وقوله (١): [من مجزوء الكامل]
باللهِ رَبِّكِ يا شَتا … ء تَحوَّلي عَنَّا وجوزي
فلقد طرِبتُ إلى المصيـ … ـف ووقته الحَسَنِ العَزِيزِ
وَمَلَلْتُ من بَولِ الحَيا … وقَرفْتُ من ريح العجوز
وقوله (٢): [من السريع]
ماذا أقول اليوم إن أكثر الـ … ـعالم عن جُودِكَ تسالي
وقيل قد أجدى المديح الذي … حبَّرتَهُ في مجده العالي
إن قلتُ لا كَذَّبَني الناسُ أو … قُلتُ نَعَمْ كَذَّبني حالي
وقوله (٣): [من مخلع البسيط]
يا خيبة العاذِلِ الذي قد … أطال في العَدْلِ واستطالا
عَذَّبني ثُمَّ قَالَ تَسلَو … عن حُبِّ مَاما فقلتُ لا لا
وقوله (٤): [من الكامل]
هنئت بالعيد السعيد ودُمْتَ ذا … نعم لها في القاصدينَ غَمائِمُ
فـ الله ما أشهى بكَ الدُّنيا وما … أهنا زمانًا أَنْتَ فيه سالم
الشَّامُ منزلنا وأنتَ ملاذنا … دارٌ مُباركة وعز دائم
وقوله (٥): [من الهزج]
لقد أصبحتُ في حالٍ … يَرِقُّ لِمثلِهِ الحَجَرُ
مَشِيبٌ بعدَ فَقَريَدٍ … فَلا عَيْنُ ولا أَثَرُ
وقوله (٦): [من الطويل]
رأيتكَ صَدْرَ الدِّينِ غيثَ مَكارم … فعَرَّضتُ آمالي إلى طلب القطر
وأَملتُ أَنْ تُجلى عليَّ كُنافة … وأحسنُ ما تُجلَّى الكنافة بالقطر
وقوله (٧): [من البسيط]
شكرًا لبرّكَ يا غَيثَ العُفاة ولا … زالت مدائحكَ العَلياء تُنتخَب
قد جُدْتَ بالقطر حتى زِدْتَ في طَمع … (وَأَوَّلُ الغَيثِ قَطرٌ ثُمَّ يَنسكب)
وقوله (٨): [من الكامل]
أفدي غزالًا من بني الأتراك في … أَيِّ امرِئ بِسهامِ لَحْظ لم يَصِلْ
стр. 6827
في خَدِّهِ أَلِفٌ ولام كلَّما … رَشقَ الورى قالت مقال الترك إلْ
وقوله (١): [من الخفيف]
أسفي للدراهم الحلبيَّا … تِ فقدْ أَفَرِحَتْ حَشايَ وطَرفي
أكلتني كفّي عليها مرارًا … وعليها أصبحتُ آكُلُ كَفّي
وتحيرت بين أمرين شكوَى … كَدَّرَتْ عيشتي وفقرٍ يُصفّي
* * *
آخر السفر التاسع عشر
من مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر العشرين
وإذ انتهينا في الحيوان الناطق في الجانبين إلى هذا الحد
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين
حسبنا الله ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
* * *
стр. 6828
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا السفر العشرون من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وقد خصصه المؤلف لدراسة الحيوان والنبات، وكان جلّ اعتماده في تأليفه هذا على:
كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار، ضياء الدين، عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي (ت ٦٤٦ هـ) فقد نقل عنه بالنص أحيانًا وأخرى اختصارًا.
ويبدو انه استعان في بعض الأحيان على كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لأبي بكر، زكريا بن محمد بن محمود القزويني (ت ٦٨٢ هـ).
كان اعتمادي في تحقيق هذا السفر على أربع نسخ هي:
١ - مجموعة روان كوشكي - طوبقبو سراي - استانبول رقم ١٦٦٨ (الورقة ١ - ٨٧ أ).
والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم
стр. 6829
العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وعليها كان جل اعتمادنا.
٢ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول رقم ٣٤٣٣.
وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
٣ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول ١٣/ ٢٧٩٧.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي الملك المؤيد، شيخ بن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ هـ) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي).
٤ - نسخة مكتبة مانجستر - انكلترا رقم ٣٤٤.
* * *
أما منهجي في تحقيق هذا السفر والسفر التالي فهو كما ذكرته في مقدمتي للسفر.
الأول من الموسوعة.
وبما أن اتجاه هذا السفر علمي أكثر مما هو أدبي، فقد بذلت أقصى الجهد في ضبط النص بمراجعة مصادره الأصلية كجزء رئيس في أصول التحقيق، والمحافظة على إيصال الأمانة العلمية كما أرادها المؤلف.
وهناك مجال كبير لتحقيقه والتعليق عليه ومقارنة موضوعاته بكتب الحيوان والنبات والأعشاب القديمة والحديثة لكثرة مصطلحاتها وأسمائها العلمية ومنافعها.
ولعل الظروف الآتية تسمح بذلك إن شاء الله.
كما جعلت الرسوم المثبتة في المخطوطة الأصل بمواصفاتها في نسختنا المحققة هنا.
стр. 6830
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه.
والله من وراء القصد.
وهو حسبي ونعم الوكيل
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 6831
الحيوان
الدواب:
• الدواب في الجانبين الشرقي والغربي
السباع في الجانب الشرقي
الدواب في الجانب الغربي
الطير:
• الطير في الجانب الشرقي
الطير في الجانب الغربي
• حيوان الماء:
الهوام والحشرات
الهوام والحشرات في الجانب الشرقي
стр. 6832
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي وبه ثقتي
وإذ انتهينا في الحيوان الناطق في الجانبين إلى هذا الحد، وقذف بنا فيض بحره في هذا المدّ، ولم نشغل النظر بالأجسام عن النفوس، ولا خلطنا الذنابي بالرؤوس، ظنًّا بالجواهر أن تخالط الحصباء، أو نحطب بَليْلَ الحطب والكباء، فلنذكر ما عني الأطباء المهرة به من بقيَّة الحيوان، ولا نُفَوِّت اسمًا منه في عرض هذا الديوان، ونتبعه بالنبات والمعدن على ما ذكروه، ونقلّدهم الرأي فيما ذَمّوه منها وما شكروه، على ما تضمنته أقوالهم فيها من المنافع والمضار، وحسبما أمكنا من المراجعة والاستحضار.
واعتمدنا فيه على الجامع (١) تأليف أبي محمد، عبد الله بن أحمد المعروف بابن البيطار المالقي العشاب (٢)، إذ كان في ذلك أوحد العلماء، والجامع لأقوال المحدثين
стр. 6833
والقدماء، وعليه الآن جادة الأطباء في النظر في طبائع المفردات، لا يتخذون سواه وليجة، ولا يردون إلا بحره وخليجه، ونظرتُ فيما ذكره من الحيوان والنبات والمعدن، فما وجدته خاصًا بجانب، إما لأنه لا يوجد إلا به، أو لأنّه الغالب عليه على قسم أخيه أفردته لذلك الجانب، واخترت من القول فيه المناسب، وما كان مشتركًا خط الجانبين فيه سواء بلا مخصص، ولا اعتراض فيه لأقوال مُغَصِّص، فإنني أفردته وبدأت به إذا كان صالحًا فيهما ليتم غرض المفردات التي لا يستغنى عن معرفتها، وصورة ما أمكن من المفردات خلا الحيوان بصفتها، وتركتُ الحيوان لمناهي الشريعة الشريفة، ولم أقصد بما أثبت إلا إعلام الواقف عليها وتعريفه، وجعلته مرتبًا في كل صنف من الحيوان على اختلافه، ثمّ النبات والمعدن على الحروف ليسهل عليه الوقوف، إلا ما ابتدأت به من تقديم الخيل وما بعدها لشرفها، ليصعد الناظر في معرفتها أعلى غرفها. وقد راجعت رأي الحكيم الفاضل أبي الفتح السامري، ورأي أوحد أهل المعرفة عثمان العشاب في هذا الترتيب في التخصيص والاشتراك، وزجرت لها مطيي، وأرسلتها العراك، وبالله أستعين ومنه أستمد التوفيق.
* * *
стр. 6834
[الدواب]
وهذا أوان الشروع فأقول: أما المشترك المتقدّم ذكره فمنه الدواب. هذا النوع أحسن البهائم صورة وأكثرها نفعًا، ولما كان الإنسان لطيف البدن، بطيء المشي، كثير العدو من جنسه وغير جنسه، اقتضت الحكمة الإلهية خلق هذا النوع من الحيوان للإنسان، ثم هداه إلى تذليلها وتصريفها تحت في إنجاح مقاصده ليقوم له مقام الجناح للطائر، والقوائم للدواب فقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١).
ولما كان الفرس أذكى حسًّا من الحمار؛ خلقت أذنه أصغر وذنبه أطول؛ لأنّ الفرس يكفيه لصفاء ذهنه دون ما يكفي الحمار، ولذلك خلق ذنبه أطول؛ لأن أجناس الخيل أطول من أجناس الحمير، فتتضرر بقصر أذنابها من لذع الهوام، فأحتاجت إلى مذبة طويلة الطاقات.
ولما كان المطلوب من الدواب السير، صُرفت العناية إلى تصليب حوافرها؛ ليمكن المشي الكثير عليها، وليكون سلاحًا دافعًا للعدو، فإن كل حيوان له حافر لا قرن له؛ لأنَّ المادة لا تنهض بهما جميعًا، والحيوان الذي له قرن له ظلف؛ لأن المادة انصرف بعضها إلى القرن، وبعضها إلى الظلف؛ لتتم بهما حاجة المشي والسلاح، فسبحان من أعطى كُلَّ شيء خلقه ثمّ هَدَى من غير زيادة ولا نقصان!
١ - فَرَس
أما الخيل، فهي أحسن الحيوانات بعد الإنسان صورة، وأشدّ الدواب عَدْوًا وذكاء، وله خصال محمودة وأخلاق مرضية، من ذلك حسن صورته وتناسب أجزائه وأعضائه وصفاء لونه، وسرعة عوده، وحسن طاعته لفارسه كيف صرفه انقاد له.!
ومن الخيل ما يعرف الجوكاني، وهو الفرس الذي يلعب على ظهره بالكرة فلا يحتاج الراكب أن يصرفها بل لا تزال عينها إلى الكرة كلما دارت الكرة تعدو خلفها.
ومن الخيل من يعرف صاحبه، ولا يمكن غيره من
стр. 6835
ركوبه، ومن الخيل ما يلحق الظَّبي حتى يضرب راكبها الظَّبي بالسيف.
قال محمد بن السائب الكلبيّ (١): الصَّافنات المعروضة على سليمان ﵇، كانت ألف فرس ورثها من أبيه، فلما عُرضت عليه وألهته عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب، عرقبها إلا فرسًا واحدًا لم تُعرض عليه، فوفد عليه قوم من الأزد كانوا أصهارَه، فلما أرادوا الرجوع قالوا: يا نبي الله أرضُنا شاسعة زوّدنا زادًا يبلغنا إليه، فأعطاهم فرسًا من تلك الخيل وقال: إذا نزلتم منزلًا فاحملوا عليه غلامًا واحتطبوا، فإنكم لا تورون نارًا إلا وقد أُتي بطعام، فساروا بالفرس، وكان الأمر على ما قال إلى أن وصلوا إلى بلادهم، وسمّوا ذلك الفرس زاد الراكب، فذكروا أن خيول العرب الأصائل من نتاجه.
قال أبو زكريا القزويني (٢) الكُمُّونيّ في كتاب العجائب والغرائب (٣): أمّا خواص
стр. 6836
أجزاء الفرس فَسنُّهُ تُشَدّ على الصبي تنبت أسنانه بلا ألم، وتترك تحت رأس من يغط في نومه يزول عنه ذلك، ولحمه يطرد الرياح، ومع الدار صيني يزيد في قوة الباه، وخصية الفرس العتيق تملح وتسحق وتداف بماء حار ويطلى به النقرس ينفعه نفعًا بينًا، وإن أخذ من ذنب الفرس شعر وشدّت على باب بيت عرضًا، فإنه لا يدخله ناموس ولا بعوضة، وإذا بخرت المرأة بحافر الفرس أسقطت الجنين الميت والمشيمة المحتبسة، وحافر الفرس الشموس يدفن في الدار فيهرب الفأر عنه.
وذكروا أن الفراريج إذ خرجت من البيض وسقيت، في حافر الدواب أول شربها فإنه لا يقربها باشق ولا شاهين ولا شيء من الجوارح.
وعرق الفرس تُطلى به عانة الصبي وإبطه، فلا ينبت الشعر عليها، وتطلى به البواسير ينفعها نفعًا بينًا، وإذا سقي النصل به يبقى مسمومًا قاتلًا للمجروح به.
وإذا بخر بزبل الفرس لمن عسر ولادها، سهل عليها، ويدر على الجراحات التي يسيل منها الدم فينقطع، وعصارة سرجينة يسعط بها صاحب الرعاف، ينقطع دمه، ويقطر في الأذن، يزيل وجعها، ويؤخذ من زبل الفرس درهم؛ ومن رجيع الإنسان [درهم]؛ ومن النبيذ مثله، ويضمد به آثار النفاطات فيزول أثرها، ولو ضُمّ إليه عسل وملح نفطي ونوشاذر وضمد به الوشم الذي هو من آثار غرز الإبرة قطعه، والله أعلم.
٢ - بغل
هو المتولد من الفرس والحمار (١)، وإنّ الفحل إذا كان حمارًا فيأتي البغل [شديد] الشبه بالفرس وإن كان فرسًا فشديد الشبه بالحمار.
ومن العجب أن كل عضو فرضتْ منه يكون بين الفرس والحمار، وكذلك اختلافه وصورته، فليس له ذكاء الفرس، ولا بلادة الحمار.
والبغل أطول الحيوانات عمرًا لقلة سفاده، كما أن العصفور أقصر الحيوانات عمرًا لكثرة سفاده، ولا شك في عقمها، ولكن من الناس من يزعم أن الولد لا يتعلق في رحمها، ومنهم من قال: يعلق ولكن لا يخرج لضيق منفذه فيقتل الأم؛ ولهذا يجعلونها مخترمة؛ لأن الذكر
стр. 6837
إذا نزا عليها أحبلها، فتموت بالولادة.
قال صاحب العجائب (١): أما خواص أجزائه فقيل: إن شحم أذنيه إذا سقيت منه امرأة، فإنها لا تحبل، وإن سقي إنسان من مخه، كلت جميع حواسه حتى يبقى كالبهائم، وإن أطعمت الحبلى منه ولدت الولد أبله خبيثا، وإن أكلت المرأة من قلبه؛ فإنها لا تحبل أبدا، وإن أخذ من حوافره خمسة دراهم وتخلط بدهن الآس ويطلى به رأس الأقرع فإنه ينبت الشعر عليه، وينفع من داء الثعلب أيضا، وإذا دخن البيت بحافره وبشعر جسده وزبله هرب منه الفأر، وإذا علقت خصيته مجففة في خرقة حرير على الدابة فإنها لا تتعب في السير، وإذا تحملت المرأة من عرقه في قطنة لم تحبل، وإن شربت المرأة من بوله أسقطت الجنين الميت، وإن كان بها الطلق ولدت سريعا، وإذا شد الزنبور الذي في دبر البغل الصغير على عضد المرأة الحبلى أمنت سقوط الولد. والله أعلم.
٣ - حمار
حيوان خدر الأعضاء في غاية البرودة (٢)، كدر القوى. زعموا أن الكلب إذا سمع نهيقه تألم ظهره حتى ينتفخ من الألم، وزعموا أن من لدعته عقرب وركب حمارا ويجعل وجهه إلى ذنبه فإذا مشى الحمار، انتقل الألم إلى الحمار، وقالوا: إذا شد في ذنب الحمار حجر وزنه عشرون مثقالا نهق، وكذلك إن شدت أذناه!.
قال بليناس (٣) في كتاب الخواص من العجب أن الحمار إذا رأى الأسد وقف في مكانه؛ وربما عدا إليه حتى يقف بين يديه، يحسب أن ذلك ينفعه من سطوته، كما أن الذئب إذا سلب الشاة فالشاة تعدو معه وتساعده في المشي، تحسب أن ذلك يمنعها من سطوته.
قال ابن البيطار (٤): وفي الناس من يأكل لحم الحمير الحضرية وهي في الغاية القصوى من رداءة الدم المتولد منها؛ وفي غاية عسر الانهضام، وهي رديئة للمعدة مع أنها بشعة زهمة لا تقبلها النفس ولا لها لذة، وطبائع من يأكلها قريب من طبائع الحمير.
ولحم الحمار إذا طبخ وقعد في طبيخه صاحب الكزاز من يبوسة كثيرة نفع منها جدا، ويقال: إن حوافر الحمير إذا أحرقت وشربت منها أياما كثيرة في كل يوم وزن
стр. 6838
نارين نفعت المصروعين، وإذا خلطت بزيت ووضعت على الخنازير حللتها، وإذا تضمد بها أبرأت الشقاق العارض من البرد، ورماد حوافرها إذا نثر وهو يابس شفى الريح التي تعرض في أصول أظفار اليدين والرجلين.
وكبد الحمار إذا طبخ وإذا شوى وأكل على الريق، نفع المصروعين، ومما يضاد الصرع بخاصية عجيبة أن يتخذ سير من جلد جبهة حمار ويلبس السنة كلها، ثم يجدد السنة المقبلة فإنه يحجب الصرع الباتة، وإن اتخذ خاتم من حافر الحمار اليمنى ولبسه المصروع لم يصرع، وإن عُلّق جبهة الحمار على الصبيان منع أن يفزعوا، وإذا سقي الصبي من وسخ أذن الحمار وزن ثمن درهم (١)، لم يبك.
وشحم الحمار يقال إنه يُصَيِّرُ ألوان القروح بلون الجسد إذا لطخ عليها، وسرجين الخيل والحمير إذا أحرقا أو لم يحرقا وخلطا بالخلّ قطعا سيلان الدم، وسرجين الحمار الذي يرعى العشب إذا كان يابسًا وخلط بشراب وصفي نفع من لسعة العقرب منفعة عظيمة، وروث الحمار الأهلي إذا كسرته مع انبعاث الدم الكائن من شريان أو عرق وحشيته به، وكذلك إن رش عليه خل واشتُمَّ، قطع الرعاف، وكذلك إن عُصر وقطر ماؤه في أنف المرعوف، وإن اعتصر وهو طري وشرب ماؤه فتت الحصى وزبل الخيل يفعل ما يفعل زبل الحمير، وروث البرذون يخرج المشيمة والجنين الميت، وإن ركب ملسوع العقرب حمارًا وجعل وجهه إلى ذنبه انتقل الوجع إليه، وإن تقدم الملذوع إلى أذن الحمار قال: إني لذعت ذهب الوجع، ونهيق الحمار يضرّ الكلب حتى ربما عوى الكلب من كثر ما يؤلمه.
٤ - حمار الوحش
هذا النوع من الحيوان شديد الشبه بعضه بالبعض (٢) إلى حد لا يقدر الإنسان أن يُميّز بين واحد وواحد إذا رأى عانة وغابت عنه، ثم رآها مرة أخرى، وذُكر أن الفحل إذا رأى جحشًا نزع خصيته بسنه مخافة أن يزاحمه في إناثه، وأن الأتان إذا دنا وضعها تذهب إلى موضع وعر المسلك مخافة أن يكون ولدها ذكرًا فيجيء الفحل وينزع خصيته، ولا تذهب بولدها إلى العانة حتى تتصلب حوافره ويقدر على العدو.
ومن عاداتها أنها لا تنقطع بعضها عن بعض ولو كانت ألوفًا، ولذلك يسهل
стр. 6839
صيدها، فإن الصائد يكمن في مضيق ويصبر عليها حتى يعبر بعضها ثم يخرج، فلو رجعت البقية عند ذلك تسلّمت من الصائد، لكنها تريد اللحاق بالعانة التي عبرت فيرمي الصائد منها ما يرى.
ومن حمر الوحش صنف تسمّى الأخدرية منسوبة إلى أخدر، وهو حصان كان لكسرى أزدشير اسمه أخدر توحش ولحق بالعانات وضرب فيها، فالمستولد منها تسمى الأخذرية، وهذا الصنف أحسنها أشكالًا وأشدها عدوًا.
قال ابن البيطار (١): النظر إلى عين حمار الوحش يديم صحة البصر ويمنع نزول الماء، خاصية بديعة جعلها الله تعالى لدوام صحة العين لا شُبهة فيها!
ولحم حمار الوحش غليظ جدًا، وإذا طبخ بماء وملح، وأكثر فيه من الدارصيني والزنجبيل، وتُحسي مرقها، وأكل السمين من لحمها، نفع من وجع تشبيك المفاصل والرياح الغليظة، وكذلك إذا طبخ بدهن الجوز والزيت، ومن اضطر إلى إدمان أكلها فليتعاهد ما يخرج السوداء والترطيب والتبريد لبدنه إن لم يكن بلغميًا، ومتى حدث عن أكلها تمدد في المعدة وبطؤ خروج الثفل فيبادر إلى الجوارشنات المسهلة والجوارشنات المركبة من الربد والسقمونيا والأفاوية (٢).
وشحم حمار الوحش نافع من الكلف إذا طلي عليه، وإذا غُلي بدهن القسط، نفع من وجع الظهر والكلى العارض من البلغم والريح الغليظة، ومرارة الحمار الوحشي تنفع من داء الثعلب والدوالي لطوخًا.
٥ - النعم
هذا النوع كثير العدد عظيم الفائدة شديد الانقياد ذلول مستأنس، ليست له شراسة الدواب واستعصاؤها، ولا نفرة السباع وضيق خلقها، ولا سلاح شديد كحوافر الدواب وأنياب السباع وبراثنها؛ وأنياب الهوام وحماتها (٣)، ومن شأنه الثبات والتحمل والصبر على التعب والجوع والعطش.
ولما كان أشاع الناس بهذا النوع كثيرًا؛ خلقها الله تعالى موصوفة بالصفات التي ذكرناها تسهيلًا لتحصيل منافعها كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ
стр. 6840
وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (١) وخلق لها القرون لتتدراك تقصير الحافر، وجعل بدل الحافر ظلفًا، فلذلك لا يكون القرن إلا لذي ظلف إلا الكركدن، فإنّه جمع بين الحافر والقرن، وإنّما خُلِقت قرونها من رؤوسها؛ لأنّ غير الرأس إما متأخر عن الحاسة فلا ينظر ما يليها حتى تنطحه أو مشغول بشغل آخر كاليدين. وإما ممنوعة عن ذلك كالكتفين، وربما صرفت المادة من جهة أقل فائدة إلى جهة أكثر فائدة كرك الفك الأعلى من البقر بلا سِنٌ، وصرف مادتها إلى القرن؛ لأن السلاح أنفع للبقر من سنّ الفك الأعلى، والقوة المدبرة تؤيد الحيوان إما بسلاح أو جثة أو آلة هرب، ومتى فقدت مادة، دبرت مادة أخرى حتى يكمل له ما يحتاج إليه في بقاء شخصه ونوعه، كما قدر الله تعالى، ثم إنَّ نوع الغنم لما كان مأكله الحشيش، اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حِدادًا وأضراسًا صلابًا تطحن بها الصلب من الحب والقشر والنوى، ولما افتقرت إلى زيادة قوة لتتمكن من الفعل المطلوب منها، خلق لها كرشًا لتحمل فيه من العلف شيئًا كثيرًا يفي بغذائها، فإذا اكتفت رجعت إلى أماكنها؛ وتجعلها بالاحتراز مهيأة لتنضج الحرارة الغريزية، ويتمكن من تمييز لطيفها من كثيفها.
ومن العجب القوة التي خلقها الله تعالى في أضراسها؛ فإنها في العمل بالليل والنهار، ولا تفتر إلا قليلًا، فلو كانت من الحديد الذكر لأنسحقت وتفتت، ثم الحرارة التي خصها الله تعالى بها، فإنها تجعل التبن اليابس دمًا ولحمًا، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوضح برهانه. وهذا أوان الشروع في ذكرها.!
٦ - إبل
من الحيوانات العجيبة، لكن عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم إياها (٢).
وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد، ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به، ويمسك بزمامه فأرة تؤديه حيث شاءت، ويتخذ الإنسان على ظهره شبه بيت، يقعد مع مأكوله ومشروبه وملبوسه بطروفها والوسادة والنمرقة واللحاف كما في بيته، ويتخذ للبيت سقفًا كأنه في داره؛ وهو يمشي به واخدًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (٣)، وربما يصبر عن الماء عشرة أيام، ويصبر عن العلف ثلاثة أيام، وإنّما طولت رقبته؛ لتكون مناسبة لقوائمه عند الرعي قائمًا؛ ليستعين بها بمد النفس عند النهوض، وليبلغ مشفره سائر جسده فيحكه.
стр. 6841
وذكروا أنه حيوان حقود إذا ضربه الجمال، يترصد الظفر به ولو بعد حين، فينتقم منه، ويهيج في شهر شباط فعند ذلك لا يعتلف إلا يسيرًا، ولا خبر عنده من الحمل فيحمل حمل بعيرين أو ثلاثة: فيؤخذ عصارة الفوتنج ويقطر في منخريه يذهب ذلك عنه.
وإذا مرض يأكل من شجر البلوط يزول مرضه، وإذا نهشته الحية يأكل السرطان يدفع عنه غائلة السم.
قال ابن ماسويه (١): ولهذا ظنّ السرطان نافع لدفع غائلة السم ونهش الحية، وزعم بعضهم أنه لا مرارة له، وأما الشقشقة التي يخرجها عند هيجانه فما عرف أحد أي شيء هي. والله أعلم.
قال ابن البيطار (٢): يؤكل منه ما كان فتيًا والأعرابي، ولا يتعرض للبختي، وليتخير الأحمر والأشقر في شبابه الرعي، ولا يتعرض لغير ذلك من المعلوفة والمحبوسة، ويأكلها قليّة يابسة بالزيت الركابي والفلفل والكراويا اليابسة والكمون؛
стр. 6842
ويطبخه بالماء والملح. ويأكله برغوة الخردل، ويشرب بعده وبعد كل طعام غليظ الشراب العتيق الصافي.
ولحم الجمل في طبعه أنه يزيد في شهوة الجماع، وأنه ينفعه من رداءة الإنعاظ، وذلك لغلظه؛ لأنّ الروح المتولد عنه في العروق لا ينغش بسرعة، فيثبت بهذه الأسباب الإنعاظ بعد الإنزال، ولحم الجزور يولد دمًا سوداويًا عسر الهضم، ويعين على هضمه التعب قبل أكله والإغتسال بعد التعب، ويتحرك بعده بحركة يسيرة ليستقر في قرار معدته؛ ثم ينام على شقه الأيسر ليسخن بالنوم عليه.
ولحوم الجزور مسخنة ملهبة مع غلظ كثير، ويصلح أن يأخذ منه من تعتريه الرياح والأمراض الباردة في آخرها كحمى الربع ووجع الورك وعرق النسا إذا كانت مزمنة، وليأخذه من غير أن يصنع بخل، وأما غيرهم فليصلحه بالخل والمري، فإنّ الخل يكسر حرارته ويلطفه، والمري يلطفه ويهريه ويسرع إخراجه.
ومن اضطر إلى إدمانه فليتعاهد الأدوية الملطفة التي لا تسخن؛ والخل أحدها؛ والكبر المخلّل؛ والاسترعار المخلل، ويستعمل في بعض الأوقات إذا لم يكن البدن حاميًا الزنجبيل المربى.
وحراقة لحمه ينفع القوباء طلاء. ورئة الجمل دواء للكلف مجرب إذا ضُمد بها حارة، والإدمان على أكل رئته يعمي البصر، ومن ساق الجمل إذا أخذت منه المرأة بقطنة أو بصوفة واحتملته بعد الطهر بثلاثة أيام وجومعت أعانها على الحبل، وبعره إذا جفف وسحق ونفخ في الأنف قطع الرعاف، وإذا شرب مع أدوية الصرع [انتفع] منه، ويبطل الثآليل بخورًا وضمادًا، وإذا ضمد به رطبًا حلل الخنازير والبثور، وبوله ينفع من أورام الكبد ويزيد في الباه شربًا، وهو شديد النفع في الجسم يفتح سدد المصفاة بقوة شديدة، ويقال: إنّ السكران إن شرب بول الجمل أفاق لساعته، وهو نافع من الاستسقاء وصلابة الطحال لا سيما مع لبن اللقاح، وإن وقع بصر الجمل على سهيل مات لوقته، وإذا هاج الجمل وقطر في أنفه عصارة الفوتنج الرطب سكن هيجانه.
ووبر الجمال القطرانية أشد حرًّا من الصوف، وهو خفيف شديد اليبس، وإذا أحرق وذر على الدم السائل والرعاف قطعه، وقُراده يربط في كم العاشق فيزول عشقه.
٧ - بَقَر
حيوان كثير المنفعة شديد القوة، خلقه الله تعالى ذلولًا منقادًا للناس (١)، وإنما لم
стр. 6843
يخلق له سلاح شديد مثل السباع وغيرها؛ لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه عدوه بخلاف السباع، ولأنّ حاجة الإنسان إليه ماسة، فلو كان له سلاح شديد لصعب ضبطه والبقر الأجم والعجاجيل تستعمل موضع القرن عند الحاجة لمعنى خلق في طبيعتها، ولم يخلق للبقر الثنايا العليا، فيقلع الحشيش بالسفلى، ولو لم يحفظ لم ينفع كثيرًا؛ لأنه كثير النزوان فيهرم سريعًا، وإذا هاج لا يرجع ولو بضرب السيف، وزعموا أنّ البقرة إذا هاجت أو مرضت يُركَّبُ في قرنها شيء من العاج فتبرأ، وقيل: إنها إذا ذهبت مناخرها أصابها الصرع، وإذا دهن قرنه لم يخر (١) البتة، وللبقر مشية حسنة [مليحة بتبختر].
قال ابن البيطار (٢): لحمها غذاؤه ليس بيسير ولا بسريع التحلل؛ إلا أن الدم المتولد منه أغلظ من المقدار الذي يحتاج إليه، وإن كان الذي يأكله صاحب مزاج مائل إلى السوداء بالطبع؛ إذ هو أكثر منه؛ أعني بالأمراض الحادثة عن السوداء كالسرطان والجذام والعلة التي يتقشر معها الجلد وحمّى الربع والوسواس، وليس لحم أقوى، ولا أطيب من لحم البقر، وإنما يضر من لم يقو على هضمه، وإذا انهضم غذى غذاء كثيرًا قويًا غليظًا وأجوده ما أجيد، وأحسن طبخه؛ ليسرع هضمه. ويتولد من لحم البقر دم غليظ وليس بلزج، وهو أصلح لمن يديم الكد والتعب، ولا تصلح إدامته لغيرهم، وإن أدامه من ليس بموافق له، أورثه غلظ الطحال والدوالي والسرطان والاستسقاء، وينبغي أن يدفع هذا المضار بتعاهد إسهال السوداء؛ ولا يتعرض لإدرار البول؛ ويجتنب الشراب الغليظ الأسود؛ ويشرب الرقيق المائي في حال النهاية؛ والرقيق الأصفر في وقت سكون بدنه؛ والخل الثقيف.
وقد ينتفع المحرورون وأصحاب الأكباد الحارة بالسكباج المتخذ من لحم البقر؛ ولا سيما مرقه المبرد المصفّى عن دسمه المسمى الهلام، فإن هذا المرق يبلغ إلى أن يذهب باليرقان إذا تأدّم به مع الخيار ويجتنى منه، فأما المبرودون فيصلحون البقرية بعد التهرئة بالخل والعسل والثوم والسَّذَّاب والكاسم والجرجير، ويأكلون بعدها الخردل، ويقلوا شرب الماء عليها حتى يخف البطن، ثم ليشربوا عليه أقوى الشراب وسكباجه يمنع سيلان المواد إلى المعدة والأمعاء ويمنع الإسهال المراري ويقطعه؛ وكذلك قريض لحمه بالكزبرة والخل والحموضات والكزبرة اليابسة وقليل زعفران، وإذا جعل مع لحم البقر قشر البطيخ هرأه في الطبخ، ولم يطل لبثه في المعدة.
стр. 6844
ولحم البقر المهزول إذا شوي وقطّر ماؤه في الأذن، قتل الدود المتولد فيها، وإذا حمل على حرق النار منعه من التنفط، وبرادة قرن الثور إذا شربت بماء حبست الرعاف، وكذلك تفعل عظام فخذيه، وربما حبست البطن، وإذا أحرق قرنه وشرب مع الماء، حبس نفث الدم، وكعب البقر إذا أحرق وسُحِق بالخمر، نفع من وجع الأسنان، وإذا شرب مع العسل فرح القلب وأخصب الجسم وقوّى الكبد واستفرغ حب القرع من البطن، وإن بشرب بسكنجبين، أدلّ الطحال العظيم، وهو مهيج للباه، وإذا اكتحل به، أحدّ البصر، والشربة منه ثلاثة مثاقيل.
ومرارة الثور يتحنك بها مع العسل للخناق، وكذلك تفعل إذا غمس فيها ريشة وطلي بها على الحلق، ويبرئ القروح العارضة في المقعدة، ومرارة البقر إذا خلط بها دقيق حنطة وحشي بها الرأس، نفعت من الحزاز وربّت الشعر، وإذا خلطت بلبن عنز أو لبن امرأة وقطرت في الأذن التي يسيل منها القيح، أو عرض لها انخراق وجرح أبرأها، وقد تخلط بماء الكراث لطنين الأذنين، ويقع في أخلاط المراهم التي تمنع الحمرة من الجراحات، وتقع في أخلاط لطوخات نافعة من نهش الهوام، وتصلح إذا خلطت بالعسل للقروح الخبيثة ووجع الفرج والذكر والجلد الذي يحوي البيضتين، وإذا خلطت بالنطرون والطين المسمّى قيموليا أبرأت الجرب المتقرح والجرب والبرص والنخالة العارضة للرأس برءًا قويًا.
وأخثاء البقر الإناث التي في المراعي إذا وضع حين ترمي به على الأورام الحارة سكنها، وقد يُلف بورق ويسخن على رماد حار، ثم يطرح الورق ويوضع الأخثاء على الأورام، وينتفع به من عرق النسا إذا وضع على هذا الموضع، وإذا تضمد به مع الخل، حلل الخنازير والأورام الصلبة.
وأخثاء الثور خاصة إذا تبخر به، أصلح حال الرحم الناتئ، وإذا بخر به، طرد البق، وزبول البقر ينفع من لسع النحل والزنابير، وقد كان بعض الأطباء يطلي أصحاب الاستسقاء بالأخثاء على بدنه كله فينتفعون بذلك، ويستعملها أيضًا في الأعضاء الوارمة ولا سيما أبدان الأكر، وكان يجمع أخثاء البقر في فصل الربيع وهي رطبة؛ لأن البقر في ذلك الوقت ترعى العشب الرطب، وأما أخثاء البقر إذا اعتلفت الحشيش اليابس فقوتها قوة يابسة، وأخثاء البقر التي تعتلف الكرسنة نافعة لأصحاب الاستسقاء.
ولا يذهب عنك أن هذه الأشياء إنما تستعمل في أبدان الأكرة والحراثين (١) ممن
стр. 6845
يكثر عمله ويتلزز بدنه، وكان ذلك الطبيب يستعمل الأخثاء في الأورام الصلبة كلها، وكان عن ذلك يعجنها بالخل ويضمد بها الأورام.
وإن أحرقت أخثاء البقر بعد أن تجفف ويسقى منها المستسقى، نفعته نفعًا بينًا، وأخثاء البقر حارًا ينفع من الوثى الحديث، وأخثاؤها من بخورات الرئة في السل ونحوه، وإن وضع على النقرس (١) مع شيء من رماد وشيء من زيت نفع، وهو نافع من جميع السمائم إذا شرب، ووضع على موضع اللسع، وإذا دخن به طرد جميع الهوام، وإذا طبخ بالزيت ووضع حارًا على البدن وتُرك حتى يجف، ثم رفع ذلك، ووضع غيره مرارًا، أخرج النصل والقصب، وإن بخرت به الامرأة، أسهل الولادة وأخرج الجنين الميت، وقتل الحي. ويوضع الأخثاء في قدر نحاس؛ ويصب عليها ما يكفي من الزيت ويطبخ؛ ثم يفتر، ويضمّد بها أسفل السرة إلى العانة والخاصرة فينتفع به من القولنج و والرياح الغليظة نفعًا بينًا إذا فعل ذلك أيامًا، وإن طلي زبل البقر على الركبة مسحوقًا بخل وطلي على الألم نفع جدًا.
وبول الثور إذا سُحِق بالمرّ وقطر في الأذن، سكن وجعه، ونفع وجع المقعدة إذا جلس فيه، ودم الثور إذا تضمد به حارًا مع السويق، حلل ولين الأورام الصلبة.
ومن سقي شيء من دم الثور ساعة يذبح يخنق؛ لأنه يشدّ الحنجرة واللوزتين وتشنج العصب ويحمر منه اللسان والأسنان؛ ويعلو الأسنان منه حبّ دم جامد.
وينبغي لنا أن نحذر عليهم القيء؛ لئلا يستد المريء باندفاع الدم إليه؛ لأن الدم يجمد في المعدة ويطفو فوقها، فيسقى صاحب هذا ما يُذهب الدم الجامد ويُسهل بطنه بأكل التين الفج وهو ملآن لبنًا، ويسقيهم من الإنفحات ما قدرنا عليه مع خل وبزر الكرنب ورماد السرو، وورق الطباق مع الفلفل، وعصارة العوسج، فمن نجا من الموت، فعلامته أن يأتي من بطنه الأسفل شيء يشبه الزعفران فيجري من دبره، وينبغي أن يُضمّد بطنه ومعدته بدقيق شعير وماء العسل.
٨ - بقر الوحش
يقال: إنه ينبت كل سنة على قرنه شعبة (٢)، وله قرن عظيم ذو شعب، زعم بعضهم أن قرنه كلّ سنة يسقط وينبت مكانه قرن جديد مع زيادة شعبة، وإذا كان وقت
стр. 6846
سقوط قرنه يمشي إلى موضع لا يصل إليه أحد ولذلك يقال: «حيث تلقي الأيايل قرونها»، ثم إنه يتجنب عن كلّ شيء حتى ينبت قرنه؛ لأنه يعلم أنه لا سلاح له، وإذا أتت عليه سنتان بدأ بإسقاط القرون، وقرنه مصمت بخلاف قرون سائر الحيوانات فإنها مجوفة.
وإذا سمع صوت الغناء والملاهي، أصغى إليها، ولا يحذر من النشاب لشدة التذاذه به، وإذا مرض يأكل الحيات والأفاعي، فيزول مرضه، ويأكل الأفعى من ذنبها؛ فإذا وصل إلى رأسها يرميها، وإذا أكل الأفعى يعطش، فعند ذلك لا يشرب الماء حتى لا تسري أذية الأفعى إلى سائر جسده بواسطة الماء بل يطلب السرطان ويأكله حتى يدفع غائلة السم، ويشرب الماء عليه.
والأفعى إذا أحس ببقر الوحش انسل ودخل الجحر، فيأتي ويتبعه بالشم، فإذا أصاب جحر الأفعى، جعل فمه عليها ويجذبها بنفسه فيخرجها فيأكلها.
وذكر أن بقرة أزعجت وتتبعها فرسان وكلاب وهي هاربة منهم بعدو شديد، فرأت في طريقها حية، فوقفت فقتلتها، ثم شرعت في العدو.
قال صاحب كتاب العجائب (١): أمّا خواص أجزائه، فإن منه إن أطعم صاحب القولنج، نفعه نفعًا بينًا، وإن استصحب شعبة من قرنه، هربت منه السباع، وإن علق على باب بيت لم تقربه السباع ولا تدخله، وإن دخن به هربت منه الحيات، وقرنه يحرق ويذر على السنّ الوجعة يسكن ألمها، ويحرق ويخلط رماده بالسمن، ويطلى به الشقاق الذي بأطراف الدواب ينفعها نفعًا بينًا، ويعلق القرن على المطلقة فتضع سريعًا، ودمه ترياق للسموم كلها، ولحمه ينفع من الزحير. وقيل: في قلبه عظم إذا شُدّ على صاحب الصداع أزاله، وإن عُلّق على البقرة غزر لبنها، ودمه مجففًا يسقى [منه] المصروع فينفعه جدًا، ويفتح القولنج، ويفتح أيضًا بول من به أسر البول، وجلده يدخن به البيت فيهرب عنه الفار، وكعبه يشدّ على العضد، يأمن الحشرات كلها، وظلفه يدخن به البيت، فتهرب عنه الحيات، وخببه يدخن به البيت لدفع الحشرات.
٩ - جاموس
حيوان جسيم لا ينام البتة (٢)، ولعل في بعض الأوقات بالليل يغمض عينيه، زعموا أنّ في دماغه دودة تتحرك دائمًا فلا ينام ويدفع جميع السباع عن نفسه، ويقتل
стр. 6847
التمساح مع عظم جسمه وهول جثته، ولذلك يسرحون على طرق النيل الجواميس لتقتلها إذا خرجت، والجاموس يمشي إلى الأسد رخي البال ثابت الجنان رابط الجأش، وليس في قرنه حدّة كما في قرن البقر، فإذا قوي على الأسد مع فقد آلة الحرب، وصار الأسد مغلوبًا مع وجدان آلة الحرب يكون عجبًا.
ومن الناس من زعم أن الجاموس إنما يغلب الأسد؛ لأنه يضرب عن نفسه، ويعلم أن العدو يريد أن يجعله طُعْمَة، والجاموس ليس له آلة الهرب؛ والأسد يريد أن يجعله طُعْمَه، ولا يتضرر فلا يمكنه ذلك. والجاموس أجزع خلق الله من البق وأشدّها هربًا إلى الماء منه، وزعموا أنه إذا ربط بشجرة تين ذلّ واستكان واشتد وجله، ومن خواصه أن لا ينزو على أمه.
قال ابن البيطار (١): لحمه أغلظ اللحوم وأردؤها كيموسًا، وأبطؤها هضمًا، وأثقلها على المعدة، وهي باردة يابسة بالإضافة إلى اللحمان الحارة، وهي في طبع لحوم النعام والنسور، وزعموا أن لحومها إذا طبخت وتركت في القدر ليلة تولد فيها حيوان مثل القرد يركب وجهها.
وظلف الجواميس يحرق ويسحق ويشرب، فينفع من الصرع، وإذا خلط رماده بالزيت حلّل الخنازير ونفع من داء الثعلب.
١٠ - ضأن
جعل الله تعالى في نوع الغنم بركة (٢)، فتراها تأتي في عام واحد بولد واحد، ويؤكل منها ما شاء الله، ويمتلئ وجه الأرض منها بخلاف السباع؛ فإنها تلد ستًا أو سبعًا؛ ولا يرى منها إلا واحدة بعد الواحدة في أطراف الأرض.
والضأن حيوان مبارك محبوب حتى إذا مدح إنسان قيل: «إنه كبش من الكباش»، ومن العجائب أنه إذا رأى الفيل والبعير والجاموس لا يخافه؛ وإذا رأى الذئب اعتراه خوف عظيم، وعضو من أعضاء تلك الحيوانات أعظم من الذئب، وليس ذلك بتجربة بل لمعنى خلقه الله تعالى في طبعه.
وسمعت أن قطيع الغنم إذا أحست بالذئب وكانت على أطراف دجلة، خاضت كلها في الماء حتى تتوسط الماء، حتى إذا أمنت رجعت
стр. 6848
إلى مكانها، وأعجب من هذا ما يرى من الغنم؛ يلد في ليلة واحدة غنم كثير، ثم إنّ الراعي يسرح بالأمهات من الغدو ويأتي بها آخر النهار؛ ويخلي بين الأمهات والأولاد فيذهب كل واحدة منها إلى أمها، والإنسان لا يعرف الأم إلا بعد أشهر.؟!
ويجلب من الهند نوع من الضأن على صدرها، ألية، وعلى كتفها أليتان، وعلى فخذيها أليتان وعلى ذنبها ألية.
قال ابن البيطار (١): لحم الضأن أكثر غذاءًا من الماعز؛ وأكثر إسخانًا وترطيبًا وفضولًا، والدم المتولد منه أمتن وألزج، وأسخن ولحوم الضأن أوفق لذوي الأمزجة المائلة عن الاعتدال إلى البرودة، ومن يعتريهم الرياح، وفي الأزمان والبلدان الباردة، ولمن يكد ويرتاض كدًّا معتدلًا ويحتاج إلى قوة وجلد. فليختر بحسب ذلك، فإن اضطر في بعض الأوقات فلحم [الضأن] أوفق من لحم المعز، وبالضد فيتلاحق دفع ضرره ذلك بالصنعة؛ فليصلح لحم الضأن بالخل في حال يحتاج من التلطيف إلى تبريد، وبالمري حين يحتاج إلى تلطيف وسرعة إخراج، وبالمصل والرائب والكشك والسماق وحب الرمان حيث يحتاج إلى تبريد فقط.
وينبغي أن يأكل عليه كل ما يُبَرِّد ويُجَفِّف، ويشرب عليه الشراب الأبيض الرقيق، ويقل عليه من أكل الحلوى، ويكثر من أكل الفواكه المرة الحامضة.
ولحوم الحملان أرطب من لحوم الضأن؛ لقرب عهدها بالولادة، ولحم الحملان المحرق [ينفع] للسوع الحيات والعقارب والحزازات؛ ومع الشراب للكلب والكلب، ورماده ينفع بياض العين، وهو طلاء جيد للبهق، ومرارة الضأن تصلح لما تصلح له مرارة الثور غير [أنها] أضعف فعلًا.
وبعر الضأن إذا تضمد به مع الخل أبرأ من الشرى (٢) والثواليل واللحم الزائد الذي يقال له: الثؤل، وإذا خلط بموم مذاب بدهن ورد أبرأ من حرق النار، وزبل الضأن يعالج به الثواليل التي يقال لها: التوث والنملية؛ وهي التي يحس بها بدبيب كدبيب النمل، واللحم النابت إلى جانب الأظفار يعجن بالخل ويطلى به، ويستعمل في القروح الحادثة من حرق النار؛ لأنها تختم القروح.
١١ - مَعَزْ
حيوان غبي أحمق، ولذلك إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: «تيس من التيوس» (٣)؛
стр. 6849
يعني أنه في الغباوة والنتن والحمق كهو. والمعز يفضّل على الضأن بغزارة اللبن وثخن الجلد، فإن جلد المعز ثخين وجلد الضأن رقيق، وما نقص من أليته زيد في شحمه، ولذلك قالوا: ألية المعز في بطنه، فانظر إلى حكمة الباري تعالى لها لما خلق جلد الضأن رقيقًا، جعل لها صوفًا كثيفًا دافعًا للحر والبرد، ولما خلق جلد المعز ثخينًا، خلق لها الشعر حتى يحصل للضأن بكثرة الصوف ورقة الجلد ما يحصل للمعز برقة الشعر وثخن الجلد.
ونتن بدن التيس يضرب به المثل، فإن جميع بدنه منتن شتاءً وصيفًا.
وذكروا أنّ الجدي إذا رأى الشبل، يمشي إليه يسيرًا يسيرًا، فإذا شم رائحته الشبل غشي عليه ووقع كالميت، فإذا غاب الشبل عنه، رجع إلى حاله.
ومن العناكب نوع يقال له الرتيلا، إذا مشى على الإنسان له لعاب، ينال الإنسان من لعابه ألم شديد، ويفضي إلى الموت غالبًا، فالجدي يأكل منه شيئًا كثيرا ولا يضر بل ينفعه ويسمنه.
قال في كتاب العجائب (١): أما خواص أجزائه [فقد] قال بلنياس في كتاب الخواص: قرن العنز الأبيض يسحق ويشدّ في خرقة ويجعل تحت رأس النائم فلا ينتبه ما دام تحت رأسه، وإذا خلطت مرارة المعز بمرارة البقر ويطبخ بها فتيلة وتزل في الأذن تنفع من الطرش، وإذا نتف الشعر النابت في الجفن واكتحل بعد النتف بمرارته، فإنه لا يرجع ينبت، وتُقطر مرارة التيس مع الكراث في الأذن تسكن وجعها، وينفع أيضًا من الغشاوة والغشى اكتحالًا. ولحية التيس تشدّ على صاحب حمّى الربع، تزول حماه وكبد المعز إذا عرض على النار واكتحل بالرطوبة السائلة منه، فإنه ينفع من غشاوة العين، وإن احتملت المرأة كبد المعز تزول شهوتها حتى لا تميل إلى الرجال زمانًا طويلًا، وإذا سقي معز في إناء خشب طرفاء أربعين يومًا، ثم يذبح ويأكل المطحول طحاله فإنه يبرأ، وأكل لحم المعز يورث الهم والنسيان ويثير السوداء، وإذا سقيت إبرة من دم المعز وثقبت بها الأذن، لم يلتئم ولم يقيح.
وجلد المعز يوضع على المضروب بالسياط حال السلخ، فإنه يدفع غائلته، وينفع أيضًا من القروح الخبيثة ومن الجرب والحكة.
وكعب التيس يسحق ويخلط بالسكنجبين يذيب الطحال، وهو وحده يهيج الباه.
стр. 6850
وظلف الماعز يحرق ويخلط بالخل ويطلى به موضع داء الثعلب، فإنه ينبت فيه الشعر.
ولبن المعز نافع من النوازل يحبسها، وينفع من قروح الحلق، والإكثار منه يولد القمل، ويجلو الآثار القبيحة عن الجلد، ويحسن اللون خصوصًا بالسكر للنساء.
وأنفحة الجدي والخروف تجذب النصول إلى الظاهر من أعماق البدن.
وبوله يغلى حتى يغلظ ويخلط بمثله عسل ويطلى به العضو المحروق ينفعه.
وكذلك يطلى به صاحب الجرب في الحمام ثلاث مرات يبرأ، ويوضع بعره دون العشرة تحت رأس صبي فلا يعود يبكي.
قال الشيخ الرئيس (١): بعر الماعز يحلل الخنازير بقوة معه، وإذا احتملت المرأة
стр. 6851
بصوفه منع سيلان الدم من رحمها، وفيه قوة جاذبة تجذب سمّ الزبابير. والبعر البالي ينثر على الموضع المحترق ينفع جدًا، وهو مجرّب.
١٢ - ظبي
وهو حيوان شديد النفرة، والعرب إذا رأته أول يومهم يتيمنون به، ومن كياسته إذا أراد دخول وجازه يدخل مستدبرًا لخوفه على نفسه وخشفانه (١)؛ فإن رأى أن أحدًا يراه لا يدخل، ومن عجائبه أنه يأكل الحنظل الرطب وماؤه ينسكب من شدقيه ويستلذ به، وكذلك يشرب ماء البحر المر الزعاق.
وأما ظباء المسك فإنها مثل ظبائنا إلا أن لها نابين معقفين كالفيل خارجين من الفكين قدر شبر. ومراعيها بلاد الصين والتبت، فأنها ترعى هناك السبل والبهمنين والحشائش الطيبة الرائحة.
قال ابن البيطار (٢): إن لحومها أصلح لحوم الصيد وألذها وأقربها إلى الطبيعية؛ مجفف للبدن ولا يصلح أن يغتذي به من يحتاج إلى إخصاب بدنه وحفظ قوته، وأكثر لحوم الصيد ضارة لمن يعتريه القولنج وعسر خروج الثفل، وبعر الغزلان يضمر الأورام البلغمية إذا طبخ بالخل ووضع عليها.
فائدة:
قال في كتاب عجائب المخلوقات (٣): إنّ سرّة الغزال يتولد فيها دم هو المسك، فإن اصطيد ولم ينضح الدم في سرّته، لا يكون مسكًا جيّدًا، وسبيله سبيل الثمار إذا
стр. 6852
قطعت قبل النضج، وأجود المسك ما ألقاه الغزال؛ وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى سرته، فإذا نضج الدم فيها يجد الغزال منه حكة فيفزع حينئذ إلى صخرة حادة يحتك بها ملتذًا بذلك، فحينئذ ينفجر الدم من السرة انفجار الدم من الخراج والدماميل. والناس يتبعون مراعيها في الجبال، فيجدون ذلك الدم قد جمد على الصخور فيأخذونه ويدعونه في النوافج، فذلك أجود المسك.
وهذا المسك يقوي الدماغ، وينشف الرطوبة، ويجلو بياض العين، ويقوي القلب، وينفع من الخفقان، وهو ترياق السموم إلا أنه يصفر الوجه، ومن استعمله في الطعام يورثه البحر. والله أعلم.
١٣ - أيل
هو المعز الجبلي، أكثر أحواله شبيه ببقر الوحش (١)؛ من إلقاء القرن كل سنة، وأكل الأفاعي، وأنه إذا تبعه الصياد يرمي بنفسه من قلال الجبال ولو كانت ألفي ذراع ويقف على قرنه ويسلم، وزعموا أنّ [في] قرنه ثقبين يتنفس بهما؛ ولو سدتا لأختنق، وعدد سني عمره كعقد قرونه، وإذا لذعته الأفاعي أكل السرطان، ويصبر عن شرب الماء في الصيف ثلاثة أيام بلياليها، وإذا مشت الأروى خلف الذئب أسقطت ولدها.
قال ابن البيطار (٢): الدم المتولد عن لحوم الأيايل غليظ، وهي عسرة الانهضام، وقيل: إنها سريعة الانحدار، وهي مدرة للبول، والأجود أن تجتنب لحومها وخاصة ما كان حديث عهد بالصيد، [وإن] كان صيد في زمان حار ولم يشرب ماء كثيرًا فإن لحومها ربما قتلت في هذا الحال.
وهو لحم غليظ رديء الخلط، فيصلح بشدة التهري والتدسيم وشرب الأدوية المطلقة للبطن نحو شراب التين والفانيد وماء العسل، وقرن الأيل إذا أحرق وشرب منه وزن فلسجار وهو مثقال مع كثيراء (٣) ولعق به [نفع] من نفث الدم ووجع الأمعاء والإسهال المزمن واليرقان ووجع المثانة، ويوافق النساء اللاتي يسيل من أرحامهن رطوبات سيلانًا مزمنًا، وإذا شرب مع بعض الرطوبات النافعة من هذا المرض، وقد يُقطَّع ويصيّر في قدر من طين ويطين رأسها وتحرق في أتون حتى يبيض، وتُعَبَّلَ كما تعسّل الأقاقيا وتوافق العين التي يسيل إليها الفضول والمواد؛ وتنقي القروح العارضة
стр. 6853
له، وإذا اشتنّ به جلا وسخ الأسنان، وإذا بخر به وهو نيء طرد الهوام، وإذا طبخ بخل وتمضض به سكن وجع الأضراس، وإن سحق المخرق المبيض من قرنه بالخل وطلي به على البهق والبرص في الشمس أذهبه، وإن سقي منه من به طحال ابرأه، وإذا عُجن بسمن البقر وطلي به شقاق اليدين والرجلين أبرأه، وإن طلي منه أفواه الصبيان الذين بهم قلاع نفعهم، وإذا طلي به الثدي والعانة أدرّ الطمث، وإن علق قرنه على حبلى وضعت من غير وجع.
وأنفحة ولد الأيل إذا احتملتها المرأة ثلاثة أيام بعد الطهر منعت الحبل، وشحم الأيايل ينفع من التشنج مسوحًا، وإن علقت قطعة من جلده على إنسان لم يقربه شيء من الحيات البتة. مجرب.
ودم الأيائل إذا استعمل مقلوًا نفع من قرحة الأمعاء، وقطع الإسهال المزمن، وإذا شرب كان صالحًا للسم لكن يقال له: طقسيقيون - أي سم السهام الأرمينية ..
وقضيب الأيل إذا جفف وسحق وشرب نفع من لسعة الأفعى، ودمه إن شرب فتت الحصاة في المثانة، وإن جفّف قضيبه ونحت وشرب بشراب هيج الباه وأنعظ، وإن شد في عضد إنسان لم يخف سائر الحيات والأفاعي ولم يقربه، ولا مرارة الأيل، وإذا ضرب الأيل بسهم ورعى المشكطر امشين خرج عنه ما رمي به، وإن أحرق ذنبه وسحق بخمر وطلي به الذكر والفحل من سائر الحيوان أهاجه للجماع لوقته، ويقال: إنّ البازهر الحيواني حجر يوجد في قلبه؛ وهو من أفضل الأدوية لسائر السموم.
وظلف الأيل إذا بخر به العلق تموت وحيًا مجربًا.
فائدة:
قيل: إن بين الأيل وبين السمك مصادقة. فالأيل يمشي إلى طرف البحر ليرى السمك، والسمك يقرب من الساحل ليرى الأيل، والصيادون يعرفون ذلك، فيلبسون جلد الأيل حتى يأتيهم السمك فيصطادونه، وإذا اتخذ من جلده سفرة لم يقربها حية ولا فارة، ولا شيء من الهوام. والله أعلم.
* * *
стр. 6854
السّباع وبقيّة الوحش
هذا النّوع من الحيوان شديد الشّبه بالشّياطين (١) لما فيها من الكبر والغضب وضيق الخلق وكثرة الفساد وقلّة الاستئناس والجرأة على الإهلاك، وهي مخالفة لنوع النّعم في الأخلاق والأفعال.
ولمّا لم تكن غاية الإنسان مصروفة إلى تربيتها كما في نوع النّعم؛ خلق الله تعالى لها تحصيل الأطعمة بآلاتٍ، كالعدْو الشّديد، والأنياب والبراثن والقوّة والجرأة والهيبة الهائلة وسعة الفم وغلظ الرّقبة وعرض الصّدر ودقّة الخصر وخفّة الأسفل، ولولا ذلك لعجزت عن تحصيل طعمتها، ثمّ إنّها لمّا كانت كثيرة الفساد اقتضت الحكمة الإلهيّة تقليل عددها، فتراها تلد في بطن واحد سنًّا أو سبعًا في السّنة مرّة أو مرّتين ولا يبقى منها غير القليل في أطراف البلاد، ولولا ذلك لامتلأ وجه الأرض من السّباع. ولو كان عدد جميع السّباع كنوع الغنم، لأدّى ذلك إلى فساد عظيم، فسبحان من اقتضت حكمته تقليل الضّارّ، وتكثير النّافع لطفًا بعباده. فمنها:
١٤ - ابن آوى
هو حيوان يفسد الكروم والثّمار (٢)؛ يأكل بعضها ويفسد بعضها، يقال له بالفارسية: شفال، إذا وقع نظر الدّجاج عليه يأتيه ولو على سطح عالٍ؛ ويرمي نفسه بين يديه حتّى يأكله، كما ذكرنا في الحمار والأسد، والذّئب والشّاة، ومن العجب أنّ الدّجاج إذا كان على الشّجر لو مرّ بها كلّ كلب وثعلب وسنّور، لا تتحرّك البتّة، فإذا مرّ بها ابن آوى، ألقت بنفسها إليه حتّى لو كان الدّجاج مئة، لأتين إليه.
وإذا أراد ابن آوى صيد طير الماء جمع حزمة من الحشيش ويرميها في الماء ويتركها حتّى يستأنس الطّير بها ويقع عليها، فإذا استأنس الطّير بها جعل يمشي خلفها ويصطاد ما يقدر عليه.
قال في كتاب العجائب (٣): إنّ لسانه إذا ترك في بيت قوم، يقع بينهم الخصومة، ومرارته يسقى منها نصف درهم بالماء الحار ثلاثة أيّام ينفع من الطّحال، ولحمه ينفع
стр. 6855
من الجنون والصرع الذي يكون مع الأهلة، وكبده ينفع صاحب الصرع إذا أكل منه مثقالًا، ومن عظمه يخلط بالبورق، ويضمد به البرص يزيله.
١٥ - أرنب
حيوان كثير التوالد، يقال له بالفارسية: خركوش (١)، قيل: إنه سنة ذكر وسنة أنثى، ويحيض كما تحيض النساء، ويداه أقصر من رجليه، وإذا نام، تشخص عيناه، وإذا مرض، يأكل القصب الأخضر يزول مرضه، ومن جملة كيسه عدم تأثير رجليه على الأرض حتى يشتبه عليهم طريقه.
قال ابن البيطار (٢): يشوى ويؤكل دماغه، فينفع من الارتعاش العارض من مرض، وإذا دلكت به لثة الأطفال، وأطعم لهم، نفع من الوجع العارض لهم من نبات الأسنان، وإذا أحرق رأسه، وخلط بشحم دب أو خل أبرأ من داء الثعلب، وإذا شربت إنفحته ثلاثة أيام بعد طهر المرأة، منع الحبل، ويمسك سيلان الرطوبة من الرحم والبطن وإذا شربت بخمر نفعت من الصرع، وكان باذزهر للأشياء القتالة وخاصة اللبن المتجبن ونهش الأفاعي، وإذا تلطخ بدمه وهو حار نقى الكلف والبهث والبثور اللبنية.
وينفع بجملته من الخدران إذا شوي وأكل لحمه، وإذا طجن أو غم في قدر نفع من قروح الأمعاء، وقد يحرق الأرنب صحيحًا ويستعمل للحصى المتولد في الكليتين، وإذا أخذ بطن الأرنب كما هو بأحشائه، وأحرق قليًا على مقلاة أنبت الشعر على الرأس، وإذا سحق بدهن ورد، ومرق الأرنب يقعد فيه صاحب النقرس وأوجاع المفاصل فيقارب فعله فعل مرقة الثعلب، ولحمه إن أطعم لمن يبول في الفراش أذهب ذلك عنه، وينبغي أن يدمن عليه.
والدم المتولد من لحومها غليظ، وهو أجود من المتولد من لحوم البقر والكباش والنعام، ومن اضطر إلى أكلها فليدسمها تدسيمًا كثيرًا بالأدهان؛ أو يطبخ بالماء والزيت المغسول طبخًا طويلًا حتّى يتهرأ، وإن شويت فلتشو على بخار الماء، ويتعاهد جميع من أدمن لحوم الصيد إخراج السوداء وترطيب بدنه إذا لم يكن مرطوبًا، وتبريده إن كان محرورًا.
وجلود الأرانب معتدلة الأسخان، موافقة لأكثر المزاجات دون السمور، وهي أقل حرارة من الثعالب. وأقرب شبهًا من السمور، والأفضل منها ما كان أسود وأبيض
стр. 6856
فإنه طيب الرائحة، وهو لباس الأكابر.
وبعر الأرانب إذا شرب بشراب نفع من البول في الفراش، وقيل: دماغه.
فائدة:
تزعم العرب أن كعب الأرنب إذا علق على إنسان لم تضره العين والسحر. قال امرؤ القيس (١): [من المتقارب]
أيا هند لَا تَنْكِحِي بُوهَةٌ … عَلَيْهِ عقيقتُه أَحْسَبَا
مُرَسَّعَةٌ وَسْطَ أرباعه … به عَسَمٌ يَبْتَغِي أرنبا
لِيَجْعَلَ فِي كَعْبِهِ رَجُلَها … حِذار المنيّةِ أنْ يُعْطَبًا
١٦ - أسد
هو أشد السباع قوة، وأكثرها جرأة، وأعظمها هيبة، وأهولها منظرًا (٢). خصه الله تعالى بكبر الرأس وتدوير الوجه، وسعة الشدقين، وحدة الأنياب والبراثن، وسعة الصدر، وعبالة الذراعين، وخفة المؤخر، وجهارة الصوت. لا يهاب أحدًا، ولا يقوم لشدة بطشه من الحيوان. وزعموا أنه لا يأكل من صيد غيره البتة، وأنه سخي إذا صاد شيئًا أكل قلبه وترك باقيه ولا يرجع إليه، ويحب صوت الغناء والدف والشبابة، وإذا رأى في ظلام الليل ضوءًا، ذهب إليه وحينئذ تسكن سورة غضبه، وتلين صولته.
وزعموا أنه لا يقصد من يتواضع له ويتذلل، وإذا أكل لحم فريسة، قطع المخ فيأكل منه، وإذا مرض أكل القرد فيزول مرضه، وقلما تفارقه الحمى؛ ولذلك قيل: «الحمى داء الأسد»، ولهذا قال أبو تمام (٣): [من الطويل] فإن يك قد نالتك أطراف وعكة فلا عَجَبٌ أَنْ يَوَعَكَ الأَسَدُ الوَرد وإذا أصابه نصل، وبقي في بدنه، يأكل السعد فإن الحديد يخرج من بدنه، وهذه خاصية للأسد لا غير، وإن أصابته خدشة أو قرحة يجتمع عليه الذئاب، فلا يقلع عنه حتى يهلكه، ويهرب من الديك الأبيض؛ ومن ضرب الطاس، ويهرب من زئيره جميع الحيوانات إلا الحمار؛ فإنه لا يقدر على المشي، ولا يزأر حال جوعه حتى لا يهرب الصيد، وإذا ولدت اللبوة انخدش رحمها ببراثن الشبل المولود، فتمرض مرضًا
стр. 6857
شديدًا، فيأتيها الليث بالحرباء، فإذا أكلتها، برأت من مرضها، وإذا قرب ولادها، طلبت أرضًا ندية لئلا يهلك الولد أشبالها، وكلما فارقت أشبالها محت آثار براثنها لئلا يهتدى إلى أشبالها بآثار براثنها، وإذا خرج الليث من موضعه، يعدو الشبل خلفه، فإن سمع صوتًا، يفزع ويهرب فيأخذه الليث في حضنه ويزأر في أذنه كالرعد، فبعد ذلك لا يفزع من صوت البتة.
وليس في السباع شيء أشدّ بخرًا من الأسد، وعينه في الظلمة تضيء كشعلة النار، وكذا عين النمر والسنور والأفعى. قالوا: ويهرب من الزق المنفوخ، ولا يتعرض للمرأة الطامث.
فائدة:
حكى الملاحون أن الأسد يأتي إلى قلس السفينة وقد لُف على شجرة أو صخرة، يعلم أنه لا بُدَّ أن يأتيها أحد ليخلصها، فيتمدد ويلزق بالأرض ويغمض عينيه كي لا تضيء بالليل فيعرف، فإذا جاء من يخلص السفينة، وثب عليه فافترسه.
قال ابن البيطار (١): شحم الأسد يبلغ في قوة الجماع بلوغًا عجيبًا مروخًا به ومسوحًا للخواصر والبطن والحالبين والوركين والانثيين والقضيب والمقعدة، وإذا ديف بدهن الأنجرة ومسح به الإحليل، قوّى على الجماع، ويطلى به الكلف فيذهبه، ومرارته تحد البصر. والأسد لا يفترس الحائض ولو أضرّ به الجهد، وزعموا أَنَّ صوته يقتل التماسيح إذ سمعته. والأسد إذا سمع صوت الديك الأبيض، فزع منه وارتعد، و من لطخ بشحمه سائر جسده، هربت منه سائر السباع، وكذلك إن طلي بمرارته، ومن طلى بشحمه الذي بين عينيه على الجلد، كان مهابًا معظمًا عند من يراه ويقضي حوائجه.
ومرارة الذكر منه تحلّ المعقود عن النساء إذا سقين منها في بيضة نيمبرشت في مستهل الشهر، ومن علق عليه قطعة من جلده بشعرها في عنقه، أبرئ من الصرع قبل بلوغ المصروع، وبعد البلوغ لا ينفعه.
ومن تبخر به أزال عنه حمّى يوم، والجلوس عليه يذهب البواسير مجرب؛ والنقرس أيضًا، ومن حمل معه قطعة من جلد جبهته كان محبوبًا مهابًا معظمًا، وإذا بخر البيت بجلده لم يبق شيء من السباع إلا وهرب، وإن جعل منه قطعة مع الثياب، لم يصبها السوس والأرضة، وإن كان في الصندوق شيء منها، هلك جميعه. مجرب، ومن
стр. 6858
سقي شيئًا من طرح الأسد في شراب، بغض الشراب، ولا يعود يشربه.
١٧ - ببر
حيوان هنديّ أقوى من السّبع، وصورته تشبه صورته، لكنه أكبر جثة وأوسع وجهًا، وبينه وبين الأسد والنمر عداوة، وإذا قصد الببر النمر، فإن الأسد يعاون النمر (١).
قال الجاحظ (٢): إذا أدمى الببر أست كلب عند ذلك يخافه كل شيء، وإذا مرض الببر اصطاد كلبًا فأكله فيزول مرضه، وإذا ضرب الأنثى الطّلق، تضع ولدها تحت شجرة الفتحنكشت وترضعه كل ثلاثة أيام مرة، وتربيه بأكل الضّبّ.
قال في كتاب العجائب (٣): أمّا خواصّ أجزائه فإنّ مرارته تضرب بالماء، ويطلى بها رأس من به سر سام أو برسام فينفعه نفعًا بينًا، وإن احتملته المرأة، لم تحبل أبدًا، وإن كانت حاملًا، ألقت ولدها، وإذا شدّ البريد أو السّاعي كعبه عليه، لا يتعب من السير ولو سار مئة فرسخ، وإن اتخذ من جلده نطع، فمن جلس عليه زالت عنه حمّى الرّبع، ويبخّر به تحت ذيل من به شطر الغب فتزول عنه، ويتولد النمل من دخانه، وإذا دُخّن بجعره، هرب منه جميع الهوام إلا النمل.
١٨ - ثعلب
حيوان محتال عجيب الروغان، ذو انعطافات والتفاتات، يتخذ لأوجاره بابين حتى لو جاء العدوّ من باب، أو سُدّ عليه يخرج من الآخر، ويتساقط شعره في كل سنة، ولذلك سمّي سقوط شعر الإنسان داء الثعلب؛ فعند ذلك يأكل عنب الثعلب فينبت شعره، ويجني العنصل فيرميه حول وجاره وينام مطيّبًا من الذئب، فإنّ الذئب إذا وقعت رجله على العنصل مات.
وإذا جاع يرمي نفسه في الصحراء متناومًا، ويمدّ رجليه ويديه، ويزكّ بطنه وينفخها حتى يظنّ الطّير أنه ميّت من أيام، فيجتمع عليه ليأكله فيثب ويصيد منها، وإذا نزل الجارح عليه يضربه بجناحيه، ليدركه الكلب فيستلقي ويخدش الجارحة خدشًا لا يقربه بعد ذلك أبدًا.
وله حيلة عجيبة في أكل القنفذ، وذلك أنه إذا لقي القنفذ تقنّع القنفذ، وأعطاه
стр. 6859
ظهره بشوكه، فعند ذلك يبول عليه الثعلب، فإنه إذا فعل ذلك اعتراه الأسر فانبسط، فيأخذ الثعلب على مراق بطنه ويأكله.
وإذا مرض، يأكل البصل البرّي يزول مرضه، وإذا تولد فيه القمل وتأذّى به، يأخذ بِفَيْه ليفة أو صوفة ويقف في الماء، وينزل قليلًا قليلًا في الماء حتى يجتمع القمل كله على تلك الصوفة فيرميها ويستريح من القمل.
وحكى بعضهم قال: مررت على ثعلب، فوجدته قد زكّر بطنه ونفخها، يوهم أنّه مات من أيام، فتركته؛ فلما دنت منه الكلاب، علم أنّ حيلته لا تخفى على الكلاب فنفر وصعد إلى شجرة.
أما خواص أجزائه فقال ابن البيطار (١): جلده أشدّ حرًّا وإسخانًا من سائر الجلود التي تلبس، لإفراط حرارتها ويبسها، وكذلك صار لبسها يوافق المربوطين الامزاج والمكان الغالب عليه البرد، وما كثر شعره منها كان أقوى إسخانًا، وهو إلى أن يستعمل فيما يتغطى به الناس أقرب منه إلى أن يلبسوه.
وأشرف أصنافها الثعلب الجزري الأبيض، وهو من لباس النساء والمشايخ المبطلين، لأن حرارته مفرطة غير معتدلة تجذب رطوبات البدن، ولا يصلح للمحرورين، والسمّور يتلو الثعالب في الحرارة.
وإذا طبخ الثعلب في الماء ونُقلت منه المفاصل الوجعة، نفع نفعًا بينًا عجيبًا، وكذلك الزيت الذي يطبخ فيه حيًّا، بل هذا أقوى جدًا، ويجب أن يطيل الجلوس فيه، والأجود أن يكون بعد الاستفراغ والتنقية؛ لئلا يجذب بقوة جذبه وتحليله خلطًا إلى المفاصل، وإذا استفرغ البدن بعد ذلك، لم يتحلب إلى المفاصل شيء، وإن عاود كان خفيفًا، وكذلك شحم الثعلب ربّما جذب أكثر مما تحلّل، والزيت الذي يطبخ فيه الثعلب نافع من التعقد والصلابة التي تعرض من وجع المفاصل.
ورئة الثعلب تجفف وتسحق وتشرب، تنفع من الربو والسعال، وشحمه نافع لوجع الأذن، ويشرب منها لذلك وزن مثقال بماء وعسل في كل مرة، وإذا خلطت مع قشر البيض المحرق وذلك بها داء الثعلب، نفع منه. مجرب، ومرارته إذا ديفت بأشق وماء كرفس، أجزاء متساوية ويسعط بها أنف من به داء الجذام في كل عشرة أيام سطة، نفع نفعًا بينًا.
стр. 6860
وإذا أمسك إنسان سنّ ثعلب في يده، أمن من أن تنبح عليه الكلاب، وزعموا أنه إن عُلّق في برج حمام، لم يبق فيه غير واحد.
وشحم الثعلب إذا دهنت به الأطراف، لم يصبه الخَصْر في الأسفار، وزعموا أنه إذا طلي به سوط، أو عود وجعل في إحدى زوايا البيت، فإنّ البراغيث يجتمعن عليه.
١٩ - خنزير
حيوان سمج الشكل، صعبٌ، له نابان كتابي الفيل يضرب بهما، ورأسه كرأس الجاموس، وله ظلف كما للبقر (١)، وله هيجان شهوة، وعلامة ذلك إطراق رأسه وتغيير صوته.
وللخنازير مخاصمة شديدة عند هيجانها على الإناث، فمنها من يلطخ بدنه بالطين والأشياء اللزجة حتى يصير جلده كالجوشن لا تعمل فيه أنياب الخنازير عند الخصومة، وإذا دفنت سفرجلة في أرض يثير تلك الأرض كلها بنابه حتى يظفر بالسفرجلة، وهو أنسل الحيوانات، لأنّ الأنثى منه تضع عشرين خنوصًا. والخنزير يأكل الحيات أكلًا ذريعًا، وسمّ الحية لا يعمل في الخنزير، وهو أروغ من الثعلب؛ يهرب من الفارس حتى يطمع فيه، ثم يكرّ عليه ويضرب الفرس والفارس ضربة شديدة بنابه يقتله، وإذا جاع ثلاثة أيام، ثمّ يأكل يسمن في يومين، وهكذا تفعل بها النصارى بأرض الروم، وإذا مرض يأكل السرطان فيزول مرضه.
ومن الخواص العجيبة ما ذكروا أنّ الخنزير إذا شدّ على ظهر الحمار بحيث لا يتحرك، فإذا بال الحمار مات الخنزير في الحال، وإذا ضرب الكلب بنابه، ينتثر جميع شعر الكلب، وإذا قلعت إحدى عينيه يموت، والفيل يهرب من صوت الخنزير.
وأما خواص أجزائه فقال ابن البيطار (٢): إنّ كبد الخنزير رطبًا أو يابسًا إذا سحق وشرب بشراب نفع نهش الهوام، وكعبه إذا أحرق حتى ينتقل لونه من سواد الإحراق إلى البياض وسحق وشرب، حلّل نفخ الأمعاء الذي يقال له: قولون؛ والمغص المزمن، وبول الخنزير البري له قوة بول الثور غير أنّ له خاصية إذا شُرب أن يفتت الحصى المتولدة في المثانة ويبولها، وزبله إذا شرب حافًا بالماء أو بشراب، قطع نفث الدم من الصدر؛ وسكن وجع الجنب المزمن، وإذا استعمل بالخل نفع من وهن العضل، وإذا خلط بموم مذاب بدهن ورد نفع من التواء العصب.
стр. 6861
ومرارته تستعمل لقروح الأذان وسائر أنواع القروح؛ ومرارته أيضًا تطلى مع عسل وفلفل فتنبت الشعر في رأس الأقرع مجرب.
وشحم الخنزير يوافق أوجاع الأرحام والمقعدة وحرق النار، والعتيق منه يُسخن ويلين، وإذا غُسل بشراب، وخلط برماد أو كلس، وافق من به شوصة، وكان صالحًا للأورام الحارة، وإذا سحق المحرق منه وطلي به مع عسل على البرص جلاه ونفع منه، وكعب البقر وكعب التيس يفعل ما يفعله كعب الخنزير.
٢٠ - دب
حيوان سمين جسيم. يحبّ العزلة والانزواء، فإذا جاء الشتاء يدخل وجاره ولا يظهر حتى يطيب الوقت (١)، وإذا جاع يلحس يديه ورجليه ويمصها فيندفع عنه جوعه، وإذا أتى عليه الربيع يخرج سمينًا، ويخاصم البقر، فإذا قصد البقر نطحه يأخذ قرنيه بيديه ويعضه عضًا شديدًا ويقهره.
والدبة إذا دنت ولادتها، تطلب حجرًا أسود أصابته الصاعقة، فتجلس عليه فتسهل ولادتها، فإن لم تجد ذلك فإنها تقف حذاء بنات نعش الصغرى التي يقال لها الدب الأصغر فإنّ الولادة تسهل عليها.
قال طيماث الحكيم: الدبّة تلد لحمة لا يبين فيها
صورة، فلا تزال تلحسها حتى تظهر فيها أشكال الأعضاء، وتحول أولادها كل ساعة من موضع من خوف النمل، فإنّ النمل يكثر على المولود منها فيتلفه، فإذا صلب بدنها وقوي على النمل أقرّتهن، وربما تدع أولادها وتذهب، فترضع ولد الضبع ولهذا تقول العرب: «فلان أحمق من جهير (٢)»، وهي أنثى الدب، ولا يغلبه من السباع غير الأسد.
حكى بعضهم: ان أسدًا قصده. قال: فالتجأت إلى شجرة فصعدتها فإذا على بعض أغصانها دبّ يقطف ثمرتها، فلما رأى الأسد أني صعدت الشجرة، جاء وافترش تحتها ينظر نزولي، فبقيت منحصرًا بين الأسد والدبّ، فنظرت إلى الدب فإذا هو يشير بإصبعه إلي ويضعها على فمه، يعني لا تنطق كي لا يعلم الأسد أني على الشجرة. قال: وكان معي سكين صغيرة؛ فجعلت أقطع الغصن الذي عليه الدب قليلًا قليلًا، والدبّ ينظر إلي ولا يدري ما يؤول إليه الأمر حتى قطعت أكثره، فثقل الدب على الباقي فكسره ووقع على الأرض، فوثب الأسد، فأكله ومرّ.
стр. 6862
خواصّ أجزائه ف [قال] ابن البيطار (١): هو من أفهم الحيوان، ويحاكي الإنسان في مشيه على قدميه ورميه بالحجارة، وله فضل قوّة ونجدة وصبر، وقليلًا ما يظهر في مدة الشتاء، بل إذا جاع يمصّ يديه ورجليه ويلحسهما، فيكتفي بذلك، وإذا ديفت مرارته بعسل وفلفل وطليت به الفرطسة، أذهبها وأنبت فيها الشّعر الحسن لا سيّما إن أدمن ذلك ثلاث مرات أو خمس، وإن شربت مرارته مع سكنجبين نفعت من وجع الكبد، وإن سخّن شحمه في رمّانة بعد إخراج حبّها، وخلط بمثله زيت، وطلي به الحاجبان، كثر شعرهما، وإذا حشي به النّاصور أبرأه، وإذا سُقي من دمه المجنون نفعه، وإن سحق شحمه وطلي به المفاصل [و] المقعدة والبرص متواليًا أبرأهما، وعيناه إذا علّقتا في خرقة على عين صاحب حمّى الرّبع، أذهبها عنه بخاصّيّة فيه، وشحم الدّبّ ينبت الشّعر في داء الثّعلب، ويوافق الشّقاق العارض من البرد، وشحم الدّبّ نافع من الخلع والوثي والتّعقد المزمن والبرص، ويلطف غلظ العصب إذا دلك به في الشّمس دلكًا رقيقًا حتّى تتشربه الأعضاء، وهو في غاية التّليين.
ودم الدّبّ حارّ إذا وضع على الأورام أنضجها سريعًا، ومرارة الدّبّ إذا لعق منها من به صرع نفعته، وشرب أنفحة الدّبّ يسمن، وإذا اكتحل بمرارة الدّبّ مع عسل وماء الرّازيانج الرّطب أحدت البصر، ودمه إذا اكتحل به، نفع من نبات الشّعر الزّائد في الأجفان بعد ما يُقلع، وإنّ ذلك المولود بشحمه مذابًا كان له حرزًا من كل سوء.
ولحم الدّبّ لزج مخاطي مذموم الغذاء جدًّا، وفرو جلد الدّبّ والذّئب شديد اليبس، والإكتنان به نافع من الأمطار، وفرو الدّبّ الشّعراني شديد السخونة واليبس لخشونته، ويصلح أن يتّخذ منه مقاعد لأصحاب النّقرس والمرطوبين، ولا سيّما النّقرس البارد.
٢١ - دلق
حيوان شبيه بالسّنّور وحشي لا يدجّن البتة، عدوّ الحمام (٢) يدخل برج الحمام ولو كان فيه مئة وأكثر، فلا يترك منها واحدة، وهو عدوّ الثّعابين أبدًا، تموت عند سماع صوته.
وذكروا أن بأرض مصر ثعابين كثيرة، فلولا وجود الدّلق بها وكثرة أكله لها، لخرجت أرض مصر عن صلاحيّة السّكنى.
стр. 6863
قال ابن البيطار (١): الدلق كالسمور، وهو أضعف حرًا منه، وأثقل حملًا، وإستخانه معتدل، ورائحته غير طيبة.
٢٢ - ذئب
حيوان كثير الخبث، ذو غارات وخصومات، ومكابرة وحيل شديدة (٢)، وقلّما يخطئ في وثبته، وعند اجتماعها لا ينفرد أحد عنها؛ لأنها لا يأمن على نفسه منه، وإذا أصاب أحدها جراحة أو ضربة، علمت أنه قد ضعف فاجتمعت وأكلته. قال عجير السلولي (٣): [من الطويل]
فتى ليس بابن العم كالذئب إن يَرَى … بصاحبه يومًا دمًا فَهُوَ آكله (٤)
وإذا نامت الذئاب واجه بعضها بعضًا، وتنام حلقة حتى ينظر أحدها إلى الآخر، حتى يقال: إنه ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، وقال حميد بن ثور الهلالي (٥): [من الطويل]
стр. 6864
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي … الأعادي بأخرى فَهْوَ يقظان هاجعُ (١)
والأنثى أكثر فسادًا من الذكر لأولاها، وإذا عجز عن غلبة من يعاونه يعوي حتى يسمع عواءه الذئاب، فيأتون إليه فيعينونه، وإذا مرض انفرد عن الذئاب لعلمه أنها إن أحست بمرضه أكلته، ولا يفزع من شيء من السلاح كالسيف والفأس إلا من العصا، ومن رماه بالحجر يتركه، ومن رماه بالنشاب وغيره من النصول لا يتركه، وإن جُرِحَ لا يرجع ولا يزال يقاتل ويكافح حتى يقتل أو يجرح الذي رماه، وإذا مرض يأكل من الحشيشة المسماة بالجعدة، فيزول مرضه، وإذا دنا من الغنم، يعوي حتى يسمع الكلب عواءه، فيقصد تلك الجهة، ثم يمشي إلى جهة غير تلك الجهة، فيكون الكلب بعيدًا عنها، ويسلب شاة يأخذ بقفاها ويضربها بذنبه، وتبقى الشاة تعدو معه، ولا يفعل ذلك إلا قبل طلوع الشمس، ويعلم أن الكلب بعيد عنها، وكذلك الراعي يحرس طول الليل؛ وفي ذلك الوقت يغلبه النوم، وهو أيضًا الوقت الذي ينام فيه الكلب على ما عُرف من نومه عند هبوب نسيم السحر.
والعرب تزعم أن الذئب إذا كان على يسار الإنسان يسمى سائحًا يغلبه الإنسان، وإذا كان على يمينه يسمى نازحًا ويغلب الإنسان والفرس لا يعدو خلف الذئب، فإن ركضه الفارس تقنطر به، ويقال: إن الذئب إذا عض البرذون لحقه الحصر، وإذا عض الشاة طاب لحمها.
قال الجاحظ (٢): السباع القوية ذوات الرئاسة كالأسد والببر والنمر لا تتعرض للإنسان إلا بعد الهرم والعجز عن صيد الوحش بخلاف الذئب، فإنه أشد السباع طلبًا للإنسان.
وقال بلنياس في كتاب الخواص: إذا وقعت عين الذئب على الإنسان قبل أن يراه الإنسان يسترخي الإنسان ويقوى الذئب، وإذا وقعت عين الإنسان على الذئب أولًا فبالعكس.
وأما خواص أجزائه، فقال ابن البيطار (٣): أما كبد الذئب، فقد ألقيت منها مرارًا في الدواء المتخذ بالغافث النافع للكبد، ولم أجزم أنه ازداد قوة بزيادة كبد الذئب فيه أم لا، وقد جربت كبد الذئب بأن سحقت وسقي منها مثقال مع شراب حلو، فانتفع به من كل سوء مزاج يحدث للكبد من غير أن يضر الحارّ أو البارد، وإذا كانت بالعليل حُمَّى، فسق بماء بارد.
стр. 6865
وكان بعض الأطباء يسقي زبل الذئب للقولنج، ويسقيه في وقت هيجان الوجع، وربما سقاه من قبل الوجع، وخلصه إذا عرض ذلك من غير نفخة، ورأيت من شرب هذا الزبل لم يعرض له ذلك الوجع بعد ذلك، فإن عرض له لم يكن بالشديد المؤذي، وكان ذلك الطبيب يأخذ من هذا الزبل إذا تغذى الذئب بالعظام، فكنت أعجب من نفعه إذا عولج به المرضى. وكان ربّما علقه على المريض فنفعه نفعًا بينًا، وكان إذا سقاه لمن يكون متفززًا ممن به وجع القولنج، يخلط به شيئًا من الملح والفلفل وما أشبه من البزور، ويجيد سحقهما ويسقيه بشراب أبيض لطيف، وربّما سقاه بما وجده، وربّما علق الزبل على فخذ الرجل الموجع مشدودًا بخيط من صوف كبش قد افترسه الذئب، وهو أبلغ في المنفعة إن وجد، فإن لم يقدر عليه يأخذ سيورًا من جلد أيل ويشد بها الزبل ويعلقها على فخذ الرجل.
قال: وأما نحن فكنا نجعل من ذلك الزبل في أنبوب صغير في مقدار الباقلى أتخذه من فضة بعروتين، وأعقله على الوجع وجربته فنفع، والذئاب لا تأكل التراب، والذئب من بين الحيوان لا يأكل العشب إلا عند مرضه كما تفعل الكلاب، فإنها إذا اعتلت أكلت عشبًا من الأعشاب، وما خبث من الذئاب وفسد أصله أكل الناس وسائرها لا تأكل.
وذَكَرُ الذئب والثعلب من عظم لا كسائر الحيوان من عضل وعصب. وإن علق ذنب ذئب على معلف البقر، لم يتقرب إليه ما دام معلقًا عليه ولو جهدها الجوع، وإن بُخْرَ موضع بزبل ذئب، اجتمع إليه الفار.
وزعموا أنه من لبس ثوبًا من صوف شاة قد افترسها ذئب، لم تزل به حكة شديدة ما دام عليه أو ينزعه.
وإن بالت امرأة على بول ذئب لم تحبل أبدًا، وإن أخذت خصيته اليمنى ودقتها بزيت وغمس فيه صوفة واحتملتها المرأة أذهبت عنها شهوة الجماع. وإن شرب صاحب الحمى العتيقة من مرارة الذئب وزن دانق مع عسل أو طلا، أذهبها.
وعين الذئبة تنفع من الصرع، ولا يقرب من علقت عليه شيء من السباع والهوام واللصوص، ومرارة الذئب تمنع التشنج والكزاز اللذان يتبعان جراحات العصب، خصوصًا من البرد، وإذا سعط بها من به النزلات العظام نفعته، وإذا نهش الذئب فرسًا وأفلت منه جاد سيره وسهل قياده وسبق الخيل. وشحمه ينفع من داء الثعلب وداء الحيّة لطوخًا، وإن دمي إنسان فشم الذئب رائحة الدم منه، قاتل عليه حتى يبلغ إليه فيأكله، ولو كان أتمهم سلاحًا وأشجعهم قلبًا، وإن دفن رأس ذئب في موضع فيه غنم، هلكت