وكان قولهم: إن رجلا لو خطب امرأة واجتمعا للعقد فوثب عليها وأطاعته فألم بها إن المرأة لا حد عليها، والرجل يجب عليه الحد.
الفرقة الثانية عشرة: الإسكافية (١):
أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي.
قال الإسفراييني: اقتدى في ضلالة القدرية بجعفر بن حرب وكان أستاذه ثم زاد عليه، فقال: إن الله تعالى قادر على ظلم الأطفال والمجانين وليس بقادر على ظلم العقلاء البالغين.
ومن خرافاته أنه يقول: إن الله يكلم عبيده، ولا يجوز أن يقال: إنه تكلم.
الفرقة الثالثة عشرة: الثمامية (٢):
أتباع ثمامة بن أشرس.
стр. 7632
وكان زعيم القدرية في أيام المأمون والمعتصم والواثق، وزاد على أسلافه بأنّ المعارف ضرورية. وكان يقول: إنَّ من لم يعرف الله ضرورة ليس عليه أمر ولا نهي، وإنَّ الله خلقه للسخر والاعتبار لا للتكليف كما خلق البهائم. وكان يقول: إنَّ الأفعال المتولدة لا فاعل لها.
الفرقة الرابعة عشرة: الجاحظية (١):
أتباع عمرو بن بحر الجاحظ. وكان من قوله: إنَّ المعارف كلها طباع، وإن كل من عرف شيئًا فإنما يعرفه بطبعه.
стр. 7633
الفرقة الخامسة عشرة: الشحامية (١):
أتباع يعقوب بن الشحام.
أستاذ الجبائي في الضلالة القدرية، وجوز هو والعلاف مقدورًا بين قادرين؛ ولكنهم جوزوا انفراد كل واحد منهما بخلقه، وقالوا: لو أراد الله إن ينفرد بخلقه، لانفرد به، ولو أراد العبد أن ينفرد بخلقه، إنفرد به.
الفرقة السادسة عشرة: الخابطية (٢):
أتباع أبي الحسن الخياط:
стр. 7634
ومن قولهم: إنَّ المعدوم جسم.
الفرقة السابعة عشرة: الكعبية (١):
أتباع عبد الله بن محمود البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي.
стр. 7635
وكان يقول: إنَّ الله لا يرى نفسه ولا يراه غيره. وكان ينفي الصفات، ويزعم أنَّ الله لا إرادة له، ولا سمع له، وأن معنى ذلك علمه.
الفرقة الثامنة عشرة: الجبائية (١):
أتباع أبي [علي] الجُبّائي ومن قوله حين سأله أبو الحسن الأشعري عن الطاعة، فقال: هي موافقة الإرادة، فقال له: هذا يوجب أن يكون الله مطيعًا لعبده إذا أعطاه مراده، فقال نعم، يكون مطيعًا له. وخالف إجماع المسلمين في ذلك.
وكان يجوز أن يشتق للباري تعالى اسمًا من أفعاله، ويجوز أن يسمى فحيل النساء، وغير ذلك.
الفرقة التاسعة عشرة: البهشمية (٢):
أتباع أبي هاشم الجبائي.
قال الأسفراييني: وأكثر المعتزلة اليوم على قوله؛ لأن ابن عباد كان يدعو إلى قوله. وكان من قوله: إنَّ العبد يستحق العقاب لا على فعل فعله وغير ذلك من الخرافات.
الفرقة الموفية عشرين الصالحية (١):
أتباع الصالحي.
وكان يزعم أنه يجوز وجود الجواهر اليومية خالية من العرض. وكان يزعم أنَّ
стр. 7638
القدرة والإرادة والسمع والرؤية يجوز وجود هذا كله في الميت.
الفرقة الحادية والعشرون: الحائطية (١):
اصحاب أحمد بن حائط.
وكان يزعم أنَّ للعالم إلهين وخالقين أحدهما قديم، والآخر محدث.
الفرقة الثانية والعشرون: الجهمية (٢):
أتباع جهم بن صفوان.
وكان من قوله: إنَّ الجنة والنار تبيدان وتفنيان. وكان ينفي الصفات حتى يقول:
لا أقول إنَّ الله شيء؛ لأنَّ ذلك تشبيه له بالأشياء. تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا.
стр. 7639
الفرقة الثالثة والعشرون: الجبرية (١):
الذين زعموا أنَّ العبد مجبور على الفعل، كما أنَّ المرتعش مجبور على الرعشة، وأنه لا تصريف له.
وقد عد هذه الفرقة من المعتزلة الشهرستاني وغيره، وزعم: أنَّ الضرارية والنجارية منهم.
قال أبو العباس بن تيمية: الخائضون في القدر من أهل الضلالة يجمعهم الإنقسام إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.
ف [الفرقة الأولى]: المجوسية:
الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بنهيه وأمره، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
والفرقة الثانية: المشركية:
الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي. قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر، فهو من هؤلاء.
والفرقة الثالثة: الإبليسية:
وهم الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب تعالى، وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقامات، ونقل عن أهل الكتاب.
الخامس: في الكلام عليهم، وهو الدفع لآرائهم الفاسدة:
قال: أهل الاعتزال أكثر الطوائف تشغيبًا، ولو أتينا على جميعه، ما وسعه طاقة
стр. 7640
هذا المقام، ولضاقت عنه رحاب هذا الكتاب.
قال أبو منصور التميمي واعتزالهم يدور على ثلاثة أشياء؛ وهو القول بالقدر وقد تقدم نقل الأشعري إجماعهم عليه، قال: وبنفي الصفات، وبالمنزلة بين المنزلتين.
فنقول: أما القول بالقدر، فإنَّهم زعموا أنَّ الله خالق لأفعال العباد، وأن العباد خالقون لأفعالهم مقدورون لها، وأن الله لا يضل أحدًا، وأنكروا أن يكون الله خص بعض العباد من النعم بما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له، وأن نعمته على أبي بكر كنعمتة على أبي لهب، وأن هؤلاء أحدثوا أعمالًا صالحة، وهؤلاء أحدثوا أعمالًا فاسدة، وقد ذمهم السلف على هذه المقالة - كما تقدم ذكره - وأتوا عليه بحجج وأدلة لا محيد لهم عنها من الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقد أخبر سبحانه في عدة مواضع أنه خالق كل شيء، وأنه خلق كل شيء فقدره تقديرا، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١).
وقال محمد بن نصر، ليس بين العلماء اختلاف في أنَّ الإيمان شيء والكفر شيء، وأفعال العباد كلها أشياء، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٢).
فيقال للقدرية: قد قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣)، فإن قالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه لو كان خلق الأفعال ما أثاب على الطاعة، ولا عاقب على المعصية، قلنا: أكذبتم أنفسكم، ونقضتم جملة ما أعطيتم من الإقرار بأنَّ الله خالق كل شيء ومن أضل وأجهل وأشدّ معاندة، وخلافًا لكتاب الله ممن سمع الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤) ثم زعم أنَّ أكثر من مائة ألف ألف شيء سوى الله لم يخلقه؛ وذلك أن أهل السماوات والأرض من الملائكة والجن والانس أجسام، وكل واحد منهم يفعل ما لا يحصى عدده من الافعال بالقلوب والألسنة وسائر الجوارح فيكون حينئذ ما لم يخلق الله من الأشياء في قولهم أكثر مما خلق، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥) وهذا نص في بابه، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٦).
قال زيد بن أسلم: لقد قالت القدرية قولًا ما قاله الله ولا قالته الملائكة ولا أهل
стр. 7641
الجنة، ولا أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ (١)، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٢)، وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٣) وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٤)، وقال أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ (٥)، وقال أخوهم إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٦).
وقال بعض السلف: إبليس خير من القدرية؛ فإنه آمن بالقدر، وعلم أنَّ الله خالق أفعال العباد، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وذلك في قوله ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾.
قال بعض السلف: عرف إبليس أنَّ الغواية جاءت من عند الله فآمن بالقدر.
وقال إبراهيم: بيني وبين القدرية هذه الآية: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٧).
وقال ابن عباس في قوله [تعالى]: ﴿يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٨) قال: من يرد الله لم تغن عنه شيئًا.
والسلف من الصحابة والتابعين ﵃ قد ألزموا القدرية علم الله فإن أقروا به خصموا، وإن لم يقرُّوا به كفروا؛ ولهذا قال عمر بن عبد العزيز لغيلان لما بلغه عنه القول بالقدر: ما تقول في علم الله؟ فقال: سبحان الله قد علم كل نفس ما هي عاملة، وإلى ما هي صائرة، فقال عمر بن عبد العزيز: إذهب فاجهد جهدك.
وروى اللالكاني عن أبي رجاء. قال: رأيتُ رجلين يتكلمان في القدر، فقال: فضل الرقاشي لصاحبه: لا تقر له بالعلم، فإن أقررت له بالعلم، فأمكنه من رجليك يسحبك عرض المربد.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لغيلان: إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدت العلم كفرت.
وأما ما ورد من السنة فما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في الجنين أنه قال: ثم يأمر الملك يكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد.
стр. 7642
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: تحاج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا أخرجتنا ونفسك من الجنة. قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده ياموسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال: فحج آدم موسى.
وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة. قالوا: يارسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له؛ أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١)».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: إنَّ النَّدر لا يقدر لابن آدم شيئًا لم يقدره الله، ولكن النَّدر يوافق القدر، فيخرج ذلك من البخيل ما لم يكن مريدًا إخراجه. وهذه نبذة يسيرة والاستقصاء يطول.
وأما الإجماع، فقد ادعى الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون الفاصلة على خلاف قولهم، وانكاره جماعة كمحمد بن نصر المروزي، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي القاسم اللالكائي وجمهور العلماء ﵃.
فصل
واعلم أنَّ الذي يخلص في هذا المقام العظيم الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنَّ الله خالق العباد وأعمالهم والكف عن الخوض فيه كما أمرنا بذلك؛ فقد روى أهل السنن عن النبي ﷺ أنه خرج عن أصحابه وهم يتنازعون في القدر، قال: فكأنما فقأ في وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم، أو بهذا وكلتم.
وروى اللالكائي عن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تكلموا بشيء في القدر فإنه سر الله؛ فلا تفتشوا عنه.
стр. 7643
وروي عن علي أنه سئل عن القدر، فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، وبحر عظيم فلا تلجه، وسر الله فلا تتكلفه.
وقال سعيد بن جبير: ماغلا أحد في القدر إلا خرج عن الإسلام. فلهذا كان الأجدر في هذا المقام ألا يذكر فيه إلا ما ورد عن الله و. وعن رسوله وعن أئمة الإسلام دون ذكر تشغيب القدرية، وما أورد أهل الكلام عليهم فيه، إذ في ذلك نوع خوض، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
***
الفرقة الخامسة من الأصول: فرقة أهل السنة
وهي الثالثة والسبعون من الفرق التي أخبر رسول الله ﷺ بوجودهم في أمته، وأنها الناجية وماعداها ففي النار. بقول: «وفرقة ناجية» وهي: ما أنا عليه وأصحابي.
فأهل السنة متبعون لآثار نبيهم، ومهتدون بهديه، مقتدون به ﷺ في أقواله وأفعاله مستنون بسنته وسنن خلفائه وأصحابه.
وهم وسط في فرق أمته، كما أنَّ أمته وسط في الأمم؛ فهم وسط في وسط؛ ألا ترى بأنهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل والجهمية وأهل التمثيل المشبهة المجسمة، وهم وسط في أفعال الله بين القدرية والجبرية. وفي باب وعبيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية والخوارج، وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج.
والوسط محمي الطريق كقول أبي تمام: [من البسيط]
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت … بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
وهي الطريق الوسطى أيضًا التي خطها رسول الله ﷺ وخط عن يمينها خطوطًا، وعن شمالها خطوطًا.
وقال: على كل سبيل منها شيطان. وأخبر عن السبيل الوسط، أنه سبيله وأنه الذي يدعو إليه.
وقال بعض السلف: السنة سفينة نوح فمن ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. فقول هؤلاء الذي به يقولون، ودينهم الذي به يدينون هو الإيمان بالله وملائكته
стр. 7644
وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت. ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه وفي كتابه، وبما وصف به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه.
ومن الإيمان به الإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
ومن الإيمان به الإيمان بأنَّ المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، ولا يضامون في رؤيته، ثم يرونه في الجنة كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ .
ومن الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ بما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر؛ وهي مسائلة منكر ونكير وبعذاب القبر وبنعيمه.
والإيمان أن الأرواح تعاد إلى الأجسام يوم القيامة فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غررًا، وتنصب الموازين فيوزن فيها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (١).
وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فأخذ كتابه بيمينه، وأخذ كتابه بشماله، وأخذ كتابه من وراء ظهره، كما أخبر الله سبحانه في كتابه، ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبته كما وصف ذلك على لسان رسوله.
وفي عرصة يوم القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته بعدد نجوم السماء، وإنَّ الصراط حق، وهو منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي يمر عليه الناس بين الجنة والنار على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كراكب الإبل، ومنهم من يعدو عليه عدوًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة.
وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته؛ وله
стр. 7645
يوم القيامة المقام المحمود بالشفاعات؛ وهي ثلاث شفاعات:
الشفاعة الأولى في أهل الموقف فيشفع فيهم حتى يقضي بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء حتى ينتهي إليه.
وأما الثانية، فيشفع في أهل الجنة فهاتان خاصتان له.
وأما الثالثة فيشفع فيمن استحق النار فيخرج منها. وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين.
ثم يكون أهل الجنة في نعيمهم أبدًا، وأهل النار في عذابهم سرمدًا.
ومن الإيمان أن أفضل الأمة بعد نبيها؛ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وأنَّ العشرة في الجنة هم هؤلاء الأربعة؛ وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة عامر بن الجراح.
* * *
стр. 7646
النوع الثالث في الكلام على طائفة المتدينين
نحن نذكر ما قيل في سكان الأرض، وكلهم على ما يقتضيه التفسير من ولد نوح ﵇.
قال أبو عبيد البكري: روي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ (١) أنهم سام، وحام، ويافث.
وعن ابن عباس ﵁: نزل سام سُرَّة الأرض فيما بين سابير إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام.
وجعل الله فيهم النبوة والكتاب.
وسام كان القيم بعد نوح في الأرض، ومن ولده الأنبياء كلها؛ عربيها وأعجميها، والعرب كلها يمنيها وبراريها.
وأما حام، فنزل الهند والسند وبلاد الجنوب جميعها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
وأما يافث، فنزل بالصين والترك والشمال جميعه، وجزائر البحر الرومي إلى أقصى الغرب. ومن ولده؛ يأجوج ومأجوج.
وقال سعيد بن المسيب ولد نوح ثلاثة أولاد، وولد كل واحد منهم ثلاثة أولاد: سام وولده العرب وفارس والروم، وحام وولده القبط والسودان والبربر، ويافث وولده الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
وقيل يأجوج ومأجوج فرقتان لأنوش بن يافث، وقيل: بل أبوهما واحد من يافت. وليس فيهم خير.
وقال أبو القاسم صاعد بن أحمد: أما الأمة الأولى الهند، فكثيرة العدد، وعظيمة القدر، فخمة الممالك، وقد اعترف لها بالحكمة وبالتبريز في المعرفة جميع الملوك السالفة، والأمم الخالية.
стр. 7647
وكان الهند جميع الأمم على مر الدهور معدن الحكمة، وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة، والآراء الفاضلة، والأمثال السائرة، والنتائج الغريبة، واللطائف العجيبة.
وزعم أهل العلم بالنجوم، أنَّ زحل وعطارد يتوليان بالقسمة الطبيعية الهند؛ فلولاية زحل مال إلى السواد ألوانهم، ولولاية عطارد خلصت عقولهم، ولطفت أذهانهم مع مشاركة زحل في صحة النظر، وبعد الغور؛ فكانوا لهذا حيث هم من صفاء القرائح، وسلامة التمييز، ولهم التحقيق بعلوم العدد، والأحكام لصناعة الهندسة، وحركات النجوم وسائر العلوم الرياضية.
وهم أعلم الناس بصناعة الطب وأبصرهم يقوى الأدوية وطبائع المولدات المحمودة.
وهم مجموعون على التوحيد والتبرئة عن الإشراك. والصابئة هم جمهور الهند ومعظمهم.
[أمة الفرس]
وأما الأمة الثانية - وهم الفرس - فأهل العز الشامخ، والشرف الباذخ، أوسط الأمم دارًا، وأشرفها إقليمًا، وأسوسها ملوكًا، ولا يعلم أمة دام لها الملك مادام لهم.
[أمة الكلدان]
وأما الأمة الثالثة، فهم الكلدانيون، ومنهم النماردة ملوك بابل، وهؤلاء هم النبط.
[أمة اليونان]
وأما الأمة الرابعة، فهم اليونانيون. وكانت أمة عظيمة القدر في الأمم، طائرة الذكر في الآفاق، فخمة الملك منهم: الإسكندر بن فيلبس المقدوني؛ المعروف بذي القرنين، هذا الأصح من أمره، ولا اعتبار بما ذكره الفردوسي: من أنه ابن دارا - أحد ملوك الفرس - وذكر تلك الخرافة: ان دارا كان تزوج بنت قيصر فحملت منه ثم كرهها لتغيير فمها، ثم ردها إلى أبيها فولدت الإسكندر فحسب منهم، وإنما هو ابن دارا من الفرس؛ فإنَّ هذا ليس بشيء وما أراد قائل هذا به إلا تعظيم الفرس حسدًا أن يكون مثله من غيرهم.
стр. 7648
[أمة الروم]
وأما الأمة الخامسة، فهي الروم؛ وهي أمة ضخمة المملكة. وكانت بلادهم مجاورة لبلاد اليونانيين فمن ثم ومن الوقائع بينهم تداخل ذكر بعضهم في بعض حتى كادوا لا يفرق بينهم.
[أمة مصر]
وأما الأمة السادسة، فأهل مصر. وكانوا أهل ملك عظيم، وعز قديم في الدهور الخالية. وكانوا أخلاطا بين قبطي ورومي، ويوناني، وعملقي، وغيرهم؛ إلا أنَّ جمهورهم قبط.
وكان لأهلها - قبل الطوفان - عناية بأنواع العلوم وبحث عن غوامض الحكم.
ثم كان - بعد الطوفان - منهم علماء بضروب الفلسفة من الرياضية والطبيعية وخاصة الطلسمات والنيرنجات والمرايا المحرقة والكيمياء.
[أمة العرب]
وأما الأمة السابعة - وهي العرب - فهي فرقتان: بائدة، وباقية؛ فالبائدة كانت ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس والعمالقة وجرهم، أبادهم الزمان بعد أن سلف لهم ملك جليل. وكان لهم في الأرض بناء كثير.
أما الفرقة الباقية، فملكت منهم ملوك باليمن والعراق والشام.
والعرب وإن كانت أهل أوثان فإنها موحدة، وما اتخذت الأصنام إلا تعتقد أنها تقربها إلى الله زلفى.
وبلادهم جزيرة العرب، وسميت بذلك لإحاطة البحر بها من جهاتها الثلاث؛ المشرق والمغرب والجنوب.
ففي شرقها خليج عمان والبحرين والبصرة، وفي مغربها خليج جدة وأيلة - وهو القلزم - وفي جنوبها بحر عدن وهو بحر الهند - وأما شمالها، فأطراف الشام وبلاد ثمود إلى دومة الجندل والبلاد المطلة على السماوة.
ذكرنا هذا اعتراضًا وإلا فهو من موضعه.
وكانت ملوك الصين تقول: ملوك الدنيا خمسة وسائر الناس أتباع لهم؛ فملك الصين ملك الناس؛ لأن أهل الصين أطوع الناس للملكة، وأشدهم انقيادًا إلى السياسة، وملك الهند ملك الحكمة لفرط عنايتهم بالعلوم وتقدمهم في جميع المعارف، وملك الترك ملك السباع لشجاعة الترك وشدة بأسهم، وملك الفرس ملك الملوك لفخامة
стр. 7649
مملكته وجلالته، ونفاسة خطرها، وعظم شأنها؛ لأنها حازت على الملوك وسط المعمورة من الأرض، واحتوت على أكرم الأقاليم دون سائر الممالك؛ وملك الروم ملك الرجال؛ لأن الروم أجمل الناس وجوهًا، وأحسنهم أجسامًا، وأشدهم إشراقًا.
قال صاحب الكمائم: أهل الإقليم الأول في نهاية من سواد اللون وتغلغل الشعر، وتشقق الأقدام، فالمشرق أقرب حالًا في هذا الشأن منهم بالمغرب؛ لأن البحار الصينية والهندية ألانت شعورهم وفتحت ألوانهم وحسنت صورهم، وهم بالمغرب لعدم رطوبة البحار في احداقها بهم كما تحدق بالهند على الصفة المقدمة الذكر.
وأهل الإقليم الثاني انفضحت ألوانهم عن السواد إلى السمرة والكدرة كألوان الحبشة والنوبة بالمغرب، وألوان العرب وبعض الهند وبعض أهل الصين، ولانت شعورهم واعتدلت أحوالهم بقدر التفاوت المذكور.
وأهل الإقليم الثالث ألوانهم لها السمرة الصافية الذهبية المستحسنة كلون أهل مصر وإفريقية، وما في خطتها من بلاد الهند والصين، وألوانهم فتنة الناظر.
قال علي بن سعيد يجب أن يقال: [من السريع]
ياذا الذي يُنْفِقُ أموالَهُ … في حُبِّ هذا الأسمر الفائق
مالذهبُ الصامتُ مُستنكَرُ … إنفاقُهُ في الذهب الناطق
وأهل الإقليم الرابع في نهاية اعتدال القدود، وحسن الصور، وصفاء الألوان الممتزج بياضها بالحمرة، ورقة الأذهان، ووفور الأحلام كأهل الشام والجزيرة وشمالي العراق، وعراق العجم، وخراسان وماوراء النهر وما في خط ذلك من بلاد الأتراك، وكأهل الجزر البحرية التي منها أقريطش، وصقلية، وميورقا، وأهل ساحل الأندلس الجنوبي مرسية والمرية وغرناطة وأشبيلية وقرطبة وسبتة من بر العدوة.
وأهل الإقليم الخامس مالت ألوانهم إلى البياض ولحقهم من أحكام البرودة بقدر ما لحق الإقليم الثالث من أحكام الحرارة بالنظر إلى الإقليم الرابع المعتدل بخوارزم وأذربيجان وبلاد الروم وما في خطها من بلاد المغرب كالقسطنطينية، ورومية، وطليطلة بالأندلس.
وأهل الإقليم السادس في احكام البرودة من الإقليم الرابع كأحكام الإقليم الثاني في الحرارة غلبت عليهم الشقرة والزرقة والبياض وتبلد أذهانهم كأهل شمالي بحر طبرستان من الأتراك والخزر واللان والروس والصقالبة ومافي خط هذا البلد من البرجان والباشقرد، وبلاد عباد الصليب إلى شمالي الأندلس حيث شنت يافوه.
وأهل الإقليم السابع في أحكام البرودة من الإقليم الرابع كأحكام الإقليم الأول
стр. 7650
في الحرارة، غلبت عليهم الصهوبة، وصارت ألوانهم كالكلس، وشعورهم كالكتان، وتبلدت أذهانهم كأهل الشمال من سكان أرض الروس بالمشرق، وأهل البلغار ومافي خط ذلك إلى البحر المحيط بيأجوج ومأجوج، ومافي شمالي المغرب من أرض الروس والصقالبة وجزيرة لنكطرة في البحر المحيط.
قال صاحب الكمائم: إنَّ الله جعل ولايتها للشهب
فللإقليم [الأول] زحل وأحكامه في سعاية الغل والحقد والهرم والمكر والغدر والفقر والغربة الطويلة، وقلة مخالطة الناس، والمهنة والسحر والكهانة وعلم الأسرار، وهذه الأحكام توجد كثيرًا فيما كان في الإقليم الأول من الصين والهند واليمن وسودان المغرب.
فللإقليم الثاني للمشتري وأحكامه في سكانه: العلم والفقه والقضاء بين الناس والفهم والحكمة والصدق والدين والعبادة والورع والاحتمال والعدل والرئاسة والفلح والرغبة في جمع المال والغبطة وصدق المودة، وحب العمارة والوفاء والسماحة والبهاء والزينة والضحك، وكثرة الكلام، ودراية اللسان، وكثرة النكاح والأولاد وحب الخير وكراهية الشر؛ وهذه الأحكام توجد كثيرًا فيما كان في الإقليم الثاني من الصين واليمن والهند والحجاز والحبشة والنوبة.
والإقليم الثالث للمريخ وأحكامه في سكانه: الذكاء والحدة وسرعة الغضب والقتال والشجاعة والمكر والعذاب والضيق والأسر والخصومة والظلم وغلظ الكبد واللجاجة والسرعة في الأشياء، وإظهار الحب من غير نية، وقلة الورع، وقلة الوفاء، وكثرة الكذب والنميمة والفجور والخُبث والحلف بالإيمان الكاذبة، وأعمال السوء والزنى وسياسة الدواب والبيطرة ورعاية الغنم ومداواة الجراحات وصناعة الحديد ونبش القبور وعبادة الأصنام.
وتغلب هذه الأحكام على من كان في الإقليم الثالث من الصين والأتراك والسند والهند وسجستان وكرمان وفارس وجنوب العراق وأطراف جزيرة العرب والشام ومصر وبرقة وإفريقية وما والاها من الغرب الأوسط.
والإقليم الرابع الكبير الأعظم وهو للشمس، وأحكامها: في مكانة العقل والمعرفة والملك والرئاسة والسؤدد والثناء والشرف والجماعات والقوة والغلبة والفطنة والصلف وشدة المحبة للذهب وكثرة الكلام والإساءة للغريب وعبادة النيران.
وتغلب هذه الأحكام على من كان في الإقليم الرابع من الأتراك وبلاد ما وراء النهر وخراسان وعراق العجم وجنوبي العراق، والجزيرة وجهة حلب من الشام،
стр. 7651
وصقلية من الجزر البحرية، والحواضر التي بساحل الأندلس مثل مرسية والمرية وغرناطة وأشبيلية وقرطبة وسبتة وتلمسان.
والإقليم الخامس للزهرة كالأتراك الذين في شرق خوارزم ومافي خطتها من جرجان وطبرستان وأذربيجان والبلقان وأرمينية وبلاد الروم والقسطنطينية ورومية إلى طليطلة من بلاد الأندلس وما في خطتها.
وأحكامه: في أهل الزينة واللهو واللعب والرقص والغناء ومحبة الطرب والعشق والسحر.
الإقليم السادس لعطارد وأحكامه في سكانه: محبة الأخوة والوظائف والربوبية والعقل والنطق والكلام والأحاديث والأخبار والكتابة وحسن التعليم والفطنة والمناظرة والآداب والفلسفة والنجوم والكهانة والزجر والفال والحساب والهندسة والمساحة والكتب الغامضة والبلاغة وسرعة الكلام وحلاوته وقول الشعر والسعاية والكذب والإطلاع على الخفيات وإخراج المعمي والتجارات والدهاء والمصارعة والخدمة والعداوة والحفظ والنظر في الأديان والبحث عنها. والبلاد التي يقتضي أن تكون هذه الأحكام غالبة عليها هي ما في شمالي بحر طبرستان وباب الأبواب والبلغار والروس، وما في خط ذلك من الجزر التي في البحر المحيط.
والإقليم السابع للقمر وأحكامه في سكانه: السعادة في المعاش والعلوم العلوية، والمفقه والدين، وكثرة الفكر في الأشياء والرئاسة والشرف والهندسة والمياه والزرع والرسل والأخبار والاباق والكذب والنميمة وكثرة النسيان والجبن وسلامة الصدر والإنبساط، وقلة كتم السر والسعة في إطعام الطعام وقلة النكاح وعبادة الحيوان.
والبلاد التي تقتضي أن تكون هذه الأحكام غالبة عليها أكثرها خراب بشمال المشرق والمغرب، وسكانها يأجوج ومأجوج، وما في الشمال من البلغار والروس والصقالبة والجزائر.
وحكى الشريف الأدريسي في كتاب أجار عن بطليموس؛ وقد نزع هذا المنزع، أن تكون هذه الأخلاق موجودة في كل واحد منهم في كل مدينة محال بل الغالب على جمهورهم هذه الأخلاق.
قال الشريف: ويمكن أن تزيد هذه الأخلاق فيهم وتنقص أما من قبل وضع كل واحد منهم، أو من قبل شيء آخر.
قلت: هذا مما قيل على مقتضى طوالع الأقاليم وسكانها من ولد نوح وحكم
стр. 7652
الطوالع نحن لا نتكلم فيه وإنما ذكرناه على سبيل الحكاية له، والله الأمر من قبل ومن بعد لاشريك له ولا مدبر لخلقه إلا هو، وله الحمد والمنة ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.
[سكان الأرض]
وإنما نتكلم في سكان الأرض فنقول: كم تبدلت الأرض أرضًا والناس ناسًا، ولم يبق في كل إقليم صليبة أهله ولا خالصة سكانه، ولم يداخلهم أهل أقليم آخر، ولا بقي لكل أرض جميع ما اشتملت عليه حدودها لاختلاف الملل والدول، وإثارة نوائر الحرب في كل جانب، ودخول الداخل من كل وجهة، وطالما خلا وطن، وجلا أهل دار، وقهر سلطان بمجاورة فدخل في أرضه واستضاف إلى مملكته ما ليس لها، وطالت مدد السنين فنسبت إليها، وليست انها لم تكن من أرضه وإنما استزادها، وبمثل هذا حصل الاختلال في حدود الأرض، والاختلاف في الأنساب لاختلاط بعض الناس ببعض فكثير ممن كرت عليهم نوب الدهر فخلوا أوطانهم وسكنوا بلادًا أخرى؛ إما للخوف على النفس والمال، أو لطلب الرزق والمعاش، أو لحابس ضرورة، أو هوى فاتخذوها أهلًا بأهل وأوطانًا بأوطان، وتزوجوا في غيرهم فتزوج غيرهم منهم، ثم ولدوا الأولاد، وولدت الأولاد الأولاد، فلم يبق ما يعرف إلا ماهم عليه، ونسي ما كان.
وهؤلاء الأكراد تزعم أنهم من قيس ثم من هوازن، وفيهم فرقة تدعي أنهم من بني أمية لجأوا إلى الأكراد خوفًا من بني العباس، وهم على هذه الدعوى إلى هذه الغاية.
والديلم تزعم أنهم من ولد النعمان بن المنذر من ولد فسه، وبعضهم يزعم أنهم من العباد بن تميم رهط عدي بن زيد.
ونصاري الجزيرة تزعم أنهم من ولد الحارث بن كعب بن مذبح، وبعضهم يزعم أنه من قيس من بني سليم، وبعضهم يزعم أنه من لخم.
والخدلجية تزعم أنها من حمير، وزويلة تزعم أنها من جرهم لما نالهم ما نالهم بمكة، هربوا فصاروا منهم، والتيمي من القبط تزعم أنهم من تغلب.
وبعض الحبشة يزعمون أنهم من يمن، وأنه لما غلبت عليهم الحبشة وإختلطوا بهم.
وفي الروم طائفة تزعم أنهم ممن دخل مع جبلة بن الأيهم من متنصرة العرب.
стр. 7653
فتأمل - رعاك الله - هذا البون العظيم بين هذه الفرق ومنابت أصولهم إن صحت دعواهم، ومثل هذا لا يستبعد.
ويكفي من أبصر وسمع كيف اضطربت الأرض بأهلها أيام جنكزخان وبعده من الصين إلى أقصى الشام بخراب الديار، وقلع الآثار، وعموم القتل في سكان الأرض إلا من نجا بنفسه وفرَّ إلى أرض بعيدة وبلاد شاسعة.
وساق الخوف الحفال (١) إلى مصر فالقوا عصاهم واستقرت بهم النوى حتى نصر الله الإسلام - بعين جالوت - على التتار، وانكشف ظلمهم عن الشام، وضربت الغزاة بيننا وبينهم بسور، وصارت حدًا بين ما غلبوا عليه، وما بقي من ممالك الإسلام بمصر والشام.
وهم اعتى التتار في تلك السنين على الجد في طلب ما بقي فاستوطنت الحفال مصر وسكنوها فرارًا من مجاورة التتار، ولو أمكنهم أن يعدُّوا لمغرب الشمس من شدة ما حصل لهم من الخوف لفعلوا.
ثم لم تحدثهم نفوسهم بالانتقال من مصر حتى ولوا إلى الشام لإطلال طلائع التتار عليهم في كل ساعة من تلك الإيام.
ثم ماتت تلك الحفال ولم يبق إلا أولادهم وأولاد أولادهم، فلم يعرفوا لهم وطنًا سوى مصر، ولا بقي أحد منهم إذا سألته عن نسبه يقول: إلا مصري وهم من بخارى أو سمرقند أو خجند أو خوارزم.
ومنهم من نسي ومنهم من تناسى لم يعرف سوى المكان الذي هو به. وإذا كان الأمر على هذا فلم يبق معنى لتخصيص ذوي نسب بسكن مكان دون آخر، بل كان في أقليم من عموم الناس وأنواع الأجناس.
وقالت الحكماء: لو سكن صقلبي جصي اللون في نهاية البياض والشقرة بلاد الجنوب وأولد بها ثم أولد ولده ولدًا، جاء البطن السابع أسود مثل أهل الجنوب. وكذلك لو سكن زنجي محترق في غاية السواد والقشف بلاد الشمال، وأولد بها ولدًا. ثم أولد الولد ولدًا جاء البطن السابع أبيض أشقر خصيبًا مثل أهل الشمال؛ وقد نقل اختلاف الألوان لسبب آخر غير البلدية.
قلت: وأحوال البلاد كأحوال الناس تختلف بحسب الأوقات؛ لأنه لما كان الكل
стр. 7654
حادثًا كان محل التغيير. فسبحان الله القديم الباقي الذي لا يتغير ولا تدركه الحوادث.
وقد قدمنا القول: إنا نتكلم في أمر البلاد وأهلها على حال زماننا لا على ماكانت عليه ولا نصًا بقول قائل: لم ذكر المدينة الفلانية وماذكر المدينة الفلانية والتي لم يذكرها أكبر أو أكثر، أو أقدم، أو أعظم، أو قاعدة الملك الأصلي فإنَّ قواعد الملك تنقلب في كل مملكة كانت قاعدة الملك، ومرة هذه المدينة ثم صارت مرة تلك الأخرى على ما اقتضته تلك الأوقات، وآراء تلك الملوك. ونحن نذكر هنا ما نستدل به على ما ذكرنا لندفع اعتراض من يعترض فنقول: إنَّ قاعدة الخلافة أول ماكانت المدينة الشريفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مدة أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله - فلما انتهت الخلافة إلى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - انتقل من المدينة إلى الكوفة واتخذها قاعدة خلافته، وربما استوطن البصرة، وجاء ابنه الحسن ﵇ المديدة التي أقامها، والكوفة قاعدة خلافته على ما كان عليه أبوه.
وقد كان معاوية بدمشق أميرًا من قبل عمر وعثمان؛ فلما بويع علي ﵁ ونازعه معاوية في الأمر، ودعا إلى نفسه بالخلافة كان بدمشق.
ثم لما سلم إليه الحسن بن علي ﵉ لم ينتقل منها إلى المدينة كما كان الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، ولا إلى الكوفة كما كان علي والحسن، فانتقلت قاعدة الخلافة إلى دمشق، واستقرت قاعدة لبني أمية، وإن كان هشام قد اتخذ الرصافة مقامًا له، وعمر بن عبد العزيز ﵁ خُنَاصِرة (١)، فانهما لم يكونا قاعدتي خلافة؛ لأنهما سكناها غير مفارقين لدمشق، بل هي القاعدة والمعتد بأنها مستقر الخلافة، ولم تزل على هذا الحال إلى آخر الدولة الأموية؛ فلما غلب عليهم بنو العباس، وملك أبو العباس السفاح اتخذ الأنبار دارًا له وسكنها.
فلما ولي أخوه أبو جعفر المنصور بنى الهاشمية وسكنها ثم بغداد وانتقل إليها؛ فصارت قاعدة الخلافة له ولبنيه بعده إلى أن انتهت الخلافة إلى أبي إسحاق المعتصم فبنى سر من رأى - وهي المسماة على ألسنة العوام سامرة - فانتقلت قاعدة الخلافة إليها.
ثم لما ولي ابنه هارون الواثق، بنى إلى جانبها الهارونية فانتقلت قاعدة الخلافة إليها.
ثم لما ولي أخوه جعفر المتوكل بنى إلى جانبها الجعفري، وانتقلت قاعدة الخلافة إليه.
стр. 7655
ثم سافر المتوكل إلى دمشق وأراد الانتقال إليها، وبنى القصور بها بين المزة وداريا ليتخذها قاعدة لخلافته ثم بدا له أن يعود إلى العراق فعاد إليه.
ثم قتل إلى رحمة الله، ودبَّت الوحشة والبغضاء بين ابنه المنتصر والأتراك.
ثم فشت الفتنة بين المعتز - وهو بسامرة - وبين المستعين - وهو ببغداد - وشغل كل واحد منهما حال نفسه إلى أن ولي المعتمد فاستوطن بغداد وعادت قاعدة الخلافة إليها.
ثم لم تزل على هذا الحال إلى أن أخذ هولاكو بن طولي بن جنكزخان بغداد وسقط اسم الخلافة اسمًا ورسمًا من تلك البلاد.
ثم صار من بقايا هذا البيت العباسي أبو القاسم أحمد بن الظاهر أبي نصر محمد بن الناصر أبي العباس أحمد إلى مصر، وبها الملك الظاهر أبي الفتح بيبرس البندقداري الصالحي ﵀ فبايعه بالخلافة، ولقب المستنصر وأقام به اسمها بمصر والشام على المنابر، ونقش اسمه على السكة، وضرب بها الدرهم والدينار.
ثم جهزه بعسكر إلى العراق على أنَّه يفتحه، فقيل: وتحيد من أقربائه أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن بن علي القبي بن الحسن بن الراشد أبي جعفر المنصور بن المسترشد أبي المنصور الفضل، ولاذ بعيسى بن مهنا - أمير آل فضل - ثم توجه إلى البرلي بالبيرة فجمع له جمعًا من التركمان.
ثم آل الحال إلى أن استدعاه الملك الظاهر بيبرس وبايعه على الخلافة ولقب الحاكم بأمر الله وأجراه مجرى قريبه المستنصر.
ثم خاف عاقبة أمره فخلاه في برج بقلعة الجبل عنده ممنوعًا من الخروج واجتماع الناس به. وعنده حريمه وخدمه وغلمانه موسعًا عليه في النفقات والكساء يتردد إليه بعض العلماء والقراء على أكمل ما يكون من الإكرام، وملاحظة الجانب بالإجلال والمهابة.
ثم أسقط اسمه من سكة النقود وأبقاه على المنابر، ثم لاحظه الملك الأشرف أبو الفتوح خليل بن الملك المنصور قلاوون - رحمه الله تعالى - أتم من تلك الملاحظة، ورعى لوديعة الخلافة فيه حقها من جميل المحافظة.
ثم لما ملك المنصور لاجين المنصوري زاد في إكرامه وصرفه في الركوب والنزول، فنزل إلى قصر الكبش وسكن به.
ثم مات الحاكم وعهد إلى ابنه المستكفي بالله أبي الربيع سليمان القائم الآن، فاظر كيف تنقلت قواعد الخلافة من بلد إلى بلد بتنقل الزمان، وكيف تغيرت
стр. 7656
بتغير الناس في جيل بعد جيل الأحوال.
وهذه بخارى كانت قاعدة السلطنة زمان بني سامان ثم صارت غزنة زمان محمود بن سبكتكين وبنيه؛ فلما جاءت الدولة السلجوقية اتخذت همدان قاعدة لسلطانها.
فلما صارت إلى الخوارزمية اتخذوا أركبخ - وهي أم أقليم خوارزم - قاعدة لسلطانهم.
وقد كان الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي ﵀ قاعدة ملكه دمشق، ثم ملك مصر بانتزاع جيوشه المجهزة مع أسد الدين أبي الحارث شيركوه من الخلفاء الفاطميين على يد ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين أبي المطفر يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى.
وماهم الشهيد نور الدين بالانتقال إلى مصر فضلًا عن أنه يفعل بل لما ظهر له أنَّ صلاح الدين يسر حسوًا في ارتغاء يظهر له الطاعة ويبطن عليه الخلاف هم بقصده على أن يستبدل به ثم يعود إلى دمشق، فجاءت المنايا دون الأماني، ولم يتزحزح عن مكانه، ولا انتقل عن قاعدة سلطانه.
ثم لما مات واستقل الملك الناصر صلاح الدين بالملك مصرًا وشامًا، ثم اتسع سلطانه حتى اشتمل على اليمن وكثير من ديار بكر والجزيرة واتصلت أطراف ملكه بشهرزور من جانب وبالروم من آخر لم ينقل قاعدة الملك له عن مصر. وكان سكنه بالقاهرة في القصر بها، ويغيب المدد الطويلة بالشام وديار بكر ومصر هي قاعدة الملك.
وهكذا إذا اعتبرت أحوال البلاد، تجد السعادة قد نظرت هذه مرة ثم تلك أخرى كمن قال: [من الكامل]
وإذا نظرت إلى البقاع رأيتَها … تَشْقَى كما يشقى الرجال وتُسعدُ
ولم تزل الملوك تخرب مدينة وتبني أخرى إلى جانبها أو بعيدًا عنها تارة لما تقتضيه المصلحة وتارة لغرض آخر؛ إما لإيثار الذكر أن يكون لها أو غير ذلك، أوليس أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ببناء الكوفة فسكنها أميره على العراق سعد بن أبي وقاص ﵁ وترك المدائن؛ وهي قاعدة ملك الأكاسرة؟
وبنى الحجاج بن يوسف واسط، ولم يسكن الكوفة. وبنى المنصور بغداد ولم يسكن الأنبار، وبنى المعتصم سامرة، وبنى الواثق الهارونية، وبنى المتوكل الجعفري، قد ذكرنا بعض ذلك.
стр. 7657
فأما قصد عمر ﵁ ببناء الكوفة فالشفقة على الصحابة ﵃ لأنها بادية متصلة بأوطانهم شبيهة بالبر خوفًا عليهم من توعك العراق لوخامة نقائعه و آجامه حتى بعث يقول لسعد بن أبي وقاص: الله الله في بقية أصحاب رسول الله ﷺ .
وأما قصد الحجاج في بناء واسط، فهو التوسط بين المصرين؛ البصرة، والكوفة.
وأما قصد المنصور في بناء الهاشمية ثم بغداد، فلضيق الأنبار ومخالفة بني أمية في سكن دمشق، وخوفًا أن يثب عليه بقايا شيعتهم بها؛ فبنى الهاشمية.
ثم لما ثار عليه بها الراوندية الذين ادعوا فيه الحلول وقاتلوه، وقالوا: نريد نخلص منكم اللاهوت لناسوت يستحق أن يكون فيه، خافهم وبنى بغداد.
وأما قصد المعتصم في بناء سامرة فلشكوى الرعايا من عبث جنده الأتراك فيهم فأراد أن يكون هو وجنده في عزلة عن الرعايا؛ ولهذا كانت تسمى العسكرية؛ ولهذا يقال للإمام - أحد الأئمة الاثني عشر - العسكري لسكناه بها.
وأما قصد الواثق والمتوكل في بناء الهارونية والجعفري، فهو لمجرد محبتهما لبقاء الاسم، ودوام الذكر؛ ولهذا بنى عبيد الله المهدي أول الفاطميين المهدية بافريقية واتخذها قاعدة له.
ثم لما آل الأمر إلى المعز أبي تميم من أبنائه وحاز ملك مصر آثر الانتقال إليها فلم يرض سكن الفسطاط فأمر القائد جوهر ببناء مدينة له فبنى له القاهرة. وكانت قاعدة له إلى آخر أيامهم حتى خلع صلاح الدين العاضد وأقام بها الدعوة العباسية، ثم كانت - كما نبهنا عليه - قاعدة له.
ثم كره مخالطة العوام فأمر ببناء قلعة الجبل ولم يسكنها حتى ملك أخوه الملك العادل أبو بكر فسكنها.
ثم لما ملك ابن ابنه الملك الصالح بن أيوب بن الكامل بني قلعة الجزيرة الملاصقة للمقياس بين فرقتي النيل وسكنها، ثم عاد بعد الملك إلى قلعة الجبل إلى الآن.
كُلَّ هذا في أقرب المدد فكيف بما دارت عليه الأدوار ومضت عليه القرون؛ ولكل زمان مصلحة، ولكل نفس هوى.
وهذا صلاح الدين قد خرب عسقلان خوفًا أن لا يملكها الفرنج مرة أخرى، وأحيا ذكر غزة.
والملك الظاهر بيبرس لما فتح صفد عظم أمرها إخمالًا لعكا؛ فلما فتح الملك الأشرف عكا، خربها من البحر، وأتم لصفد التعظيم.
стр. 7658
وهكذا كان فعل الملك المنصور قلاوون لما فتح طرابلس الشام هدمها وبنى مدينة أخرى تقاربها، ونقل إليها الأمم والرسم. وكان قصده في هذا انَّ الأولى داخلة في البحر تتحكم عليها مراكب العدو إذا قصدوها، وقد لا يقدر من فيها على المنع لغفلة الغافل، واختلاس مختلس.
والمدينة الثانية التي بناها خارجة في البر لا يتحكم البحر عليها، ولا تصل يد العدو إليها.
فانظر إلى مقاصد الملوك ومقتضى آرائهم في ذلك؛ ولهذا تكلمنا على ما هو عليه الحال على مقتضى زماننا؛ وهو أن من قواعد الملك في زماننا بالهند ودلي، وبتركستان وما وراء النهر قوشى، وبإيران توريز، وبمصر قلعة الجبل، وباليمن تعز، وبإفريقية تونس، وبالعدوة فاس، وبالأندلس غرناطة.
ولو نظرنا إلى ماكانت عليه الأحوال لوجدنا بهذه الممالك عدة مدن كان يشار إليها بالتعظيم، ولم تكن هذه البلاد شيئًا مذكورًا؛ فإنَّ بالهند قواعد كثيرة كانت للكفار ثم لملوك الإسلام.
ومن أجل قواعدها القديمة المهراج. كانت نبيهة الذكر، وولي خاملة، فنبه ذكر دلي وخمل المهراج وماسواها.
ووجدنا بمملكة تركستان وماوراء النهر أحد قسمي بوران بخارى وسمرقند وغزنة؛ وكل واحد منهما دار ملك، وسرير سلطنة فنبة ذكر قرشي، وخمل ما سواها على أنَّ قرشى لاتعد من المدن في شيء. ولا يكاد يكون جدارًا يمتد له في.
ووجدنا ببلاد خوارزم والقبجاق أحد قسمي توران اركنج أم أقليم خوارزم، وما الذكر إلا للسراي.
وقد كانت خوارزم في أيام السلاطين بها نبيهة الذكر، ومعظم الأرض ومن عليها خامل بالنسبة إليها حتى أن صاحبها لم يرض إلا بمماثلة الإسكندر ذي القرنين فأبطل النوب الخمس اللاتي كانت تضرب للملوك، وضرب نوبة ذي القرنين عند مطلع الشمس ومغيبها، وكانت سبعة وعشرين دبدبة من الذهب مرصعة بنفائس الدر والجواهر، وضرب له بها أولاد الملوك الأكابر. وما كان يزيد الخليفة في مكاتبته إليه على خادمه المطواع، ولم يكتب لأحدٍ من الملوك اسمه في كتاب، وإنما كان يكتب إليهم علامته تعاظمًا أن يكتب إليهم اسمه، وبلغ من أمره إلى أن صار من غلمانه عدة ملوك بأقاليم حتى كان طست داره صاحب أقليم.
وعمل رنكه طستًا وابريقًا ومن هذا ومثله، ومنده بنى بركة السراي، لم يبق قاعدة الملك إلا للسراي.
ووجدنا بمملكة إيران عدة قواعد جليلة كأم الدنيا بغداد بعراق العرب،
стр. 7659
وأصفهان و همذان بعراق العجم، وشيراز بفارس، والري بالديلم، ومرو ونيسابور بخراسان، ومراغة بأذربيجان، وقونية وقيسارية بالروم.
وكل هذه قواعد ملك وتخوت سلطنة كانت نبيهة الذكر إلى أن ملك هولاكو وتداول أبناؤه الملك فعظموا توريز واتخذوها قاعدة لهم، وجعلوا بمنزلة أوجان في ظاهر توريز تختهم، وإن لم تكن أوجان مدنية إلا صحراء مقفرة.
واطردت القاعدة عندهم أن تخت الملك بأوجان فمن قعد عليه، كان هو صاحب التخت عندهم.
وقد بني بأوجان في هذا الزمان الأخير قصر لقانهم، وأبيات لأعيانهم، وسيأتي ذكره.
ووجدنا باليمن ظفار وصنعاء وسبأ وكلها كانت نبيهة الذكر قبل الإسلام وبعده، الإسلام واليوم الذكر لتعز.
ووجدنا بإفريقية قرطاجنة وقابس والمهدية كانت نبيهات الذكر واليوم الذكر لتونس.
ووجدنا ببر العدوة مراكش؛ وهي القديمة الذكر الممثلة في المغرب ببغداد في المشرق، واليوم لفاس التقدمه عليها والذكر الطائر دونها.
وكان قرطبة بالأندلس زمان بني أمية الداخلين إليها لا يطاول منارها، ولا ينازع فخارها.
ثم انتقلت قاعدة خلافتهم منها إلى الزاهرة والزهراء، فلما ملكت ملوك الطوائف بعدهم الأندلس كانت أشبيلية كوكب ذلك الأفق وبحر تلك الخلج؛ فأما الآن فالعذر واضح باستيلاء تلك الفرنج على تلك الأمهات ووأدهم لما تزعزع حولها من النبات صارت غرناطة قاعدة الملك.
ثم بنيت بها الحمراء وهي قلعتها المسماة عند المغاربة بالقصبة فاستقرت بها قاعدة الملك.
وفي القديم كانت الإسكندرية قاعدة ملك اليونان، وبها كانت أم الإسكندر.
وكانت قاعدة الملك بمصر منف ثم عين شمس ثم الفسطاط ثم القاهرة ثم قلعة الجبل ثم قلعة الجزيرة ثم عادت إلى قلعة الجبل كما تقدم شرحها.
وهكذا الدنيا مثل أبنائها تنتقل من حال إلى حال، ولا تبقى على حال؛ وتلك سنة الله في عباده، ومثلها في بلاده؛ لا راد لأمره، ولا معقب.
стр. 7660
قلت: ولو طالع الإنسان الكتب المصنفة في أحوال البلاد وماعليه ثم سار في الأرض لحمل تلك الكتب على المخاريق الباطلة؛ لأنه لا يجد المعاينة مثل السماع، وما الأمر إلا كذلك. ولا تضمنت تلك الكتب كلها الباطل المحض وإنما الدنيا تتغير بتغير سكانها، وتختلف أحوالها باختلاف الزمان: وتلك الأيام نداولها بين الناس.
ولهذا لا أتكلف ذكر ما قدم عليه العهد من سالف الدهور والآباد، وأتعرض لمغربات الأخبار بل ولا أبعد بذكر ما نأى مكانه، وقل عيانه؛ فأقول: لو رأيت بلاد السيسان وأبواب الأندلس، والأعلام المنصوبة تحت الأصنام النحاس في الشرق والغرب، ولا المتوغل في الظلمات ولا الخارج عن حيز المعمور؛ وإنما أذكر ما هو قدام عيون أكثر السفار وغالب الجوال، فأقول: ولو مررت على منازل عاد وسكان الحيرة وبلاد برقة، لرأيت عجائب الآثار ولم تستغرب غرائب الأخبار، ولا عجب في ذلك مع تقادم الليالي والأيام؛ وإنما العجب لحران والرها وسروج؛ ولعل ما انتقلت لقرب المدى رحل سكانها؛ وهي الآن على ماتراه، وتبكى عليه دمًا لا دمعًا دورًا وأسواقًا ومساجد ومآذن وبساتين وغيطان خالية من الأهل والسكان، بقيت جسومها وذهبت نفوسها.
هذا وما بالعهد من قدم وإنما أجلى أهلها الملك الظاهر بيبرس خوف التتار ثم لم تعد تسكن في كرة، ولا عدت في الأحياء مرة.
ولقد حدثني جماعة من العرب: أنَّ في مفازات السماوة آثار مدن وقصور ومصانع ماء تدل على أنها كانت مساكن أمة من الناس، وهي اليوم بر أقفر لا ماء به ولا مرعى، ولا يقدر المسافر يعبر به الأجواز والماء محمول معه على ظهر الإبل.
وحدثني أوران الحاجب، وأبو القاسم البصراوي، ومحمد بن هلال أمير زبيد كل منهم في مجلس. قالوا: إنَّ ثدي حوران منه مقاسم ماء إلى جهة البر المقفر آخذة إلى جهتي القبلة نظير المقاسم الآخذة إلى حوران في جهتي الغرب والشمال.
وتلك المقاسم مقسمة في البر المقفر مثلما هذه الأخرى مقسمة في العامر الأهل تمتد في أودية ثم تنقسم في أودية لطاف كأنها كانت لبلاد هناك عامرة آهلة مثل حوران.
وهذا ثدي حوران هو قليب حوران يقع به الثلج وينبت عليه، وإذا أثلج تباشرت أهل حوران بالري والخصب، ويقال: إنه هو الريان الذي عناه جرير بقوله (١): [من البسيط]
ياحبذا جَبَلُ الرِّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ … وحبَّذا ساكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كانا
стр. 7661
وحبذا نفحاتٌ من شاميةٍ … تجيءُ مِنْ قِبل الريان أحيانا
وحدثني القاضي محمد بن غار البصراوي؛ وهو ممن قتل تلك البلاد خُبرًا وقلب أرضها بطنًا وظهرا. قال: قليب حوران كثير العيون تسقي كل عين أرضًا خاصة بها زرع مباقل، ولا تحمل أن يمتد نهرًا ولا يسقي كثيرًا.
وإذا تغشى الثلج القليب، مدَّ الأودية سبعة مغربة إلى حوران، وسبعة مشرقة إلى البر؛ فأما ما هو إلى حوران فينقسم في أوديتها، ويتفرع إلى قراها فيملأ بركها وآبارها ويسقي مواضع من مطوحها المستفلة وأرضها الواطئة.
وأما ما هو إلى البر، فانه بعد تقسمه يجتمع في واد واحد على مسافة يوم عن القليب مأخذه في بر معطش حتى يصل إلى أرض تعرف في وقتنا برحبة عنزة بنزلها عرب عنزة يكون مقدارها ثلاثة أيام فيطوف الماء بأرضها، ويزرع شكائر يزرعها من ينتجح إليها ويخصب خصبًا لا يكيف مثله يستغله الزراع وعرب عنزة.
ثم ينصرف الماء إلى لجاة سوداء تحد تلك الأرض على طرف البر العريض، ويبحر هناك في مواضع من اللجاة حتى تكون عميقة في بعضها قريب ثلث قامة وأقل وأكثر.
قال: وفي تلك اللجاة تدخر عنزة فاضل زرعها في مطامير لا تقصد ولا يهتدى إليها. وقد كانت هذه في قديم الزمان بلادًا مسكونة، وأوطانًا محبوبة أيام آل جفنة، وآل غسان ومن قبلهم ممن كان فأين تلك البلاد؟ وأين سكانها؟ لم يبق منهم عين ولا أثر، ولا مخبر منهم ولا خبر، فهل تحس منهم من أحدا، أو تسمع لهم ركزًا.
ولقد مررت بالصعيد بمصر في حاجر الرمل بالجانب الغربي فرأيت بها من آثار المدن والقرى ما لا يعد أضحت اليوم رسومًا بالية، وفي بعض هذا دليل على ما قلنا، وتصديق لما قدمنا.
وخلاصة الأمر أنه لم يبق بلد على حاله، ولا خالصًا لصليبة أهله ولو فحصت عن حقائق الأنساب لوجدت كثيرًا من العرب عجمًا، وكثيرًا من العجم عربًا؛ غيرهم الزي والبلد.
وهؤلاء آل فضل وآل مراء ينتسبون إلى جعفر بن يحيى البرمكي؛ وهم اليوم عرب الشام، وأهل باديته؛ وهم صليبة العجم؛ فلما نازلوا طيًا صاروا يعدون منهم في طي ان صح أنهم من جعفر بن يحيى.
وبعض أكابر أمراء الترك بمصر من بني كلاب نسبة إليهم، وأصله منهم وهو جنكلي بن الباب؛ وبذلك أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد ﵀.
* * *
стр. 7662
[مبدأ العالم ونشوء الخليقة]
стр. 7663
[مبدأ العالم ونشوء الخليقة]
ونحن نسوق الآن جملة مما قيل من مبدأ هذا العالم وهو اختلاف حدوث العالم وقدمه؛ والحق حدوثه لا قدمه.
فأما الفلاسفة، فمنهم من قال: إنه قديم كقدم الباري تعالى ليس له ابتداء ولا انتهاء، إذ كان المعلول عندهم لا يفارق العلة وهذا مذهب أرسطو طاليس وأصحابه مثل الإسكندر بن فيلبس اليوناني، وأفلاطون، ومن تابعهم من مقدميهم، وأبي نصر الفارابي، وأبي علي بن سينا من متأخريهم.
وهؤلاء زعموا: أنَّ العقول والنفوس والأفلاك دائرة بأعيانها على هيأتها التي هي عليها.
إلى أن قالوا: فأما حركات الأفلاك، فكل لاحق منها يتلو سابقًا لا إلى أول، وأما السلفيات فهيولاها قديمة والصور المتعاقبة عليها محدثة يتلو لاحقها سابقها، كما في حركات الأفلاك.
ومنهم من قال: إنه قديم الذات محدث الصفات؛ وهؤلاء لمذاهبهم تفاصيل لا يليق ذكره هنا إذ قصدنا الاختصار، وذلك قول ظاهر بطلانه بما قامت عليه الأدلة والبراهين.
فأما الشرعيون، فإنهم أجمعوا على حدود العالم، وأن له ابتداء وانتهاء واستشهدوا بقول الأنبياء - صلوات الله عليهم - وما أخبروا به عن الله تعالى، وشهدت به الكتب المنزلة المجمع على صدقها، وهذا هو الرأي الحق. فإنَّ الفلاسفة إنما تكلموا بما وصل إليه اجتهادهم واستخرجته عقولهم.
وقد اتفق الإجماع على أنَّ اعدل النوع الحيواني نوع الإنسان، وأعدل النوع الإنساني الأنبياء، وما كان أعدل فهو أتم عقلًا، وما كان أتم عقلًا فقوله أولى أن يقبل؛ فقد ثبت حدوث العالم بهذا البرهان.
ثم اختلف الناس أيضًا في حقيقة الزمان فمنهم من أنكر أن يكون للزمان وجود في الخارج، وزعم أنه مفروض ذهني لاحقيقة له.
ومنهم من زعم أنه موجود قائم بنفسه غير متبدل ولا متصرم وله نسب إلى سائر الموجودات؛ وهي التي يعرض لها التبدل والتقضي.
стр. 7664
والذي استقرّ عليه الرأي الحقّ أنّه مقدار حركات الفلك؛ ولما كان الفلك متحرّكًا بالاستدارة حركات يتلو بعضها بعضًا، جعل مقدار كلّ حركة منها يومًا، ولما كانت الشمس في كلّ واحد من تلك الحركات تارة تكون ظاهرة لأهل الربع المسكون، وتارة تكون مستترة عنهم بمحدب الأرض انقسم لذلك مقدار الحركة المسمّى باليوم إلى الليل والنهار، فالنهار عبارة عن الوقت الذي تبدو فيه الشمس، والليل عبارة عن الوقت الذي تستتر فيه.
ثمّ قسم كلّ واحد من الليل والنهار إلى اثني عشر جزءًا؛ وهي الساعات، ولما ثبت حدوث العالم وحقيقة الزمان، وأنه متناه الطرفين إذ الدليل العقلي والنقلي على أنَّ له إبتداء وانتهاء فتكون إذًا جملته متناهية لكن مقداره مختلف فيه.
فأما أرباب المختلفة فقالوا: إنَّ جملته من ابتداء تحرّك الكواكب من أول نقطة من برج الحمل وإلى آخر اثنتين وستين وستمائة آلاف أربعة ألف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألفًا وثلاثمائة واحدى وستون سنة وسبعة أشهر وسبعة عشر يومًا. وزعموا أنَّ ذلك معلوم بالبرهان من جهة تقويم الكواكب.
وقال أرسطا طاليس في كتاب الأسطماطيس الذي نسبه إلى هرمس الأول: انَّ دولة كلّ كوكب من الكواكب السبعة السيارة ألف سنة فإذا انقضت، عاد الأول إلى ما لا نهاية.
وأما الشرعيون فلم يقدروا زمانًا إلا أنهم قرروا أن له أوانًا وآخر.
وأما أهل الكتاب الأول فقالوا: إنَّ جملته من أوله إلى آخره سبعة آلاف سنة، وليس لهم على ذلك دليل من كتبهم، ولا قال هذا من المسلمين إلا من نقله عن أهل الكتاب.
وإنما الحق والصدق أن العالم محدث له أول وآخر، ولكنا لا نحصره بمدة مخصوصة؛ لأنه لم يأت به الكتاب والسنة.
وأما ما مضى من آدم ﵇ وإلى مبعث موسى وعيسى - صلوات الله عليهما - فهو ما حرره اليهود إن صدقوا وصدقوا ما قالوه (١).
فأما النصارى، فانهم اجتهدوا على تحقيق تواريخهم، والماضي من الزمان الكتب
стр. 7665
العتيقة والحديثة وكتب المؤرخين؛ والذي ثبت عندهم؛ أنَّ مُدة ما خلق آدم ﵇ إلى حين ظهور السيد المسيح ﵇ خمسة آلاف وخمسمائة سنة.
وتفصيل هذا يرد في موضعه واضحًا مبينًا إن شاء الله.
وقالوا: ينبغي أن نشرح السبب الذي عرفنا به مبدأ الخلق من أول العالم ووقت استواء الليل والنهار عند دخول الشمس رأس الحمل في اليوم الثالث عشر من أذار، وهو عند اليهود نيسان، الذي قال الله لموسى ﵇: هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور؛ وفيه زعم الحكماء يكون انقضاء العالم.
ويقال: إنَّ السنة التي خرج فيها بنو إسرائيل من أرض مصر صعد موسى إلى جبل طور سيناء فصام أربعين يومًا وأربعين ليلة، وخاطبه الله وأعطاه موهبة النبوة والحكمة، وأخبر كيف خلق الله العالم في ستة أيام، وأنزلت عليه التوارة فكانت خمسة أسفار:
السفر الأول: سفر الخليقة وكيفيتها.
والثاني: أخبر فيه عن خروج بني إسرائيل من أرض مصر.
والثالث: شرح فيه أمور الكهنة والأحبار.
والرابع: سفر عدد بني إسرائيل.
والخامس: سفر الاستثناء؛ وهو الناموس الثاني (١).
قال موسى النبي - سلام الله عليه - في رأس السفر الأول من التوراة (٢): «في البدء خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض غير محسوسة. وكانت الظلمة على المياه، ثم خلق النور وفصل بينه وبين الظلمة في اليوم الأول، وخلق السماء في اليوم الثاني. وأمر الرب للمياه التي تحت السماء أن تجتمع وسماها بحورًا، وأظهر اليبس أرضًا وأمرها أن تنبت العشب والزرع والشجر المثمرة كأجناسها في اليوم الثالث، وخلق الشمس والقمر والنجوم في اليوم الرابع، وخلق الأسماك والطيور والمياه وخلق تنينين عظيمين في اليوم الخامس، وخلق من الأرض الدواب والبهائم والوحوش وجميع السباع والهوام، وكل ما يدب على الأرض، ثم خلق الإنسان وباركه ومنحه أن يأكل النبات والحيوان الغير ناطق في اليوم السادس».
وخلق له فردوسًا في عدن وجعل الإنسان فيه وخلق من ضلع من أضلاعه حواء وأمرها أن يأكلا من شجر الفرودس، وما خلا من شجرة معرفة الخير والشر، فإنه قال
стр. 7666
لهما: في اليوم الذي تأكلان منها تموتان موتًا، وأطغت الحية حواء فأكلت من الشجرة وأطعمت آدم؛ فعلم الله مخالفتهما فأخرجهما من الفردوس.
[آدم]
وآدم هو أول هذا النوع الإنساني خلقه من غير أب ولا أم، وجعل كل الناس منه».
وهذا الدين تظافرت عليه الأدلة عقلًا ونقلًا، وعليه جميع المتشرعين، وأكثر المنبئين من الفلاسفة، ووردت به الأخبار المنقولة، وقامت عليه الأدلة العقلية.
وهو الذي قرره شيخنا العلامة أبو الثناء محمود الأصفهاني (١). قال: البرهان على أن النوع الإنسان شخصًا هو أول الأشخاص خلقه الله من غير أب وأم على أصول الحكماء، ان نوع الإنسان مركب من العناصر الأربع: الأرض والماء والهواء والنار.
والمركب من العناصر حادث؛ لأنَّ المركب من العناصر يحصل باجماع العناصر وتفاعلها بكيفياتها؛ وذلك لا يتم إلا بالحركة؛ فيكون وجود المركب مسبوقًا بالحركة، والحركة مقارنة للزمان على سبيل اللزوم؛ فيكون وجود المركب مسبوقًا بالزمان فيكون
стр. 7667
حادثًا بعد وجود العناصر وحركاتها بالزمان، فيلزم أن يكون شخص من أشخاص نوع الإنسان يحدث من العناصر بعد وجودها وحركاتها حتى يجتمع ويحدث ذلك الشخص بعد اجتماع العناصر.
وذلك الشخص هو أول أشخاص نوع الإنسان؛ لأنه لو لم يكن ذلك الشخص أول أشخاص نوع الإنسان، لكان كل شخص من أشخاص نوع الإنسان مسبوقًا بشخص آخر لا إلى أول فيلزم قدم المركب.
وقد بينا أن المركب حادث هذا خلف فثبت أن نوع الإنسان شخصًا هو أول الأشخاص فيكون ذلك الشخص مخلوقًا من غير أب وأم. انتهى كلامه.
ثم نقول: قال أهل الكتاب: وسمى آدم جميع سباع الأرض والبهائم والطير، وصار ملكًا عليها، وأتى آدم زوجته فولدت له قابيل، فكان يحرث الأرض ويزرعها؛ وبعده هابيل، وكان يرعى الغنم.
وقرب قابيل من ثمرة أرضه فلم يقبله الله، وقرَّب هابيل من سمان غنمه وأجودها فقبله، فحزن قابيل وعبس وجهه وقتل هابيل أخاه فبكته الله وعاقبه وأسكنه البقعة التي قتل فيها أخاه.
وآتى قابيل امرأته فولدت له ابنًا فدعاه أخنوخ عيراد، وأولد عيراد محويائيل، وأولد محويائيل مُتُوشَائيل، وأولد مُتُوشَائيل لأمك، وتزوج لامك امرأتين؛ عادا، وصالا، فولدت عادا يَابَل، وهو أول من سكن المضارب والخيام وعلف الماشية، ثم يُوبَل أخاه وهو أول من ضرب بالوتر.
وصالا ولدت ولدًا [وهو تُوَبل]، وهو أول من عمل النحاس وضرب بالمطرقة.
قال: فلما صار لآدم مائتا سنة وثلاثون سنة أولد شيتًا وكان رجلًا جميلًا جليلًا.
وعاش آدم بعد ذلك سبعمائة سنة وأولد أولادًا كثيرة، وكثر نسله؛ فلما دنت وفاته: أحضر شيتًا وإخوته وأولادهم ونسوانهم. وأوصاهم أن يسكنوا الجبل قبالة الفردوس ولا ينزلوا منه، ولا يختلطوا بنسل قابيل القاتول.
وأوصاهم إذا انتقلوا من الجبل أن ينقلوا جسده معهم ويدفنوه في وسط الأرض، وجعل شيئًا ولده الخليفة بعده على أولاده وأولاد أولاده.
وتوفي آدم يوم الجمعة الرابع عشر من الهلال في ستة أيام من نيسان - وهو برمودة - سنة تسعمائة وثلاثين للعالم، وحنطوه بالمر واللبان والسليخة ودفنوه في مغارة الكنوز في رأس الجبل، وناحوا عليه أربعين يومًا.
стр. 7668
وروي له شعر منه: [من السريع]
نحن بنو الأرض وسُكانها … منها خُلقنا وإليها نعود
والسعد لا يبقى لأربابه … والنحس تمحوه ليالي السعود
[شيت بن آدم]
ثم إنَّ شيت بن آدم - سلام الله عليه - سكن الجبل المقدس هو وإخوته وأولادهم ونسوانهم لوصية آدم لهم عند وفاته.
وبقي قابيل وأولاده وجميع نسله في البقعة التي قتل فيها هابيل أسفل الجبل. ودبر شيت قومه وسلكوا طريق البر والطهارة. وكانوا يسبحون الله ويقدسونه.
قال: وكانوا يعيشون من ثمار الشجر التي في الجبل، وقابيل ونسله يعيشون من ثمار الأرض التي يزرعونها.
وعاش شيت مائتي سنة وخمس سنين، وأولد أنوش؛ وذلك في سنة أربعمائة وخمس وثلاثين للعالم. وكان عمر شيت حين ولده مائتين وخمسًا وستين سنة.
ثم عاش بعد ذلك شيت سبعمائة وست سنين، وكان قائمًا بما عهد إليه أبوه آدم ﵊.
قال فريطون (١) الحكيم: إنَّ شيت أول من أظهر حروف الكتابة، وألهم اللسان العبراني فتكلم به، وعلم به بني آدم وقد كان لسان آدم ﷺ وجميع أولاده اللسان السرياني إلى أن بلبلت الألسنة.
وقال: إن أول نبي أرسل وأنزلت عليه الصحف والصابئة تتمسك بنبوته وتدين بشريعته إلى الآن.
ومن مذهبهم: تحريم كل لباس إلا الأبيض، وتحريم ذبح البقر، وأكل لحوم الحمام والفول، وقالوا: الأبيض يناسب لون الأجرام العلوية فمن لبس سواه باينها، وذبح البقر يؤدي إلى تعطيل الأرض، وأكل الحمام مفسد لجوهر الدماغ، والفول مبلد للذهن.
مذ نشأ أنوش لزم أباه وتأدب بآدابه وأخذ عنه أمور دينه ودنياه، وكانت خدمة الصحف المنزلة عليه، وكان شيت يؤثره على سائر بنيه ويقربه إليه دونهم ويدنيه،
стр. 7669
ويعجب بمخائله ويتوسم إحياء بيته فيه، فعلمه مما علمه الله لآدم، وآثره بعلمه واختصه بأسراره، وأوقفه على دقائق الحكمة وخواص الأسماء والحروف وما في الحيوان والنبات والمعادن من المنافع والمضار. وكان بنو أبيه يحسدونه على مكانته من أبيهم ومحله منه دونهم.
ثم لما قرب موت شيت جمع أولاده أنوش وسائر إخوته ونساءهم وأهلهم، وآذنهم بدنوا أجله، ودعالهم، وسأل الله فيهم البركة والنماء، وأوصاهم أن لا ينزل أحد منهم من الجبل ولا يختلط بنسل قابيل القتول، وأمرهم بالتناصف والعدل، وحذرهم عواقب البغي والظلم، وأكد الوصية عليهم في إجتناب ولد قابيل ومقاطعتهم والبعد عنهم، وقال لهم: إنا لا نزال بخير ما وصلنا أرحامنا وكفينا الناس أمرنا، وإياكم أن يقول قائل: نؤمر بصلة أرحامنا ونحن نقطع إخوتنا بني قابيل، فإنَّ الله قطع بينكم وبين قابيل وبينه وعاقبه بالقطعة لقطعه بأخيه.
ثم عهد شيت ﵇ إلى ولده أنوش على قومه، وفوض إليه التدبير لأمورهم، وعقد له الرئاسة عليهم.
ثم توفي وعمره تسعمائة واثنتا عشرة سنة. وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من آب، وذلك لسنة ألف ومائة واثنتين وأربعين للعالم. وكانت وفاته لتمام عشرين سنة من مولد أخنوخ، وهو إدريس ﵇.
هذا على نقل السبعين في تواريخ النصارى.
وفي توراة اليهود: أنه مات لتمام مائة وثمان وستين سنة من حياة لامك.
ولما مات تولى أنوش غسله وحنّطه بالمسك والكافور وأنواع الطيب ثم أدرجه في قماش كان ادخره من بقية آدم ﵇ لتكفينه ثم قام أنوش فصلى عليه هو وسائر بنيه وأهله ثم دفنوه في مغارة الكنور في رأس الجبل.
وعند اليهود: إنَّ شيت ولد أنوش وعمره مائة وخمس وثلاثون سنة فيكون النقص بينهما عما عند النصارى مائة سنة لتمام مائتي سنة.
[أنوش بن شيت]
ثم دبر أنوش بن شيت قومه، وسار فيهم سيرة المصلحين، وألزم بها نفسه وأهله. وولد قينان وعمره مائة وتسعون سنة وذلك في سنة خمس وعشرين وستمائة وألف للعالم.
وعاش بعد ذلك سبعمائة وخمسة عشرة سنة وأولد أولادًا عدة وكثر نسله.
стр. 7670
وفي ثلاثمائة سنة من عمره قتل قانين. وذلك أنَّ السابع من ولد آدم؛ وهو لامك بن متوشائيل بن محويائيل بن عيراد بن أخنوخ بن قابيل بن آدم كان أعمى فخرج إلى الغابة ومعه صبي يقوده فسمع حِسًّا فظنه بعض السباع فرماه بحجر فوقع في قانين فقتله غلطًا، فقال له الصبي: ماذا صنعت قتلت قانين! فحزن حزنًا عظيمًا وضرب بيديه بعظمهما ببعض فوقعتا على رأس الصبي فقتله من غير قصد، فجاء لامك لامرأتيه عادا وصالا، وقال لهما: اسمعا كلامي: إن كان قاتل قابيل يجازى بسبع من النقم، فلامك بسبع وسبعين من أجل أنه قتل رجلًا برمية حجر [وصبيًا] رضًا بتصفيق يديه.
وكانت وفاة قابيل وقد كمل عمره سبعمائة وثلاثون سنة.
وفي ذلك الزمان كانت نعما أخت توبال ويُوبَل من نسل قابيل. وكانت تكنى بالناعمة. وكانت من أجمل النساء؛ وهي أول من أظهر الأصباغ والألوان. وكان أخوها يُوبَل عارفًا بضرب الوتر، وجميع العيدان، وهو أول من ابتدعها، وقيل: إنَّ الوحش والطير كانت تجتمع إليه وتسمع صوته ولا يؤذي بعضها بعضًا لحسن صوته.
وانهمك أولاد قابيل في اللهو والطرب واكبوا على اللذات لا يفترون عن ذلك ليلًا ولا نهارًا. وكان أولاد شيت في الجبل يشرفون عليهم ويسمعون أصواتهم فمالوا إلى اللذات، وقويت عليهم الشهوات فنزل بعضهم إلى أولاد قابيل واختلطوا بهم وأفسدوا معهم. وكان سببه يوبل وأخته الناعمة. وبنوا القباب وسكنوها.
ولما دنت وفاة أنوش اجتمع إليه جميع أولاده وأولادهم ليتباركوا منه فدعا لهم وأوصاهم بالطاهرة وحذرهم من الإختلاط بنسل قابيل القاتول.
واستخلف قينان ولده عليهم ومات وعمره تسعمائة سنة وخمسن سنين؛ وذلك في يوم السبت لثلاث خلون من تشرين الأول - وهو شهر بابه للمصرين - سنة ألف وثلاثمائة وأربعين للعالم. ودفن في مغارة الكنوز في الجبل فناحوا عليه أربعين يومًا.
[قينان بن أنوش]
ثم دبر قينان بن أنوش قومه وسار بهم سيرة جميلة، وأولد مهلائيل وعمره مائة وسبعون سنة. وعاش بعد ذلك سبعمائة وأربعين سنة، وأولد أولادًا كثيرة وكثر نسله؛ فلما قربت وفاته استحضر أولاده وأولادهم وإخوته وأعمامه ونسوانهم، ودعا لهم وبارك عليهم، وأوصى لهم بالطهارة، وأن لا ينزلوا من الجبل، ولا يختلطوا بنسل قابيل القاتول.
واستخلف عليهم مهلائيل ولده الكبير ثالث عشر حزيران وعمره تسع مائة وعشر سنين وحنطوه ودفنوه في مغارة الكنوز وناحوا عليه على العادة.