يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم، وهؤلاء يقال لهم: السبعية، أيضًا كما يقال لأولئك: الاثنى عشرية.
الفرقة التاسعة عشر: الزيدية (١):
أصحاب زيد بن علي المقتول بخراسان، يزعمون إنَّ عليا كان أفضل خلق الله مع الرسول ﷺ .
ومنهم من يقول: إنَّ عليًا وصي رسول الله ﷺ وهو الإمام، وإنَّ الأمة كفرت وضلت في تركها البيعة له، وبه يقول أبو الجارود وأتباعه.
الفرقة الموفية [على] عشرين: الراوندية (١): وهم شيعة ولد العباس، قالوا:
стр. 7600
ليست الخلافة إلا في العباس وولده من بعده، ولا حق لأحد فيها سواهم، وهي وراثة من الرسول ﷺ . قالوا: ونص عبد الله بن عباس على ابنه علي بن عبد الله، ثم ساقوا الإمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور.
الرابع في الكلام على حججهم:
اعلم أنا لو أخذنا في ذكر جميع ما خالفوا فيه أهل السنة وما نابذوهم به من الأقوال الباطلة المخالفة للمعقول والمنقول لطال ذلك.
ومن تدبر أقوالهم ونحلهم وجد مقصدهم تغيير دين الإسلام وتحريفه وإفساده وإلا فهذه الأقوال التي انتحلوها لا تصدر ممن له لب.
قال أبو المظفر الأسفراييني في مقالاته: وهذه المقالة التي أوردناها عن الروافض ليست مما يستدل على فسادها فإنَّ العاقل ببديهة العقل يعلم فسادها وينكر عليها فلا يمكن أن تحمل منهم هذه المقالات إلا على أنهم قصدوا إظهار ما كانوا يضمرونه من الإلحاد والتستر فيه بمقالات قوم من أشراف أهل البيت، وإلا فليس لهم دليل يعتمدون عليه؛ ولذلك كان المختار بن أبي عبيد يظهر النسبة إليهم، وقد كان يدعي النبوة، وإنما كان يتستر بذلك.
فصل
وعمدة الكلام منهم في مقامين؛ الأول في المفاضلة، والثاني في الإمامة.
المقام الأول: في المفاضلة:
قالت الروافض الدليل على أفضلية علي بن أبي طالب على غيره من الصحابة من وجوه أحدها من القرآن، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١).
ورو مسلم والترمذي وأحمد عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ غداة يوم وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله، ثم
стр. 7601
جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالوا: فقد خص أهل البيت بذهاب الرجس عنهم ومن ذهب عنهم الرجس أفضل ممن لم يذهب عنهم، وعلي بن أبي طالب أفضل أهل البيت بالإجماع فيكون أفضل الأمة.
والجواب من وجوه (١):
стр. 7602
أحدهما: ان هذه الآية لا تقتضي وقوع التطهير له، لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (١)، ولقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) فارادة الله هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك ورضاه به وأنه شرعة للمؤمنين، وأمرهم به ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره.
стр. 7603
الثاني: إنَّ النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية، قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا فطلب من الله إذهاب الرجس والتطهير لهم، فلو كانت الآية تتضمن أخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس لم يحتج إلى طلب الدعاء.
الثالث: إنَّ القول بذلك مخالف لأصولهم فإن قدرة الله وإرادته عندهم لا تتضمن وجود المراد بل عندهم قد يريد مالا يكون ويكون ما لا يريد من على وجه الأرض فليس من كونه تعالى مريدًا لذلك ما يدل على وقوعه، وعندهم أنَّ الله قد أراد الإيمان من كل من على وجه الأرض.
الرابع: إن أزواج النبي ﷺ دخلن في هذا الخطاب على قول جماعة من العلماء والسياق يقتضيه. قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (١).
فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ الأمر والنهي والوعد والوعيد لكن لما تبين مافي هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غير هن جاء بلفظ التذكير، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢) فان ما يريده من إذهاب الرجس وحصول التطهير ليس مختصًا بأزواجه بل يتناول أهل البيت كلهم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك؛ ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم.
الوجه الثاني من السنة:
وهو ماثبت من السنة، وهو ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقالوا: ولم يكن في زمن موسى بعده أفضل من هارون، فدل ذلك على أنَّ [علي] بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ .
والجواب من وجوه (٣):
أحدها: انه قال له ذلك في غزوة تبوك.
وكان النبي ﷺ كلما سافر في غزوة أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر، عثمان بن عفان، وفي غزوة بني قينقاع بشر بن المنذر؛ ولما غزا قريشًا استعمل ابن أم مكتوم.
وبالجملة فمن المعلوم أنه ما كان يخرج من المدينة حتى يستخلف، وقد ذكر المؤرخون من كان يستخلف في مغازيه كلها. وكان يكون رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه؛ فلما كان غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عليها وهي آخر مغازيه ﷺ فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين ثبت عليهم. وكان هذا الاستخلاف أضعف عليهم؛ من الاستخلافات المعتادة منه ﷺ بالنسبة إلى من استخلفه عليهم لأنه لم يبق بالمدينة إلا القليل، فلهذا خرج إليه علي يبكي ويقول: أتخلفني مع النساء والصبيان فبين له النبي ﷺ أني إنما استخلفك لأمانتك عندي، وأن الاستخلاف ليس بنقص فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصًا وموسى يفعله بهارون فطيب بذلك قلب علي ﵁.
الثاني: إنَّ قول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا بمنزلة هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب مادل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء، ألا ترى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ في حديث الأسرى لما استشار أبا بكر وعمر، فأشار أبو بكر بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فمثل النبي ﷺ أبا بكر بإبراهيم وعيسى، ومثل عمر بنوح وموسى، فقوله: هذا مثل إبراهيم وعيسى، وهذا مثل نوح وموسى أعظم من قوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فإن إبراهيم وموسى ونوح وعيسى أفضل من هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دل عليه السياق في الشدة في الله، واللين في الله. والدليل
стр. 7607
هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق وهو استخلافه في مغيبه فقط.
الثالث: مخالفة هذا القول لعلي بن أبي طالب ففي صحيح البخاري عن محمد ابن الحنفية عن أبيه أنه قال: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر.
وسئل الشعبي: من أفضل الصحابة؟ فقال: أبو بكر وعمر، فقيل له: أتقول هذا وأنت شيعي؟ فقال: من لم يقل هذا فليس بشيعي، والله لقد صعد على هذه الأعواد، وقال: ألا إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر، أفكنا نردّ قوله، أفكُنّا نكذبه، والله ما كان كاذبًا.
الرابع: قد ذكر غير واحد اجماع العلماء على تقديم أبي بكر وعمر على غيرهم من الصحابة.
قال أبو عبد الرحمن النسائي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب؛ وهذا قول علي بن أبي طالب.
ولا نعلم بين أهل العلم الذين أدركناهم خلافًا في ذلك؛ وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان.
وقال ابن القاسم سألت مالكًا عن أبي بكر وعمر، فقال: ما رأيت أحدًا أقتدي به يشك في تقديمهما، يعني على علي وعثمان.
ولو أخذنا في ذكر فضائل أبي بكر ﵁ وما امتاز به على غيره من اصحابه من التقدم في الإسلام وغير ذلك من الأعمال الظاهرة، وقربه من رسول الله ﷺ لطال ذلك جدًا.
ولما سأل هارون الرشيد مالك بن أنس عن منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من النبي ﷺ في حياتة كيف كانت، فأجابه بجواب حسن مختصر فيه الكفاية بأن قال: أنظر يا أمير المؤمنين منزلتهما في مماته، كذلك كانت منزلتهما منه في حياته فجعل هارون يقول: شفيتني يامالك! شفيتني يا مالك!.
المقام الثاني: الكلام في الإمامة:
قالت الروافض: أولى الناس بالإمامة بعد الرسول ﷺ علي بن أبي طالب؛ ولهم في هذه الأولوية طرق:
أحدها: انه نص على علي نصًا جليًا باسمه.
стр. 7608
الثاني: انه نصّ عليه بصفة لم تكن توجد إلا فيه، لا من جهة التسمية وهذا قول الزيدية.
الثالث: انه كان أفضل الصحابة فلذلك كان المقدم إذ لا يجوز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، ولهم من الأدلة على الإمامة له وجوه:
أحدها: من القرآن، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (١).
قالوا: وهذه نزلت في علي، فروى الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صُمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، يقول: «علي قائد البررة، قاتل الكفرة، فمنصور من نصره، ومخذول من خذله» (٢). وأما اني صليت مع رسول الله ﷺ يومًا صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئًا فرقع السائل يده إلى السماء، وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله ﷺ فلم يعطني أحد شيئًا، وكان علي راكعًا فأومأ إليه بخنصره اليمنى. وكان متختمًا فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم؛ فنزل جبريل على النبي ﷺ وقال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣).
قالوا: فقد أثبت لعلي الولاية كما أثبتها لنفسه ولرسوله. وهذا نص قاطع في الإمامة له.
стр. 7609
والجواب من وجوه (١):
أحدها: إن ما ذكره كذب وباطل من جنس السفسطة، وهذا حديث كذب لا تقوم
стр. 7610
به الحجة، ومجرد عزوه إلى الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل العلم من الشيعة وغيرهم.
الثاني: مناقضة هذا النقل بما نقل أيضًا الثعلبي في تفسيره: ان هذه الآية نزلت في أبي بكر.
ونقل عن عبد الملك. قال: سألت أبا جعفر؟ قال: هم المؤمنون، قلت: فان ناسًا يقولون: هو علي، قال: فعلي من الذين آمنوا.
وروى ابن أبي حازم في تفسير عن ابن عباس قال: كل من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا.
الثالث: إنَّ هذا الاستدلال يلزم أنَّ التصدق بالخاتم في الصلاة شرط في الولاية، وأن لا يتولى المسلمون إلا عليًا فلا يتولون الحسن ولا الحسين ولا سائر بني هاشم، وهذا باطل قطعًا.
الرابع: إنَّ الصيغة صيغة جمع فحمله على علي وحده مناف لظاهر اللفظ.
الخامس: إنَّ علي بن أبي طالب لم يكن ممن يجب عليه الزكاة على عهد رسول الله ﷺ فإنه كان فقيرًا وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا كاملًا، وعلي لم يكن من هؤلاء إذ ذاك.
الوجه الثاني من السنة:
روى أبو داود والترمذي وأحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه وقف بغدير يُدعى خُمًا، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، قالوا: والمولى هنا المتصرف لتقدم التقرير منه ﷺ بقوله: «ألست أولى منكم بأنفسكم؟»
والجواب من وجوه:
أحدها: منع صحة هذا الحديث فقد ضعفه جهابذة الحديث؛ فقد ضعفه وطعن فيه جهابذة الحفاظ؛ كأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وإبراهيم الحربي، وابي بكر بن أبي داود السجستاني، وأبي حاتم الرازي.
وقال ابن زنجويه: ضعف هذا الحديث أكثر أهل العلم. قال: وأجمع أهل العلم على تضعيف ما روي فيه من الزيادة وهو: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه … إلى آخره.
стр. 7611
وقال أبو محمد بن حزم (١): وأما حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» فلا يصح من طريق الثقات أصلًا (٢).
الثاني: على تقدير صحته فلا دلالة فيه لمطلوبهم إذ المولى يطلق بازاء أربعة وعشرين معنى، وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة وأقوال العرب قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (٢)، ومنه ولاية الدين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣).
ويطلق على الناظر، وعلى ابن العم، وعلى العبد، وعلى غير ذلك مما يطول شرحه هنا فليس حمله على ما يريدونه أولى من حمله على مالا يريدونه.
قال ابن زنجويه: فاذا احتمل المولى هذه المعاني لم يجز لأحد يقطع أن المراد واحد إلا بدليل.
الثالث: قال ابن قتيبة: روى أبو ثور أنه سُئل عن معنى قول النبي ﷺ «من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ فقال أبو ثور: كذلك هو صدق رسول الله ﷺ النبي من بني هاشم، وعلي من بني هاشم، فإذا أعتق النبي ﷺ أحدًا من الغنيمة فهو مولى النبي ﷺ وهو مولى بني هاشم، وعلي من بني هاشم؛ وكذلك من أعتقه علي فهو بهذه المنزلة كما يدعي عتيق أحدهم مولى بني هاشم، وإنما أعتقه أحدهم.
فصل
إذا تقرر هذا فاختلف العلماء في الطريق التي تثبت بها الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁ على أقوال:
أحدها: أنها تثبت بالنص الجلي، فروى ابن بطة في كتاب «الإبانة». قال: بعث
стр. 7615
محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن البصري، فقال: هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أوفي هذا شك؟ نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه. لهو كان أتقى الله من أن يتوثب عليها.
وروى ابن بطة عن معاوية بن قرة: أنَّ رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر.
وقال ابن حزم: قالت طائفة: بل نص رسول الله ﷺ على استخلاف أبي بكر بعده على أمور الدين نصًا جليًا. قال: وبه نقول، واختاره ابن حامد الحنبلي.
الثاني: إنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، وهي رواية عن أحمد وجماعة من أهل الحديث، وجماعة من الخوارج.
الثالث: ثبتت بالاختيار من أهل الحل والعقد؛ وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية، وأختاره القاضي أبو يعلى وغيره.
الرابع: إنَّ النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وإخبار بخلافته اخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم عزم أنَّ المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أبي بكر وفهموا ذلك، حصل المقصود؛ وهذا اختيار أبي العباس بن تيمية.
ولأئمة أهل السنة ﵃ في ثبوتها له من الأدلة وجوه:
الأول: من القرآن قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
قال أبو القاسم السهيلي: ظهر تأويل هذه الآية حين انقلب أهل الردّة على أعقابهم فلم يضر دين الله ولا أمة نبيه ﷺ . وكان أبو بكر يسمى أمير الشاكرين لذلك.
قال: وفي هذه الآية دليل على صحة خلافته؛ لأنه هو الذي قاتل المنقلبين على أعقابهم حتى ردّهم إلى الدين الذي خرجوا منه، وكان في قوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، دليل على أنهم سيظفرون بمن ارتد، وتكمل عليهم النعمة فيشكرون.
قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ (٢) الآية أيضًا التصحيح لخلافة أبي بكر؛ لأنه الذي دعا الأعراب إلى قتال بني حنيفة. وكانوا أولي
стр. 7616
بأس شديد، ولم يقاتلوا لجزية وإنما قوتلوا ليسلموا. وكان قتالهم بأمر أبي بكر وفي سلطانه ثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (١) فأوجب عليهم الطاعة لأبي بكر، فكان في الآية كالنص على خلافته.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). قد بين في سورة الحشر من الصادقون؟ وهم المهاجرون لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ فأمر الذين تبؤوا الدار والإيمان أن يكونوا معهم أي تبعًا لهم، فحصلت الخلافة في الصادقين بهذه الآية فاستحقوها بهذا الاسم، ولم يكن في الصادقين من سماه الله الصديق إلا أبو بكر فكانت له خاصة ثم للصادقين بعده.
ومن السنة ما روي البخاري في الصحيح عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت إليك ولم أجدك كأنها تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر.
قال ابن حامد: وهذا نص في إمامته.
وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت ماشاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربًا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى ضرب الناس بعطنٍ».
قال ابن حامد: وهذا نص في الإمامة.
وثبت في الصحيحين: أنَّ النبي ﷺ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، وهو يراجع في ذلك مرارًا حتى قال لأزواجه: إنكن صواحب يوسف؛ مُروا أبا بكر فليصل بالناس».
стр. 7617
قال الشافعي وابن عبد البر: أي شيء أوضح من هذا في الدلالة على خلافته وتقدمه.
وروى أبو داود في سننه عن جابر. قال: قال رسول الله ﷺ : رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر. قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما نوط بعضهم ببعض، فهو ولاية هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه.
وروى أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن النبي ﷺ قصة فيها أيكم رأى رؤيًا، فقلت: أنا يا رسول الله رأيت كأن ميزانًا دلي من السماء فوزنت بأبي بكر فرجحت، ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عثمان بعمر فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، فقال النبي ﷺ خلافة نبوة، ثم يؤتى الله الملك لمن يشاء.
وفي الصحيحين: ان عمر بن الخطاب ﵁ قال بمحضر من الصحابة المهاجرين والأنصار: ليس فيكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر. وهذا بمحضر منهم ولم ينكره منهم أحد فدل على أنه أفضل الأمة بعد نبيها وأحقهم بالإمامة.
وفي الصحيحين أيضًا عن عمر: انه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين والأنصار: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ .
ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة: إنَّ غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه.
قال ابن حزم: وقد أطبق الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) على تسميته خليفة رسول الله، ومعنى الخليفة في اللغة؛ هو الذي يستخلفه المرء لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو لا يجوز غير هذا في اللغة البته بلا خلاف.
وقال غيره: اتفق الناس على بيعته وأولويته لهذا الأمر ولم ينازع في هذا إلا بعض الأنصار طمعًا في أن يكون من الأنصار أمير، ومن المهاجرين أمير؛ وهذا مما ثبت عن النبي ﷺ بالنصوص المتواترة بطلانه.
ثم إنَّ الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لسبب معروف وهو تعينه للخلافة على الأنصار، والله يغفر له.
ثم إنه لم ينقل أحد عن الصحابة أنه روي عن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر لا
стр. 7618
على المعين ولا على علي ولا غيرهما - ولا ادعى المعين ولا علي ولا أحد ممن يحبهما الخلافة لواحد منهما، ولا أنه منصوص عليه، ولا قال أحد من الصحابة: إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر.
قال ابن تيمية: وهذا معلوم عند العلماء بالاضطرار فإذا تقرر هذا فالرافضة جهال معاندون للحق قبحهم الله.
قال بعض العلماء: سُئلت اليهود، فقيل لهم: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواريو عيسى، وسئلت [الرافضة] من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد؛ فهل تكون طائفة أقبح من هؤلاء، يعمدون إلى أصحاب نبيهم وأنصاره فيسبونهم ويغمصونهم وقد أمرنا بموالاتهم والاستغفار لهم.
قال عبد الله بن مسعود: إنَّ الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه.
ولو بسطنا ما ورد في الأمر بمحبتهم وموالاتهم، لكثر ذلك، وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر. قال: قيل لعائشة: إنَّ أناسًا يتناولون أصحاب محمد رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل في الدنيا فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر.
* * *
الفرقة الرابعة من الأصول: القدرية وهم المعتزلة (١)
قال الشهرستاني (١): ويلقبون يعني المعتزلة، والكلام عليهم من وجوه:
الأول: في موجب التسمية، سمّوا بذلك لنفيهم القدر عن الله، كما تقدم عن إسحاق ذكره.
قال الطلمنكي: إن قيل لم سميتمونا قدرية؟ قلنا: سميناكم قدرية؛ لأنكم تقولون: إنكم تقدرون لأنفسكم ولا يقدر الله عليكم، وتخلقون من أفعالكم ما لم يخلقه الله فيكم، وزعمتم أنَّ الله يريد منكم الطاعة وتريدون أنتم المعصية فيكون ما تريدون من أنفسكم دون ما يريده الله منكم؛ فلما أثبتم ذلك لأنفسكم دون خالقكم تعالى الله عن إفككم، وجب أن تكونوا قدرية، والدليل على ذلك: انَّ من زعم أنه يصوغ سمّي صائغًا دون من زعم أنه يصاغ له، وكذلك التاجر من يتاجر لامن يتجر بماله.
الثاني: أول من أبدع هذا الرأي الفاسد.
قال اللالكاني: قال ابن عون: أدركت الناس وما يتكلمون في علي وعثمان حتى نشأ ههنا حقير، يقال له: سيبويه البقال.
قال: وكان أول من تكلم في القدر.
وقال عياش: أدركت البصرة ومابها قدري إلا سيبويه ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة.
وقال الأوزاعي: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق، يقال له: سوسن
стр. 7622
كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد.
الثالث في نبذة مما ورد في ذمهم:
في الصحيحين: إنَّ يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن سألا عبد الله بن عمر، وقالا له: إنَّه ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن يبقرون العلم ويزعمون: أن لا قدر، وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو انفق أحدهم مثل أحد ذهبًا، ماقبل منه شيء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال (١): «القدرية مجوس هذه الأمة».
وروى أبو داود عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر». من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحقَّ على الله أن يلحقهم بالدجال.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة. قال: جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر، فنزلت هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).
وروى اللالكاني عن سعيد بن جبير. قال: القدرية يهود.
قال إمام الحرمين في كتاب الشامل: ولو أنصف المعتزلة لاجتزأوا بهذه الألفاظ، وارتدعوا عن فضائحهم بالمأثور من الآثار على لسان خلف الأمة وسلفها في ذم القدرية.
الرابع في الكلام على فرقهم:
اعلم أن المعتزلة على اختلاف فرقهم، صنف منهم إذ جميعهم قدرية.
قال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات: أجمعت المعتزلة على أنَّ الله لم يخلق الكفر ولا المعاصي ولا أشياء من أفعال غيره؛ إلا رجلًا منهم، فإنه زعم: أنَّ الله خلقها بأن خلق أسماءها وأحكامها فهم بذلك جميعهم أصل واحد وهم على فرق:
الفرقة الأولى: المعبدية (٣).
стр. 7623
أتباع معبد الجهنمي. الذين يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف أي مستأنف.
الفرقة الثانية: الواصلية (١):
أتباع واصل بن عطاء الذي هو رأس المعتزلة وبه سميت المعتزلة معتزلة؛ وذلك ان واصلًا هذا كان يختلف إلى الحسن البصري. وكان في السر يضمر اعتقاد معبد وغيلان. وكان يقول بالقدر.
وكان المسلمون من فساق الملة على قولين فكانت وجميع أهل السنة يقولون: إنَّهم مؤمنون موحدون بما يفهم من الاعتقاد الصحيح فاسقون عصاة بما يقدمون عليه من المعصية. وكان الخوارج يقولون: إنهم كفرة مخلدون في النار، فخالف واصل
стр. 7624
القولين، وقال: إنَّ الفاسق لا مؤمن ولا كافر، وإنه في منزلة بين المنزلتين، فاعتزل به دين المسلمين، وطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل خائبًا مع أصحابه فسموا معتزلة.
الفرقة الثالثة:
أتباع عمرو بن عبيد (١)، مولى بني تميم. وكان يوافق واصلًا بما ذكرناه من بدعته، وزاد عليه بأن قال: كلا الفريقين من أصحاب حرب الجمل فسقوا، وهم خالدون مخلدون في النار.
الفرقة الرابعة: الهذيلية (٢):
وهم أتباع أبي الهذيل العلاف الذي كفره أصحابه من المعتزلة كالجبائي
стр. 7625
والإسكافي وغيرهما؛ ومن تناهي مقدروات الباري حتى إذا انتهت مقدوراته لا يقدر على شيء.
الفرقة الخامسة: النظامية (١):
أتباع أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام.
стр. 7626
والمعتزلة يزعمون أنه سمي النظام؛ لأنه كان حسن الكلام في النظم والنثر؛ وليس كذلك، بل كان ينظم الخرز في سوق البصرة في حداثه سنه، ومن شنيع قوله القول بالطفرة.
الفرقة السادسة: الأسوارية (١).
وهم أتباع الأسواري. وكان من أتباع النظام وموافق له في جميع ما ذكرناه، وزاد عليه بأن قال: إنما علم أنه لا يكون لم يكن مقدورًا الله تعالى.
وهذا القول يوجب أن تكون قدرة الله متناهية.
الفرقة السابعة: المعمرية (٢):
أتباع معمر بن عباد.
стр. 7627
كان يقول: إنَّ الله تعالى لم يخلق شيئًا من الأعراض من لون أو طعم أو رائحة أو حياة أو موت أو سمع أو بصر، وإنه لم يخلق شيئًا من صفات.
الفرقة الثامنة: البشرية (١):
أتباع بشر بن المعتمر.
стр. 7628
ومن فضائحه قوله في باب التوالد: إنَّ الإنسان يخلق اللون والطعم والرائحة والسمع والبصر وجميع الإدراكات على سبيل التولد، وكذلك يخلق الحرارة والبرودة والرطوبة.
الفرقة التاسعة: الهشامية (١):
أتباع هشام بن عمرو الفوطي.
стр. 7629
وكان من جملة القدرية وزاد عليهم في بدع كثيرة منها أنه لا يجوز لواحد من المسلمين أن يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١).
الفرقة العاشرة: المردارية (٢):
أتباع أبي موسى المردار.
وكان من رهبان المعتزلة. وكان من قوله: إنَّ الناس قادرون أن يأتوا بمثل هذا القرآن وبما هو أفصح من ذلك، وغير ذلك من الكفر. كذب لعنه [الله].
الفرقة الحادية عشرة: الجعفرية (٣):
أتباع جعفر بن محمد (٤)، وجعفر بن حرب (*)
وكان قولهم: إن رجلا لو خطب امرأة واجتمعا للعقد فوثب عليها وأطاعته فألم بها إن المرأة لا حد عليها، والرجل يجب عليه الحد.
الفرقة الثانية عشرة: الإسكافية (١):
أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي.
قال الإسفراييني: اقتدى في ضلالة القدرية بجعفر بن حرب وكان أستاذه ثم زاد عليه، فقال: إن الله تعالى قادر على ظلم الأطفال والمجانين وليس بقادر على ظلم العقلاء البالغين.
ومن خرافاته أنه يقول: إن الله يكلم عبيده، ولا يجوز أن يقال: إنه تكلم.
الفرقة الثالثة عشرة: الثمامية (٢):
أتباع ثمامة بن أشرس.
стр. 7632
وكان زعيم القدرية في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وزاد على أسلافه بأنّ المعارف ضرورية. وكان يقول: إنَّ من لم يعرف الله ضرورة ليس عليه أمر ولا نهي، وإنَّ الله خلقه للسخر والاعتبار لا للتكليف كما خلق البهائم. وكان يقول: إنَّ الأفعال المتولدة لا فاعل لها.
الفرقة الرابعة عشرة: الجاحظية (١):
أتباع عمرو بن بحر الجاحظ. وكان من قوله: إنَّ المعارف كلها طباع، وإن كل من عرف شيئًا فإنما يعرفه بطبعه.
стр. 7633
الفرقة الخامسة عشرة: الشحامية (١):
أتباع يعقوب بن الشحام.
أستاذ الجبائي في الضلالة القدرية، وجوز هو والعلاف مقدورًا بين قادرين؛ ولكنهم جوزوا انفراد كل واحد منهما بخلقه، وقالوا: لو أراد الله إن ينفرد بخلقه، لانفرد به، ولو أراد العبد أن ينفرد بخلقه، إنفرد به.
الفرقة السادسة عشرة: الخابطية (٢):
أتباع أبي الحسن الخياط:
стр. 7634
ومن قولهم: إنَّ المعدوم جسم.
الفرقة السابعة عشرة: الكعبية (١):
أتباع عبد الله بن محمود البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي.
стр. 7635
وكان يقول: إنَّ الله لا يرى نفسه ولا يراه غيره. وكان ينفي الصفات، ويزعم أنَّ الله لا إرادة له، ولا سمع له، وأن معنى ذلك علمه.
الفرقة الثامنة عشرة: الجبائية (١):
أتباع أبي [علي] الجُبّائي ومن قوله حين سأله أبو الحسن الأشعري عن الطاعة، فقال: هي موافقة الإرادة، فقال له: هذا يوجب أن يكون الله مطيعًا لعبده إذا أعطاه مراده، فقال نعم، يكون مطيعًا له. وخالف إجماع المسلمين في ذلك.
وكان يجوز أن يشتق للباري تعالى اسمًا من أفعاله، ويجوز أن يسمى فحيل النساء، وغير ذلك.
الفرقة التاسعة عشرة: البهشمية (٢):
أتباع أبي هاشم الجبائي.