إذ فرَّ صفوان وفرَّ عكرمة
أبو يزيد (١) قائم كالموتمه (٢)
واسقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعنَ كلَّ ساعدٍ وجُمجُمة
ضربا فلا يُسمعُ ألا غَمغمة
لهم نهيت (٣) خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كَلِمَة
ثم لما نزل رسول الله ﷺ بمكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد، فقام رسول الله ﷺ على باب الكعبة، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤)، ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء».
стр. 7912
وقال ﵇ لعليٍّ كرَّم الله وجهه: «إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزئون».
ودخل ﵇ البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
ولما دخل الكعبة أمر بلالًا أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد (٢)، والحارث بن هشام (٣) جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدًا ألا
стр. 7913
يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لأتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: لقد علمت الذي قلتم، ثم ذكر لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك لرسول الله. والله ما أطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.
ثم خطب رسول الله ﷺ الناس - فقال: يا أيها الناس، إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا. لا تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل إلا هذه الساعة غضبا على أهلها. ألا، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله
стр. 7914
قاتل فيها فقولوا له: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم».
وقام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم»؟ قالوا: لا شيء يارسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي ﷺ : «معاذ الله، المحيا محياكم و [الممات] مماتكم».
وقال حسان بن ثابت في الفتح (١): [من الوافر]
عفت ذات الأصابع (٢) فالجواء (٣) … إلى عذراء (٤) منزلها خَلاء
ديار من بني الحسحاسٍ قَفْرٌ … تُعفّيها الروامس والسماء (٥)
وكانت لا يزال بها أنيس … خلال مروجها نَعَم وشاء (٦)
فدع هذا، ولكنْ مَنْ لِطَيْفٍ (٧) … يُؤرقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء (٨) التي قد تيمته … فليس لقلبه منها شفاء
كأن خبيئة مِنْ بيت رأس … يكونُ مِزاجها عَسَلٌ وماء
ونشربها فتتركنا مُلُوكًا … وأُسدًا ما يُنهنهنا اللقاء
عَدِمنا خيلنا إنْ لمْ تَرَوها … تُثيرُ النَّقْعَ موعدها كداء
يناز عن الأعنةَ مُصغياتٍ … على أكتافِها الأَسَلُ الظماء
تظلُّ جيادُنا مُتمطّراتٍ … يلطّمُهُنَّ بالخُمر النساء
فإما تُعرِضُوا عنا اعتمرنًا … وكانَ الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلادِ يومِ … يُعينُ الله فيهِ مَنْ يَشاءُ
وجبريل رسولُ اللهِ فينًا … وروح القدس ليس له كفاء
стр. 7915
لنا في كلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٌ … سبابٌ أو قتال أو هجاءُ
فنحكم (١) بالقوافي مَنْ هَجانا … ونضرب حين تختلط الدماء
ألا أبلغ أبا سفيان عنِّي … مُغلغلَةً فقدْ بَرحَ الخفاء
بأنَّ سيوفنا تركتك عَبْدًا … وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدًا فأجبتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاك الجزاء
أَمَنْ يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء؟
فإن أبي ووالده وعرضي … لعِرضِ محمد منكم وقاءُ
لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدرُهُ الدِّلاء
ثم بعث رسول الله ﷺ حول مكة السرايا تدعو إلى الله تعالى، ولم يأمرهم بقتال، وممن بعث خالد بن الوليد بأسفل تهامة داعيًا لا مقاتلًا، فوطئ بني جذيمة (٢)، فأصاب منهم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ثم بعث عليًا ﵇ بمال يودي الدماء وما أصيب من الأموال، حتى إنه ليودي لهم ميلغة الكلب، ثم أعطاهم ما فضل معه من المال احتياطًا لرسول الله ﷺ ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال: «أصبت وأحسنت».
ثم بعث رسول الله ﷺ خالدًا إلى العزى، وكانت بيتًا بنخلة تعظمه قريش وكنانة (ومضر) كلها، فهدمها.
* * *
[الفصل السادس: غزوة حنين]
ثم كانت غزوة حنين (٣)، ومن خبرها أنه لما سمعت هوازن (٤) بما فتح الله على رسول الله ﷺ جمعها مالك بن عوف، واجتمعت إليه ثقيف ونصر وجشم، وفيهم دريد بن الصمة، شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وفي بني
стр. 7916
مالك ذو الخمار، سبيع بن الحارث، وأخوه أحمر بن الحارث، وسعد بن بكر، وقيل: من بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس (١). اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة (٢) في شجار له يقاد به، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ونُعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، ودعي له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له/ ٣٥٥/ ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويُعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فانقض به، ثم قال: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب [ولا كلاب]، ولوددت أنكم فعلتم [ما فعلت] كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، أرفعهم إلى متمتع بلادهم وعليا قومه، ثم ألق الصباء على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل،
стр. 7917
إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لا تكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى، قالوا: أطعناك، فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يفتني (١): [من الرجز]
ياليتني فيها جَذَع
أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع
كأنا شة صدع
ثم قال مالك: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد، وإن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بلق، والله ماتماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله مارده ذلك عن وجهه أن مضى [على] ما يريد.
وبعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد الأموي على مكة، وخرج في اثني عشر ألفًا ممن كان معه ممن أسلم من أهل مكة.
قال الحارث بن مالك: خرجنا ونحن حديثو عهد بالجاهلية، إلى حنين، وكانت للكفار شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط يأتونها في كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا، فرأينا سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يارسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ (٢).
ثم مضوا حتى أتوا في عماية الصبح وادي حنين، وكان القوم قد سبقوهم إلى الوادي، وكمنوا في شعابه، وتهيأوا.
قال جابر بن عبد الله (٣): فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا
стр. 7918
علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد.
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: «أيها الناس، هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله». قال: فلا شيء، حملته الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلا أنه بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس.
ولما انهزم الناس، ورأى ذلك من كان من جفاة مكة معه ﵇ تكلم
стр. 7919
رجال بما في نفوسهم. قال أبو سفيان (بن) حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته، وقال شيبة بن عثمان (١): اليوم أدرك ثأري، وكان أبوه قتل بأحد، اليوم أقتل محمدًا. قال: فأدرت به لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه ممنوع مني، وارتجز مالك بن عوف يقول: [من الرجز]
[أقْدِمْ مِحَاجِ إِنَّه يَومٌ نُكُرُ]
مِثلي على مِثلِكَ يَحمِي وَيَكُرُ
إِذا أُضِيعَ الصَّفُ يومًا والدُّبُرُ
ثُمَّ احْزَأَلَّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرُ
[كتائِبُ يَكِلُّ فِيهِنَّ البَصَرُ]
стр. 7920
قد أطعن الطعنة تقذى بالسير
[حين يذمُّ المستكين المنجحر]
وأطعن النجلاء تعوي وتهر
لها من الخوف رشاش منهمر
تفهقُ تارات وحينًا تنفجر
إني في أمثالها غيرُغمر
إذ تخرج الحاضن من تحت الستر
قال العباس بن عبد المطلب: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء، قد شجرتها بها، وكنت امرأ جسميًا شديد الصوت، فقال: ياعباس، اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر [أصحاب] السمرة. قال: فأجابوا: لبيك لبيك، قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، ويؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلهم الناس، فاقتتلوا، فكانت الدعوى: يا للأنصار، ثم كانت يا للخزرج، وكانوا صُبرًا عند الحرب.
وقال رسول الله ﷺ : «الآن حمي الوطيس»، وهو أول من قالها. فلما رأى شدة القتال قال: [من مجزوء الرجز]
أنا النبي لا كَذِبْ
أنا ابن عبد المطلب
ثم قال لبغلته دلدل (١): البدي دلدل، فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ حفنة من التراب فرمى بها في وجوههم، فكانت الهزيمة، فما رجع المسلمون إلا والأسرى في الحبال عنده.
وقيل: بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد (٢)، حتى سقط بين القوم، فإذا
стр. 7921
نمل أسود مبثوث، فكانت الهزيمة.
ذكر هذا ابن الأثير (١).
وقال ابن إسحاق: إنه عند تراجع المسلمين حمل علي ﵇ على صاحب راية القوم وهو ذو الخمار، فضرب عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ووثب معه رجل أنصاري فضربه ضربة أَطَنَّ قدمه بنصف ساقه، فوقع عن رحله، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ .
والتفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر - يومئذ - معه، وهو آخذ بثفر بغلته، فقال: من هذا؟ قال: ابن أمك يا رسول الله.
والتفت فرأى أم سليم بنت ملحان (٢)، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد، وهي حامل، ومعها جمل أبي طلحة، قد خشيت أن يعرها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته (٣) مع الخطام، فقال رسول الله ﷺ : «أم سليم؟» قالت: نعم بأبي أنت وأمي يارسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ : «أو يكفي الله يا أم سليم».
قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر [الذي] معك يا أم سليم؟ قالت: أخذته، إذا دنا مني أحد من المشركين بعجته [به] قال أبو طلحة: ألا تسمع يارسول الله ماتقول أم سليم الرميصاء؟
وعن جبير بن مطعم (٤) قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود
стр. 7922
مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم.
وقال العباس (١) بن مرداس (٢): [من الوافر]
شَهِدْنا مَعَ النَّبِيِّ مُسَوَّماتٍ … جَنِيبًا وَهِيَ دَامِيَةُ الكُلَامِ
وَوَقْعَةَ خَالِدِ شَهِدَتْ وَجَرَّتْ … سَنَابِكَهُنَّ بِالبَلَدِ الحَرَامِ
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إِذَا التَقَيْنَا … صُدُورًا مَا تَعَرَّضُ لِلطِّغَامِ
وهذا يوم ذكرته في كلمة لي، منها: [من البسيط]
نَبِيٌّ مَلْحَمَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وغُىً … نَبِيُّ مَرْحَمَةٍ فِي كُلِّ مُلْتَمَسِ
لَمَّا أَتَتْهُ جُمُوعُ الحُمْسِ جَائِشَةٌ … رَمَاهُمْ بِرِجَالِ مِثْلِهِمْ حُمْسِ
في كلِّ مَوْقِفِ حَرْبٍ لَا بَسِيطٌ لَهُ … غَيْرُ الدِّمَاءِ وَلَا طَوْدٍ سِوَى فَرَسِ
غَطَّى العَجَاجُ بِهِ وَجْهَ السَّمَاءِ ضُحًى … فَمَا اسْتَبَانَ وَخَلَّى كُلَّ مُلْتَبِسِ
خَافُوا السُّقُوطَ فَأَلْقَوْا مِنْ رُؤُوسِهِمُ … مَا شَدَّ رِخْوَ تُرَابٍ تَحْتَهُمُ دَنِس
стр. 7923
فاستنقذ الدين من أنياب عادية … يسطو بمنتهش بابا ومنتهس
وقائعا في العدا كانَ الفِرارُ بها … في رأي وقحهم أوقى مِنَ التُّرس
وفي حنين له نصر تداركه … أدنى إلى النفس في أدنى مِنَ النَّفَسِ
أصاب لما رأى بالتربِ جمعَهم … رقابَ مُدَّرع منهم ومُتَرس
وأشغل السيف في هاماتهم فحثت … بالقتل أنفاسهم والسيف كالقَبَسِ
وصب في الأرضِ مِنْ مُنصب جدولهِ … ما طَهَّرَ الأرضَ مِنْ شِرْكِ وَمِنْ نَجَسِ
بيضٌ يُنقّى بها ما كانَ مِنْ دَنَسٍ … إِنَّ البياض قليل الحمل للدنس
قتل وأسر وتشريد ورعب حسًا … وموتُ غبن به عادوا على السُّدُس
ولم يعد بالهدى إفكًا لمُختلِقٍ … ولم يدع بالردى كفا لمختلس
فاق النبيين في علياء قدرهِمُ … بخمسة بعضُها التحليل للخُمُسِ
يوم من الفتح لولاه لما اتصلت … أيام أصحابه في الروم والفرس
ولما انهزمت تبعت خيل رسول الله ﷺ من توجه نحو نخلة، فأدرك ربيعة بن رفيع (١) وكان يقال له: ابن الدغنة - فيها دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام فقال دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئًا، قال: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الجمل، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت به نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع فكشف، فإذا عجانه (٢) وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل إعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا.
فقالت عمرة بنت دريد تبكيه: [من البسيط]
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا … فظل دمعي على السربال ينحدر
стр. 7924
لولا الذي قهر الأقوام كلَّهمُ … رأتْ سُليم وكعب كيف تأتمر
إذن لصبَّحَهُمْ عِبا وظاهَرَهُ … حيث استقرت نواهمْ جَحْفَلُ ذفرُ
وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري (١)، فأدرك من انهزم، فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري (٢) وهو ابن عمه - وقاتلهم، ففتح الله عليه.
وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف في فوارس عند ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم ويلحق إخوانكم، فوقف هناك حتى مضى من كان لحق بهم.
وأتت الشيماء (٣) أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فبسط لها رداءه، وأجلسها
стр. 7925
عليه، وخيرها، وقال لها: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وردها، ورد على هوازن [سباياهم] على ما نذكره.
وفي ذلك قلت من كلمة مطولة، منها: [من الرجز]
أفاضَ مِنْ أجفانِهِ المدامعا … تذكاره بالسفح طيبًا رائعا
وبالحِمَى مَنْ لا أبوحُ باسمِهِ … ضَنَانةٌ أن يلج المسامعا
وفيت إذ عاهدته على الهدى … وما وَفَى وعهد عهدينا معا
حفظت من عهوده نظير ما … أصبحَ من عهدي لديه ضائعا
يا للرجال في مُصابِ عاشق … أصابَ في الحب حبيبًا نازعا
المَهُ أن الذي واصلَهُ … أضحى لأسباب الوصال قاطعا
متيم ليس يخف مابه … حتى يَرَى بالسفح برقًا لامعا
ويجتلي مِنْ طَيْبَةٍ نور هدى … أضحى بآفاق النبي ساطعا
أكرم من أسدى الجميل لامرئ … لا دونه وقلد الصنائعا
لما أتاه الوفد من هوازن … يسأله للأهل ردًا جامعا
جاد بشيء لم يَجُدْ بمثلِهِ … مالًا وسَبيًا عظيمًا منافعا
عَفَا ورد سبيهم جميعَهُ … مَنَّا وجُودا في الندى تتابعا
سل أخته من الرضاع إذ أنت … تسأله ماذا رأته صانا
وكان من خبر رده على هوازن، أنه لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، جاءه وفد هوازن، فسألوا رسول الله ﷺ أن يمن عليهم فيما أخذ منهم، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك، وقام رجل من هوازن، أحد بني سعد بن بكر، يقال له: زهير، يكنى بأبي صرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك وخلاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم (أم) أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم»، فلما صلى رسول
стр. 7926
الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم»، وقال المهاجرون: وما كان لنا، فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنوفزارة فلا، فقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو الرسول الله ﷺ ، فقال عباس لهم: وهنتموني، فقال رسول الله ﷺ : «أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم».
وما سقنا هذا هنا إلا ليرتبط حديث هوازن بعضه ببعض.
ثم إن رسول الله ﷺ خرج من حنين يريد الطائف، ولم يهن أمره، ثم كان ما وعد الله به نبيه ﷺ من إظهار أمره، وإعلاء جده، ونصر جنده، وتأييد ماجاء به، فكاتبته الملوك، وتوالت إليه الوفود، وبعث السرايا.
ثم غزا غزوة تبوك، وأعلم الناس بها لكي يتأهبوا لها، لبعد شقتها، وشدة الحر، وجدب البلاء، وكان قبل ذلك يكني ويخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له.
وضرب عسكره على ثنية الوداع، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري (١)، ومضى رسول الله ﷺ قاصدًا إلى تبوك.
стр. 7927
ولما انتهى إليها أتاه يحنة بن رؤبة (١) - صاحب أيلة (٢) - فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية.
وأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة لم يتجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة، بعد أن بنى بتبوك مسجدًا وقدم المدينة في رمضان.
ووفدت عليه ثقيف، وبنو عامر، وغيرهم من العرب، وانتشر الإسلام، وظهر، وكثر الإيمان، واشتهر، وذل كل معاند بعد أن تولى بجانبه وكفر بالبراهين القاطعة والآيات الساطعة، والحجة البالغة والأدلة الدامغة، وجاهد ﷺ في الله حق جهاده، وهدى إلى دينه الحنيفي من اهتدى من عباده.
[الفصل السابع: وفاته ﷺ -]
ثم حج ﷺ حجة الوداع، وحض على الألفة، ولم يزل - كذلك - بفطرته السليمة [يحض] على جميع الخيرات، وينفر عن ما يبعد من قرب الله تعالى.
ويقال لها - أيضًا - حجة البلاغ.
ثم قفل رسول الله ﷺ إلى المدينة، وبعث أسامة بن زيد بن حارثة (٣) إلى الشام،
стр. 7928
وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم (١) من أرض فلسطين، وهو آخر بعث بعثه
стр. 7929
رسول الله ﷺ .
ثم شكا رسول الله ﷺ الشكوى التي قبضه الله فيها، واشتد به ذلك في بيت ميمونة (١)، فاستأذن نساءه في أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له.
قالت عائشة: مات رسول الله ﷺ بين سحري (٢) ونحري وفي دولتي (٣)، لم أظلم فيه أحدًا، فمن [سفهي و] حداثة سني أنه ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع السناء، وأضرب وجهي.
ولما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أنه ﵇ قد توفي، وإن رسول الله ﷺ والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ [مات]، وأقبل أبو بكر حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله ﷺ مسجى في ناحية البيت، فأقبل حتى كشف عن وجهه ﷺ فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما
стр. 7930
الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجهه ﵇ ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلما سمعوا كلامه، أقبلوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
قال الراوي: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ.
قال عمر، ﵁: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
مات والله سيد الأنام، وطفئ مصباح الظلام، ووهن عضد الإسلام، وتفطر أحد وشمام (٢)، وألقى الرمح والسيف الصمصام، ودخل البدر السرار، وطمست شمس النهار، وأقلعت سحائب الكرام الغزار، وضمت هوامد اللحود سواكب البحار، وفقدت الأمة سيدها، والملة مجددها، وبكت الأرض محمدها، والسماء أحمدها، وانقطع الوتين، وحل البين، وانفصم حبل الله المتين، بل نقله الله إلى دار كرامته، واختار ما عنده لإقامته.
وكان بالمدينة صانع يحفر اللحود، وآخر يعمل الأضرحة، فبعث خلفهما، فسبق الذي يلحد، فقيل: هو الذي اختاره الله لرسوله.
فتولى أهله غسله، وصلى عليه جمائع وفرادى، ثم كان أهله هم الذين لحدوه، صلوات الله وسلامه وتحياته وإكرامه عليه وسلم تسليما.
وقال حسان بن ثابت ﵁ يبكي رسول الله ﷺ (٣): [من الكامل]
مابال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد
стр. 7931
جزعًا على المهدي أصبح ثاويا … يا خير من وطيء الحصى لا تبعد
بأبي وأمي مَنْ شهدتُ وفاتَهُ … في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللت بعد وفاته متبلّدًا … متلدّدًا ياليتني لم أولد
ا بكر آمنة المبارك بكرها … ولدتهُ مُحصنة بسعد الأسعد
نورًا أضاء على البرية كلّها … مَنْ يُهدَ للنور المبارك يهتدي
يارب فاجمعنا معًا ونبينا … في جنةٍ تثني عيون الحُسدِ
والله أسمع ما بقيتُ بهالِكِ … إلا بكيتُ على النبي محمد
وقال - أيضًا ﵁ يبكيه (١): [من البسيط]
آليتُ ما في جميع الناس مُجتهدا … منّي ألية بر غير افنادِ
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت … مثل الرسولِ نبي الأمة الهادي
ولا بسرا الله خلقًا مِنْ بريتِهِ … أوفى بذمة جارٍ أو بميعادِ
من الذي كان فينا يُستضاء به … مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤُكَ عطلن البيوت فما … يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد … أيقنَّ بالبؤس بعد النعمة البادي
يا أفضل الناس إني كنتُ في نَهَرٍ … أصبحتُ منه كمثل المفرد الصادي
وقال - أيضًا ﵁ يبكيه (٢): [من الطويل]
بطيبة رسم للرسول ومعهد … منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمد
ولا تمتحى الآيات من دارِ حرمة … بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آيات وباقي معالم … وربع لهِ فيهِ مُصلّى ومسجد
بها حجراتٌ كانَ ينزل وسْطَها … مِنَ اللهِ نورٌ يُستضاء ويُوقد
عَرَفْتُ بها رسم الرسول وعهده … وقبرًا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت … عيون ومثلاها من الجن تسعد
ويذكرن آلاء الرسول وما أرى … لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفّها فقد أحمد … فظلَّتْ لآلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كلِّ أمرٍ عشيرةٌ … ولكن لنفسي بعد ما [قد] توجد
أطالت وقوفًا تذرف العين جهدها … على طَلَلِ القبر الذي فيه أحمد
стр. 7932
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت … بلادٌ ثوى فيها الرشيدُ المُسدّدُ
وبوركَ لَحْدُ منكَ ضُمِّنَ طَيبًا … عليه بناء مِنْ صفيح ينضد
تهيل عليه الترب أيدٍ وأعين … عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمةً … عشيةَ علُّوهُ الثَّرَى لا يُوسَّدُ
وراحوا بحزنٍ ليس فيهم نبيهم … وقد وهنتْ منهم ظهور وأعضد
يبكُونَ مَنْ تبكي السمواتُ يومَهُ … ومَنْ قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يومًا رزيةُ هالك … رزية يوم ماتَ فيه محمد؟
فأصبح محمودًا إلى الله راجعًا … يبكيهِ حَقَّ المُرسلات ويحمد
وما فقد الماضون مثل محمد … ولا مثله حتى القيامة يُفقد
أعف وأوفى ذمةً بعد ذمةٍ … وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالدٍ … إذا ضَنَّ مِعْطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتًا في البيوت إذا انتمى … وأكرم جدًا أبطحيًا يُسوّد
وأمنع ذروات وأثبت في العُلا … دعائم عز شاهقات تُشيَّدُ
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا … وعُودًا غَذَاهُ المُزن فالعود أغيد
رباه وليدًا فاسستتم تمامَهُ … على أكرم الخيراتِ ربُّ مُمجد
ومما قلت في المدح الشريف النبوي، لأنتظم في زمرة مدائحه، وأنتظر ما يطلع عليّ من تباشير صباحه: [من مجزوء الكامل]
مَنْ ذا عليَّ اليوم عائب … وجْدِي على فقد الحبائب
ومرور أسنة الظباء … ء وفي الخدور لها ربائب
زموا الركائب للسُّرى … يا ليت لازموا الركائب
والصبح منهم للطلو … ع كحاضر في الحال غائب
أمُّوا العقيق وإنما … ساقوا فؤادي لا النجائب
ولقد مضى معهم يسيـ … ـرُ متى أراه وهو آيب
ياللمحب المُبتلي … بين النوائح والنوائب
أحشاؤه لهب الوَقُو … د ودمعُهُ في الجَفْنِ ذائب
يلقى الذي يهوى الغرا … ئرُ في محبته الغرائب
صب طريد شارد … قل المصايد والمصائب
يا أيها الحادي المُجدْ … دُ وعنده أقصى الرغائب
عُجْ بي إلى عَرَبٍ على … سَلْعِ فلي معهم طلائب
стр. 7933
يا مَنْ تطير به الركا … ب وسيرها في الدو دائب
يا مَنْ يخوض الليل لا … يخشى الشوائن والشوائب
عرض بذكرى في حِمَى … أهلِ الحِمَى لترى العجائب
يا واردًا ماء العذيـ … ب أما تجود به للائب
والأفق قد دبَّ العشيـ … ـر برأسِهِ والصبح شائب
والليل سمر فاتن … ألقى على الكتف الذوائب
وكأنما زُهر النجو … م عقود در في ترائب
والركب ممتدُّ الخُطى … والطرق آثار السبائب
والقفر دان شاسع … أيضم طرف منه سائب
مافيه إلا عائم … في بحره الزخار عائب
ركبَ الصّبا لمُرادِهِ … ويَوَدُّ لَوْ ركب الجنائب
حتى يوافي المصطفى … ويؤم في الأبواب تائب
وتظل تغسل بالدمو … ع بعض أدناس المعايب
ويلذ في باب السلا … م لهُ السلام على الحبائب
فبطيبةٍ كلُّ المُنى … وبأرضها القوم الأطائب
فانزل بها فهناك أسـ … ـرار الحقائق والحقائب
فيها النبيُّ المُجتبى … وبها الصحابة والقرائب
ذو المعجزاتِ محمد … جاءت بدعوته السحائب
وأتت وقد بسر الربيـ … ع كأنَّها نوق حلائب
وله الدعاء المستجا … ب كأنهُ النَّبْلُ الصَّوائب
سل عنه ذات الخيمتيـ … ن وشاتها والدر غائب
فبمسحةٍ شبعوا بها … لبنًا حليبا ثم رائب
وأعاد عُودا صارمًا … يمضي بحديه الضرائب
ولقد كفاه الله دعـ … وى مَنْ يُعاتي أو يعايب
ما البحر إلا نائل … منه وإلا عنه نائب
فرض الجهاد وقاتل الـ … أعداء لم يرتد صائب
ورمى الوغى بكتائب … ومِنَ السماء بها كتائب
وعصائب من حوله … ووراء جبريل عصائب
وسيوفهم ونبالهم … برقٌ ونَوءُ المن صائب
стр. 7934
رَمَتِ العدا فهم هلا … كى أو أسارى أو سلائب
ذبحوهم وهم الأسو … د كأنهم معزى الزرائب
اللهُ أَيَّدَهُ فُـ … ـس بهائم دوجلا وهائب
ياهل تُرى آتي الحمى … وتحط لي فيه ركائب
وأجد أطماع المُنى … ويردُّ عقلي وهو تائب
إن عاد لي عهد بها … عَمَّرتُ من عُمري خرائب
فبموردِ الزرقاء حبَّاتُ … القلوب أسى ذوائب
وبطيبة كلُّ الأنا … م لهم هوى ولهم حرائب
وبطيبةٍ مَنْ شئتَهُ … مَمَنْ يطيب أو يطايب
وبها نصائب سادةٍ … سُقيت حيًا تلك النصائب
* * *
стр. 7935
[آل أبي طالب والخلفاء الراشدون]
стр. 7936
[آل أبي طالب]
وإذ انتهينا إلى هذا الأفق المنير، والمورد النمير، فلنذكر ما أشرف بينهما من الشعب والأهلة، وأغدق من السحب المستهلة لتلتف الشجرة بأغصانها، وتحتف المواكب العلوية بفرسانها؛ على أنَّ لك من قريش بقرابتهم من رسول الله ﷺ شرفًا عليًا، وشنفًا لا يقنع بفرط الثريا حليًا، أعرقوا معه أصلًا شريفًا، وفضلًا منيفًا، وجدا طاهرًا، ومجدًا ظاهرًا ولبني هاشم شرف ذلك الشرف ولؤلؤة ذلك الشنف، وثمرة ذلك الأصل، وجمهرة ذلك الفضل، وجد ذلك الجد، وذروة ذلك المجد.
ولبني أبي طالب في ذلك كله مزية ليست لسواهم من بني أبيهم لمربى رسول الله ﷺ فيهم، ومربى علي في الكنف النبوي، وفضل الأخوة والصهر بأحبّ البنات؛ فما لكبير ما لكبيرهم، ولا لصغير ما لصغيرهم.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أنَّ النبيَّ ﷺ بايع الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وهم صغار لم يبلغوا. قال: ولم يبايع صغير إلا منا.
ولبني علي خلاصة الشرف، ثم لبنيه من فاطمة ﵍ خلاصة تلك الخلاصة؛ لأنهم بضعة منهم، وهي بضعة منه.
وعلي ﵇ ابن عم رسول الله ﷺ ومؤاخيه وصهره ومدانيه (١).
стр. 7937
ورسول الله وهو وفاطمة وابناها - عليهم الصلاة والسلام - أهل العباء والخمسة الأشباح، والسرّ المصون والجوهر المكنون، وما ينفد دون بلوغه العبارات، ويتناهى القول.
وهم أرباب الفضيلة، وأبواب الوسيلة، واصحاب مآثر القبيلة، وأسباب مآثر كل جميلة، شهب المدلج. وسحب المحوج، غيوث المراحم، وليوث الملاحم، وأطواد المزاحم،، طوار المقاحم آل بيت النبي ﷺ وأقاربه وأهله وكوكبه، وفيهم أوفى أزواجه أمهات المؤمنين تحريرًا. قال الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١).
هم الذروة والسنام، والعنان والزمام، والركن والمقام والحجر والحجر والبيت
стр. 7942
الحرام، وسفن النجا، وآمن الرجا، وموضع الندى، ومطلع الهدى، وكنوز الغنى، ورموز العُلا، وأسرار النبوة، وأقمار البنوة، أنزل الله فيهم حكم كتابه، وبين محكم صوابه القرآن نزيلهم، والإيمان رسيلهم، وجبريل رسولهم، والحرمان حماهم، ومكة مرباهم، وطيبة مهاجرهم ومثواهم؛ عدد الرمال مآثرهم، وأمد النجوم تكاثرهم، ومدد البحار مفاخرهم، وحد الصراط السوي أولهم وآخرهم، مَنْ كرسول الله ﷺ ولا خلق يماثله، ولا أحد يعادله، ولا مفضل في السماء ولا في الأرض يفاضله، ولا ملك مقرب يقاربه، ولا نبي مرسل يراسله، ولا آدم فمن بعده في حبل يساجله؛ ما الكون لولاه، ما السماء إلا علاه، ما النجوم إلا حلاه، ما الدنيا والآخرة لولا آخرته وأولاه، وما البحر إلا غائض نواله، ما الغمام إلا قابض مالا له؛ من كرجاله ونسائه، من كآل بيته وأقربائه، من كأزواجه أمهات المؤمنين، من كبناته من البنات، أو كبنيه من البنين؛ من كخديجة الكبرى، من كفاطمة الزهرا من كحمزة سيد الشهدا، من كالعباس جدّ الذرية السعدا، من كجعفر وعلي، من كالحسن والحسين ابني النبي، من كأمير المؤمنين أبي السبطين - كرم الله وجهه - ذي السابقة الأولى، والباسقة الطولى؛ من مثله إذا التحمت وشائج الحرب، والتقمت أفواه الجراح طعمة الضرب، زلزل الشرك ووضعه، وحلل الشك ودفعه.
ورسول الله ﷺ مدينة العلم وهو بابها (١)، وسفينة النجاة وهو شراعها، وشيعته
стр. 7943
ركابها، وحديثه طراز كل سمر، وطرى كل ثمر، يعرف الصحابة - رضوان الله عليهم - حق قرباه، وحظّ مرباه - وفي الحديث «لولا علي لهلك عمر» (١)، و «وإن يبغ عليك قومك لا تبغ القمر».
ومن كجعفر الطيار ذي الجناحين، ومهاجر الهجرتين؟ ومن كالحسنين الطاهرين، والفتيين الزاهرين المكتهلين، والابنين المنهلين؛ ريحانتي المصطفى (٢) وسيدي شباب أهل الجنة (٣)؛ طالما قبل رسول الله ﷺ ثغورهما وحملهما على كتفه،
стр. 7944
وصلى فارتحلاه لما سجد وركبا عليه.
وعن زر بن حبيش: كان النبي ﷺ يصلي فاذا جاء الحسن والحسين فركباه؛ فلما قضى صلاته ضمهما، وقال: «بأبي وأمي أنتما من أحبني فليحب هذين» (١).
ومَنْ كابن عباس أبي العباس عبد الله حبر الأمة، أو كابن جعفر أبي جعفر عبد الله الجواد بحر النعمة، ثم لا ينكب عن الطريق المهيع، ويتدافع عما لا يدفع.
مَنْ كعلي زين العابدين؟
من كمحمد الباقر باقر علم الدين؟
من كجعفر الصادق المبصر الناطق؟
من كموسى الكاظم الحليم؟
من كالرضا علي العليم؟
مَنْ كمحمد الجواد محمد الجواد.
ومن كالعسكريين علي وابنه الحسن؟
ومن كمحمد المنتظر آخر الزمن؟
مَنْ كهؤلاء الأئمة، من كهؤلاء الأمة من كهؤلاء في كشف كل ملمة، من كهؤلاء في كف ما أشاب ظلام كل لمة؟
هم الكرماء، هم الحلماء، هم العظماء، هم السماء، هم الشموس البدور، هم الغيوث البحور هم السحب، هم الشهب هم الكتب هم الحياض، هم الرياض، هم
стр. 7945
الوفاء، هم الصفاء، هم السادة، هم القادة؛ سلوك الدرر الفاخرة، وملوك الدنيا والآخرة.
[الخلفاء الراشدون]
وسأذكر هنا قبل مشاهير آل أبي طالب - زادهم الله كرامة - أمر الخلفاء الراشدين الأربعة بعد رسول الله ﷺ على نسق ترتيبهم؛ إذ كانوا هم الخلفاء سكان الأرض بعده، ولم أقطع بهم في آل بيت النبوة ذلك الفلك الدائر. فأولهم وأولاهم بالتقديم خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه القديم المقدم أبو بكر ﵁.
[أبو بكر]
وهو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. و [مرة] أمه. وفي مرة بن كعب يلتقي بالنسب الشريف.
وهو صاحبه الأول، وصديقه الذي عليه المعوّل، وصديقه الذي صدقه ولم يتأوّل.
أول الأحبار، وثاني اثنين إذ هما في الغار، أجابه حيث دعاه، ودعا إليه، وقام بنصره ووازره، وهاجر معه وهاجر فيه، وبذل له ودونه نفسه وماله.
ثم كان له من رسول الله ﷺ المكانة الرفيعة، والمحل الأقرب، وقال: كل خوخة تسدّ إلا خوخة أبي بكر. وغير هذا مما لا يكذب من الحديث الصحيح، ولا ينكر من معروف الحق.
وله الرتبة العليا، وفضل السابقة الأولى، والمزية المميزة في الآخرة والدنيا، وهو أول من أسلم من الرجال، وصبر في السراء والضراء وحين البأس، وهو الذي أمر بالصلاة بالناس إذ ثقل رسول الله ﷺ في حال مرضه. وكان أسكن أصحابه روعًا عند صدمة موته.
ثم كان هو الخليفة المجمع عليه بعده. بويع يوم السقيفة سقيفة بني ساعدة حين همَّت الأنصار بما وقى الله أمره، وكفى شره، وأبى أن يكون الأمر إلا في قريش كما قال ﷺ (١).
وأول من بايعه عمر بن الخطاب، ثم أبو عبيدة بن الجراح ﵄ ثم سائر الناس، وتأخر علي - كرم الله وجهه - في أناس حتى ماتت فاطمة ﵍ ثم بايعه.
стр. 7946
ولما استخلف جهز بعث أسامة بن زيد وأستأذنه في تأخير عمر بالمدينة عنده … له وزيد الراية. وكان هو وأبو بكر في بعث زيد.
ثم قام في قتال أهل الردة حين قعد الناس، وأمر بجمع القرآن حين استحر القتل بالقراء نوبة اليمامة. وكان جمعه القرآن برأي عمر.
ثم جهز الجيوش قبل الشام، وكانت أيامه فاتحة الفتوح، وفتوحاته لما بعدها الباب المفتوح.
وتوفي ﵁ برًا نقيًا زكيًا صالحًا مصلحًا ينفض سم الأفاعي المشاورة له في الغار حيث كان رسول الله ﷺ قائمًا ولم يوقظه. ودفن في بيت عائشة ابنته فنام ضجيعًا لصاحبه سيدنا رسول الله ﷺ ووسد عن يمينه، وطوبى له ونعم الموسد!.
[عمر بن الخطاب]
وثانيهم عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب. وأمه حنتمه.
وفي كعب بن لؤي يلتقي النسب الشريف.
عزَّ به الدين القيم، وعبد الله جهرًا حين أسلم. وكان في الله شديدًا لم يكن، وعزيزًا لم يهن. وكان ثاني أبي بكر في إتحاد الصحبة، وتالي موضعه في قرب المكانه؛ ولقد كان شديدًا برأي يراه، وأمر يشير به، وقد رأى أمورًا أنزل الله بها القرآن.
والأحاديث في شأنه وذكر فضله ومكانه كثيرة، وقد ذكرت كثيرًا منها في كتاب «فواضل السمر».
وولي بعهد من أبي بكر؛ وهو أول الخلفاء سمي بأمير المؤمنين. مصر الأمصار، ودون الدواوين، وأشالت في أيامه الفتوحات، وكثرت المغانم، وطال ذيل الفيء فعدل في القضية، وقسم بالسوية، وعظمت به المهابة، وخفقت على ملك كسرى وقيصر ذوائب هذه العصابة، وطالت أيامه، وطارت في الشرق والغرب أعلامه، ولم تحل له راية عقدها، ولا رُدَّت جنود بعثها، بعيش مخشوشن، وفعل مرضي حسن، وقوة في الله أشد ما كانت منه على الأهل والولد.
ثم أكرمه الله بالشهادة على يد العلج، قتله أبو لؤلؤة ودفن عند صاحبيه بعد استئذان عائشة ﵂ حيًا وميتًا - والحق بصديق صديق ما كان عنه مفوتا.
[عثمان بن عفان]
وثالثهم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن
стр. 7947
قصي أبو عمرو، وأبو عبيد. وأمه أروى بنت كريز، ذو الكسن، والصهر في الابنتين، المستحية منه ملائكة السماء، والمبعوث بوم الحديبية لعزته في البطحاء، والمعقود بسببه بيعة الرضوان، والممدودة عنه يسار رسول الله ﷺ حيث قال: «هذي يساري عن عثمان، ويساري خير من يمين عثمان» مجهز جيش العسرة، وواقف بئر رومة، والمبشر بالجنة على بلوى تصيبه والجامع أهل الأمصار على القرآن، ومجهز المصاحف إلى الآفاق. بويع بالشورى التي أوصى بها عمر في الستة الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض؛ شهيد الدار، والقائل لعبيده من أغمد سيفه فهو حرّ.
وكتب إلى علي ﵁ وقد اشتد عليه الأمر، وضاق عليه الحصر: أما بعد؛ فقد وصل السيل الزبى، وبلغ الحزام الطبيين: [من الطويل]
فإن كنت مأكولًا فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أفرق
فبعث إليه علي بولده.
وكان حوله عبد الله بن عمر ذابًا عنه، وأولاد الصحابة معه، ودافعوا فلم يغن الدفاع، ورادوا حتى حطمهم السيل، هجم عليه وهو يقرأ في المصحف فاحنت عليه امرأته نائلة بنت الفرافضة، وقد أهوى إليه السيف فأبان بنانها، وجدع ذبابة أنفها.
ثم قتل بيد بعض أبناء الأنصار ودفن في حسّ كوكب ببقيع الغرقد وفقد ومثله من يفقد.
ثم كان قتله باب كل بلاء فتح به، وحرب لقحت بعد حيال لأجله، أتحفه الله برضوانه، وأحلّه في فسيح جنانه.
[علي بن أبي طالب، ﵇]
ورابعهم علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الحسن. وأمه [فاطمة] بنت أسد الهاشمية.
وفي عبد المطلب يلتقي بالنسب الشريف، نسب لعمرك قريب، وحسب لا يمر به مريب، وسبب ما انقطع ولا ينقطع، ورتب ساميه ما اجتمعت لغيره، ولا يجتمع الصهر زوج البتول، والفادي بنفسه للرسول، نام على فراشه حيث هاجر، ونال من لم ينله بقية من صاهر، ولي بالمبايعة وهي حقه وحوزه ومستحقه له تالدها وطارفها، وماضيها وأنفها، عجبًا بقصر باع طاوله عجبًا لضعيف ساعد حاوله، عجبًا لسرحان راود ليثه الهصور عجبًا لثعلب رواغ صقره النزور، ولقد نعب الطلقاء أمرًا عظيمًا، وخطبًا جسيمًا، كأنهم أصحاب الفتح أو أهل بدر بل هم والله من أبقاهم المن وقددهم السيف
стр. 7948
أين الآخر من الأول، وأين من تطاول ممن تطول؛ أنَّى يقاس ابن أبي طالب بابن أبي سفيان، وابن أبي قائد الكفر من ابن عتم عمّ الإيمان، وأين من كان يعبد الصنم ممن لم يعبد إلا الرحمن ربيب النبي ﷺ وأول سابق إلى الإسلام خصه رسول الله ﷺ باخائه، وأشبه حيث قلد البدن في سخائه.
وقد جاء: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». وكان عمر يعرض عليه الحكم فأفتاه حيث شك، فقال: «لولا علي لهلك عمر».
وبلي بالتواء الناس عليه وتقاعد أهل العراق عنه ونهوض أهل الشام إليه إلى أن انتقل على يد ابن ملجم - لعنه الله - إلى جوار ربه، ويسبق صحبه.
ومنه عقود الحسب، وعليه عمود النسب، وهناك أشرح ما أشرح به صدري وكل صدر، وافتح بابًا يعرف داخله إلى أن ينتهى كل قدر.
ثم بأيام مكث ابنه الحسن بن علي ﵉ في الخلافة تمت المدة لتمام ثلاثين سنة حقًا لا مفروضًا، وقولًا صدقًا لا منقوضًا، وحديث الخلافة بعدي ثلاثين سنة حقًا ثم يكون ملكًا عضوضًا.
[نسب آل أبي طالب] (١)
وحيث انتهى بنا هنا المعاج فنقول: مشاهير ولد أبي طالب: عقيل، وجعفر،
стр. 7949
وعلي ﵃ ولنسل كل منهم فريق، ونسب عريق، ولعلي عليهم التقديم، ومنه مخرج النسب الصحيح.
وقد ولد منهم أولاد العقب منهم في خمسة؛ وهم: السيدان السبطان الشهيدان الإمامان: أبو محمد الحسن، وأبو عبد الله الحسين وأمهما سيدة نساء العالمين البتول الطاهرة، والبضعة الزاهرة؛ أم الحسن فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، ومحمد ابن الحنفية، وعمر الأطرف، والعباس السقاء.
وعلى كل واحد من السيدين السبطين الطاهرين الحسنين لهذا البيت الشريف عمود نسب، وعقود حسب؛ ولهما على بني أبيهما شرف الأموية بالبضعة الشريفة. ولها من المناقب ما لا يسعه هذه الكتاب، ولا هذا موضع الإطناب، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
وحدثني شيخنا حجة الأدباء شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب ﵀ قال: كان شيخنا شيخ الإسلام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي الحنبلي (١) يقول: لعن الله الرافضة ما خلونا نتهنأ
стр. 7950
بحب آل بيت نبينا، يعني لتشنيع الناس على من أظهر محبتهم بالرفض.
قال: ثم أنشدنا لنفسه: [من الخفيف]
إن شئت تمدح قومًا … لحبهم لا لعلة
فاخصص بمدحك قومًا … هم البدور الأهلة
حديثهم عن أبيهم … عن جبرئيل عَنِ الله
قلت: وكان الشيخ أبو الفرج ينظر في قوله «لعن الله الرافضة» (١) إلى قول الإمام الحجة أبي عبد الله محمد بن أدريس الشافعي (٢) ﵀: [من الكامل]