المُرْتَجَى والأفقُ مَحَجُوبُ الحَيا … والمُلتَجا والدَّهرُ مَرْهُوبُ الحَنَقْ
للهِ كَمْ خَضَعَتْ لِعَليا مَجْدِهِ … رَأَسٌ وكانت ذاتَ صَوْلٍ لم تُطَق
سَارَتْ سِيادَتُهُ وأَمعَنَ شَوطُها … فَغَدتْ على الأعناق واصِلَةَ العَنَقْ
وأَرادَ أَنْ يَجري إلى غاياتِهِ … صَوْبُ الحَيَا فَلِذاكَ أَلجَمَهُ العَرَقْ
النَّصرُ والدُّنيا الخصيبةُ والهدى … إنْ صَالَ أَوْ بَذَلَ الصَّنائع أو نَطَق.
. لاقيتُهُ فَشَفَى رَجايَ وعَانَقَتْ … كَفاي من جدواهُ أَطيبَ مُعْتَنَقْ
وروائح المعروف لا تَخفَى على … حالٍ فَشُمُّوا من أَنامِليَ العَبَقْ
يا أَيُّها المَلِكُ المُؤَيَّدُ دَعْوةً … تَذَرُ العُداةُ بِغَيْظِها تشكو الحُرَقْ
واصلت قصدي باللها وقطعت ما … بيني وبين بني الزَّمانِ من العُلَقْ
فلاشكُرَنَّ جميل ما أوليتَني … شُكْرَ الرِّياضِ الزُّهْرِ للماء الغَدَقْ
بمدائح أَمَّلْتَنِي لِنِظامها … فَغَدَتْ مُحرَّرَةٌ وعُنقي مُسْتَرَقْ
دَرَرٌ خَدمتُ بها عُلاكَ وإنَّما … عُطِفَتْ على دُرَرِ العُلا عَطْفَ النَّسَقْ
وقوله (١): [من البسيط]
لامُ العِذارِ أَطالَتْ فِيكَ تَسهيدي … كأَنَّها لِغرامي لام توكيد
وخُلْفُ وَعْدِكَ خُلْقٌ منكَ أَعرِفُهُ … فَلِيتَ كَانَ التَّجافي مِنْكَ مَوعُودِي
يَا مَنْ أُفَنَّدُ في وَجدِي عليهِ فَما … أَبقَى الأَسَى في ما يُصغَى لتفنيد
عَابَ العِدا مِنْكَ أصداغًا مُجعّدةً … عَيْبَ المُقَصِّرِ عَنْ نَيْلِ العَناقيد
وعَقْدَ بَنْدٍ على خَصْرٍ رَجَعْتُ بِهِ … ذا ناظِرِ بِنُجومِ اللَّيلِ مَعْقُودِ
كأَنَّهُ تحت وجدانِ الْقَبَاعَدَمٌ … واحيرَتي بَينَ معدوم وموجود
رَدَّ الجَفاءُ سُؤالي فِيكَ أَجمعَهُ … فَما لِسَائل دمعي غَيرُ مَردود
لَقَدْ خضعتُ إلى وَجدِي كَما خَضَعَتْ … إلى المُؤَيَّد أَعناق الصَّنادِيدِ
داعي المقاصد في عِلْمِ وفي كَرَمِ … إلى اللقاءِ مَلِيُّ الفَضْلِ مَقصُودِ
تسري سفين الأماني نحو منزلِه … فَتَستَوي من أياديه على الجودي
ذاك الذي أسعَدَتْ أعمارنا يدُهُ … فَما نُفكّر في حكم المواليد
مَلْكُ إذا تُلِيتْ أَوصاف سُؤددهِ … أَلقَى السَّراةُ إليه بالمقاليد
ذو العِلْمِ قَلَّدَ طُلابَ الهُدَى مِنَنًا … حتى وَصَفْناهُ في عِلْمٍ وتقليد
والجُودُ راش ذَوِي الجَدْوَى وطَوَّقَهُمْ … فَما يَزالون في سَبْعِ وتَغْرِيدِ
стр. 6757
والجيش قد ألِفَتْ بالنَّسْرِ رايتُهُ … تآلفِ الطَّرف في مِعْزَاهُ بالسيد
يبدو وقد سَخَّرَ اللهُ العِبادَ له … والطير والوحش في الآفاق والبيد
حتَّى يَقولَ مُواليهِ وحاسِدُهُ … هذا ابنُ أَيُّوبَ أَمْ هذا ابن داود
لأشكرُ المِدَحَ الحُسنى وقد قُرِنتْ … بِشاهد من معاليهِ ومَشهُودِ
أغنى العباد فلولا نَاهِياتُ تُقَى … أَسْتَغْفِرُ اللهَ سَموهُ بِمعبودِ
وواصلَ الحَرْبَ حتى كُلُّ معركةٍ … كأَنَّها بَيتُ معنى ذاتُ تَرْدِيدِ
يَهْوَى الرِّماحَ قُدودًا ذاتَ مُنعَطَفٍ … والمُرْهَفَاتِ خُدودًا ذاتَ تَورِيدِ
إذا انتشى من دم الأرواح صارمُهُ … رَمَى العِدا بشديد السطو عربيدِ
وإن أفاض حديثًا أَوْ نَوالَ َيدٍ … وَرَدْتَ من حالتيهِ خَيرَ مَورودِ
جواهرًا لا يَحدُّ الوَصْفُ غَايتَها … فاعجَبْ لِجَوْهَرِ شيء غير محدود
وأنعمًا دأبها إسداءُ بِكْرِ يَدٍ … لكنهنَّ أَيادٍ ذاتُ تَوليد
لو أَنَّ للبحرِ جَدُواهُ أَفاضَ على … وَجْهِ الثَّرَى بِنَفِيسِ العِقْدِ مَنصُودِ
ولو أمر على جَلْدِ الصَّفايَدَهُ … لأَنبتَ العُشْبَ عَنها كُلُّ جُلْمُودِ
يَا حَبَّذا المَلِكُ السَّارِي على شِيَمٍ … يَروِي وَينقل عن آبائِهِ الصيدِ
أَدنَيْتُ من نارِ فكري عُودَ نَبعتهِ … عِنْدَ الثَّناءِ فَفَاحَتْ نَفحةُ العُودِ
نِعْمَ العِمادُ لِرَاجِ مَدَّ رَغبتَهُ … فَمَدَّ نَحوَ لِقَاهَا طَرْفَ مَعْمُودِ
يَمَمتُ في حالِ مَرْحُومِ مَنازِلَهُ … ثُمَّ انثنيت وحالي حال محسود
ورُحتُ أَنقُلُ عن أَيُّوبَ أَنعمَهُ … نَحوَ الصّلاتِ فَمِنْ عَطْفٍ وَتَوكِيدِ
إنْ شِئْتَ تَنظُرُ فِي زَهْرِ الرُّبَى مَطَرًا … فَانظُرْ نَوالَ يَدَيْهِ في أَناشيدي
وإِنْ أَرَدْتُ عِيانًا أو مُحادثة … فاهرع إلى سَنَدِي واسمعْ أَسانيدي
يا مَنْ تَحلَّيتُ عن ألفاظهِ ونَدى … كَفِّيهِ حِلْية فضل ذاتَ تَجدِيدِ
إِنْ كَانَ لَفظُكَ شِبْهَ القُرْطِ في أُذُنِي … فَإِنَّ جَدواكَ مِثلُ العِقْدِ في جيدي
وقوله (١): [من الكامل]
بالغْتَ في شَجَني وفي تَعْذيبي … وَمَعَ الأَذَى أَفدِيكَ من مَحْبوب
يَا قاسيًا هَلا تُعلّم قلبَهُ … لِينَ الصَّبا من جسمه المشروب
اهًا لِوَرْدٍ فَوقَ خَدِّكَ أحمر … لو أنَّ ذاك الوَرْدَ كان نصيبي
وَلَواحِظ تَرِثُ المَلاحةَ في الظُّبَى … إِرْتَ السَّمَاحَةِ في بَني أَيُّوب
стр. 6758
بَعَثَتْ بَنو أَيُّوبَ أَمواتَ الرَّجا … وأَتَتْ بِحارُهُمُ بِكُلِّ عَجِيبِ
وبِمُلْكِهِمْ رَفَعَ الهدى أعلامَهُ … وَحَمَى سُرَادِقَ بيته المنصوب
وإلى عِمَادِهُمُ انتهت علياؤُهُمْ … وإلى العَلاء قد انتهتْ لِنَجِيبِ
ملكت بأدنى سطوهِ ونَوالِهِ … أَنْسَى نَدَى هَرِمٍ وَبَأْسَ شَبِيبٍ
الجُودُ مِلءُ أَنامِلٍ والعِلْمُ مِلْ … ءُ مَسامع والعِزُّ مِلءُ قُلوبِ
أَلِفَتْ بأنبوب البَراعَةِ والقَنا … يُمْناهُ يَومَ نَدًى وَيَومَ حُروبِ
فَإِذا نَظَرْتَ وَجَدْتَ أرزاق الورَى … وَدَمَ العُداة تفيضُ من أنبوب
كَمْ مِدْحَةٍ لي صُعْتُها وأَثَابَها … فَرْهَتْ على التفضيض والتذهيب
وتَعوَّدَتْ في كُلِّ مِصْرٍ عِندَهُ … مَرْعَى يُقابَلُ جَدْبُها بِخَصِيبِ
يَا رُبَّ بِشْرٍ منهُ طائيَّ النَّدَى … لاقى مدائحنا لِقاءَ حَبيب
وقوله (١): [من الطويل]
أَلا مَنْ لمسلوب الفؤادِ رَهينهِ … مُعَنَّى بِمَحجوبِ الوِدادِ ضَنينه
تَجلُّدُهُ شَكٍّ إذا لامَ لائم … ولكنَّ ذاكَ الوَجْدَ عَقْدُ يَقينه
وفي قلبه داء دفين من الأسى … فَلا غَرْوَ أَنْ نَبكي لأجلِ دَفِينه
وظبي له في أُسرَةِ التَّرْكِ نِسبةٌ … وفِي الهِندِ مَعنَى مِنْ مَضَاءِ جُفُونِهِ
من الطالبي كتمَ الغَرامِ صِيانَةٌ … وأَحسِنُ بِمكتومِ الغَرامِ مَصُونه
كتمتُ الهوى في عشقهِ مُتفلسفًا … فَأصبحَ عِشقِي قَائِلًا يَكُمُونِه
وَعَاينْتُ في خَدَّيْهِ خَطَّ عِذارِهِ … فَأَقسمْتُ في صُحْفِ الجَمالِ بِنُونِه
يَحِنُّ له قلبي فَللَّهِ من رأى … حِمّى يَتبعُ الغَادِينَ رَجْعُ حَنِينِهِ
بِرَغمَي طَرْفٌ غاب عنه عزيزُهُ … فَعوَّدَهُ ماءَ البُكا بِمَهِينه
رَوَى بمعينِ الدَّمْعِ طَرْفي فَأَسمِعُوا … حَدِيثَ جَوَى قلبي من ابنِ مَعِينه
يَقومُ بِنَصرِي في الصَّبَابَةِ عَوْنُ مَنْ … أَقامَ ابْنَ أَيُّوبَ عِمادًا لدينه
مليك تَولَّى الفضل بعد ضياعهِ … وهَذَّبَ هذا الدهر بعد جُنونه
ومَدَّ يَمينًا يُعذَرُ البحرُ والحَيا … إذا حَلَفَا يومَ النَّدى بيمينه
أخو صدقاتٍ يَقدِرُ المدح قدره … فما يشترى في المَدْحِ غير ثمينه
وما ذاك حاج للثناء وإِنَّما … سَجِيَّةُ فَيَّاضِ الغَمَامِ هَونه
ش في العُلا والعلم والبأس والنَّدى … فللهِ ما أَحلَى حَدِيثَ شُجُونه
стр. 6759
لَهُ مَنزِلٌ تَهْوِي المقاصِدُ نَحوَهُ … هُوِيَّ حَمامِ الأَيْكِ نَحوَ وُكُونه
إذا طلب المَلْكُ المؤَيّدُ مُعسِرٌ … أَتى بشرُهُ في وجهه كضمينه
عَجِبْتُ لِبِشر ضامن الوجهِ إِذْ غدا … يُطالبُهُ عَافي النَّدَى بديونه
وأروعَ يَهتزُّ الزَّمانُ لأمره … وما الطَّوْدُ أَرسَى جانبًا من سُكُونِهِ
كثيرُ السُّرى ما بينَ مُسْتَجِرِ القَنا … فيالكَ لَيْئًا سَائِرًا في عرينه
يلاقي العدا يوم الوغى مُتَبسمًا … كأنَّكَ قد لاقيتهُ بِخَدينه
وتُلهيه في الهيجاءِ رَنَّةُ قَوسِهِ … إِذا وَتَرٌ أَلهى امرًا برنينه
ولو شاء أغناه عن الجيشِ ذِكرُهُ … وَرُبَّ حُسام هَاذِمِ بِطَنِينه
أيا ملجًا أغنى عن الغَيثِ جُودُهُ … وأَغنتْهُ حَوماتُ الوَغَى عن حصونه
بِكَ ارتَدَّ مشكو الزَّمانِ عن الأذى … وأطلق أبناء المنى من سجونه
وقد كان ذا هَمْزِ يُحاذِرُ فانتهى … إلى مُدَّةٍ بَعد الإباء ولينه
وكَمْ لكَ عِنْدِي من ندى يفْضُلُ الثَّنا … ويَحْلِفُ أَنَّ الشَّعْرَ غير قرينه
إذا قلت قد قابلته بقصيدةٍ … بَداغيرُهُ مستظهرًا بِكَمِينه
فدونَكَ جُهدًا من قريحة مادح … يُقابِلُ أَبكار الصَّلاتِ بِعُونه
رأى أَنَّكَ البحر الذي طابَ وِرْدُهُ … فَجَاءَكَ من نَظمِ القَرِيضِ بِنُونه
وقوله (١): [من الكامل]
لولا معاني السحر من لحظاتها … ما طال تردادي إلى أبياتها
وَلَمَا وَقفْتُ على الدِّيارِ مُنادِيًا … قلبي المُتيم من وَرَا حُجُراتها
دار عَرفْتُ الوَجْدَ مُنذُ أَتيتُها … زَمنَ الوِصالِ فَلَيتني لَمْ آتِها
حيثُ الظَّبا وكَواعِبٌ وحَدائِقٌ … أنّى التفتُ وقعت في جنباتها
والرَّاحُ هَادِيَةُ السُّرورِ إلى الحشا … مِثلَ الكواكب في أَكُفِّ سُقاتِها
لا تظلم الأحزان في أيامها … أو ما تَرى كِسْرَى على كاساتها
كم ليلةٍ عاطيتُ صورتَهُ طِلًا … كادتْ تُحرِّكُ معطفيه بذاتها
فَلَئِنْ بَكيتُ فإنَّ هذا الدمع من … ذاك الحباب يفيض من جَنَباتِها
مالي وما للهوِ بَعدَ مفارِقٍ … قد نُفِّرتْ غربانها ببزاتها
والشيب في فَوْدِي يَخُطُّ أَهِلَّةً … مَعْنى المنون يلوح في نوناتها
سقيًا لروضات الشَّبابِ وإِنْ جَنَتْ … هذي القلوب على قُلوبِ جُناتِها
стр. 6760
وَلِدولة المَلِكِ المُؤيَّدِ إِنَّها … جَمَعَتْ فُنونَ المَدْحِ بَعدَ شَتَاتِها
مَلِكٌ لِيُمناه عوائدُ أَنعُم … أَلِفَتْ نُحاةُ الجُودِ في صلاتها
ما قال إلا في مُبادَرَةِ العَطًا … وتَناوَلِ الأمداح هاك وهاتها
أكرم بساحته التي لا صَدْحَ من … ورْقِ الثَّنا إلا على روضاتها
غَذَّى الرَّجَاءَ نَباتُها فانظر لها … وَشَاهُ من مَدْحٍ فَمُ ابْنِ نَباتِها
واهرع إلى الشخص الذي قد أُلْفتْ … كُلُّ القلوب له على رغباتها
وإذا حلى الملك المؤيَّدِ أَشرقَتْ … فاخشَعْ لِما تُمليه من آياتها
شَرَفٌ يحار النجمُ دونَ مَنالِهِ … وَلُها يَضِيعُ الغَيثُ في قطراتها
لم يَكفِ أَنْ جَلَّى الخطوبَ عن الوَرَى … حتى جَلا بِعُلومِهِ جَهَلَاتِها
للهِ فِيهِ سَرِيرَةٌ مَكنُونَةٌ … فَصِفاتُها الإعياء دون صفاتها
لا تطلب من القرائحِ حَصْرَما … أُفضي إليهِ وَعَد عن إعناتها
رَكَعَتْ لِذِكراه الحروف ولم تَكَدْ … تَتَبيَّنُ الألفاظ من دالاتها
وتَقَشعَتْ أَنواءُ كُلِّ غَمامةٍ … وَهِباتُهُ تَجري على عاداتها
يا ابن المُلُوكِ الناشرين لبيتهم … سِيرًا تُبيِّضُ من وجوه رواتِها
مَدَّ القَصِيرُ إلى يديكَ يمينَهُ … إِذْ كَانَ صُنْعُ الجُودِ من لَذَّاتِها
وَصَبَتْ إلى لقياكَ غَير مَلُومَةٍ … نَفْسٌ رَأَتْ جَدواكَ أَصلَ حَياتها
لا تُعتبُ الأَيَّامُ كيف تقلبت … بالقاطنين وأنت من حسناتها
وقوله (١): [من البسيط]
لثمتُ شَعْرَ عَذولي حِينَ سَمَّاكِ … فَلَذَّ حتى كأني لاثمٌ فَاكِ
حبًا لذكراك في سمعي وفي خَلَدِي … هذا وإِنْ جَرَحَتْ في القلب ذكراك
تيهي وصدي إذا ما شئتِ واحتكمي … على النفوس فإنَّ الحُسْنَ وَلاكِ
وطولي من عذابي في هواك عسى … يَطولُ في الحشر إيقافي وإيَّاكِ
في فِيكِ خمر وفي عطفِ الصِّبا مَيَدٌ … فَما تَثنيكِ إلا من ثناياكِ
وما بَلِيتُ لكوني فيكِ ذا تَلَفٍ … إلا لكون سعير القلب مَاواكِ
يا أدمعًا لي قد أنفقتها سَرَفًا … ما كان عن ذا الوفا والبر أغناكِ
ويا مُدِيرةَ صُدغيها كَقُبلتِها … لقد غَدَتْ أَوجهُ العُشَّاقِ تَرضاكِ
مهما سلونا فلا نَسلو ليالينا … وما نَسِينا فلا والله ننساكِ
стр. 6761
نكادُ نَلقاكِ بالذكرى إذا خَطَرتْ … كأَنَّما اسمُكِ يا سُعْدَى مُسَمَّاكِ
ونشتكي الطيرَ نَعَّابًا بِفُرقتنا … وما طُيورُ النَّدَى إِلا مَطَايَاكِ
لقد عَرفناكِ أَيامًا وداومنا … شَجْرٌ فَيا ليتَ أَنَّا لا عرفناك
نَرعَى عُهودَكِ في حِلِّ ومُرتَحَلٍ … رَعْيَ ابْنِ أَيُّوبَ حال اللائِذِ الشاكي
العالم الملك السيَّارِ سُؤدده … في الأرضِ سَيْرَ الدراري بين أفلاكِ
ذاك الذي قالت العليا لأنعمه … لا أصغر الله في الأحوالِ مَمْساكِ
له أحاديث تغني كُلَّ مُجْدِبةٍ … عنِ الحَيا وتُجلّي كُلَّ أحلاكِ
ما بين خيط الدُّجَى والبدر واضحة … كأَنَّها دُرَرٌ من بين أسلاك
كافاك يا دولة المَلْكِ المُؤَيَّدِ عن … بِرِّ البَريَّةِ مَنْ لِلفَضل أعطاك
لِكِ الفُتوَّةُ والفَتوَى مُحرَّرَةٌ … لله ماذا على الحالين أفتاكِ
أحييت ما مات من علم ومن كرم … فَزادَكِ الله من فضل وَحَيَّاكِ
ماذا يُجمعُ ما جَمَّعْتِ من شَرَفٍ … في الخافقين ومن يسعى كمسعاك
أنسى المؤيد أخبار الألى سلفوا … في المُلْكِ ما بينَ فُتاكِ وفَتَاكِ
ذو الرأي يشكو السلاح الجَمَّ حِدَّتَهُ … لِذاكَ يُسمى السِّلاحُ الجَمُّ بالشاكي
والمكرمات التي افترت مباسمُها … والغَيثُ بالرَّعْدِ يُبْدِي شَهِقَةَ الباكي
قُلْ للبدور أستجني في الغمام فقد … مَحَا سَنَى ابن عليّ حُسْنَ مَسراكِ
إن ادعيت من النَّشْرِ المُطيفِ بهِ … غيظًا فقد ثبتت في الوجهِ دَعواكِ
يا أَيُّها الملك المدلول قاصِدُهُ … وضِدُّهُ نَحوَ سَتَارٍ وهَتَاكِ
لو أدركتك بنو العباس فانتصرتْ … بِمُقدِم في ظلام الخَطْبِ ضَحَاكِ
مُظفّرِ الجَدِّ من حظّ ومن نَسَبٍ … مُبصَّرِ بِخَفي الرُّشْدِ مِدْرَاكِ
وَحَدْتُهُ في الوَرَى بِالقَصدِ وارتَفَعَتْ … وَسَائلي فيه عن زيغ وإشراك
ما عارضتْ يَدُ أمداحِي مَواهِبَهُ … إِلا رَجَعْتُ بِصَفوِ المَعْنَمِ الزَّاكي
إِنَّ الكِرام إذا حاولت صَيدَهُمُ … كانتْ بُيوت المعالي مِثلَ أَشراكِ
سقيًا لدنياك لأكف بخائبة … فيها لديك ولا وصفٌ بِأَنَّاكِ
من كان في خيفة الإنفاق يُمسكها … فأنت تُنفقُها من خَوفِ إمساك
وقوله (١): [من الطويل]
عَذِيري من ساجي اللواحِظِ أَعْيدِ … يَصولُ بِأَسياف الجفون ولا يَدِي
стр. 6762
غزالٌ يُناجيني بلفظٍ مُعرَّبٍ … ولكنَّهُ يَسطو بِلحظٍ مُهنَّدِ
وقد روت عن لينه واعتداله … صحاحُ العوالي مُسندًا بعد مُسنَدِ
إذا قعدتْ أردافهُ قامَ عِطفُهُ … فَيا طول شجوي من مُقيمٍ ومُقعَدِ
يُخيَّلُ لي أني له لستُ عاشقًا … لأن ليس لي في عشقه من مُفنِّدِ
ولولا الهوى ما بتُّ بالدمع غارقًا … عليه وأشكو لِلوَرَى عِلَّةَ الصَّدِي
ورُبَّ مُدام من يديهِ شَرِبْتُها … مُعتّقةً تُدعَى لِعيشٍ مُجدَّدِ
(إذا جئته تعشو إلى ضوء كأسهِ … تَجِدْ خَيرَ نَارٍ عِندَها خيرُ مُوقِد)
كأَنَّ سَنَى راووقها وصبيبِها … حِبالُ شُعاعِ الشَّمسِ تُفتَلُ باليد
كأَنَّ بقايا ما مضى من كُؤوسها … أساوِرُ تِبْرٍ في مَعاصِمِ خُرَّدِ
سقى الغيث عني ذلك الشخص إنَّهُ … مضى شِبه غُصْنِ البانَةِ المتأود
وفَرَّقَ إلا مُقلتي وسُهادَها … وَجمَّعَ إلا مُهجتي وتَجلُّدِي
فلا غَزَلٌ إلا له من قصيدةٍ … ولا مَدْحَ إلا للمليك المؤيد
مليكٌ رأَى أَنْ لا مُباريَ في العُلا … فظلَّ يُباري سُؤدَدَ اليوم بالعَدِ
لو اختصمت أهل المكارم في الندى … لَقَالَ مَقالَ الحقِّ ملكي وفي يدي
كذلك فليحفظ تُراثَ جُدودِه … مَلِيكٌ بَنَى فوقَ الأساسِ المُوَطَّدِ
يَؤُمُّ حِماهُ طالب بعد طالب … فَذو القَصْدِ يَستحذي وذو الدهر يقتدي
ولا عَيبَ فِيهِ غَيرُ إسراف بذلهِ … وأَنَّ مَدَى عَلياهُ غَيرُ مُحَدَّدِ
تجول ثغور اللثم في عَتَباتِه … كَما جالَ عِقد في ترائب أَجْيدِ
رَعَى اللهُ أَيَّامَ المُؤَيَّد إنها … أَحقُّ وأولى بالثناء المُؤَيَّدِ
حَمَتْ وَهَمَتْ فالناس ما بين هاجد … أمانًا وداع في الدُّجى مُتَهجدِ
وما عرفت يومي ندى وشجاعة … بإخلافِ موعود ولا مُتوعِدِ
دع المبتغي نحو المكارِمِ شافعًا … وَجِئْهُ فَقِيرًا بالرجاء المجَرَّدِ
هنالك تلقى نعمةً بعدَ نِعمةٍ … لِداعِي النَّدى مثل النداء المؤكَّد
ومبيض آثار الصنائع أحمدَتْ … مَناقبُهُ أَيَّامَ كلِّ مُسوَّدِ
إذا شام رأيًا في الملمَّاتِ رَدَّها … بِأَفتكَ من مَر الزَّمانِ وأكيد
ولم تَزَلِ الهيجاء أثنى مَقامَها … عليه بألفاظ الوشيج المُقصَّدِ
أَيا مَلِكًا في مَنْهِ وعِقابِهِ … حياةٌ لِمُعتَد وموتٌ لِمُعتدي
إليك سلكْتُ الخَلْقَ سَمحًا وباخلًا … وَجِبتُ الموامي فدفدًا بعد فدفدِ
فَوَفَّيتني وعد الأماني وإنَّها … سَجِيَّةُ إسماعيل في صِدْقِ مَوعِدِ
стр. 6763
وَجَادَ بِكَ الدَّهْرُ البخيلُ ورُبَّما … تَدفَّقَ عَذْبُ الماء من قلبِ جَلمَدِ
فَيا ليت قومي يعلمونَ بأنني … تَعجَّلْتُ من نُعماك أضعاف مقصدي
وجمَّلْتُ فِيكَ الشِّعْرَ حتى نظمتُهُ … فَما البيت إلا مِثلُ قَصرٍ مُشيَّدِ
وأخملْتُ أرباب القَرِيضِ كأنني … أَدرْتُ على أَسماعِهِمْ كَأْسَ مُرْقَدِ (١)
فَلا زِلتَ مَخدوم المقامِ مُخلَّدًا … ومَن يَكتسب هذا الثناءَ يُخلَّدِ
شكرتك حتى لم تدع لي لفظةً … وكِدْتُ بأن أشكوك في كلِّ مشهد
لأنَّكَ قد أوهيت جهدي باللُّها … وأنسيتني أهلي وكثرت حُسَّدِي
وقوله (٢): [من الكامل]
أُخفي الأسى ولسانُ سُقمِي يُعلِنُ … وأَرُدُّ ما بي والسقامُ يُبَرهَنُ
وتظلُّ تُعدي الغانيات مدامعي … فمدامعي كَعُهودها تتلوَّنُ
بأبي التي أسكنتها في خاطري … فَسَرَتْ فَسَارَ معَ النَّزِيلِ المسكَنُ
لمياء لي دَيْنٌ على ميعادِها … مَعْ أَنَّ قلبي عِندَها مُستَرهَنُ
تُبدي اللآلئ منطقًا وتبسُّمًا … فكأَنَّ فاها للآلئ مَعْدِنُ
ويلومني فيها خليٌّ ما دَرَى … الشَّمْسُ أَمْ تلك المليحة أزينُ؟
ا لائمي انظُرْ حُسن تلك وهذه … كالفضل في الملك المؤيَّد بَيِّنُ
ملك على عَهدِ المَعالي ثابِتٌ … لكنَّهُ في فَضلِهِ مُتَفَنِّنُ
بَيْنا يُرَى بَحر العلوم إذا به … بحرُ النَّدَى فَحَدِيثُهُ مُتشجِنُ
ظعن الكرام الأولونَ وأَقَبَلتْ … أيامُهُ فكَأَنَّهُمْ لم يَطْعَنُوا
لم يبق لولا جودُهُ ومَقالُنا … مال يكال ولا يُقال فَيُوزَنُ
من أينَ لِلآمالِ مِثلُ مَقامهِ … ألروضُ أَفيحُ والعمائم هُتَّنُ
خُذْ عن عواليهِ أَحادِيثَ الوَغَى … فَحَدِيثُها عن راحتيهِ يُعَنْعَنُ
شَرَفُ القتيل بسيفهِ فَقتيلُهُ … في الجوِّ ما بين الحواصل يُدفن
وتطابقتْ أَفعالُهُ لِعُفاته … فالكيس يَهْزُلُ والحَقَائِبُ تَسْمَنُ
فضٌل يَموتُ بهِ الحَسودُ تَحسُّرًا … فَكَأَنَّهُ بِثِيابه مُتكفِّنُ
ما ضَرَّ معشر حاسديه لو أنهمْ … فَطنوا لِيُسرِ الله فيه وأذعنوا
اللهُ قَدَّرَ والعَزائِمُ أَنَّهُمْ … يَتحارِفُونَ وأَنَّهُ يَتسلطنُ
يا ابن الملوكِ إذا دعاهُمْ مُقْتِرٌ … لانُوا وإِنْ دُعِيَتْ نَزالِ اخشوشنوا
стр. 6764
نَسَبٌ كَصَدْرِ الرُّمْحِ إِلا أَنَّهُ … عِنْدَ المحامد ليسَ فِيهِ مَطعَنُ
للهِ دَهرُكَ إِنَّهُ الدهرُ الذي … سِيءَ الكَفُورُ بِهِ وَسُرَّ المؤْمِنُ
شيدت بإسماعيلَ أَركانُ العُلا … فإليهِ يَلتجئ الرجاء ويُركَنُ
فَليُعذرِ المُدَّاحُ فيهِ فَإِنَّهُمْ … بالعَجْزِ عن أدنى المدى قد أيقنوا
عَنَتِ القرائح عن بلوغ صفاتهِ … وَتَسترتْ خَلْفَ الشِّفاءِ الأَلسُنُ
وقوله (١): [من الطويل]
أَجِبْتُ مُنادِي الحبِّ من قبل ما دَعَا … فإن شئتُما لوما وإِنْ شِئتُمَا دَعَا
لي الله قلبًا صَيَّرَ الوَجدَ شِرْعةً … عليهِ وجَفنًا صِيَّرَ الدَّمعَ مَشْرَعَا
كِنانَةُ لَحظ خلّفتني من الهَنا … قَصيًّا وفكري للهمومِ مُجمَّعا
وسالفُ عَهْدٍ بالعَقِيقِ ذكرتُهُ … فَعَادَ بِدُرِّ المدمعينِ مُرَصَّعَا
يُخوّفُني بالسقم لاحٍ وليتَ مَنْ … عَناني أبقى في لِلسُّقْمِ مَوضعا
بَليتُ فلو رامتني العينُ ما رأَتْ … ولو أنَّ فِكري عارَضَ السَّمَعَ مَا وَعَى
ورُبَّ زمان كان لي فيه مالِكٌ … حَبيبٌ سَقَى منه الفِراقُ بِما سَعَى
(فلما تفرقنا كأنّي ومالكًا … لِطولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلة معا)
من الغيد لو كانَ المِلاحُ قَصيدةً … لكانَ سَنى خديهِ لِلشَّمسِ مَطلَعَا
أدار علي الدمع كأسًا وطال ما … أدار علي البابلي المشعشعا
كأن التلاقي كان وفرًا تَسرَّعَتْ … أَيادِي ابنِ شادٍ فيه حتى تضعضعا
إذا لم يكن في الغَيْثِ لِلعامِ نُجَعَةٌ … فَحَسبُكَ بالمَلِكِ المؤَيَّدِ مَنجِعا
مليك أَعادَ الشَّعْرَ سُوقًا بِدهرهِ … فَجِئْتُ إلى أبوابه متبضعا
فوالله لولا بَاعِثُ من مديحه … لأصبحَ بَيتُ الشِّعرِ عِندِيَ بَلْقعًا
أَتُعدل أقلام المدائح إنْ عَدَتْ … لَهُ سُجَّدًا لا للأنام ورُكَّعا
فَدَتْ طلعة البدر المنير أَبا الفدا … وإنْ كانَ أعلى من فداها وأرفعا
أَلَمْ تَرَ أَنَّا قد سَلَوْنَا بِأَرضهِ … مُرادًا لنا في أَرضِ مِصْرَ ومَرْبَعًا
إذا ابن تقي الدين جادَ بَنانُهُ … علينا فلا مَدَّتْ يَدُ النيل إصبعًا
أما والذي أنشا الغَمامَ وكَفَّهُ … وجَادَ وقد مَلَّ الغَمام فأقلعا
لقد سُمِعَتْ لِلأولين فضائل … ولكنّ لهذا الفضل ما جازَ مَسمَعًا
سخاء كما تُرجَى السَّحائب حُفَّلًا … وَبَأْسٌ كما تُنضَى الصَّواعِقُ لُمَّعَا
стр. 6765
وعلم ملأنا صُحفنا من فُنونه … فكانت على الأيام بُرْدًا موشَّعا
وذكر له في كل قلب مَحبَّةٌ … على ابنِ علي يعذرُ المُتشيّعا
لَهُ اللهُ ما أزكاه في المُلَكِ نَبْعَةً … واعذب من سقي المحارم منبعا
وطُوقْتُ تَطوِيقَ الحَمامِ بِجُودِهِ … فَلا عجبًا لي أَنْ أَحومَ وأَسْجعا
هُوَ المَلِكُ أغنى ماء وجهي وصانَهُ … فإِنْ تَقصُرِ الأمداح لا يَقصُرُ الدُّعَا
غَدَتْ كل عام لي إليه وفادَةٌ … فَيَا حَبَّذا من أَجْلِ لُقياهُ كلُّ عَا
قضى الله إلا أَنْ يَقومَ لِقَاصِدٍ … بِفَرْضِ فَإِنْ لم يَلقَ فَرضًا تَطوَّعَا
حلفْتُ لقد ضاع الثنا عِند غَيْرِهِ … ضَياعًا وأَمَّا عِندَهُ فَتضَوَّعَا
وقوله (١): [من البسيط]
يا شاهر اللحظ حبي فيكَ مشهُورُ … وكاسر الطَّرْفِ قلبي منك مكسور
أَمَرْتَ لحظكَ أَنْ يسطو على كَبِدي … يا صِدْقَ مَنْ قالَ إِنَّ السيف مأمور
وجاوَبَ الدَّمعُ شَعْرًا مِنْكَ مُتسِقًا … فَبيننَا الدُّرُّ مَنظومٌ ومَنثُورُ
لا تجعل اسمي للعذَّالِ منتصبًا … فما لتعريف وَجدِي فِيهِ تَنكيرُ
ولا تُوالِ أَذَى قلبي لتهدمَهُ … فإِنَّهُ منزل بالود معمور
هَلْ عِنْدَ منظرِكَ الشَّفافِ جَوهَرَةٌ … إنّي إليه فَقِيرُ اللَّحظ مضرور
أو عند مبسمك الغَرّارِ بارقةٌ … إِنِّي بَموعِدِ صبري فيهِ مَغرور
أقسمت بالعارض المسكي أَنَّ بِهِ … لِلمقسمين كتابُ الحُسْنِ مَسطور
لقد تغيَّرَ عَهد الحالِ من جسدي … وما لحالِ عُهودي فيكَ تغيير
حبي ومدح ابن شاءِ من قِدم … كلاهما في حديث الدَّهرِ مَأْثور
أنشا المؤيد ألفاظي وأَنشرَها … فَحَبَّذا مُنشَر فيها ومنشور
مَلْكُ إِذا شِمتَ بَرْقًا من أَسِرَّتهِ … عَلِمتَ أَنَّ مُرادِ القصدِ مَمطور
مُكمَّلُ الذَّاتِ زاكي الأصلِ طاهِرهُ … فَعِندَهُ الفضل مسموع ومنظور
أَقامَ لِلمُلكِ آراء مُعظَّمةً … لِشُهبها في بروج اليمن تسيير
وقام عنهُ لِسانُ الجودِ يُنشدُنا … زُوروا فَما الظَّنَّ فَيهِ كَالوَرَى زُورُ
هو الذي للثنا من نحو دولته … وللجوائز مرفوع ومجرور
وللعلوم تصانيف بدَتْ فغدت … نِعْمَ السِّوارُ على الإسلام والسُّور
قد آثرتْ ما يَسُرُّ الدِّينَ أَحرفُها … وللحروفِ كَما قد قِيلَ تَأْثِيرُ
стр. 6766
في كفّه قلم صان الحمى فَلَهُ … مالٌ على صفحاتِ الحَمدِ مَنثور
وصارم في ظلام النقع تحسبُهُ … بَرْقًا يُشَقُّ بِهِ فِي الْأُفُقِ دَيجورُ
تَفَدِي البَريَّةُ إِنَّ قَلُّوا وإِنْ كَثروا … أَبا الفداء فَثَمَّ الفَضلُ والخِيرُ
مُدَّتْ إلى مَجدِه الأمداح واقتصرت … فاعجَبِ لِمَمدودِ شيءٍ وَهُوَ مَقصور
وسرها من أب وابن قد اجتمعا … مُؤَيَّدٌ يَتلقاها ومنصور
يا مالكًا أَشْرَقَتْ أَيامُهُ وزَهَتْ … رِياضُها فتجلَّى النَّوْرُ والنُّورُ
هنئتَ عِيدًا له منك اعتياد هنًا … فَالصّبحُ مُبتهج واللَّيلُ مَسرور
فطرت فيهِ الوَرى واللفظ مُتفِقٌ … لِلوَفدِ فِطرٌ وللحُسَّادِ تَفطير
كأَنَّ شكل هلال العيد في يَدِهِ … قوسٌ على مُهَجِ الأَضدادِ مَوتُورُ
أَوْ مِخلَبٌ مَدَّهُ نَسرُ السماءِ لَهُمْ … فكلُّ طائرِ قَلبِ منهُ مَدْعُورُ
أو منجل لحصاد القومِ مُنعطف … أو خنجر مُرهفُ النَّصلينِ مَطرُورُ
أو نعل تبر أجادت في هَديَّته … إلى جوار ابنِ أَيُّوبَ المقادير
أو حاجب أشمط يُنبي بأَنَّ لَهُ … عُمْرًا لهُ في ظِلالِ المُلْكِ تَعمِيرُ
أو زورق جاء فيه العِيدُ مُنحدِرًا … حَيثُ الدُّجَى كَعَبابِ البحرِ مَسجورُ
أو لا فقلْ شَفَةٌ لِلكأس مائلةٌ … تُذكِّرُ العَيش إنَّ العيش مذكور
أو لا فقطعةُ قَيْدٍ فُكَ عن بَشَرٍ … أَحْنَى الصِّيامُ عليهِ فَهْوَ مأسور
أولا فنصفُ سِوارٍ قامَ يَطرحُهُ … كَفُّ الدُّجَى حينَ عَمَّتْهُ التباشير
أَوْ لا فمن رَمضانَ النون قط … سقطتْ لَمَّا مَضَى وَهُوَ مِنْ شَوَّالَ مَحصُورُ
فانعم به وبأمداح مشعشعةٍ … مُدِيرُها في صباح الفِطرِ مَبرور
قالت وما كذبتْ رُؤيَا مَحاسِنها … قَبول غيري على الأملاك محظور
بعض الورى شاعر فاسمَعْ مدائحَهُ … وبعضُهُمْ مثل ما قد قِيلَ شُعرور
وقوله (١): [من السريع]
لا تسألوا في الحب عن شاني … فقد كفَى تعبير أجفاني
هَوِيتُ مَنْ طلعته روضةٌ … ففاضت العينُ بِغُدران
غُصْنُ من البانِ إذا ما انثنى … أبصرت فيه ألف بستان
أشبهتُ في حُبّيهِ وُرْقَ الحِمَى … فكلُّنا نبكي على البان
стр. 6767
بالروح أفدي وجنتي مالكٍ … كَأَنَّهُ من حور رضوان
فَرَّ عن الجنّات من تيهه … وعَذَّبَ القلب بنيران
ظبي إلى القَانِ له نسبةٌ … واحربا في خده القاني
تقول لي نشطةُ أَعطافهِ … ضَلَّ الذي بالمح حاكاني
حلوان من عطفي قد أَينعًا … فكيف تحكيها بِمُرانِ
يا فارع الفكرة من شقوتي … يُعينني مَنْ فيك أشقاني
لا وندى ابن الأفضل المرتجى … لا نكثَتْ بَيعةُ أَشجاني
ذاك الذي أنقذني جُودُهُ … من مخلب الدهر فأحياني
ولم يزل تنويه تَنوِيلِهِ … حتى حمى وجهي وأغناني
قالت لآمالي يداه انفذي … لا تنفذي إلا بسلطان
أفضي لإسماعيل بيتُ العُلا … فشاد منه أَي أَركان
مُؤَيَّدٌ تُفتح يوم الوغى … في مدحه السن خرسان
ذو راحة بالبذل تعبانة … وما العُلا إلا لتعبان
تجني على المال وتجني الثنا … يا حَبَّذا [ك] المجتنى الجاني
كيف على كفيه يظما الرجا … مابن سخانٍ وَجَيحان
أَكرم به في الدَّهرِ من واحِدٍ … لم يختلف في فضله اثنان
يلقاك من علياه أو علمِهِ … بِملء أبصار وأذهان
باسط كفّيهِ لِطلابِهِ … فَهْوَ الوَرَى وَهْيَ البسيطان
له إذا حاولت نهب اللُّها … خَزائن ليست بخَزانِ
للجود في أمثالها مثل ما … في قصتي عَبْسٍ وذُبيانِ
أصبحت من علمانِ أبوابهِ … والسَّعْدُ من جملة علماني
أطوي على مَحْضِ الوَلَا مُهجتي … وأَنشُرُ المَدْحَ بِتَبيان
فكل أبياتي في مدحهِ … أَبياتُ سلمان وحسانِ
يا رَبِّ هَبْهُ عُمر نوح فقد … جاء من الجُودِ بِطُوفان
وقوله (١): [من البسيط]
ما ضَرَّ مَنْ لم يَجِدْ في الحب تعذيبي … لو كانَ يَرْفَعُ عَنِّي هَمَّ تَأْنيبي
أشكو إلى الله عذالًا أَكابِدُهُمْ … وما يزيدون قلبي غير تَثْبِيبِ
стр. 6768
وخاطرًا غنت الأشواقِ تُعجبُهُ … سَوالف الترك في عطف الأعاريب
كأنني لوجوه التُركِ مُعتكف … ما بين أصداغ شعر كالمحاريب
لا يَقرُبُ الصَّبر قلبي أو يُفارِقُهُ … كأَنَّه المال في كف ابنِ أَيوب
لولا ابنُ أَيُّوبَ ما سِرْنا لمغترب … في المكرمات ولا فُزْنا بمَرغُوبِ
دَعَا المؤيد بالترغيب قاصِدَهُ … فلوتأَخَّرَ استدعى بِتَرهيبِ
مَلْكُ إِذا مَرَّ يوم لا عُفَاةَ بهِ … فَليس ذلك من ملك بمحسُوب
للجود والعلم أقلام براحته … تجري المقاصد منها تحت مكتوب
مجموعه فيه أخبار الألى سَلَفُوا … كَمَا تُترجم أخبارٌ بِتَبويب
إذا تسابق للعلياء ذو خطر … سقى فأدرك تبعيدًا بتقريب
وإن أمال إلى الهيجاء صدر قنًا … أَجرَى دماء الأعادي بالأنابيب
قد أقسم الجود لا ينفك عن يدهِ … إِمَّا لِعَافيه أو للنسر والذيب
أَمَّا حِماهُ فقد أضحى بدولتهِ … مَلاذَ كلِّ قَصِي الدَّارِ مَحْرُوبِ
غريبة البابِ تَقرِي مَنْ أَلمَّ بِها … فَخَل بغداد وانزل بابها النوبي
وانعم بوعد الأماني عند رؤيته … فَإِنَّ ذلك وَعْدٌ غيرُ مَكذوب
واعجب لأنملِ جُود قطُّ ما سَئِمَتْ … إِنَّ البحار لآباء الأعاجيب
كلُّ العُفاةِ عَبِيدٌ في صنائعهِ … وَدارُ كلِّ عَدُوٌّ دارُ مَلْحوب
يا مانحي مننًا من بَعدِها مِنَنٌ … كالماءِ يَتبَعُ مَسكوبًا بِمَسكُوبِ
مَنْ كانَ يَلزَمُ ممدوحًا على غَرَرٍ … فما لَزِمْتُكَ إِلا بَعدَ تَجْرِيبِ
أَنْتَ الذي نبهت فكري مدائحه … ودربتني والأشيا تدريب
حتى أقمتُ قَرِير العينِ في دَعَةٍ … وذِكرُ مدحِكَ في الآفاق يسري بي
مَدْحٌ تَغارُ لمسود المداد به … (حمر الحلى والمطايا والجلابيب)
ألفاظُهُ عن شرا كافور غاليةٌ … لِمَا تَضمَّنَ في الألفاظ من طيب
وقوله (١): [من الخفيف]
يَومُ صَحْوِ فاجعله لي يومَ سُكْرِ … وأَدِرْ لي كَأَسَيْ رُضابٍ وخَمْرِ
واسقني في منازلي مثل خُلقي … بيدي هاجري يُغنّي بشعري
حَبَّذا روضةٌ وظِلُّ ونَهرٌ … كَعِذار على لمّى فَوقَ ثَغْرِ
ومَلِيحٍ يَقولُ حُسْنُ حلاه … اعملوا ما أردتُمُ أَهلَ بَدْرِ
стр. 6769
جَفْنُ عَينيهِ فاترٌ مُسْتَحيُّ … إِنَّما خَدُّه المشعشعُ جَمْري
وغرامي العُذرِيُّ ذنب لديهِ … وَعَجِيبٌ يكون ذنبي عُذرِي
هاتها من يديهِ عَذراء تُجلَى … لِنداماي في قلائد در
ليت شعري وللسرورِ انتهاءُ … أَيُّ شيءٍ يَعُوقُنا ليتَ شِعري
زمن الأنس قائم بالتهاني … ونوالُ المَلْكِ المُؤَيِّدِ يَسري
مَلِكُ باهِرُ المكارم يَروِي … وَجْهُ لُقياه عن عطاء بن بِشَرِ
زُرْتُ أَبوابَهُ فقَرَّبَ شخصي … ومَحَاعُسْرتي ونوَّه ذكري
ونحا لي من المكارم نَحوًا … صَانني عن لقاء زيد وعمرو
وتفننت في مفاوضة الشكـ … ـر إلى أن أعيا التطول شكري
أريحي من الملوكِ أَرِيبٌ … فائضُ البحر ذو عَجائب كثر
رُبَّ خُلقٍ أَرقَّ من أدمع الخنـ … ـسا وقَلبِ يَومَ الوغى مِثلِ صَخرِ
يَقسِمُ الدَّهر من سطاه بليل … ومن المنظر البهي بفجر
كلُّ أَيامنا مَواسِمُ فَضلٍ … في ذُرى بابه وأعياد فطر
فإذا لاح وجهُهُ في ذَوِي القَصْـ … ـدِ بِعيدٍ فاضَتْ يَداهُ بِعَشْرِ
سَمِّهِ في الضميرِ إِنْ ذُقتَ عُسرًا … وعليَّ الضَّمان أنك تُثري
والقَه للعلوم أو لِلعَطايا … تَلقَ مَلْكًا يقري الضيوف ويُقري
طَوَتِ العُسر ثُمَّ فاضَتْ لُهَاهُ … فَنعِمْنا بذات طي وَنَشر
يا مليكَ النَّوالِ والعِلم لا زلْـ … ـتَ سَرِيَّ الثناء في كل قطر
حملتك العُلا شؤونًا فألفت … آل أَيوب دائمًا آل صبر
وقوله (١): [من الطويل]
إذا ظفرت يومًا بقربكم المُنى … فلستُ أُبالي من تَرحَلَ أَوْ دَنَا
ولِعْتُ بِعِشقي فيكُمُ فتأكَّدتْ … قَضاياه فاستولى فأصبحَ دَيدَنَا
أجيراننا إنْ عِفتُمُ السَّفَحَ منزِلًا … وأَخلَيتُمُ من جانبِ الجَزْعِ مَوطِنَا
فقد حُزتُمُ دمعي عقيقًا ومُهجتي … غَضًَا وسكنتم من ضلوعي مُنحنى
وأرسلتم طيف الخيال المقلة … إذا ما أتاها استصحب السُّهد ضيفنا
وكَمْ فِيكم يوم الوداع لشقوتي … هلالٌ سَما غُصْنُ رَها رَأَ رَنَا
إذا شمتُ تحت الحاجبين جفونَهُ … أَرَى السِّحْرَ منها قاب قوسين قد دنا
стр. 6770
أما والذي لو شاءَ قَصَّرَبينَهُمْ … فَلَم يَبعثِ الطَّيفَ المُردَّدَ بيننا
لقد خُلِقَتْ لِلعِشقِ فيكم جوانحي … كَما خُلِقَ المَلْكُ المُؤيَّدُ لِلثَّنا
مليك له في العلم والجُودِ هَمَّةٌ … تَرَى المال في الإقتار والعيش في الغنى
بني رتبًا قد أعرب المدح ذكرها … فَيا عَجبًا من مُعرَبٍ كيف يُبتَنى
وأولى النَّدَى حتى اقتنى الحمد مخلِصًا … فأكرِم بِما أولى وأعظم بما اقتنى
وجَلَّى ثُغور الدِّينِ من قَلحِ العِدا … وَلِمْ لا وقد جَرَّ الأَراك من القنا
يكادُ يَعُدُّ النَّبلَ في حومة الْوَغَى … أَقاحًا وأَطراف الأَسِنَّةِ سَوْسَنَا
أخو فَعَلاتٍ تَردَعُ الخطب بائنًا … إلى كلماتٍ تَنفُثُ السِّحْرَ بَيِّنَا
لَئنْ أجريت ذكري المعادن إنّني … أرى أَرضَهُ لِلعِلمِ والجُودِ مَعْدِنَا
خليلي هل هذا حماهُ مَحلّه … فَعُوجًا على الأرض التي تُنبتُ الهَنَا
فلا جلق بالسهم تمنع قاصدًا … ولا حَلَبُ الشَّهباءُ تَلبسُ جَوْشَنَا
غَنِيْتُ بجدواه فأطربني بالغِنَى … ولا عجبًا أَنْ يَطرَبَ المرء بالغِنَا
ولا عيب فيه غير أني قصدتُهُ … فَأَنستني الأيام أهلًا وموطنا
تَعلَّمتُ أَنواع الكلام برفدِهِ … فأصبحتُ أعلى الناس شعرًا وأحسنَا
إذا قيلَ مَنْ رَبُّ المكارم في الوَغَى … أَقلْ هُوَ، أو رَبُّ القريضِ أَقلْ أَنَا
وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
هنَّ الوجوه الناضِرَه … عَيني إليها ناظره
آهًا لها عَينًا على … تلك الأزاهر ماطره
رقبَ الوُشاة جفُونَها … فإذا هُمُ بالاهره
مَنْ لي بغزلان على … سَفْحِ المُحصب نافره
ومعاطف مثلِ الغُصو … نِ سَبَتْ حَشَايَ الطائره
يَا صاحٍ عَلِّلْ مُهجتي … بِسَنَي الكؤوس الدائره
واحرق بلمعِ شُعاعِها … هذي الليالي الكافره
وانظر لساعات النها … رِ بِجُنح ليل سائره
من كفِّ مَهضوم الحشا … مِثل المهاةِ الحَاذِرَة
رامي النواظر والقلو … بِ بَهاجِر وبهاجره
ذي مقلةٍ تلقى الضرا … غِمَ بالجفون الكاسره
стр. 6771
تُرْدِي وأَنتَ تُحبُّها … وكذا تكونُ السَّاحِرَه
أحيث وأردت بالفُتو … رِ وباللحاظِ الشَّاطره
كدِ المؤيد باليرا … ع وبالسيوف الباتره
ذات الحروفِ مُجِيرَةٌ … وَشَبا الأَسِنَّةِ جَائِرَه
أكرِم بِصُنع يَدٍ لها … هذي الأيادي الفاخره
محمرة الآفاقِ في … يَومِ الوَغَى والنائره
فشعاعُ تِبر صاعِدٌ … ودِماءُ قوم مائره
وتبسّم مع ذا وذا … يَرَعُ الخطوب الكاشره
وتفنن في العلم يقـ … ـدح بين ذاك خواطره
عن كهِ أو صَدرهِ … تَروي البحار الزاخره
لا يُهمل الدُّنيا ولا … ينسى حقوق الآخره
يا أيها الملك الذي … رَدَّ الحقائب شاكره
وسما بهمته على … غُرَرِ النجوم الزاهره
حتى انتقى من زهرها … هذي الخلال الباهره
سقيًا لِدَهرِكَ إنّه … دَهرُ الأيادي الوافره
مُتَرادِفٌ لذوي الرَّجا … بِهباته المتواتره
لولاك ما أمست قريـ … ـحَتِيَ الكَلِيلَةُ شاعِرَة
أنت الذي رَوَّتْ غَمَا … متُهُ رُباي العاطره
وأبحتني بحر النَّدَى … حتَّى نَظمْتُ جَواهِرَه
لا غَرْوَ أنْ سلَّيتُ عن … بَلَدِي حَشَايَ الذَّاكِرَه
فلقد وجدتُ دِيارَ مُلـ … ـككَ بالسَّعادَةِ عامِرَه
قَهَرَتْ حَماةُ ليَ العِدًا … فَحَماةُ عِندي القاهره
وقوله (١): [من البسيط]
عَوِّض بكأسي ما أتلفتُ من نَشبي … فالكأس من فِضَّةٍ والرَّاحُ من ذهب
واخطب إلى الشَّرْبِ أُمَّ الدَّهرِ إِنْ نُسِبتْ … أَخَتَ المَسرَّةِ واللَّهْوِ إنبةَ العِنَبِ
عذراء تُنجِزُ ميعاد السُّرُورِ فَما … تُومي إليكَ بكف غير مختضب
مصونَةٌ تجعل الأستار ظاهِرَةً … وَجنَّةٌ تَتلقى العين باللَّهَبِ
стр. 6772
خَفَّتْ فلو لَمْ تُدِرْها كف حاملها … دارت بلا حامل في مجلس الطَّرَبِ
يا حَبَّذا الرَّاحُ لِلأَفواه دائرة … تُفضي بِسَعدِ سُراها أَنجمَ الحَبَبِ
عَلِقتُهُ من بني الأتراك مقتربًا … من خاطرِي وَهُوَ مِنِّي غَيْرُ مُقترب
حَمَّالَةُ الحَلْي والديباج قامتُهُ … تَبَّتْ غُصُونُ الرُّبِي حَمَّالَةَ الحَطبِ
تأبى إلى العدل كتبًا في لواحظه … (السيف أصدق أنباء من الكُتُبِ)
جَادَتْ جُفوني بِمُحمر الدموع لهُ … جُودَ المؤيد للعافينَ بالذَّهَبِ
مَلْكٌ تَدلُّكَ في العليا شمائله … على شمائل آباء لهُ نُجُبِ
مُحجَّبُ العِزِّ عن خَلْقِ يُحاوِلُهُ … وَجُودُ كَفَّيهِ بَادٍ غَيْرُ مُحْتَجِبِ
قد أتعب السيف من طول القراع به … فالسيف في راحة منه وفي تَعَبِ
هذا وللحِلْمِ مَعنى في خَلائِقِهِ … لا تَستطيلُ إليها فِطنَةُ الغَضَبِ
يُغْني عن السيبِ المُرْدِي بِصاحبهِ … عَفوًا ويُعطي العَطَا جَمَّا بِلا سَبَبٍ
ويَحفَظُ الدِّينَ بالعِلْم الذي اتضحت … ألفاظهُ فِيهِ حِفظ الأُفْقِ بالشُّهُبِ
ذاك الكريم الذي لو لَمْ يَجُدْ لَكَفَتْ … مدائح فيهِ عندَ اللهِ كالقُرَبِ
نوع من الصدق مرفوع المنار غدا … في الصَّالحات من الأعمال والكُتُبِ
وَواهِبٌ لو غفلنا عن تطلّبهِ … لَجَاءَنا جُودُهُ الفَيَّاضُ في الطَّلَبِ
أَسدَى الرَّغائب حتى ما يُشارِكُهُ … في لفظها غير هذا الشَّهْرِ من رَجَبِ
واعتادَ أَنْ يَهَبَ الآلاف عَاجِلةً … فإِنْ سَرَى لألوفِ الحَرب لم يَهَبِ
كم غارة عن حمى الإسلامِ كَفكفها … بالضّربِ والطَّعن أو بالرُّعْبِ والرَّهَبِ
وغاية جاز في آفاقها صُعُدًا … كأَنَّما هُوَ للإسراع في صَبَبِ
يا ابن الملوك الألى لولا مهابتهم … وجُودُهُمْ لم يُطِعْ دهر ولم يطب
الجائدين بما نالَتْ عَزائِمهِمْ … والطَّاعِنِينَ الأعادي بالقنا السُّلُبِ
والشَّائِدين على كيوان بيتَ عُلَا … تَغِيبُ زُهُرُ الدَّرَارِي وَهُوَ لَم يَغِبِ
بَيت من الفخرِ شادُوهُ على عَمَدٍ … وبِالمَجَرَّةِ مَدُّوهُ على طُنُبِ
للهِ أَنْتَ فَما تُصغي إلى عَذَلٍ … يَومَ النَّوالِ ولا تلوي على نَشَبِ
أنشأت لِلشِّعْرِ أَسبابًا يُقالُ بها … وهَلْ تُنظَّمُ أَشعارُ بِلا سَبَبِ
فَلا بَرِحْتَ بَرِيءَ الفَضلِ من دَنَسِ … والعَيشِ مِنْ رَونَقٍ والمجدِ مِنْ رِيَبِ
أَنْتَ الذي أنقذتني من يَدَيْ زمني … يَداهُ من غير إشرافي على العَطَبِ
فإن يكن بعض أمداحِ الوَرى كَذِبًا … فَإِنْ مَدحَكَ تكفير من الكَذِبِ
стр. 6773
وقوله (١): [من السريع]
مُبَلبَلُ الأَصدَاغِ والطَّرَه … وَمُرسِلُ اللَّحْظِ على فَتْرَه
أَرخى على أَعْطافِهِ شَعرة … قد جَذَبَتْني فيهِ لِلحَسْرَه
فاعجب لمن جار علهِ الضَّنَى … حتى غَدَتْ تَجذِبُهُ شَعْرَه
واحربا من رشا خاذل … ما لي على عِشقَتهِ نُصْرَه
مُهفهَفٌ تَعرِفُ من جَفنهِ … عَلامَةَ التأنيث بالكسره
ذُو طَلْعَةٍ تَعلُو على المُشتَرى … وَغُرَّةٍ تَزهُو على الزهره
ومُقلةٍ دَعْجَاءَ ضاقت فما … تُشبِعُ مَنْ يَقنَعُ بالنظره
عَشِقتُهُ حُلوًا على مِثلِهِ … يُطاعُ في الغي أَبو مُرَّه
لولا دُجَى طرته لم أَبِتْ … سَهرانَ لا أَجْرٌ ولا أجره
يبدو كِتابُ الحُسْنِ في وَجهِهِ … فَأقرأُ العِشق من الطره
يا ابن أمير الحرب يوم الوغى … كَمْ لكَ في العُشَّاق من إمْرَه
إليكَ يشكو المرءُ أَشجانَهُ … ولابن شاد يشتكي دهره
الملِكُ العالمُ والضَّيغمُ الـ … ـباسِلُ والمُنفرد الندره
رَبُّ العطايا عن غنى قاصر … والحِلْمُ كُلُّ الحِلْم عن قُدرَه
سُبحانَ من صَوَّرَهُ خالِصًا … ما شِيبَ من أخلاقه ذَرَّه
من آلِ مروان ويُمناه في … حُبِّ العطايا من بني عُذْرَه
حروفها تَعطِفُ يُسرَ الفتى … فَهْيَ حُروفٌ العطف لليسره
وسيفها مُمتزج بالدِّما … مَزجَ بَياضِ الخَد بالحمره
إذا مضى في الدِّرْعِ إفرندُهُ … عَجِبتَ للمريخ في النثره
أَكرِم بإسماعيل من سائدٍ … أَركانَ بَيتِ المُلْكِ عن خبره
ذي السلم لا تعيا لهُ دِيمةٌ … والحَربُ لا تُصلى لهُ جَمرَه
مُعطِي جَوادِ الخيلِ لِلمُقتَفي … وخلفَهُ الصُّرَّةُ كالمُهره
دع حاتمًا يفخر في قومه … بنحرِهِ البَكْرةَ لا البَدْرَه
هذا الذي يروي حَدِيثَ الثنا … من شخصه الباهر عن قره
لِلخَلْقِ والخُلق على وجهه … نواظر رَدًَّا نَظرَ الإمره
стр. 6774
إن كان ذو النورين فضلًا فَكَمْ … جَهَّزَ من جيش ذَوِي العُسره
يا مَلِكًا يلقى المُنى والعِدا … بِضِعْفِ ما يرضى وما تكره
وَقَرْتَني عن أهل دهري فلا … والله ما لي فيهمُ فِكْرَه
إلى أياديك انتهى مطلبي … فيا لها فيحاءَ مُخضَرَّه
كذا مدى الأيام في نعمة … باسمة الأحوالِ مُفتره
في كلِّ وجه قد تيممْتُهُ … سَعادَةٌ واضحة الغُره
وقوله (١): [من الكامل]
صَيَّرتَ نَومي مِثلَ عِطْفِكَ نافِرا … وتَرَكْتَ عَزمي مثل جفنك فاترا
وسكنت قلبًا طار فيكَ مَسرَّة … أَرأَيْتَ وَكْرًا قط أصبح طائرا
يا مُخرِبًا رَبعَ السُّلو جعلتني … أدعو بِأَنساب الصبابة عامرا
ويُطيعُ قلبي حُكْمَ لحظكَ في الهَوى … يَا لِلكليم غدا يُطيعُ السَّاحِرا
رِفقًا بقلب في الصبابة والأسى … صَيّرَتَهُ مَثلًا فأصبح سائرا
ومُسهَّدٍ يَشكو العِشارَ دُموعُهُ … ممَا سَلَكْنَ على هَواكَ مَحاجرا
ما بال مقلتِكَ الضَّعيفة لم تزل … وسنَى وطرفي ليسَ يَبْرَحُ ساهرا
خُلِقَتْ بِلا شَكٍّ لإجلابِ الأسى … وَيَدُ المُؤَيَّدِ لِلنَّوالِ بِلا مِرا
مَنْ مُبلِغُ المَلِكِ المُؤَيَّدِ أَنَّني … لولاهُ ما سَمَّيتُ نَفسي شاعرا
مَلكَ ابنُ أَيُّوبَ الثناءَ بِنائلٍ … أَضحَى على حَمْل المغائر صابرا
وتملكته سماحةٌ وحَماسَةٌ … جَعَلا لهُ في كُلِّ نَادٍ ذاكرا
فإذا سَخَا مَلأَ الدِّيارَ عَوارِفًا … وإذا غَزا مَلأ القفار عساكرا
وإذا سطا جَعلَ الحديدَ قَلائِدًا … وإذا عَفَا قلب الحديد جواهرا
بَينَا الأسير لديه راكب أدهم … حتى غدا بالعَفْوِ أَدهَم ضامرا
تمحو ظلام الليلِ بِيضُ سُيُوفَةٍ … مُذْ قِيلَ إِنَّ اللَّيلَ يُسْمَى كَافِرا
ويُتابع المنن التي ما عَيبُها … إلا رُجُوعُ الوصف عنها قاصرا
يا ابن الملوكِ المالئين فجاجَها … مِدَحًا مُنظّمة الحلى ومآثرا
من كلِّ ذِي عَرَضِ يُصفّى جوهرًا … فاعجَبْ لأغراض تكون جواهرا
شُكرًا لشخصِكَ ما أَبرَّ مُمدَّحًا … وأَعَزَّ مُنتصرًا وأحكم قادرا
стр. 6775
حملتني النُّعمى إلى أنْ لم أَبِنْ … من نقلهنَّ أَشاكِيًا أَمْ شاكرا
ونعم شكرتُ مَواهِبًا لكَ حُلُوةً … حتى شققتُ من العداةِ مَرائِرا
لا غَروَ أَنْ عَمَرَ البيوتَ مُعانيًا … عافٍ عَمَرْتَ لهُ البُيوتَ ذخائرا
بكرت عليك سعادة أبدية … وبقيت منصور العزائم ظافرا
وقوله (١): [من البسيط]
أودَتْ فعالكِ يا أسما بأحشائي … واحيرتي بين أفعال وأسماء
إن كان قلبكِ صَخرًا من قساوتهِ … فَإِنَّ طَرفَ المُعنَّى طَرْفُ خَنساء
وَيحَ المعنى الذي أَضْرِمْتِ خاطره … ماذا يُكابد من أهوالِ أَهْواءِ
قامت قيامة قلبي في هواك فإنْ … أَسكُتْ فقد شَهِدَتْ في السُّقم أعضائي
يا صاحبي أقلًا من مَلامِكُما … ولا تَزِيدا بتكرار الأسى دائي
هذي الرياض عن الأزهار باسمةٌ … كَما تَبسَّمَ عُجْبًا تَغْرُ لمياء
والأرض ناطقة عن صنع بارئها … إلى الورى وعَجِيبٌ نُطقُ خَرساءِ
فما يَصدُّكُما والحال داعية … عن شُرب فاقعة للهم صَفْراءِ
راحًا غَرِبتُ بزياها ومشربها … حتى انتصبتُ إليها نصبَ إغراء
من الكميتِ التي تَجْرِي بِصاحبها … جَرْيَ الرِّهان إلى غابات سراء
من كفٌ أَعْيد يحسوها مُقهقِهَةً … كَما تَأَوَّدَ غُصْنُ تحتَ وَرْقاءِ
حسبي من اللهِ غَفْرٌ للذنوب ومن … نُعمى المؤيد تجديد لنعمائي
مَلْكُ يُقيّد بالإحسانِ وَفَدَرَجَا … وبالظَّبَى والعوالي وَقدَ هَيجاء
ذا بالنضار وهذا بالحَدِيدِ فَما … يَنفَكَ آسِر أحباب وأعداء
داع لِجُودِ يَدٍ بَيضاء ما بَرِحَتْ … تَقضي على كلِّ صَفراء وبيضاء
يُدافع النكبات الموعات لنا … حتى الرِّياحُ فَما تَسرِي بنَكْباءِ
ويُوقِدُ اللهُ نُورًا من سَعادتهِ … فَكيفَ تَطْمَعُ حُمَّادٌ بإطفاء
لو جاورَتْ آلَ ذُبيانٍ حِماهُ لما … ذَمُّوا العَواقِب من حالاتِ غَبراء
ولو حَمَى حَمَلَ الأبراجِ دَعْ حَمَلًا … يَومَ الهَباءَةِ لم يُقصَدْ بِدَهياءِ
ولو رجا المشتري إدراك غايته … لدافعتْهُ عَصًا في كَفَّ جَوزاء
ما زال يرفع إسماعيل بيتَ عُلا … حتى استَوَتْ غَايتا نَسْل وآباء
مُصرَّفُ الفكر في حُبِّ العلوم فما … يَسْقَى بِسُعدى ولا يَروَى بِظَمياء
стр. 6776
لهُ بَدائِعُ لفظ صادفَتْ كَرَمًا … كأَنَّهن نُجوم ذاتُ أَنواء
وأنمل في الوغى والسلم كاتبه … إما بأسمر نضو أو بسمراء
تكلفت كل عام سُحْبُ راحتِهِ … عن البرية إشباعي وإروائي
فما أبالي إذا استكثرْتُ عَائلةٌ … وقد كَفَى هَمَّ إصباحي وإمسائي
نظمت ديوان شعر فيه واتَّخَذَتْ … عليَّ كُتَّابُهُ ديوان إعطاء
وعاد قول البرايا عِنْدَ دولته … أشهى وأشهر ألقابي وأسمائي
مُحرَّر اللفظ لكن غُرُّ أنعمه … قد صيَّرتني من بعض الأرقاء
أَعطَى الزَّكَاةَ وقدمًا كنت آخذها … يا قُرْبَ ما بين إقتاري وإثرائي
شُكرًا لِوَجناءَ سارَتْ بي إلى مِلكِ … لولاه لم يَطو نظمي سمعة الطائي
عال عن الوصف إلا أَنَّ أَنْعَمهُ … لأَجلِ قلبي تلقاني بإصغاء
يا جابِرَ القَلبِ خُذْهَا مِدْحَةً سَلِمَتْ … فَبيتُ حاسدها أولى بإقواء
مشتْ على مُستحِب الهَمزِ مُصمِيَةٌ … نِبالُها كلَّ هَمَّارٍ ومَشَاءِ
بيوت نظم هِيَ الجنَّاتُ مُعجبةٌ … كأَنَّ في كُلِّ بيتِ وَجهَ حَوراء
وقوله (١): [من مجزوء الرمل]
لا وخمر بابِليه … في ثنايا لُؤْلُويَّه
لا رَقَا سَفحُ دُموعي … في هوى تلك الثنية
ربع سلواني خرابٌ … وَشُجُوني عامريه
حربي من ذاتِ حُسن … باسم تبكي البريه
غادة يروي لماها … عن صحَاحَ جَوْهَرِيَّه
من بُيوتِ التُّركِ تَرمي … عن قسي حاجبيه
رحلتني عن سلوي … بلغات فارسه
لستُ أرضى يا عذولي … في هواها بالتقيه
ولقد أبذل روحي … في مَعانيها السنيه
لَمْ أَخَفْ في عبلةِ السَّا … قِ وَغَاها العنتريه
لا ولا أخشى من الدُّنـ … ـيا عواقبها الجريه
حجبتني يَدُ إسما … عِيلَ من كل بليه
مَلِك أغنى بجدوا … هـ عنِ السُّحِبِ المليه
стр. 6777
حاتمي الكف يثني … من أذى الدهر عديه
مُعرِقُ الآباء باهِي الشَّـ … ـخص وضاح السجيه
قد رَعَى اللهُ بِبُقيا … مُلكهِ هذي الرَّعِيَّه
حَبَّذا بحرٌ بِكفيـ … ـه الأماني والمنيه
ذُو حُسام يَكشِفُ الخَطـ … ـبِ بِرُؤياه المُضِيَّة
عَادِلٌ يَقسِمُ من نا … زَلَهُ قِسْمَ السَّوِيَّه
شرف الأسياف حتى … سُميَتْ بالمَشرَفِيَّه
ويراع ناحل الجسـ … مِ لهُ نَس قويه
ساهر في ظُلم الحبـ … ـر وَلِتأمين البريه
جامع في الجود والعِل … م صفات كوكبه
هكذا تُبنى المعالي … بِمَزايا هندسه
يامليكًا خصَّهُ اللَّـ … ـهُ بِأوصاف سنه
لكَ عِنْدِي صَدَقات … وإفادات خَفِيَّه
تقتضي المَدْحَ وإنْ كا … نَتْ عنِ المَدْحِ غَنِيَّه
فابق مخدوم السجايا … بِسجايا عنبريه
واصلِ المُلْكَ بأسبا … بِالسُّود الأبديه
وقوله (١): [من الخفيف]
والذي زاد مقلتيك اقتدارا … ما أظن الوشاة إلا غَيارى
بِهِمُ مِثلُ ما بِنا من جُفُونٍ … ساجيات تهتك الأستارا
كلما جالَ طَرفُها تَرَكَ الخَلْـ … ـقَ ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (٢)
يا غزالًا رَنا وغُصْنًا تَثنَّى … وهلالًا سَما وصبحًا أنارا
كان دمعي على هواكَ لُجينًا … فَأحالته نار قلبي نُضَارا
حِلْيَةٌ لا أُعِيرُها لمحبِّ … شَغَلَ الحَلْيُ أَهْلَهُ أَنْ يُعارا
ما لقلبي الكليمِ ضلَّ وقد آ … نَسَ من جانب السوالف نارا.
لكَ جِيدٌ ومُقلة تركا الظبـ … ـي لفرط الحياء يأوي القفارا
وثنايا أخذْنَ في ريقها الخَمْ … رَ وأَعطين للقلوبِ الخُمارا
عَاطِراتِ الشَّمِيمِ تَحْسَبُ فيهنَـ … ـن شَذًا من ثنا ابن شادٍ مُعَارا
стр. 6778
المليك المؤيد اللازم السؤ … دد إن حَلَّ حَلَّ أَوْ سَارَ سارا
والجواد الذي حبا المال حتى … كاد يحبو الأعمال والأعمارا
أعدل المالكينَ حُكمًا فما يَظـ … ـلِمُ إلا العُداةَ والدينارا
فاح ذكرًا وفاض في الخَلْقِ بِرًا … فَحَمِدْنا الرياض والأزهارا
ليس فيهِ عَيبٌ سِوَى أَنَّ إحسا … نَ يَديهِ تَستبعد الأحرارا
لم يزل جُودُهُ يجُورُ على الما … ل إلى أنَّ كَسَا النضار اصفرارا
البدار البدار نحو نَداهُ … فإذا صال فالفرار الفرارا
مِثلُ ماء السماءِ خَلْقًا وخُلقًا … وابنِ ماءِ السَّما علًا واقتدارا
كلَّما استَغفَرَ الرَّجَا من سَواهُ … أَرسَلَتْ كَفَّهُ النَّدَى مِدْرارا
وإذا شَبّتِ الوَغَى فكأَنَّ السَّـ … يفَ من بَأْسِهِ استعار استعارا
ذُو حُسام مُدرَّب لم يَدَعْ في … جانبِ الشَّامِ لِلعِدًا دَيَّارا
أَعجَلَ الكَافِرِينَ بالفَتكِ عن أَنْ … يَلِدوا فيهِ فَاجِرًا كَفَّارا
يَا مَليكًا أحيا الثّنا والعطايَا … فَجلبنا لسوقه الأشعارا
وتلقي بضائع القصد والحمـ … د فجئنا إلى حماه تجارا
أَسأَلُ اللهَ أَنْ يَزِيدَكَ فَضلًا … وسُمُوًا على الورى وفخارا
صنتني من أذى الزَّمانِ وقد حا … وَلَ حربي واستكبر استكبارا
وانبرى غيكَ الهَتُونُ بِجَدوَى … عَلَّمتني مدائحًا لا تُبارى
ما مددنا لك اليمين ابتغاءً … لِلعَطايا إلا شكرنا اليسارا
وقوله (١): [من البسيط]
في مِرْشَفَيهِ سُلَامُ الرّاحِ مَنْ عَصَرَه … ومعطفيه قوامُ البانِ مَنْ هَصَرَه
وفي ابتسام ثناياه ومَنطقهِ … مَنْ نظَّمَ الدُّر أسلاكًا ومن نَشَرَه
ظبي قضَى كَلُّ زَيْدٍ في محبته … وما قَضَى من ليالي وصله وطره
مُطابِقُ الوَصفِ في مرأى ومُختبر … فالخَدُّ سَهْلٌ وأَبوابُ الرِّضا عَسِرَه
إذا انثنى سُمِّيت أعطافُهُ غُصُنًا … عليهِ من كلِّ حُسْنٍ بَاهِرٍ زَهَرَه
ذاك الذي خَجِلَتْ أَجفانُ مُقلته … من القلوب وراحت وَهْيَ مُنكَسِرَه
بَينَا يُرَى جَنَّةٌ في العَيْنِ مُونِقَةٌ … حتى يُرى جذوةً في القلبِ مُستعِرَه
كيف الخلاص لمطويّ على … شَجَنٍ وقد تَمالَتْ عليهِ أَعيُنٌ سَحَرَه
стр. 6779
تغزو لواحظها في المسلمين كما … تغزو سيوف عماد الدين في الكفره
مَلْكُ إِذا نَظرتْ عَينُ الحَياءِ لهُ … لم يدفع الجود رؤياها إذا نظره
مُؤَيَّد النعتِ والأفكار ذو شِيَم … لِباسُهُ لِبُرُودِ الحَمْدِ مُعْتَجرَه
يُضيءُ حُسنًا وتُبدِي كَفُّهُ كَرَمًا … فما تَرَى بَدَرَهُ حتى تَرَى بِدَرَه
إذا تَأَمَّلت بشرًا منهُ مُقتبلًا … عَرَفتَ من مُبتَداهُ في النَّدَى خَبَره
لو أَنَّ لِلغيثِ جُزءًا من مكارمه … لم يُهمل الغَيثُ فِي سُقيا الثَّرَى مَدَرَه
لا عيب فيهِ أَدامَ اللهُ دولتهُ … إلا عزائِمُ مَجْدٍ عِندَهُنَّ شَرَه
وفكرة في العلا والعلم دائبةٌ … لَيسَتْ على أَمَدٍ في الفضلِ مُقتَصَرَه
طالت إلى الأفق فاستَنقَتْ دراريَهُ … وَغَاصِتِ البحر حتى استخرَجتْ دُررَه
آهًا لها فكرًا حُدَّتْ بِمَعرِفِةٍ … تَحدِيدَ رُبَّ من الألفاظ بالنَّكِرَه
وهمَّةٌ في سماء العزّ واضحةٌ … كأَنَّما الشَّمس من نيرانها شرره
تُباشر الحرب هؤلًا وَهْيَ سافِرَةٌ … وتَمنحُ المالَ جُودًا وَهْيَ مَحتَقِره
يا حَبَّذا منه في عينِ الثَّنا رَجلٌ … شافٍ إِذا النَّاسُ في عين الثناء مَرَه
أبهى وأبهرُ ما يلقاك مَنظُرُهُ … إذا نظرت على وَجْهِ الثرى قَتَرَه
والبيض محنية الأضلاع من قَرَم … على السّلا وقدودُ السُّمْرِ مُنتَظِرَه
والطَّرْفُ قد نَبَتَتْ بالنَّبلَ جلدتُهُ … كَأَنَّهُ بينَ أَنهارِ الدِّما شَجَرَه
مَناقِبٌ ما تَولَّى الخُبْرُ أَحرفَها … إلا حَسِبَت على عَطْفِ العُلا خَبَرَه
أقول للمدح اللاتي أُنظَّمُها … رِدِي حِماهُ على اسم الله مُبتَدِرَه
ما يخذل الله أوصافًا ولا كَلِمًا … بين المؤَيَّد والمنصور منتصره
أضحى المؤيد والأملاك واسطة … بين الأصول وبينَ النَّسلِ مُفتخره
ذاك الذي سَيَّرتْ رؤيا مَحاسنهِ … ذَنْبَ الزَّمانِ فما يشكو امرؤ ضَرَرَه
مهما أَراهُ رَفِيعَ الذِّكْرِ مُمتَدَحًا … فكُلَّ سَيئَةٍ في الدهر مُعْتَفَرَه
يا ابن الملوكِ قَضَوا أوقات مُلكِهُمُ … سَديدَةً وتقضوا سادةً بَرَرَه
كم سفرة لي إلى مغناكَ فائزة … أَغفَتْ لُهاك يدي فيها عن السَّفَرَه
ومدحة لي قد أيمنتَ طائرها … حيثُ المدائح في أرضِ الغِنَى طِيرَه
فَعِش ودُم لبني الآمالِ ذا رُتَبٍ … عَليَّةٍ وَيَدٍ في الفضل مقتدره
يَا رُبَّ أَفنانِ مَدْح فيك قد سُطِرَتْ … فأَصبحَ الجُودُ في أوراقها ثَمَرَه
وقوله (١): [من الطويل]
стр. 6780
حَلَفْتُ بِما يَملا النَّدِيمُ وما يُملي … لقد صان ذاك الحُسنُ سَمعي عنِ العَدْلِ
إذا كان كل الناس مُشتغلًا به … فَمَنْ عاذلي فيه إذا كان من شُغْلِي
بروحي فَتَّانُ اللُّواحِظِ طالِبٌ … كَرَى مقلتي يوم الندى زدته عقلي
من المغل أشكو نحوه ألم الهوى … وطب الهوى عِنْدِي كَما قِيلَ بِالمُغْلي
أَعِيذُ سَناهُ والعِذارَ ورِيقَهُ … بِما قد أتى في النونِ والنَّمل والنَّحل
وأصبو إلى السحر الذي في جفونه … وإن كنتُ أَدري أَنَّهُ جَالب قتلي
وأملا أوصال الدُّروجِ رَسائلًا … فَيبْخَلُ عَنِّي بالجواب من الوَصْلِ
ويُعجبني رمل المنجم باسمِهِ … وما ذاك إلا حُبُّ مَنْ حَلَّ فِي الرَّمْلِ
يُعلّلني مَسرَى الرِّياح وطالما … تَعَلَّلتِ العُشَّاقُ بالرِّيحِ مِنْ قَبلي
ويعذلني مَنْ لايهم وأدمعي كَجَدوى … ابن شاهنشاه سابقة العذول
إذا سَحَبتْ جَدوى المُؤَيَّدِ ذَيْلَها … تُغطّي فَخارَ الفضل في ذلك الفضل
مَلِيكٌ إِذا رُمنا مَديحَ جَلالِهِ … فَأَقلامنا تجري وأوصافه تُملي
مُجدّد أيام المدائح والنَّدَى … وأدفع أيام الشكاية والأَزْلِ
وباعتها للحربِ جُرْدًا سوابحًا … كأَنَّ دَمَ الأعداء من تحتها يعلي
إذا خَفِيتْ فوقَ الجُسُومِ تعوّضت … بكلِّ جبين كالهلالِ عَنِ النَّعْلِ
إذا ما دعته الحرب يا قاتلَ العِدَا … بَدا فَدَعاهُ الْجُودُ يا قاتلَ المَحْلِ
يُقدِّمُ في أهل العُلا شَرَفُ اسمه … كما قدم الاسم النحاة على الفعل
وتخدمه حتى النجوم محبةً … ومن أجل ذا تُعزى النجوم إلى عقل
هُوَ المُرتقي فوق السُّها بعزائم … دَرَتْ كيف ترقى للفخار وتستعلي
تفرد لولا ناصِرُ الدِّينِ بِالعُلا … فَيا حَبَّذا أُنسُ الغَضنفر بالشبل
هُوَ النَّجلُ يَروي عن أبيهِ شَمائِلًا … وعن جده والسابقين من الأَهْلِ
حَوَى الدَّهرُ من مَراهُ أَشرفَ نُسخةٍ … فَقَابلَها يومَ المَفاخِرِ بالأصل
كأنك يا ظلَّ العُفاةِ بِشخصِهِ … تُسابقُكَ العليا مُسابقة الظَّلَّ
مثيلكَ في يَومي وغى ومكارم … فقد قُمتَ أَيامًا كَثِيرًا بِلا مِثْلِ
وملتقيًا مِنّي مدائح عُدّدَتْ … فَرائدُها لُقْيَا مَقامِكَ من قبل
أصوغُ لهُ مِنها فأُلحِقُ نَسلَهُ … فأَجمعُ بين الأب والجد والنجل
فديتُكَ مَلْكًا في نَدَاهُ وبِشرُهُ … غَمامٌ لِمُستَجد وضوء لمستجلي
تخيرته دون الأنام ولذلي … بِهِ بَدَلُ البعض الجميل من الكل
وأنزلتُ آمالي لَدَيْهِ وإِنَّهُ … لأكرم من آلِ المُهلب في مَحْلِ
стр. 6781
تُفصِّحُ لَفظي مُجزِلاتُ هِباتِهِ … فَيحْسُنُ مَدحي للجزيلةِ بالجَزْلِ
سقى اللهُ أَيامَ المُؤَيَّد بالهنا … إذا ما سقَى الأَيامَ بالطَّلِّ والوَبْل
لقد أمنتنا من أذى كلِّ حادث … وقد فرغتنا للتنعم والدَّلَّ
فَلا جَائِرٌ فينا سِوَى سَاقِ غَادَةٍ … ولا ظالِم إلا من الأعين النُّجل
وقوله (١): [من الكامل]
تحلو التغورُ بِذكركَ المُتردِّدِ … حتى أَهِمَّ بِلَم تَغْرَ مُفَنْدِي
وأَراكَ تَتهمني بِصَبْرٍ لم يكُنْ … يَا مُتهمي هَلًا وَصَالُكَ مُنجدي
آها لمقلتكَ الكَحِيلة إِنَّها … نَهَبتْ سُويدا كلِّ قلب مُكمَدِ
تلك التي في السكر فيها حانةٌ … قالت لحسنِكَ في الخَلائِقِ عَرْبدِ
دعجاءُ ساحِرَةٌ لأَنَّ لحاظها … تَفْرِي جَوانحنا بسيفٍ مُغْمَدِ
حظي من الدُّنيا هَوايَ بِجَفْنِها … يا شِقوَتي منها بِحَظٍّ أَسْوَدِ
عجبي لوجهكَ وَهُوَ أَبهَى كَوكَبٍ … كَمْ ذا يَحارُ عليه عقل المهتدي
ولخدك القاضي بمنع زَكاته عنّي … وقد أثرَتْ يَدَاهُ بِعَسْجَدِ
من لي بيوم من وصالِكَ مُمْكِنٍ … ولو أنَّه يومُ الحِمامِ بِلا غَدِ
رفقا بناظِرِي القَرِيحِ فقد جَرَى … ما قد كفَى من عبرة وتسهدِ
وحشاشة لم يبقَ فيها للأسى … والهم إلا نبدة وكأَنْ قد
هذي يدي في الحب إنك قاتلي … طَوْعَ الغَرامِ وإِنْ حُسنَكَ لا يَدِي
لو كان غير الحب كانَ مُؤَيَّدًا … بِمَقام مَنصور اللقاءِ مُؤَيَّد
مِلكُ تَصدَّى للوفودِ بِمَنزلٍ … يُرْوَى بِلَثْم تُرابهِ قَلبُ الصَّدِي
متنوع الآلاء أغنى بالنَّدَى … وَسطًا فكَفَّ المُعتفي والمُعتَدِي
وَسَرَتْ لُهاهُ لِكُلِّ قاطنِ مَنزلٍ … سَيْرَ الخَيال إلى جُنونِ الهُجَّدِ
لو كان للأمواءِ جُودُ بَنانهِ … لَطُوتْ رِكابُ السُّفن عرْضَ الفَدَفَدِ
ولو أنَّ راحته تمر على الصفا … لارتاح للمعروفِ قَلْبُ الجَلْمَدِ
كانَ النَّدى في آلِ بَرمَكَ يُدعَى … فإذا به في المُلْكِ منه واليَدِ
لا تَستقِرُّ بِكفّه أَموالُهُ … فكأَنها نوم بِمُقلةِ أَرمَدِ
حُبًَّا لإسداء الصنائع والندى … وهوى بأبكار العلا والسُّودَدِ
فَضَّتْ مكارمُهُ مارَبَ حُبّهِ … فلو أنَّ قاصدهُ دَرَى لم يَحْمَدِ
стр. 6782
وحَمَى فجاجَ الأَرضِ منهُ بِهِمَّةٍ … قالتْ لجَفْنِ السَّيفِ دُونَكَ فارقُدِ
كَمْ أَنشَرتْ جَدواه فينا حاتمًا … ولكمْ كَفانا بأسهُ دَهرًا عَدِي
ما لابنِ شَادٍ في العُلا نِةٌ وسَلْ … عَمَّا ادَّعيتُ سَنَى الكَواكِبِ تَشْهَدِ
بين المكارم والعلوم فلا تَرَى … بِحِماهُ إلا سائلًا أو مُقتَدِي
أَقوالُهُ لِلمُجتنِي وَنَكالُهُ … لِلمُجترِي ونَوَالُهُ لِلمُجتَدِي
في كُلِّ عام لي إليه وفادَةٌ … تُغني قَصيدي عن سواه ومقصدي
نِعمَ المَليكُ متى يُنادَى في الوَرى … لِعُلًا فَيا لَكَ من مُنادَى مُفْرَدِ
واصلت قولي في ثناهُ وحبَّذا … مُتوحدٌ يُثني على متوحد
إن لم يكن هذا الحمى العالي فَمَنْ … لنظام هذا اللؤلؤ المتبدّدِ
يا أيها الملك المُهنَّى دَهرَهُ … صُمْ أَلفَ صَوم بِالهَناءِ وَعِيدِ
واملك من العُمرِ المؤيَّدِ خِلعةً … ما تنتهي في العين حتى تبتدي
وقوله (١): [من الطويل]
أَمَنزِلَ ذاتِ الخَالِ حُيِّيتَ مَنزلا … وإنْ كانَ قلبي فيكَ بالحُزْنِ مُبتَلَى
لك الله قلبًا لا يَزالُ مُقيَّدًا … بوجدٍ ودَمعًا لا يَزالُ مُسَلْسَلا
يُعبّر عن سِرِّ الهوَى وأُضيعُهُ … فَيا لكَ دَمعًا مُعْرَبًا صارَ مُهملا (٢)
كفَى حَزَنِي أَنْ لا أُراقِبَ لَمحةً … ولا أَنظُرَ اللَّذَّاتِ إِلا تَخيُّلا
وما أستزيرُ الطَّيْفَ خَوفَ فِراقِهِ … لِمَا ذُقتُ مِنْ طَعْمِ التَفرُّقِ أَوَّلا
وأقسم لو جَادَ الخيالُ بِزورةٍ … لَصَادف بابَ الجَفْنِ بالفتح مُقفَلا
وأغيد قد أنضى عذولي ذِكرَهُ … فَقُلْ في أسى أضنَى مُحِبًّا وعُذْلا
غريرُ رَنَتْ أَجفانه ووصفتُهُ … فَراحَ كِلانا في الهوى مُتغزّلا
بُلِيتُ بهِ سَاجِي الجُفونِ كَليلَها … وما زال تعذيب الكليلة أطولا
إذا ما بدا أوصال أو ماس أو رَنا … فَما البدرُ والخَطي والليث والطلا
وقالوا أتحكيه الغزالة في الضحى … فقلتُ ولا لحظ الغزالة في الفلا
تَبارَكَ مَنْ في الحسن مكَّنَ شخصه … ومكّن إسماعيل من رُتَبِ العُلا
مَليكُ حَوَى شَأْوَ الكواكب قاعدًا … وجاوز غايات (الكواكب منزلا)
يَقولونَ أعلى باليمين يساره … فقلتُ فمن أعدى الذي جاد أولا
ومن في المعالي قد تقَدَّمَ وِرْدُهُ … أَجَلْ إِنَّها عادات آبائه الألى
стр. 6783
أخو كَرَم تبغي العَواذِلُ عَطفَهُ … فَتلقاه أَندَى ما يكونُ مُعذَّلا
له راحةٌ ضمَّتْ يراعًا ومُرْهَفًا … كأنهما زاداه في الكَفَّ أَنمُلا
يراع إذا مدَّتْهُ يُمناه للنَّدى … رأيتَ عُباب البحر قد مَدَّ جَدولا
وسيفًا كأَنَّ القَينَ سَوَّاهُ جَذوةً … فلو لَمْ يُعَاهَدْ بالطلا لتأكلا
مضى وحسام الرأي والذهن قبله … إذا طَرقا الأقران في الطيفِ جَدَّلا
ألا رُبَّ شَأْوِ رَامَهُ فَتَسهَّلَتْ … ذُراهُ وصَعْب راضه فتذللا
وجيش كأَنَّ الأُفْقَ يَلْبَسُ نَقعَهُ … رِداءً بِأطراف الأسِنَّةِ مُحْمَلا
رَمَاهُ بِعَزْمِ فانجلتْ ظُلُماتُهُ … ولو رامَهُ الصُّبحُ المُنير لما انجلى
وبيداءَ مِقفار إليهِ قَطعتُها … فَلاقَيتُ مَعلومًا وفارقتُ مَجهَلا
وقَضيتُ في ظِلِّ النَّعِيمِ لياليًا … لو انتَفَضَتْ كَانتْ كَوَاعِبَ تُجتَلَى
لبابك يا ابن المالكينَ بِعثتُها … أَوَانس من مَدْح عنِ الغَيْرِ جُفَلا
شببتُ لها فكرِي فَفَاحَتْ حروفها … كأني قد دَخَنْتُ فِي الطَّرْسِ مَندَلا
وأنت الذي أسعفتني فصنعتها … ولولا الحيا ما أَصْبَحَ التَّربُ مُبقِلا
وأعتقت رقي من خُمولٍ وفَاقَةٍ … فَحُزْتَ وَلا قلبي ولِلمُعْتِقِ الوَلا
بَقِيتَ لهذا الدَّهْرِ تَبسط إِنْ أَسَا … يَديكَ فما ينفكُ أَنْ يَنصَّلا
حلفتُ يمينًا ليسَ مِثلُكَ في الوَرَى … فَما شَرَعَ المفتون أن أتحللا
وقوله (١): [من البسيط]
نَجْمُ تَولَّد بينَ الشَّمسِ والأَسَدِ … هُنَيْتَ بالوالد الأزكى وبالولد
ودامَ مُلكُكَ مَضروبًا سُرادِقُهُ … على ضَروب التهاني آخِرَ الأَبَدِ
يا حَبَّذا المُلْكُ قد مُدَّتْ سَعادتهُ … ما شئت من عَضُد سام إلى عَضُدِ
وحَبَّذا بَيتُ إسماعيلَ مُرتفعًا … على قَواعِدَ أَمستْ جَمَّةَ العَمَدِ
جاءَ البَشير بنجل النجلِ مُقتبلًا … فَيا لها من يَدٍ مَوصولةٍ بِيَدِ
فرع من الدوحة العلياءِ مُطَّلِعُ … مَعْ أَنَّهُ من ثمار القلب والكبد
مَدَّتْ إليه المَعالي كَفَّ حاضِنةٍ … وضمَّهُ المُلْكُ ضَمَّ الرُّوحِ بِالجَسَدِ
وماستِ السُّمر بالإعجاب وابتسمتْ … بِيضُ السّيوفِ وقَرَّتْ أَعَينُ الزَّرَدِ
وغردت بأغانيها القِسِيُّ على … أوتارِهنَّ غِناءَ الطَّائرِ الغَرِدِ
واستشرَفَ القَلَمُ العالي للثمِ يَدٍ … عريقة سوف تعلو فوق كلِّ يَدِ
стр. 6784
واختالت الخيل من زَهْوِ فوقَرَها … ما سوفَ تَحْمِلُ من عَزْمِ ومن جَلَدِ
كأنني بفتى المنصور ممتطيًا … جيادها الغُرَّ في فُرسانِهِ النُّجُدِ
نحو الغزاة ونحو الصيدِ يُعملُها … إِمَّا الطَّراد وإِمَّا لَذَّةُ الطَّرَدِ
للهِ كَوكَبُ سَعْدٍ في سَماءِ عُلًا … لو حَلَّ في الأُفُقِ لم يُظلِمُ على أَحَدِ
لهُ مَخايل من مجدٍ تُكَلِّمُنا … في مَهْدِهِ بلسانِ الحِلْمِ والرَّشَدِ
تكاد تنضو وشاحيه حمائلُهُ … وَيَنزِعُ الدّرعُ عنه القمط من جسد
عصائبُ المُلْكِ أَولَى من عصائبهِ … فَهُنَّ من غَيْرة في زي مُرتَعِدِ
يا آلَ أَيُّوبَ بُشراكُمْ بِوجِهِ فتًى … مُظفّرِ الجَدِّ طَلاع على نُجُدِ
يروي حديث المعالي عن أَب فَأَب … روياة التبر في الحاظِ مُنْتَقِدِ
هذا المؤيد صان الله دولتهُ … قُلّ في مناقبه الحُسْنَى وَزِدْ وَزِدِ
مَلْكُ لهُ في ظِلالِ العِزَّ مَنزلةٌ … تَرنو إلى الفَلَكِ السيارِ من صُعُدِ
مُحكم الأمر للأقلام في يَدِهِ … وللسُّيوفِ مَقامُ الرُّكَّعِ السُّجُدِ
و ناشر بنداهُ كلَّ قَافيةٍ … (أخنَى عليها الذي أَحْنَى لُبَدِ)
ذاك الذي في حماةٍ نَبعُ أَنعُمهِ … وقَلبُ حاسده للهم في صَفَدِ
حَدَّثْتُ في فضلهِ ثُمَّ استندْتُ لهُ … فَلا عَدِمْتُ أَحاديثي ولا سَنَدي
وقمت أكسو بنيه من مدائحه … ما يَرفُلُ الملك في أثوابه الجُدد
الحَمدُ للهِ أحياني وأمهلني … حتى بلغتُ بِعُمري أكرمَ الأَمَدِ
الجَدَّ والأب والابن امتدحتُ فيا … فوزي بها كلها أحلى من الشَّهَدِ
[كأنما الملك المنصور واسطةٌ … وليس في العقد در غير مُنفرد
ذو الجود والبأس في يومي ندى وردى … ما بينَ مُنسجِمِ طَوْرًا ومُتَّقِدِ]
والسيف والرمح لا يَهْوَى لغيرهما … لمعًا من الشعر أو نوعًا من الغَيدِ
ونبعةُ المُلْكِ قد طالت وقَدْ رسخت … فالناسُ في ظلها في عيشة رَغَدِ
هنئت يا ابن علي في الفخار بها … ومن بَنِيكَ بِمنصورٍ ومُعتَضِدِ
لولا مديحك ما اخترت القريض ولا … والله ما دار في فكري ولا خَلَدِي
سَدَّدْتَ رأيًا حَباكَ العزَّ متّضحًا … فَزادَكَ اللهُ من عِزّ ومن سَدَدِ
وقوله (١): [من الطويل]
سَرَى طيفها حيثُ العَواذِلُ هُجَعُ … فَنَمَّ علينا نشره المُتضوع
стр. 6785
وبات يُعطيني الأحاديث في دُجى … كأَنَّ الثريا فيه كأس مُرضَعُ
أَجِيراننا حَيَا الرَّبِيعُ دِيارَكُمْ … وإن لم يكن فيها لطرفي مَرْبَعُ
شَكَوْتُ إلى سَفْحِ النَّقاطُولَ نَايِكُمْ … وسَفْحُ النَّقا بالنأي مثلي مُروّع
ولا بُدَّ من شَكْوَى إلى ذِي ضَرورةٍ … يُواسِيكَ أَوْ يُسليك أو يَتوجَعُ
فَدَيْتُ حَبِيبًا قد خَلا منه ناظري … ولم يَخلُ مِنهُ في فُؤَادِيَ مَوْضِعُ
مُقيم بأكناف الغضا وَهْيَ مُهجَةٌ … وإلا بوادي المُنحَنَى وَهْيَ أَصْلُعُ
أَطالَ حِجابَ الصَّدِّ بَيني وَبَينَهُ … فمقلتي الجوزا ودمعي ينبع
لَئِنْ عَرَضَتْ من دُونِ رُؤيَتِهِ الفَلا … فيا رُبَّ رَوضِ ضَمَّنَا فِيهِ مَجْمَعُ
مَحَلٌّ تَرَى فيهِ جَوامِعَ لَذَّةٍ … بِها تخطُبُ الأَطيارُ والقُضْبُ تَركَعُ
قرانا به نحو الهنا وملابِسٌ … تُجَرُّ وأَيد بالمدامة تُرفَعُ
وقد أمنتنا دولةٌ شاذويَّةٌ … فما تختشي اللأوا ولا نتخشع
مدائحها تمحو الأثامَ ورِفدُها … يُعوِّضُ عن وَفْرِ الغني ما نُضيع
[رَعَى اللهُ أَيامَ المؤَيَّد إننا … وَجَدْنا بها أَهْلَ المَقاصِد قد رُعُوا]
مليك له في الجُودِ صُنعُ تَأنقتْ … مَعانِيهِ حَتَّى خِلتُهُ يَتصنَّعُ
وعلياء لو أَنَّا وَضَعْنا حَدِيثَها … وَجَدْنا سَناها فوق ما كانَ يُوضَعُ
مُذالُ الغِنى لو حاولت كف سارقٍ … خَزائنَهُ ما كان في الشرع تُقطع
أرانا طباق المال والمجد في الورى … فذلك مبذول وهذا مُمَنَّعُ
وجانس ما بين القراءة والقِرَى … فَلِلجودِ منه والإجادة مطلع
تَوقَّدَ ذهنًا واستفاض مكارِمًا … فَأَعلمَ أَنَّ الشَّهِبَ بالغَيثِ تَمَعُ
وصانَ فجاجَ المُلْكِ بَأْسًا وهَيْبةً … فلا جَانِبٌ إِلا لَدَى الرُّوضِ يَرْتَعُ
عَزيمةُ وضَّاحِ الخَلائِقِ أَروَعُ … إِذا قِيلَ وَضَّاحُ الخلائقِ أَروَعُ
تُفرِّقُ بالحمر القِصارِ يَمِينُهُ … لِمَا راح بالسمر الطوال يُجمعُ
ولا عيب في أخلاقه غيرَ أَنَّهُ … إِذا عَذلوه في الندى ليسَ يَرجِعُ
لهُ كلَّ يوم في السيادةِ والعُلا … أحاديثُ تُملي المادحينَ فَتُبدِعُ
إذا دَعَتِ الحرب العَوانُ حُسامَهُ … جَلا أُفقها والرُّمْحُ بالسِّنِّ يَقرَعُ
وإن مشت الآمال نحوَ جِنابِه … رَأَتْ جُودَ كَفَّيه لها كيف يُهْرَعُ
ولا تفتخر من نيلِ مِصرَ أَصابع … فما النيل إلا من يَمينِكَ إصْبَعُ
أَيا ملكًا لمَّا دَعَتْهُ ضَراعتي … تَيقَنتُ أَنَّ الدَّهْرَ لي سوفَ يَصْرَعُ
قصدْتُكَ ظمآنًا فَجُدْتَ بِزاخرٍ … أَشُقُّ كما قد قيل فيه وأذرع
وفي بعض ما أسديتَ قُنعٌ وإِنَّما … فَتًى كنتُ مَرمَى ظَنّه ليسَ يقنع
لك الله ما أزكى وأشرف همَّةً … وأَحسنَ في العليا بما يتنوع
стр. 6786
مديحُكَ فَرْضٌ لازمٌ ليَ دَينُهُ … ومَدْحُ بني العليا سواكَ تَطوَّعُ
[وقوله] (١): [من الطويل]
وغيداء يُعزَى طرفها لكِنانةٍ … ومِعطفُها المَيَّادُ يُعزَى إِلى النَّضْرِ
حَمَتْ ثغرها عن راشف بلحاظها … كذاك سيوف الهندِ تَحْمِي حِمَى الثَّغْرِ
كأَنَّ جُفوني حِينَ تَسفَحُ بالبكا … على حُبِّها كف المؤيد بالتبر
رَعَى اللهُ أَيامَ المُؤَيَّدِ إِنَّها … ولا بَرِحَتْ فينا مَواسِمَ لِلدَّهرِ
مَليك تساوى علمُهُ ونَوَالُهُ … كأَنَّهما بحران جاءا على بحر
مليك العُلا بشراك بالعِيدِ مُقبلًا … وبُشْرَى الورى من بحرِ كَفِّكَ بالعَشْرِ
وهنئت بالفطر الذي قام ناصِرًا … عُداتَكَ حتى أشكل الفطر بالنحر
وقوله (٢): [من الكامل]
أَهْوَى بِمَرشفه إليَّ وقال: ها … ويلاه من رَشَأَ أَطاعَ وقالها
وأمالت الكاسات معطف قدِّهِ … بِقصاصِ ما قد كانَ قَبلُ أَمالَها
فمصَصْتُ من رَشفاتِه مَعسولها … وضَمَمْتُ من أعطافه عشالها
وظَفِرْتُ في اليقظاتِ منه بحلوة … ما كنتُ أمل في المنام خَيالها
ولَرُبَّما أهدى بكأس مُدامةٍ … لولاهُ ما حَمَلَتْ يَدِي جِريالها
طُبِخَتْ بنار خدودهِ في كفِّهِ … فَقَبِلتُها وشَرِبتُ منها خلالها
حتى إذا هَوتِ النجوم وأطفأت … في الصُّبح أنفاسُ النَّسيمِ ذُبَالَها
ولى وأسأر في الجوانح حَسْرَةٌ … لو شاءَ عَائِ وَصلهِ لأزالها
ومضى بشمس محاسن لولا الهوى … ما كنتُ أُمسِكُ في الوفاءِ حِبالها
ومن البَليَّةِ عُذَّلٌ قد ضَمَّنتْ … ثِقْلَ الكلام مقالها وفعالها
يا ليتَ أرض العاذِلينَ تَزَلْزَلَتْ … أَوليتها لا أخرجَتْ أثقالها
والنَّجم من كأس الحَبِيبِ وخَدِّهِ … لا زاغَ فِكري عن هَواهُ ولا لها
بأبي بَديعُ الحُسنِ ناءٍ شخصُهُ … سَلَبَ الكواكب حُسنَها ومثالها
متلون الأخلاقِ إلا أَنَّها … لشقاوتي ليستْ تَمَلُّ ملالها
لو ذاق حالة مُهجتي ما راعَني … دَعْهُ يَروعُ ولا يُقاسي حالها
هِيَ مُهجةٌ لَيستْ تَجاوِرُ صَبرَها … كَيَدِ المُؤَيَّد لا تُجاوِرُ مالها
جَادَتْ يَدُ الملك المؤيَّدِ جُودَ مَنْ … لم تَخشَ بسطة كفّه إقلالها
стр. 6787
يا عاذِلَ الملكِ المؤَيَّدِ في النَّدَى … هِيَ صَبْوَةٌ قد أَتعبَتْ عُذالَها
وشَمائِلٌ مُدَّتْ يَمينَ مَكارِم … لَمْ تَرضَ أَنْ يُدعى الغَمامُ شِمالَها
[سَبقَتْ سِواكَ عُفاتها وتَعمَّقتْ … في الجُودِ حتى سابَقَتْ آمالها]
ما لابن شادٍ في العُلا مثَلٌ فَدَعْ … عَلياهُ تَضرِبُ في الورى أمثالها
رَقَمَتْ بنو أَيُّوبَ نُسخةَ أصلها … وأتى فكانَّ تَمامَها وكَما لَها
ملك تطاولت المطالب نحوه … لكنَّهُ بِأَقل طَوْلٍ نالَها
مُتطابِقُ النَّعماء صانَتْ كفُّهُ … سَرْحَ القَريض وشَرَّدتْ أموالها
أَخذَتْ بَراءتها العفاةُ بِدَهرِهِ … مِمَّا تَخافُ وَقسَّمَتْ أَنفالَها
نَعماهُ في عُصَبٍ قَلائدُ حَلْيِها … فإذا بَغَتْ عُصَبٌ غَدَتْ أغلالها
يَا رُبَّ مَكرُمةٍ ورُبَّ كَرِيهَةٍ … أَصْحَى مُعِيدُ حَياتِها قَتَّالَها
ومسائل في العلم أَشكَلَ أَمرُها … جَلَّى وحَلَّ لِطالب إشكالها
بِيرَاعِ سَيفِ أَوْ بِسيفِ يَراعَةٍ … فَضَل الأمور جلادها وجدالها
قُلْ للمثل في البسيطة وصفَهُ … دَعْ سُحبها وبحارها وجبالها
هاتِيكَ أَمثلةٌ دَنَتْ عَنْ قَدْرِهِ … فاطلُبْ لهاتيك الصفات مثالها
لحماك يا ابن المالكينَ تَرقَّبَتْ … فِكَرُ الرَّجا رُقبي العيون هلالها
أَمَّا حَماةُ فَنِعمَ دارُ سِيادَةٍ … نَصبتْ بمدرَجَةِ الطَّرِيقِ جَلالَها
يَسعَى لِمَكَّةَ وافد ولأرضِها … وَلَنِعْمَ أَرضًا وافد يسعى لها
هَاتِيكَ قِبلَةُ مَنْ يَرومُ رَشَادَها … وحِماةُ قِبلةُ مَنْ يَرومُ نوالها
في كلِّ حَوْلٍ حالها لي مُعْجِبٌ … للهِ ما أَشهى إذا أحوالها
شَكَرَتْ لُهاك فما أَشُكٍّ بِأنني … ثَقَّلْتُ وَهْيَ مُطِيقةٌ أَثقالها
أغنيتني عن كلِّ ذِي مال فلم … أفتح يدا لِسِوَى نَداكَ ولا لها
و كفتَني حتى قفوْتُ مَعاشِرًا … كَثُرَ النَّدَى فاستكثرَتْ أطفالها
أَيَّامَ مالي غيرُ قَصدِكَ حِيلةٌ … تَنجِي وتُنْجِحُ فِي الوَرى بَطَّالَها
لا زلت مقصود الحمى بقصائدٍ … أَصبحْتَ عِصمَةَ أَمرِها وشمالها
لولاك لم يُخطر ببالي نَظِمُها … لا والذي يلقاكَ أَنْعَمَ بالها
سَأَلَتْ رِواياتُ النَّدى فتأَخَّرَتْ … عنها الوَرَى وأَجزتَ أَنْتَ سُؤالها
وقوله (١): [من البسيط]
يا صاحبي أرانا الدَّهْرُ شَوَّالًا … فبادرا وانصبا باللذة الحالا
واستعطفا بالطلا حُلْوَ الدَّلالِ لَهُ … مِنَّا عَبِيد ومن ألفاظه لالا
стр. 6788
لا تَحذَرا مَعَ عَفْوِ اللهِ مُوبِقَةٌ … تُحصَى ولا مَعْ نَدَى السُّلطان إقلالا
جاد المؤيد حتى كِدْتُ أَحْسَبُهُ … مَعْ فَضلِ فطنته لا يَعرِفُ المالا
وَمَا كَحَلْتُ بِمَرأَى مِثلِهِ بَصَرِي … هذا وقد جُبْتُ ظَهرَ الأَرضِ أميالا
فليهنه من هلال العيدِ مقترِبٌ … يَدْنُو لِيركع إعظامًا وإجلالا
حتى تَرى نُونَهُ مِنْ فَرْطِ خِدمتِها … تَوَدُّ لو صيّرَتْ لي أفقها دالا
وقوله (١): [من الخفيف]
ما يقولُ المَقامُ أَيَّدَهُ … اللَّهُ ولا زال بالسُّعُودِ يَحُوزُ
في ولي ببابه تَرَكَ الخل … ق ووافَى يَجوزُ أَمْ لا يَجوزُ
وقوله (٢): [من البسيط]
يا جوهر الفَضلِ إنْ عُدَّتْ فَرائِدُهُ … حاشا (لِمِثلكَ) أَنْ يَشكُو من العَرَضِ
لا رُدَّ سَهمُكَ عن نَحْرِ العُداةِ ولا … نَالُوا من السهم ما رامُوا من الغَرَضِ
صَحَّتْ بِصِحْتِكَ الدُّنيا فليس لها … غير الذي في جفون العيد من مَرَضِ
وقوله (٣): [من الكامل]
هُنّئتَ شَهْرًا بالسعادةِ مُقبلًا يا مَنْ أَفاضَ على الورى نعماءه
أسمعتهُ فِيكَ النِّداءَ مُخبِّرًا فانظُرْ لِمَنْ سَمِعَ الأَصمُّ ثَناءَهُ
وقوله (٤): [من الطويل]
أَيا مَلِكًا أَيَّامُهُ الغُرُّ كُلُّها … مَواسِمُ تَلقى النَّاسَ باليُمْنِ والغُرِّ
تَهَنَّ بِعِيدِ النَّحْرِ وابقَ مُمتعًا … بِأَمثاله سامي العُلا نَافِذُ الأَمْرِ
تُقلِّدُنا فِيهِ قَلائِدَ أَنعُمِ … وأَحسنُ ما تبدو القَلائِدُ في النَّحْرِ
وقوله (٥): [من الكامل]
يا أيُّها الملك الذي كُلُّ الرَّجَا … والرَّوْعُ بين يَراعه وحسامه
هنئت عامًا مِثلَ طِرْفٍ سَابقٍ … يسعى بهِ المخدوم نحو مرامه
جَمَعَ الثريا والهلال وإنَّما … وافي إليكَ بِسرجه ولجامه
[وقوله] (٦): [من المتقارب]
كفاني المؤَيَّدُ عَتْبَ الزَّمانِ … وأَنقذني من إسارِ الشَّقَا
стр. 6789
فكان ولائي لهُ مُخلِصًا … لأَنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أَعتَقَا
وقوله (١): [من الكامل]
أَمَّا حَماةُ فَعَيشُ سَاكِنها … صَفوّ وكلُّ زَمانِهِ سَحَرُ
إسكندر الأيام مالِعُها … بِدَلِيلِ أَنَّ وَزِيرَهُ الخَضِرُ
وقوله (٢): [من الكامل]
هنئتَ يَا َملِكَ السَّماحةِ والنُّهى … شَهْرًا يَزورُكَ بالهنا معتادا
تُسْدِي بِهِ مِننًا وتَكبِتُ حُمَّدًا … فتُفطّر الأفواه والأكبادا
وقوله (٣): [من الكامل]
أَقسمْتُ ما المَلْكُ المُؤَيَّدُ في الوَرَى … إلا الحقيقة والكرامُ مَجَاز
هُوَ كَعبةٌ لِلجُودِ ما بينَ الوَرَى … مِنها وبينَ الطَّالِبينَ حِجاز
وقوله (٤): [من الكامل]
يَفدِيكَ مَنْ لكَ في حَشَاهُ مَودَّةٌ … فإذنْ أَجَلُّ العالمينَ لَكَ الفِدا
وعداكَ أَرضَى أَنْ تَعِيشَ فإنَّها … ببقاك في عيش أَمَر من الرَّدَى
وقوله (٥): [من البسيط]
يا أَيُّها الملكُ المُرْبي برؤيته … عن كلِّ فَضلٍ سَمِعِناهُ عَنِ الأَوَلِ
كمْ جُملة وصلت لي من نَداكَ وكَم … تَفصِيلة البستني أجمل الحُلَلِ
لقد غَدَتْ فِكَرُ الأمداح حائرةً … بين التفاصيل من نعماك والجُمَل
وقوله (٦): [من الرمل]
يا مَليكًا تَنظُرُ الشُّهْبُ لَهُ … مِثْلَ ما ينظُرُ لِلشُّهْبِ الوَرَى
دم كذا في كُلِّ وَقت سامِعًا … مِدَحًا تَعني مداها الفكرا
كلما أوردتُ مِنها قِصَصًا … حَرِجَتْ مِنها صُدُورُ الشُّعرا
وقوله (٧): [من البسيط]
فتحت للناس أبواب المقاصدِ لا … تَعطَّلَتْ من حِماكَ الرَّحْبِ أَبواب
هذا لهُ سَببٌ فِيما يُحاوِلُهُ … وذا له من مَقالِ الشَّعْرِ أَسباب
وقوله (٨): [من الرمل]
стр. 6790
لا تَقِيسُوا ابْنَ سِنانٍ في النَّدَى … بِابْنِ أَيُّوبَ قِياسًا مُنْخَرِمُ
فَرْقُ [ما] بينَهُما مُتَّضِحٌ … أَيْنَ مَنْ جُودِ فتًى جُودُ هَرِمْ
وقوله (١): [من البسيط]
فَدَيتُ من آلِ أَيُّوب لنا ملكًا … سَارٍ من الشَّيَم العليا على جَدَدِ
حَدَّثْتُ عن فضلهِ ثُمَّ استَندْتُ إليَّ … فَلا عَدِمتُ أَحَادِيثي ولا سندي
وقوله (٢): [من الكامل]
يا مَنزلَ ابنِ عَليَّ حَيَّتْكَ الصَّبا … وَسَقَى مَرابِعَكَ الغَمام الهامع
صُفَتْ بكَ الأغصانُ صَفَّ جَماعةٍ … فالغُصنُ إمَّا قائم أو راكع
ورقى إليك الطيرُ مِنبَرَ أَيكَةٍ … فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لِلمَسرَّةِ جَامِعُ
وقوله (٣): [من الطويل]
رَعَى الله بحرًا فوق أرجاءِ بَحرِهِ … تَكادُ تُحاكي بَسْطَ يُمناهُ بالنَّدَى
وتبدو كما هَبَّ النَّسِيمُ كَمِبْرَدٍ … فَلا غَروَ أَنْ تَجلو عنِ المُهَجِ الصَّدَى
وقوله (٤): [من السريع]
للهِ تَصنيف لهُ رَوْنقٌ … كَرَوْنقِ الحَيَّاتِ في عقدها
كادت تصانيف الوَرَى عِندَهُ … تَموتُ لِلهَيبة في جِلْدِها
وقوله (٥): [من البسيط]
يا أقرب الناس من مَدْح ومن كَرَمِ … وأَبعد الناس من عاب ومن عارِ
أقسمْتُ لولا أياديك التي اشتهرَتْ … ناداني الزَّمَنِ المُودي بأشعاري
(دَعِ المكارم لا ترحل لِبُغيتها … واقعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الجائع العاري)
وقوله (٦): [من الخفيف]
سر على اليمن والسعادة يا من … شيد الله بالمعالي مكانه
أَنْتَ سَهْمُ اللهِ ما كانَ يُخلي … منه أوطانَ مِصرَ وَهْيَ كِنانه
وقوله (٧): [من الخفيف]
يا مَليكًا بهِ عن الدَّهرِ يُرضَى … وبآرائهِ الخُطُوبُ تُراضُ
بالهنا والسُّعودِ مَقدمُكَ … الزَّائِدُ عمَّا تَمنَّتِ الأغراض
فسبقتك الأخبارُ تَنفَحُ رَوضًا … ثُمَّ وافى عمامك الفَيَّاضُ
أيا صاحب النعم الباهرات … إليكَ بَعَثتُ مقالي النظيم
وأهديْتُ منهُ يَتيَمَ العُقودِ … وحَاشاك تكسر قلب اليتيم
وقوله (١): [من السريع]
مُقَبلُ الوجهِ أَدارَ الطلا … فقال لي في حبها عاتبي
عن أحمر المشروب ما تنتهي … قُلتُ ولا عن أخضر الشارب
وقوله (٢): [من الوافر]
وكنتُ أَظُنُّ في كِبَرِي صَلاحًا … يُكفِّرُ زَلَّةَ السِّنِّ الصَّغِيرِ
فَلمَّا أَنْ كَبِرْتُ ازدَدْتُ نَحْسًا … فَقُلْ ما شِئْتَ في النحس الكبير
وقوله (٣): [من الكامل]
ما بَالُ لَيلي لا يَسيرُ كأَنَّما … وَقَفَتْ كَواكِبُهُ مِنْ الإعياء
وكأَنَّما كيوان في آفاقهِ … أَعْمَى يُسائِلُ عن عَصَا الجوزاء
وقوله (٤): [من الوافر]
تَحمَّل حيثُ كنتَ صُداعَ قَصدِي … فَقصدُ سِواكَ ما لا يستطاع
إذا ما كنتَ لِلرُّؤساء رأسًا … فلا تَنكُرْ إِذا حَصَلَ الصُّداع
وقوله (٥): [من السريع]
قُلْتُ وقد أقبل في أحمرٍ … وشَعْرُهُ المُسْبَلُ كالجندس
يا عَجَبًا لِلشَّمسِ شَمسِ الضُّحَى … طالعة بالليل في أطلس
وقوله (٦): [من المتقارب]
تصدق برفد على السَّائِليـ … ـن ما دامَ يُمكِنُ رِفْدٌ جَمِيلُ
ولا تَأْمَنَنَّ عُروض الزَّمانِ … فَإِنَّ الزَّمانَ فَعُولٌ فَعُولُ
وقوله (٧): [من الطويل]
تَركت للفظ الحاجبيَّةِ رَونقًا … لهُ الألفاظ الأوائل تُقبل
إذا كُتُبُ النحو استمالت عُيونَنا … أَبينا وقلنا الحاجبيةُ أَوَّلُ
وقوله (٨): [من مجزوء الكامل]
لَمَّا تَبدَّى في الحنيـ … ـنِ تَحارَبَتْ كَبِدِي وعَيْني
стр. 6793
فاعجَبْ لها من غِرَّةٍ … جَاءَتْ بِبَدْرٍ في حُنَيْنِ
وقوله (١): [من الطويل]
تداينتُ من زَيْدٍ فلما صَرفتُهُ … بِنَعماكَ أَصْحَى عَمْرُو نَحوِيَ راصدا
وما ضَرَّني دَيْنٌ وفعلُكَ سالم … يُصرِّفُ لي زيدًا وعَمْرًا وخالدا
وقوله (٢): [من البسيط]
قَضَى وما قُضِيتْ مِنكُمْ لُباناتُ … مُتيَّمٌ عَبثَتْ فيهِ الصَّبابات
مَا فاض من جفنه يومَ الرَّحيلِ دَمٌ … إلا وفي قلبهِ مِنْكُمْ جراحات
أحبابنا كلُّ عُضو في مَحبّتِكُمْ … كَلِيمُ وَجْدٍ فَهَلْ لِلوَصْلِ مِيقَاتُ
غِبْتُمْ فَغَابَتْ مَسرَّاتُ القلوبِ فَما … أنتم برغمي ولا تلكَ المَسرَّاتُ
يَا حَبَّذا في الصَّبا عنكُمْ شِفَاءُ هوًى … وفي بُروقِ الغَضَا مِنكُمْ إشارات
وحَبَّذا زَمَنُ اللهو الذي انقرضت … أوقاتُهُ الغُر والأعوام ساعات
أَيامَ ما شَعَرَ البَينُ المُشِتُّ بِنا … ولا خَلَتْ من معاني الأُنْسِ أَبياتُ
حيثُ الشباب قضاياهُ مُنفّذةٌ … وحَيثُ لي في الذي أهوى ولايات
ورُبَّ حانة خمَّارٍ طَرقتُ بها … حانَتْ ولا طُرِقَتْ لِلقَصْفِ حانات
سَبقْتُ قاصد مغناها وكنتُ فتى … إلى المُدام له بالسبق عادات
أعشُو إلى ديرها الأقصى وقد لَمَعَتْ … تَحتَ الدُّجَى فكأَنَّ الدَّيْرَ مشكاة
وأكشف الحجب عنها وَهْيَ صَافِيةٌ … لم يبق في دنها إلا صبابات
راح زحفتُ على جَيشِ الهموم بها … حتى كأَنَّ سَنَى الأكواب راياتُ
مَصُونةُ السِّرِّ ماتت دونَ غايتها … حاجات قوم وللحاجات أوقات
تجول حول أوانيها أَشعَتُها … كأَنَّما هِيَ للكاسات كاسات
كأنها في أكف الطائفين بها … نار تطوف بها في الأرضِ جَنَّاتُ
من كل أغيد في دينار وجنتهِ … تَوزَّعَتْ في قُلوبِ الناسِ حَبَّاتُ
مُسَلْسَلُ الصُّدْغِ طَوْعُ الوصلِ مُنعَطِفٌ … كأَنَّ أَصداغه للعطف واواتُ
تَرنَّحتْ وهْيَ في كفيه من طَرَبٍ … حتى لقد رقصت تلك الزُّجاجات
وقمتُ أَشْرَبُ من فِيهِ وخَمرتهِ … شُرْبًا تُشن به في العقلِ غَارَاتُ
وَيَنزِلُ اللَّثم خَدَّيْهِ فَيُنشدها … هِيَ المنازل لي فيها علامات
سقيًا لتلك اللييلات التي سَلَفَتْ … فَإِنَّمَا العُمر هاتيك اللييلات
стр. 6794
غَنَّتْ لها كلُّ أوقاتِ السُّرُورِ كَما … غَنَّتْ لِفضل كمال الدين سادات
حَبْرٌ رأينا يقين الجود من يَدِهِ … وأَكثرُ الجُود في الدنيا حكايات
سما على الخَلْقِ فَاستسقوا مَواهِبَهُ … لا غَرْوَ أَنْ تَسْقِيَ الأَرض السماوات
واستأنف الناس للأيامِ طِيبَ ثَنا … من بَعدِ ما كَثُرَتْ فيها الشكايات
لا يختشي فَوْتَ جَدَوَى كَفِّهِ بَشَرٌ … كأَنَّ جَدواه أرزاق وأوقات
ولا تَحْزَحُ عن فَضْلٍ شَمائِلُهُ … كأَنَّما لِبِدُورِ الفَضلِ هالات
يا شاكي الدَّهْرِ يمَّمْهُ وقد غُفِرَتْ … من حول أبوابِهِ لِلدَّهرِ زَلاتُ
ويا أخا السعي في عِلم وفي كَرَمِ … هذي الهدايا وهاتيك الهدياتُ
لا تَطلُبَنَّ من الأيام مُشبَهَهُ … ففي طِلابِكَ لِلأيام إعناتُ
ولا تصح لأحاديث الذين مضوا … أَلوَى العِنانُ بِما تُملي الروايات
طالع فتاويه واستَنزِلْ فُتوَّتَهَ … تلقَ الافادات تتلوها الإفادات
وخبر الوصل في فضل لصاحبِهِ … تَكادُ تَنطِقُ بالوصف الجمادات
حامي الذمار بأقلام لها مَدَد … من الهدى واسمُهُ فِي الطَّرْسِ مَدَّاتُ
قويمةٌ تمنع الإسلام من خَطَرٍ … فاعجَبْ لها ألفات وهي لامات
تعلمت بَأسَ آسادٍ وجُودَ حَيًا … منذُ اعْتَدَتْ وَهْيَ للآسادِ غابات
وَعُوِّدَتْ قَتلَ ذِي زَيغ وذِي خَطَلٍ … كأَنَّها من كَسِيرِ الحَقِّ فَضْلاتُ
وجاورتْ يَدَ ذاك البحر فابتسمت … هُنالك الكَلِمَاتُ الجَوْهَرِياتُ
أَغَرُّ يهوَى مُعادَ القول فيه إذا … قيل المُعادات أخبار معادات
في كل معنى دروس من فوائده … ومن بوادي نعماه إعادات
صلَّى وَراءَ أَيادِيهِ الحَيا فعلى … تلك الأيادي من السُّحْبِ التَّحِيَّاتُ
وصَدَّ عَمَّا يَرومُ اللُّومُ نائلَهُ … فلا تفيد ولا تُجدي الملامات
يُرامُ تَأخيرُ جَدواهُ وهِمّته … بقول إيها وللتأخير آفات
من معشر نُجب ماتوا وتحسَبُهمْ … لِلمكرمات وطيب الذِّكْرِ ما ماتوا
ممدحِينَ لهم في كلِّ شارِقَةٍ … برّ وبينَ خَبايا الليل إخبات
بَيتُ أَتَمَّتْهُ أَوصافُ الكَمالِ كَمَا … تَمَّتْ بِقافية المنظوم أبيات
ما روضةٌ قَلَّدت أجياد سوسنها … من السحابِ عُقُودٌ لُؤْلُؤياتُ
وخطت الريح خطًا في مَناهِلها … كأنَّ قَطرَ الغَوادِي فيه جرياتُ
يرقى الحمام المصافي دَوحَها فلها … خَلْفَ السُّتور على العيدانِ رَنَّاتُ
يومًا بأبهج من أخلاقهِ سِيرًا … أَيامَ تُنكَرُ أخلاق سَرِيَّاتُ