← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

لهما: في اليوم الذي تأكلان منها تموتان موتًا، وأطغت الحية حواء فأكلت من الشجرة وأطعمت آدم؛ فعلم الله مخالفتهما فأخرجهما من الفردوس. [آدم] وآدم هو أول هذا النوع الإنساني خلقه من غير أب ولا أم، وجعل كل الناس منه». وهذا الدين تظافرت عليه الأدلة عقلًا ونقلًا، وعليه جميع المتشرعين، وأكثر المنبئين من الفلاسفة، ووردت به الأخبار المنقولة، وقامت عليه الأدلة العقلية. وهو الذي قرره شيخنا العلامة أبو الثناء محمود الأصفهاني (١). قال: البرهان على أن النوع الإنسان شخصًا هو أول الأشخاص خلقه الله من غير أب وأم على أصول الحكماء، ان نوع الإنسان مركب من العناصر الأربع: الأرض والماء والهواء والنار. والمركب من العناصر حادث؛ لأنَّ المركب من العناصر يحصل باجماع العناصر وتفاعلها بكيفياتها؛ وذلك لا يتم إلا بالحركة؛ فيكون وجود المركب مسبوقًا بالحركة، والحركة مقارنة للزمان على سبيل اللزوم؛ فيكون وجود المركب مسبوقًا بالزمان فيكون

стр. 7667

حادثًا بعد وجود العناصر وحركاتها بالزمان، فيلزم أن يكون شخص من أشخاص نوع الإنسان يحدث من العناصر بعد وجودها وحركاتها حتى يجتمع ويحدث ذلك الشخص بعد اجتماع العناصر. وذلك الشخص هو أول أشخاص نوع الإنسان؛ لأنه لو لم يكن ذلك الشخص أول أشخاص نوع الإنسان، لكان كل شخص من أشخاص نوع الإنسان مسبوقًا بشخص آخر لا إلى أول فيلزم قدم المركب. وقد بينا أن المركب حادث هذا خلف فثبت أن نوع الإنسان شخصًا هو أول الأشخاص فيكون ذلك الشخص مخلوقًا من غير أب وأم. انتهى كلامه. ثم نقول: قال أهل الكتاب: وسمى آدم جميع سباع الأرض والبهائم والطير، وصار ملكًا عليها، وأتى آدم زوجته فولدت له قابيل، فكان يحرث الأرض ويزرعها؛ وبعده هابيل، وكان يرعى الغنم. وقرب قابيل من ثمرة أرضه فلم يقبله الله، وقرَّب هابيل من سمان غنمه وأجودها فقبله، فحزن قابيل وعبس وجهه وقتل هابيل أخاه فبكته الله وعاقبه وأسكنه البقعة التي قتل فيها أخاه. وآتى قابيل امرأته فولدت له ابنًا فدعاه أخنوخ عيراد، وأولد عيراد محويائيل، وأولد محويائيل مُتُوشَائيل، وأولد مُتُوشَائيل لأمك، وتزوج لامك امرأتين؛ عادا، وصالا، فولدت عادا يَابَل، وهو أول من سكن المضارب والخيام وعلف الماشية، ثم يُوبَل أخاه وهو أول من ضرب بالوتر. وصالا ولدت ولدًا [وهو تُوَبل]، وهو أول من عمل النحاس وضرب بالمطرقة. قال: فلما صار لآدم مائتا سنة وثلاثون سنة أولد شيتًا وكان رجلًا جميلًا جليلًا. وعاش آدم بعد ذلك سبعمائة سنة وأولد أولادًا كثيرة، وكثر نسله؛ فلما دنت وفاته: أحضر شيتًا وإخوته وأولادهم ونسوانهم. وأوصاهم أن يسكنوا الجبل قبالة الفردوس ولا ينزلوا منه، ولا يختلطوا بنسل قابيل القاتول. وأوصاهم إذا انتقلوا من الجبل أن ينقلوا جسده معهم ويدفنوه في وسط الأرض، وجعل شيئًا ولده الخليفة بعده على أولاده وأولاد أولاده. وتوفي آدم يوم الجمعة الرابع عشر من الهلال في ستة أيام من نيسان - وهو برمودة - سنة تسعمائة وثلاثين للعالم، وحنطوه بالمر واللبان والسليخة ودفنوه في مغارة الكنوز في رأس الجبل، وناحوا عليه أربعين يومًا.

стр. 7668

وروي له شعر منه: [من السريع] نحن بنو الأرض وسُكانها … منها خُلقنا وإليها نعود والسعد لا يبقى لأربابه … والنحس تمحوه ليالي السعود [شيت بن آدم] ثم إنَّ شيت بن آدم - سلام الله عليه - سكن الجبل المقدس هو وإخوته وأولادهم ونسوانهم لوصية آدم لهم عند وفاته. وبقي قابيل وأولاده وجميع نسله في البقعة التي قتل فيها هابيل أسفل الجبل. ودبر شيت قومه وسلكوا طريق البر والطهارة. وكانوا يسبحون الله ويقدسونه. قال: وكانوا يعيشون من ثمار الشجر التي في الجبل، وقابيل ونسله يعيشون من ثمار الأرض التي يزرعونها. وعاش شيت مائتي سنة وخمس سنين، وأولد أنوش؛ وذلك في سنة أربعمائة وخمس وثلاثين للعالم. وكان عمر شيت حين ولده مائتين وخمسًا وستين سنة. ثم عاش بعد ذلك شيت سبعمائة وست سنين، وكان قائمًا بما عهد إليه أبوه آدم ﵊. قال فريطون (١) الحكيم: إنَّ شيت أول من أظهر حروف الكتابة، وألهم اللسان العبراني فتكلم به، وعلم به بني آدم وقد كان لسان آدم ﷺ وجميع أولاده اللسان السرياني إلى أن بلبلت الألسنة. وقال: إن أول نبي أرسل وأنزلت عليه الصحف والصابئة تتمسك بنبوته وتدين بشريعته إلى الآن. ومن مذهبهم: تحريم كل لباس إلا الأبيض، وتحريم ذبح البقر، وأكل لحوم الحمام والفول، وقالوا: الأبيض يناسب لون الأجرام العلوية فمن لبس سواه باينها، وذبح البقر يؤدي إلى تعطيل الأرض، وأكل الحمام مفسد لجوهر الدماغ، والفول مبلد للذهن. مذ نشأ أنوش لزم أباه وتأدب بآدابه وأخذ عنه أمور دينه ودنياه، وكانت خدمة الصحف المنزلة عليه، وكان شيت يؤثره على سائر بنيه ويقربه إليه دونهم ويدنيه،

стр. 7669

ويعجب بمخائله ويتوسم إحياء بيته فيه، فعلمه مما علمه الله لآدم، وآثره بعلمه واختصه بأسراره، وأوقفه على دقائق الحكمة وخواص الأسماء والحروف وما في الحيوان والنبات والمعادن من المنافع والمضار. وكان بنو أبيه يحسدونه على مكانته من أبيهم ومحله منه دونهم. ثم لما قرب موت شيت جمع أولاده أنوش وسائر إخوته ونساءهم وأهلهم، وآذنهم بدنوا أجله، ودعالهم، وسأل الله فيهم البركة والنماء، وأوصاهم أن لا ينزل أحد منهم من الجبل ولا يختلط بنسل قابيل القتول، وأمرهم بالتناصف والعدل، وحذرهم عواقب البغي والظلم، وأكد الوصية عليهم في إجتناب ولد قابيل ومقاطعتهم والبعد عنهم، وقال لهم: إنا لا نزال بخير ما وصلنا أرحامنا وكفينا الناس أمرنا، وإياكم أن يقول قائل: نؤمر بصلة أرحامنا ونحن نقطع إخوتنا بني قابيل، فإنَّ الله قطع بينكم وبين قابيل وبينه وعاقبه بالقطعة لقطعه بأخيه. ثم عهد شيت ﵇ إلى ولده أنوش على قومه، وفوض إليه التدبير لأمورهم، وعقد له الرئاسة عليهم. ثم توفي وعمره تسعمائة واثنتا عشرة سنة. وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من آب، وذلك لسنة ألف ومائة واثنتين وأربعين للعالم. وكانت وفاته لتمام عشرين سنة من مولد أخنوخ، وهو إدريس ﵇. هذا على نقل السبعين في تواريخ النصارى. وفي توراة اليهود: أنه مات لتمام مائة وثمان وستين سنة من حياة لامك. ولما مات تولى أنوش غسله وحنّطه بالمسك والكافور وأنواع الطيب ثم أدرجه في قماش كان ادخره من بقية آدم ﵇ لتكفينه ثم قام أنوش فصلى عليه هو وسائر بنيه وأهله ثم دفنوه في مغارة الكنور في رأس الجبل. وعند اليهود: إنَّ شيت ولد أنوش وعمره مائة وخمس وثلاثون سنة فيكون النقص بينهما عما عند النصارى مائة سنة لتمام مائتي سنة. [أنوش بن شيت] ثم دبر أنوش بن شيت قومه، وسار فيهم سيرة المصلحين، وألزم بها نفسه وأهله. وولد قينان وعمره مائة وتسعون سنة وذلك في سنة خمس وعشرين وستمائة وألف للعالم. وعاش بعد ذلك سبعمائة وخمسة عشرة سنة وأولد أولادًا عدة وكثر نسله.

стр. 7670

وفي ثلاثمائة سنة من عمره قتل قانين. وذلك أنَّ السابع من ولد آدم؛ وهو لامك بن متوشائيل بن محويائيل بن عيراد بن أخنوخ بن قابيل بن آدم كان أعمى فخرج إلى الغابة ومعه صبي يقوده فسمع حِسًّا فظنه بعض السباع فرماه بحجر فوقع في قانين فقتله غلطًا، فقال له الصبي: ماذا صنعت قتلت قانين! فحزن حزنًا عظيمًا وضرب بيديه بعظمهما ببعض فوقعتا على رأس الصبي فقتله من غير قصد، فجاء لامك لامرأتيه عادا وصالا، وقال لهما: اسمعا كلامي: إن كان قاتل قابيل يجازى بسبع من النقم، فلامك بسبع وسبعين من أجل أنه قتل رجلًا برمية حجر [وصبيًا] رضًا بتصفيق يديه. وكانت وفاة قابيل وقد كمل عمره سبعمائة وثلاثون سنة. وفي ذلك الزمان كانت نعما أخت توبال ويُوبَل من نسل قابيل. وكانت تكنى بالناعمة. وكانت من أجمل النساء؛ وهي أول من أظهر الأصباغ والألوان. وكان أخوها يُوبَل عارفًا بضرب الوتر، وجميع العيدان، وهو أول من ابتدعها، وقيل: إنَّ الوحش والطير كانت تجتمع إليه وتسمع صوته ولا يؤذي بعضها بعضًا لحسن صوته. وانهمك أولاد قابيل في اللهو والطرب واكبوا على اللذات لا يفترون عن ذلك ليلًا ولا نهارًا. وكان أولاد شيت في الجبل يشرفون عليهم ويسمعون أصواتهم فمالوا إلى اللذات، وقويت عليهم الشهوات فنزل بعضهم إلى أولاد قابيل واختلطوا بهم وأفسدوا معهم. وكان سببه يوبل وأخته الناعمة. وبنوا القباب وسكنوها. ولما دنت وفاة أنوش اجتمع إليه جميع أولاده وأولادهم ليتباركوا منه فدعا لهم وأوصاهم بالطاهرة وحذرهم من الإختلاط بنسل قابيل القاتول. واستخلف قينان ولده عليهم ومات وعمره تسعمائة سنة وخمسن سنين؛ وذلك في يوم السبت لثلاث خلون من تشرين الأول - وهو شهر بابه للمصرين - سنة ألف وثلاثمائة وأربعين للعالم. ودفن في مغارة الكنوز في الجبل فناحوا عليه أربعين يومًا. [قينان بن أنوش] ثم دبر قينان بن أنوش قومه وسار بهم سيرة جميلة، وأولد مهلائيل وعمره مائة وسبعون سنة. وعاش بعد ذلك سبعمائة وأربعين سنة، وأولد أولادًا كثيرة وكثر نسله؛ فلما قربت وفاته استحضر أولاده وأولادهم وإخوته وأعمامه ونسوانهم، ودعا لهم وبارك عليهم، وأوصى لهم بالطهارة، وأن لا ينزلوا من الجبل، ولا يختلطوا بنسل قابيل القاتول. واستخلف عليهم مهلائيل ولده الكبير ثالث عشر حزيران وعمره تسع مائة وعشر سنين وحنطوه ودفنوه في مغارة الكنوز وناحوا عليه على العادة.

стр. 7671

[مهلائيل بن قينان] ثم دبر مهلائيل بن قينان قومه وسار بهم طريق البر والتقوى؛ وأولد يرد وعمره مائة وخمسة وستون سنة. وعاش بعد ذلك سبعمائة وثلاثين سنة، وأولد أولادًا كثيرة، وكثر نسله. ولما دنت وفاة مهلائيل استحضر أولاده وأولادهم وبارك عليهم، واستخلف برد ولده الكبير عليهم. ومات يوم الأحد ثاني نيسان ودفنوه وناحوا عليه على العادة. [برد بن مهلائيل] ثم دبر برد بن مهلائيل قومه وسار بهم سيرة جميلة. وأولد أخنوخ وعمره مائة واثنتان وستون سنة. وفي أيامه كثر ضجيج أولاد قابيل، وتظاهروا بالفساد، وصعد صوت ضجيجهم إلى الجبل إلى أولاد قابيل فمنعهم يرد وحذرهم فلم يقبلوا ونزلوا واختلطوا ببنات قابيل فرأوهم صباحًا جدًا، ونظروهم أيضًا أبناء قابيل وهم حسان جبابرة في قوتهم فاختلطوا بهم وركبوا بهم وتدنست أجسادهم بالزنى مع بنات قابيل فولدن الجبابرة من بني شيت؛ فلما دنت وفاة يرد استدعى أخنوج ومتوشلخ ولامخ ونوح وأولادهم، وقال لهم: قد علمتم ما فعل أولادكم، وأنهم تعدوا وصية الآباء ونزلوا من الجبل واختلطوا ببنات قابيل وتدنسوا بهن، وأنتم فاحفظوا طهارتكم ولا تنزلوا من الجبل المقدس، وبارك لهم ودعا لهم. واستخلف عليهم أخنوخ ولده الكبير، ومات يوم الجمعة ثاني عشر آذار وعمره تسعمائة واثنتان وستون سنة، ودفنوه في مغارة الكنوز، وناحوا عليه على العادة. [أخنوخ بن برد] ثم استخلف أخنوخ وكان بارًا تقيًا وسار سيرة جميلة جدًا. وأولد متوشلخ وعمره مائة وخمسة وستون سنة. وكان يسأل الله أن ينقله إلى الفردوس الذي كان فيه آدم فتقبل الله منه ورفعه إلى الفردوس حيًا وعمره ثلاثمائة وخمسة وستون سنة. وقال الحكيم تابور المصري في كتابه: إنَّ أخنوخ لما رفع إلى السماء قاس الفلك الدائر، وعرف البروج التي فيه والكواكب الثابتة والجارية والأشباه والحدود والوجوه والعشرات والصور التي فيها، وغير ذلك من أسرار علوم النجامة. وذهب قوم إلى أن أخنوخ هو إدريس النبي، وأنه أنزل عليه صحيفة الناموس المعروفة به، وعلم معرفة الرمل، وعلم النجامة.

стр. 7672

قال: وبعد ارتفاع أخنوخ عبد بنو شيت وبنو قابيل الأصنام؛ وكل من هوت نفسه شيئًا عبده، واستغرقوا في الفساد وتظاهروا بالمعاصي والرذائل. [متوشلخ بن أخنوخ] ثم إن متوشلخ بن أخنوخ دبر قومه تدبيرًا جميلًا؛ وأولد لامخ وعمره مائة وسبعون سنة. وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنتين وثمانين سنة. وأولد أولادًا كثيرة فلما دنت وفاته اجتمع إليه لامخ وإخوته وأولاده ونوح بن لامخ، وأولاده سام وحام ويافث، فبارك عليهم ودعا لهم. ومات يوم الجمعة الحادي والعشرين وناحوا عليه على العادة. [لامخ بن متوشلخ] ثم لامخ بن متوشلخ أولد نوحًا، وعمره مائة واثنتان وثمانون سنة، وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمس وتسعين سنة، وأولد أولادًا كثيرة. فلما دنت وفاته استحضر نوحًا ولده الكبير وأوصاه بتقوى الله، ودعا له فبارك عليه، وقال له: إذا نزلت من الجبل، خذ جسد أبينا آدم معك وأوص أولادك أن يدفنوه في وسط الأرض، ويرتبوا رجلًا صالحًا منهم يقيم عند قبره لخدمته. ومات يوم الخميس الحادي والعشرين من أيلول، وعمره حينئذ سبعمائة وسبعة وسبعون سنة؛ وذلك لتمام خمسمائة وخمس وتسعين سنة من حياة نوح ولده ﵇ فحنطوه ودفنوه في مغارة الكنوز. [نوح ﵇] ثم [إنَّ] نوح سار بين يدي الله سيرة حسنة بكل التقوى والطهارة، وخشية الله حتى نبأه الله وأرسله وسماه عبدًا شكورًا، وأطار له ذكرًا مشهورًا. وفي خمسمائة من عمره أولد سام - ولده الكبير - وبعده حام، وبعده يافث. ولم يبق في الجبل سوى نوح وأولاده الثلاثة وزوجته، ونشأ أولاده وعدة الجميع ثمانية أنفس. ونزل جميع أولاد آدم إلى أسفل الأرض واختلطوا ببنات قابيل، وانعكفوا على المعاصي، وعبدوا الآلهة التي اتخذوها من دون الله، وفسدت الأرض وامتلأت فجورًا فأوحى الله إلى نوح: إني مهلك الأرض، وكل من عليها من الناس والأنعام والهوام وطير السماء فاعمل لك فلكًا من خشب الساج واطل داخله وخارجه قارًا واعمله طباقًا فإني مرسل ماء الطوفان على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح الحياة من تحت

стр. 7673

السماء، وأثبت لك عهدي، وتدخل الفلك أنت وبنوك وزوجك ونساء بنيك ومن جميع السباع والبهائم والطائر الحلال سبعة سبعة ذكورًا وأناثًا ومن غير الحلال اثنين ذكرًا وأنثى ليكون منها نسل على الأرض؛ وأعد لك ولهم من جميع المأكول، ففعل نوح كما أمره الله تعالى هذا ما ذكره الاخباريون والذي نطق به القرآن الكريم، أنه إنما أمر بأن يأخذ من كل زوجين اثنين؛ وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (١). وأقام نوح يعمل الفلك مائة سنة وهو ينذر الناس ليرجعوا عن خطاياهم وهم مستمرون على عصيانهم لا يرجعون عن آثامهم. ودخل نوح وأولاده ونسوانهم وكل من أمره الله تعالى إلى الفلك يوم الجمعة السابع والعشرين من آذار؛ فلما كان سنة ستمائة لنوح أرسل الله ماء الطوفان على الأرض، وتفجرت ينابيع المياه، وتفتحت مآزيب السحاب. ولم يزل المطر على الأرض أربعين يومًا وأربعين ليلة، وكثر الماء وحمل الفلك وارتفع عن الجبال الشواهق خمسة عشر ذراعًا، ومات كل ذي نفس حية على وجه الأرض وبقي نوح والذين معه في الفلك. ولم يزل الماء يرتفع مائة وخمسين يومًا، ورحم الله نوحًا ومن معه في الفلك فأرسل على الأرض ريحًا فانقطع الماء ونقص عن الأرض واستقر الفلك في سبعة وعشرين يومًا من الشهر السابع - وهو أيلول - على جبال قردا وهي قرية من بلد الموصل من ديار ربيعة، واسم الجبل الجودي. وفي أول يوم من الشهر العاشر ظهرت رؤوس الجبال ومن بعد أربعين يومًا فتح نوح باب الفلك، وسرح الغراب فلم يرجع، ثم سرح الحمامة فلم تجد مستقرًا لرجلها فعادت إليه فتوقف سبعة أيام أخر. وأرسل الحمامة فعادت إليه وقت المساء وفي منقارها ورقة خضراء فعلم أنَّ الماء قد انقطع عن الأرض وتوقف سبعة أيام أخر، وأرسل الحمامة فلم تعد وفي سنة إحدى وستمائة لحياة نوح كشف طباق الفلك ورأى الماء قد نضب من وجه الأرض. وقال الله تعالى لنوح: اخرج أنت ومن معك فانتشروا في الأرض فخرجوا، وبنى نوح وأولاده عند قرية قردا مدينة وسموها ثمانين على عددهم.

стр. 7674

وفلح نوح الأرض وغرسها وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة؛ فلما دنت وفاته أوصى لولده سام بأن ينقل جسد آدم ويجعله في وسط الأرض، ويرتب ملكين آداق بن فالق عند قبره لخدمته؛ لأنه كان نبي الله. ومات نوح وعمره تسعمائة وخمسون سنة، وذلك في يوم الأربعاء ثاني آذار وكانت وفاته في أربعمائة وخمسين سنة من حياة سام ولده، وحنطوه ودفنوه، وناحوا عليه. [سام بن نوح] ثم بعده سام بن نوح ﵉ أولد أَرْفَخْشَد بعد الطوفان بسنتين وعمره مائة سنة وسنتان. قال: وذكر سام وصية أبيه من أجل جسد آدم، فاحضر ملكين آداق بن فالق وكان صالحًا ناسكًا، وقال له: إنَّ نوحًا أوصى بأن نأخذ جسد آدم وندفنه في وسط الأرض ونمضي أنا وأنت لندفنه فمضى سام وملكين آداق ومعهما جسد آدم إلى أن وصلوا الجلجلة فدفنوه بذلك الموضع، وسمي بعد دفنه فيه الجمجمة؛ لأن فيه وضعت جمجة آدم ﵇؛ وقال سام لملكين آداق يقيم عنده ليخدمه كما تقدمت الوصية. فقبل أمره، وبقي ملكين آداق مقيمًا عنده يخدمه كما تقدمت الوصية. وعاد سام ومن معه وأشاعوا: ان ملكين عدم في الطريق فحزنوا عليه. ومات سام في شهر أيلول يوم الجمعة، وحنطوه ودفنوه على العادة. [أرفخشد بن سام] ثم أَرْفَخْشَد بن سام بن نوح عاش مائة وخمسة وثلاثين سنة. وأولد قينان وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وثلاث سنين فجميع عمره أربعمائة وثمانية وثلاثون سنة. ومات في نيسان. [قينان بن أرفخشد] ثم قينان بن أَرْفَخْشَد؛ وهو قينان الثاني أولد شالخ وعمره مائة وثلاثون سنة. وعاش بعد ذلك أربعمائة وثلاثين سنة. ومات في شهر آب وعمره خمسمائة وستون سنة. وهذا قينان الثاني وصفه اليهود من توارتهم مع ما وضعوه من مواليد الآباء، وهو ما يزيد على ألف وخمسمائة سنة عندما اتفقوا على قتل المسيح، وقالوا: إنَّ هذا ليس هو المسيح الذي وعد به على ألسن الأنبياء، واحتجوا بالسوابيع التي ذكرها دانيال، وأن المسيح يأتي عند انقضائها، وقالوا: إنها لم تنقض إلى الآن. قال المؤرخ: إنَّ سوابيع دانيال انقضت عند مجيء المسيح ﵇.

стр. 7675

[شالخ بن قينان] ثم شالخ بن قينان عاش مائة وثلاثين سنة، وأولد عابر، وعاش بعد ذلك ثلاثمائة سنة وثلاث سنين فجميع عمره أربعمائة وثلاثة وثلاثون سنة. ومات في آذار وهو بر مهمات. [عابر بن شالخ] ثم عابر عاش مائة وأربعة وثلاثين سنة، وأولد فالغ وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وثلاثين، فجميع عمره أربعمائة وأربعة وستون سنة؛ وهذا عابر هو أبو العبرانيين، وتكلم هو وأولاده بالعبراني، والعرب تسميه هود. وفي أيام عابر تساوا الناس أن يبنوا برجًا يبلغ السماء، قالوا: ليكن لنا ذكرًا قبل أن نتفرق فأقاموا ثلاث سنين يعملون اللبن ويشوونه. وكان طول اللبنة ثلاثة عشر ذراعًا، وسمكها خمسة أذرع. وبنوا مدينة طولها ثلاثمائة وثلاثة عشر باعًا، وعرضها واحد وخمسون باعًا، وعملوا برجًا ارتفاعه خمسة آلاف وخمسمائة وثلاثة وثلاثون باعًا، وعرض حيطانه ثلاثة وثلاثون باعًا فأقاموا يبنون فيه أربعين سنة. وكانت الأرض كلها لغة واحدة؛ فبيناهم يبنون بعث الله ملكًا من السماء فبلبل ألسنتهم وغير لغاتهم فكان أحدهم يتكلم فلا يدري الآخر ما يقول فسمي ذلك الموضع بابل؛ لأن فيه تبلبلت الألسن، وبطل البناء في أربعين سنة من حياة فالغ. وقيل: إن عدة من اجتمع على بناء البروج اثنان وسبعون رئيسًا منهم من بني سام، وخمسة وعشرين رجلًا، وهؤلاء سكنوا من الفرات إلى الموصل وإلى أقصى المشرق، فمنهم السريان وديار ربيعة والجزيرة والجرامقة والكلدانيون - وهم أهل بابل - وفارس وخراسان وفرغانة والهند والسند واليمن والطائف واليمامة والبحرين. ولهم من الخطوط ثمانية؛ عبراني وسرياني وفارسي وهندي وكلداني، وصيني، وحميري، وعربي. ولهم من البحار الفرات ونهر بلخ. [بنو حام بن نوح] ومنهم من بني حام اثنان وثلاثون رجلًا وهؤلاء سكنوا الشام وأرض كنعان وأرض مصر إلى أقصى المغرب؛ فمنهم الكنعانيون والفلسطينيون، والقبط، ومريس، واجناس السودان، والزنج، والمغاربة. ولهم من الجزائر ستة وعشرون حزيرة منها:

стр. 7676

سردانية، ومالطة، وأقريطش وما والاها. ولهم من الخطوط ستة: مصري - وهو القبطي - ونوبي وحبشي وفرنجي وقوتليفي وقلقي. ولهم من البحار النيل، ومن الأنهار الأردن. [بنو يافث بن نوح] ومنهم من بني يافث خمسة عشر رجلًا سكنوا من دجلة إلى أقصى الشمال؛ فمنهم الترك والحقان والطغرغر والتبت ويأجوج ومأجوج والخزر واللان والضناير وأرمينية الكبيرة وأرمينية الصغيرة وانطاكية والخالدية وقيادوقية، وخرشنة واليونان والروم وقطية والروس والديلم والصقالبة وإفرنجة والأندلس وما إلى ذلك، ولهم من الجزائر اثنتا عشرة جزيرة منها: رودس، وصقلية، وقبرس، وشامس، وغير ذلك. ولهم من الخطوط ستة: يوناني ورومي، وأرميني، وأندلسي، وفرنجي، وحراري. ولهم من البحار: دجلة والشط. وقد كان عابر حاضرًا لعمارة هذا البرج. وكان لسانه عبرانيًا ولم يتغير فمن الطوفان إلى بناء البرج، وبلبلة الألسن خمسمائة سنة وسبعون سنة من آدم ﵇ إلى بلبلة الألسن ألفا سنة وثمانمائة سنة وسبعة وعشرون سنة. وأولد عابر المذكور أولادًا كثيرًا منهم قحطان - وهو أبو العرب - ويسمونه أيضًا يقطان. [قحطان بن عابر] وأولد قحطان أولادًا كثيرة، وأقام أولاد قحطان عليهم ثلاثة رؤساء جبابرة أحدهم سبأ، والآخر أفير، واسم الثالث خويلا. وبدأ بنو قحطان بمحاربة الشعوب بجميع السلاح؛ لأنهم أول من استخرج آلات السلاح. وكان أول معرفتها من السباع؛ فأما الرمح فانه من السبع الذي يسمى الكركدن فأن له قرنًا طويلًا في رأسه بمنزلة الرمح يطعن به الدواب ويقاتلها. وأما السيف فإنهم استخرجوه من الخنزير، فإنَّ أنيابه مثل حد السيف يقال: إنه يضرب به الشجرة فيقطعها نصفين. وأما السهام فإنَّهم استخرجوها من القنفذ فإذا نصب شعره ورمى به لم يخط الموضع الذي يقصده.

стр. 7677

وأما الترس فإنهم استخرجوه من سلحفاة البحر فإنَّ ظهرها مثل الترس كلما استخرجوه من السلاح، فهو على هذا الحكم. وقال قوسوس الحكيم في كتابه: إنَّ الشعوب من شدَّة ما نالهم من أولاد قحطان من الجهد والحروب خيروهم في الأقاليم ليسكنوها، ويمسكوا عن قتالهم فاختاروا البلدان الشرقية من ناحية الصين وما والاها؛ وهي بلدان فيها الذهب الابريز والياقوت والزمرد والجوهر، وجميع الأشجار المرتفعة مثل العود والصندل وغيره، وهي بلدان يحتاج الناس إليها، وهم لا يحتاجون إلى شيء غيرها من البلدان. وقال بعض المؤرخين: إنَّ في أيام عابر كان الناس يصورون لمن عرف بشجاعة أو رأي جيد من أكابرهم، فإذا أرادوا أن يتشاوروا في أمرٍ من أمورهم اجتمعوا عند الصورة حتى كان صاحب الصورة معهم في المشورة. قال: وهذا كان سبب عبادة الأصنام فإن أكابرهم ماتوا وفنوا فجاء أولادهم وأولاد أولادهم فسجدوا لتلك الصور ولم يعلموا المقصود بها، وكلمتهم الشياطين منها فعبدوها. وفي أيام عابر تكملت الألف الثالثة من سني العالم، ومات عابر في كانون الثاني. [فالغ بن عابر] ثم فالغ بن عابر أولد أرغوا وعمره مائة وثلاثون سنة. وعاش بعد أن ولد ارغوا مائتي سنة وتسع سنين. وفي أربعين سنة من عمر فالغ كانت بلبلة الألسن، وبطل بناء البرج ثم ولد ملكين آداق - الكاهن الذي ذكرناه أولًا - وبعده أولد أولادًا كثيرة، وكثر نسله فجميع حياة فالغ ثلاثمائة وتسعة وثلاثون سنة، ومات في أيلول. [أرغوا بن فالغ] ثم أرغوا بن فالغ عاش مائة واثنتين وثلاثين سنة وأولد شاروغ - ويقال شاروخ - وعاش بعد ذلك مائة وسبع سنين فجميع عمره مائتان وتسعة وثلاثين سنة. وفي مائتي وثلاثين سنة من عمره ملك الملك الأول على الأرض وهو النمرود الجبار بن كنعان بن حام بن نوح تسعة وستين سنة. وكان ابتداء ملكه في بابل - وهو ملك الكلدانيين ..

стр. 7678

وقيل: إنه رأى مثال إكليل في السماء فأحضر الصائغ فصنع له إكليلًا من ذهب فوضعه على رأسه، وأشاع بين أهل مملكته أنه نزل عليه تاج من السماء. ويقال: إنه عبد النار وسببه أنه رأى نارًا عظيمة في المشرق فسجد لها فمن ذلك الوقت عبد المجوس النار. قال بعض المؤرخين: وفي أيام أرغوا صيَّر أهل مصر عليهم ملكًا اسمه مصريم بن حام بن نوح، وهو ملك القبط الفراعنة ملك عليهم ثمانية وستين سنة وبنى قرية اسمها منف على بحر النيل وسماها مصر باسمه. وأما النمرود الجبار، فإنه بنى مدنًا عظيمة في المشرق منها: بدنوى وشلق وأذربيجان وغيرها من المدن. قال: وفي أيام أرغوا عبد الناس الكواكب، ومنهم من عبد السباع والطير والبحار والأشجار، ومنهم من كان يعمل صنمًا على اسم أبيه وأمه ومن يحبه فإذا مات سجد له واتخذه إلهًا. ومنهم من كان يعمل الصنم ذهبًا وفضة وحجارة منقوشة وأخشابًا مدهونة فامتلأت الأرض أصنامًا. قال: وفي ذلك الزمان مات رجل وكان غنيًا جدًا فعمل ولده صنمًا من ذهب وجعله على قبره وفي أثناء ذلك سرق منزل الولد وأخذ كل مافيه فخرج إلى قبر أبيه، وجعل يشكو إلى الصنم ما ذهب منه كأنه يشكو إلى أبيه فكلمه الشيطان من الصنم، وقال له: إن أنت أحضرت ابنك وذبحته لي قربانًا رددت عليك كل ما سرق لك، ففعل ما قاله فعاد إليه كل ما عدم له فدخل الشيطان وعلمه السحر والرقي، ومن ذلك الوقت ابتدأ الناس يذبحون أولادهم للشياطين. قال: وفي أيام أرغوا ملكت مملكة سبأ إلى أيام سليمان بن داود ﵉. وفي أيام أرغوا ملك قارون وبنى مدينة أوقين بلبن الذهب؛ لأنه كان يعرف الكيمياء. وفي مائتي سنة من حياة أرغوا ملك عميوس مملكة بابل - وهو الملك الثاني على بابل - وكان ملكه عليها خمسًا وثمانين سنة. وفي أيامه ظهرت مطيتا أعني دار ضرب الدينار والدرهم وصياغة الحلي من الذهب والفضة. وفي ذلك الزمان عرف أميروس طبائع النحاس؛ ومات أرغوا في نيسان.

стр. 7679

[شاروخ بن أرغوا] ثم شاروغ ولده، ويقال: شاروخ عاش مائة وثلاثين سنة، وأولد ناحور وعاش بعد ذلك مائة سنة فجميع عمره مائتا سنة وثلاثون سنة، ومات في آذار. [ناحور بن شاروخ] ثم ناحور بن شاروخ عاش تسعًا وسبعين سنة وأولد تارح، وعاش بعد ذلك مائة وتسعة عشر سنة فجميع عمره مائة وثمانية وتسعون سنة. وفي أيامه جعلت الموازين والمكاييل، وفي أيامه زلزلت الأرض زلزالًا عظيمًا، ولم تكن الأرض زلزلت قبل ذلك. ولما كثرت عبادة الأصنام وذبحوا أولادهم للشياطين، أرسل الله عليهم ريحًا عاصفة فكان طوفان ريح أقام مدَّة أيام كسر الأصنام جميعها وسقطت بيوتها لشدة الزلازل والرياح. وفي أيامه ظهر نواصيب الفارسي وأظهر دين الصابئة، وقيل: إنَّ الذي أظهر دين الصابئة رجل اسمه اليونان بن مرقليوس اليوناني. وكان مسكنه اليمن. واليونان هم أول من أظهر علم النجوم ووضعوا فيه كتبًا، وكانوا صابئين. وفي زمان ناحور ملك مصر ملك اسمه أنطوطس اثنتين وثلاثين سنة، وقيل: إنه أول من أظهر علم الحساب والسحر والفاصومية، وحمل كتب هذه العلوم من بلد الكلدانيين إلى مصر. وفي زمان ناحور بنيت مدينة سدوم وغامورا في أرض كنعان، وبنيت بابلون على بحر النيل بمصر. وفي سنة سبعين الناحور بنيت مدينة دمشق أيضًا؛ ومات ناحور في تموز. [تارح بن ناحور] ثم تارح عاش سبعين سنة وأولد إبراهيم الخليل ﵇ وهو في خراسان. وعاش بعد ذلك مائة وخمسة وثلاثين سنة، وأولد ناحور وهاران، وأولد هاران لوطًا. ومات هاران في حياة أبيه تارح في أرض الكلدانيين. وتوفيت أم إبراهيم. وكان اسمها يونا فتزوج تارح امرأة أخرى اسمها يهرنب فولدت سارة، وهي التي تزوجها إبراهيم؛ ولهذا كان إبراهيم يقول: إنها أختي من أبي لا من أمي.

стр. 7680

وفي أيام تارح غزا ملك بابل الأرض التي كان تارح مقيمًا بها فخرج إليه حصرون - أخو تارح - فحاربه وقتله، وبطل الملك من بابل. وفي ذلك الزمان انتقل إلى نينوى والموصل، وبعد ذلك خرج تارح من خراسان ومعه إبراهيم وناحور ولوط أولاده ونسوانهم وسار إلى حران وسكن بها، ومات تارح بحران في أيلول وعمره مائتا سنة وخمس سنين. وفي ذلك الزمان ملك أفريدون خراسان وما والاها من ممالك العجم. قال روز بهار بن أسباوون في تاريخه: إن أفريدون ملك جميع ممالك العجم واستولى عليها خمسًا وتسعين سنة؛ وذلك بعد انقضاء أربعمائة سنة من ملك النمرود الجبار. قال: وكان أفريدون أولًا من أكابر أهل فارس، وكان له اشتغال كثير بعلم النَجامة، وأنه وقف لعطارد إذ كان عندهم صاحب تدبير إقليم فارس فصام سبع سوابيع كل يوم إلى بعد المغرب. وكان يتغذى من نبات الأرض، ولا يأكل شيئًا من الحيوان ولا مما يتولد منه. قال: وبعد ذلك ظهرت له روحانية عطارد على زعمهم، وقالت له: إنَّ عبدتموني أنت وجميع هذا الإقليم وسجدتم لي، وقربتم القرابين وذبحتم الذبائح لي فدفعت عنكم جميع المضار والبلوى والآفات والوباء وسائر الأمراض وجلبت لكم الأمطار في أوقاتها وأرخصت أسعاركم وحفظت أولادكم ونسوانكم ومواشيكم ونصرتكم على أعدائكم وبلغتكم أغراضكم في ما تقصدونه. قال: فاجتمع أفريدون بأكابر أهل فارس وأخبرهم بذلك، فقالوا: نريد أن نشاهد هذا الأمر حتى نكون على يقين من الموافقة عليه والدخول فيه. قال: وفي الليلة الثانية عادت روحانية عطارد إلى أفريدون، وقالت له: إذا كان الغد تعمل وليمة عظيمة ويكون الخبز الذي يعمل على الخوان من الدقيق الخالص من لب الحنطة، ويكون ملتوتًا بالعسل والسمن، ويعمل على الخوان من الحلاوات كذا وكذا. وتبني مكانًا مرتفعًا مربعًا وتذبح عليه من الحيوانات كذا وكذا، ويجتمع أكابر المدينة ومشايخها، وأنا أظهر لكم في شعلة نار وأحرق الذبائح والقرابين وأخاطبكم بحضورهم ليطيعوك في كُلِّ ما تأمرهم به. فلما كان من الغد عمل كما أمر به، وجمع أكابر المدينة ومشايخها فنزلت روحانية عطارد شبه شعلة نار وأحرقت الذبائح والقرابين، وخاطبت أفريدون بمثل الكلام الأول وجميعهم يسمعون، وسمعوا صوتًا خرج من النار، وقال: إنَّ إفريدون خليفتي عليكم، فمهما أمركم بشيء تطيعونه وتسمعون منه.

стр. 7681

فلما رأوا النار وسمعوا الخطاب سجد جميعهم على الأرض، وارتفعت النار، وأكلوا من تلك الذبائح والقرابين ومما على الخوان من الخبز والحلوى. ومن ذلك الوقت صيروا أفريدون ملكًا عليهم وسموه السلطان الأعظم. قال: وكان كلما دهمهم أمر يعجزون عنه يقرب أفريدون القرابين فتنزل روحانية عطارد عليها وتحرقها وتدفع عنهم ذلك الأمر على زعمهم. وعظم شأن أفريدون عندهم وهابوه واستوزروا وزيرًا ولقبوه خواجاهان وتفسيره «إستاذ الدنيا»، وفوض إليه تدبير دولته فدبرها تدبيرًا حسنا وساس الناس سياسة جميلة. ثم من بعد ذلك كان أفريدون يسير من مدينة إلى مدينة، ومن مملكة إلى مملكة، فمن أطاعه، أحسن إليه، وأقره على ما في يديه، ومن عصاه، قاتله وأخذ بلاده واستولى على جميع ممالك العجم، واجتمع له ما يزيد على مائتي ألف فارس، وصار له من الأولاد ثلاثة وعشرون ولدًا ذكورًا غير الإناث وجعل ابنه الأكبر شهريار ولده ولي عهده في المملكة وبعده ولده الثاني ماهان، وبعده ولده الثالث، وكذلك إلى آخرهم. [ابراهيم الخليل بن تارح] ثم إبراهيم الخليل ﵇ كان يعبد الله تعالى، ولم يعبد معبودات الأمم فأوحى الله تعالى إليه بأن يخرج من الأرض التي هو مقيم بها إلى الأرض التي أمره الله بالمصير إليها فخرج من حران وعمره خمس وسبعون سنة وأخذ معه زوجته سارة ولوطًا ابن أخيه، وجميع ماله وسار إلى أرض كنعان وقال الله: إني أعطي نسلك هذه الأرض. وارتحل حتى نزل البرية ووقعت مجاعة عظيمة فانحدر إلى مصر ومعه زوجته ولوط - ابن أخيه - ونسوانهم وغلمانهم، فأحسن إليهم فرعون، وخرجوا من مصر وارتفعوا إلى البرية، وكثرت مواشيهم، فتشاجر رعاة مواشي إبراهيم مع رعاة مواشي لوط ابن أخيه فقال إبراهيم: اعتزل عني، فانتقل لوط وسكن سدوم. وكان أهلها خطاة. وبلغ إبراهيم أن ملوكًا دخلوا الأرض واستباحوا مواشي سدوم واستاقوا لوطًا وماشيته فأخذ إبراهيم غلمانه والفتيان الذين في بيوته وعدتهم ثلاثمائة وثمانية عشر رجلًا وسار إليهم وقاتلهم واستردَّ الجميع وعاد فخرج إليه ملكين آداق الكاهن وتلقاه وبارك له وأخرج إليه خبزًا وزادًا، وأدى إليه إبراهيم العشور عن جميع ما كان معه. وخرج ملك سدوم وتلقاه إبراهيم، وقال له: ادفع إليَّ الأنفس وخذ المواشي، فقال إبراهيم: قد حلفت بالله أني لا أخذ شيئًا سوى ما أكل الغلمان وبعد ذلك نزل وحي الله على إبراهيم، فقال إبراهيم: ما الذي تعطيني وأنا خارج من الدنيا بغير نسل، ويرثني غلامي؟ فأوحى الله إليه: لا يرثك غلامك بل ابنك الذي يخرج من صلبك، وقالت سارة لابراهيم: إنَّ الله قد حرمني الولد فادخل على أمتي هاجر لعلي أتعزى بولدها، فسمع منها إبراهيم وضاجع هاجر فحبلت وأردت بسيدتها فأهانتها فهربت فلقيها ملك من الملائكة في البرية وقال لها: عودي إلى سيدتك وتعبدي فسيكثر الله

стр. 7682

نسلك حتى لا يحصى وستلدين ابنًا اسمه إسماعيل، ويكون من نسله اثنا عشر عظيمًا، فعادت إلى سيدتها فولدت إسماعيل وعمر إبراهيم حينئذ ست وثمانون سنة. ولما صار لإبراهيم تسع وتسعون سنة، أمره الله أن يختذن، فاختتن إبراهيم وختن إسماعيل ولده وعمره ثلاث عشرة سنة، وختن كل الفتيان الذين في بيوته. وبعد ذلك أوحى إليه ووعده بابن من سارة. وفي ذلك الوقت أرسل الله ملكين إلى سدوم وعامورا فأخرجوا لوطًا وابنته وزوجته، وأنزل الله نارًا وكبريتًا فأهلك سدوم وعامورا فسمعت امرأة لوط الصراخ من خلفها فالتفتت فصارت ملحًا. ولما تكامل لإبراهيم مائة سنة ولد له إسحاق من سارة زوجته وختنه في اليوم الثامن، ونظرت سارة إسماعيل كأنه يهزأ بإسحاق ولدها، فقالت لإبراهيم: اخرج الأمة وابنها فإن ابنها لا يرث مع ابني، فأخرجهما إبراهيم إلى أرض الحجاز فسكن إسماعيل هناك، وتزوج من نساء العرب الحجازيات وتكلم بالعربية، وولد له من نسل العرب اثنى عشر عظيمًا، وهم أفخاذ قيس، وكثر نسله جدًا. وسكن إبراهيم أرض فلسطين. ومن المختصر الكبير لأبي شامة - رحمه الله تعالى - قال أبو إسحاق؛ حدثني أبو الأحوص عن عبد الله. قال: خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم فمروا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا، فقال: إني سقيم. وقد كان قال قبل ذلك: تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فسمع إنسان منهم؛ فلما خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعامًا، ثم انطلق إلى آلهتهم فقربه إليهم، فقال: ألا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ فراغ عليهم فكسرها إلا كبيرًا ثم ربط في يده الفأس الذي كسر بها آلهتهم. فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الفأس الذي كسر به الأصنام، فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين؟ فقال الذين سمعوا إبراهيم بالأمس يقول: تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له: إبراهيم. فذكر ما قص الله تعالى في القرآن من قصة. قال: فجمعوا له الحطب ثم طرحوه وسطه ثم أشعلوا النار عليه، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١). قال أبو إسحاق: فسمعت سليمان بن صرد يقول: لما جاءوا ينظرون إليه فإذا النار لم تصب منه شيئًا. وقال أبو لوط عند ذلك وهو عمه: أنا صرفتها عنه فأرسل الله عنقًا منها فأحرقته فتركته حممًا، وهذا هو الصحيح، إنه عمه، وقد تقدم أن لوطًا ابن أخيه.

стр. 7683

ومن مختصر أبي شامة، قال إسحاق بن بشر؛ قال مقاتل وسعيد: أول من اتخذ المنجنيق نمرود؛ وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن يدنوا من النار، قال: أنا أدلكم فاتخذ لهم المنجنيق، وجيء بابراهيم فخلعوا ثيابه وشدوا قماطه، فوضع في المنجنيق؛ فلما رمي استقبله جبريل بين المنجنيق والنار، وقال: السلام عليك يا إبراهيم أنا جبريل ألك حاجه؟ قال: أما إليك فلا، حاجتي إلى الله ربي؛ فلما أن قذف سبقه إسرافيل فسلط النار على قماطه، وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا (٦٩)﴾، وأنبت الله حوله روضة خضراء وبسط له بساطًا من درنوك الجنة، وأتي بقميص من حلل الجنة، وأجرى عليه الرزق غدوة وعشيا؛ إسرافيل عن يمينه، وجبريل عن يساره. وقال سفيان: لئن نلت من إبراهيم أكثر من حبل وثاقه لأعذبنك عذابًا لا أعذبه أحدًا من خلقي. وعن بكر بن عبد الله المزني. قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، ضجت عليه عامة الخليقة إلى ربها، وقالوا: يارب خليلك يُلقى في النار إئذن لنا فنطفئ عنه، فقال - جل وعز - خليلي ليس لي خليل غيره في الأرض، وأنا الله ليس له إله غيري، فإن استعان بكم فأعينوه وإلا فدعوه؛ فلما ألقي في النار. قال الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. قال: فبردت النار يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كراع. ولما أخرج الله إبراهيم من النار زاده في حسنه وجماله سبعين ضعفًا، وحين ألقي إبراهيم في النار، قالت أمه: لقد كان ابني يقول إنَّ له ربًا يمنعه، وأراه يلقى في النار فما ينفعه! وإني مطلعة على النار أنظر إلى ابني ما فعل فعملت لها سلمًا فابصرت إبراهيم في وسط النار، فنادته، فقال: ألا ترين ما صنع الله بي؟ قالت: فادع إلهك أن يجعل لي طريقًا ففعل فنزلت إليه فضمته وقبلته. وعن علي بن أبي طالب قال: كانت البغال تتناسل - وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لتحرق إبراهيم، فدعا عليها فقطع الله أرحامها ونسلها. وكانت الضفادع مساكنها القفار فجعلت تطفئ النار عن إبراهيم، فدعا لها فأنزلها الماء وكانت الأوزاغ تنفخ عليه النار. وكانت أحسن الدواب فلعنها فمن قتل منها شيئًا أجر. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: لما ألقي إبراهيم في النار، جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فانه جعل ينفخها عليه، فكان عند عائشة -

стр. 7684

﵂ رمح طويل منصوب يقتل به الأوزاغ. وعن ابن جريج عن عطاء. قال لابن عباس - بعد أن عمي -: هذا وزغ، فقال: أرشدوني إليه فضربه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل وزغة كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفعت له عشر درجات، فقيل له: يارسول الله ما له؟ قال: إنَّه أعان على إبراهيم حين أوقدت النار عليه». وعن النبي ﷺ قال: «لما ألقي إبراهيم في النار، نزل عليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يحدثه فأوحى الله تعالى إلى النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)، ولولا أنه قال: وسلامًا لآذاه البرد وقتله، فرأى إبراهيم بعد ستة أيام في المنام: أنَّ إبراهيم خرج الذي أوقد عليه فطلب فلم يقدر عليه فأتى نمرود، فقال: ائذن لي لأخرج عظام إبراهيم من الحائط وأدفنها فانطلق نمرود إلى الحائط ومعه الناس فأمر بالحائط فنقب فإذا إبراهيم في روضة تهتز وثيابه تندى على طنفسة من طنافس الجنة. وفي رواية: فخرج جبريل في وجوههم فولُّوا هاربين فتبلبلوا عند ذلك اليوم، سميت بابل. قال: وكانت الألسن كلها بالسريانية فتفرقوا فصارت اثنتين وسبعين لغة، فلم يعرف الرجل كلام صاحبه. وقد تقدم لنا عند حكاية البرج بلبلة الألسن؛ وهو مخالف لما هنا، - والله أعلم. قال أبو يعقوب النهرجوري في معنى قوله حين قال له جبريل وهو في الهواء إذ رمي من المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال له: أما إليك فلا!، هذا هو التوكل على كمال الحقيقة، وقع لإبراهيم خليل الرحمان في تلك الحال؛ لأنه عاتب نفسه بالله فلم ير مع الله غير الله فكان ذهابه بالله من الله إلى الله بلا واسطة وهو من غليات التوحيد، وإظهار القدرة لخليله إبراهيم ﵇. وعن ابن عباس قال: لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني؛ فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه، فقيل: عبراني حين عبر الفرات. وبعث نمرود في أثره، وقال: لا تدعوا أحدًا يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به فلقوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته.

стр. 7685

وعن النبي ﷺ قال: «اختتن إبراهيم بعد ما مرت عليه ثمانون سنة، اختتن بالقدوم». قال عبد الرزاق: القدوم اسم القرية، وقال غيره: القدوم الفأس. وعن موسى بن علي عن أبيه قال: أمر إبراهيم أن يختتن فعجل فاختتن بقدوم فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن أمرك بآلته. قال: يارب كرهت أن أؤخر أمرك. قال: وختن إسماعيل - وهو ابن ثلاث عشرة سنة - وختن إسحاق، وهو ابن سبعة أيام. وإبراهيم ﵇ أول من اختتن، وأول من رأى الشيب، فقال: يارب ما هذا الشيب؟ قال: الوقار! قال: يارب زدني وقارًا. وكان أول من أضاف الضيف، وأول من جز شاربه، وأول من قص أظفاره، وأول من استحد، وجاء أيضًا أنه أول من لبس السراويل. وقد اختلف الناس في أي الولدين أمر إبراهيم بذبحه إسماعيل أم إسحاق. قال كعب: لما خرج إبراهيم بابنه يذبحه دخل الشيطان على سارة، فقال: أين يذهب إبراهيم بابنه، قالت: غدا به لبعض حاجته، فقال: إنما ذهب به ليذبحه، قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أنَّ ربَّه أمره بذلك قالت: فقد أحسن يطيع ربه! فخرج الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته، فقال: لكنه يذهب بك ليذبحك، يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك! قال: فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن فيئس الشيطان منه فتركه. قال ابن عباس: ولما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال له: أوثقني لئلا أضطرب فينتضح عليك دمي إذا ذبحتني، فشده؛ فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ (١) فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أقرن أعين أبيض فذبحه. وعن علي بن أبي طلحة عن رسول الله ﷺ قال: إنَّ الله ﵎ قال لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. (٢). قام على الحجر، فمنهم من قال: ارتفع حتى بلغ الهواء، فقال: يا أيها الناس إنَّ الله يأمركم بالحج فأجابه من كان

стр. 7686

مخلوقًا في الأرض يؤمئذ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقال: لبيك اللهم لبيك، فمن لبى اليوم، فهو ممن لبي يومئذ، وممن أجاب يومئذ. وقال ابن عباس: إنَّ الله اصطفى إبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمد بالرؤيا، صلى الله عليهم أجمعين. وفي بعض الكتب التي أنزلت من السماء: أنَّ الله قال لإبراهيم: أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ قال: لا يا رب، قال: لذل مقامك بين يدي في الصلاة. وعن ابن عباس. قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا وتنبأه وله يومئذ ثلاثمائة عبد أعتقهم فأسلموا وكانوا يقاتلون معه بالعصا؛ فهم أول موال قاتلوا مع مولاهم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إنَّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إبراهيم خليل الرحمن. وعن عبيد بن عمير. قال: قال موسى ﵇: إني ذكرت إبراهيم وإسحاق ويعقوب بم أعطيتم ذلك! قال: إنَّ إبراهيم لم يعدل بي شيئًا إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بنفسه فهو بما سواها أجود، وإنَّ يعقوب لم أبتله ببلاء إلا ازدادني حسن ظن. وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر. صام الدهر، وافطر الدهر. وقال أبو هريرة: كان إبراهيم يزور ابنه إسماعيل على البراق، وهي دابة جبريل تضع حافرها حيث ينتهي طرفها، وهي الدابة التي ركب رسول الله ﷺ ليلة أسري. وقال عطاء: كان إبراهيم - خليل الرحمن - إذا أراد أن يتغدى طلب من يتغدى معه ميلًا في ميل. قال عطاء: أحبُّ الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي. وكان إبراهيم ﵇ يطعم طعامه، فإذا أكلوا، قال: هاتوا ثمنه، فيقولون: ما ثمنه؟ قال: تحمدون الله عليه. قال الحسين بن منصور: كنت مع أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب فسألته عن

стр. 7687

هذه الآية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (١)، فقال: رحم الله علي بن عباد دعاني يومًا إلى منزله فجعل يصب الماء بنفسه علي ويخدمني في جلالته وهيبته، فقلت: يا أبا الحسن أنت بنفسك؟ فقال، حدثني أبو أسامة عن شبل عن ابن أبي بخيخ عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾، قال: كان إبراهيم يتولى خدمتهم بنفسه. وقيل: كان إبراهيم لا يرفع طرفه إلى السماء إلا اختلاسًا، ويقول: اللهم نعم عيشي في الدنيا بطول الحزن فيها. وعن ابن عمر: أنَّ الله تعالى قال: ياجبريل خذ ريحانة من الجنة فانطلق بها مع ملك الموت إلى إبراهيم وحيه بها وقل له: الخليل إذا طال به العهد إلى خليله اشتاق إليه، وأنت خليل أما تشتاق إلى خليلك، فأتاه وبلغه رسالة ربه، ودفع إليه الريحانة، فقال: نعم يارب قد اشتقت إلى لقائك، فشم الريحانة فقبض فيها. وقيل: أتاه ملك الموت في منامه فقبضه. وقيل: إنه أصيب على قبره مكتوب خلفه في حجر: [من مجزوء الكامل] إلهي جهولًا أمله … بموتِ مَنْ جا أجله ومن دنا مِنْ حَتْفِهِ … لَمْ تُغن عنهُ حِيلُهْ وكيف يبقى آخر … قد مات عنه أوله والمر لا يصحَبُهُ … في القبر إلا عملة ومات إبراهيم بالشام وهو ابن مائتي سنة، وقيل: عاش مائة سنة وخمس وتسعين سنة. انتهى ما نقل من المختصر الكبير لأبي شامة، ولنرجع إلى الكلام الذي قبله إذ فيه زيادة، فقال: وأما سارة، فإنها جزعت جزعًا شديدًا عندما أراد إبراهيم أن يذبح ابنها فمرضت وماتت وعمرها مائة وسبعة وعشرون سنة ودفنها إبراهيم في الحقل الذي اشتراه من عفرون الحيثي بأربعمائة مثقال فضة. وتزوج إبراهيم بعدها قنطورا بنت ملك الربذة، وأولد منها أولادًا جبابرة، وحار إبراهيم وأخرجهم إلى المشرق واستخلف إبراهيم عبده أنه لا يزوج إسحاق ابنه من بنات الكنعانين بل يمضي إلى حران ويأخذ له زوجة من آل أبيه، وحين مات إبراهيم -

стр. 7688

﵇ اجتمع إسحاق وإسماعيل وحنطا إبراهيم ودفناه في المغارة المضاعفة التي في حقل عفرون الحيثي؛ وهو الآن يسمى مدينة الخليل ﵇. وكان كمرش الملك في عصر إبراهيم، وهو الذي بني ضميصات وقلوديا. وفي ذلك الزمان ملكت امرأة اسمها جرابيب بنت كاهن الجبل، وبنت نصيبين والرها، وبنت في حران هيكلًا عظيمًا، وعملت فيه صنمًا باسم نصيبين، وأمرت الناس بالسجود له فسجدوا له وعبدوه خمسين سنة، ثم أحرقت حران والهيكل والصنم بعد ذلك. [إسحاق بن ابراهيم] ثم إسحاق بن إبراهيم ﵉؛ ولما صار لإسحاق أربعون سنة مضى غلام أبيه إلى حران ليأخذ له زوجة من آل أبيه لوصية إبراهيم له وأناخ إبله عند بئر الماء، وقال: اللهم أنعم على سيدي إبراهيم والفتاة التي أقول لها ناوليني جرتك لأشرب منها، فتقول: اشرب واسق إبلك هي تكون زوجة إسحاق، فقبل أن يفرغ من كلامه إذا بنت أقبلت اسمها رفقا والجرة على كتفها. وكانت بكرًا جميلة المنظر جدًا، فقال لها: اسقيني فقالت له: اشرب واسق إبلك؛ فلما شرب هو وابله ناولها أقرطة ذهب، وصيَّر في يديها سوارين، وقال لها: بنت من أنت؟ فقالت: أنا بنت تنويل بن ملكا المولود لناحور أخو إبراهيم، فسجد الغلام لله تعالى، ومضى معها إلى بيت أبيها فأخبرت أهلها خبر الغلام، فخرج أبوها ولابان أخوها وأولادهم إليه وأنزلوه وأكرموه، فعرفهم سبب قدومه عليهم، والتمس منهم زيجة رفقا لإسحاق فأجابوه إلى ذلك فاعطاهم ذهبًا وحليًا فأرسلوها معه ومعها جواريها وكل مالها فأخذها الغلام وتوجه نحو سيده، وخرج إسحاق يتمشى عند الحقل ممسيًا فرآهم ورأته رفقا أيضًا، وقالت للغلام: من هو هذا؟ قال: هذا سيدي فاستترت برداء وأدخلها إسحاق إلى منزل سارة أمه وتزوجها وعمره حينئذ أربعون سنة. وكانت رفقا زوجة إسحاق عاقرًا فدعا إلى الله فاستجاب له فولدت له عيصو، ويعقوب في بطن واحدة، وعمره حينئذ ستون سنة. وكبر أولاده وكبر إسحاق، فقال لعيصو: قد شخت فاصنع لي طعامًا من صيدك وأتني به لآكل وأبارك عليك قبل وفاتي، فسمعت رفقا وكانت تحب أيوب أكبر، فقالت ليعقوب يا بني ائتني بجديين من الغنم لأتخذ منهما طعامًا لأبيك ليأكل منه ويدعو لك، فقال لأمه: إن أخي ذو شعر وأنا أجرد فأخاف أن يحسني فينزل بي

стр. 7689

اللعنات بدل البركات، فقالت العناتك علي يا ولدي!، فأحضر لها جديين فعملت منهما طعامًا يحبه إسحاق، وألبست يعقوب ثياب عيصو، وعملت جلود الماعز على ذراعيه وعنقه وأدخل الطعام إلى أبيه فأكل منه، وقال: الصوت صوت يعقوب والمجس مجس عيصو، فدعا له وجعله رئيسًا على شعبه. وبعد ذلك أتى عيصو بالطعام الذي صنعه من صيده وقدمه لأبيه ليأكله فعرفه ما كان من أخيه يعقوب، فبكى بكاءً شديدًا، وقال: يا أبه ولا دعوة واحدة تركت لي، قال: قد جعلته رئيسًا عليك وعلى شعبه، فبغض عيصو يعقوب، واستوعده بالقتل فأرسلته رفقا أمه إلى أخيها لابان إلى حران. ومات إسماعيل بن إبراهيم، وعمره مائة وتسعة وعشرون سنة، وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة، ومات في شهر أيار في مائة وعشرين سنة من حياة يعقوب، ودفنه أولاده في المغارة التي دفن فيها إبراهيم بمدينة الخليل. وفي أيام إسحاق بنيت أريحا بناها سبع ملوك وعمل كل واحد منهم سورًا. وفي ذلك الزمان مات أفريدون صاحب العجم وعمره مائة وأربعون سنة، منها قبل أن يملك خمس وأربعون سنة، وبعد أن ملك خمس وتسعون. ورأى أولاد أولاده إلى خمسة أعقاب. وكانت وفاته لتمام أربعمائة وخمس وتسعين سنة من مملكة النمرود الجبار، ودفن في مدينة خراسان. وملك بعده ولده شهريار على جميع ممالك العجم ثلاثًا وتسعين سنة. وسار سيرة أبيه أفريدون، واحسن إلى الرعايا وعدل فيهم وأجزل العطايا لأكابر مملكته. وفي السنة الثانية من ملكه مات وزير والده فاستوزر ولده بهمن، ولقبه بلقب أبيه خواجاجهان، وفوض إليه تدبير دولته فدبَّرها تدبيرًا جميلًا، وأحسن السياسة، وأجرى الناس على أحسن حال، وصار لشهريار أولاد كثيرة. قال روز بهار، في تاريخه: إنَّ شهريار لما رأى أكبر أولاده قد أخذ حد الرجال وعنده شهامة وصرامة، أراد أن يخلع أخاه ماهان من ولاية العهد ويجعلها في ولده الكبير. وكان اسمه إسنفنديار، والتمس ذلك من أخيه ماهان فلم يوافقه فتغير عليه تغييرًا كثيرًا؛ فلما رأى ماهان إنَّ أخاه شهريار قد تغير عليه خاف على نفسه فأخذ إخوته وغلمانه وما خفَّ من أمواله وخرج على أنه يتصيد فانهزم إلى بخارى ودخلها واستولى عليها وعلى بلادها، وتبعه جماعة كبيرة ممن كان يتهاواه ويميل إليه من عسكر أخيه.

стр. 7690

وكان كل من عليه دم أو تهمة قتل أو يخاف على نفسه شيئًا ينهزم إليه، فاجتمع عنده عسكر كبير فشق هذا الأمر على السلطان شهريار ورآه أمرًا عظيمًا فأرسل إلى أخيه ماهان فطلبه أن يحضر إليه ولا يكلفه أن يخلع نفسه من ولاية العهد، وبذل له الأموال وما يختار من البلاد، فلم يفعل. فجهز له عسكرًا كبيرًا ليحضر إليه غصبًا، فخرج ماهان إليهم والتقاهم وهم على ضعف من أثر الطريق فقاتلهم وكسرهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا وأخذ جميع ما كان معهم من الدواب والأسلحة والأمتعة، وغنم أصحابه منهم غنائم كثيرة وهرب بعضهم إلي السلطان شهريار فأخبره بذلك فاشتد هذا الأمر عليه ثم جهز عسكرًا ثانيًا أكثر من الأول وقدَّم عليه رجلًا من الأساورة اسمه قابوس، وكان من المحبين لماهان باطنًا؛ فلما قرب منه، اتفق مع الجيش الذي معه بأن يدخلوا في طاعة ماهان وتسلم أنفسهم وأموالهم فأرسل إليه وعرَّفه بذلك وطلب منه أمانًا له ولمن معه فخاف ماهان أن تكون مكيدة فأرسل إليه أحد إخوته ومعه الأمان: فلما توثق كل واحد منهما من الآخر مضى قابوس بمن معه إلى خدمة ماهان فركب ماهان فتلقاهم وأحسن إليهم وأعطاهم الأموال والخلع؛ فلما بلغ ذلك السلطان شهريار، خاف خوفًا عظيمًا واستدعى أكابر مملكته وشاروهم في الأمر، فقالوا له: أنت تعلم أنَّ مسافة بخارى بعيده، وطرقاتها مشقة، وفيها جبال وعرة؛ وكل من يسير إليها لا يصل إلا عن ضعف كثير فيلقاهم أخوك وهو مستريح فيكسرهم فكأنك تفني عسكرك وتتلفه ولا تحصل على مقصود، والذي نراه أن تتركه في تلك الناحية ولا ترسل إليهم أحدًا فوافقهم على ذلك في الظاهر، وفكر في نفسه في مكيدة يعملها بأخيه ماهان ليهلكه فاستحضر رجلًا عاقلًا عارفًا كان يثق به فتحدث معه بان يمضي إلى أخيه وأعطاه سُمًّا قاتلًا وأوصاه بأن يتحيل ويسمّ أخاه ووعده مواعيد جميلة إن هو فعل ذلك فمضى وأظهر أنه قد فارق خدمة السلطان شهريار؛ فلما وصل إلى ماهان أقبل عليه وقربه وأدناه فلم يزل يستقري الأحوال على مهل إلى أن بلغه إلى شراب سلار الذي لماهان واحدًا عليه فاجتمع به وتحدث معه فوجده موغر الصدر عليه، فلطف به ولازمه وأهدى إليه الهدايا الجليلة والتحف السنية وصار يأكل معه ويشرب فتحدث معه على الشراب فيما قدم لأجله فوافقه؛ فلما وثق منه أعطاه السم الذي معه فأخذه شراب سلار وخلطه في شراب ماهان وسقاه فمات لوقته، فاجتمع أكابر دولته وملكوا ولده ما كان، ويقال مهكان عوضه. وعاد الرجل الذي احتال على ماهان فأخبره بالقضية فسر بذلك سرورًا كثيرًا، ووفى له بما كان وعده.

стр. 7691

[يعقوب بن إسحاق] ولما بلغ يعقوب أن أخاه عيصو يريد قتله خاف، فأرسلته أمه رفقا إلى أخيها لابان إلى حران فتوجه نحوها ونام في بعض الطريق إلى الصخرة التي ببرق شائم، فرأى في منامه رؤيا فنذر، وقال: إن الله كان يحفظني في هذه الطريق ويعطيني خبزًا لمأكلي وثوبًا لملبسي وأرجع بسلام إلى بيت أبي، فأنا أعبده حق عبادته، وهذه الصخرة تكون بيت الله، وأعشر له كلما أملك، فانطلق إلى حران فاستقبله لابان خاله وفرح به وأدخله إلى منزله، ورأى راحيل بنت خاله. وكانت جميلة المنظر فطلبها من أبيها، فقال له: تخدمني سبع سنين وأزوجك راحيل فخدمه سبع سنين فزوجه ليا أختها الكبيرة. وكانت عمشاء، فقال لخاله: قد غدرت بي، فقال له لابان: نحن عندنا لا نزوج الصغيرة قبل الكبيرة بل اخدمني سبع سنين أخرى وأزوجك براحيل، فخدمه سبع سنين أخرى وزوجه براحيل. ثم تقرر بعد ذلك يخدمه بأجرته، وهي كل أسود في الضان وأحمر أبلق في المعز فصارت له مواش كثيرة، فقال أولاد لابان: إنّ هذا جميعه اكتسبه من مال أبينا، ورأى وجه لابان خاله متعيرًا فأخذ نسوانه وأولاده وماشيته ورجع إلى أرضه، فسمع عيصو بقدومه فركب واستقبله فخاف يعقوب خوفًا كثيرًا، فجهز له هدايا كثيرة، وقسم أولاده ونسوانه وماشيته قسمين فأرسل كل قسم منهما في طريق، وقال في نفسه: إن أخذ أخي القسم الواحد بقي القسم الآخر، فأخذ عيصو الهدية ولم يأخذ غيرها، واستقبله وعانقه وبكيا. وبعد ذلك رأى يعقوب رؤيا في المنام، وقيل له: لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد بل إسرائيل. وكان عدة أولاده اثني عشر ذكرًا وبنتًا واحدة، وهم بنو ليا، بكر يعقوب: وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساخر وزابلون وبنت واحدة اسمها دنيا. وبنو راحيل: يوسف، وبنيامين، وبنو بلها أمهما: دان، ونفتالي. وبنو زلفا أمه: لياكاد، وأشير. وهؤلاء الاثنا عشر هم الأسباط، وكل بني إسرائيل من نسلهم. [يوسف بن يعقوب] وكان يعقوب يحب ولده يوسف أكثر من أولاده جميعهم، ورأى يوسف في منامه

стр. 7692

كأنه وإخوته في الزرع يحزمون حزمًا، وأن حزمته انتصبت وسجدت له حزم إخوته. ثم رأى رؤيا ثانية كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا يسجدون له، وأخبر أباه وإخوته فزجره أبوه، وقال له: نسجد لك أنا وأمك وإخوتك فحسده إخوته وأرادوا قتله ثم اتفقوا على بيعه فباعوه للعرب الرحالة بعشرين مثقالًا، وقيل: غير ذلك. فمضوا به إلى مصر وباعوه لفوطيفور - صاحب شرطة فرعون - فأحبته امرأة سيده، وطلبت منه أن يضاجعها فامتنع وكذبت عليه، وقالت لسيده: إنَّ هذا الغلام يراودني عن نفسي فحبسه سيده. وبعد سنين كثيرة حبس فرعون رئيس السقاة ورئيس الخبازين، فرأى رئيس السقاة في نومه كأنَّ في يده كرمة، وقد أظلت منها ثلاث عناقيد عنبًا وإنه اعتصرها في كأس فرعون وناوله لفرعون فأخبر يوسف بالمنام فقال له: بعد ثلاثة أيام يكون كما رأيت فاذكرني عند ربك فرعون. ثم رأى رئيس الخبازين كأن على رأسه ثلاثة أطباق فيها من خبز فرعون وطعامه والطير تأكل منه، فقال له يوسف: بعد ثلاثة أيام تصلب ويأكل الطير من لحمك. فكان كذلك. قال بعضهم: كل واحدٍ منهما رأى منام الآخر وتقايضا فلما علما تفسيره أراد الساقي الرجوع، فقال له يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١). فأصاب كل واحد تفسير المنام الذي أراد وإن كان إنما رآه صاحبه. وبعد ذلك بسنين رأى فرعون منامًا ولم يجد من يفسره فأخبره رئيس السقاة بما كان منه ومن رئيس الخبازين، وتعبير يوسف لهما المنامين فاستحضره فرعون وقال له: إني رأيتُ سبع بقرات سمان صعدن من البحر، وبعدهن صعدت سبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأيت أيضًا سبع سنابل خضر، وسبع سنابل يابسات، فقال له يوسف: أما البقرات السمان، فإنها سبع سنين خصبًا تأتي والبقرات السبع العجاف سنين قحطًا تأتي على الأرض بعدها، وكذلك السنابل أيضًا، والرؤيا واحدة والتعبير واحدة فلتنظر في رجل حكيم توليه أرض مصر يجمع غلات السنين الخصبة لأيام السنين المقحطة. قال فرعون لخاصته: وأين يوجد مثل هذا الرجل؟ فقال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). أراد بخزائن الأرض غلالها.

стр. 7693

وقلد فرعون يوسف تدبير مملكته، وأعطاه خاتمه، وقال: إني لا أتميز عليك إلا بالمنبر خاصة. وكان عمر يوسف يومئذ ثلاثين سنة، فجمع يوسف غلات سني الخصب وخزنها في سنبلها حتى ضاقت الأهرام والمخازن، وزوجه فرعون آسيا بنت قوطيفور فولدت له غلامين فسمى الأكبر منشا، والآخر أفرام. وبعد ذلك وقع بالشام مجاعة شديدة، فقال يعقوب لأولاده اهبطوا مصر وابتاعوا لنا قمحًا، فأقبل إخوة يوسف إلى مصر ووقفوا بين يديه وسجدوا له فعرفهم يوسف ولم يعرفوه ولم يكن بنيامين أخوه لأمه معهم فأراد يوسف أن يستخبرهم عن أبيه وأخيه بحيث لا يعرفونه، فقال لهم: أنتم جواسيس، فقالوا: لا ياسيدنا بل نحن أولاد يعقوب وكنا اثني عشر ورجلًا فأكل الذئب أحدنا وبقي أخوه لأمه عند أبيه فانه شيخ كبير، وهو شديد الحزن على ابنه الذي فقده، فقال لهم يوسف: إن كنتم صادقين فيبقى أحدكم عندي وارجعوا إلى أبيكم وأتوني بأخيكم الصغير. فأمسك شمعون واعتقله عنده وأمر أن تملأ أوعيتهم قمحًا ويجعل الثمن في أوعيتهم من حيث لا يعلمون، وفعل كما أمر؛ فلما وصلوا إلى أبيهم يعقوب، أعلموه بجميع ذلك، ووجدوا الثمن في أوعيتهم؛ فلما سمع يعقوب كلامهم حزن حزنًا شديدًا، وقال لهم: قد فقدت يوسف وهذا شمعون لم أره معكم وتريدون أن تثكلوني في بنيامين أيضًا؟ فلماذا أعلمتوه أنَّ لكم أخًا آخر؟ قالوا: هو سألنا عنك فاعلمناه بالحال جميعًا؛ فلما فرغ قمحهم، قال لهم يعقوب: اهبطوا مصر واشتروا لنا قمحًا، فأخذوا بنيامين معهم، وأخذوا الثمن مضاعفا، وأخذوا معهم من هدايا البلاد، وساروا إلى مصر، ودخلوا قدام يوسف فسجدوا بين يديه؛ فلما رأى بنيامين أخاه معهم أمر بإكرامهم وصنع لهم طعامًا وأمر أن تملأ أوعيتهم قمحًا عند انصرافهم وتجعل الطاس الفضة التي ليوسف في وعاء بنيامين؛ فلما خرجوا من عنده متوجهين أمر يوسف غلمانه أن يلحقوهم، ويقولوا لهم: ماذا فعل سيدنا معكم من الأذى حتى تأخذوا الطاس الفضة الذي له، فقالوا: من وجد معه يكون عبدًا لسيدكم فوجدوه في وعاء بنيامين فأخذه الغلمان ورجعوا به ورجع إخوته معه جميعهم، فوقفوا قدام يوسف، وقالوا: ياسيدنا إنَّ أبانا شيخ كبير، وأخوه هكذا أكله الذئب كما عرفناكم وأبوه يبكي عليه الآن، ومتى أخذت هذا، فهو يموت حسرة عليه فخذ أحدنا مكانه عبدًا، وأطلقه، فعند ذلك بكى يوسف وعرفهم بنفسه وعرف فرعون بذلك فوجه القباب والعجل فحمل يعقوب وكل نسله إلى مصر.

стр. 7694

وأوحى إلى يعقوب: أن اهبط إلى مصر، فدخل يعقوب إلى مصر في السنة الثانية من المجاعة. وكان ليعقوب حين دخل إلى مصر ووقف بين يدي فرعون مائة وثلاثون سنة، وعدة أولاده الذين دخلوا إلى مصر سبعون رجلًا غير النسوان. وأقام يعقوب بمصر سبع عشرة سنة، فأعطاهم فرعون أرض وعمين، وهي عين شمس. ومات يعقوب وعمره مائة وسبعة وأربعون سنة، وحمله يوسف وإخوته إلى أرض كنعان ودفنوه عند آبائه: إبراهيم وإسحاق في المغارة التي بالخليل، وناح المصريون عليه سبعين يومًا. ورجع يوسف وإخوته ومن كان صعد معهم من المصريين إلى أرض مصر. وبنى يوسف مقياسًا في منف، يقاس فيه الماء عند زيادة النيل بمصر، وحفر الخليج الذي يعرف المنهى، وبنى حجر اللاهون بالفيوم، وبنى الحجارة التي تدور بالماء في بلد الفيوم، وهي إلى الآن. وحكي أن السجان قال ليوسف ﵇ لما أتي به: من أنت؟ قال له: ولم تسألني من أنا؟ قال: لأني أحبك! قال: لاحاجة لي في حب أحد إلا في حب إلهي الذي في السماء. قال: أخبرني من أنت؟ قال أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - خليل الله - قال: وما بالك لا تحب أن يحبك أحد؟ قال: إنَّه ما أحبني أحد إلا نالني منه بلاء؛ أحبني أبي يعقوب فنالني منه ما نالني من أجله، وأحبتني عمتي - وهي أكبر ولد جدي إسحاق، وكنت عندها على سبيل الحضانة لحبها إياي فأراد أبي يعقوب أن يستردني منها إذ كان لا اصطبار له عني، فسألته تركي عندها أيامًا لتسوفي حظها من رؤيتي والنظر إلي فأبى يعقوب؛ فلما أرادت الرجوع إلى عنده احتالت العمة من فرط حبها إياي وعمدت إليّ منطقة إسحاق ودستها في ثيابي. ثم ولولت وقالت: انظروا من أخذها وفاز بها، فوجدوها في ثيابي. وكانت الحكومة في السرقة في ذلك الزمان إسترقاق السارق غير مدافع ولا منازع فيه، فادعت العمة رقبتي وقالت: أصنع بها ما أشاء، فأتاها يعقوب وسمع مقالتها، وقال: إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، فأمسكتني عندها إلى أن ماتت. ثم صارت تلك المنطقة لأبي يعقوب فردها إلي، ثم أحبتني هذه المرأة وكان سبب حبسي حبها. وروي أن جبريل ﵇ دخل على يوسف ﵇ السجن، فقال: يا طيب من أدخلك علي هنا؟ قال: أنت قال له: قل: «اللهم يا شاهدًا

стр. 7695

غير غائب، ويا قريبًا غير بعيد، ويا غالبًا غير مغلوب اجعل من أمري فرجًا ومخرجًا وارزقني من حيث لا أحتسب». وفي رواية أبي سعيد - مؤذن الطائف - أنَّ جبريل ﵇ أتى يوسف، فقال له: يا يوسف اشتد عليك الحبس؟ قال: نعم، قال؛ قل: «اللهم أجعل لي من كل ما أهمني وأحزنني من أمر دنياي وآخرتي فرجًا ومخرجًا وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي واقطعه ممن سواك حتى لا أرجو أحدًا غيرك». وحكي عن غالب القطان قال: لما أشتد كرب يوسف وطال سجنه واتسخت ثيابه، وشعث رأسه، وجفاه الناس، دعا عند تلك الكربة، فقال: «اللهم إني أشكو إليك ما لقيت من حبيبي وعدوي؛ أما المحبون لي فباعوني، واما عدوي فحبسني!، اللهم اجعل لي فرجًا ومخرجًا» فاعطاه الله - عز وكل - ذلك. وقال محمد بن سليم: بلغني أن ملك الموت استأذن ربه في أن يسلم على يعقوب ﵇ فأذن له فأتاه وسلَّم عليه، وقال: بالذي خلقك قبضت روح يوسف؟ قال: لا، ثم قال: أفلا أعلمك كلمات لا تسأل الله تعالى بهنَّ شيئًا إلا أعطاك، قال: بلى، قال؛ قل: يادائم المعروف، ياذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع أبدًا ويحصيه غيره، قال: فما طلع الفجر، حتى أتي بقميص يوسف ﵇. وعن جعفر الصادق ﵇ قال: إنَّ ريح الصبا سألت ربها أن تبشر يعقوب بحياة يوسف - صلوات الله عليهما - فأذن لها فجاءت فهبت على يعقوب بذلك. قال: إني لأجد ريح يوسف. وكان يعقوب ساجدًا فلما رفع رأسه، قال: إني لأجد ريح رحمة وإغاثة وزوال محنة فلما دخلوا على يوسف رفع أبويه على العرش، وخروا له سجدًا كما فعلت الملائكة لآدم ﵇ ولم يضعوا جباههم على الأرض، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن. ولم يقل: أخرجني من الجب؛ لأنه لم يحب مواجهة إخوته بما صنعوا به بعد أن قال: لا تثريب عليكم اليوم. وقيل: إنه لم يقل: من الجب؛ لأنه لم يكن من جنايته واختياره، والسجن كان باختياره حيث قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه فشكر على النجاة مما اختاره لنفسه. وعاش يوسف ﵇ مائة سنة وعشر سنين، ورأى أولاد أولاده إلى ثلاثة أعقاب.

стр. 7696

ولما حضرته الوفاة أوصى إخوته بنقل عظامه معهم عند خروجه من مصر إلى أرض الميعاد التي وعدهم الله بها. ومات يوسف ودفن بأرض مصر؛ ولما خرج بنو إسرائيل من مصر، نقلوا عظامه معهم إلى أن دخلوا أرض الميعاد وملكوها، دفنوا عظامه في نابلس في الحقل الذي اشتراه يعقوب من بني حمور، وهذا من تاريخ النصارى. وأما من تاريخ اليهود - ولعله أوثق - أن موسى ﵇ أخرج معه تابوت يوسف فدفن بعد خروج بني إسرائيل من التيه بمغارة آبائه. وقبره الآن خارج المسور، والله أعلم. وفي ذلك الزمان مات شهريار ملك العجم، وملك بعده ولده إسفنديار إحدى وسبعين سنة. [أيوب ﵇] وفي أيام يوسف ﵇ كان أيوب النبي - صلى الله على نبينا وعليهم أجمعين - وهو أيوب بن أموص بن زارخ بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ .. وكان كثير الأموال والأولاد والمواشي فامتحنه الله فصبر وابتلاه فشكر، وبعد ذلك عوضه الله من جميع ما عدم بمثله، وقصته مشهورة فيما جاء به دعاؤه وإزالة كربه وضره وبلائه. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : بينما أيوب يغتسل عريانًا خرَّ عليه جراد من ذهب فجعل يحثوه في ثوبه. قال: فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك؟ قال: بلى، ولكن لاغنى عن بركاتك. وعن جعفر الصادق ﵁ قال: أمطر الله تعالى من السماء على أيوب فراشًا من ذهب فجعل أيوب يأخذ ما كان خارجًا عن داره ويدخله داره، فقال له جبريل: أما تشبع يا أيوب؟ قال: ومن يشبع من فضل ربه. وقيل: إن الله تعالى لما قال لأيوب ﵇ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ (١)، ركض ايوب رجله فنبع ماء زلال فشرب منه واغتسل وأنزل الله تعالى عليه ثوبين أبيضين من السماء فلبسهما، ثم أمر أن يخطو أربعين خطوة؛ فلما انصرفت امرأته وجدته قائمًا يصلي سليمًا صحيح الجسد، زائل الضر. وكانت قد عهدته من قبل بخلاف ذلك، وظنت أنها قد أخطأت الطريق لطهارته ونظافته وطيب رائحته، فقالت له: أرشدني يا عبد الله فإني أرى أني أخطأت الطريق، فقال: وأين تريدين؟ ومن أنت؟ قالت: أنا خليلة أيوب. قال: ومن أيوب؟ قالت: أوما

стр. 7697

سمعت المبتلى كأنك هو في زمان صحته، فتبسم أيوب ضاحكًا!، وتعانقا؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ الآية. وقيل لأيوب ﵇ لما عافاه الله تعالى - ما أشد مامر عليك في أيام بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. وعن ابن عباس قال: أحيا الله لأيوب ﵇ وامرأته، اولادهما ورد عليهما أموالهما، وكل شيء ذهب لهما بعينه، وهما معتنقان قبل أن يفترقا. وأحدث لهما ما لا مثل مالهما، وذلك قوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ (١). وزعم أهل الكتابين: ان الله أعطاه من صلبه ولدًا غير ولده الذين هلكوا، وأحدث لهم مالا غير مالهم الذي هلك؛ وقول الله أصدق حيث عين فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ الآية. [لاوي بن يعقوب] ثم لاوي بن يعقوب أولد قاهات بأرض كنعان قبل دخولهم إلى أرض مصر. وكان عمر لاوي حين أولد قاهات أربعين سنة. وعاش بعد ذلك سبعًا وتسعين سنة، فجميع عمره مائة وسبعة وثلاثون سنة. ثم عمران بن قاهات من سبط لاوي، وتزوج أيضًا من بنات لاوي، وكثر بنو إسرائيل واعتزوا جدًا. وقام ملك آخر على مصر لم يكن يعرف يوسف ولا إخوته؛ وهو فرعون موسى المذكور في القرآن الكريم، فقال لقومه: إنَّ شعب إسرائيل قد كثروا وصاروا أقوى منا فنعمل الحيلة في أمرهم لئلا يكثروا ولا نأمن أن يخرج علينا خارجي فيعينوه ويخرجونا من الأرض، فأمر أن يستعملوا في اللبن والحجر، وقال لقوابل العبرانيات: إذا ولدت امرأة من بني إسرائيل فاقتلنه فخفن الله ولم يفعلن فأنكر فرعون عليهن، فقالوا: إن يشأ العبرانيين لا يدخلن عليهن القوابل إلا بعد أن يلدن، فأمر أن كل من يولد لهم من الذكور يلقى في النهر. [مريم بنت عمران] وعاش عمران ثلاث وسبعين سنة، وأولد مريم،

стр. 7698

[هارون بن عمران] وبعد سبع وسبعين سنه من عمره أولد هارون، [موسى بن عمران ﵇] وبعد ثمانين سنة أولد موسى النبي ﵇ فأخفوه ثلاثة أشهر، ولم يقدروا أن يخفوه بعدها فأخذت أمه بوخائد تابوتًا من الخشب ووضعته فيه وألقته في النهر. وكانت أخته مريم تنظر إليه من بعد لتعلم ما يكون منه. ونزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغسل فرأت التابوت فوجهت خدمها يشلنه من البحر؛ فلما رأته يبكي رحمته، وقالت: هذا من أولاد العبرانيين، فقالت أخته: أتريدون من يُرضعه؟ قالت: نعم، فمضت ودعت أمه فقالت: لها ابنة فرعون: أرضعي هذا الغلام وأنا أعطيك أجرتك، ولم تعلم أنها أمه. وقيل: إنَّ التي أمرت بأخذه وتربيته إنما هي امرأته، وهي آسية بنت مزاحم، وهو الصحيح. ومات والده عمران وعمره مائة وسبعة وثلاثون سنة. قال بعض المؤرخين: إنَّ ابنة فرعون ألتي ربَّت موسى أحضرت إليه جماعة من العلماء وعلموه جميع العلوم والحكم وآداب المصريين. وكان اسمها ميري، وقيل: إنَّ اسمها بسعور. وصار موسى عظيم الشأن بمصر فحسده خاصة فرعون لقربه من آسية ومكانته منها، وموضع رئاسته في المملكة، فتشاوروا في ابعاده. وفي ذلك الوقت حارب الكوشانيون وهم الجيش أرض مصر وخربو بلادها وقطعوا - كما ذكروا - الماء عنها؛ لأن مادة النيل من بلاد الحبشة، فأشاروا على الملك أن يرسل موسى لغزوهم فأجابهم، فقال لموسى: قد علمت ماجرى من الجيوش، وأنهم يركبون السفن في النيل ويغزون أرض مصر وقد خرَّبوها وسبوا أهلها، وقطعوا ماء النيل عنها، ويجب عليك نصرة المملكة لما لها عليك من الحقوق التي تعرفها ولا تنكرها، وقد رأى الملك و وجميع خاصته أن تسير إلى الحبشة وتغزوا أهلها، وتستصحب من تختار من العساكر، وتكون مقدَّمًا عليهم. فانتخب موسى من بني إسرائيل عشرة آلاف، فارس، ومن المصريين عشرة آلاف فارس. وبلغ موسى أن البراري والقفار التي بين أرض مصر والحبشة كثيرة الحيات والأفاعي فاتخذ موسى من الطيور التي تأكل الحيات شيئًا كثيرًا، وقيل: إنَّ منها العقعق ويوحدح.

стр. 7699

فلما وصل إلى الأرض المذكورة، أمر أن لا تطعم الطيور إلا في أوائل النهار، فكان إذا نزل العسكر يفرق أقفاص الطيور في المنازل ولا تطعم شيئًا، فكانت تصيح في الليل كله لشدة جوعها، فتسمع الحيات أصواتها فتغيب في الأرض لكثرة خوفها منها فلم يزل كذلك حتى وصل إلى أرض الحبشة؛ فلما رأى الكوشانيون كثرة العساكر أعظمهم الأمر جدًا، وخافوا خوفًا عظيمًا، ونزلوا على مدينة الحبشة وقاتلوها قتالًا شديدًا، واستظهروا على أخذها. فلما تحققت بنت ملكة الحبشة أن موسى سيظفر بالمدينة ويقتل كل من فيها أرسلت إليه رسالة أن يتزوجها وتعرفه مواضع يفتح المدينة منها فأجابها إلى ذلك فعرفته الأماكن ففتح المدينة واستولى على المملكة، وتزوج موسى بنت ملكة الحبشة، وهي السوداء التي ورد في التوراة خبرها: «أن مريم وهارون تكلموا في موسى من أجل أنه تزوج امرأة سوداء». وأقام موسى بالعساكر التي معه في أرض الحبشة إلى وقت صعود النيل، وعرف أحوالهم فبنى جسرًا عظيمًا بالحجر والكلس لحفظ الماء عند زيادته إلى أن تروى أرض الحبشة وتأخذ حاجتها منه، ثم ينحدر الماء إلى أرض مصر. وجعل موسى أخا زوجته على مملكة الحبشة مكان أبيه واستخلفه أن لا يقطع الماء عن أرض مصر، وعاد موسى بمن معه من العساكر إلى الديار المصرية؛ فلما وصل خاف منه فرعون وجميع خاصته. وكانت ابنة فرعون التي ربت موسى - في قول بعضهم - توفيت وهو بأرض الحبشة. وبعد ذلك بأيام يسيرة أراد فرعون أن يقتله بمن قتل فهرب إلى مدين، وكان عمره حينئذ أربعين سنة، وتزوج هناك بنتًا اسمها صفورا بنت شعيب بمدين على ما قص الله من قصتهما في كتابه، فولدت له ابنين؛ اسم الأول منهما حرشون، والثاني لعازر. وكان موسى يرعى الغنم لشعيب ﵉ وكان موسى يأتي بالغنم إلى البرية حتى وصل إلى طور سيناء فرأى نارًا فقرب منها فرأى عوسجة تشتعل نارًا ولا تحترق فتعجب، وأراد أن يدنو لينظر فنودي: يا موسى لا تدن واخلع نعليك فإن المكان الذي أنت فيه واقف مقدس، وأنا إلهك وإله آبائك؛ إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، وإني مرسلك إلى فرعون، وقل لبني إسرائيل: إني أرسلتك لتخلصهم. ورأى العصا الذي بيده ثعبانًا ثم عادت عصًا كما كانت، وجعل الله يده

стр. 7700

بيضاء، ثم أعادها الله كما كانت. وقيل له: إذا لم يؤمنوا بالآية الأولى آمنوا بالثانية، فقال موسى: يارب إني أردت المنطق وأخي هرون أفصح مني، فقال له: خذ أخاك هارون معك مترجمًا، فسمع موسى ما أمره الله به وجاء إلى بني إسرائيل وعرفهم ما قاله الله تعالى له. وكان عمره حينئذ ثمانين سنة. فمضى موسى وهارون إلى فرعون وهو الذي يزعم القبط أن اسمه طلما بن قومس. وأما أهل الأثر، فزعموا أنه هو الوليد بن مصعب، وأنَّه من العمالقة، وذكروا: إنَّ الفراعنة سبعة. فأراد موسى وهارون الوصول إليه والدخول عليه، وعلى كل واحد منهما جبة صوف فلم يتأت لهما الدخول عليه لشدة غلظته وغلظ حجابه، إلى أن دخل مضحك له كان عرف حالهما، وقال له: بالباب رجلان يطلبان الإذن عليك، ويزعمان أنَّ إلههما أرسلهما إليك، فأمر بإدخالهما فخاطبهما موسى وأراه آيته في العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع. وكان من خطابه ما نصه الله في كتابه العزيز في غير ما موضع فغاظ فرعون أمره، وهم بقتله فمنعه الله منه وشغله عنه. ورأى فرعون كأن صورة أقبلت فمسحت على أعينهم فعموا، ثم أمر قومًا آخرين بقتله فرأى نارًا أتت عليهم فأحرقتهم فازداد غضبًا، وقال له: من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علموك أو تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ فقال له: هذا ناموس السماء وليس من نواميس الأرض. قال: ومن صاحبه؟ قال: صاحب البنيان العلي قال: بل علمتها من بلدي؛ وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس، وقال: ارفعوا إلي أعمالكم فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدًا، فعرضوا عليه أعمالهم فسره ذلك واحضره، وقال: قد وقفت على سحرك وعندي من يربي عليك ويريني أعظم منه، فوعدهم يوم الزينة - وهو يوم عيدهم - على أنَّ من غلب منهما تبعه الآخر. وكان جماعة من أهل البلد قد آمنوا بموسى فقتلهم ظلمًا، وجمعوا بينه وبين سحرة مصر جميعًا، وكانوا مائتي ألف وأربعين ألفًا فعملوا من الأعمال ما حيَّروا به العيون من دجن ملونات ترى الوجوه ملونة ومشوهة منها الطويل، ومنها العريض، ومنها المقلوب جثته إلى أسفل، ولحيته إلى فوق، ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة على قدر أنياب الفيلة، ومنها ما هو عظيم على قدر الترمس العظيم، ومنها ما له قرون عظام، ومنها ما يشبه وجوه القردة، ومها أجسام عظيمة تبلغ السحاب وحيات عظام بأجنحة تطير إلى الهواء ويرجع بعضها على بعض فتبلعه وحيات يخرج من أفواهها نار

стр. 7701

تجلل العالم فتكاد تحرقه، وحيات تطير وترجع منحدرة على كل من حضر لتبلعه وعصي تلحق بها في الهواء فتصير حيات برؤوس وأذناب فيها رؤوس حيات تدور تنقلب على الناس فتنهشهم بأفواهها وتضربهم بأذنابها، ومنها ما له أجنحة، وأظهروا تماثيل في خلق الشياطين، ثم عملوا أدخانًا يعشى أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضًا، ويسمع لها قعقعة وضجة وصوت وصور خضر على دواب خضر وصور سود هائلة تميل على الناس؛ فلما رأى فرعون ذلك سره هو وجماعة من حضر. واغتم موسى ﵇ وجماعة ممن كان آمن به وكتم إيمانه خوفًا من فتنة الناس بذلك وضلالهم. وكان للسحرة ثلاثة رؤساء من كبارهم، والقبط تقول: كان لهم اثنان وسبعون رئيسًا؛ فلما رأى ذلك موسى وضاق به أتاه جبريل ﵇ وقال: لا تخف إنك أنت الأعلى والق ما في يمينك، فسر بذلك موسى ﵇ وطمع في إيمان الناس، وسكن خوفه فأشار إلى عظماء السحرة، وقال: رأيت ما صنعتم، فإن قهرتكم تؤمنون بالله؟ قالوا: نشهد لنفعلن ورآه فرعون، وقد أشار إليهم فغاظه وهم بمعاجلة الجميع ثم توقف ليعلم آخر القصة والناس يهزأون بموسى ومن أخيه ﵉ وعليهما دراعتان من صوف وقد احتزتا. ووضع موسى عصاه، فسمى موسى ﵇ بالله، ثم لوح العصا وحلق بها في الجو فرفعها جبرئيل حتى غابت عن عيونهم، ثم أقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترسين بتوقدان وتخرج من فيه مثل الحراب وهو يرتعد غضبًا الله فلا يقع من زبده شيء على أحد إلا برصه وبرصت من ذلك بنت فرعون والثعبان فاغر فاه، والقوم ينظرون حتى قرب منهم وأرسله فابتلع جميع ماعمله. وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كثيرة وحجارة فأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبتلعه. وكان في قبة له إلى جانب القصر يشرف على عمل السحرة فوضع نابه تحت القصر فصاح فرعون عند ذلك واستغاث بموسى فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم فسقط البعض على وجوههم، وهرب بعضهم فأمسكه موسى وعاد في يده عصًا كما كان؛ فلما رأى السحرة ذلك ولم يروا تلك الأعيان، قالوا: ما هذا من عمل الآدميين، وإنما نصنع نحن خيالات لا تغيب عن أعين من يلقها عليه، وهذا من فعل جبار قدير على الأشياء، فقال موسى: أوفوا بعهدكم وإلا سلطتها عليكم فتبتلعكم كما ابتلعت غيركم ومصيركم إلى النار. وعند ذلك آمن السحرة بموسى وجاهروا موسى، وقالوا: هذا من إله السماء وليس من فعل أهل الأرض قال: قد علمت أنكم تواطأتم معه علي وعلى

стр. 7702

ملكي حسدًا لي، وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبوا فكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا وجاهرته إمرأته ففعل بها مثل ذلك في قول بعضهم. وكان فرعون هذا قد تجبر وادعى الربوبية وشق الأنهار وغرس الأشجار؛ فلما كان من أمر موسى ما كان فسد كل عمل وسقطت الطلسمات وبعض الهياكل والمنازل، وخرت الأصنام على وجوهها. وعلت آيات موسى من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فتحول ماؤهم دمًا حتى كانت الإسرائيلية تسقي القبطية من فيها ماء فيعود دمًا، وتعض على الرغيف لتأكل فتعض على ضفدع، وأتلف الجراد والقمل زروعهم، وهدم الماء بساتينهم وبعض منازلهم، وتبين للناس أن فرعون لا ينفعهم، وضاق صدر فرعون من ذلك فرجع إلى مداراة موسى ووعده أن يستخلفه على ملكه فأشار عليه هامان والكهان ألا يفعل، وأمر الرعية أن يقتلوا موسى فخرجوا إلى الموضع الذي هو فيه؛ لذلك فأتت نار فأحرقتهم. ورأى فرعون أنه أخذ برجليه ونكص على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث ويقول: أنا مؤمن بموسى فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له: لم يبق بعد هذا شيء، أريد أن أؤمن بموسى؛ فقال له: هو الذي عمل لك الرؤيا ليهول عليك، أتريد أن تكون عبدًا بعد أن كنت ربًا؟ وتستخف بك رعيتك، وتسلب ملكك، فتلطف به وأعداءك تؤمن به، فكان يبعث إليه موسى وينتظره فكلما مر الأجل ولم يفعل عظم البلاء عليهم وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآفات في منازلهم. وكان الناس قد خافوا من موسى وهابوه وكانوا يؤمنون به سرًا؛ فمن آمن به زال عنه الأذى؛ فلما زاد الأمر على فرعون، أحضر موسى، وقال له: إن أجبتك فما لي عندك، قال: أرد شبابك وأضعف عمرك، وأؤمنك من جميع العلل ومن زوال ملكك، وأعلي يدك على كل من ناوأك من الملوك، وأكثر نشاطك وأكلك وشربك، قال: إن فعلت فقد أنصفت، فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان. فمنعه، وقال له موسى: أطلق لي بني إسرائيل، فقال فرعون: إنما تريد إخراجهم من بلدي لتكون عليهم ملكًا، وأنا انتفع بهم وبخدمتهم، وإنما هذا حسد منك لي قال: فانتقل عن ادعائك الربوبية، قال: إذًا أنقص في أعين الناس، قال: فإنَّ إلهي سيهلكك أنت وقومك وتصير أرواحكم إلى النار، قال: فإني استعمل ذلك سرًا، ولا استعمله علانية. قال: لا يقبله منك وأنت على هذه، والإقرار ظاهر يخلصك، فوعده بتخلية بني إسرائيل من العبودية والإحسان إليهم. قال: اعمل ذلك سرًا، قال: إن لم تفعل خلصهم منك إلههم وأهلكك، فأزال عن بني إسرائيل الخدمة.

стр. 7703

وحضر عيد لهم فأمر موسى نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلي القبطيات وثيابهن ويتزين بها في عيدهم ففعل نساء بني إسرائيل وأكلوا معهم وشربوا وألقى على القبط السبات فأمرهم موسى بالتعدية إلى البر الشرقي ليكون عيدهم هناك. ثم سار بهم من الليل. وكانوا ستمائة ألف ونيفًا وأربعين ألفًا، وأخرجوا تابوت يوسف من النيل وحملوه معهم. وكان الذي دلهم عليه عجوز مؤمنة فحملوها معهم، ومضوا بها إلى ناحية بحر القلزم لتخفى آثارهم. فلما كان آخر الليل عرف خروجهم بسقوط الأصنام والأعلام. وكان موسى عرف فرعون أن تلك علامة هلاكه، وقيل له: ما عملته الإسرئيليات. وأمر الناس بالتعدية والركوب فركب معهم تابعًا لآثارهم، فلم يبق أحد من أولاد الملوك، ولا من فيه حشمة إلا ركب معه فيقال: إنَّه سار في ألف ألف ونيف فلم يمروا على شيء من الأعلام إلا سقط، ولا صنم إلا أكب على وجهه. وساروا مجدين حتى يلحقوهم على عبر البحر، فقال موسى لهارون: قف بالبحر وكنه بأبي العباس، ومره أن يكف عنا موجه، وضربه بعصاه فانكشفت أرضه ولحقه موسى ومعه بنو إسرائيل فمشوا في وسط الماء، وهو يطلهم وجعل لكل سبط طريقًا، وجعل فيها طاقات ليرى بعضهم بعضًا، فأقبل جبريل ﵇ على فرس له بلقاء فدخل بها البحر، ودخل حصان فرعون خلفه وتبعه قومه فلم يبق أحد منهم في البر. فلما توسطوا البحر وقد خرج موسى إلى العبر الآخر من الحين، أمر الله البحر أن يأخذ فرعون وقومه فقال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فألجمه جبريل بكفه من حمأة البحر ضرب بها وجهه فغرق الجميع وأمر بأرواحهم إلى النار، وطرحهم البحر بعد هلاكهم إلى ذلك العبر، وألقي فيهم فرعون حتى رئي وعرف وانتقم الله منهم. وزعمت فرقة من اليهود أنَّ فرعون نجا سالمًا بعد غرق قومه وملك مدينة صغيرة ليست من أرض مصر. وقال بعض: ولما غرق فرعون وأتباعه وعساكره، لم يبق من الرجال من يصلح للملكة، فقعد النساء في مراتبهم بنت الملك ملكة، وبنت الوزير وزيرة، وبنت الوالي والحاكم على هذا الحكم، وكذلك القواد والأجناد واستولت النساء على المملكة. وأقاموا كذلك سنين كثيرة، ثم بعد ذلك اشتهين الرجال فتزوجن عبيدهن وشرطن عليهم أنَّ الحكم والتصرف للنسوان واستمر ذلك برهة من الزمان. ومن ثم كانت أنساب القبط مدخولة.

стр. 7704

وأما موسى - صلوات الله عليه - وبنو إسرائيل، فإنهم دخلوا التيه، ثم كان من أمرهم ما كان. وكان من كرامة الله له أنَّ الحجر كان يحمل فيوضع فيضرب بعصاه فينفجر بالماء ثم يأتي كل سبط قسم منه يجري بينهم، وظللهم بالغمام وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، ولم يخلق لهم ثوبًا، ولا أبلى جديدًا، ولا أمضى ظهرًا حتى أن الصغير منهم كان إذا طال ثوبه معه. ثم كان تلونهم على موسى ﵇ وتلونهم له ما هو معروف، ولقد لاقي منهم المصاعب، وحمل المتاعب حتى أتاه اليقين، ولحق بربه. ومن جملة مناجاة موسى ﵇ ربه قال: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. وعن بعض أهل البيت. قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: لا يارب! قال: إني قلبت عبادي ظهرًا لبطن فلم أجد أحدًا أذل لي نفسًا منك ياموسى، إذا صليت فضع خديك على التراب. وفي ما ناجى به ربه، أنه قال: يا رب، ما لمن عاد مريضًا؟ قال: أوكل به ملكًا يعوده في قبره إلى محشره قال: فيا رب ما لمن غسل ميتًا؟ قال: أخرجه من ذنوبه كما خرج من بطن أمه، فقال: يا رب فأي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ فقال: الذي يقنع بما يؤتى. قال: يا رب أي عبادك أعدل؟ قال: الذي جمع علم غيره إلى علمه، والذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: يا رب أي عبادك أحسن عملًا؟ قال: الذي لا يكذب لسانه ولا يفجر قلبه، ولا يزني فرجه. قال: من يطيق هذا؟ قال: من يخافني قال: أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يكثر ذكري قال: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: جيفة بالليل بطال بالنهار، قال: أي عبادك أصبر؟ قال: أكظمهم للغيظ، قال: أيُّ عبادك أسعد؟ قال: من آثر أمري على هواه، وغضب لي غضب النمر لنفسه قال: يا رب أي خلقك أشقى؟ قال: من لا يذكرني إذا خلا بي. يا موسى إن أردت أقرب مجلسك يوم القيامة فلا تنهر السائل، ولا تقهر اليتيم، وإن أردت أن لا يبقى ملك في السماوات والأرض إلا سلم عليك وصافحك يوم القيامة، فأكثر التسبيح والتهليل، وإن أردت أن أباهي بك الملائكة، فامط الأذى عن الطريق، وإن أردت أن لا تدعوني دعوة إلا أجبتك، فعليك بحسن الخلق، إن أبغض عبادي لي الذي في قلبه كبر، وفي لسانه غلط، وفي قلبه قساوة، وكفاه يابستان من الخير إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. وعاش موسى ﵇ مائة وعشرين سنة.

стр. 7705

وقد جاء في الحديث الشريف رؤية النبي ﷺ له واقفًا يصلي في قبره، ووصفه وقال: إنه في جانب الكثيب الأحمر إلى جانب الطريق، وقال: لوكنت ثم لأريتكموه. وقبره المنسوب إليه الآن فوق أريحا مدينة الغور - وقد بني الملك الظاهر بيبرس عليه قبة ومسجدًا، وأقام له خادمًا براتب أجراه له. وقد رأيت المكان وصليت بهذا المسجد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، ويحكي أهل تلك الأرض آثارًا وكرامات له. وقد جاء أن موسى ﵇ قال عند موته: رب قربني من الأرض المقدسة ولو رمية بحجر. وقد قدمنا طرفًا من ذكره في ذكر المزارات في أوائل الكتاب. [يوشع بن نون] ثم يوشع بن نون، وبعد وفاة موسى النبي ﵇ أوحى الله تعالى ليوشع فتى موسى: قم اعبر الأردن وجميع من معك من بني إسرائيل إلى الأرض التي عهدت الإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكل موضع تطأه أقدامكم أعطيه لكم وجبل لبنان إلى نهر الفرات وإلى البحر الكبير، ولا يثبت أحد أمامك كل أيام حياتك. فأمر يوشع القوم بأن يستعدُّوا زادًا لثلاثة أيام لعبور الأردن ليرثوا الأرض، فأجابوه إلى ذلك، وقالوا له: نطيعك كما كُنَّا نطيع موسى ﵇ ومن خالفك يقتل؛ فأرسل يوشع جاسوسين إلى أريحا فمضيا ودخلا بيت امرأة زانية اسمها راحاب، فبلغ الملك ذلك فطلبهما فأخفقتهما راحاب، وقالت: قد خرجوا ولا أعرف كيف توجهوا، ودخلت إليهم فعرفتهم بذلك واستحلفتهم أنهم إذا ملكوا أريحا أن لا يقتلوها ولا أحدًا ممن في بيتها. وعادا إلى يوشع فأخبراه فرحل إلى الأردن إلى أن وقفوا مقابل أريحا. وعند سماع الأموريين والكنعانيين ذابت قلوبهم خوفًا من بني إسرائيل، فأوحى الله إلى يوشع قد أسلمت أريحا وملكها في أيديكم فدنا إلى المدينة وقاتلها قتالًا شديدًا إلى أن أنهد سور المدينة فدخل القوم إليها كل رجل من مقابله. وأوحى الله إليه أن تكون هذه المدينة وجميع مافيها حرمًا لله، وأمرهم بحفظ نفوسهم من الحرم، فعملوا كما أمر الله، وقتلوا كل من فيها بالسيف إلا راحاب وأهل بيتها لم يقتلوهم، وحملوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وآلة النحاس والحديد. ثم بعد ذلك أرسل يوشع قومًا يتحسسون الغي فعادوا وقالوا: إنَّ أهلها قليل وإنَّ ثلاثة آلاف رجل يفتحونها، فأرسل إليها نحو ثلاثة آلاف فقتل منهم ستة وثلاثين رجلًا
следующие страницы →