شهور السنة أعني توت إلى الشهر الذي تريد أوله وتزيد على المبلغ مثله، وتنقص من الحاصل واحدًا، فما بقي ألقه سبعة سبعة، فما بقي دون ذلك عُدَّ به من يوم النيروز، فما انتهيْتَ إِليه من الأيام فهو أول ذلك الشهر.
ومما استنبطته من أعمال التواريخ لتاريخ القبط المعرفة أول يوم من أي سنة شيئًا ما هو من أيام الأسبوع طريق في غاية السهولة، وتلك أن تلقي مما مضى من السني التامة ألفًا وثمانية وأربعين سنة، وما بقي دون ذلك يزاد عليه ربعه من غير كسر فما بلغ إن كان دون سبعة فعد به من يوم الأحد تنتهي إلى اليوم المطلوب، وإن كان سبعة فالقه سبعة سبعة فما بقي دون ذلك عُدَّ به من يوم الأحد تنتهي إلى اليوم المطلوب.
واعلم أن التاريخ القبطي لآخر سنة أربعين وسبعمائة من سني العرب بمقتضى الحساب المتقدم ألف سنة وخمسة وخمسون سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام.
فهذا ما يليق بهذه النبذة من الكلام على سنة القبط وشهورها. وأعلم أن سنة القبط نوع من السنة الشمسية؛ لأن الشمسية تصدق على هذه وعلى سنة السريانيين وسنة
стр. 723
الكلدانيين، وايام الكل مقدارها واحد، والاختلاف الحاصل بينها ليس إلا في عدة أيام الشهور؛ لأن شهور السريانيين والكلدانيين متفقة في المقدار من قبل أن عدد أيام شهور كلتيهما لا يوافق بعضه بعضًا، وأما أيام شهور القبط فقد سبق أنها متوافقة بعضها لبعض فإنها ثلاثين ثلاثين، وشهور الكلدانيين إنما تخالف شهور السريانيين في الأول، وأما في الكبيس فلا، وكلما سبق لأحدهما من العمل أو الحكم جاز في الآخر، وبيانه أنه إذا كان أحد هذين التاريخين معلومًا كان الآخر معلومًا؛ لأن الاختلاف في أول شهر السنة لا غير، فعند الروم وهم الكلدانيون كانون الأول وعند السريانيين تشرين الأول، وعلى الأول عمل المغاربة والفرنج في زماننا وباقي البلاد على الثاني وها أنا أريك أسماء كل منهنَّ، وكيف تعلم أول كل شهر نشأ منهنّ وتوابع ذلك إن شاء الله بأوضح السبيل.
أسماء شهور السريانيين: تشرين الأول، أحد وثلاثون يومًا، تشرين الثاني ثلاثون يومًا. كانون الأول، أحد وثلاثون يومًا، كانون الثاني أحد وثلاثون يومًا. شباط ثمانية وعشرون يومًا وربع يوم، فالسنة السريانية إذا كانت كبيسة اجتمع من هذا الكسر يوم فيصير شباط تسعة وعشرين يومًا، وفي غير الكبيسة يحسب ثمانية وعشرون يومًا. آذار أحد وثلاثون يومًا، نيسان ثلاثون يومًا، أيار أحد وثلاثون يومًا، حزيران ثلاثون يومًا، تموز أحد وثلاثون يومًا آب أحد وثلاثون يومًا، أيلول ثلاثون يومًا. ومجموع هذه الأيام ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع يوم، وهو مقدار أيام السنة الشمسية بالتقريب.
أسماء شهور الكلدانيين: أكتوبر، وهو موافق تشرين الأول، بل هو في الحقيقة هو. إنما اختلف اسمه، وكذلك بقية الشهور على هذا المنوال، على ما أنا واصفُهُ إِنْ شاء الله تعالى. ثم نوبير، ثم دجنبر وهو مخالف لكانون الأول في الكبيسية، فإنه يكون فيها اثنان وثلاثون يومًا، فيجعلون اليوم الزائد فيه كما جعله السريانيون في شباط، ثم ينير، ثم فبرير، وهو دائمًا في الكبيسة وغيرها ثمانية وعشرون يومًا، ثم مارس، ثم إبريل، ثم مايه، ثم يونيه، ثم يوليه، ثم أغشت ثم شتنبر.
ومن بعد أن نقرر ذلك نبين مداخل هذه الشهور في أشهر القبط، حتى إذا علم ذلك، وكان الماضي من الشهور القبطية معلومًا فيلزم أن يكون الماضي من هذه الشهور معلومًا، فنقول:
قد وضع أهل الصناعة الفلكية لكل شهر حرفًا من حروف الجمل يدلُّ على مقدار الأيام الماضية من الشهر القبطي إِذا دَخَلَ أول يوم من الشهر السرياني أو الكلداني
стр. 724
الموافق له، فكانت الحروف اثني عشر حرفًا. الأول منها دلالة على عدد الأيام الماضية من شهر توت عند دخول أيلول أو شتنبر، وهو أربعة والثاني أيضًا أربعة يدل على أن ذلك هو الماضي من شهر بابة عِنْدَ دخول أول تشرين الأول أو أكتوبر وعلى هذا المنهاج ثم بالترتيب في أعداد الشهور، وهذه هي الأحرف التي أخبرت عنها:
د د هـ هـ و ر هـ و و ز ز ح
ولنصف على أثر ذلك كيف تُعلم الكبيسة في سني السريانيين والكلدانيين من غيرها: يجب أن تعلم أن تاريخ السريان مبدؤه هو يوم الاثنين أول يوم من السنة السابعة من ملك الاسكندر الثاني المعروف بذي القرنين بن فيلبس المعروف بالبنا (١)، وأوّل هذا التاريخ من حين خرج من مقدونية فسار في الأرض، وبلغ من معمورها ما بَلَغَ على ما انتهى إلينا، واعلم أن الماضي من هذا الثاني لنصف نهار يوم التاريخ الذي قررنا عليه تاريخ القبط من تاريخ العرب ألف وستمائة وخمسون سنة وثمانية أشهر وثمانية وعشرون يومًا. واعلم أنه كلما مضت سنة من سني القبط فزد في عددها واحدًا، فيجب أن يزداد أيضًا في عدد هذه واحد إذا مضى من السنة القابلة القبطية شهر وخمسة أيام أبدًا، فما بلغ فهو تاريخ السريانيين، وهو أيضًا التاريخ الذي يؤرخ به الكلدانيون. وبعد هذا البيان يسهل معرفة الكبيسة من غيرها، وذلك أن تلقي سني التاريخ ثمانيةً وعشرين ثمانية وعشرين، وما بقي دون ذلك فإن وافق شيئًا من هذه الحروف الموضوعة فالسنة كبيسة، وإلا فلا، وهذه الحروف:
ب و ي يد لح كب كو
واعلم أنه إنما احتجت إلى هذه السبل دون غيرها لسهولتها مع تحققها، ولو عرجت على اقتصاص أوضاع أهل الصناعة المتكاثرة لخرجنا عن الغرض وطال الكلام.
ولنرجع الآن إلى وصف ما نحن له رائمون من أمر الثوابت فنقول: إنه قد تقرر في علم الهيأة بالبرهان أن الأفلاك الكلية تسعة، واحد غير مكوكب ويسمى الأطلس والأعظم وفلك الأفلاك؛ لأن الأفلاك كلها في جوفه تتحرك بحركته من المشرق إلى المغرب في كل دورة واحدة على قطبين ثابتين، أحدهما الشمالي وهو الظاهر في أكثر المعمورة بالقرب من بنات نعش الصغرى، والآخر الشمالي الخفي عنا، لا يظهر إلا
стр. 725
لمن عن الجنوب، وآخر تحت هذه الفلك يسمى فلك البروج، وفيه جميع الكواكب الثابتة والمدرك منها بالرصد ألف واثنان وعشرون كوكبًا، ثم السبعة الباقية للسبع كواكب السيارة، فأوّلها زُحل ثم المشتري ثم المريخ، ثم الشمس، ثم الزهرة ثم عطارد، ثم القمر، وهذه السبعة منها خمسة متحيّرة، وهي ما عدا الشمس والقمر.
واعلم أن فلك البروج يتحرك بما فيه من المشرق إلى المغرب في كل مائة سنة جزءًا واحدًا على أرصاد بطليموس، وفي كل ست وستين سنة جزءًا واحدًا على الأرصاد الحديثة التي في زمن المأمون، وبعده، واعلم أن فلك البروج انقسم بنصفين بدائرة عظيمة بُعْدُها من قطبيه بعد واحد، كما أن الفلك الأطلس انقسم بدائرة عظيمة كذلك، فالتي قسمت الأطلس تُسمّى منطقة الأطلس ودائرة معدل النهار، ويُسمّى فلك معدل النهار، وإنما سميت معدّل النهار، لأن الشمس إذا مرّت على مسامتتها اعتدل الليل والنهار في جميع بقاع الأرض، والتي قسمت فلك البروج تسمى منطقة البروج ودائرة البروج وفلك البروج، والدوائر تُسمّى أفلاكًا بطريق المجاز. واعلم أن دائرة البروج مقاطع دائرة معدّل النهار على زوايا غير قائمة بل منفرجة وحادة على نقطتين متقابلتين إحداهما التي داخلَتْ بها الشمس نحو الشمال تسمى رأس الحمل، ونقطة الاعتدال الربيعي، والأخرى رأس الميزان والاعتدال الخريفي، وهاتان النقطتان كلاهما مقابلة لصاحبتها، ثم إن أهل الصناعة أمروا دائرة عظيمة على قطبي معدل النهار وقطبي البروج، فانقسمت منطقة البروج بهذه الدائرة، ودائرة معدل النهار أربعة أقسام متساوية، كل واحد منها ربع دائرة، وهذه هي الفصول الأربعة، فأول الأرباع هو المبتدئ من نقطة رأس الحمل إلى الدائرة المارة بالأقطاب الأربعة وهو فصل الربيع. والنقطة المنتهي إليها رأس السرطان والانقلاب الصيفي والربع الثاني من هذه النقطة إلى نقطة الاعتدال الخريفي فصل الصيف والربع الثالث من نقطة الاعتدال الخريفي إلى نقطة تقاطع دائرة الأقطاب مع دائرة البروج الثابتة فصل الخريف، وتسمى هذه النقطة رأس الجدي والانقلاب الشتوي. والربع الرابع يبتدي من هذه النقطة إلى رأس الحمل، وهو فصل الشتاء، وهذه الأربعة أرباع يُناظر بعضها بعضًا، فالربيعي نظير الخريفي، والصيفي نظير الشتوي، فإذا قسمنا الربيعي ثلاثة أقسام، والربع الصيفي كذلك، وأمررنا على مقاطع القسمة أربع دوائر عظام تمر بقطبي فلك البروج، انقسمت هذه الأرباع كل واحد منها إلى ثلاثة أقسام، فصارت الأقسام اثني عشر قسمًا، وهذه هي المعبّر عنها بالبروج في كل فصل منها ثلاثة، فالحمل والثور
стр. 726
والجوزاء فصل الربيع، والسرطان والأسد والسنبلة فصل الصيف، والميزان والعقرب والقوس فصل الخريف، والجدي والدلو والحوت فصل الشتاء.
ومن بعد أن تقدم ذلك نقول:
إن جميع الكواكب المُدْرَكة بالرصد يحصرها أهل الصناعة في ثمان وأربعين صورة، وهذه الصور منها ما هو شمالي عن منطقة البروج، ومنها ما هو على نفس المنطقة، ومنها ما هو جنوبي عن المنطقة، فالصور الشمالية أحد وعشرون صورة.
الأولى: الدب الأصغر المُسمَّى بنات نعش الصغرى وهو سبعة كواكب واحد خارج عن الصورة
الثانية: الدُّبُّ الأكبر المسمّى ببنات نعش الكبرى، وهو سبعة وعشرون كوكبًا وثلاثة خارجة عن الصورة،
الثالثة: التنين، وهو أحد وثلاثون كوكبًا.
الرابعة: قيقاوس ويسمى بالملهب أحد عشر كوكبًا، واثنان خارجان عن الصورة.
الخامسة: العوا اثنان وعشرون كوكبًا وواحد خارج عن الصورة.
السادسة: الفكة تسعة كواكب.
السابعة: الجائي على ركبته. تسعة وثلاثون كوكبًا وواحد خارج عن الصورة.
الثامنة: السلباق، ويُسمّى اللورا عشرون كوكبًا.
التاسعة: الدجاجة سبعة عشر كوكبًا وواحد خارج الصورة.
العاشرة ذات الكرسي، ثلاثة عشر كوكبًا.
الحادية عشرة: حامل رأس الغول سبعة وعشرون كوكبًا، وثلاثة خارجة عن الصورة.
الثانية عشرة: ممسك الأعنة، ستة عشر كوكبًا.
الثالثة عشرة: الحواء، أربعة وثلاثون كوكبًا وخمسة خارجة عن الصورة.
الرابعة عشرة: الجيد ثمانية عشر كوكبًا.
الخامسة عشرة: السهم خمسة كواكب.
السادسة عشرة: العقاب: تسعةُ كواكب، وأربعة خارجة عن الصورة.
السابعة عشرة الدلفين عشرة كواكب.
الثامنة عشرة: قطعة الفرس، أربعة كواكب.
التاسعة عشرة: الفرس الأكبر المجنح، عشرون كوكبًا.
стр. 727
العشرون: المرأة المسلسلة، اثنان وعشرون كوكبًا.
الحادية والعشرون: المثلث، أربعة كواكب.
فهذه الصور الشمالية.
وأما الصور التي على المنطقة فهي اثنتا عشرة صورة:
الأولى: الحمل، ثلاثة عشر كوكبًا، وخمسة خارجة عن الصورة.
الثانية: الثور، اثنان وثلاثون كوكبًا، وأحد عشر خارجة عن الصورة.
الثالثة: الجوزاء، تسعة عشر، وخمسة خارجة عن الصورة.
الرابعة: السرطان، تسعة كواكب، وأربعة خارجة عن الصورة.
الخامسة: الأسد؛ سبعة وعشرون، وثمانية خارجة عن الصورة.
السادسة: السنبلة، ستة وعشرون كوكبًا، وستة خارجة عن الصورة.
السابعة: الميزان ثمانية كواكب، وتسعة خارجة عن الصورة.
الثامنة: العقرب، أحد وعشرون، وثلاثة خارجة عن الصورة.
التاسعة: القوس، أحد وثلاثون كوكبًا.
العاشرة: الجدي، ثمانية وعشرون كوكبًا، وستة خارجة عن الصورة.
الحادية عشرة: الدلو، اثنان وأربعون كوكبًا، وثلاثة خارجة عن الصورة.
الثانية عشرة: الحوت، أربعة وثلاثون كوكبًا، وأربعة خارجة عن الصورة.
وأما الجنوبيات فخمس عشرة صورة:
الأولى: قنطس: اثنان وعشرون كوكبًا.
والثانية: الجبار، ثمانية وثلاثون كوكبًا.
والثالثة: النهر أربعة وثلاثون كوكبًا.
والرابعة: الأرنب، اثنا عشر كوكبًا.
والخامسة: الكلب الأكبر منها الثمانية، وهي ثمانية عشر كوكبًا وخارج الصورة أحد عشر.
والسادسة: الكلب الأصغر، ومنها الشامية كوكبان.
والسابعة: السفينة، منها سهيل خمسة وأربعون كوكبًا.
والثامنة: الشجاع خمسة وعشرون كوكبًا، واثنان خارجان عن الصورة.
التاسعة: الكأس، سبعة كواكب.
стр. 728
العاشرة: الغراب، سبعة كواكب.
والحادية عشرة: قنطورس، سبعة وثلاثون كوكبًا.
والثانية عشرة: السبع، تسعة عشر كوكبًا.
والثالثة عشرة: المجمرة، سبعة كواكب.
والرابعة عشرة: الإكليل الجنوبي، ثلاثة عشر كوكبًا.
والخامسة عشرة: الحوت الجنوبي، أحد عشر كوكبًا.
فهذا بيان مجموع الكواكب الثابتة المذكورة بالرصد على سبيل الإجمال لكي يحصل الإحاطة بعلمها كذلك، ولو رمنا تفصيلها لطال القول في ذلك، وكنا نخرج عما نحن بصدده.
ولنرجع الآن فنقول: إن هذه الكواكب إما الشمالية منها فإنه يمكن أن يخفى كثير منها على من توغل في جهة الجنوب، كما أنه ممكن أن يخفى كثير من الجنوبية على من توغل في جهة الشمال، وأما الكواكب التي على المنطقة، ومنها ظاهرة في جهتي الشمال والجنوب لا يخفى عن قوم ببقعة من الأرض البتة، فمن أجل ذلك راعينا الكواكب الواقعة عليها، ثم إنَّه لما كانت التي على المنطقة كثيرة منها مشاهير وغير مشاهير، آثرنا ذكر المشاهير على غيرها ليكون ذلك أوفق في البيان، والمشاهير هي التي تُدعى منازل القمر، وهي التي يكون القمر كل ليلة بمنزلة منها، وهي ثمانية وعشرون منزلة، نذكرها أولًا فأولًا، وهذه المنازل هي التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ (١) فإن العدقَ إِذا قَدُمَ رَقَّ وانقوس، يشبه القمر به إذا انتهى من منزلة مستهلة إلى ثمانية وعشرين، أعني قريبًا من استتاره، فإنه يصير رقيقًا مقوّسًا كالعرجون القديم.
اعلم أن المنازل قسمان، شمالية وجنوبية، أربعة عشر منها شمالية، وأربعة عشر جنوبية، فأوّل المنازل الشمالية: الشُّرَطان (٢)، وهما كوكبان، هما قرنا الحمل، ويُسمّيان النطح والناطح، وبينهما رأي العين قاب قوس إذا صارا في كبد السماء، وكل مقدار نذكره بين كوكبين، فإِنما نعني به إذا كانا في وسط السماء، والكواكب تتدانى في وسط السماء، وتباعد في الأفق في رأي العين، وأحد الشرطين في ناحية الشمال، والآخر من ناحية الجنوب، وإلى جانب الشمالي كوكب صغير يُعدّ معها
стр. 729
أحيانًا فيقال حينئذ للثلاثة أشراط، وعند طلوعها مع الشمس يعتدل الليل والنهار، ويكون أول فصل الربيع. قال ساجع العرب: إذا طلع الشرطان استوى الزمان، واخضرت الأوطان، وتهادت الجيران (١)، واعلم أن الشرطين كان في رأس الحمل وقت الرصد الأول قبل ابرحس، وهو الآن في الجزء السادس والعشرين من الحمل، فلا يصح أن يكون مع طلوعها مع الشمس اعتدال الليل والنهار، وإنما كان ذلك قديمًا، فأما الآن فيكون طلوع الفرع المؤخر مع الشمس، كما كان الشرطين قديمًا.
ثم البطين (٢)، وهو ثلاثة كواكب خفيّة كأنها أثافٍ ويقال: إنها بطن الحمل، ثم الثريا، ويقال: إنها إلية الحمل، وهي أشهر المنازل، وذكر العرب لها أكثر من ذِكْرِهم لغيرها، وجاءت مصغرة لاجتماعها، ولم يتكلّم بها إلا كذلك كما قيل حميا الكأس، وأصلها من الثروة، وهي كثرة العدد وقيل أنها ستة أنجم ظاهرة في خللها نُجوم كثيرة خفية، والصحيح أنها سبعة كواكب، قال الشاعر: [من الطويل]
إذا ما الثريا عارضت أو توسطت … يراها الحديد العين سبعة أنجم
ويسمونها نجمًا. قال الراعي، وذكر امرأةً أضافها: [من الطويل]
فباتت تعد النجم في مستحيرة … سريع بأيدي الأكلين جُمُودها (٣)
فقوله تعد النجم دليل على جمع؛ لأن العدد لا يقع إلا على ذلك، ومستحيرة خفية، قد تحيّر فيها. واعلم أنه إذا أطلق النجم فالمراد به الثريا عند العرب وكثيرًا ما يشبهونها، فَمِنْ أحسن ما قيل في ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]
إذا ما الثريا في السماء تعرّضت … تعرّض أثناء الوشاح المفصل (٤)
أراد بتعرض الثريا وقت مغيبها، فإنها إذا طلعت تستقبل الناظر إليها، وإذا غربت تحرفت جانحة كتحرف ثني الوشاح إذا أُلقي، والوشاح فيه خرز منظوم قد جمع طرفاه، فأسفله أوسع من أعلاه كالثريا. وقال ابن الزبير الأسدي (٥): [من الطويل]
стр. 730
وقد خرم الغور (١) الثريا كأنها … له راية بيضاء تخفض للطعن
ومن أسجاع العرب قولهم (٢): إذا طلع النجم فالحي (٣) في حدم، والعشب في حطم الحدم: توقد الحي والنار، قوله: والعشب في حطم، يريد أنه حينئذ يهيج ويتكسر، واعلم أن الثريا تظهر من أول الليل عند ابتداء البرد، ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب من الليلة الماضية، وأبعد عن وسط السماء إلى أن يهل معها الهلال أول ليلة منه، ثم تمكن شيئًا يسيرًا، وهذا المغيب هو استتارها، ثم تبدو بالغداة من المشرق في أشدّ ما يكون من الحرّ، وفي جميع هذه الأحوال تكلّم الشعراء قال حاتم الطائي يذكر ظهورها أول الليل في أشدّ البرد، ويدل بذلك على شدة الزمان: [من الطويل]
إذا النجم أضحى مغرب الشمس رابيًا … ولم يك برق في السماءِ يُنيرها (٤)
يريد: إذا كان الأمر كذلك لم يكن مَطَر. وقال ساجع العرب: إِذا طَلَعَ النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء (٥). وفي توسطها السماء يقول ساجع العرب (٦): إِذا أَمسَتِ التُّريَّا قم رأس، ففي الدثار فاخنس، وعظما هن (٧) فاحدس، وإِن سُئلت (٨) فاعبس. يريد أنه إذا صارت الثريا على مسامتة الرأس، فاخنس أي استتر من البرد، ولا تسافر، يريد عظام الإبل فاصدع للنحر، وقوله: وإِن سُئلت فاعبس، أي أظهر العُبوس لما سألك ومُرْهُ بالمنع.
ثم الدبران (٩): وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا، ويُسمّى تابع النجم، ويُسمَّى الفنيق، وهو الجمل الكبير، ويُسمّى المجدَح، وهو الذي ذكر في الحديث: لو أَنَّ الله حَبَسَ القطر عن الناس سبع سنين، ثم أرسله أصبحت طائفة به كافرين، يقولون مطرنا بالمجدح. قال الشاعر: [من المتقارب]
وأظعن بالقومِ شطر المُلوكِ … حتى إذا خَفَقَ المجدَحُ (١٠)
стр. 731
خَفَقَ المجدح، أي غاب، والكواكب المنسوبة إلى الدبران كواكب كثيرة بين يديه مجتمعة فيهما كوكبان صغيران، يكادان يتماسان، وهي ثلاث كواكب صغار تشبه الأثافي.
قال ابن عباس (١) لرجل طلق امرأة عدد نجوم السماء، يكفيك هقعة الجوزاء، يريد أنها تبين منك بعدد كواكب هقعة الجوزاء وهي ثلاث، وإنما سميت هقعة تشبيهًا لها بدائرة من دوائر الفرس يقال لها الهقعة وهذا فرس مهقوع. ثم الهنعة، وهي كوكبان أبيضان على أثر الهقعة (٢) في المجرة، بينها وبين الذراع المقبوضة، ويقال لأحد الكوكبين: الرد (٣) والآخر: الميسان.
قال ابن كناسة (٤): إنما ينزل القمر بالتحايا (٥) وهي كواكب ثلاثة حذاء الهنقة، الواحدة منها تحياة.
وقال أدهم بن عمران العبدي (٦): الهنعة قوس الجوزاء، يرمي بها ذراع السد، وهي ثمانية أنجم في صورة قوس في مقبض القوس النجمان اللذان يقال لهما: الهنعة.
ومن الكواكب المصاحبة للهنعة كواكب الجوزاء (٧)، ويعرف بكواكب الجبار وهي من الصور الثمانية، وهي مشبهة بالملك الجالس على كرسي، وعليه تاج، فالرأس، وهو الهقعة وفوق الرأس كواكب كثيرة صغار مستديرة واسعة كالعقد تُسمى تاج الجوزاء، ثم ثلاثة كواكب بيض متناسقة في صدر الجوزاء عرضًا تُسمى النظم، و (قد) (٨) تُسمى نطاق الجوزاء، وتحتها ثلاثة كواكب طوالًا تسمى الحواري (٩)، وبر (١٠) الجوزاء كوكبان أزهران في أحدهما حمرة والآخر هو مرزم الجوزاء ورجلا الجوزاء بحيال يديها كوكبان نورهما نحو نور اليدين، وفيها الشعرى العبور، ومرزم الشعرى، وهي التي ذكرها الله ﵎ في كتابه العزيز إذ يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (١١) لأن قومًا في الجاهلية عبدوها وفتنوا بها، وهما شعريان، إحداهما
стр. 732
التي ذكرت في الجوزاء، وهي تُسمى العبور. والأخرى هي الغميصاء، وهي تقابلها، وبينهما المجرة، والغميصاء من الذراع المبسوطة في نجوم الأسد، لا في الجوزاء تقول العرب (١) في أحاديثها: فعبرت المجرة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غَمَصَتْ عيناها، فهي أقل نورًا من العبور، والغمص مثل الرمص. والشعرى العبور: نجم كبير يزهر. قال الفرزدق يذكر طلوع الشعرى بالليل: [من الطويل]
وأوقدت الشعرى مع الليل نارَها … وأضحتْ مُحولًا جِلدُهَا يتوسَّفُ (٢)
يعني أضحت (السماء محولًا)، لا تمطر. جلدها يتوسف اراد أنه يتقشع، كأنه يتقشر، والتوسف: التقشر.
والعبور: يسمى كلب الجبار (٣)، يعني الجوزاء، ويقال: إن الكلاب والذئاب تكلب عند ظهورها، وكرسي الجوزاء أربعة كواكب غير مستوية التربيع أسفل الجوزاء والعذرة عذرة الجوزاء، خمسة كواكب بيض أسفل من الشعرى العبور في المجرة ويقال لها: العذاري (٤) وحبال العذرة إذا توسطت السماء أسفل منها سهيل اليماني، ثم الذراع وهي ذراع الأسد المقبوضة. وللأسد ذراعان مقبوضة ومبسوطة، فالمبسوطة تلي اليمن (٥)، والمقبوضة تلي الشام، والقمر ينزل بالمقبوضة، وهما كوكبان بينهما قدر شبرين، وكذلك المبسوطة مثلها، إلا أنها أرفع في السماء، فسُميت مبسوطة. لأنها أمد منها، وبين الذراعين كواكب يقال لها: الأظفار. تقرب من المقبوضة فربما عدل القمر فنزل بالذراع المبسوطة. فأحد كوكبي الذراع المبسوطة النيّر هو الشعرى الغميصاء. والكوكب الأحمر الآخر الصغير يسمى المرزم، ويقال له: مرزم الغميصاء، ومرزم الذراع، وفي الجوزاء كوكب مع الشعرى العبور يقال له: مرزم العبور فالشعريان تتحاذيان والمرزمان معهما يتحاذيان، ويختص مرزم الغميصاء بأنه يتزله القمر بخلاف مرزم العبور.
ثم النثرة (٦) بعد الذراع، وهي ثلاثة كواكب متقاربة، أحدها كأَنَّه لطخة سحاب، وهو أنف الأسد، قال ساجع العرب: إِذا طَلَعَتْ النثرة، قنأت البسرة، وجنى النخل بكرة، وأوت المواشي حجرة (٧).
стр. 733
قوله: قنأت البسرة، أي احمرت واشتدَّت حُمرتها حتى تكاد تسود، وقوله: أَوَتِ المواشي حجرة، أي ناحية منهم لحاجتهم إلى ألبانها، وإنما يحتلبونها في هذا الوقت ويستنفضون ما في ضروعها؛ لأنهم يريدون في ذلك الوقت فصال أولادها، فلا يبقون لها في الضروع شيئًا لتنال المرعى وتسلو الأمهات.
ثم الطرف (١)، طرف الأسد، وهما كوكبان بين يدي الجبهة، وقدام الطرف كواكب صغار يقال لها: الأشافر. قال ساجع العرب:
إذا طلعت الطرفة، بكرت الخُرفَة، … وكثرت الطرفة، وهانت للضيف الكلفة.
ثم الجبهة (٢)، وهي أربعة كواكب من جهة الأسد خلف الطرف بين كل كوكبين منها في رأي العين قدر سوط، وهي معترضة من الجنوب إلى الشمال.
ثم الزبرة، زبرة الأسد، أي كاهله، والكاهل مَفْرِزُ العنق، وهي كوكبان نيران على أثر الجبهة، بينهما قدر سوط، ويسميان الخرثان (٣).
ثم الصرفة (٤)، وهي كوكب واحد على أثر (الزبرة) (٥) مضيء، عنده كواكب صغار طمس وتسمّى صَرفة لانصراف الحر والبرد عند طلوعه وغروبه بالفجر.
ثم العواء (٦)، وهي أربعة كواكب على أثَرِ الصَّرفة، تشبه كافًا غير مشقوقة والعرب تجعلها كلابًا تتبع الأسد. وقال قوم: هي وركا الأسد.
ثم السماك الأعزل (٧): اعلم أنهما كوكبان يقال لهما: السماكان، أحدهما الأعزل، وهو الذي ينزل القمر به، والآخر السماك الرامح، والقمر لا ينزل به، ويسمّى رامحًا لكوكب صغير بين يديه، يقال له: راية السماك، ورمح السماك فصار ذا رمح، وصار الآخر أعزل؛ لأنه لا شيء بين يديه، والأعزل هو الرجل الذي لا سلاح معه، والعرب تجعل السماك الأعزل ساق الأسد، والسماك الآخر الساق الأخرى.
قال ابن كناسة (٨): ربما عَدَل القَمر عن النزول بالسماك فنزل بعجز الأسد وهي أربعة كواكب بين يدي السماك الأعزل منحدرة عنه في الجنوب مربعة على صورة
стр. 734
النعش، يقال لها: (عرش السماك ومن الكواكب المنسوبة إلى الأسد، كوكب أحمر بين العواء وبين بنات نعش يُسمَّى كبد الأسد، ومنها كواكب ملتفة تسميها العامة السنبلة، وهي بقرب القرائن، والقرائن يُسمّى القفزات (١) وتُسمّى الثعيلبات، وهي أربعة كواكب، إذا ارتفعت بنات نعش، وكان بينها اثنان بينان و آخران خفيّان، والكواكب الملتفة تسمى هلبة الأسد يعنون ذنبه، وتقول العَربُ: ضَرَب العربُ بهلبته، فنفرت الظباء، والظباء كواكب مستطيلة أسفل من نقرات الظباء، وأولاد الظباء كواكب صغار فيما بين الظباء والنقرات، وعن يمين نقرات الظباء كواكب مستديرة غير متقاربة تسمى (الحوض).
ثم الغفر (٢)، وهو ثلاثة كواكب خفية بين السماك الأعزل وبين زباني العقرب.
ثم الزُّبَاني (٣)، زباني العقرب، أي قرناها، وهما كوكبان مفترقان بينهما في رأي العين مقدار خمسة أذرع.
ثم الإكليل (٤): إكليل العقرب، وهو رأسها، ثلاث كواكب مصطفة متعرضة.
ثم القلب (٥)، قلب العقرب كوكب أحمر وراء الإكليل بين كوكبين يقال لهما: النياطان.
ثم الشولة (٦)؛ وهي كوكبان متقاربان يكادان يتماسان في ذنب العقرب وسميت شولة من قولهم شال بذنبه إذا رفعه، وهي ذنب العقرب، وبعدها إبرة العقرب، كأنها لطخة غيم، ويتلو الشولة كواكب مختلفة تصير معها كذنب العقرب في رأي العين.
ثم النعائم (٧)؛ وهي ثمانية كواكب على إثر الشولة، أربعة منها في المجرة، وهي النعائم الواردة (٨)، وسميت بذلك؛ لأنها هابطة في المجرة التي كالنهر، كأنهن وردن إلى المجرة على طاير توين (٩)، وأربعة أخرى خارجة من المجرة، وهي النعائم الصادرة، سميت صادرة لأنهنّ كأنهنّ وردْنَ فَشَرِبْنَ ثم صَدَرْنَ عن المجرة أي رجعن عنها، وكل أربعة من هاتين النعائم على تربيع، وفوق الثمانية كوكب (١٠) إذا تأملته شبهته بناقة.
стр. 735
ثم البلدة (١)، وهي رقعة في السماء لا كواكب فيها، بين النعائم وبين سعد الذابح ينزل القمر بها، وربما عدل فنزل بالقلادة، وهي ستة كواكب مقوسة صغار خفيّة، وقوم يسميها: (القوس) (٢)، وقد تسميها الأدحى.
ثم سعد الذابح (٣)؛ وهو كوكبان غير نيرين بينهما في رأي العين قدر ذراع، أحدهما مرتفع في الشمال (٤)، والآخر هابط في الجنوب، ويقرب من الأعلى منهما كوكب صغير كاد يلزق به تقول العرب: هو شاته التي يذبحها. وإذا طلع سعد الذابح بالغداة طلع سهيل مع مغرب الشمس.
ثم سعد بلع (٥)؛ وهما نجمان مستويان في المجري، أحدهما خفي، والآخر مضيء، وسُمّي بالعًا؛ لأنه كأنه بلع الآخر الخفي وأخَذَ ضوءه.
ثم سعد السعود (٦): وهو أربعة (٧) كواكب متقاربة، ويقال: إن السَّعْدَ منها واحد وهو أنورها، والثلاثة أخبيته، وقيل هذا غلط، إنما الأجنبية أربعة، والسعد نجمان وراءها. وقيل سمي سعد الأخبية؛ لأنه طلع عند خروج ما كان مختبئًا.
فصل
ومن السعود (٨)، سُعود ليس من المنازل وهي ستة أولها سَعْدُ ناشرة، وهو يطلع مع الشرطين، وسعد الملك، ثم سعد البهائم، ثم سعد الهمام، ثم سعد البارع، ثم سعد مطر، وكل سعد منهما نجمان بين كل كوكبين منها في رأي العين قدر ذراع.
ثم الفرغ الأول (٩)، وهو فرغ الدلو المقدَّم والدلو أربعة كواكب واسعة مرتفعة (١٠)، فاثنان منها هو الفرغ الأول، واثنان هو الفرغ الآخر، ويقال للفرغ الأول
стр. 736
عرقوة الدلو العليا، وللفرغ الآخر عرقوة الدلو السفلى.
ثم الفرغ المؤخر وقد ذكر.
ثم بطن الحوت (١)، وهو كواكب كثيرة في مثل حلقة السمكة. وفي موضع البطن من إحدى شقي كواكبها نجم منير يُسمّى (بطن السمكة)، ويُسمّى (قلب الحوت)، ويُسمى الحوت (الرشاء).
ومن بعد أن مضى تقرير الوصف لصور هذه الكواكب الثابتة على ما هو اللائق بهذا المقام، فلنأخذ الآن في إيضاح ما يلزم هذه الكواكب من قسمتها على الفصول والبروج، وأوقات طُلوعِها وغروبها وتوسطها السماء في جميع الأزمان ونسلك في ذلك مسلكًا قريبًا من التحقيق على أوضاع القوانين الكلية قريبًا من النيل، على أنه ليس بين الإحاطة بعلم ما أنا واصِفُه وبين تحقيق الأمر في ذلك شيء له قدر يوقع كبير ضرر. ولنبدأ الآن بقسمة هذه المنازل فنقول:
إن المنازل قد انقسمت بالقسمة الأولى إلى نصفين، أربع عشرة منها شمالية وهي الأولى، والباقية جنوبية، فالشمال نهايته الشمالية، والغَفْر مبدأ الجنوبية، ثم إن الشمالية مختصة بالبروج الشمالية الستة، والجنوبية مختصة بالبروج الجنوبية فالسرطان أول الحمل، والشمال آخر السنبلة، والغَفْر أول الميزان، والبطن آخر الحوت، ثم إنه قد قسمت بأربعة أقسام بحسب الفصول الأربعة، فالمنازل الشمالية انقسمت إلى قسمين، سبعة منها للربيع والسبعة الثانية للصيف، وذلك من قبل أن البروج الشمالية منقسمة إلى قسمين كذلك، والمنازل الجنوبية انقسمَتْ إِلى قسمين سبعة منها للخريف والسبعة الثانية للشتاء. ثم إنه قد قسمت هذه المنازل على البروج، فكانت لكل برج إثنان وثلاثة بالتقريب، فالنطح والبطين وثلث الثريا للحمل، وعلى قياس ذلك.
ولنثني بوصف القول الكلي في معرفة أزمان طلوعها في آفاق انفجار الفجر المستطيل، ومن قبل ذلك يُعلم طلوعها في غير هذه الحال من الأوقات، فنقول: إذا أردنا أن نَعْلَمَ ما هو الطالع من هذه المنازل وقت طلوع الفجر الصادق في أي حين شئنا، عمدنا إلى ما مضى من عام القبط من الأيام فنزيد عليه يومين، ثم نلقي المبلغ ثلاثة عشر ثلاثة عشر، فما اجتمع لنا من عدد كرات الإلقاء حفظناه، وما بقي دون ثلاثة عشر حفظناه، ونَعُدُّ بالمحفوظ الأول من منزلة الخرقان إلى حيث ينتهي المحفوظ الأول، فما كان المحفوظ الثاني فهو عدد أيام مضت لطلوع المنزلة الثالثة للمنزلة المنتهي إليها بالفجر.
стр. 737
تنبيهان:
الأول: إذا لم يفصل من القسمة شيء دون ثلاثة عشر فالمحفوظ الثاني معدوم، والمنزلة المنتهى إليها ذلك الحين آخر طلوعها، وبعد ذلك بيوم فالمنزلة الطالعة هي تاليتها.
الثاني: إذا نَفِدَت المنازل بعدد المحفوظ الأول، ولم تنفد فَعُدَّ بالباقي من الشرطين تنتهي إلى المطلوب.
ومن بعد أن نقرر ذلك، فإذا أردنا المنزلة الطالعة بالشمس فنعد من طالع الفجر ثلاثة. فالثالثة هي الطالعة، فالشمس وهي المتوسطة وقت الزوال عدونا من طالع الفجر عشرة أو من طالع الشمس ثمانية، فالعاشرة من الفجر أو الثامنة من الشمس هي طالعة الزوال، وهي متوسطة أول الليل. وإذا أردنا أن نعلم المنزلة الطالعة وقت مغيب الشمس، فإنا نعدّ من طالع الفجر سبع عشرة، فالمنزلة السابعة عشرة هي الطالعة وقت الغروب، وهي خامسة عشرة طالع الشمس، وثامنة طالع الزوال. وإذا أردنا أن نعلم طالع مغيب الشفق، فإنا نعدّ من طالع الفجر ثماني عشرة، فالثامنة عشرة هي الطالعة وقت مغيب الشفق، وهي سادسة عشرة طالع الشمس، وتاسعة عشرة طالع الزوال وثانية طالع أوّل الليل، وطالع أوّل الليل متوسط نصف الليل.
ومن بعد تقرير هذه الجمل، نقول قولًا كليًا لمعرفة الطوالع والغوارب والمتوسطات بعضها من بعض:
اعلم أن كل طالع عددت منه خمسة عشر، فالخامس عشر غاربة، وكل غارب عددت منه خمسة عشر فالخامس عشر طالعه، وكل طالع عددت منه اثنين وعشرين، فالثاني والعشرون متوسطة، وكل متوسط عددت منه ثمانية، فالثامن طالعه، وكل متوسط عددت منه خمسة عشر. فالخامس عشر وتده، وكل وَتِدٍ عددت منه خمسة عشر فالخامس عشر متوسطه، وكل وَتِدٍ عددت منه ثمانية فالثامن غاربه. وكل وتد عددت منه ثمانية، فالثامن متوسطه، وكل غارب عددت منه اثنين وعشرين فالثاني والعشرون وتده، ومن هنا تتشعب المسائل. فاضبط هذا القانون ومن الله التوفيق.
وأما الكواكب الظاهرة في الأقاليم السبعة: وهي التي لا تغيب أبدًا؛ لأنها تدور حول القطب الشمالي، وهو موضع في السماء، ومنهم مَنْ قال: إنه كوكب صغير جدًا لا ينظره إلا من يكون جيد النظر وهي هذه الكواكب المذكورة المشهورة.
فاعلم أن أول الأقاليم، الإقليم الأول وهو وسط الأرض، ولا يمكن أن يكون
стр. 738
فيه شيء من الكواكب أبدي الظهور ويكون القطبان ظاهرين الواحد من جهة الشمال والآخر من جهة الجنوب في وسط الأفق.
وأما وسط الإقليم الأول [ف] يكون الكوكب الذي يُسمّى الجدي ظاهرًا والكوكبين المعروفين بالفرقدين.
وآخر الإقليم الأول، وهو أوّل الإقليم الثاني: الكواكب الثلاثة المقدم ذكرها، والكوكبان المعروفان بالمروحتين، والكوكبان المعروفان بالأيمن والأيسر.
وأما وسط الإقليم الثاني، [ف] تكون السبع الكواكب المقدم ذكرها، والكوكب المعروف بذنب التنين.
وأما آخر الإقليم الثاني، وهو أوّل الإقليم الثالث، [ف] تكون الكواكب اليمانية المقدم ذكرها أبدية الظهور.
وأما وسط الإقليم الثالث، [فـ] الكواكب اليمانية المقدم ذكرها، والكوكب المعروف بعنق الذئب، الأول يكونان أبديي الظهور.
وأما وسط الإقليم الرابع: [ف] هذه الكواكب العشرة المقدم ذكرها والكوكب المعروف بظهر الدب أبدية الظهور.
آخر الإقليم الرابع: وهو أول الإقليم الخامس الأحد عشر كوكبًا المقدم ذكرها، والكوكب المسمّى بضلع النير والكوكب المسمّى بالجون أبدية الظهور.
وسط الإقليم الخامس: الثلاثة عشر كوكبًا المقدم ذكرها، والكوكب المسمى بالعناق.
آخر الإقليم الخامس، وهو أول الإقليم السادس: الكواكب الخمسة عشر والكوكب المعروف بركبة الخصيب.
وسط الإقليم السادس، الكواكب الخمسة عشر والكوكب المعروف برقبة الدب والكوكب المسمى راعي الجدي.
آخر الإقليم السادس، وهو أول الإقليم السابع: الستة عشر كوكبًا والكوكب المعروف بركبة ذات الكرسي أبدية الظهور.
وسط السابع: السبعة عشر كوكبًا المقدم ذكرها أبدية الظهور، والكوكب المسمى خارج الملتهب، ورجل الدجاجة، وقلنسوة الملتهب ومرفق برشاوش ورأس الغول، ومنكب برشاوش أبدية الظهور.
آخر الإقليم السابع، وهو نهاية الأقاليم الثلاثة وعشرين كوكبًا المقدم ذكرها،
стр. 739
ومرفق الدجاجة، والردف، وكف المسلسلة والغر وجنوبي فخذ الدبّ، وشمالي فخذ الجاني والراقص، ومقدم الصبا، وكبد الأسد، والنفرة التالية، ومنكب العوا، والدنج، وساق الكرسي ورجل المسلسلة جملة هذه الكواكب سبعة وثلاثون وأكثرها في الإقليم السابع، وهذه الكواكب هي التي يُسَافَرُ عليها إذا كانت السماء صاحية، وبها تُعرف جهات الأرض.
وأما الكواكب السيارة، فإن أعلاها زُحل في الفلك الذي تحت فلك البروج، وتقيم في كل برج اثنين وثلاثين شهرًا، ثم تحته المشتري ومسيره في كل برج سنة، ثم يليه المريخ ومسيره في كل برج خمسة وأربعون يومًا، ثم يليه الشمس، ومسيرها في كل برج شهر، ثم يليها الزهرة، ومسيرها في كل برج سبعة وعشرون يومًا، ثم يليها عطارد، ومسيره في كل برج سبعة أيام، ثم يليه القمر، ومسيره في كل برج ليلتان وثلث ليلة، وإِذا ضُرِبَ مقدار سير كل واحد في اثني عشر بلغ مقدار ما يقطع الكوكب فيه فلكه. فلما كان زُحَل يقيم في كل برج اثنين وثلاثين شهرًا كان يقطع فلكه في ثلاثمائة وأربعة وثمانين شهرًا، وذلك من السنين اثنتان وثلاثون سنة، ولما كان المشتري يقطع كل برج في سنة، لزم أن يقطع فلكه في اثنتي عشرة سنة، ولما كان المريخ يقطع البرج في خمسة وأربعين يومًا لزم أن يقطع فلكه في خمسمائة وأربعين يومًا، وذلك مقدار سنة وخمسة أشهر وخمسة وعشرون يومًا، ولما كانت الشمس تقطع برجها في شهر لزم أن تقطع فلكها في سنة، والزهرة تقطع فلكها في أحد عشر شهرًا وستة أيام، وعطارد يقطع فلكه في أربعة وثمانين يومًا، والقمر يقطع فلكه في ثمانية وعشرين يومًا.
وأما صفات هذه الكواكب:
فإن الشمس والقمر ظاهران للعيان بالنسبة إلى كل قوم، والمريخ لونه كمد إلى صفرة، والمشتري أصفر ناصع كثير النور والزهرة أنور منه بيضاء. وعطارد فيه صفرة ولا يمكن أن يُرى في وسط السماء ليلًا في أكثر المعمورة.
стр. 740
وهذه صورة الأفلاك بما فيها من العناصر الأربعة مصوّرة بالمنازل المقسومة على البروج وصورة الكواكب السبعة السيارة.