وتلك النواحي جماعة. وكان لهم كبير منهم يرجعون إليه فصار اسم ذلك الكبير الذي يرجعون إليه رأس الجالوت؛ فمن مذهب العانانية أنهم يصدّقون المسيح في مواعظه وإشارته ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة بل قرّرها ودعا الناس إليها، وهو من أنبياء بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة، لكنهم لا يقولون برسالته. ومنهم من يقول: إنَّ عيسى لم يدع أنه نبي مرسل، ولا أنه صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى بل هو من أولياء الله تعالى المخلصين، وأن الإنجيل ليس كتابًا منزلًا عليه وحيًا من الله تعالى، بل هو [في] جميع أحواله نسخه أربعة من أصحابه واليهود ظلموه أولًا حيث كذبوه ولم يعرفوا دعواه وقتلوه آخرًا، ولم يعرفوا محله. وقد ورد في التوراة ذكر المشيحا في مواضع كثيرة وهو المسيح.
وأما السامرة (١) فمنهم فرقة يقال لها: الدستانية، وتسمى هذه الفرقة أيضًا القانية، ومنهم فرقة يقال لها: كوسانية والدستانية، يقولون: إنما الثواب والعقاب في الدنيا؛ وأما الكوسانية فيقرون بالآخرة وعقابها وثوابها.
ولليهود أعياد وصيام فمنها الفسخ وهو الخامس عشر من نيسان وهو العيد الكبير، وهو أول أيام الفطير السبعة، ولا يجوز لهم فيها أكل الخمير: لأنهم أمروا في التوراة أن يأكلوا الفطير فيها، وآخر هذه الأيام الحادي والعشرون من الشهر المذكور.
والفسخ يدور من ثاني عشر آذار إلى خامس عشر نيسان، وسبب ذلك أنّ بني إسرائيل لما تخلّصوا من فرعون وحصلوا في التيه اتفق ذلك ليلة الخامس عشر من نيسان اليهود والقمر تام الضوء والزمان زمان ربيع فأمروا بحفظ هذا اليوم في أواخر هذه الأيام غرق فرعون في بحر السوب وهو القلزم.
ولهم عيد العنصرة وهو بعد الفطير بخمسين يومًا ويكون في السادس من سعون، وفيه حضر مشايخ بني إسرائيل مع موسى إلى طور سيناء فسمعوا كلام الله من الوعد والوعيد فاتخذوه عيدًا.
ومن أعيادهم عيد الحنكة ومعناه: التنظيف، وهو ثمانية أيام أوّلها الخامس
والعشرون من كسلين يسرجون في الليلة الأولى سراجًا، والثانية اثنين، وكذلك حتى يسرجوا في الثمانية ثمانية سرج، وهو تذكار أصغر ثمانية أخوة قبل ملوك يونان فإنّهم كان قد تغلب عليهم ملك اليونان ببيت المقدس. وكان يفترع البنات قبل الإهداء إلى أزواجهن. وكان له سرداب قد أخرج منه حبلين عليهما جلجلان فإذا احتاج إلى مرأة، حرك الأيمن فتدخل عليه فإذا فرغ منها، حرّك الأيسر فيخلى سبيلها.
وكان في بني إسرائيل رجل له ثمانية بنين وبنت واحدة، فتزوجها إسرائيلي
стр. 7527
وطلبها، فقال له أبوها: إن أهديتها إليك افترعها هذا الملعون، ووبخ بنته بذلك فأنفوا منه، ووثب الصغير منهم فلبس ثياب النساء وخبأ خنجرًا تحت ثيابه، وأتى باب الملك على أنه أخته؛ فلما حرك الجرس أدخل عليه فحين خلا به قتله وأخذ رأسه، وحرّك الحبل الأيسر وخرج فخلى سبيله؛ فلما ظهر قتله للملك، ظهر فرح بني إسرائيل بذلك وسرورهم واتخذه عيدًا في ثمانية أيام تذكرًا بالإخوة الثمانية.
ومن أعيادهم المظال وهي سبعة أيام أولها خامس تشري الأول، يستظلون فيه بالخلاف والقصب، وهي فريضة على المقيم دون المسافر، وأمروا بذلك تذكارًا بأظلال الله تعالى إياهم بالغمام في التيه، وآخر المظال وهي حادي عشر تشري تسمى عرابا وتفسيره شجرة الخلاف، وغدا عرابا يسمّى التبريك وتبطل فيه الأعمال ويزعمون أن التوراة فيه استتم نزولها؛ ولذلك يتبركون فيه بالتوراة وليس في صياماتهم فرض غير صوم الكسور وهو عاشر يوم من تشري اليهود، وابتداء الصوم من اليوم التاسع قبل غروب الشمس بنصف ساعة إلى بعد غروبها من اليوم العاشر بنصف ساعة تمام خمس وعشرين ساعة، وكذلك غيره من صياماتهم النوافل والسنن.
[أمة المسيح]
وأما النصارى وهم أمة المسيح ﵇.
قال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل (١): وللنصارى في تجسيد الكلمة مذاهب فمنهم من قال: أشرقت على الجسد إشراق النور على الجسم، ومنهم من يقول: انطبعت انطباع النفس في الشمعة، ومنهم من يقول: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من يقول: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء.
واتفقت النصارى على أن المسيح قتلته اليهود وصلبوه، ويقولون: إنَّ المسيح بعد أن قتل وصلب، عاش فرأى شخصه شمعون الصفا وكلمه وأوطى إليه، ثم فارق الدنيا ورفعه الله إلى السماء.
قال: وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، وكبارهم ثلاث فرق، الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية.
أما الملكانية (٢) فهم أصحاب ملكا الذي ظهر ببلاد الروم واستولى عليها فصار غالب الروم ملكانية، وهم يصرحون بالتثليث، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣).
وصرحت الملكانية: ان المسيح ناسوت كلّي وهو قديم أزلي من قديم أزلي، وقد
стр. 7528
ولدت مريم إلهًا أزليًا، والقتل والصلب وقعا على الناسوت واللاهوت معًا وأطلقوا لفظ الأبوة والنبوة على الله تعالى، وعلى المسيح حقيقة؛ وذلك لما وجدوا في الإنجيل «إنك الابن الوحيد»؛ ولما رووا عن المسيح أنه قال - حين يصلب - «أذهب وآتيكم».
وحرموا آرموس (١) لما قال: القديم هو الله تعالى والمسيح مخلوق، واجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة بالقسطنطينية بمحضر من قسطنطين ملكهم. وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادًا ودعوة؛ وذلك قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وكل شيء الذي من أجلنا وأجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وتولد من مريم البتول وصلب ودفن.
ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى بالقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بروح القدس روح الحق الذي يخرج من أبيه لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جائليقية، وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة أبدًا.
هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات، ووضعوا شرائع النصارى عندهم، واسم الشريعة الهيمانوت.
وأما النسطورية (٢)، فهم أصحاب نسطورس وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا، وخالفت النسطورية الملكانية في اتحاد الكلمة فلم يقولوها بل إن الكلمة أشرقت على جسد المسيح كإشراق الشمس على البلور.
وقالت النسطورية أيضًا، إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته خلافًا للملكانية.
وأما اليعقوبية (٣)، فهم أصحاب يعقوب البرذعاني. وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إنَّ الكلمة انقلبت لحمًا ودمًا فصار الإله هو المسيح.
قال ابن حزم (٤)؛ واليعقوبية يقولون: إنَّ المسيح هو الله قتل وصلب، وإنَّ العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، وعنهم أخبر القرآن العظيم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٥).
стр. 7529
وقال ابن سعيد في كتابه: البطارقة للنصارى بمنزلة الأئمة أصحاب المذاهب للمسلمين، والمطارنة مثل القضاة، والأساقفة مثل المفتين، والقسيسيون بمنزلة القراء، والجاثليق بمنزلة الإمام الذي يؤم في الصلاة. والشمامسة بمنزلة المؤذنين وقومة المساجد.
وأما صلوات النصارى، فهي سبع عند الفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء ونصف الليل. يقرؤون فيها بالزبور المنزل على داود تبعًا لليهود. والسجود في صلاتهم غير محدود، وقد يسجدون في الركعة الواحدة خمسين سجدة، ولا يتوضأون للصلاة، وينكرون الوضوء على المسلمين؛ واليهود يقولون: الأصل طهارة القلب.
وقال الخرقي في نهاية الإدراك في دراية الأفلاك: إنَّ للنصارى أعيادًا وصيامات، فمنها صومهم الكبير وهو تسعة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين، وهو أقرب اثنين إلى الاجتماع الكائن فيما بين اليوم الثاني من شباط إلى اليوم الثامن من آذار؛ فأي اثنين كان أقرب إليه؛ أما قبل الاجتماع، وأما بعده؛ فهو رأس صومهم.
ثم وجدت ضابطًا لرأس صومهم أصح مما ذكر وهو أن ينظر إلى الربح وهو سادس كانون الثاني في أي شهر هو من الشهور العربية، ثم ينتقل إلى سابع وعشرين الشهر العربي الذي يليه من حين رؤية الهلال؛ فإن كان يوم الاثنين، فهو رأس صومهم، وإلى ثاني اثنين كان أقرب إليه قبله أو بعده، فهو رأس صومهم وفطرهم أبدًا يكون يوم الأحد الخمسين من هذا الصوم، وسبب تخصيصهم هذا الوقت بالصوم أنهم يعتقدون أن البعث والقيامة يكونان في مثل يوم الفصح وهو اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره بزعمهم.
ومن أعيادهم الشعانين الكبير وهو يوم الأحد الثاني والأربعين من الصوم، وتفسير الشعانين التسبيح؛ لأنَّ المسيح دخل في يوم الشعنينة المذكور إلى القدس راكب أتان يتبعها جحش فاستقبله الرجال والنساء والصبيان وبأيديهم ورق الزيتون، وقرأوا بين يديه التوراة إلى أن دخل بيت المقدس واختفى عن اليهود يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وغسل يوم الأربعاء أيدي أصحابه الحواريين وأرجلهم ومسحها في ثيابه؛ وكذلك يفعله القسيسون بأصحابهم في هذا اليوم، ثم أفصح في يوم الخميس بالخبر وصار إلى منزل واحد من أصحابه.
ثم خرج المسيح ليلة الجمعة إلى الجبل فسعى به يهوذا. وكان أحد تلامذته إلى كبار اليهود، وأخذ منهم ثلاثين درهمًا رشوة، ودلهم عليه فألقى الله تعالى شبهه على يهوذا - المذكور - فأخذوه وضربوه ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، وأنالوه كل مكروه وعذبوه بقية تلك الليلة - أعني ليلة الجمعة - إلى أن أصبحوا فصلبوه بزعمهم أنه المسيح على ثلاث ساعات من النهار المذكور، وتسمّى جمعة الصلبوت، وصلب معه لصان على جبل يقال له الجمحة واسمه بالعبرانية كاكلة.
стр. 7530
وماتوا - على ما زعموا - في الساعة التاسعة، ثم استوهب يوسف النجار - وهو ابن عم مريم - المسيح من قائد اليهود هيردوس - واسمه قيلاطوس .. وكان ليوسف المذكور منزلة ومكانة عنده فوهبه إياه فدفنه يوسف في قبر كان أعده له.
وزعمت النصارى أنه لبث في القبر ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد، ثم قام صبيحة يوم الأحد - الذي يفطرون فيه - ويسمي النصارى ليلة السبت بشارة الموتى بقدوم المسيح.
ولهم الأحد الجديد وهو أول أحد بعد الفطر ويجعلونه مبدأ الأعمال وتاريخًا للشروط والقبالات.
ولهم السلاقا ويكون يوم الخميس بعد الفطر بأربعين يومًا فيه تسلق المسيح مصعدًا إلى السماء من طور سيناء.
ولهم عيد القبطي قسطي وهو يوم الأحد بعد السلاقا بعشرة أيام، واسمه حسبق بن الخمس بلسانهم، وفيه تجلى المسيح لتلامذته وهي السلحيون، ثم تفرقت ألسنتهم وتوجههت كل فرقة إلى موضع لغتها.
ولهم الذبح وهو سادس كانون الثاني، وهو اليوم الذي غمس فيه يحيى بن زكريا للمسيح في نهر الأردن.
ولهم عيد الصليب وهو مشهور.
ولهم الميلاد، وفي الليلة المذكورة ولدت مريم المسيح في قرية من القدس تسمى بيت لحم.
وأما الإنجيل، فهو كتاب يتضمن أخبار المسيح من ولادته إلى وقت خروجه من هذا العالم. كتبه أربعة نفر من أصحابه وهم: متى كتبه بفلسطين بالعبرانية، وسرقوس كتبه بالروم باللغة الرومية، ولوقا كتبه بالاسكندرية باللغة اليونانية، ويوحنا كتبه باسين باليونانية أيضًا.
ولهم صوم السلحين وهو ستة وأربعون يومًا، أولها يوم الاثنين إلى القبطي قسطي بعد الفطر الكبير بخمسين يومًا، ولهم فيه خلاف.
ولهم صوم نينوى ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين الذي قبل الصوم الكبير باثنين وعشرين يومًا.
ولهم صوم العذارى وهو ثلاثة ايام، أولها يوم الاثنين يتلو الذبح، وفطره يوم الخميس.
[أمة الروم]
وأما الأمم التي دخلت في دين النصارى فمنها أمة الروم.
قال أبو عيسى: وهذه الأمة على كثرتها وعظم ملوكها واتساع بلادها، إنما
стр. 7531
نجمت من ولد العيص بن إسحاق بن الخليل ﵇.
وكان أول ظهورهم من سنة ست وسبعين وثلاثمائة لوفاة موسى، وساروا إلى البلاد المعروفة ببلاد الروم وسكنوها، وحينئذ ابتدأت الروم توجد.
ومن كتاب ابن سعيد المغربي: أنَّ الروم يعرفون ببني الأصفر، وهو روم بن عيص على أحد الأقوال.
وقال في الكامل (١) وغيره: إنَّ الروم كانت تدين بدين الصابئة، ويعبدون أصنامًا على أسماء الكواكب، وما زالت الروم ملوكها ورعيتها كذلك حتى تنصر قسطنطين وحملهم على دين النصرانية فتنصروا عن آخرهم.
ومنها الأرمن وكانت بلادهم أرمينية، وقاعدة مملكتهم خلاط؛ فلما ملكها المسلمون صارت الأرمن رعية فيها. ثم تغلب الأرمن على الثغور وملكوا من المسلمين طرسوس والمصيصية، واستولوا على تلك البلاد التي تعرف اليوم ببلاد سيس، وسيس مدينة ولها قلعة حصينة؛ وهي كرسي مملكة الأرمن في زماننا هذا.
ومنها الكرج وبلادهم مجاورة لبلاد خلاط آخذة إلى الخليج القسطنطيني وممتدة إلى نحو الشمال، ولهم جبال منيعة.
والكرج خلق كثير قد غلب عليهم دين النصارى، ولهم قلاع حصينة وبلاد متسعة.
وهم في زماننا هذا مصالحون للتتر وبيت الملك عندهم محفوظ متوارث يليه الرجال والنساء من ذلك البيت.
ومنها الجركس وهم على بحر نيطس من شرقيه، وهم من ولد يافث، وقد غلب عليهم دين النصارى.
ومنها الروس وهم في بلاد في بحر نيطس؛ وهم أيضًا من ولد يافث، وقد غلب عليهم دين النصارى.
ومنها البلغار منسوبون إلى المدينة التي يسكنونها، وهي في شمال بحر نيطس.
وكان الغالب عليهم النصرانية، ثم أسلم منهم جماعة.
ومنها الألمان وهي أكثر النصارى يسكنون في غربي القسطنطينية إلى الشمال، وملكهم كثير الجنود، وهو الذي سار إلى صلاح الدين بن أيوب في مائة ألف مقاتل فهلك ملك الألمان المذكور، وغالب عسكره في الطريق قبل أن يصلوا إلى الشام على ما يذكر في أخبار صلاح الدين.
ومنها البرجان وهم أيضًا أمم كثيرة طاغية قد فشا فيها السلب، وبلادهم داخلة في الشمال، وأخبارهم وسيرهم منقطعة عنا لبعدهم وجفاء طباعهم.
стр. 7532
ومنها الفرنج وهم أمم كثيرة وأصل قاعدة بلادهم فرنجة، ويقال فرنسة.
وهي مجاورة لمدينة جزيرة الأندلس من شمالها، ويقال لملكهم الفرنسيس، وهو الذي قصد ديار مصر وأخذ دمياط، ثم أسره المسلمون واستنقدوا دمياط منه، ومنوا عليه بالإطلاق، وذلك بعد موت الصالح أيوب ابن الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب - على ما يذكر - في سنة ثمان وأربعين وستمائة للهجرة إن شاء الله تعالى.
وقد غلب الفرنج على معظم جزيرة الأندلس، ولهم في بحر الروم جزائر مشهورة مثل صقلية، وقبرس، وأقريطش وغيرها.
ومنها الجنوية منسوبون إلى جنوة وهي مدينة عظيمة من غربي القسطنطينية على بحر الروم.
ومنهم البنادقة، وهم أيضًا طائفة مشهورة ومدينتهم تسمى البندقية وهي على خليج يخرج من بحر الروم وتمتد نحو سبعمائة ميل في جهة الشمال والغرب، وهي من أعمال جنوة، وبينها وبين جنوة في البحر مسيرة شهرين؛ لأنهم يخرجون من شعب البحر التي على طرفها البندقية وقدرها سبعمائة ميل إلى بحر الروم شرقًا، ثم يسيرون إليه مغربًا إلى جنوة.
وأما رومية، فهي مدينة عظيمة تقع غربي جنوة والبندقية، وهي مقر خليفتهم، واسمه الباب، وهي شمال الأندلس.
ومنها الجلالقة وهم أشدّ من الفرنج. وهم أمة يغلب عليهم الجهل والجفاء، وشأنهم أنهم لا يغسلون ثيابهم بل يتركونها عليهم حتى تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بغير استئذان، وهم كالبهائم، ولهم بلاد كثيرة في شمالي الأندلس.
ومنهم الباشقرد وهم أمة كثيرة ما بين بلاد الألمان وبلاد فرنجة وغالبهم نصارى وفيهم مسلمون، وهم شرسو الأخلاق.
[أمم الهند]
وأما أمم الهند فهم، فرق كثيرة.
قال الشهرستاني (١): من فرقهم البَاسْنَوية زعموا أنَّ لهم رسولًا ملكًا روحانيًا نزل بصورة البشر فأمرهم بتعظيم النار والتقرب إليها بالطيب والذبائح، ونهاهم عن القتل والذبح لغير النار، وسنَّ لهم أن يتوشَّحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم إلى تحت شمائلهم، وأباح لهم الزنى، وأمرهم بتعظيم البقر والسجود لها، ويتضرعون في التوبة إلى التمسح بها.
стр. 7533
قال (١): ومنهم الباهُوديّة ومن مذهبهم أن لا يعافوا شيئًا؛ لأنّ الأشياء جميعها صُنع الخالق ويتقلدون بعظام الناس، ويمسحون رؤوسهم وأجسادهم بالرماد، ويحرسون الذبائح والنكاح وجمع الأموال.
ومنهم عبدة الشّمس (٢)، ومنهم عبدة القمر (٣)، ومنهم عبدة الأصنام (٤) - وهم معظمهم - ولهم أصنام عدة كل صنم لطائفة، ويكون لذلك الصنم شكل الآخر بأن يكون ذلك الصنم بأيدٍ كثيرة، أو على هيأة مرأة ونحو ذلك.
ومنهم عباد الماء ويقال لهم: الجَلْهِكيّة (٥) ويزعمون أن الماء ملك وهو أصل كل شيء، فإذا أراد الرجل عبادته، تجرد وستر عورته ثم يدخل الماء إلى وسطه فيقيم فيه ساعتين أو أكثر، ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارًا ويلقيها في الماء وهو يسبح ويقرأ، وإذا أراد الانصراف، حرّك الماء بيده ثم أخذ منه فنقط على رأسه ووجهه ثم يسجد وينصرف.
ومنهم عباد النار، ويقال لهم: الأكنواطرية (٦)، وصورة عبادتهم: أن يحفروا في الأرض أخدودًا مربعًا ويؤججوا النار فيه، ثم لا يدعون طعامًا لذيذًا ولا شرابًا لطيفًا إلا طرحوه في تلك النار تقرّبًا إليها، وحرّموا إلقاء النفوس فيها خلافًا لطائفة أخرى.
ومنهم البراهمة أصحاب الفكرة وهم أهل العلم بالفلك والنجوم، ولهم طريقة في أحكام النجوم تخالف طريقة منجمي الروم والعجم، وذلك أن أكثر أحكامهم باتصالات الثوابت دون السيارات؛ وإنما سمّوا أصحاب الفكرة، لأنهم يعظمون أمر الفلك ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول ويجتهدون حتى يصرفوا الفكر عن المحسوسات فإذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلّى له ذلك العالم فربما يخبر عن المغيبات، وربما يوقع الوهم على حي فيقتله؛ وإنما يصرفون الفكر عن المحسوسات الرياضية البليغة المجهدة وبتغميض أعينهم أيامًا.
والبراهمة لا يقولون بالنبوات وينفونها بالكلية، ولهم على ذلك شبهة مذكورة في الملل والنحل (٧).
قال ابن سعيد المغربي - ونقله عن المسعودي -: ان الهنود لا يرون إرسال الريح
стр. 7534
من بطونهم، والسعال عندهم أقبَحُ من الضّراطِ، والجُشا أقبَحُ من الفَسَاءِ.
ومِمّا نقله عن المسعودي: إنَّ الهنودَ يُحرقون أنفسَهم، وإذا أرادَ الرجلُ منهم ذلك، أتى إلى بابِ الملك فاستأذَنهُ في إحراقِ نفسِه فإذا أَذِنَ له، أُلْبِسَ ذلك الرجلُ أنواعَ الحريرِ المنقوش، وجُعِلَ على رأسِه إكليلًا من الريحان، وضُرِبَتِ الطّبولُ والصّنوجُ بين يديْه، وقد أُجِّجَتْ له النيران، ويدورُ كذلك في الأسواق وحوله أهلهُ وأقاربهُ حتى إذا ادنى من النار أخذ خنجرًا بيدِه، وشقَّ به جوفَه ثم يهوي بنفسِه في النار.
قال: والزِنى فيما بينَهم مُباح.
قال: ويعظمون نهرَ كُنْك؛ وهو نهر عظيم يَجري في حدودِ الهندِ من الشرقِ إلى الغرب، وهو حادُّ الانصباب.
وللهنودِ رغبةً في إتلافِ نفوسِهم بالتغريق في هذا النهر، ويقتلون أنفسَهم على شَطِّه أيضًا، ويتهادَو مَاءَه كما يتهادى المسلمون ماء بئر زَمْزَم.
ولهم ممالِكُ فمنها: مملكة المانكير وهي من أعظم ممالك الهند، وهي على بحر اللان الذي عليه السند، ولا يدركُ لهذا البحرِ قَعر، وهو أول بحارِ الهندِ من جهة الغرب. وهذه المملكة أقرب ممالِكِ الهندِ إلى بلادِ الإسلام، وهي التي كان يَكثر محمود بن سبكتكين غزوُها حتى فُتِحَ فيها بلاد [ًا] كثيرة، ومن مُدُنِها العظام مدينة لاهور وهي على جانبي نهر عظيم مثل بغداد.
قال: ويلي مملكة المانكير مملكة القَنُّوج؛ وهي مملكة بلادها الجبال، وهي مُنقطعة عن البحر، وكلُّ من ملكها يُسمّى نُودَه.
ولأهل هذه المملكة أصنام يتوارثون عبادتها ويزعمون أنَّ لها مائتي ألف سنة.
قال: ويجاور هذه المملكة مملكة قمار وهي التي يُنسب إليها العود القماري وهو على البحر. وأهل هذه المملكة يرون تحريم الزنى بين أهل الهند.
قال ابن سعيد - ورواه عن المسعودي -: إنَّ ملكها يسمّى زُهْم. قال: ويُجارِيه من جهة البحر ملك الخزر المسمّى بالمهراج.
قال: وآخر ممالك الهند من جهة المشرق مملكة بنارس وهي تلي بلاد الصين؛ وهي مملكة طويلة وعرضها نحو عشرة أيام. وجزائر بحر الهند في نهاية الكثرة؛ وهي في البحر قِبَالَة هذه الممالك ولها ملوك قد أكثر المصنفون فيها الكلام مما لا يليق بهذا المختصر.
стр. 7535
[أمة السند]
وأما أمة السند وهم من غربي الهند وبلاد الهند قسمان؛ قسم على جانب البحر، ويقال لتلك البلاد اللان، ومن مشاهير مدن هذا القسم؛ المولتان، والمنصورة، والدبيل. والمسلمون غالبون على هذا القسم.
والثاني في البحر إلى جانب الجبل وبلاد كثيرة الوعر، ويقال للبلاد التي في هذا القسم أتقسمين؛ وهي في أيدي الكفار، وأهلها يعبدون الأوثان مثل الهنود، وكل من ملك السند يقال له: رتبيل.
[أمم السودان]
وأما أمم السودان وهم من ولد حام.
قال ابن سعيد: وأديان السودان مختلفة فمنهم مجوس، ومنهم من يعبد الحيات، ومنهم أصحاب أوثان.
قال: وقد روي عن جالينوس أنهم مخصوصون بعشر خصال وهي: تفلفل الشعر، وخفة اللحى، وانتشار المنخرين، وغلظ الشفتين، وتحدد الأسنان، ونتن الجلد، وسواد اللون، وشق اليدين والرجلين، وطول الذكر، وكثرة الطرب، فمن أعظم أممهم:
الحبش: وهي بلاد تقابل الحجاز وبينهما البحر، وهي بلاد طويلة عريضة، وبلادهم في جنوب النوبة وشرقيها، وهم الذين ملكوا اليمن قبل الإسلام، وخصيان الحبشة أفخر الخصيان ويجاور الحبشة من الجنوب الزيلع فالغالب عليهم دين الإسلام.
ومن أمم السودان النوبة، وهم يجاورون الحبشة من جهة الشمال والغرب والنوبة في جنوب حدود مصر، وكثيرًا ما يغزوهم عسكر مصر، ويقال: إنَّ لقمان الحكيم من النوبة، وإنه ولد نائلة، ومنهم ذو النون المصري، وبلال ابن حمامة.
ومن أممهم البجا وهم شديدو السواد عُراة ويعبدون الأوثان، وهم أهل أمن وحسن مرافقة للتجار، وفي بلادهم الذهب وهم فوق الحبشة إلى جهة الجنوب على النيل.
ومن أممهم الدمادم وبلادهم النيل فوق بلاد الزنج؛ والدمادم تتر السودان فإنَّهم خرجوا عليهم كما فعل التتر بالمسلمين، وهم مهملون في أديانهم، ولهم أمثال وأوضاع مختلفة، وفي بلادهم الزرافات، وفي أرض الدمادم يفترق النيل إلى جهة مصر وإلى الزنج.
ومن أممهم الزنج وهم أشد السودان سوادًا ويحاربون راكبين البقر، ويعبدون
стр. 7536
الأوثان، وهم أهل بأس وقساوة، والنيل ينقسم فوق بلادهم عن رجل المقسم.
ومن أممهم التكرور وهم على غربي النيل وبلادهم جنوبية غربية. وببلادهم يتكون الذهب، وهم كفار مهملون، ومنهم مسلمون.
ومن أممهم الكانم وأكثرهم مسلمون، وهم على النيل، وهم على مذهب مالك.
وأما مدينة غانة، فإنها من أعظم مدن السودان، وهي في أقصى جنوب الغرب، ويسافر التجار من سلجماسة إلى غانة، وسلجماسة مدينة بالمغرب الأقصى بعيدة ويسيرون منها إلى غانة في مفازة لا يوجد فيها الماء نحو اثني عشر يومًا، ويحملون إليها الملح والبر والنحاس والودع، ولا يجلبون منها إلا الذهب العين.
[أمم الصين]
وأما أمم الصين، فبلاد الصين طويلة عريضة طولها من المشرق إلى المغرب أكثر من شهرين، وعرضها من بحر الصين في الجنوب إلى سد يأجوج ومأجوج في الشمال، وقد قيل: إنَّ عرضها أكثر من طولها، ويشتمل عرضها على الأقاليم السبعة. أهل الصين أحسن الناس سياسة وأكثرهم عدلًا، وأحذق الناس في الصناعات، وهم قصار القدود، عظام الرؤوس، وهم أهل مذاهب مختلفة فمنهم مجوس، وأهل أوثان، ونيران.
قال: ومدينتهم الكبرى يقال لها: جمدان يشقها نهرها الأعظم، وهم أحذق الناس بالنقش والتصوير بحيث يعمل أحدهم بيده ما يعجز أهل الأرض عنه.
والصين الأقصى يقال له: صين الصين وهو نهاية العمارة من جهة المشرق وليس وراءه غير البحر المحيط، ومدينته العظمى يقال لها: السلى، وأخبارهم منقطعة عنا.
[بنو كنعان]
وأما بنو كنعان وهم أهل الشام.
قال ابن سعيد: وإنما سمي الشام شامًا لسكنى سام بن نوح، وسام اسمه بالعبرانية شام - بشين معجمة -. وقيل: تشامت بنو كنعان فسمي شامًا.
وكنعان هو ابن ماريع بن حام. وكان كنعان من حملة الدين اتفقوا على بناء الصرح فلما بلبل الله تعالى ألسنتهم في أواخر سنة ستمائة وسبعين للطوفان وتفرقوا، نزل كنعان بالشام، ونزل في جهة فلسطين وتوارثها بنوه.
وكان كل من ملك بني كنعان يلقب جالوت إلى أن قتل داود جالوت آخر ملوكهم. وكان اسمه كلناد - كما ذكره البيروني في أواخر كتاب الجواهر .. فتفرقت بنو كنعان وسار منهم طائفة إلى المغرب وهم البربر.
стр. 7537
[البربر]
وأما البربر: فقد اختلف فيهم اختلافًا كثيرًا، فقيل: إنهم من ولد فارق بن بيصر بن حام.
والبربر يزعمون أنهم من ولد قيس عيلان، وصنهاجة من البربر يزعمون أنهم من ولد إفريقس بن صيفي الحميري، وردانة منهم تزعم أنها من لخم.
والأصح أنهم من ولد كنعان، وأنه لما قتل ملكهم جالوت، وتفرقت بنو كنعان، قصدت منهم طائفة بلاد المغرب وسكنوها وهم البربر.
وقبائل البربر كثيرة جدًا فمنهم كتامة، وبلادهم الجبال من المغرب الأوسط.
وكتامة الذين أقاموا دولة الفاطميين مع أبي عبد الله الشيعي، ومنهم صنهاجة، ومنهم ملوك إفريقية بنو تلكين بن زيري.
ومن قبائل البربر زناتة. وكان منهم ملوك فاس وتلمسان وسلجماسة، ولهم الفروسية والشجاعة المشهورة.
ومن البربر المصامدة وسكناهم في جبل درن، وهم الذين قاموا بنصر المهدي بن تومرت، وبهم ملك عبد المؤمن وبنوه بلاد المغرب، واتفق من المصامدة قبيلة هنتاتة.
وملك منهم إفريقية والمغرب الأوسط أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ثم خطب لولده أبي عبد الله بن يحيى بالخلافة، واستمر الحال على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة على ما سيذكر.
ومن قبائل البربر برغواطة ومنازلهم في تامستا وجهات سلى على البحر المحيط.
والبربر مثل العرب في سكنى الصحارى، ولهم لسان غير العربي.
قال ابن سعيد المغربي: ولغاتهم ترجع إلى أصول واحدة وتختلف فروعها حتى لا يفهم بعضهم من بعض إلا بترجمان.
[أمة عاد]
وأما أمة عاد، فهم من ولد عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وكانت عاد في نهاية من عظم الأجساد والتجبر.
ونزل عاد لما تبلبلت الألسن في حضرموت، وأرسل الله تعالى إلى بني عاد هود نبيًا - حسبما تقدم - فلم يستجيبوا له. وكانوا أهل قوة وبطش. وكان لهم في الأرض آثار عظيمة حتى قال لهم هود: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ (١).
стр. 7538
وبلاد عاد يقال لها: الأحقاف؛ وهي بلاد متصلة باليمن وبلاد عمان، وصار الملك في بني عاد، وأوّل من ملك منهم: شداد بن عاد، ثم ملك بعده من بنيه جماعة.
وقد كثر الاختلاف في ذكرهم، وجميع ما ذكر من ذلك مضطرب غير قريب للصحة فأضربنا عنه.
[العمالقة]
وأما العمالقة، فهم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام، ولما تبلبلت الألسن نزلت العمالقة بصنعاء اليمن ثم تحولوا إلى الحرم، وأهلكوا من قاتلهم من الأمم.
وكان من العمالقة جماعة من الشام، وهم الذين قاتلهم موسى ﵇ ثم يوشع بعده فأفناهم. وكانت منهم فراعنة مصر. وكان منهم ملك يثرب وخيبر.
. قال صاحب الأغاني (١): وكان سبب سكنى اليهود خيبر وغيرها من الحجاز أنَّ موسى ﵇ أرسل جيشًا إلى قتال العمالقة أصحاب خيبر ويثرب وغيرهما من الحجاز وأمرهم موسى أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدًا فسار ذلك الجيش وأوقع بالعمالقة، واستبقى منهم ابن ملكهم ورجعوا به إلى الشام، وقد مات موسى، فقالت لهم بنو إسرائيل، قد عصيتم وخالفتم فلا نؤيكم، فقالوا: نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها وقتلنا أهلها فرجعوا إلى يثرب وخيبر وغيرهما من الحجاز واستمرت اليهود بتلك البلاد حتى تنزلت عليهم الأوس والخزرج لما تفرقوا من اليمن بسب سيل العرم.
وقيل: إنّ اليهود إنّما سكنوا الحجاز لما تفرقوا حين غزاهم بخت نصر وخرب بيت المقدس. والله أعلم.
[أمم العرب]
وأما أمم العرب وأحوالهم، فقال الشهرستاني في الملل والنحل (٢): والعرب الجاهلية أصناف؛ فصنف أنكروا الخالق والبعث، وقالوا بالطبع المحيي والذهن المغني كما أخبر عنهم التنزيل، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٣).
وصنف اعترفوا بالخالق وأنكروا البعث وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ (٤).
стр. 7539
وصنف عبدوا الأصنام، وكانت أصنامهم مختصة بالقبائل؛ فكان ودّ لكلب وهو بدومة الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث لمذحج ولقبائل من اليمن، ونسر لذي الكلاع بأرض حمير، ويعوق لهمدان، واللات الثقيف بالطائف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة للأوس والخرزج، وهبل أعظم أصنامهم وكان على ظهر الكعبة. وكان أساف ونائلة على الصفا والمروة.
وكان منهم من يميل إلى اليهودية، ومنهم من يميل إلى النصرانية، ومنهم من يميل إلى الصابئة، ويعتقدون في أنواء المنازل اعتقاد المنجمين في السيارات حتى لا يتحرك إلا بنوء من الأنواء، ويقول: مطرنا بنوء كذا.
وكان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الجن، وكانت علومهم الأنساب والأنواء والتواريخ وتعبير الرؤيا، وكانت الجاهلية تعمل أشياء جاء الإسلام بتقريرها منها عدم حل نكاح البنات والأمهات فكان أقبح ما يصنعونه الجمع بين الأختين. وكانوا يعيبون المتزوج بزوجة أبيه، ويسمونه الضيرون، وكانوا يحجون البيت، ويحرمون ويعتمرون ويطوفون ويسعون ويقفون المواقف كلها، ويرمون الجمار، وكانوا يكبسون في كل ثلاثة أعوام شهرًا، ويغتسلون من الجنابة ويداومون على المضمضمة والاستنشاق وفرك الرأس والسواك والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الأبط، وحلق العانة والختان. وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى، وسيأتي ذكر أحسابهم وقبائلهم إن شاء الله تعالى.
* * *
[فرق المسلمين]
وأما الكلام على فرق المسلمين وهي ملة الحق وأمة الهدى؛ وهي الناسخة للملل، واللازم حكم دعوتها للأمم، فاعلم أنّها تعمّ كل من شهد ألا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وبرئ مما سوى ذلك من الأديان المخالفة، والملل المباينة لثبوت نبوة سيدنا محمد ﷺ وأنه لا نبي بعده، فأما ثبوت نبوته، فلما أتى به من المعجزات وهي الأمور الخارقة للعادة المقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة.
وأما كونه لا نبي بعده، فأخباره بذلك بعد أن ثبتت نبوته، ولا يكون النبي إلا صادقًا، فثبت أن لا نبي بعده.
وأما معجزاته الخارقة وبراهينه الساطعة التي نقلها الكواف عنه، فهي بحر لا يدرك آخره، ولا تنفد جواهره.
قال ابن بطال في شرح البخاري: اجتمع لي من معجزات رسول الله ﷺ ما يلغ
стр. 7540
ألف معجزة وسيأتي في ذلك ما فيه غنى وغناء إن شاء الله تعالى؛ فلنذكر الآن قطرة من هذا البحر، فمنها القرآن الذي أنزله الله عليه وتحدى به جميع الخلائق أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك وعلم أنهم لم يعارضوه. ولا أتوا به بسورة من مثله من حيث بعث وإلى اليوم الأمر على ذلك. وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله مجتهدين بكل طريق يمكن، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة في مدة عشرين سنة، وهي تبطل دعوته فإن أتوا بمثله ولا يأتون علم أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها فإنه مع وجود هذا الداعي التام إذا كانت القدرة حاصلة وجب وجود المقدور؛ فهذا يوجب علمًا يقينًا لكل أحدٍ يعجز جميع أهل الأرض على أن يأتوا بمثله.
وإعجازه من وجوه متعددة وليس من وجهة واحدة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم فإنَّ نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الرسائل والخطابة، ولا نظمه يشبه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ومن عارضه فما يأتي إلا بما يضحك منه؛ ومن جهة معانيه التي أقر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الغيوب؛ ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية.
ومن أضعف الأقوال قول من يقول: إنَّه معجز بالصدفة؛ وللرد على هذا القول مكان ليس هذا مقامه.
ومنها المعجزات المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير وحراسة السماء بالشهب الحراسة الثانية لما بعث، ولمعراجه إلى السماء؛ وهي أنواع:
الأول: ما هو في العالم العلوي كانشقاق القمر - كما ذكره الله تعالى - وصعوده إلى السماء ليلة المعراج، وهذا ما تواترت به الأحاديث، وصدق به القرآن.
الثاني: آيات الجو كاستسقائه ﷺ واستصحابه وطاعة السحاب له ونزول المطر، وانتصاره بالصبا وغير ذلك.
الثالث: آيته في الحيوان من الإنس والجن والوحوش والأنعام. من ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن يعلى بن مرّة. قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله ﷺ : بينما نحن نسير معه إذ مررنا ببعير؛ فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه بالأرض فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحب هذا البعير؟ الحديث. قال: ثم سرنا من منزلنا منزلًا، فقال النبي ﷺ انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل لهما: إنَّ رسول الله ﷺ يقول لكما: أن تجتمعا. فانطلقت فقلتُ لهما ذلك فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها فالتقتا جميعًا فقضى رسول الله ﷺ حاجته من ورائهما، ثم لما فرغ، عادت كل واحدة منهما مكانها.
وأتته امرأة بصبي لها به لمم، فقالت: يا رسول الله إنَّ ابني به لمم منذ سبع سنين
стр. 7541
يأخذه كلَّ يوم مرتين، فتفل النبيُّ ﷺ في فيه، وقال: أخرج عدوَّ الله أنا رسول الله، فبرئ.
وروى الدارمي عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ مسح صدره ودعا فتع تعة خرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفي (١).
وعنه (٢) قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيضة حمرة، فجاءت الحمرة ترف على رأس رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: ردَّها رحمة لها.
وروى الحاكم في صحيحه عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: «ركبنا البحر في سفينة فانكسرت السفينة فركبت لوحًا من ألواحها فطرحني في أجمة فيها أسد فلم يرعني إلا به، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله ﷺ فطأطأ رأسه وغمز بمنكبيه شقي فما زال يغمزني ويهديني الطريق حتى وضعني على الطريق؛ فلما وضعني على الطريق، همهم فظننت أنه يودعني.
وفي الصحيحين (٣) عن أنس بن مالك. قال: كان بالمدينة فزع فاستعار رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة، وكان يقطف فلما رجع قال: «وجدنا فرسكم» فكان بعد ذلك لا يجارى.
وعن عبد الله بن جعفر (٤)، قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم، وحدثني حديثًا لا أحب أن أحدثه لأحد من الناس. قال: كان أحب ما استتر به هدف أو حابس نخل فدخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل؛ فلما رأى النبي ﷺ حنَّ وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح رأسه فسكن. قال: لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يارسول الله، فقال له: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فانه شكا إلي إنك تجيعه روى مسلم بعضه وبقيته على شرطه، ورواه أبو داود، والآيات في هذا النوع كثيرة.
«الرابع» آثاره في الأشجار والخشب ففي الصحيحين عن جابر. قال: كان المسجد مسقوفًا على جذوع النخل فكان رسول الله ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها؛
стр. 7542
فلما صنع المنبر فكان عليه، سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت الشعار حتى جاء إليه فوضع عليه يده فسكت. وفي رواية فصاح الجذع صياح الصبي.
وروى الترمذي (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: السلام عليك يارسول الله.
«الخامس» في الماء والطعام والثمار الذي يكثر ببركته، وهذا باب وسيع نذكر منه ما تيسر في الصحيحين عن أنس: أنَّ النبي ﷺ دعا بماء فأتى بقدح زجاج فجعل القوم يتوضأون فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين.
وفي رواية: دعا بقدح وأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه.
وفي صحيح البخاري عن جابر قال: عطش ونحن بالحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه قال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا مانتوضأ به ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده الكريمة في الركوة فجعل الماء يثور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كُنَّا مائة ألف لكفانا، كُنَّا خمس عشرة مائة.
وفي صحيح مسلم عن سلمة. قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا - يعني من الثمر - فبسط نطعًا فنثرنا عليه أزوادنا، قال: فتميطت وتطاولت فحزرته كربيضة شاة، ونحن أربع عشر مائة، قال: فأكلنا، ثم تطاولت فنظرته فحزرته كريضة شاة.
وفي صحيح البخاري عن جابر: أنَّ أباه استشهد وترك دينًا، وترك ست بنات؛ فلما حضر جذاذ النخل، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: قد علمت أن والدي قد استشهد يوم … وترك دينًا كثيرًا، وإني أحبّ أن يراك الغرماء. قال: اذهب فاجعل كل تمر ناحية، ففعلت ثم دعوته؛ فلما نظروا إليه كأنما أغمروا بي تلك الساعة؛ فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: إدع لي أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى والله عن والدي أمانته وأنا أرضى أن يؤدي الله عن والدي ولا أرجع إلى إخواتي بتمرة واحدة فسلم الله البيادر كلها حتى إني لأنظر إلى البيدر الذي كان ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة.
стр. 7543
«السادس» تأثيره في الأحجار وتصرفه فيها وتسخيرها له؛ ففي صحيح البخاري عن أنس. قال: صعد النبي ﷺ أحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل، فقال: اسكن وضربه برجله، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان.
وفي الصحيحين عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ انه قال: إني لأعرف حجرًا كان يسلم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن.
«السابع» تأييد الله له بالملائكة. قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ (٢).
وقد تواتر في الحديث ما رواه الصحابة من قتال الملائكة للمشركين، وما كانت سيماهم ولغتهم في قولهم أقدم خيزوم - مما يطول ذكره - وسيأتي إن شاء الله تعالى عند الإنتهاء في عمود النسب إليه ﷺ ما فيه مستمتع، وإن كان لا يقنع مقنع في ذكر خصائص شرفه، وكمال مواهبه، وإنما نقف للعجز لا لبلوغ الغاية، وندع البحر الروي وإن لم ينقغ أدنى الري، وهيهات هيهات الإحاطة وإنما يكفى من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن تيقن الفجر مالاح على الأفق.
* * *
فصل
افترقت الأمة بعد نبيها ﷺ على فرق كثيرة كما أخبر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٣).
وقال رسول الله ﷺ : «وإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا» (٤).
وفي الصحيحين: إنَّ النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه» (٥).
إذا تقرر هذا، فقد اختلف العلماء في هذا الاختلاف؛ هل هو محصور، أم لا؟ على أقوال:
стр. 7544
الأول: انه لا يمكن إذ فرق الأهواء أكثر من أن تحصر أو يحاط بها؛ وهو قول جماعة من المتكلمين، وضعفوا الحديث الوارد في الحصر، وقد ضعفه ابن حزم.
الثاني: إن أصول الأهواء محصورة دون فروعهم، وهذا مقتضى كلام ابن حزم.
قال الإمام أبو محمد (١): فرق المقرين بملة الإسلام خمسة؛ وهي أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق.
الثالث: إنَّها محصورة في ثلاث وسبعين كما أخبر رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي (٢) وأبو داود (٣) والحاكم في صحيحه (٤) عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (٥): «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
وروى أبو داود (٦) عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام، فقال: ألا إنَّ رسول الله ﷺ قام فينا فقال: ألا إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة سيفترقون على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة لكن لم يتكامل وجودها إلى الآن.
قال أبو المظفر طاهر بن محمد الاسفراييني: قال بعض أهل التحقيق: لم يتكامل وجود هذه الفرق من أهل البدع، وإنما وُجد بعضهم، وستوجد بقيتهم قبل يوم القيامة، فإنَّ ما أخبر به الرسول كائن لا محالة.
«الرابع» إنها محصورة لكن لا تبلغ كثيرًا من العدد بما يزيد به على المائة، وأكثر من ذلك، وهذا قول الأشعري وغيره ممن ألف في ذلك، وقد ذكره الأشعري في المقالات، والشهرستاني في الملل والنحل.
«الخامس» قال الشهرستاني (٧): وأهل الأهواء ليس تنضبط مقالاتهم في عددٍ معلوم وأهل الديانات قد انحصرت مذاهبهم بحكم الخبر الوارد.
«السادس» إنَّ الثلاث وسبعين فرقة بأجمعها في الرافضة دون غيرهم منهم واحدة على الحق واثنتان وسبعون في النار وهذا قد ادعاه بعض الشيعة، وهذا القول أحسن الأقوال.
стр. 7545
السابع إنها موجودة الآن وقد تكلم جماعة من العلماء كأبي المظفر الأسفرايني وغيره.
وقال أبو طالب (١) في كتابه قوت القلوب (٢): أصول فرق الأهواء أربعة: القدرية والجهمية، والروافض، والخوارج. وتفرقت كل فرقة من هؤلاء ثماني عشرة فرقة.
وقال يوسف بن أسباط: أصول البدع أربعة كل فرقة ثمانية عشر فلذلك اثنتان وسبعون فرقة.
وقال جعفر بن حميد قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت؟ قال: الأصل أربع فرق: الشيعة والحرورية والقدرية، والمرجئة؛ فالشيعة ثلاث وعشرون، والحرورية إحدى وعشرون، والقدرية ست عشرة، والمرجئة ثلاث عشرة.
واختار ابن حامد الحنبلي أيضًا وجودها الآن. ولكن الذين جمعوا في ذلك بينهم خلاف في تعدادها والوقوف على أعيانها المطابقة لمراد الحديث عشر، وها أنا أذكر من ذلك بتيسير الله تعالى وبه الحول والقوة:
* * *
الفرقة الأولى: المرجئة (٣)
والكلام هنا من وجوه:
أحدها: في مواجب التسمية بهذا الاسم. قال الخلال في كتاب السنة: سُئل
إسحاق بن راهوية لم سميت المرجئة مُرجئة؟ فقال: لأنّهم لا يرجئون الذنوب إلى الله، ويقولون: المؤمن مغفور له وهو في الجنة، وغيرهم يردُّون الذنوب إلى الله، فقيل الإسحاق: فلم قيل لهم مرجئة وهم لا يرجئون الذنوب؟ فقال: قال النضر بن شميل: إنما سموا بهذا الاسم؛ لأنهم يقولون بخلافه بمنزلة المحكمة، وهم يقولون: لا حكم إلا الله، وبمنزلة القدرية وهم يقولون بخلاف القدر، ولو أنَّ رجلًا تبلد أرضًا لسمي أرضيًا.
وقال الخطابي: إنما سموا مرجئة؛ لأنهم قالوا: نحن مؤمنون حقًا، ولم يرجعوا الأمر في ذلك إلى الله تعالى.
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١): إن قال لنا قائل: من المرجئة وما صفتهم؟ قيل: هم موصوفون بإرجاء أمر مختلف فيما ذلك الأمر فأما الأمر الذي سميت به المرجئة مرجئة؛ فحدثني عبد الله بن عمر، قال: سمعت إبراهيم بن موسى، يقول: سُئل ابن عيينة عن الإرجاء، فقال: الإرجاء على وجهين قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك، وأما المرجئة اليوم، فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا
стр. 7550
عمل؛ فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تصلُّوا معهم.
وروي عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل.
قال ابن جرير: أو من أخر العمل والطاعة عن الإيمان مرجئهما عنه فهو مرجيء.
غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانة في دهرنا هذا إنَّ هذا إنما يستعمل فيمن كان قوله: إنَّ الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان مذهبه إنَّ الشرائع ليست من الإيمان، وإنَّ الإيمان إنما هو التصديق بالقول دون العمل للصدق بوجوهه.
الثاني فيمن ابتدع أول هذا القول: قال اللالكائي في كتاب الشبه له. قال أيوب السجستاني: أنا أكبر من المرجئة أول من تكلم في الإرجاء رجل يقال له: الحسن بن محمد، وقال زادان: أتينا الحسن بن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ وكان هو الذي أخرج المرجئة. قال: كتابًا يا أبا عمر لوددت إني كنت متُّ قبل أن أخرج هذا الكتاب أو أضع هذا الكتاب.
«الثالث» في نبذة مما ورد في ذمهم عن ابن عمر. قال قال رسول الله ﷺ (١): «صنفان من أمتي ليس لهم نصيب في الإسلام: القدرية والمرجئة». رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن جرير.
وروى اللالكائي عن ابن عباس، أنه قال: اتقوا الإرجاء فإنَّه شعبة من النصرانية.
وقال معاذ بن جبل: لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيًا آخرهم محمد ﷺ .
وقال إبراهيم النخعي: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري.
وقال سعيد بن جبير: هم يهود القبلة.
وقال علي بن الحسين: ما ليل بليل ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود.
وحكى بعض السلف، قال: اختصم قدري وحروري ومرجيء، فقال: كل واحد منهم ديني أصوب من دينكما. قال: فتراضوا إلى أول من يستقبلوا، فاستقبلهم أعرابي على بعير له، فقالوا له: إنا قد اختلفنا وقد تراضينا بأول من نلقاه فكنت أنت. قال: فاناخ بعيره ثم أخذ كساء كان تحته وطواه ثم جلس عليه، فقال: اجلسوا بين يدي، ثم
стр. 7551
قال للحروري: ما تقول؟ قال: أزعم أن كل من عصى الله فقد كفر واستحل دمه، فقال: أنت رجل سوء يحضر على العباد ما وسع الله عليهم من التوبة.
ثم قال للقدري: ما تقول؟ قال: أزعم أنما عمل العباد من خير، فمن الله، وما عملوا من شر، فليس الله فيه مشيئة.
فقال: أنت أكفر من هذا، أتزعم أن تريد شيئًا لا يعمله العباد، ويعمل شيئًا لا يريده الله. تنح.
وقال للمرجيء ما تقول؟ قال: أزعم أنَّ من قال: لا إله إلا الله فهو مؤمن لا يضره شيء، قال الاعرابي: ما في الثلاثة أكفر منك حين شهدت لهذين أنهما مؤمنان.
«الرابع» في الكلام على فرقهم في الإيمان إذ يتم الكلام فيه:
الفرقة الأولى:
قال الأشعري: تزعم أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله ورسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وإنما سمى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة فليس بإيمان. وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا يحكى عن جهم بن صفوان.
الفرقة الثانية:
يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر به هو الجهل فقط، وأنَّ قول القائل: إنَّ الله ثالث ليس بكفر، ولكن لا يظهر إلا من كافر. وزعموا أن الصلاة ليست بعبادة الله، وإنه لاعبادة إلا الايمان به، وبهذا قال/ ٦٥/ أبو الحسن [صالح بن عمرو] الصالحي.
الفرقة الثالثة:
يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة به والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة الله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال، فهو مؤمن. وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله غير أنه كفر باستكباره، وهذا قول قوم من أصحاب يونس النميري.
الفرقة الرابعة:
وهم أصحاب أبي شمس ويونس: يزعمون أنَّ الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم يقم عليه حجة الأنبياء فإن
стр. 7552
كانت قامت عليه حجة الأنبياء والإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان، ولا يسمون كل خصلة إيمانًا فإذا اجتمعت باجمعها، سموها إيمانًا.
الفرقة الخامسة:
أصحاب أبي ثوبان يزعمون: أنَّ الإيمان هو الاقرار بالله ورسوله ما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله، وما كان جائزًا في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان.
الفرقة السادسة:
يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله وفرائضه المجمع عليها والخضوع له بجميع ذلك كالاقرار باللسان. ومن جهل شيئًا من ذلك فقامت عليه الحجة أو عرفه ولم يقم، به كفر ولم يسم خصلة من ذلك إيمانا.
الفرقة السابعة:
الغيلانية أصحاب غيلان: يزعمون أنَّ الإيمان المعرفة بالله والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول ﷺ وبما جاء من عند الله.
الفرقة الثامنة:
أصحاب محمد بن شبيب: يزعمون أنَّ الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله ورسله وبجميع ماجاءت به من عند الله بما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن رسولهم مما لا اختلاف فيه بينهم ولا منازع، وأنَّ كل خصلة يكون إيمانًا، وأنه يتبعض.
الفرقة التاسعة:
يزعمون أنَّ الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفصيل كمن قال: إنَّ الله حرم لحم الخنزير غير أنه لايدري لعل الخنزير الذي حرمه ليس هو بهذه العين انه مؤمن.
الفرقة العاشرة:
أصحاب أبي معاذ التومني يزعمون أنَّ الإيمان ترك ماعظم من الكفر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافرًا؛ فتلك الخصلة التي يكفر بتركها، ويترك خصلة منها إيمان، ولا يقال للخصلة منها: إيمان.
الفرقة الحادية عشرة:
أصحاب بشر المريسي: يقولون: إنَّ الإيمان التصديق، لأنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان.
стр. 7553
ويزعم أنَّ التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإليه كان يذهب ابن الراوندي وبعض علماء الكوفة.
الفرقة الثانية عشرة:
أصحاب محمد بن كرام يقولون: إنَّ الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وانكروا أن تكون معرفة القلب أو شي غير التصديق باللسان، وأن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كانوا مؤمنين على الحقيقة.
نقل هذه المقالات بأجمعها أبو الحسن الأشعري.
الفرقة الثالثة عشرة:
قال إمام الحرمين في شامله: من المرجئة طائفة صارت إلى أن المؤمن لا يُعاقب على زلة في العقبى، ولكن يعاقبه الله في الدنيا بالأسقام والهموم والغموم والنقص من الأموال والأنفس، ولا تخترمهم المنية إلا وهم ممحصون.
وحكى غيره من العلماء هذا القول عن طائفة منهم تسمى الخالدية.
الخامس: في الكلام على حججهم والجواب عنها
وليعلم أنا لو استقصينا مقالة كل فرقة من هذا الفرق على حدة، ومما احتجت به على قولها والرد عليها وإبطال ما شغبت لطال ذلك واحتمل أسفارًا، لكن نذكر أصول أقوالهم في ذلك وما احتجوا به، ونجيب عنه بما فيه مغنّى مع الاختصار، بحول الله وقوته، فنقول: حاصل أقوالهم يرجع إلى أربع مقامات:
[المقام] الأول:
إنَّ الإيمان المطلوب هو التصديق بالقلب حسب، وهذا القول قد قال به جماعة من العلماء كالأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والرازي وغيرهم، وذكروا النزاع في ذلك مع السلف واحتجوا على ذلك بحجج منها ما احتج به القاضي أبو بكر الباقلاني. قال: أجمع أهل اللغة قاطبة على أنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) أي بمصدق؛ ومنه فلان يؤمن بالشفاعة أي يصدق بها، فوجب أنَّ الإيمان بالشريعة هو الإيمان في اللغة؛ لأنَّ الله ماغير اللسان وما قلبه، ولو فعل ذلك، لتواترت الأخبار بنقله، فدل على أنَّ الإيمان في الشريعة هو الإيمان اللغوي.
وقال الرازي: لا نزاع في أنَّ أصل الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بالرسول
стр. 7554
في كل ما علم مجيء الرسول به ضرورةً، وهذه عمدة حججهم.
وللسلف ومن وافقهم من أهل الكلام كأبي عبد الله بن طاهر شيخ القاضي أبي بكر وأبي العباس القلانسي وأبي علي الثقفي في قولهم: إنَّ الإيمان تصديق باللسان وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، فلهم عن هذه الحجة في قصر الإيمان على ماذكروه وجوه من الأجوبة:
أحدها: مع الاجماع.
قال أبو محمد بن حزم (١): وأما قولهم: إنَّ الإيمان - في اللغة التي نزل بها القرآن - هو التصديق، فليس كما قالوا على الإطلاق، وما سمي التصديق قط بالقلب دون التصديق باللسان إيمانًا في لغة العرب، وما قال قط عربي: إنَّ من صدق بشيء بقلبه وأعلن التكذيب به بلسانه إنه يسمى مصدقًا به أصلًا، ولا مؤمنا البتة؛ وكذلك ماسمي قط التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيمانًا في لغة العرب أصلًا على الإطلاق، ولا يسمى تصديقًا في لغة العرب ولا إيمانًا مطلقًا إلا من صدق بالشيء بقلبه ولسانه معًا.
مقابلة هذا الإجماع بعكسه. قال أبو إسحاق الاسفراييني من كتاب الأسماء والصفات: اتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة وعقائدًا مختلفة وإن اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه.
الثالث: انه يبعد أن يكون المراد بالإيمان في اللغة التصديق وذلك أن يقال للمخبر: صدقته وصدقه، ولا يقال: آمنته، ولا آمنه، بل يقال: آمن له كما قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (٣).
الرابع: ان كل مخبر غير مشاهد أو غيب يقال له: صدقت، كما يقال له: كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق. وأما لفظ الإيمان، فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب.
قال أبو العباس بن تيمية: لم يوجد في الكلام أنَّ من أخبر عن مشاهد كقوله: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمنا له كما يقال صدقناه.
الخامس: ان لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة؛ أنَّ كلّ مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ
стр. 7555
الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب فلو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك لنوع هذا أو لموالاة أو غير ذلك كما كان كثير من الكفار فإنَّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولا يتبعونه حسدًا من عند أنفسهم كما أخبر الله تعالى عنهم فلا يقال في هؤلاء: إنهم يؤمنون فإذا كان الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخلفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة.
- السادس: إنَّه لو سلم أنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق فمعلوم أنَّ الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشي مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول فيكون حينئذ الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة معلوم أنَّ الخاص تنضم إليه قيود لا توجد في جميع العالم كالحيوان إذا وجد بعض أنواعه وهو الإنسان، كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به، وذلك المجموع ليس هو المعنى العام.
- السابع: إنَّ التصديق أعم من أن يكون بالقلب أو بالعمل فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».
وقال ابن جرير في تهذيب الآثار (١): وإذا وعد الرجل وعدًا، وقال قولًا، ثم أنجز وعده وحقق بالفعل قوله، قيل: صدق فلان قوله بفعله ولا يدفع ذلك ذو معرفة بكلام العرب، وفي ذلك الدلالة على صحة القول بأنَّ الإيمان التصديق فإذا كان الإيمان في كلامها التصديق والتصديق يكون بالقلب واللسان وبفعل الجوارح فتصديق القلب العزم والإذعان وتصديق اللسان الإقرار وتصديق الجوارح السعي والعمل.
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: أنَّ عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل فأجابه عنها: سألت عن الإيمان فالإيمان هو التصديق أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل من كتاب وما أرسل من رسول وباليوم الآخر، وسألت عن التصديق والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن.
المقام الثاني: من قولهم: إنَّ الايمان لا يزيد ولا ينقص، وإنه مساوٍ وقد وافقهم على هذا الأشعري، وأبو بكر الباقلاني وغيرهما كالرازي، وابن حزم، واحتجوا على ذلك بأنه لما كان اسمًا لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به صار هذا مما لا يقبل الزيادة والنقصان والتصديق لا يتفاوت الناس فيه، وجنح إلى هذه الحجة أبو محمد بن حزم. قال: والتصديق بالشيء أي شيء كان لا يمكن البته أن تكون فيه زيادة ولا نقص،
стр. 7556
وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوة لا يمكن البتة أن يكون فيها زيادة ولا نقص؛ لأنه لا يخلو كل معتقد بقلبه أو مقر بلسانه بأي شيء أقر وأي شيء أعتقد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها؛ أما أن يصدق بما اعتقد وأقر، وإما أن يكذب بما اعتقد، فمن المحال أن يكون الإنسان مكذبًا بما يصدق به، ومن المحال أن يشك أحد فيما يصدق به فلم يبق إلا أنه يصدق بما اعتقد بلا شك ولا يجوز أن يكون تصديق واحد أكثر من تصديق آخر؛ لأنَّ التصديق إذا دخلته داخلة فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه قد خرج عن التصديق ولا بد وحصل في الشك؛ لأن معنى التصديق إنما هو أن يقطع ويوقن بصحة وجود ما صدق به ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصفة فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته، فقد شك فيه فليس مصدقًا به، وإذا لم يكن مصدقا به، فليس مؤمنًا به.
وللسلف القائلين بزيادته ونقصانه عن هذا أجوبة:
أحدها: إنه معارض لظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣).
الثاني: معارضته للسنة، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان».
وقال رسول الله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (٤): «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
وفي صحيح مسلم (٥): «من جاهدهم [بيده]، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
стр. 7557
الثالث: معارضته لأقوال الصحابة ﵃ والرواية عنهم بذلك أكثر من أن تحصر.
قال أبو الدرداء: «الإيمان يزيد وينقص».
وقال عمر: «هلموا نزداد إيمانًا».
وقد زعم غير واحد أن هذا إجماع السلف من الصحابة والتابعين كاسحاق بن راهوية، وغيره؛ وكذلك ذكر أبو عبيد في رسالته من كان يقول بذلك وعند جماعة من طبقات الصحابة والتابعين وتابعهم إلى زمنه من غير خلاف.
وقال ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي: سمعت حرملة يقول: اجتمع حفص الفرد ومصلان الأباضي عند الشافعي فتكلَّما في مسلَّة الإيمان في الزيادة والنقص فخالف حفص الفرد في ذلك، فحمى الشافعي وتقلد المسألة على أنَّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفص وقطعه.
وأجاب ابن حزم عما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة من زيادة الإيمان ونقصه بأنه محمول على الأعمال والأعمال الصالحة عنده من الإيمان فالزيادة والنقص راجع إليها لا إلى التصديق، وأما من يقول: إنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان، فالجواب عليهم عما ذكرنا عسير.
وقال الرازي: والبحث لغوي فلكل واحد من الفرق نصوص والتوفيق أن يقال: الأعمال من ثمرات التصديق فكلما دل على أنَّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، كان مصروفًا إلى أصل الإيمان، وما دل على كونه قابلًا لهما، فهو مصروف إلى الإيمان الكامل.
الرابع: أن يقال لهم ولابن حزم: قولكم إنَّ التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ممنوع فان التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب إذ في تفاوت العمليات قولان مشهوران؛ وقول ابن حزم: إنه لا تفاضل بالقطعيات منعه غير واحد كالطوسي وغيره، وفي تفاوت المعرفة روايتان عن أحمد، والفرق بين العلم الضروري وبين العلم الواقع بالبصر لا بجهل تفاوته واحد.
الخامس: إنه يلزم منه ما هو مكابرة للعقل؛ وذلك أن يكون إيمان أفاضل البشر كالرسل والأنبياء والملائكة كإيمان من يكون متلبسًا بالمعاصي من آحاد البشر، وإنما إيمانهما بالله متساويين.
وقد تمحل أبو المعالي جوابًا عن هذه القاصمة بأن قال: الذي يفضل به إيمانه عن إيمان من عداه هو استمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك. واختلاج
стр. 7558
الريب والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى وهو متوالي النبي ﷺ ثابت لغيره في بعض الأوقات وزائل عنه في أوقات الفترات، فثبت للنبي ﷺ أعداد من التصديق لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه كذلك أكثر وافضل.
قال: ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان وأريد به ذلك كان مستقيمًا. وضعف هذا الجواب لا يخفى على ذي بصيرة إذ يقتضي أن يكون حين ثبوت الإيمان لغير النبي ﷺ يكون مساويًا لإيمانه حين ذلك. معاذ الله منه.
المقام الثالث:
قولهم: إنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان بل هي ثمرته، وهذا قول الأشعري والقاضي أبي بكر والرازي وإمام الحرمين وغيرهم؛ واحتجوا على ذلك بحجج منها، قال الرازي: وهذه الطاعات لو كانت جزءًا من مسمى الإيمان شرعًا؛ لكان اقتران الإيمان بالطاعة تكريرًا وبالمعصية نقصًا لكنه باطل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ (٢).
وأجاب السلف عن هذه الحجة بأجوبة احدها: أن يقال: أصل الإيمان هو ما في القلب والأعمال الظاهرة؛ لأنَّ به لذلك لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب في عدم جميع أعمال الجوارح فمتى نقصت الأعمال الواجبة الطاهرة؛ كان لنقص الإيمان الذي في القلب فصار الإيمان متناولًا للازم والملزوم، وإن كان أضله مافي القلب وحيث عطف عليه الأعمال فإنه أريد به أن لا يكتفي بإيمان القلب بل لابد من العلماء ثم إنَّ من العلماء من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أولًا ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصًا له لئلا يظن أنه لم يدخل وهذا في كل ما عطف فيه خاص على عام.
الثاني: إنَّ القرآن ورد بسلب الإيمان عمن لم يعمل كقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٥).
الثالث: ما ورد في السنة من دخول الأعمال الصالحة في الإيمان، ففي
стр. 7559
الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
وفي الصحيح؛ أنَّ النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدُّوا خمس ما غنمتم».
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمنون من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».
وغير ذلك من الأحاديث مما يطول أين …
وروى ابن حزم عن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ قال: «الإيمان معرفة بالقلب، واقرار باللسان، وتصديق بالعمل».
الرابع: إجماع العلماء:
قال الشافعي في كتاب الأم في باب النية: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزى واحد من الثلاث إلا بالآخر.
وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والحديث على أنَّ الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية.
وقال الزهري: كنا نقول: الإسلام بالاقرار والإيمان بالعمل قريبان لا ينفع أحدهما إلا بالآخر.
وقال وكيع بن الجراح: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل.
وقال أبو القاسم الأنصاري - شيخ الشهرستاني - في شرح الإرشاد لأبي المعالي، بعد أن ذكر قول أصحابه، قال: وذهب أهل الآثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها.
قال الرازي: قال السلف: الإيمان اسم للتصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ثم ذكر العلماء من السلف على طبقاتهم ببلدانهم إلى زمنه.
ثم قال - آخر ذلك -: وهؤلاء جميعًا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا، وكذلك ادعى الاجماع على أنَّ الإيمان قول وعمل أبو ثور.
стр. 7560
المقام الرابع:
قولهم: إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا يفيد مع الشرك طاعة، وهذا القول مما انفرد به المرجئة، ولم يوافقهم عليه أحد؛ وهو فاسد سخيف والدليل على فساده وجوه:
أحدها: قال إمام الحرمين في الشامل: ومما يوضح فساد أصولهم أن يقول: المسلم إذا زنى وسرق وقطع الطريق تقام عليه الحدود إجماعًا، لو كانت زلاته محبطة بإيمانه لما استحق عقابًا. فإن تعسف متعسف وزعم أن الحدود ليست بمعاقبة لمقار في الكبائر، سقطت مناظرته ودحضت حجته، وانتسب إلى خرق الإجماع ورد نصوص الكتاب فإنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ السارق معاقب على سرقته بالقطع ولذلك لغيت عقوبات الأبدان عمن لا تكليف عليه كالصبيان والمجانين؛ وقد قال الله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (١) فاقتضى ذلك كون الحد جزاء وتنكيلًا بالمحدود وهذا لا محيص لهم عنه.
والثاني: قال أيضًا: يقال لهم معشر: المرجئة، هل تسلمون لنا أن قطاع الطريق السعاة في الأرض المتهجمين على قتل الأنفس وانتهاك الحرمات يوبخون ويذمون ويواجهون بالملائمة والتقريع؟ فإن أبوا ذلك: وقالوا: لا ملام عليهم راغموا الاتفاق، وخرقوا الإجماع والإطباق، وإن سلموا كونهم ملومين مذمومين فاللائمة ضرب من العقاب، ولذلك لا يُلام مقدم على مباح فأنى يستقيم مع ذلك سقوط العقاب على الزلات ولا مخلص لهم عن ذلك.
الثالث: معارضة هذا القول لظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥).
الرابع: معارضته السنة، ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفيه عن النبي: «من قتل نفسه بحديدة عذب بها يوم [القيامة]».
стр. 7561
وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من شرب الخمر في الدنيا، ولم يتب منها، كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار أو صديدهم».
الخامس: يسألون فيقال لهم: القرآن عندكم تضمن النهي عن ملابسة أمور غير الكفر أم لا؟ فإن قالوا: لا كابروا وأنكروا القرآن وسقطت مكالمتهم، وإن قالوا: نعم ورد ذلك في القرآن، قيل لهم: لو أسقطنا العقاب رأسًا عن مرتكبي هذه الأمور، لكان إغراء لهم بمانهاهم عنه، إذ في نصب الوعيد ردعًا للمكلفين عن المعاصي.
قال أبو الفداء بن عقيل: ألا ترى إلى مخافة الأنبياء والصحابة مع جلالة رتبتهم كيف بلغ بهم الخوف إلى نحول الأجسام وتغير الألوان والخروج عن الأهل والأوطان، وألا ترى مقالة معشر الأنبياء - عليهم الاسلام - يوم القيامة: سلم سلم؟ قال الله تعالى مدحًا لهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١).
فصل
وأما قول محمد بن كرام: إنّ الإيمان إقرار باللسان حسب، وإن كانوا مؤمنين حقًا فهو معارض لنص القرآن وهو كاف في دفع قوله وإفساده، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فقد نفى الله الإيمان عن المنافقين؛ فمن سماه مؤمنًا، فقد عاند القرآن، وفي هذا مقنع.
* * *
الفرقة الثانية من الأصول الخوارج (٣) والحرورية (٤)
وسماهم أناس المحكمة؛ والكلام عليهم من وجوه:
أحدها: في تسميتهم بذلك.
أما تسميتهم بالخوارج فإنَّهم كانوا يرون الخروج على أمة محمد ﷺ وعلى الخلفاء منهم بذنوب تصدر منهم، ورأوا أنهم بذلك كفار ودارهم دار حرب.
وقال أبو منصور التميمي: إنما سموا الخوارج لخروجهم على علي.
وأما تسميتهم بالحرورية فلنزولهم بحروراء؛ وأما المحكمة فلتلقيهم الحكم كما تقدم.
الوجه الثاني؛ في أول من ابتدع هذا الرأي.
قال أبو المظفر الأسفراييني: أول من ابتدعه عروة بن حدير - أخو مرداس الخارجي -.
وقيل: إن أول من قاله يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: إنه رجل من بني يشكر كان مع علي بصفين؛ فلما اتفق الفريقان على التحكيم ركب وحمل على أصحاب علي فقتل منهم واحدًا، ثم حمل على أصحاب معاوية وقتل منهم واحدًا. ثم نادى في العسكرين أنه بريء من علي ومعاوية، وأنه خرج من حكمهما فقتله رجل من همدان.
ثم إن جماعة ممن كان مع علي على حرب صفين استمعوا منه هذا؛ واستقرت في قلوبهم تلك الشبهة ورجعوا مع علي إلى الكوفة ثم فارقوه وخرجوا إلى حروراء، وكانوا اثني عشر ألف رجل من المقاتلة ومن ههنا سميت الخوارج حرورية.
الوجه الثالث: في نبذة مما ورد في ذمهم.
ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: يخرج في هذه الأمة قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد فمن أدركهم منكم، فليقتلهم فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة.
وقال أحمد بن حنبل: صح من عشرة أوجه عن النبي ﷺ أنه قال: الخوارج كلاب النار.
وروى الطلمنكي عن أبي أمامه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله
стр. 7564
تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (١)، قال: هم الخوارج.
وقال أبو العالية: ما أدري أي النعمتين أعظم؛ نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الشرك إلى الإسلام؟ أو نعمة أنعمها علي فعصمني بها من الحرورية؟
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: إن لم تكن الحرورية فلا أدري من هم.
وفي السنن: أنه لما أتي برؤوس الأزارقة فنصب على درج دمشق جاء أبو أمامة فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: كلاب النار ثلاث مرات هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء. قيل له: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
وقال مصعب بن سعد: كنت أملي على أبي المصحف فمر بهذه الآية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢) فقلت: أهم الحرورية، قال: هم أهل الكتاب؛ ولكن الحرورية الذين يقطعون ما أمر الله ويفسدون في الأرض.
الوجه الرابع؛ في الكلام على فرقهم:
قال الأشعري: أصول قول الخوارج أربعة: الأزارقة، والأباضية، والصفرية، والنجدات. ثم من ذلك تشعبت الفرق.
- الفرقة الأولى: الأزارقة (٣):
ينسبون إلى نافع بن الأزرق يزعمون أن كل كبيرة كفر، وأن الدار دار كفر - يعنون
стр. 7565
دار كلفتهم - وأنّ كلّ مرتكب كبيرة ففي النّار خالدًا مخلدًا.
- الفرقة الثانية: الأباضية (١):