← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من شرب الخمر في الدنيا، ولم يتب منها، كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار أو صديدهم». الخامس: يسألون فيقال لهم: القرآن عندكم تضمن النهي عن ملابسة أمور غير الكفر أم لا؟ فإن قالوا: لا كابروا وأنكروا القرآن وسقطت مكالمتهم، وإن قالوا: نعم ورد ذلك في القرآن، قيل لهم: لو أسقطنا العقاب رأسًا عن مرتكبي هذه الأمور، لكان إغراء لهم بمانهاهم عنه، إذ في نصب الوعيد ردعًا للمكلفين عن المعاصي. قال أبو الفداء بن عقيل: ألا ترى إلى مخافة الأنبياء والصحابة مع جلالة رتبتهم كيف بلغ بهم الخوف إلى نحول الأجسام وتغير الألوان والخروج عن الأهل والأوطان، وألا ترى مقالة معشر الأنبياء - عليهم الاسلام - يوم القيامة: سلم سلم؟ قال الله تعالى مدحًا لهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١). فصل وأما قول محمد بن كرام: إنّ الإيمان إقرار باللسان حسب، وإن كانوا مؤمنين حقًا فهو معارض لنص القرآن وهو كاف في دفع قوله وإفساده، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فقد نفى الله الإيمان عن المنافقين؛ فمن سماه مؤمنًا، فقد عاند القرآن، وفي هذا مقنع. * * * الفرقة الثانية من الأصول الخوارج (٣) والحرورية (٤) وسماهم أناس المحكمة؛ والكلام عليهم من وجوه:

стр. 7562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7563

أحدها: في تسميتهم بذلك. أما تسميتهم بالخوارج فإنَّهم كانوا يرون الخروج على أمة محمد ﷺ وعلى الخلفاء منهم بذنوب تصدر منهم، ورأوا أنهم بذلك كفار ودارهم دار حرب. وقال أبو منصور التميمي: إنما سموا الخوارج لخروجهم على علي. وأما تسميتهم بالحرورية فلنزولهم بحروراء؛ وأما المحكمة فلتلقيهم الحكم كما تقدم. الوجه الثاني؛ في أول من ابتدع هذا الرأي. قال أبو المظفر الأسفراييني: أول من ابتدعه عروة بن حدير - أخو مرداس الخارجي -. وقيل: إن أول من قاله يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: إنه رجل من بني يشكر كان مع علي بصفين؛ فلما اتفق الفريقان على التحكيم ركب وحمل على أصحاب علي فقتل منهم واحدًا، ثم حمل على أصحاب معاوية وقتل منهم واحدًا. ثم نادى في العسكرين أنه بريء من علي ومعاوية، وأنه خرج من حكمهما فقتله رجل من همدان. ثم إن جماعة ممن كان مع علي على حرب صفين استمعوا منه هذا؛ واستقرت في قلوبهم تلك الشبهة ورجعوا مع علي إلى الكوفة ثم فارقوه وخرجوا إلى حروراء، وكانوا اثني عشر ألف رجل من المقاتلة ومن ههنا سميت الخوارج حرورية. الوجه الثالث: في نبذة مما ورد في ذمهم. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: يخرج في هذه الأمة قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد فمن أدركهم منكم، فليقتلهم فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة. وقال أحمد بن حنبل: صح من عشرة أوجه عن النبي ﷺ أنه قال: الخوارج كلاب النار. وروى الطلمنكي عن أبي أمامه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله

стр. 7564

تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (١)، قال: هم الخوارج. وقال أبو العالية: ما أدري أي النعمتين أعظم؛ نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الشرك إلى الإسلام؟ أو نعمة أنعمها علي فعصمني بها من الحرورية؟ وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: إن لم تكن الحرورية فلا أدري من هم. وفي السنن: أنه لما أتي برؤوس الأزارقة فنصب على درج دمشق جاء أبو أمامة فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: كلاب النار ثلاث مرات هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء. قيل له: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. وقال مصعب بن سعد: كنت أملي على أبي المصحف فمر بهذه الآية ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢) فقلت: أهم الحرورية، قال: هم أهل الكتاب؛ ولكن الحرورية الذين يقطعون ما أمر الله ويفسدون في الأرض. الوجه الرابع؛ في الكلام على فرقهم: قال الأشعري: أصول قول الخوارج أربعة: الأزارقة، والأباضية، والصفرية، والنجدات. ثم من ذلك تشعبت الفرق. - الفرقة الأولى: الأزارقة (٣): ينسبون إلى نافع بن الأزرق يزعمون أن كل كبيرة كفر، وأن الدار دار كفر - يعنون

стр. 7565

دار كلفتهم - وأنّ كلّ مرتكب كبيرة ففي النّار خالدًا مخلدًا. - الفرقة الثانية: الأباضية (١):

стр. 7566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7567

زعموا أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرف الله ثم كفر بما سواه من الرسل أو جنة أو نار، أو عمل بجميع الخبائث من قتل أو زنى، فهو كافر، وإنَّ دار مخالفيهم دار توحيد إلا عسكر السلطان فإنه دار كفر. - الفرقة الثالثة: الصفرية أصحاب زياد بن الأصفر (١):

стр. 7568

قالوا بجملة مذهب الخوارج في التكفير، ويزعمون أن مخالفيهم مشركون والسيرة فيهم السيرة في أهل حرب رسول الله ﷺ الذين حاربوه من المشركين. - الفرقة الرابعة: النجدات (١):

стр. 7569

يزعمون أن الدين أمران: أحدهما معرفة الله ومعرفة رسله ﵈ وتحريم دماء المسلمين وأموالهم وتحريم الغصب والإقرار بما جاء من عند الله جملة فهذا واجب وماسوى ذلك، فالناس معذورون في جهالته حتى تقوم عليهم الحجة في جميع الخلال، ومن استحل شيئًا من طريق الجهاد مما لعله محرم فمعذور على حسب ما يقول الفقهاء من أهل الاجتهاد. قالوا: ومن نقل عن هجرتهم فهو منافق ويستحلون دماء أهل المقام عنهم وأموالهم وزعموا أنَّ من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة ثم أصر عليها، فهو مشرك، وإن زنى وسرق وشرب الخمر؛ وهو غير مصر فهو مسلم. الفرقة الخامسة العجاردة (١) - أصحاب عبد الله بن عجرد:

стр. 7570

يقولون بقول الخوارج في التكفير ويختصون بانكار سورة يوسف من القرآن، وإنما هي قصة من القصص. الفرقة السادسة: قال الأشعري؛ ومن الخوارج طائفة يقولون: ما كان من الأعمال عليه حد واقع، فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمهم به الحدّ، وليس بكفر، وليس أهله به كافرين؛ كالزني والقذف، وهم قذفة زناة وما كان من الاعمال عليه حد كترك الصلاة والصيام، فهو كفر وأزالوا اسم الإيمان في الوجهين جميعًا. الفرقة السابعة: البيهسية (١): أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر: ومن قوله: إنَّ الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل؛ وحكى عنه الإقرار والعلم جميعًا.

стр. 7571

وقال الشهرستاني (١): وعامة البيهسية على أنَّ العلم والإقرار والعمل كالإيمان. وذهب قوم إلى أنه لا يحرم شيء سوى ما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية. قال ابن عبد البر: وقد قصر هذه الآية على المذكور فيها. الفرقة الثامنة: العوفية (٢): ومن قولهم: إنه إذا كفرت الإمام كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد. الفرقة التاسعة الأخنسية (٣): أصحاب أخنس بن قيس: حكى عنهم: أنهم يرون تزويج المسلمات من الكفار الذين هم أصحاب الكبائر عندهم إذا كانوا من فوقهم، وهم على أصول الخوارج في حمل الشمائل. الفرقة العاشرة: الميمونية (٤): وقال الكرابيسي ومن قولهم: جواز نكاح بنات البنين وبنات الإخوة وبنات بني

стр. 7572

الأخوة، وباقي قولهم على أصول قول الخوارج. الفرقة الحادية عشرة: الصلتية (١) أصحاب عثمان بن أبي الصلت: والذي تفردوا به أنه إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله؛ لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعوا إلى الإسلام فيقبلونه. الفرقة الثانية عشرة: اليزيدية (٢): أصحاب يزيد بن أبي أنيسة، زعم: أنَّ الله سيبعث رسولًا من العجم، وينزل عليه كتابًا قد كتب في السماء نزل عليه جملة واحدة وينزل عليه شريعة محمد ﷺ . وقال: إن أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون؛ وكل ذنب صغير أو كبير فهو شرك.

стр. 7573

الفرقة الثالثة عشرة: الثعالبة (١): أتباع ثعلبة بن مشكان، يقولون بامامة عبد الكريم بن عجرد يقولون: إنه كان الإمام، إلى أن خالفه ثعلبة في حكم الأطفال فصار على زعمهم كافرًا، وصار ثعلبة إمامًا. قال أبو المظفر الأسفراييني: وكان سبب خلافهم أنَّ رجلًا من العجاردة خطب بنت ثعلبة، فقال له: اظهر مهرًا وقدره، فبعث الخاطب إلى أم البنت وقال: هل بلغت هذه البنت؟ وهل قبلت الإسلام؟ فإن كانت بالغة وللإسلام قابلة لم أبال أن أصدقها كم كان؟ فقالت الأم: هي مسلمة، ولا أدري أهي بالغة أم لا؛ فلما بلغ ثعلبة الخبر اختار أن لا يبتدئ من أطفال المسلمين، وخالف ابن عجرد وتبرأ كل منهما من صاحبه. الفرقة الرابعة عشرة: المعبدية (٢): وهم يقولون بامامة معبد الجهني بعد ثعلبة وخالف معبد الثعالبة بأن قالوا: يجوز

стр. 7574

أخذ الزكاة من العبيد ودفعها إليهم. وزعم أن من لم يوافقه في هذه المقالة، فهو كافر وأتباعه يكفرون جملة الثعالبة والثعالبة يكفرونهم. الفرقة الخامسة عشرة: الحفصية (١): أصحاب أبي حفص بن أبي المقدام. وكان يزعم: أنَّ بين الإيمان والشرك خصلة واحدة؛ وهي معرفة الله وحده فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أونار، أو ارتكب كبيرة من الكبائر من زنى أو سرقة أو شرب خمر ونحوها، فهو كافر، لكنه بري، من الشرك. وبرئت الأباضية منه وتبعه قوم على هذا. الفرقة السادسة عشرة: الجازمية (٢): زعموا أن فيما تفردوا به أنَّ الولاية والعداوة صفتان الله في ذاته، وأنَّ

стр. 7575

الله يتولى العباد على ماهم صائرون إليه وإن كانوا في أكثر أحوالهم مؤمنين. الوجه الخامس: في ذكر بعض حججهم والجواب عنها مختصرًا؛ لأنا لو أخذنا في الرد على كل فرقة من هؤلاء الفرق، لطال ذلك؛ لكنا نذكر الآن ما هم عليه متفقون من الرأي الفاسد وما احتجوا به والجواب عنه. قال أبو المظفر الأسفراييني: وكل الخوارج متفقون على أمرين لا مزيد عليهما في الكفر والبدعة أحدهما: إنهم يزعمون أن عليًا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالحكمين كفروا كلهم، والثاني يزعمون أن كل من أذنب ذنبًا من أمة محمد ﷺ فهو كافر ويكون في النار خالدًا مخلدًا. قالوا: والدليل على صحة قولنا الكتاب والسنة والمعقول؛ وكل ما ذكروه من الأدلة في ذلك فهو عليهم لالهم كما سنبينه. ويأبى كتاب الله أن يدل على الباطل بل ينفيه ويتركه هشيمًا تذروه الرياح، ولكن كما قيل: [من الوافر] وكلُّ يدعونَ وصالَ ليلَى … وليلَى لا تَقِرُّ لهم بذاكا أما ما شغبوا به من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) قالوا: وهذه صريحة في ان من لم يحكم بما أنزل الله، فهو كافر. والجواب من وجهين أحدهما: أنه لا يعارض قولنا فيمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله معارضًا له كان كافرًا. وأما أن يقول ذلك لنوع هوى أو لجهل، فلا يكفر بذلك. قال محمد بن نصر المروزي: الكفر كفران كفر هو جحد الله، وما قال فذاك يزيل عن المسلم الإقرار بالله والتصديق به وبما قال. والثاني كفر عمل وهو ضد الإيمان الذي هو عمل ألا ترى إلى قوله ﷺ : «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه». قالوا: فإذا لم يؤمن، فقد كفر ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل. الوجه الثاني: إنَّ حملهم هذه الآية على هذا المراد مخالف لاجماع السلف ومراغم له. قال ابن عباس: هو به كفر وليس كمن كفر بالله، ولكنه كفر لا ينقل عن الملة. وقال عطاء: كفر دون كفر. وكذلك قال طاوس وغيره من العلماء. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ

стр. 7576

إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١). قال إمام الحرمين: وجه استدلالهم بها: أنَّ الله ذكر الإيمان وقابله بالكفر والفسوق، فدل ذلك على أنَّ الفسوق والعصيان ينقضه كما يناقضه الكفر. والجواب من وجوه: أحدها: انها حجة عليهم. بيان ذلك أنَّ الله فرق بين الكفر والفسوق والعصيان فدل على التغاير إذ «واو العطف» في لسان العرب الأصل أن تكون للتغاير بين المعطوف والمعطوف عليه. الثاني: أجاب محمد بن نصر المروزي، قال: لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر، فرق بينهما وجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع فسوق - ليس بكفر - ونوع عصيان - وليس بكفر .. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان ليس شيء خارج عنه منها، لم يفرق بينهما فدل ذلك على أنَّ من المعاصي ما ليس هو بكفر بالتفرقة بينهما. الثالث: أن يُقال لهم: بل القرآن يدل على خلاف قولكم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). قال ابن حزم (٣): فابتدأ الله بخطاب أهل الإيمان من كان منهم من قاتل أو مقتول، ونص تعالى على أنَّ القاتل عمدًا والمقتول اخوان، وقد قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤) فصح أن القاتل عمدًا مؤمن بنص القرآن، وحكم له بأخوة أهل الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٥)، فأثبتت لهم الأخوة مع وجود الاقتتال. الوجه الرابع: قال ابن حزم (٦): لو كان ارتكاب الكبائر مخالفًا لدين الإسلام، لوجب قتال مرتكبها، فإنَّ الله أمر بقتال المشركين جملة ولم يستثن منهم أحدًا إلا كتابيًا يغرم الجزية، أو رسولًا حتى يؤدي رسالته ويرجع إلى مأمنه، أو مستجيرًا يسمع كلام الله ثم يبلغ مأمنه.

стр. 7577

وأمر رسول الله ﷺ بقتل من بدل دينه، فمن قال: إنَّ صاحب الكبيرة كافر، يقال له: من زنى وسرق وشرب الخمر وأكل مال اليتيم أتقتلونه كما أمر رسول الله ﷺ فيمن بدل دينه أم لا تقتلونه؟ ومن قولهم جميعًا أنهم لا يقتلونه، وإنما في بعض ذلك حدود معروفة من قطع يد أو رجل أو جلد مائة أو ثمانين، وفي بعض ذلك أدب فقط؛ وهذا انقطاع ظاهر وبطلان لقولهم. فصل (١) وأما ما احتجوا به من السنة فمنه قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السرقة حين يسرقها وهو مؤمن» .. الحديث. ووجه الدلالة من ذلك: ان الشارع ﷺ سلب عليه الإيمان بملابسة هذه المعاصي، وإذا سلب عنه الإيمان كان متلبسًا بضده وهو الكفر. والجواب من وجوه: أحدها: انكم مخالفون لهذا الخبر من وجهين، الأول: أن أخبار الآحاد لا يجيزون الاحتجاج بها إن لم تبلغ مرتبة المتواترات القطعيات؛ وهذا ليس منها. والثاني: ان الحديث إنما دل على سلب الإيمان عنه حين ملابسة الفعل دون ما بعد ذلك، وأنتم تخالفون ذلك وتسلبون عنه الإيمان حين ملابسة الفعل، وبعده والحديث دال على خلاف ذلك. الوجه الثالث: انه إذا سلب عنه اسم الإيمان، خرج منه إلى الإسلام وقد أخذ بهذا طائفة من العلماء. الرابع: انه قد تقدم أنَّ الكفر كفران هو جحد الله؛ وذلك يزيل عن الملة وكفر هو عمل هو ضد الإيمان الذي هو عمل ينفي الإيمان عنه فنفى الإيمان عنه؛ إنما هو لنفي الإيمان العملي؛ واختاره محمد بن نصر المروزي. فصل حمل الحديث على نفي الإيمان الكامل المطلق لا مطلق الإيمان وهذا اختاره أبو بكر بن أبي شيبة وغيره، والجواب: وأما ما احتجوا به من العقل.

стр. 7578

قال إمام الحرمين: ومما كثر تشغيبهم به أن قالوا: لو كان الإيمان تصديقًا لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن، فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة؛ فلما أجمعنا على تكفير من صدر منه هذه الأفعال دل على أنَّ الإيمان لا يرجع إلى تصديق القلب بل يكفر بارتكاب المحرمات، والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ما ذكره يضاد المعرفة الحقيقية إذ لو عرف الرب معرفة تليق به لم تصدر منه هذه الأفعال القبيحة، وأي إيمان لهذا، وأي معرفة له وهو يسجد لغير الله ويقتل رسله فمن زعم أنَّ هذا مؤمن بالله إيمانًا كاملًا ومصدقًا به، وهو يفعل ذلك فقد كابر العقل والحس. الثاني: ان النبي ﷺ جعل صلاح الأعمال الظاهرة دالة على صلاح القلب وفسادها دلالة على فساده، ففي السنن؛ أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». فالرسول استدل بالأعمال الظاهرة على الأعمال الباطنة. وفي الصحيح؛ ان النبي ﷺ قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». قال أبو هريرة: القلب كالملك والأعضاء جنود، وإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبث جنوده. فمن زعم أن القلب يكون مؤمنًا صالحًا، وإنَّ باقي الجسد فاسد يكون شركًا وكفرانًا فقد عارض الشريعة كما ترى. الثالث: ان هذا القول مخالف لإجماع المسلمين، قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمع المسلمون كلهم قبل حدوث الحرورية وحدوث المعتزلة أن أصحاب الكبائر مؤمنون بإيمانهم فاسقون بكبائرهم، ثم أحدثوا المذهبين اللذين خالفوا فيهما المسلمين أجمعين فالاعتصام بالإجماع فرض حتى يزيله إجماع مثله، وهذا لاسبيل إليه. فصل قال إمام الحرمين: ومما صعب موقعه على الخوارج أن يقال لهم: قد وصف الله آدم ﵇ بالمعصية، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) فهل تحكمون بأنه كفر أم لا؟ فإن قضيتم بذلك، جاهرتم بالكفر الصراح وانسللتم عن ربقة الدين، وإن

стр. 7579

أثبتم ذلك نقضتم مذهبكم، وقد يأبى معظم الخوارج من وصفه ﵇ بذلك؛ ولهذا ينقض أصلهم نقضًا صريحًا. * * * الفرقة الثالثة من الأصول: الروافض (١) ويسمون الخشبية (٢) والشيعة، والكلام عليهم من وجوه: «الأول» في سبب هذه التسمية: قال غير واحد: سموا بهذا الاسم لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة

стр. 7580

هشام بن عبد الملك. وكانوا قبل ذلك يسمون الخشبية لقولهم: إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم فقاتلوا بالخشب؛ ولهذا جاء عن الشعبي أنه قال: ما رأيتُ أحمق من الخشبية. وكان رفضهم لزيد بن علي؛ أنَّ الذين بايعوه قالوا له: ماتقول في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: أثنى عليهما جدي علي، وقال فيهما حسنًا وإنما خروجي على بني أمية فإنهم قاتلوا جدي عليًا، وقتلوا جدي حسينًا فخرجوا عليه ورفضوه. وقال أبو الحسن الأشعري: سموا شيعة؛ لأنهم شايعوا عليًا وقدموه على سائر أصحاب رسول الله ﷺ . «الثاني» في أول من أبدع هذه البدع للروافض: ذكر أبو العباس بن تيمية: أنه عبد الله بن سبأ (١) وذكر غيره، غير ذلك. الثالث: في نبذ مما ورد في ذمهم: قال الطلمنكي: ما فتشت رافضيًا قط إلا وجدته زنديقًا. وقال عباس الدوري سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: عاشرت الناس وكلمتُ أهل الإسلام فما رأيت قومًا أوسخ وسخًا ولا أضعف حجة ولا أحمق من الرافضة. وقال الطلمنكي، قال علي: سيكون بعدنا أقوام ينتحلون مودتنا يكذبون علينا، مارقة، آية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر. وقال الشعبي: ما رأيت أحمق من الخشبية لو كانوا من الطير، لكانوا رخمًا، ولو

стр. 7581

كانوا من البهائم، لكانوا حمرًا، والله لو طلبت منهم أن يملأوا لي هذا البيت ذهبًا على أن أكذب على علي لأعطوني، والله ما كذبت عليه أبدًا. وقال أيضًا: أحذركم هذه الأهواء المضلة وشرها الرافضة لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم. ولو أخذنا فيما ورد في ذمهم لطال ذلك. وقد ذكر غير واحد. لهم أوصافًا أشبهوا فيها اليهود نحوًا من أربعين صفة ليس هذا مقام بسطها. الرابع في الكلام على فرقهم: الفرقة الأولى: الجارودية (١): أتباع أبي الجارود، وقال أبو المظفر: كان من مذهبه أنَّ النبي ﷺ نص على علي

стр. 7582

بالإمامة بالصفة لا بالاسم. وكان من مذهبه أنَّ الصحابة كفروا كلهم بترك بيعة علي ومخالفتهم النص الوارد عليه. وكان يقول: إنَّ الإمام بعده الحسنين بن علي وتكون الإمامة بعدهم شورى في أولادهما. الفرقة الثانية: السليمانية (١): أتباع سليمان بن جرير الزيدي. وكان يقول: إنَّ الإمامية شورى متى عقدها اثنان من خيار الأمة لمن يصلح لها، فهو إمام على الحقيقة. وكان يقر بإمامة أبي بكر وعمر ويجوز إمامة المفضول، ويقول: إنَّ الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي؛ فإنه كان أولى بها، وكان إعراضهم عنه خطأ لا يوجب كفرًا ولا فسقًا، وهم يكفرون عثمان بسبب ما أخذ عليه من الأحداث، ويكفرهم أهل السنة بتكفيرهم عثمان. الفرقة الثالثة: البترية (٢): وهم أتباع كثير النوّاء الملقب بالأبتر. وهو قول هؤلاء كقول السليمانية يتوقفون في

стр. 7583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7584

عثمان ولا يقولون فيه خيرًا ولا شرًا، وهذا القول نسب إلى الحسن بن صالح بن حي. الفرقة الرابعة: الكيسانية (١). أتباع المختار بن أبي عبيد الذي كان يطلب ثار الحسين بن علي، وكان يقتل كل من ظفر [به] ممن كان قتله بكربلاء.

стр. 7585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7586

قال أبو الظفر الاسفراييني: وهم فرق في الجملة يجمعهم القول بنوعين من البدعة؛ أحدهما تجويز البداء على الله، والثاني قولهم بإمامة محمد ابن الحنفية. الفرقة الخامسة: الكربية (١): يقولون إن محمد ابن الحنفية لم يمت ولم يقتل، وإنه في جبل رضوى وعنده عين من الماء، وعين من العسل يتناول منهما، وعنده أسد ونمر يحفظانه من الأعداء. الفرقة السادسة: الكاملية (٢): أتباع أبي كامل، يقولون: إنَّ الصحابة كلهم كفروا بتركهم بيعة علي،

стр. 7587

وكفر علي أيضًا بترك قتالهم، إذ كان واجبًا عليه أن يقاتلهم، ويقال: إنَّ بشار بن برد الشاعر منهم؛ كذا نقله أبو المظفر. وحكي عن بشار هذا أنه كان يقول بنوعين من البدعة والفكر: أحدهما أنه يقول بالرجعة قبل القيامة كما يقوله طائفة من الروافض. والثاني أنه يقول بتصويب إبليس في تفضيل النار على التراب، ومن شعره: [من البسيط] الأرض مظلمة والنارُ مُشرقة … والنارُ معبودةٌ مُذْ كانت النارُ ووفق الله المهدي بن المنصور الخليفة حتى غرقه وأتباعه في دجلة. الفرقة السابعة: البيانية (١): أصحاب بيان بن سمعان التميمي الذي ادعى الإلهية لعلي والأئمة من ولده، ثم ادعى لنفسه.

стр. 7588

الفرقة الثامنة: الجناحية (١): وهم يكفرون بالقيامة والجنة والنار ويستحلُّون جميع المحرمات، وهم أصحاب عبد الله بن معاوية ذي الجناحين. الفرقة التاسعة: المنصورية (٢): أصحاب أبي منصور العجلي الذي زعم أنه الكسف الساقط من السماء.

стр. 7589

الفرقة العاشرة: الخطابية (١): أصحاب أبي الخطاب الأسدي. وكان يقول بإلهية جعفر الصادق، ثم ادعى لنفسه.

стр. 7590

الفرقة الحادية عشرة: الغرابية (١): الذين زعموا أنّ جبرائيل غلط في نزول الوحي على محمد ﷺ وإنما كان مبعوثًا إلى علي. الفرقة الثانية عشرة: السيرمية: الذين ذمُّوا محمد ﷺ وزعموا أنّ عليًا أرسله ليدعو إليه، فادعى الأمر لنفسه. قبحهم الله. الفرقة الثالثة عشرة: الهشامية (٢): أصحاب هشام بن الحكم المفرط في التجسيم والتشبيه. لعنه الله.

стр. 7591

الفرقة الرابعة عشرة: الزرارية (١): أصحاب زرارة بن أعين الذي قال: بحدوث علم الله، وحدوث قدرته وحياته وسائر صفاته. الفرقة الخامسة عشرة: اليونسية (٢): أصحاب يونس القمي الذي زعم أنَّ الملائكة تحمل. الفرقة السادسة عشرة: الشيطانية (٣): أصحاب شيطان الطاق الذي زعم أنَّ الله لا يعلم الشيء حتى يكون.

стр. 7592

الفرقة السابعة عشرة: السبأية (١): أصحاب عبد الله بن سبأ، وهم الذين أظهروا سبَّ أبي بكر وعمر، فمنهم من

стр. 7593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7594

يقول: إنَّ عليًا لم يمت، ومنهم من يدعى له الالهية وتسمى هذه الفرقة الطيارة؛ وهم الذين حرقهم علي ﵁ بالنار. الفرقة الثامنة عشرة: القرامطة (١): يزعمون أن خلافة النبي ﷺ اتصلت بالنص إلى جعفر، وأن جعفرًا نص على

стр. 7595

إمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي لم يمت ولا

стр. 7596

يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم، وهؤلاء يقال لهم: السبعية، أيضًا كما يقال لأولئك: الاثنى عشرية. الفرقة التاسعة عشر: الزيدية (١): أصحاب زيد بن علي المقتول بخراسان، يزعمون إنَّ عليا كان أفضل خلق الله مع الرسول ﷺ .

стр. 7597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7599

ومنهم من يقول: إنَّ عليًا وصي رسول الله ﷺ وهو الإمام، وإنَّ الأمة كفرت وضلت في تركها البيعة له، وبه يقول أبو الجارود وأتباعه. الفرقة الموفية [على] عشرين: الراوندية (١): وهم شيعة ولد العباس، قالوا:

стр. 7600

ليست الخلافة إلا في العباس وولده من بعده، ولا حق لأحد فيها سواهم، وهي وراثة من الرسول ﷺ . قالوا: ونص عبد الله بن عباس على ابنه علي بن عبد الله، ثم ساقوا الإمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور. الرابع في الكلام على حججهم: اعلم أنا لو أخذنا في ذكر جميع ما خالفوا فيه أهل السنة وما نابذوهم به من الأقوال الباطلة المخالفة للمعقول والمنقول لطال ذلك. ومن تدبر أقوالهم ونحلهم وجد مقصدهم تغيير دين الإسلام وتحريفه وإفساده وإلا فهذه الأقوال التي انتحلوها لا تصدر ممن له لب. قال أبو المظفر الأسفراييني في مقالاته: وهذه المقالة التي أوردناها عن الروافض ليست مما يستدل على فسادها فإنَّ العاقل ببديهة العقل يعلم فسادها وينكر عليها فلا يمكن أن تحمل منهم هذه المقالات إلا على أنهم قصدوا إظهار ما كانوا يضمرونه من الإلحاد والتستر فيه بمقالات قوم من أشراف أهل البيت، وإلا فليس لهم دليل يعتمدون عليه؛ ولذلك كان المختار بن أبي عبيد يظهر النسبة إليهم، وقد كان يدعي النبوة، وإنما كان يتستر بذلك. فصل وعمدة الكلام منهم في مقامين؛ الأول في المفاضلة، والثاني في الإمامة. المقام الأول: في المفاضلة: قالت الروافض الدليل على أفضلية علي بن أبي طالب على غيره من الصحابة من وجوه أحدها من القرآن، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١). ورو مسلم والترمذي وأحمد عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ غداة يوم وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله، ثم
следующие страницы →