← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

تجلل العالم فتكاد تحرقه، وحيات تطير وترجع منحدرة على كل من حضر لتبلعه وعصي تلحق بها في الهواء فتصير حيات برؤوس وأذناب فيها رؤوس حيات تدور تنقلب على الناس فتنهشهم بأفواهها وتضربهم بأذنابها، ومنها ما له أجنحة، وأظهروا تماثيل في خلق الشياطين، ثم عملوا أدخانًا يعشى أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضًا، ويسمع لها قعقعة وضجة وصوت وصور خضر على دواب خضر وصور سود هائلة تميل على الناس؛ فلما رأى فرعون ذلك سره هو وجماعة من حضر. واغتم موسى ﵇ وجماعة ممن كان آمن به وكتم إيمانه خوفًا من فتنة الناس بذلك وضلالهم. وكان للسحرة ثلاثة رؤساء من كبارهم، والقبط تقول: كان لهم اثنان وسبعون رئيسًا؛ فلما رأى ذلك موسى وضاق به أتاه جبريل ﵇ وقال: لا تخف إنك أنت الأعلى والق ما في يمينك، فسر بذلك موسى ﵇ وطمع في إيمان الناس، وسكن خوفه فأشار إلى عظماء السحرة، وقال: رأيت ما صنعتم، فإن قهرتكم تؤمنون بالله؟ قالوا: نشهد لنفعلن ورآه فرعون، وقد أشار إليهم فغاظه وهم بمعاجلة الجميع ثم توقف ليعلم آخر القصة والناس يهزأون بموسى ومن أخيه ﵉ وعليهما دراعتان من صوف وقد احتزتا. ووضع موسى عصاه، فسمى موسى ﵇ بالله، ثم لوح العصا وحلق بها في الجو فرفعها جبرئيل حتى غابت عن عيونهم، ثم أقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترسين بتوقدان وتخرج من فيه مثل الحراب وهو يرتعد غضبًا الله فلا يقع من زبده شيء على أحد إلا برصه وبرصت من ذلك بنت فرعون والثعبان فاغر فاه، والقوم ينظرون حتى قرب منهم وأرسله فابتلع جميع ماعمله. وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كثيرة وحجارة فأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبتلعه. وكان في قبة له إلى جانب القصر يشرف على عمل السحرة فوضع نابه تحت القصر فصاح فرعون عند ذلك واستغاث بموسى فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم فسقط البعض على وجوههم، وهرب بعضهم فأمسكه موسى وعاد في يده عصًا كما كان؛ فلما رأى السحرة ذلك ولم يروا تلك الأعيان، قالوا: ما هذا من عمل الآدميين، وإنما نصنع نحن خيالات لا تغيب عن أعين من يلقها عليه، وهذا من فعل جبار قدير على الأشياء، فقال موسى: أوفوا بعهدكم وإلا سلطتها عليكم فتبتلعكم كما ابتلعت غيركم ومصيركم إلى النار. وعند ذلك آمن السحرة بموسى وجاهروا موسى، وقالوا: هذا من إله السماء وليس من فعل أهل الأرض قال: قد علمت أنكم تواطأتم معه علي وعلى

стр. 7702

ملكي حسدًا لي، وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبوا فكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا وجاهرته إمرأته ففعل بها مثل ذلك في قول بعضهم. وكان فرعون هذا قد تجبر وادعى الربوبية وشق الأنهار وغرس الأشجار؛ فلما كان من أمر موسى ما كان فسد كل عمل وسقطت الطلسمات وبعض الهياكل والمنازل، وخرت الأصنام على وجوهها. وعلت آيات موسى من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فتحول ماؤهم دمًا حتى كانت الإسرائيلية تسقي القبطية من فيها ماء فيعود دمًا، وتعض على الرغيف لتأكل فتعض على ضفدع، وأتلف الجراد والقمل زروعهم، وهدم الماء بساتينهم وبعض منازلهم، وتبين للناس أن فرعون لا ينفعهم، وضاق صدر فرعون من ذلك فرجع إلى مداراة موسى ووعده أن يستخلفه على ملكه فأشار عليه هامان والكهان ألا يفعل، وأمر الرعية أن يقتلوا موسى فخرجوا إلى الموضع الذي هو فيه؛ لذلك فأتت نار فأحرقتهم. ورأى فرعون أنه أخذ برجليه ونكص على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث ويقول: أنا مؤمن بموسى فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له: لم يبق بعد هذا شيء، أريد أن أؤمن بموسى؛ فقال له: هو الذي عمل لك الرؤيا ليهول عليك، أتريد أن تكون عبدًا بعد أن كنت ربًا؟ وتستخف بك رعيتك، وتسلب ملكك، فتلطف به وأعداءك تؤمن به، فكان يبعث إليه موسى وينتظره فكلما مر الأجل ولم يفعل عظم البلاء عليهم وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآفات في منازلهم. وكان الناس قد خافوا من موسى وهابوه وكانوا يؤمنون به سرًا؛ فمن آمن به زال عنه الأذى؛ فلما زاد الأمر على فرعون، أحضر موسى، وقال له: إن أجبتك فما لي عندك، قال: أرد شبابك وأضعف عمرك، وأؤمنك من جميع العلل ومن زوال ملكك، وأعلي يدك على كل من ناوأك من الملوك، وأكثر نشاطك وأكلك وشربك، قال: إن فعلت فقد أنصفت، فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان. فمنعه، وقال له موسى: أطلق لي بني إسرائيل، فقال فرعون: إنما تريد إخراجهم من بلدي لتكون عليهم ملكًا، وأنا انتفع بهم وبخدمتهم، وإنما هذا حسد منك لي قال: فانتقل عن ادعائك الربوبية، قال: إذًا أنقص في أعين الناس، قال: فإنَّ إلهي سيهلكك أنت وقومك وتصير أرواحكم إلى النار، قال: فإني استعمل ذلك سرًا، ولا استعمله علانية. قال: لا يقبله منك وأنت على هذه، والإقرار ظاهر يخلصك، فوعده بتخلية بني إسرائيل من العبودية والإحسان إليهم. قال: اعمل ذلك سرًا، قال: إن لم تفعل خلصهم منك إلههم وأهلكك، فأزال عن بني إسرائيل الخدمة.

стр. 7703

وحضر عيد لهم فأمر موسى نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلي القبطيات وثيابهن ويتزين بها في عيدهم ففعل نساء بني إسرائيل وأكلوا معهم وشربوا وألقى على القبط السبات فأمرهم موسى بالتعدية إلى البر الشرقي ليكون عيدهم هناك. ثم سار بهم من الليل. وكانوا ستمائة ألف ونيفًا وأربعين ألفًا، وأخرجوا تابوت يوسف من النيل وحملوه معهم. وكان الذي دلهم عليه عجوز مؤمنة فحملوها معهم، ومضوا بها إلى ناحية بحر القلزم لتخفى آثارهم. فلما كان آخر الليل عرف خروجهم بسقوط الأصنام والأعلام. وكان موسى عرف فرعون أن تلك علامة هلاكه، وقيل له: ما عملته الإسرئيليات. وأمر الناس بالتعدية والركوب فركب معهم تابعًا لآثارهم، فلم يبق أحد من أولاد الملوك، ولا من فيه حشمة إلا ركب معه فيقال: إنَّه سار في ألف ألف ونيف فلم يمروا على شيء من الأعلام إلا سقط، ولا صنم إلا أكب على وجهه. وساروا مجدين حتى يلحقوهم على عبر البحر، فقال موسى لهارون: قف بالبحر وكنه بأبي العباس، ومره أن يكف عنا موجه، وضربه بعصاه فانكشفت أرضه ولحقه موسى ومعه بنو إسرائيل فمشوا في وسط الماء، وهو يطلهم وجعل لكل سبط طريقًا، وجعل فيها طاقات ليرى بعضهم بعضًا، فأقبل جبريل ﵇ على فرس له بلقاء فدخل بها البحر، ودخل حصان فرعون خلفه وتبعه قومه فلم يبق أحد منهم في البر. فلما توسطوا البحر وقد خرج موسى إلى العبر الآخر من الحين، أمر الله البحر أن يأخذ فرعون وقومه فقال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فألجمه جبريل بكفه من حمأة البحر ضرب بها وجهه فغرق الجميع وأمر بأرواحهم إلى النار، وطرحهم البحر بعد هلاكهم إلى ذلك العبر، وألقي فيهم فرعون حتى رئي وعرف وانتقم الله منهم. وزعمت فرقة من اليهود أنَّ فرعون نجا سالمًا بعد غرق قومه وملك مدينة صغيرة ليست من أرض مصر. وقال بعض: ولما غرق فرعون وأتباعه وعساكره، لم يبق من الرجال من يصلح للملكة، فقعد النساء في مراتبهم بنت الملك ملكة، وبنت الوزير وزيرة، وبنت الوالي والحاكم على هذا الحكم، وكذلك القواد والأجناد واستولت النساء على المملكة. وأقاموا كذلك سنين كثيرة، ثم بعد ذلك اشتهين الرجال فتزوجن عبيدهن وشرطن عليهم أنَّ الحكم والتصرف للنسوان واستمر ذلك برهة من الزمان. ومن ثم كانت أنساب القبط مدخولة.

стр. 7704

وأما موسى - صلوات الله عليه - وبنو إسرائيل، فإنهم دخلوا التيه، ثم كان من أمرهم ما كان. وكان من كرامة الله له أنَّ الحجر كان يحمل فيوضع فيضرب بعصاه فينفجر بالماء ثم يأتي كل سبط قسم منه يجري بينهم، وظللهم بالغمام وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، ولم يخلق لهم ثوبًا، ولا أبلى جديدًا، ولا أمضى ظهرًا حتى أن الصغير منهم كان إذا طال ثوبه معه. ثم كان تلونهم على موسى ﵇ وتلونهم له ما هو معروف، ولقد لاقي منهم المصاعب، وحمل المتاعب حتى أتاه اليقين، ولحق بربه. ومن جملة مناجاة موسى ﵇ ربه قال: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. وعن بعض أهل البيت. قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: لا يارب! قال: إني قلبت عبادي ظهرًا لبطن فلم أجد أحدًا أذل لي نفسًا منك ياموسى، إذا صليت فضع خديك على التراب. وفي ما ناجى به ربه، أنه قال: يا رب، ما لمن عاد مريضًا؟ قال: أوكل به ملكًا يعوده في قبره إلى محشره قال: فيا رب ما لمن غسل ميتًا؟ قال: أخرجه من ذنوبه كما خرج من بطن أمه، فقال: يا رب فأي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ فقال: الذي يقنع بما يؤتى. قال: يا رب أي عبادك أعدل؟ قال: الذي جمع علم غيره إلى علمه، والذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: يا رب أي عبادك أحسن عملًا؟ قال: الذي لا يكذب لسانه ولا يفجر قلبه، ولا يزني فرجه. قال: من يطيق هذا؟ قال: من يخافني قال: أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يكثر ذكري قال: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: جيفة بالليل بطال بالنهار، قال: أي عبادك أصبر؟ قال: أكظمهم للغيظ، قال: أيُّ عبادك أسعد؟ قال: من آثر أمري على هواه، وغضب لي غضب النمر لنفسه قال: يا رب أي خلقك أشقى؟ قال: من لا يذكرني إذا خلا بي. يا موسى إن أردت أقرب مجلسك يوم القيامة فلا تنهر السائل، ولا تقهر اليتيم، وإن أردت أن لا يبقى ملك في السماوات والأرض إلا سلم عليك وصافحك يوم القيامة، فأكثر التسبيح والتهليل، وإن أردت أن أباهي بك الملائكة، فامط الأذى عن الطريق، وإن أردت أن لا تدعوني دعوة إلا أجبتك، فعليك بحسن الخلق، إن أبغض عبادي لي الذي في قلبه كبر، وفي لسانه غلط، وفي قلبه قساوة، وكفاه يابستان من الخير إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. وعاش موسى ﵇ مائة وعشرين سنة.

стр. 7705

وقد جاء في الحديث الشريف رؤية النبي ﷺ له واقفًا يصلي في قبره، ووصفه وقال: إنه في جانب الكثيب الأحمر إلى جانب الطريق، وقال: لوكنت ثم لأريتكموه. وقبره المنسوب إليه الآن فوق أريحا مدينة الغور - وقد بني الملك الظاهر بيبرس عليه قبة ومسجدًا، وأقام له خادمًا براتب أجراه له. وقد رأيت المكان وصليت بهذا المسجد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، ويحكي أهل تلك الأرض آثارًا وكرامات له. وقد جاء أن موسى ﵇ قال عند موته: رب قربني من الأرض المقدسة ولو رمية بحجر. وقد قدمنا طرفًا من ذكره في ذكر المزارات في أوائل الكتاب. [يوشع بن نون] ثم يوشع بن نون، وبعد وفاة موسى النبي ﵇ أوحى الله تعالى ليوشع فتى موسى: قم اعبر الأردن وجميع من معك من بني إسرائيل إلى الأرض التي عهدت الإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وكل موضع تطأه أقدامكم أعطيه لكم وجبل لبنان إلى نهر الفرات وإلى البحر الكبير، ولا يثبت أحد أمامك كل أيام حياتك. فأمر يوشع القوم بأن يستعدُّوا زادًا لثلاثة أيام لعبور الأردن ليرثوا الأرض، فأجابوه إلى ذلك، وقالوا له: نطيعك كما كُنَّا نطيع موسى ﵇ ومن خالفك يقتل؛ فأرسل يوشع جاسوسين إلى أريحا فمضيا ودخلا بيت امرأة زانية اسمها راحاب، فبلغ الملك ذلك فطلبهما فأخفقتهما راحاب، وقالت: قد خرجوا ولا أعرف كيف توجهوا، ودخلت إليهم فعرفتهم بذلك واستحلفتهم أنهم إذا ملكوا أريحا أن لا يقتلوها ولا أحدًا ممن في بيتها. وعادا إلى يوشع فأخبراه فرحل إلى الأردن إلى أن وقفوا مقابل أريحا. وعند سماع الأموريين والكنعانيين ذابت قلوبهم خوفًا من بني إسرائيل، فأوحى الله إلى يوشع قد أسلمت أريحا وملكها في أيديكم فدنا إلى المدينة وقاتلها قتالًا شديدًا إلى أن أنهد سور المدينة فدخل القوم إليها كل رجل من مقابله. وأوحى الله إليه أن تكون هذه المدينة وجميع مافيها حرمًا لله، وأمرهم بحفظ نفوسهم من الحرم، فعملوا كما أمر الله، وقتلوا كل من فيها بالسيف إلا راحاب وأهل بيتها لم يقتلوهم، وحملوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وآلة النحاس والحديد. ثم بعد ذلك أرسل يوشع قومًا يتحسسون الغي فعادوا وقالوا: إنَّ أهلها قليل وإنَّ ثلاثة آلاف رجل يفتحونها، فأرسل إليها نحو ثلاثة آلاف فقتل منهم ستة وثلاثين رجلًا

стр. 7706

وانهزموا، فشق ذلك على يوشع ووقع على الأرض فأوحى الله إليه: إنهم قد أخذوا من الحرم فاوقع القرعة بين الأسباط فوقعت على عاجار بن كرمي بن سبط يهودا فأحضره يوشع وسأله فأقرَّ إنه أخذ إزارًا عراقيًا وسبيكة ذهب ومائتي مثقال من الفضة، فأمر يوشع بأن يُرجم هو وأهل بيته فرجموهم وحرقوهم بالنار. وبعد ذلك ساروا إلى الغي فملكوها وفعلوا بها كما فعلوا بأريحا وقتلوا جميع أهلها وحرقوهم بالنار. وعدة من قتل بها اثنا عشر ألف رجل، واحضروا ملكها حيًا وصلبوه على خشبة وعند المساء أنزلوا جثته ورجموها حتى صار عليها تل حجارة. وسمع الملوك بذلك فاستعدوا لقتال يوشع؛ فأما سكان جيعول فاحتالوا بمكر ولبسوا ثيابًا مقطعة وأخذوا معهم آلات عتيقة وخبزًا يابسًا وجاءوا إلى يوشع، وقالوا: قد جئنا من أرض بعيدة نطلب أمانكم فأعطاهم أمانًا وعهدا، فسمع ملك مدينة السلام فخاف واستنجد بخمسة ملوك من جيرانه على أهل جيعول فأنجدوه وحاربوهم فاستجاورا بيوشع فسار إليهم وقتل من أعدائهم خلقًا كثيرًا. وفي انهزامهم طرح الله عليهم حجارة برد من السماء فمات أكثر من المقتولين بالسيف. وتبعهم يوشع، وقال للشمس: قفي فأمر الله تعالى الشمس فوقفت مقدار نهار كامل إلى أن انتقم الله من أعدائه. ووقوف الشمس ليوشع مشهور، وبهذا ألمع أبو تمام قوله (١): [من الطويل] لحقنا بأخراهم وقدْ حَرَّمَ الهوى … قُلُوبًا عَهدنا طيرها وهي وُقَعُ فرُدَّتْ علينا الشمس والليل راغم … بشمس لها من جانب الخدر تطلع نضا ضوؤها صبح الدُّجُنَّة وانطوى … لبهجتها ثوب السماء المجزع فو الله ما أدري أأحلام نائم … ألمَّتْ بنا أم كانَ في الرَّكْب يُوشَعُ ولم نذكر هذه الأبيات إلا لاستجادتها؛ ولأنَّ كل ماقيل في هذا المعنى من مادتها. وهرب الملوك الخمسة واختفوا في مغارة فأخبر يوشع بذلك، فأمر أن يدحرج على باب المغارة حجارة كثيرة، ووكل بها من يحفظها إلى أن قتلوا جميع أعدائهم، وعادوا سالمين، فاستحضر يوشع الملوك الخمسة وأمر بقتلهم فقتلوهم وصلبوهم.

стр. 7707

وعند غروب الشمس أنزلوهم وألقوهم في المغارة التي اختفوا فيها، وسدوا بابها. واجتمع الملوك بجموع كثيرة لا تحصى ولا تحصر لمحاربة بني إسرائيل فقاتلوهم وقتلوهم حتى لم يبق منهم أحد. وفتح قيسارية - أول هذه الممالك - وقتل كل [من] فيها بالسيف، وقتل ملكها وحرقهم بالنار، وفتح مدنًا، وقتل ملوكها وأهلها ولم يحرقها، وجعل سلبها وبهائمها لبني إسرائيل، ولم يسلم من بني إسرائيل إلا جيعون وباقي المدن أخذوها بالسيف. وأهلك يوشع العلوج من الجبال، وأخذ جميع تلك الأرض وأعطاها لبني إسرائيل وقسمها بين الأسباط بالقرعة، ووقعت الهدنة في الأرض عن الحرب. وعدة الملوك الذين قتلهم بنو إسرائيل وورثوا أرضهم في غير الأردن واحد وثلاثون ملكًا. وبعد أيام كثيرة استدعى يوشع مشايخ بني إسرائيل، وقال لهم: أنا قد شخت وأنتم قد رأيتم كيف أهلك الله الأمم بين أيديكم فخافوا الله واعبدوه باعتقاد صحيح، وقلب سليم، واتركوا المعبودات وأزيلوها وإلا فأنا وأهل بيتي نعبد الله، فقالوا: ونحن نعبد الله فإنه إلهنا ولا نعبد سواه، فكتب عليهم عهدًا. وبعد هذه الأمور مات يوشع بن نون، وعمره مائة وعشر سنين ودفنوه في جبل كنعان. ويقال: إن يوشع وكالب هما الرجلان المعنيان بقول الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). [فينحاس بن العازر بن هارون] ثم فينحاس بن العازر بن هارون. وكان فينحاس مع يوشع بن نون. كان يوشع مع موسى ولم يتعين له مدة منفردة. وهو الذي دبر الشعب بعد يوشع، وتزعم اليهود. إنَّ فينحاس هو الذي تسميه العرب الخضر. وبعد وفاة يوشع أمر الله بني يهودا من بني إسرائيل أن يحاربوا الكنعاني، وصعد معهم بنو شمعون إخوتهم فهرب الكنعانيون والفرارينون فقتلوا منهم في باراق عشرة

стр. 7708

آلاف رجل، ومسكوا ملكهم وقطعوا ابهام يديه ورجليه، وبعد ذلك قتلوه في أورشايم - وهي بيت المقدس - وقتلوا كل من فيها بالسيف وحرقوا قراها بالنار، وفتحوا غزة وتخومها وعسقلان وحدودها وورثوا الجبل، ولم يقتلوا أهل الغور. وأما بنو بنيامين، فلم يقتلوا البابويسين. وبنو بقتالي سكنوا بين الكنعانيين وأخذوا خراجهم واختلطوا بهم، وعبدوا معبوداتهم وتركوا عبادة الله فغضب الله عليهم، بأن ملك عليهم كوشيان شعتايم المنافق. وتفسير «كوشيان شعتايم» أظلم الظالمين. ويذكر أنه ملك آرام وصور وصيدا، ويسمى ملك البحرين، وملك أدوم، وهو الذي استعبد بني إسرائيل وتسلط عليهم ثمانين سنة وعذبهم، ومن شدة تعذيبه لهم عادوا إلى عبادة الله وتضرعوا له فخلصهم بابن أخي كالب الأصغر. وفي هذا الزمان عرف قروطس وقرونيطس في مدينة قيسون، وهما أول من أحدث اللعب والرقص بجميع آلات السلاح. [عثنيال] ثم عثنيال ابن أخي فتيان بن أخي كالب الأصغر - من سبط يهوذا - صار قاضيًا على بني إسرائيل، وحارب كوشيان المنافق - ملك حران - فقتله. ودبر بني إسرائيل، وعبدوا الله في أيامه، واستراحت الأرض من الحرب أربعين سنة. وفي السنة الأولى من ملك عثنيال ملك فقرويس مدينة اساس تسعًا وأربعين سنة. وزعم بعض المؤرخين: أنَّ في زمانه أيضًا كان طوفان آخر. [عجلون] ثم عجلون ملك مواب ويقال: عقلون، وهو من بني لوط. جمع جميع عماليق وعمان، وقوي على بني إسرائيل واستعبدهم وأذاقهم أشد عذاب ثماني عشرة سنة وأخذ منهم قرية النحل. [أهود بن حار الأعسم] ثم أهود بن حار الأعسم من قبيلة بنيامين. كان قاضيًا على بني إسرائيل، وقتل من أهل فلسطين ستمائة رجل، وخلص بني إسرائيل. ولم يكن له مدة تتعين. [دنورا] ثم دنورا زوجة البندوب من سبط أقرام.

стр. 7709

وزعم بعضهم: أنها نبئت. وكانت تقضي بين بني إسرائيل فاجتمعوا إليها وشكوا ما هم فيه من الضرر بما بين. وكان مابين هذا ملك كنعان. وكان يعبد بني إسرائيل عشرين سنة، فأحضرت باراق من سبط بقتالي وفوضت إليه تدبير العساكر، وقالت له: تأخذ معك من بني بقتالي وزابلون عشرة آلاف رجل وتسيرون إلى سيسرا فإنَّ الله ينصركم على ما بين ويظفركم به وبسيسرا، فصعد بنوا إسرائيل مع باراق فجمع سيسرا جميع عسكره ولقيهم فانهزم هو ومن معه من العساكر على يد باراق، وهرب سيسرا ودخل خيمة امرأة وطلب منها ماءً فسقته لبنًا فشرب ونام وغطته بقطيفة وأخذت وتدًا من أوتاد الخيمة ومرزبة فضربت الوتد في صدغه حتى وصل الأرض فتمحص ومات. وجاء باراق في طلبه فأدخلته المرأة الخيمة وأرته سيسرا ميتًا فاعتز بنو إسرائيل وشكرت دبورا الله تعالى، وسجدت له وسبحته وسكنت الأرض من الحروب أربعين سنة. وفي ذلك الزمان بنت سقو مدنا التي هي الآن القسطنطينية، ثم خسف الله بها وبناها سورس الملك؛ وسماها سورس الملك بزنطية. وبعد زمان ودهور ملكها قسطنطين الملك المؤمن فغيرها وزاد في سعتها، وسماها باسمه القسطنطينية. وفي ذلك الزمان ملك بعلرنوس البلاد التي على نهر النيل وكان يذبح الغرباء من عابري السبيل ويأكلهم. وفيه أيضًا ظهر قريوسوس الذي يقال عنه: إنه من شدَّة سرعته لا تدركه العتاق من الخيل ولا الظباء. [زاراخ وصلمناع] ثم زاراخ وصلمناع من ملوك مدين، وهم عرب إسماعيليون تسلطوا على بني إسرائيل، وحصروهم إلى الجبال، وأفسدوا زروعهم ونهبوا دوابهم، وأقاموا كذلك مدة سنين. [جدعون بن نواش] ثم جدعون بن نواش، وهو الذي خلص بني إسرائيل ونصرهم؛ وذلك أنَّ الله تعالى أرسل إليه ملكًا، وقال له: أنت تخلص بني إسرائيل، فقال: كيف أقدر على تخليصهم وعشيرتي أقل عددًا، وأنا أصغر أولاد أبي؟ فقال له الملك: إنَّ الله معك، فجمع بني إسرائيل وأراد أن يقاتل أهل مدين فأوحى الله إليه لا تأخذ معك جميع بني

стр. 7710

إسرائيل، ولكن خذ بعضهم، فأخذ معه ثلاثمائة رجل، وجاء إلى أهل مدين فدخل عليهم بليل وتحسس في عسكرهم فسمع أحدهم يفسر رؤيا رآها على آخر، فقال له المفسر: إنَّ الله قد دفع عسكر مدين لجدعون فسجد جدعون الله فخرج وأمر الثلاثمائة الذين معه أن يحملوا جرارًا فارغة فيها مصابيح نار والقرون، وقال لهم: اعملوا مثل ما أعمل؛ فلما دخلوا هتف بالقرون فهتفوا معه، وكسروا الجرار وأخذوا المصابيح بشمائلهم وصرخوا: الغلب الله ثم لجدعون؛ فوقع المدينيون بعضهم على بعض، وصار الرجل يقتل صاحبه، فانهزموا. وأرسل جدعون إلى بني إسرائيل أن أخرجوا واستقبلوهم واقتلوا عورنب ورنب القائدين وأتوا برأسيهما إلي. وقتلوا مائة ألف وعشرين ألف مقاتل، وأحضروا إليه من الأقراط التي كانت على جمالهم ألف وسبعمائة مثقال ذهبًا؛ لأنهم عرب إسماعيليون. وظفر جدعون بملكي مدين زاراخ وصلمناع وقتلهما، وسكنت الأرض من الحرب أربعين سنة، وولد له سبعون ولدًا؛ لأنه تزوج نساء كثيرات، وتوفي بعد هرم. وفي ذلك الزمان ظهر قرلوس القاسوم وصطلوس. وكانا يظهران الخفيات حتى كانت الناس تتعجب من أمرهما، وظهرت في زمانه أمور غريبة. وفي زمانه انحدر فرنسيس إلى بلاد الفرس وقطع رأس عرعور الزانية، التي كانت لحسنها وجمالها تصيّر الذين ينظرون إليها مثل الحجارة سمودًا من النظر إليها. وفي أيامه ظهرت بنات أبليوس وهنَّ سبعة. وكنَّ قاسوميات. وقيل: إنَّ الإنسان كان يرى وجهه في وجههن لشدة حسنهن، وصفاء أجسامهن، وحسن ألوانهن ومتى كانت الواحدة في الظلمة، فإن ذلك الموضع يضيء. وفي ذلك الزمان بنيت مدينة قرونيتا، ومدينة ملطية، وفيه أيضًا ملك قوسوس، ويقال: إنه كان يزمر بالقفار فتجتمع إليه السباع وسائر الوحوش لسماعه ولا يؤذي بعضهم بعضًا. وزعموا: أن بعضها كان إذا سمع غناءه وزمره ينام. وفي ذلك الزمان بنيت مدينة قوريفو على شط البحر، وهي التي فيها البيت الذي لا ينزل عليه المطر دون بيوت المدينة، وهو من العجائب. [أينماخ بن جدعون] ثم إينماخ ولد جدعون من الأمة. مضى إلى أخواله أهل نابلس، وقال لهم: أي الأمرين خير لكم؛ أن يتسلّط عليكم سبعون رجلًا أو رجل واحد؟ وطلب منهم مساعدة

стр. 7711

على قتل إخوته!، فأعطوه سبعين مثقالًا من الفضة. وقيل: بل أعطوه سبعين قنطارًا من الفضة فاستأجر بها أقوامًا شدادًا وقتل إخوته السبعين على صخرة واحدة، ونجا أصغرهم. وتسلط أينماخ على بني إسرائيل ثلاث سنين، وحاصر حصنًا وأحرق فيه أنفسًا، ورمت امرأة على رأسه حجرًا فشدخته، فقال لحامل سلاحه: اقتلني لئلا يقال: إن امرأة قتلتني. [برعال بن نوال] ثم برعال بن نوال ابن عم اينماخ من سبط الساحر. كان نازلًا في سامير جبل أفرام، ثم صار قاضيًا على بني إسرائيل ثلاثة وعشرين سنة، ومات ودفن في سامير. [بايين الجلعادي] ثم بايين الجلعادي - من جلعاد - صار قاضيًا عليهم. وكان له ثلاثون ابنًا، وثلاثون قرية. ومات وولايته عليهم اثنين وعشرين سنة. [ملوك فلسطين] ثم ملوك فلسطين وهم بنو عمون - من بني لوط - تسلطوا على بني اسرائيل لما رجعوا عن عبادة الله، وعبدوا الأصنام فغضب الله عليهم، وملك عليهم أعداءهم ثمان عشرة سنة إلى أن تابوا ورجعوا إلى عبادة الله فأنقذهم مما كانوا فيه. وفي أول سنة من غلبة بني عمون بنيت مدينة صور. [تفتاح بن جلعاد] ثم تفتاح بن جلعاد ابن امرأة زانية. صار رئيسًا، وراسل بني عمون وطلب منهم قرية النحل فامتنعوا، وقالوا: لم يطلب أحد من بني إسرائيل هذه الأرض، فلماذا تطلب الشر؟ فلم يلتفت لقوله. فنذر نفتاح إن ظفرني الله ببني عمون فأول من يستقبلني من باب بيتي أقربه الله تعالى - فظفر بهم وهزمهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأخذ لهم عشرين مدينة، ورجع إلى مصغبا إلى منزله، فخرجت ابنته تستقبله ولم يكن له غيرها فمزق ثيابه، وقال لها: يابنيتي إني نذرت الله نذرًا ولا أرجع عنه وأعلمها الخبر، فقالت له: لا ترجع في نذرك، ولكن امهلني شهرين لأنوح على نفسي فأمهلها فمضت إلى الجبل هي وصواحباتها العذارى فبكت مدة الشهرين على شبابها ورجعت إلى أبيها فصنع بها كما نذر. وبقي تفتاح قاضيًا ست سنين، وقيل: إن تفتاح أشار عليه أكابره وخواصه بأن

стр. 7712

يمضى إلى فنحاس النبي بن العازر بن هارون لعله يفتيه بما يخلص له ابنته، فمنعه عز الملك أن يمضي إليه، وفنحاس أيضًا لم يأت إليه لشرف النبوة. وفي ذلك الزمان كانت مجاعة عظيمة في أرض اليونانيين فمات الناس من الجوع حتى امتلأت الطرقات والأسواق من الموتى. وكانت الكلاب تأكل من الموتى؛ فلما كثر ذلك حفروا نواويس ودفنوا الموتى فيها، وهم أول من حفر النواويس. [أبيصان] ثم أبيصان، وقيل: أفصان؛ وهو يعشور من بيت لحم، وصار قاضيًا وكان له ثلاثون ذكرًا من أولاده، وثلاثون أناثًا. فزوج أولاده الجميع ذكورهم وأناثهم. واستقر قاضيًا سبع سنين، ومات ودفن في بيت لحم. [الكور بن زابلون] ثم الكور بن زابلون؛ وهو من سبط زابلون. صار قاضيًا عشر سنين. [عجران بن هليان] ثم عجران بن هليان الأقراباني، وقيل: عبدون بن هلال. صار قاضيًا على بني إسرائيل. وكان له أربعون ابنا وثلاثون بنو أبيه. وكانوا يركبون سبعين مهرًا. وبقي قاضيًا ثمان سنين، ومات ودفن في عيون في أرض أقرام في جبل العمالقة. [شمشوم الجبار] ثم شمشوم الجبار. كانت أمه عاقرًا فجاءها ملك، وقال لها: لا تشربي خمرًا ولا مسكرًا، ولا تأكلي نخسًا وأنت تحبلين وتلدين ولدًا يكون حصورًا، ولا تحلقي رأسه، وهو يخلص بني إسرائيل، فقالت المتوخ زوجها، فاشتهى زوجها أن يرى الملك فرآه وبشره بذلك. وبعد ذلك جامعها فولدت ابنًا وسمته شمشوم، وشب ورأى امرأة من بنات فلسطين فطلب إلى والدته أن يتزوجها فخرج والده معه ليخطب له المرأة فرأى في الطريق شبل أسد يزأر فوثب عليه وفسخه كما يفسخ الجدي بلا سيف ولا عصا فنزلوا وكلموا المرأة فتزوجها وظهرت نجابته. وكان أهل فلسطن تعبدوا بني إسرائيل وتسلطوا عليهم إلى أن ظهر شمشوم فأذاقهم الوبال وحرق زروعهم، وبدد جموعهم،، وله أخبار كثيرة أضربنا عنها لطولها.

стр. 7713

ومات ودفن باقريطية، وعاش سبعمائة وثمانين سنة. [ميخا] ثم ميخا. وبعد ذلك أقام بنو إسرائيل بغير مدبر ثمان سنين. وكان كل إنسان منهم يعمل مايريد. وكان مجاهدًا عابدًا زاهدًا فدبر أمرهم. [عالي الكاهن] ثم عالي الكاهن بقي قاضيًا على بني إسرائيل أربعين سنة. وكان قد كبر وثقلت عيناه. وكان ذا رأي سديد، وعقل راجح مديد. [شموال بن هلقانا] ثم شموال النبي بن هلقانا، ويقال: صموئل، دبر بني إسرائيل عشرين سنة. وكان شديد الطاعة الله تعالى. وعلم ذلك منه بنو إسرائيل من دان إلى بئر سبع، وان الله تعالى قد ائتمنه على بني إسرائيل فصدقوا قوله وشكروا فعله. وبعد مضي عشرين سنة له معهم أقبل عليهم، وقال لهم: إن كنتم تقبلون على الله بقلوبكم فاصرفوا عنكم الآلهة المبعدة عنه، المقربة إلى سخطه لينجيكم من أهل فلسطين، ففعلوا كذلك ونهضوا إلى أهل فلسطين فهزموهم وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا. ورد سمويل على بني إسرائيل جميع القرى التي كانوا أخذوها منهم. [شاؤول بن قيس] ثم شاؤول بن قيس وهو أول ملوك بني إسرائيل من بني بنيامين. وكان جبارًا جمع الجموع من بني إسرائيل، وذلك باشارة شمويل النبي - المتقدم ذكره .. وكان جملتهم ثلاثمائة ألف رجل، ومن آل يهودا ثلاثين ألفًا، وهجم على عسكر بني عمون فقتل عامتهم، ومن بقي هرب، وخافوا شاؤول من ذلك الوقت. [داود بن ينشا] ثم داود النبي بن ينشا من سبط يهودا. ملك على آل يهودا يحيرون سبع سنين وستة أشهر، ثم ملك على جميع بني إسرائيل ثلاثة وثلاثين سنة، فجميع ملكه أربعون سنة وستة أشهر. ولما مات شاؤول وصح ذلك عند داود وشق ذلك عليه، فقطع ثوبه، وكذلك جميع من معه، وبكوا على شاؤول وناحوا وصاموا، فأمر الله داود ﵇ أن يصعد إلى حران أرض يهودا. وكان لشاؤول ولد كان عمره أربعين سنة. وكان ببروشليم

стр. 7714

ملكًا على بني إسرائيل، وبقي سنتين. وكان بين داود وبين هذا حروب كثيرة. وبعد ذلك أشار أكابر الجماعة على ولد شاؤول بمصالحة داود فسمع قولهم، فأرسل إلى داود وطلب معاداته. ثم إن ولد شاؤول أغضب أكثر قواده فقتلوه، وأتوا برأسه إلى داود، فقتل داود قاتليه وقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، فاجتمع بنو إسرائيل إلى داود فصيَّروه ملكًا عليهم، وعمره حينئذ ثلاثون سنة. وحارب أهل فلسطين والموانين والأدوميين وغيرهم، وظفره الله بهم وقتل منهم كثيرًا، وصاروا له عبيدًا يؤدون الخراج. ورتب نوابًا بدمشق، وصار الدمشقيون عبيدًا له. وسمع ملك أنطاكية فأرسل إليه ولده بهدايا كثيرة من آلات ذهب وفضة ونحاس. وبنى داود مدينة صهيون وسكنها، ونقل التابوت إليها. وكان في ايامه ناتان وأصاف وأبيتار عظيم الكهنة. ولما استراح داود واستقل بالملك، قال لناتان النبي: إني ساكن في بيت مسقف بالأدن وتابوت السكينة في خيمة، فأوحى الله إلى ناتان أن لا يبني له بيتًا؛ لأنه مارس الحروب وأنا أخلق من صلبه ولدًا، وهو الذي يبني لي بيتًا. وروي أن داود جاء إلى ناحية دمشق وقتل جالوت عند قصر أم حكيم، وملكه الله تعالى على بني إسرائيل بعد طالوت. وذكر الكلبي: إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت وتخلف أبوهم، وكان شيخًا كبيرًا. وأمسك داود يرعى غنمًا له فنودي يا داود: أنت قاتل جالوت فما تصنع ههنا؟ استودع غنمك ربك والحق بإخوتك فإن طالوت قد جعل لمن يقتل جالوت نصف ماله ويزوجه ابنته فخرج داود ومعه عصاه ومخلاته و مرجمته، وهي القذافة، وهي المقلاع الذي يرمى به السباع، عن غنمه. وأنفذ معه أبوه زادًا لإخوته، فبينا هو يمشي ناداه حجر ثم آخر، ثم آخر كل واحد منهما يقول: ياداود احملني أنا أقتل جالوت بإذن الله، فقال داود: وكيف تقتله؟ فقال: أستعين بالريح فتلقى بيضته فأصيب جبهته فحمل الثلاثة في مخلاته. فلما تقدم داود دخل يده في مخلاته فإذا تلك الحجارة الثلاثة صارت حجرًا واحدًا فوضعها في مقلاعة وكبر فأجابه الخلق غير الثقلين فسمع جالوت وجنده شيئًا ظنُّوا أنَّ الله تعالى حشر عليهم أهل الدنيا. وهبت ريح فاظلمت عليهم وألقت بيضة جالوت، وقذف داود الحجر فصار ثلاثة فأصاب أحدهم جبهة جالوت فأنفذها فوقع

стр. 7715

قتيلًا، وأصاب الآخران الميمنة والميسرة فظنُّوا أنَّ الجبال قد خرَّت عليهم فانهزموا فقتل بعضهم بعضًا فانصرف طالوت ببني إسرائيل مظفرًا، فزوج ابنته من داود ﵇ وقاسمه نصف ماله. وروي أنه افتخر عند رسول الله ﷺ أصحاب الإبل وأصحاب الغنم، فقال رسول الله ﷺ بعث داود وهو راعي غنم وبعث موسى وهو راعي غنم، وبعثت أنا وأنا راعي غنمًا لأهلي بأجياد. وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : أنزلت الصحف على إبراهيم في ليلتين من رمضان، وانزل الزبور على داود في ست، وأنزلت التوراة لثمان عشرة من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين من رمضان. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال: كان لقمان يؤازر داود بالحكمة، فقال له داود: طوبى لك بالقمان! أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة وابتلي بالرزية. وعن أبي الدرداء قال: قال: رسول الله ﷺ : كان داود يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك؛ اللهم اجعل حبك أحب من نفسي وأهلي ومن الماء البارد. وقال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود وحدث عنه يقول: كان داود عند البشر. وعن أنس أن رجلًا قال للنبي ﷺ : يا خير الناس. قال: ذاك إبراهيم، قال: يا أعبد الناس! قال: ذاك داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ رسول الله ﷺ قال: خير الصيام صيام داود. كان يصوم نصف الدهر، وخير الصلاة صلاة داود. كان يرقد نصف الليل الأول ويصلي آخر الليل حتى إذا بقي سدس الليل رقده. وفي رواية كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقي. وفي أخرى: فإنه أعدل الصيام عند الله . وقال سفيان: سألت الأعمش عن قوله ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١)، قال: مثل الخيوط. وقال قتادة: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (٢)، قال: كانت صفائح وأول من سردها وحلقها داود.

стр. 7716

وقال وهب: أقام داود ﵇ صدرًا من زمانه على عبادة ربه ورحمته للمساكين. وكان قل أن يكون يوم إلا وهو يخرج منكرًا لا يعرف فإذا لقي القدام، سألهم عن مقدمهم، ثم يقول: أرأيتم داود النبي؟ كيف حاله مع أمته؟ وهل تنقمون من أمره شيئًا؟ فيقولون: لا، هو خير خلق الله لنفسه ولأمته حتى بعث الله ملكًا في صورة رجل قادم فلقيه داود فسأله عما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا، قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين. فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه في الدعاء: أن يعلمه عملًا بيده يستغني به ويغني به عياله فألان الله له الحديد، وعلمه صنعة الدروع وعمل الدروع، وهو أول من عملها؛ فإذا ارتفع من عمله درع باعه فتصدق بثلثها واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق بها يومًا بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إنَّ الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت. كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحوش وتصغي إليه حتى تؤخذ بأعناقها وماتنفر، وماصنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد. وكان إذا فتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان أعطي سبعين مزمارًا في حلقه، وكان قد هون عليه القرآن، وكان يأمر دابته فيكمل القرآن حين يقدم إليه. وقال هشام بن عروة: كان داود النبي ﵇ يخطب الناس وهو نبي، وهو يعمل قفة، ويقول لبعض من يليه: اذهب فبعها. قال أبو الزاهرية: كان داود النبي ﵇ يعمل القفاف فيبيعها ويأكل ثمنها. وكان موسعًا عليه. وقال ثابت البناني: كان داود ﵇ قد جزأ ساعات الليل والنهار، فما تم ساعة إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، يعمهم الله تعالى في هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١). قال مسعر: لما قيل لهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لم تأت على القوم ساعة إلا ومنهم مصل. قال ثابت: كان داود ﵇ يطيل الصلاة ثم يركع، ثم يرفع رأسه، ثم يقول: إليك رفعت رأسي يا رافع السماء نظر العبيد لأربابها.

стр. 7717

وعن الزهري في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١) سبحي معه، وفي قوله ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، قال؛ قولوا: الحمد لله. وعن سفيان في قوله ذا الأيد أي ذا القوة في أمر الله. وقال وهيب بن الورد: كان داود ﵇ قد جعل الليل عليه وعلى أهل بيته دولًا، لا تمر من الليل إلا وهو في بيته ساجد وذاكر. قال صدقة بن بشار: كان داود يومًا في محرابه فنظر إلى دودة صغيرة فعجب من خلقها فأنطقها الله فقالت: يا داود أنا على صغري أطوع الله منك على كبرك. وفي رواية: أنا على ما أتاني الله من فضله. قال عبد الوهاب بن حفص: أمسى داود ﵇ صائمًا؛ فلما كان عند إفطاره أتى بشربة لبن، فقال: من أين لكم هذا اللبن؟ قالوا: من شاة لنا. قال: ومن أين لكم شاة؟ قالوا: اشتريناها فلم تسألنا يانبي الله؟ قال: إنا معاشر الرسل أمرنا أن نأكل من الطيبات وأن نعمل صالحًا. قال مغيرة بن عتيبة؛ قال داود يارب كيف أطيق شكرك؟ وأنت الذي تنعم علي، ثم ترزقني الشكر على النعمة، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة، فالنعمة منك يا رب والشكر منك فكيف أطيق شكرك؟ قال: الآن عرفتني يا داود حق معرفتي. قال ابن سعيد المغربي: قال داود يارب قد أنعمت علي كثيرًا فدلني على أن أشكرك، فأوحى الله إليه: تذكرني فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال فضيل بن عياض: قال داود ﵇: كيف لي أن أشكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى الله ﵎ إليه: إذا علمت أن ثيابك من النعمة مني، فقد شكرتني. قال سعيد بن عبد العزيز: كان داود يقول: سبحان مستخرج الشكر بالعطاء ومستخرج الدعاء بالبلاء. قال الحسن: قال داود: إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار ما قضينا نعمة منك. قال الأوزاعي: حدثني عبد الله بن عامر قال: أعطي داود ﵇ من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط حتى إن كانت الطير والوحش لتعكف حوله حتى تموت عطشًا وجوعًا، وإن الأنهار لتقف.

стр. 7718

قال وهب بن منبه: كان داود إذا قرأ الزبور لم يسمعه شيء إلا حجل كهيأة الرقص. قال ابن عائشة: كان لداود صوت يطرب المحموم ويسلي الثكلى وتصغي إليه الوحش حتى تؤخذ باعناقها وما تشعر. وعن مالك. قال: كان داود ﵇ إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى. وعن ابن جريج. قال: سألت عطاء عن القراءة على الغناء؟ فقال: وما بأس بذلك؛ حدَّثني عبيد بن عمير: أنَّ داود ﵇: كان يأخذ المعزفة فيضرب بها ثم يقرأ فترد عليه صوته، يلتمس بذلك أن يبكي ويبكي. وفي هذا نظر. قال وهب بن منبه: إن بدا ما صنعت المزامير والبرابط والصنوج على صوت داود. وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله قط، فتعكف الجن والانس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعًا، فخرج إبليس مذعورًا لما رأى استئناس الناس والدواب بصوت داود بالزبور فدعا عفاريته فاتخذوا المزامير والبرابط والصنوج على أصناف صوته؛ فلما رأى ذلك غواة الناس والجن انصرفوا إليهم وانصرف الدواب والطير أيضًا. وقام داود في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر الله نبيًا حكيمًا عابدًا مجتهدًا. وكان أشد الأنبياء اجتهادًا، وأكثرهم بكاءً حتى مات. وحكى جهلة القصاص: أنه عرض له من فتنة تلك المرأة ما عرض وحاشاه. وعن أبي موسى الأشعري. قال: داود أول من قال: اما بعد، وهو فصل الخطاب. وعن قتادة في قوله: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب، قال: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. وعن ابن عباس: إنَّ رجلًا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود، فقال: إنَّ هذا غصبني بقرًا لي!، فسأل الرجل داود عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البينة فلم تكن له بينة فأوحى الله إلى داود في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدى عليه، فأرسل داود إليه، فقال: لا تعجل علي، أخبرك: إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت أبا هذا فقتلته فلذلك أخذت فأمر به داود فقتل. فاشتدت هيبة بني إسرائيل لداود عند ذلك، وهو قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (١).

стр. 7719

قال وهب بن منبه: لما كثر الشر في بني إسرائيل وشهادات الزور، أعطى الله - تعالى - لداود ﵇ سلسلة لفصل الخطاب. وكانت من ذهب معلقة من السماء إلى الأرض بحبال الصخرة إلى بيت المقدس فإذا تشاجر اثنان في شيء، قال لهما داود: اذهبا إلى السلسلة فكان أولاهما بالعدل ينالها وإن [كان] قصيرًا. قال: فاستودع رجل رجلًا لؤلؤة لها خطر ثم ابتاعها منه، فقال له: رددتها عليك، فاستعدى عليه فانطلق المستعدى عليه فنقب عصًا وجعل فيها اللؤلؤة، ثم قبض على العصا، وغدا معه إلى داود، فقال: داود اذهبا إلى السلسلة فذهبا فجاء صاحب اللؤلؤة، فقال: اللهم إن كنت تعلم إني استودعت هذا اللؤلؤة فلم يردها علي فأسألك أن أنالها فنال السلسلة. وقال الآخر: كما أنت حتى أدعو أنا أيضًا، امسك عصاي هذه فدفعها إليه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني دفعت إليه لؤلؤته فأسألك أن أنالها فنالها، فقال: داود: ما هذا ينالها الظالم والمظلوم؟ فأوحى الله إلى داود: إنَّ اللؤلؤة في العصا فارتفعت السلسلة. قال وهب: ورأى داود الملائكة سالين سيوفهم ثم يغمدونها، وهم يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يُبنى فيه لله مسجد فأسس داود قواعده وأراد أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه: إنَّ هذا بيت مقدس، وإنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه ولكن ابنًا لك أملكه بعدك اسمه سليمان؛ فلما ملك سليمان بناه. وقال عباد بن شيبة: بلغني أنَّ داود النبي ﵇ خلا يومًا، وقال: يارب هجرني الناس فيك وهجرتهم لك فأوحى الله إليه: ألا أدلك على شيء يستوى فيه وجوه الناس إليك أن تخالط الناس بأخلاقهم ويحتجر الإيمان فيما بيني وبينك. وقال وهب: كان داود يقول في مناجاته: «طوبى لمن أرضاك في دار الفناء لترضيه في دار البقاء، طوبى لمن ذكر ساعة موته، فعمل في ساعة حياته. إلهي ما أحلى ذكرك في أفواه المخلصين». قال أبو سليمان الداراني: شهدت مع أبي الأشهب جنازة بعبادان فسمعته يقول: أوحى الله إلى داود: «يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإنَّ المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني. إنَّ أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته علي أن أحرمه طاعتي.

стр. 7720

قال بشر بن الحارث: أوحى الله إلى داود ﵇: «يا داود إني لم أخلق الشهوات إلا للضعفاء من عبادي فأما الأبطال فما لهم ولها». قال وهب: في حكمة آل داود: «حق على العاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه، حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى بين نفسه ولذته فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات واجمامًا للقلوب. وحق على العاقل أن لا يرى طاعنًا إلا في ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة في غير محرم. وقال داود ﵇: رب كلام ندمت عليه وما ندمت على صمت قط. وقال: انظر ما تكره أن يذكر منك في نادي القوم فلا تنفله إذا خلوت. قال: لا تعدن أخاك شيئًا ثم لا تنجزه له، فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة. قال الكلبي: تزوج داود مائة امرأة، وتزوج سليمان سبعمائة امرأة، واتخذ ثلاثمائة سرية. قال حماد بن زيد: سمعت أبي يحدث عن بعض أشياخه. قال: رب نظرة لئن يلقى فيها الرجل الأسد فيأكله خير له منها، وهل لقى داود ﵇ ما لقى إلا في نظرة هذا مما حكاه القصاص مما يحاشي داود ﵇ منه ويجل قدره عنه، وسأذكر ما ذكره لا مصدقًا له ولكن حاكيًا. رووا عن الحسن وغيره: ان فتنة داود ﵇ كانت يوم الاثنين بعد العصر في ثلاث عشرة مضت من شهر رجب، قالوا: بينا هو في محرابه مكب يقرأ الزبور، دخل طائر من الكوة فوقع بين يديه فأعجبه، وله ولد صغير، فقال: لو أخذت هذا الطائر ينظر إليه ابني فأهوى إليه فتباعد فما زال يدنو ويتباعد الطير حتى خرج من الكوة ورمى بنفسه في بستان أوريا، وكان في أصل المحراب حوض يغتسل فيه حيض بني إسرائيل، فاطلع داود ﵇ فإذا بامرأة تغتسل فأبصرت ظله فأسدلت شعرها فجللت جسدها فرجع وفي نفسه منها ما في نفسه. وكان زوجها في جيش محاصرين قلعة بالبلقاء فكتب داود إلى أمير الجيش: أن يقدم أوريا مع التابوت. وكان سنتهم أن يتقدم التابوت من كل سبط في كل عام رجل؛ فإما أن يفتح، وإما أن يقتل. وكان من فرّ منهم صار لعينًا، ففعل صاحب الجيش ذلك فقتل أوريا في ثالث مرة؛ فلما انقضت عدة امرأته، تزوجها، داود ونزل الملكان على داود يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدًا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، وأكلت

стр. 7721

الأرض جبينه. قلت: الأصل إنَّ هذه القضية ما وقعت فإن كانت وقعت فحاشى الله أن يأمر داود، وهو نبي الله المعصوم وخليفته في الأرض العدل أن يأمر بما فيه قتل رجل يريد قتله عمدًا ليتزوج امرأته، ولئن كان داود أمر بتقديمه مع التابوت، فهو لمصلحة اقتضت تقديمه؛ إما لشجاعته في اللقاء، وإما لثبات عرفه منه إذ كان يعلم أنه لا يقوم أحد في ذلك مقامه ولا يبلى ببلائه. على أنَّ هذا الخبر كله من أصله مردود وبابه عند أهل الحق مسدود، ولقد تورط رجل في زماننا وأورد في هذا قول هؤلاء القصاص فقامت قيامة مشايخنا رؤساء الشافعية بدمشق ومنهم؛ أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، وأبو المعالي بن الزملكاني، وعاند كافل الممالك الشامية وناقضاه. وقد مالت حفدته برأيه لنصرة ذلك المجترئ، وإقرار فرية ذلك المفتري، حتى أظهر الله عصمة أنبيائه ونصر رسله، وعجل دمار رجل كانت تلك الفرقة المبطلة تنتظر مقدمه، وتظن أنها ستحارب الله به: [من الكامل] «وليغلبنَّ مغالب الغلّاب» وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ماعمل داود ﵇ عملًا قد كان أنفع له من خطبته مازال منها خائفًا هاربًا حتى لحق بربه. قال جعفر بن سليمان: حدثنا ثابت، قال: كان داود ﵇ يذكر ذنبه فيخاف الله خوفًا يفرج أعضاءه من مواضعها، ثم يذكر عائدة الله ورأفته على أهل الذنوب فيرجع كل عضو إلى مكانه. وعن مجاهد قال: بكى داود أربعين يومًا حتى نبت حول رأسه عشب غيَّبَ رأسه، فقال: أي رب قرحت جبهتي وجمدت عيني. وداود لم يرجع إليه في ذنبه شيء، فنودي: أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى، أم مظلوم فتنظر فأجيب في غير ما طلب؛ فلما رأى أنه لم يرجع إليه في ذنبه شيء، انتحن نحبة أحرق ما كان حوله من العشب من حرّ جوفه. قال: يارب اجعل خطيئتي في كفي، فكانت مكتوبة في كفه، فكان لا يبسط كفه لطعام ولا غيره إلا رآها فأبكته، وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء فاذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه. قال وهب: لما أصاب داود الخطيئة، اعتزل فرش الملك ثم بكى حتى رعش، وحتى خدت الدموع في خده.

стр. 7722

قال ثابت البناني: اتخذ داود سبع حشايا من شعره حشاهن بالرماد ثم بكى عليها حتى أنفذها من دموع عينيه. قال الحسن: لما أصاب داود الخطيئة، خر ساجدًا أربعين ليلة، فقيل له: يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يارب أنت حكم عدل وقد قتل الرجل. قال: استوهبك فيهبك لي وأثيبه الجنة. وهذا أيضًا من قول القصاص الذي لا يتعول عليه ولا مرجع إليه. وكان داود قبل خطيئته يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر؛ فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله. قال وهب: مكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ولا يأكل طعامًا إلا بله بدموعه، ولا يضطجع على فراش إلا أعراه بدموعه حتى انهزم. وكان لا يدفيه لحاف. قال عبد الله بن عمير: لما قيل لداود: ارفع رأسك فقد غُفر لك، فرفع وجهه وما في وجهه طاقة من لحم. قال عطاء الخراساني؛ قيل لداود: ارفع رأسك، فذهب ليرفع فإذا هو قد نشب بالأرض فأتاه جبريل ﵇ فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع عن الشجرة صمغها. قال: ونقش داود خطيئته في كفة لكي لا ينساها فكان إذا رآها اضطربت يده. قال وهب: وما قام خطيبًا في الناس إلا بسط يده واستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته. قال هشام بن حسان: اتخذ داود فراشًا حشوه رماه فبكى حتى استنقع الماء تحت جنبيه بعدما نشف الرماد؛ فلما وجد مس الماء، داخله من ذلك الشيء فقال: هذه خطيئة أخرى، فخرج إلى الجبل يتعبد فمكث فيه ستة أشهر حتى كاد يعرى فرجع. قال ابن بريدة: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء آدم حين هبط إلى الأرض ما عدله. وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : كان الناس يعودون داود يظنُّون إنَّ به مرضًا وما هو إلا شدة الخوف من الله . قال يزيد الرقاشي: كان لداود جاريتان قد أعدهما فإذا جاء الخوف، سقط واضطرب فقعدتا على صدره ورجليه مخافة أن تغرق أعضاؤه ومفاصله فيموت. قال منصور بن عمار حديث عن خالد بن دريك قال: لقي داود لقمان، فقال: كيف أصبحت بالقمان؟ قال: أصبحت في يد غيري: ففكر بها داود فصعق.

стр. 7723

قال سليمان التميمي ومالك بن دينار: لما أصاب داود الخطيئة، أكثر من الدعاء؛ فلما رأى أنه لا يستجاب له أخذ في نوح من النياحة فرحم فغفر له. قال يزيد الرقاشي: بلغني أنه كان في بني إسرائيل زمن داود أربعمائة جارية عذراء فجئن إلى داود يوم نوحه، فقمن حيث يسمعن الصوت ولا يرين وجهه، فرفع صوته بقراءة الزبور والنياحة على نفسه حتى متن عن آخرهن، فما رئي في بني إسرائيل أكثر من باكيه يومئذ. وقال: كان داود إذا أراد أن يعظ الناس، خرج بهم إلى الصحراء، فخرج بهم ذات يوم في ثلاثين ألفًا من الناس فوعظهم فمات منهم عشرون الفًا، ورجع في عشرة آلاف من الناس مرضى. وروي عن وهب: أنَّ داود ﵇ بكى على خطيئته ثلاثين سنة. وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة أربعة أيام؛ يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو مع المعتزلين فينوح معهم على نفسه. وقيل: كان يحضر وعظه الناس والطير والوحوش والهوام فيموت من كل طائفة. وقال أبو عبد الله الجزولي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات حياء من ربه. وقال بعضهم: أتى ملك الموت داود ﵇ وهو يصعد في محرابه أو ينزل، فقال له: جئت لأقبض نفسك، فقال: دعني حتى أنزل أو أرتقي قال: ما لي إلى ذلك سبيل، فنفذت الأيام والشهور والسنين والآثار والأرزاق فما أنت بمؤثر بعده أثرًا، فسجد داود على مرقاة من ذلك الدرج فقبض نفسه على تلك الحال. قال أبو السكن الهجري: مات خليل الله فجأة، ومات داود فجأة ومات سليمان بن داود فجأة، والصالحون وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر. وعن الحسن: مات داود وهو ابن مائة، ومات يوم الأربعاء فجأة. زاد غيره: فعكف الطير عليه تظله. وقيل: كان موته يوم السبت. وعن وهب بن منبه. قال: إنَّ الناس حضروا جنازة داود ﵇ فجلسوا في الشمس في يوم صائف. وكان شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب، وعليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون نبي كان بنو إسرائيل أشد جزعًا عليه منهم على داود، فأدلقهم الحر فنادوا سليمان أن يعجل

стр. 7724

عليهم لما أصابهم من الحر، فخرج سليمان فنادى الطير فجاءت فأمرها فأظلت الناس فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه حتى استمسك الريح فكاد الناس يهلكون غمًا، فصاحوا بسليمان ﵇ وشكوا إليه ذلك فخرج سليمان فنادي الطير أن تظل الناس من ناحية الشمس وتنحى عن ناحية الريح ففعلت، فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح، فكان ذلك من أول ما رأوا من ملك سليمان. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا وما بدلوا. ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة. وعن عبيد بن عمير. قال: ما يأمن داود يوم القيامة يقول: رب ذنبي ذنبي فيقال له: ادنه ثلاث مرات حتى يبلغ مكانًا، الله أعلم به فكأنه يأمن فيه فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ (١). وقال مالك بن دينار: يقيم الله داود عند ساق العرش فيقول: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيندفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنة. قال: والرخيم من الأصوات الشجي. وعن عكرمة: ان داود يقوم على أطول سور في الجنة ينادي: لا إله إلا الله. وقال بعض المؤرخين: ولما حضرت داود الوفاة دعا سليمان ﵇ وقال له: أنا منصرف عنك فاتق الله واحفظ شرائع ربك واسلك طرائقها لتنجح، وكل شيء يحتاج إليه لبناء البيت قد أعددته لك؛ فمن الذهب مائة ألف بدرة، ومن الفضة ألف ألف بدرة، ومن النحاس والحديد والخشب والحجارة ما لا ينحصر بعدد. وقيل: بل قال له: وقد جمعت مال النفقة بضعفي ومسكني، وهو ألف ألف بدرة من ذهب وألف ألف بدرة من فضة، وقال: هذا لادهان حيطان البيت. [سليمان بن داود] ثم سليمان بن داود ﵉ أمه امرأة أوريا - المتقدم ذكره - كما يقال: ملك على جميع بني إسرائيل. وكان عمره حين ملك اثنتي عشرة سنة وجلس في موضع داود ﵇ وثبت ملكه واستقامت له الأشياء، وسأل ربه أن يؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فسخر الله له الإنس والجن والطير والريح غدوها شهر ورواحها شهر.

стр. 7725

وكان قد جلس سليمان ﵇ للحكم في بعض الأيام عند ابتداء أمره فجاءت إليه امرأتان فقالت إحداهما: كنت أنا وهذه المرأة ساكنتين في بيت واحد فولدت أنا ابنًا، وبعد ثلاثة أيام ولدت هي أيضًا ابنًا فرقدت على ولدها وهي نائمة فمات وأخذت ابني وأنا نائمة فصيرته في حضنها وصيرت ابنها الميت عندي؛ فلما انتبهت لم أجد ابني، ووجدت هذا وهو ابنها والذي في حضنها هو ولدي فقالت لها الأخرى: بل ابنك الميت وابني الحي، فاستدعى سليمان ﵇ سيفًا وأمر أن يقطع الصبي الحي نصفين ويعطي كُلّ واحدة نصفه، فقالت أم الصبي - من شفقتها عليه -: لا تقطعه يانبي الله، وقالت الأخرى: لا لي ولا لك، فأعطاه للتي أشفقت عليه؛ فخاف منه جميع بني إسرائيل وعلموا أن له أمرًا من قبل الله . وكان لسليمان ﵇ اثنا عشر وكيلًا يحملون النفقة من بني إسرائيل وينفقون عليه لكل واحد شهرًا من السنة. وكان مسلطًا على جميع المماليك التي في مجاز نهر الفرات. وكان يهدون له الهدايا ويتقربون إليه بالخدمة ويلاطفونه. وأعطاه الله الحكمة والنبوة، وفاقت حكمته حكمة أهل المشرق وأهل المغرب وشاع خبره في الأقطار. ولما كمل لسليمان في الملك أربع سنين، أراد أن يبني البيت فأرسل إلى حيرام ملك صور، وقال له: إنَّ أبي لم يقدر أن يبني بيتًا الله تعالى؛ لأنه كان مشغولًا بالحروب، وقد منعه الله من ذلك، ووعده ببنائه على يدي من بعده، وقد نويتُ بناءه لربي، وأريد أن يكون عبيدك مع عبيدي عونًا على قطع الخشب الصنوبر من لبنان فليس فينا من يحسن قطع الخشب ففرح بذلك حيرام ملك صور، وأجابه إلى ذلك وأجرى عليهم في كل سنة عشرين ألف كر من الطعام، وعشرين من الزيت إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه. وانتخب سليمان ﵇ من بني إسرائيل سبعين ألف رجل يعملون في البناء، وقسطهم عشرة آلاف في كل شهر. وكان له سبعون ألفًا يحملون القفاف، وثمانون ألفًا ينحتون بالحجارة غير الوكلاء والمسلطين على الأعمال، وهم ثلاثة آلاف وثلاثمائة. وشرط سليمان ﵇ لبناء البيت وأسواره خراج أورشليم. وصير من بقي حوله من الشعيب عبيدًا يؤدون الخراج. وكان طول البيت ستون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا وارتفاعة مائة ذراع. وجعل

стр. 7726

بدائرة أروقة وفوقها مسطرات، وجعل للبيت أفريزان بدائره من خارج، ولم يسمع في بنائه صوت آلة الحديد. وصفح البيت من داخله بالذهب الإبريز، وكذلك من فوقه وصنع في بيت المقدس داروس من خشب وألبسهما بالذهب وعمل أبواب صنوبر لبيت المقدس، ونقش عليها النقوش العجيبة. وبنى بيتًا كبيرًا لسلاحه على أربعة صفوف من أعمدة خشب الصنوبر في غاية الإتقان والإحكام. وعمل رواقًا ومنبرًا ليجلس فيه للقضاء، وعمل كراسي كثيرة من عاج وألبسها ذهبًا وعمل لها ست درجات. وحين تم له بناء البيت شكر الله وصلى له وتضرع بين يديه ودعا لبني إسرائيل ولكل من حضر البيت، وأمرهم بالاستغفار والاتجاه إلى الله تعالى، والدعاء في أن يغفر لهم، ويعينهم على أعدائهم فأوحى الله تعالى إليه: إن ثبت على عهدي مثل داود أبيك فملكك يدوم على بني إسرائيل، وإن نقضت عهدي وخالفت أمري، أزيل ملكك وأبيد بني إسرائيل من الأرض حتى يكونوا مثلًا، وأخرب البيت الذي بنيته لي، وأقلعه من الأرض. وعمل سليمان وليمة عظيمة أسبوعين ذبح فيها من البقر اثنين وعشرين ألفًا، ومن الغنم ثلاثًا وعشرين ألفًا. وكان بنو إسرائيل كلهم من مدخل حماة إلى مدخل وادي مصر، وبعد ذلك صرفهم إلى منازلهم، وقلوبهم طيبة. وتحصل له من الذهب كثير. وكانت أوعيته كلها مملوءة ولم تكن الفضة تعد شيئًا. وكان يجتمع إليه في السنة من الذهب والذخائر ما لا يعد ولا يحصى وهدايا الملوك كانت تأتيه. وكانت له سفن تأتيه من الهند في كل ثلاث سنين بالذهب والفضة والأفيلة والطواويس. وفاق الملوك بالغنى والحكمة. وكانت الملوك تشتاق إلى نظره وسماع حكمته. وسمعت ملكة سبأ بحكم سليمان ﵇ فجاءت إليه في جيش كثير ومعها جمال موقورة ذهبًا وجواهر وعنبرًا، ورأت البيت الذي بناه وسمعت حكمته وقدمت له مائة وعشرين قنطارًا من الذهب وجواهر كثيرة رفيعًا وطيبًا كثيرًا، فأجازها وأحسن إليها وانصرفت إلى بلادها. وكانت له سبعمائة امرأة حرة وثلاثمائة سرية.

стр. 7727

وفي السنة الرابعة والعشرين هدمت أنطاكية، وبنى تدمر بالبرية. وكانت خربة. وملك سليمان على بني إسرائيل أربعين سنة. وكان في أيامه من الأنبياء؛ قاتان، وأحيا، وعظيم الكهنة صادوق. وكان وزيره يشوع بن شيراخ، وهو جمع كتب سليمان وجعلها خمسة أسفار فيها أدب وأمثال وحكمة جامعة. وليشوع وزره كتاب مفرد معروف به محتو على فنون من الحكمة وجواهر الكلام. ومات سليمان ودفن مع أبيه حيث دفن ﵉. ولما غلب سليمان والد جرادة الملك قتله واصطفى جرادة لنفسه وكانت من أجمل الناس وأحبها حبًا شديدًا. وكانت لا تزال تبكي أباها. قالت القصاص: ونحن نحكيه ولا نصدقه، قالوا: فوجد لذلك سليمان حتى سألته أن يأمر الجن أن يصوروا لها صورة أبيها لعلها تسكن، فأمر سليمان بذلك فعمدت إلى الصورة فألبستها وعممتها وجعلت تسجد لها هي وولائدها غدوًا وعشيًا وبلغ ذلك آصف وكان صديقًا فأعلمه بذلك فكسر سليمان الصنم، وعاقب المرأة فسلبه الله خاتمه. قالوا: وكان من حديثه أنه لما غزا جزيرة صيدون. وكان دَلَّه عليها بعض الجن، وهذه الجزيرة مسيرة شهر في مثله؛ وصيدون هذا كان ملكًا كبيرًا. وكان في هذه الجزيرة عجائب كثيرة ومصانع رفيعة وأنهار وأشجار. وكان صيدون ساحرًا. وكانت الجن تطيف به وتعمل له العجائب. وكان له في وسط الجزيرة مجلس من ذهب على عمد من رفيع الجوهر مشرف على جميع الجزائر؛ فلما أخذ سليمان الجزيرة وخربها وقتل ملكها، وقتل أكثر أهلها؛ لأنهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقًا كثيرًا فآمنوا به، وأسر ابنة لصيدون ليس على وجه الأرض أجمل وجهًا منها، ولا أكمل جمالًا وظرافة فاصطفاها وتزوجها. وكانت تديم البكاء لمفارقة أبيها وأنس مملكته، فقال لها سليمان: ما لي أراك كئيبة وأنا خير لك من أبيك وملكي أجل من ملكه؟ قالت: أجل، ولكن إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج لي ذلك حزنًا شديدًا ووجدًا، فلو أمرت الشياطين أن يصوروا صورته في مجلس مثل المجلس الذي كان فيه. وكان المتولي لذلك شيطان يصحب أباها، وهو الذي أشار عليها بذلك، فكان كذلك المجلس والصورة في مقاصيرها التي صنع لها سليمان، وقد غرس لها فيها بدائع أشجار وفجر لها بها الأنهار في قنى من ذهب وفضة مطوقة بأصناف الجواهر فعمدت إلى صورة أبيها فألبستها أصناف الحرير من الثياب المنسوجة بالذهب، وجعلت على رأسه إكليلًا من الجواهر النفيسة، وألبسته تاجًا منظومًا بالجوهر الفاخر الملون وجعلت حوله مساند الديباج

стр. 7728

المذهب ونثرت عليه سحيق المسك، وأوقدت بين يديه مجامر تدخن بالعنبر الطيب وفرشت بحذائه على بعد منه أصناف الأفاويه والرياحين. فكانت تدخل عليه بكرة وعشيًا فتسجد له مع جميع وصيفاتها كما كانت تصنع لأبيها. وكان قد دخل في هذا الصنم شيطان يخاطب المرأة بلسان أبيها، ويقول لها: قد أحسنت فيما فعلت، وما فقدت بك شيئًا، فاتصل أمرها بآصف بن برخيا، وكان كاتب سليمان ومن أهله، وهو الذي كان عنده علم من الكتاب، وهو الذي أحضر عرش بلقيس. وكان علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبه لها، فلم يدر كيف يتوصل إلى تعريفه بما أحدثته عنده إلى أن اتجه له وجه ذلك، فقال: يانبي الله إني كبرت وإنني لا آمن من الموت وقد أردت أن أقوم مقامًا أذكر فيه الأنبياء وأثني عليهم، وتأمر بإحضار بني إسرائيل ووجوه الناس فيجلسون في مراتبهم فأجابه سليمان إلى ذلك فقام آصف على المنبر فخطب وحمد الله وأثنى عليه، وأقبل يذكر الأنبياء نبيًا نبيًا ويُثني عليهم على كل واحد في صغره وكبره ومدة أيامه إلى أن بلغ داود فأثنى عليه واستغفر له، ثم ذكر سليمان فأثنى عليه في صغره خاصة ولم يذكره في كبره ولا ذكر شيئًا من أيامه بخير ولا شر، فتفطن لذلك سليمان فاستدعاه خاليًا وأوقفه على ذلك، فقال: ذكرت ما علمت؛ فلما ألح عليه، قال له: استحققت أن أثني عليك وفي أيامك غير الله يُعبد في دارك منذ أربعين يومًا وماهذا جزاء نعمة الله عليك. ولا شكر تمليكه لك!، فارتاع لذلك سليمان، وقام فعاقب المرأة وكسر الصنم وهرب شيطانه فظفر به بعد ذلك فسجنه، وفتن سليمان لذلك. وأخذت الجن خاتمه فخرج من ملكه فكان يطوف ببني إسرائيل فينكرونه، ثم رد الله عليه ملكه وخاتمه بعد أربعين يومًا، وهي عدد الأيام التي سجدت فيها المرأة للصنم. ثم إنَّ المرأة تابت وصح إسلامها. وكان ولد سليمان منها، وهي جرادة المسماة قبل هذا. وذكر أن سليمان كان إذا رأى شجرةً نابتة بأرض المقدسة يقول لها: ما اسمك؟ ولأي شيء أنت؟ فإن كانت لدواء كتبت وعلمت فبينا هو يصلي رأى شجرة نابتة، فقال: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال لها: لأي شيء أنت، قال: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم غم على الجن موتي حتى يعلم الأنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحت الجريد واتخذها عصًا وتوكأ عليها ميتًا حولًا قال: فسلطت الأرضة على العصا فأكلتها فسقط سليمان ﵇ عنها فعلمت الجن أنه قد مات فشكرت الجن الأرضة فهي التي تأتيها بالماء وتنقل إليها الطين حيث كانت.

стр. 7729

[راجيعام بن سليمان] ثم راجيعام (١) بن سليمان ﵇ وهو الرابع من ملوك بني إسرائيل. ملك بعد أبيه على يهودا سبعة عشر سنة. وكان عمره حين ملك اثنتين وأربعين سنة. وفي أول سنة من ملكه اجتمع إليه بنو إسرائيل، وقالوا له: إنَّ أباك شدَّ ضرائبه فخففها أنت ونطيعك فاستشار المشايخ الذين كانوا يخدمون أباه فأشاروا عليه بأن يطيب قلوبهم ويكلمهم كلامًا لينًا ليطيعوه فتركهم واستشار الأحداث الذين كانوا معه فلم يوافقوهم، وقالوا له؛ قل لهم: إنَّ خنصري أغلظ من إبهام أبي فإن كان شدّد عليكم ضرائبه فأنا أزيد عليه واستعبدكم؛ فلما قال لهم ذلك، انصرفوا إلى قراهم، وقالوا: ليس لنا قيمة مع بيت داود، فأرسلوا إلى يريعام بن ناباط الأقرباني ليجعلوه ملكًا عليهم؛ وأما بنو يهودا فارتضوا راجيعام ملكًا عليهم. وبعث راجيعام نائبه إلى بني إسرائيل ليجمع الخراج على عادة أبيه فرجموه إلى أن مات. وعصى بنو إسرائيل آل داود إلى اليوم، ولم تتبع راجيعام سوى سبط يهودا وقبيلة بنيامين فاجتمع له منهم مائة ألف وثمانون ألفًا من الرجال لحرب بني إسرائيل الخارجين على آل داود ليردُّوا الملك إلى راجيعام فأوحى الله تعالى إلى شمعيا النبي، وقال له: قل لآل يهودا وبني بنيامين لاسبيل أن يصعدوا لمحاربة إخوتهم فرجعوا. وعمل بنو إسرائيل القبائح وارتكبوا السيئات واتخذوا المذابح للأصنام على الآكام المرتفعة، وعند ذلك لم يزل راجيعام بن سليمان يحارب يوريعام بن ناباط ملك بني إسرائيل مدة حياته. وتزوج راجيعام بن سليمان ثمانية وعشرين امرأة. وكان له ثلاثون سُرية وولد أولادًا كثيرة ذكورًا وإناثًا. ومات راجيعام ودفن في قرية داود مع أبويه ﵉. [أبيا بن راجيعام] ثم أبيا بن راجيعام بن سليمان، وهو الخامس من ملوك بني إسرائيل، ملك بعد أبيه على آل يهودا ثلاث سنين. ومات وصار إلى الله، ودفن مع أبائه.

стр. 7730

[أيسا بن أبيا] ثم أيسا (١) بن أبيا بن راجيعام بن سليمان بن داود. وهو السادس من ملوك بني إسرائيل بعد أبيه على كل يهودا، وأحسن طريقته مع الله - تعالى - مثل داود أبيه، وأبعد الزناة من أرضه، وقلع الأصنام. وكان سليمان في عبادة الله. ومات يوريعام بن باناط في السنة الثانية من ملك أيسا، وملك ناداب بن يوريعام بعد أبيه على بني إسرائيل سنتين فارتكب القبيح مثل أبيه، وعبد الأصنام، وعمل الخطايا فسلط الله عليه نقسا بن أحيا فقتله وقتل جميع آل يوريعام، وملك نفسا عوضه. وكان بين أيسا وبين نفسا ملك بني إسرائيل حروب كثيرة فأرسل أيسا - ملك آل يهودا - إلى جبرايل - ملك دمشق - هدايا كثيرة وطلب منه النجدة على نفسا ملك بني إسرائيل فوجه له بعسكر عظيم؛ فلما سمع بذلك نقسا. وكان يبني مدينة وسماها راما، فهرب وترك البنيان، وأخذ أيسا جميع الآلات والحجارة والخشب فبني بها الجواسق والقلاع التي في أرض يهودا. ثم استراحت الأرض من الحروب في أيام أيسا مدة احتوائه على ملك يهودا عشرين سنة. وبعد ذلك خرج عليهم زرح الهندي ملك الكوش، وهم السودان في ألف ألف مقاتل وثلاثين ألف محمل فجمع أيسا من آل يهودا ثلاثمائة ألف مقاتل، ومن بني بنيامين مائتي ألف وثلاثين ألفًا كذلك وحاربوا الهندي فكسروه وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وسبوا منهم سبايا عظيمة. ومات ودفن في قرية داود أبيه ﵇. [بوشافاط بن أيسا] ثم بوشافاط (٢) بن أيسا، ملك بعد أبيه على آل يهودا. وكان عمره حين ملك خمسًا وثلاثين سنة. وسار سيرة حسنة وعبد الله حق عبادته. واجتمع ملوك عمان وعماليق وجميع الملوك المجاورين له ليحاربوه؛ فجمع رجاله وكان عدتهم ألف ألف ومائة ألف وستين ألف مقاتل، ورتب عليهم مقدمين، فخرج إليهم وهزمهم فنهب أصحابه خيامهم وجميع ما كان معهم مدة ثلاثة أيام. وكانت لهم سفن في البحر لاجتلاب الذهب والجواهر وغير ذلك من بلاد الهند فانكسرت جميعها وهلكت.

стр. 7731

وكان ملك على بني إسرائيل في زمانه آجاب فسار بسيرة يوريعام جده، وأقام الشرور أكثر منه، وتزوَّج ازيال بنت ملك صيدا. وبنى هيكلًا بسامرة وجعل فيه باعل الصنم، وقتل نبي الله، وكثرت شرور بني إسرائيل؛ فسأل الله تعالى إيليا النبي أن لا تمطر السماء على الأرض فأجاب الله دعاءه فانقطعت الأمطار ثلاث سنين وستة أشهر، وأوحى الله تعالى إلى إيليا أن يمضي إلى البرية. وكانت الغربان تعوله، ثم انتقل إلى شعب فيه ماء فأقام فيه إلى أن فرغ الماء من الشعب فأمره الله تعالى أن ينتقل إلى صارفية صرفيد، وعند وصوله إليها وجد امرأة تحطب حطبا فطلب منها ماء ليشرب فسقته، وطلب منها خبزًا ليأكل فحلفت باسم الله تعالى أنه لم يكن عندها خبز بل يسير من دقيق وزيت آكله أنا وابني، وعند فراغه ننتظر الموت، فقال لها إيليا: اعملي منه قرصًا وأتيني به لآكل، وأتيني بجرة الدقيق وبرنية الزيت وأنا أدعوا ويبقى ذلك معك مملوءًا إلى أن يقع المطر فكان كذلك. [يورام بن بوشافاط] ملك يورام (١) بن بوشفاط، وهو الثاني من ملوك يهودا ملك على آل يهودا ثماني سنين. وكان عمره حين ملك اثنين وثلاثين سنة وأساء السيرة بين يدي الله تعالى، وسار في طريق ملوك بني إسرائيل. وعند ذلك أمر الله تعالى برفع إيليا إلى السماء فعلم بذلك اليسع تلميذه فتبعه ولم يفارقه، وقال له إيليا: انتظرني ههنا حتى أرجع إليك، فإن الله أرسلني إلى بيت ايل فحلف أنه لا يفارقه، وانطلق معه، ثم قال: ثانية انتظرني ههنا فإن الله أرسلني إلى الأردن فحلف أن لا يفارقه وانطلقًا جميعًا، فخرج خمسون من بني الأنبياء، فقاموا مقابلتهما من بعيد وهما على شط الأردن فأخذ إيليا عمامته فلفها وضرب بها ماء الأردن فصار نصفين فجاز في اليبس، وجاز معه اليسع فبينما هما يمشيان وإذا جبل من نار ومركب من نار وفرق ذلك بينهما فرفع إيليا إلى السماء ورآه اليسع فبكى ومزق ثيابه ووقعت عمامة إيليا النبي التي كانت عليه فأخذها ورجع إلى الأردن فضرب بها ماء الأردن فانقسم نصفين وجاز فراوة من أريحا لذلك، وقال له أهل القرية: إنَّ الماء الذي لنا مالح فدعا الله تعالى فصار عذبًا. وكان ملك موءاب يؤدي لملك بني إسرائيل قطيعة في كل سنة مائة ألف شاة، ومائة ألف كبش، ثم قطعها وعصى عليه فاجتمع ملك بني إسرائيل وملك آل يهودا وخرجا إليه.

стр. 7732

فساورا سبعة أيام فلم يجدوا ماءً فأرسلوا إلى اليسع النبي فعرفوه، فقال لهم: في الغد يمتلئ الوادي بالماء وتشربون أنتم ودوابكم ويوقع الله المؤابيين في أيديكم، فكان كذلك فجرى الوادي بالماء فرأى المؤابيون حمرة الماء فظنوا أن العساكر قد اقتتلوا وجرى دمهم في الماء فخرجوا لينهبوا فقام إليهم بنو إسرائيل فقتلوهم وحرقوا قراهم. وجاء امرأة من نسل الأنبياء إلى اليسع، وقالت له: إنَّ زوجها مات وترك عليها دينًا بسببه وأصحاب الدين يريدون أخذ أولادها في دينهم عبيدًا لهم، فقال لها اليسع: امضي واجمعي الأوعية في بيتك واستعيري أوعية من السوق ومن جيرانك املئيها فتصير زيتًا فتبيعينها وتوفين دين زوجك وما بقي عيشي فيه أنت وأولادك فكان كما قال. وكان وقع في البلاد جوع شديد فاجتمع إليه بنو الأنبياء فأمر حجري تلميذه أن يطبخ لهم طعامًا ليأكلوا فخرج أحدهم إلى الغيض فجمع من الحنظل جملة وألقاه في الطعام فلم يقدروا أن يأكلوه لشدَّة مرارته، فأمر اليسع أن يلقى فيه دقيق فألقوه وأكلوا فلم يجدوا مرارة. ومع ما رأوا من اليسع من الأمور الخارقة والأحوال الصادقة ولم يقطعوا عن ماهم عليه من عبادة الأصنام، فسلط الله عليهم الجبابرة حتى انتزعوا منهم السكينة وغلبوهم عليها، ومات ملكهم كمدًا لذلك، فلم يزالوا مقهورين. ومات يورام بن بوشافاط - ملك آل يهودا - ودفن في قرية داود أبيه ﵇. [أحزناهو بن يورام] ثم ملك أحزناهو (١) - أخاريا - ابن يورام بن بوشافاط على آل يهودا، وهو التاسع من ملوكهم، ملك بعد أبيه وعمره حينئذ اثنان وعشرون سنة فأساء السيرة في عبادة الله ومشى على طريقة أجاب. وكان في عصره من الأنبياء اليسع تلميذ إيليا وعاموص ومنجا. وكانت يورام - ملك بني إسرائيل - فإنه خرج لحرب الأدوميين في رامة جلعاد، وخرج معه أخاريا ملك آل يهودا لينجده فقتلا معًا. وقيل: إنَّ الملك بقي بعده سنة واحدة بغير ملك فسمعت عيليا أم خاريا ملك آل يهودا - أنَّ ابنها قتل في الحرب، فطلبت الملك لنفسها، وقتلت جميع الذكور من بيت

стр. 7733

داود؛ لأنها كانت من نسل إسرائيل، وملكت عيليا على آل يهودا. [بنت عمرى] ثم بنت عمرى، ملكت على آل يهودا ست سنين ونصفًا. وكان لوالدها أخاريا بن يورام بن بوشافاط ولد صغير طفل امه يواش أخفته عمته أخت أخاريا ست سنين، ولم تعلم عيليا بحياته، وعلم به بوداباع الكاهن، لأنه كان متزوجًا بعمته أخت أخاريا المذكورة، وكان يتردد إليه سرًا؛ فلما تم لواش سبع سنين استحضر بو بوداباع الكاهن القواد ورؤساء الألوف والأجناد وأدخلهم إلى بيت الله وعرفهم بأمر الصبي واستحلفهم؛ فلما حلفوا، أظهره فوضعوا تاج الملك على رأسه فسمعت إيليا ضجة الناس وفرحهم فجاءت إلى بيت الله فرأت الملك قائمًا على العامود مثل عادة الملوك والقواد بين يديه، وجميع الشعب فرحون فمزقت ثيابها فأمر بوداباع الكاهن بأن تقتل فأدخلوها إلى بيت وقتلوها هناك هي ومن معها بالسيف في السنة السابعة من ملكها، ودخل بيت صنمهم فهدموه وكسروا تمثاله وقتلوا خدامه. [يواش بن أخاريا] ثم يواش بن أخاريا، ملك على آل يهودا أربعين سنة وأحسن السيرة في عبادة الله بطاعته. وكان يسمع مشورة بوداباع الكاهن. وكان في أيامه من الأنبياء اليسع وزكريا وعويديا. فلما مضى ليواش ثلاثة وعشرين سنة في الملك، قال ليوناداع الحبر والكهنة: إلى متى يتركون بيت الله بغير رم ولا صلاح فأمر ببنائه ورمه واصلاحه. ومات بوداباع الكاهن وعمره مائة وثلاثون سنة، ودفن في قرية داود ﵇. وبعد ذلك عبد يواش الأصنام فخرج عليه ملك الشام بجموعه وحاربه، وبعد ذلك أرسل إليه هدايا وتحفًا فانصرف عنه. ومات يواش قتله عبيده، ودفن في قرية داود ﵇. [أموصيا بن يواش] ثم أموصيا (١)، ملك بعد أبيه يواش، وكان عمره حين ملك خمسًا وعشرين سنة، وملك تسعًا وعشرين سنة فأحسن السيرة والعدل، وحين تمكن من الملك قتل العبيد الذين قتلوا أباه.

стр. 7734

ثم دخل إلى الأدوميين وقاتلهم، وقتل منهم نحو عشرين ألفًا، وفتح مسلع وظفر بها. وكان في أيامه من الأنبياء: هوشع ويونان وياحوم وبنياعاموص، وهو الذي وبخ بني إسرائيل على عبادة الأوثان، وعبادة كواكب السماء. [نهواس] وأما نهواس ملك آل إسرائيل، فإنه ارتكب القبيح وأساء السيرة. وجاء نحو موصيا فحاربه فهزم آل يهودا، ودخل ملك بيروشليم فهدم من سورها نحو أربعمائة ذراع، وأخذ الفضة والذهب والمتاع الذي في بيت الله - تعالى - وبيت الملك، وسبا سبيًا كثيرًا وعاد إلى سامرة. وكان في أيامه من الأنبياء: هوشع، وآموص، ويوفاس. وقتل أموصيا جنده ودفن بيروشليم في قرية داود ﵇. [عوزيا بن أموصيا] ثم ملك عوزيا بن أموصيا (١) بن يواش على آل يهودا اثنتين وخمسين سنة. وهو الثالث من ملوك آل يهودا. وكان عمره حين ملك ستة عشر سنة، وأحسن سيرته في رعيته لكنه لم يهدم المذابح وابتلي بالبرص فاستتر في بيته إلى يوم وفاته. وكان ابنه ينظر في أمور الناس. وهو بنى مدينة إيلية وصيرها لآل يهودا. وفي سنة خمس من ملك عوزيا كان ابتداء وضع سني الكبيس كل أربع سنين كبيسة. وفي ست سنين من ملك عوزيا انقرض ملك الأموراسيين التي هي ملكة الموصل، وصارت المملكة إلى المواسيين ناحية بابل. وبعد ثلاثة وعشرين من ملك عوزيا غزا قول ملك بابل مدينة سمرا التي هي مدينة ملوك أسباط بني إسرائيل العشرة فافتتحها ودفع له ملكها ألف بدرة من المال فرجع عنه إلى المشرقين. وفي زمانه ملك أردشير الأول وانقرضت ملوك الاقريا بسين، وملك على اليونابيين. وكان لعوزيا بن أموصيا ملك آل يهودا رجال جبابرة يمسكون الحراب اثنان وثلاثون ألفًا وستمائة من الرجال هؤلاء معه، والذين يسكنون البرية ثلاثمائة ألف رجل، ورجال يمسكون السيوف برسم حراسة الملك سبعة آلاف وخمسمائة. وكانوا

стр. 7735

يقومون كل يوم يحرسون الملك. قال: وتجبر عوزيا وكثرت أمواله ودخل إلى البيت ليطلع على أدراج الفجور فدخل عليه كاهن، وقال له: ليس هذا الموضع لك ولا يجب عليك أن تطلع عليه فانتهره عوزيا الملك وأمر أن يخرجوه، وفي تلك الساعة ظهر عليه البرص وتغيب في بيته ولم يظهر للناس وأخذت له بلاد كثيرة من أجل بلاده. وكان في أيامه من الأنبياء: هوشع واشعيا، ويونان - وهويونس بن متى - ويونس هذا نبي بعثه الله إلى مدينة نينوى لينذر أهلها بالخسف، فقال: يارب أنت إله رحيم وأخاف أن يتوبوا فتغفر لهم فأكون كذابًا، فهرب ونزل في سفينة ليمضي إلى برسيس، فهاج البحر فألقوه في البحر فابتلعه الحوت وأقام في بطنه ثلاثة أيام وهو يصلي ويتضرع إلى الله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ (١). فأمر الله الحوت فقذفه على البر، وقد تعرّى عظمه، فأوحى الله إليه أن يمضي إلى نينوى وينذر أهلها بالخسف فمضى إليها ونادى فيها بما أمره الله تعالى، فسمع به الملك فنزل عن سرير الملك، ونزع التاج عن رأسه، ولبس مسح شعر وآمن جميع أهل بيته أن يخرجوا إلى ظاهرها، وأن يلبسوا المسوح ويفرشوا تحتهم الرماد ويمتنعوا من الطعام وشرب الماء، ويتوبوا إلى الله ليرفع عنهم سخطه، ففعلوا كما أمرهم الملك، وصاموا ثلاثة أيام بلياليها هم وبهائمهم وأولادهم وتضرعوا وصرخوا إلى الله ورجعوا عن خطاياهم فرفع الله غضبه عنهم. وكان يونس قد طلع إلى جبل مشرف عال ليشرف على نينوى لينظر مايكون منها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين لتمنع عنه السموم. وفي اليوم الرابع أمر الله الدودة أن تقطع أصل اليقطين، وأمر ريح السموم أن تمر عليه فضاقت نفسه وبكى، وقال: إنَّ الموت خير من هذه الحياة. فأوحى الله إليه: إنك قد تأسفت على ورق اليقطين الذي لم تزرعه ولم تتعب عليه فكيف لا أرحم أنا مدينة نينوى التي فيها اثنا عشر ألف ربوة من الناس لا يعرفون يمينهم من شمالهم، وبهائمهم لا تحصى هكذا نقل بعض المؤرخين.

стр. 7736

ويونس هذا هو الذي قال الله فيه وفي قومه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ (١). [يوتام بن عوزيا] ثم يوتام بن عوزيا (٢)، ملك على آل يهودا، واستمر ملكه بيورشليم ست عشرة سنة. وكان عمره حين ملك خمسًا وعشرين سنة، وأحسن يوتام السيرة وبسط العدل في رعيته وبنى باب البيت الأعلى، وبنى ضياعًا في أرض يهودا ومنتزهات وجواسق. وكان يحارب بني عمون وقوي عليهم فخافوا منه فاعطوه قطيعة في كل سنة مائة بدرة مالًا، وعشرة آلاف كر حنطة، ومثلها شعيرًا. وعظم أمر يوتام جدًا؛ لأنه أصلح سيرته. وكان في أيامه عدة أنبياء ومات ودفن في قرية داود ﵇. [أخازيا بن يوتام] ثم أخازيا بن يوتام (٣)، ملك آل يهودا ست عشرة ة سنة. وكان عمره حين ملك عشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين. ولم يحسن سيرته وسجد للأصنام وعبدها وسير مالًا لملك الموصل واستنجد به على ملك أدوم فجاء وحضر دمشق فأخذه وسبى كل من بها وعاد إلى بلاده. وفي زمانه ملك على الروم - الذين هم الإفرنجة - غير اليوناني رومالنس وروبالولس، وهما أول من ملك على الإفرنج. وبنى مدينة عظيمة وسماها رومية باسمه. وكان أخوه روبالس شريكه في الملك فقتله، وحين قتله ظهرت الزلازل في المدينة إلى أن كادت تنقلب فتضرع رومانس إلى الله تعالى أن تسكن الزلازل فرأى في نومه أنَّ الزلازل لا تسكن إلا أن يجلس أخاه معه على كرسي المملكة، فأشار أكابر المملكة أن يعمل صورة أخيه من ذهب ويجلسه معه على سرير المملكة، وصار إذا تكلم بكلام أمر أو نهي تكلم عنه وعن أخيه فيقول: قد أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وصارت هذه لغة ملوك الروم إلى الآن. ولما أجلس الصورة معه على السرير سكنت الزلازل.

стр. 7737

وفي أيام أخزيا - ملك يهودا - كانت أنبياء منهم: هوشع وأشعيا ومنجا المرسامي. ومات أخزيا ودفن في قرية داود ﵇. [حزقيا بن أخازيا] ثم حزقيا بن أخازيا (١) ملك آل يهودا بيروشليم تسعة وعشرين. وكان عمره حين ملك خمسًا وعشرين سنة وسار سيرة حسنة وعمل الحسنات كداود أبيه، ورمى الأصنام وقلع مذابحها وقطع حية النحاس التي كان موسى النبي ﵇ صنعها لنبي إسرائيل؛ لأنهم ضلوا بها وعبدوها وسموها حية الظنون. ولم يكن في ملوك يهودا مثل حزقيا لا قبله ولا بعده وحفظ وصايا الله تعالى لأنبيائه فأعانه الله بسبب ذلك ونصره وظفره. وكان حزقيا شديد الغيرة الله تعالى. وكان قد بلغه عن جماعة من عبيده أنَّ بيدهم طلسمًا في صورة إنسان؛ وكل من مرض وحصل له ألم في عضو من أعضائه، نظر إلى ذلك العضو من الصنم فيبرأ لوقته، فقال حزقيا في نفسه: إنَّ هذا الطلسم من الشياطين وهؤلاء قد اعتمدوا عليه وتركوا الإعتماد على الله تعالى فلم يزل يحتال إلى أن أخذه وكسره. ومات حزقيا الملك ودفن مع آبائه بقرية داود ﵇. [منشا بن حزقيا] ثم منشا (٢) بن حزقيا ملك بعد أبيه، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة. وكان سيء السيرة، مرتكبًا للسيئات وعمل القبائح، وبنى مذابح الأصنام التي هدمها أبوه، وسجد لنجوم السماء وعبدها، وألقى الأصنام في بيت الله - تعالى - فمنعه أشعيا النبي عن هذا الفعل الرديء فقتله وقتل الصالحين وسفك الدماء الزكية. وقيل: بل نشره بالمنشار نصفين. وقيل: إنَّ أشعيا النبي هلك من شدة العطش، وإنَّ عين سلوان ظاهر القدس ظهرت له وشرب منها. وفي أيام منشا بنيت برنيطة بناها قاروس الملك التي كانت قبل ذلك تسمى نيقو، وكان خسف بها؛ وبعد ذلك بسنين كثيرة جددها قسطنطين الكبير وسماها باسمه. وفي أيا منشا بن حزقيا ملك مدينة رومية قريموس ثلاثة وأربعين سنة، وهو الذي زاد في شهور الروم كانون الثاني وشباط. فإن شهور الروم كانت في ذلك الزمان عشرة

стр. 7738

شهور. وكان كل شهر ستة وثلاثين يومًا. ومات منشا وصار إلى آبائه بقرية داود ﵇. [آمون بن منشا] ثم آمون بن منشا الملك. ملك بعد أبيه سنتين. وكان عمره حين ملك اثنين وعشرين سنة، وعمل الأعمال الرديئة مثل أبيه وعبد الأصنام وسجد لها، وقتله عبيده في بيته، واجتمع الشعب وقتلوا الذين قتلوه. [يوشيا بن آمون] ثم يوشيا بن آمون ملك على آل يهودا إحدى وثلاثين سنة. وكان عمره حين ملك ثماني سنين، واصلح طريقه مع الله تعالى وسار بسيرة داود أبيه ورم البيت وسدده بالدخل الذي يدخل إليه. وفي أيامه ظهر خليقيا الكاهن، وهو والد أرميا، وهو الذي جاءه وقرأ عليه شيئًا من التوراة فجزع يوشيا لما فيها، وأمر بهدم بيت الأصنام وحرقها على الإطلاق، وبقتل جميع كهنة الأصنام، وهدم المذابح، وهدم بيوت الروابي. وفي ثلاث عشرة سنة من ملكه تنبأ أرميا. وكان في أيامه من الأنبياء، صفونيا. وأخبرت حلدى - امرأة سالوم - النبية: بأنَّ الله تعالى شكر له فعله، وأنَّ الله ينزل بهم البلاء الشديد؛ لأنهم أسخطوا الله بعبادتهم الأصنام، وأنه سالم من عذابهم وما ينزل بساحتهم؛ وأخبره بذلك أيضًا صفونيا. وفي أيام يوشيا ملك المجوس بابل ثلاثة وثلاثين سنة. وفي سنة إحدى وثلاثين من ملك يوشيا ملك فرعون الأعرج على مصر. وقيل: إن في أيامه كان لقمان الحكيم. وبعد هذه الأمور جميعها صعد فرعون الأعرج ملك مصر ليحارب أهل منبج بالفرات فخرج يوشيا وعارضه ليحاربه فقتل بسهم وحمل ميتًا ودفن بقرية داود ﵇ مع آبائه. [ياهوخان بن يوشيا] ثم ياهو خان (١) - ولد يوشيا - ملك على آل يهودا ثلاثة أشهر. وكان عمره حين ملك ثلاثة وعشرين سنة، وارتكب على ملكه القبائح مثل منشا، فأتى فرعون وأخذه

стр. 7739

ووضع على الأرض خراجًا مائة قنطار فضة وعشر قناطر ذهبًا. وساق باهوخان معه إلى مصر فمات هناك، وترك فرعون الياقيم ملكًا عليهم. وتنبأ في أيامه ناحوم النبي فحذرهم عذاب الله وانتقامه لأعدائه ووعدهم ثوبه وانعامه لأوليائهم. [اليواقيم بن يوشيا] ثم اليواقيم (١) بن يوشيا بن آمون، صيره فرعون ملك مصر ملكًا على آل يهودا، وكان عمره حينئذ خمسة وعشرين سنة، وملك إحدى عشرة سنة. وكان يواقيم يأخذ الخراج لفرعون ملك مصر من كل واحد على قدر حاله. وارتكب القبيح، وجاءه بختنصر - ملك بابل - فأطاعه ثلاث سنين ثم عصاه. وسلط الله عليه الغزاة من أدوم ومواب وعمون والكلدانيين على آل يهودا ليهلكوهم كما أخبر به تعالى على لسان أنبياء بني إسرائيل، كما تقدم ذكره. وفي سنة ثلاث من ملكه غزا بيت المقدس وسبى طائفة منها وحمل جميع متاع البيت وانتهب كما أخبر به الله تعالى. وكان الذي فعل هذا بختنصر. وكان في جملة من سبى بختنصر في ذلك الوقت دانيال وخينيا وغراريا ومبصائيل. وفي سنة خمس من ملك يواقيم قاتل بختنصر فرعون الأعراج ملك مصر، وملك على سمرى. وفي ذلك الزمان خرَّب فرعون مدينة منبج التي كانت على الفرات. وفي سنة ثمان من ملك يواقيم غزا بختنصر بيت المقدس ثانية ووضع عليهم الخراج، وثبت يواقيم مكانه على ملكه. وفي أيام يواقيم تنبأ دانيال النبي. ومات يواقيم ودفن مع آبائه في قرية داود ﵇. [يوناحين بن يواقيم] ثم يوناحين بن يواقيم (٢) صار بعد أبيه ملكًا. وكان عمره حينئذ ثمان عشرة سنة، وملك ثلاثة أشهر. وبعد ثلاثة أشهر أخذه بختنصر هو ووالدته وأشراف مملكته وعبيده، وجميع

стр. 7740

قواده وأجناده، وجميع الأقوياء، وأكثر أهل المدينة، ولم يدع غير المساكين والضعفاء، وأخذ ما كان في بيت الملك وما كان في بيت الله. وجعل بختنصر بدل يوناحين منشا عمه ملكًا على الأرض على آل يهودا وسماه صداقيا. [منشا عم يوناحين] ثم منشا (١) عم يوناحين صيره بختنصر ملكًا بدل يوناحين. وكان عمره حينئذ إحدى وعشرين سنة. وملك أحدى عشرة سنة فارتكب القبائح وخوفه إرميا النبي فلم يفزع وعرفه أنهم يسبون إلى بابل. وأقام أرميا ينذر آل يهودا سنين كثيرة فلم يسمعوا منه، وحبسه صداقيا إلى جانب داره وضيق عليه. ثم عصى صداقيا ملك بابل في السنة التاسعة من ملكه فصعد إليه «بختنصر» وحاصر بيت المقدس حتى لم يقدروا على خبز الخبز، وهدم سورها بالمنجنيقات فهرب الملك وأبطاله ليلًا فأدركه الكلدانيون في أريحا فأخذوهم ومضوا به إلى بختنصر فأحضر صداقيا وحاكمه وذبح ابنيه قدامه وأعمى عينيه وقيده بقيدين وأرسل إلى بابل، وجعله في منزل المطالبات إلى يوم موته، وهو آخر ملوكهم [بختنصر] ثم ملك بختنصر أرض إسرائيل في السنة التاسعة عشرة من ملكه، ومدة ملكه عليهم ست وعشرون سنة، فجمع مملكته خمس وأربعون سنة. وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه مضى إلى مصر فأحرقها وقتل ملوكها وملك مصر والشام وأرض يهودا وأدوم والروم وأرض اليونانيين وفارس وبابل والموصل، وعظمت مملكته. وغزا بختنصر أيضًا مدينة صور فهرب أهلها في السفن إلى الجزائر فأخذ حيران ملكها وانصرف. وعند ذلك صارت أرض مصر في أيدي جيوش بختنصر. ولما سبى بختنصر من بني إسرائيل ما سبى أمر صاحب أمانية وكان اسمه متنصر بأن يحضر من أولاد أكابر بني إسرائيل فتيانًا لاعيب فيهم حسان ذوو فطنة وحكمة ليقدمهم على خدمه، ففعل وأمر بتعليمهم الكتاب ولسان أهل بابل وأجرى عليهم من مائدته طعامًا وشرابًا وأمر بتأديبهم ثلاثة سنين وأن يعرضوا عليه بعد ذلك. وكان منهم
следующие страницы →