وقوله (١): [من الكامل]
قصرت جفوني أم تباعد بينها … أم صورت عيني بلا أشفار
خفت الكرى حتى كأنَّ غراره … عند اغتماض العَيْنِ وخز غرار
وقوله (٢): [من البسيط]
وفي الهوادج ريم لو هَصَرْتَ ضحى … ماءَ النَّضَارَةِ مِنْ خَدَّيهِ لا نعصرا
هيفاء فاترة الألحاظ مقلتُها … وأَقْتَلُ اللحِظ للعشاق ما فَتَرَا
إن كنت ممن له في نفسِهِ أرب … فامنع جفونك يوم الموقف النظرا
ترمي الجمار وتذكي في قلوبهم … جمرًا يكون له أنفاسُهُمْ شَرَرا
وربَّ صَبّ تمنّى أنهُ حَجَرٌ … في البيت حينَ أَكَبَّتْ تلثم الحَجَرا
وقوله (٣): [من الكامل]
نفس «الشريف» كحلة موشية وإذا تنا … هت طرزت بجدودها
فإذا اعتبرت أصوله وفروعه … ايقنت أنَّ دُخَانَها مِنْ عُودِها
ومحاسن الأشياء في تركيبها … طوق الحمائم خِلْقَةٌ في جيدها
وفضائل الإنسان تتبع أصلَهُ … قطع الصوارم تابع لجديدها
أترى نَبِيها من ولادة حامل … لا تنسل الأشبال غير أسودها
إن كان أولاد الوصي كوكبًا … فاعلم بأنكَ أَنْتَ سَعْدُ سُعُودِها
نَقَلُوا فضائلهم إليكَ كأَنَّها … زَرَجُونَةٌ نُقلت إلى عنقودها
وقوله (٤): [من الطويل]
أكلف أقلامي تبلغني المنى … وقد عجزت عنها الردينية السُّمْرُ
فإن لم تُنل بالسمر تخضبُها الدِّما … فأَهْوِنْ بأقلام يخضبها الحبر
فَعَدٌ عَنِ الأقلام واستنصر القنا … وسيفكَ إِنَّ النصل في حده النصر
سأنفي الأذى عني وشيكًا بفتيةٍ … طعانُهم نظم وضربهم نَثْرُ
وما تنجح الأقلام إلا بكاتب … ومِخْلَبُ غير الليث في كفِّهِ ظُفْرُ
سهام إذا ما راشها ببنانه … أصيب بها قلب البلاغة والنَّحْرُ
стр. 8017
يخبر عمّا في الضمير كأنما سواد … سويدا واتهنَّ بهِ خُبْرُ
فيا عجبًا للطرس كيف جفافه … وفي كل عقد مِنْ مسارِبِها نَهْرُ
ولا عجبًا أن يلفظ الدر قائلًا … فعادتُهُ أن يلفظ اللؤلؤ البحر
وقوله في الكتاب (١): [من الكامل]
لما تأمل ما حواه كميهمْ رَقَصَتْ … بناتُ الرُّعب في أحشائه
فكأن أسطرَهُ خميس عَرَمْرَمٍ … وهلال رايته استدارة رائه
وقوله (٢): [من الكامل]
يخفي النوال بجهدِهِ فَيُذِيعُهُ … وأماتَهُ المعروف مِنْ إحيائه
ما زال يطرد مالَهُ بعطائه … حتى حَسبنا المال من أعدائه
وقوله: [من البسيط]
يَبَدُّ بالوفد حتى خلتُ وافدَهُ … وافى يُهنيه بالتأخير في الأَجَلِ
علا فما يستقر المالُ في يَدِهِ … وكيف يُمسك ما في قنَّةُ الجبل
وقوله (٣): [من الكامل]
ساس الأقاليم العظام بكفِّهِ … قلم يفلّ شَبَا الخُطُوب شباه
متصرف أني يشاءُ بكفّه … ويمينِهِ لا في يمين سواه
قلم بجُلْقتِهِ المنايا والمُنى … كالصِّلِّ فيه سمهث وشفاه
وقوله (٤): [من الكامل]
والبيضُ مِنْ تحتِ الغُبارِ كأَنَّها … جمرٌ تألق في دخان رماده
يكسو المُدجَّجَ مِجْسَدًا بدمائِهِ … فيعودُ منه لابسًا لحداده
وقوله: [من الكامل]
أرأيت سيفًا غيرَ طَرْفِكِ صارمًا … يُغرِي رقاب القوم في إغماده
إنَّ الهوى ضد العقول لأنه … يبغي جاذرُه على آساده
وقوله: [من الطويل]
خليلي هل من رقدة أستعيرها … لعلي بأحلام الكرى أستنريرها
стр. 8018
هلالية الأنساب والبُعْدِ والسَّنَى … فلستُ بغير الوهم يومًا أزُورُها
يحف بها في الطعن منْ آلِ عامر … بدور دجى هالاتهن خودها
إذا خَطَرَتْ من دار حمدة خطرةً … على مُهجتي كاد الهوى يستطيرُها
وأطلب منها ردَّ نَفس بكفّها … وهل ردّ نفسًا قبلها مستعيرها
منها في ذكر الليل والناقة:
وسرتُ والليل الأحم شبيبةٌ … على كلِّ أفق والصباح قتيرها
فهواجر قال أمون كأنما … على سنهِ مِنْ قوس نبع جريرها
يخيل لي أن الفيافي مصاحف … ودامي آثار المطي عُشُورُها
وقوله (١): [من الطويل]
أحبُّ النوى لا عَنْ قلى غير أنني … أَرَى أم عمرو والنوى أبدًا معا
وفيها وفي أترابها لي منظر … هو الروض لو صادفت في الروض مرتعا
منها:
فتى ماله للوافدين وإنما … يُضاف إليه في الكلام توسعا
إذا باشر الدنيا فللجودِ لا لَها … إذا راقب المرء الظلام ليهجعا
سعى للعلا حتى إذا ما أصابها … أتتهُ العُلا تسعى إليه كما سعى
وقوله: [من الطويل]
ولما وَقَفْنا للوداع ودمعها … ودمعي يبان الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤًا رطبًا وفاضَتْ مدامعي … عَقِيقًا فصار الكل في نحرها عِقْدا
وقوله (٢): [من الخفيف]
أقْرَحَ الدمع خدها فرأينا … قهوةً شُعشعت بماءٍ قَرَاحٍ
وترشفت ريقها فكأني … أرشفُ الطَّلَّ مِنْ ثغور الأقاحي
وقوله (٣): [من الوافر]
زرعت بخدها روضًا بلثمي … ففي وجناتها منه اخضرار
لعينكِ وخزة في كلِّ قلب … أأشفارٌ جُفُونُكِ أم شفار
كأن مواقع التقبيل منه … رمادٌ جامد والخد نار
стр. 8019
وقوله (١): [من الكامل]
تبدو أبوتُهُ بغُرَّة وجهِهِ … وعلى شمائله وإن لم يُنسب
وقوله (٢): [من الكامل]
وتمج في قرطاسِهِ أقلامُه … ظُلَمًا مواقع نفعها أنوار
فصريرها من حسنه في سمعنا … نَعَمٌ وفي سَمع المعادي زار
إنَّ المخالب في يدي ليثِ الشَّرَى … قُضُبٌ وفي يد غيره أظفار
وقوله (٣): [من الطويل]
وأشقر كالدينار رقّ أديمُهُ … وراقَ إلى أنْ كانَ باللحظ يُشرَبُ
أغر كأنَّ الوجه منه مُفضّضٌ … وما قارب الأرساغ والكلُّ مُذْهَبُ
منها في السيف والرمح:
من البرق في الهامات يصدقُ ومضُهُ … على أنَّ أيماض الصوارم خُلَّبُ
كأنَّ سنان الرمح سِلْكٌ منظّم … ورُوسُ العدا فيهِ الجُمانُ المُخضَبُ
وقوله (٤): [من الطويل]
لقد نَسِيَتْ «طي» بجودِكَ حاتمًا … وأغناهم عن غائب الفخر حاضرة
ومَنْ جادَ من طي شكرناك دونَهُ … لاعطائِكَ الجود الذي هو ناشره
ومَنْ يَرِدِ الغدران رجَعَ شكرَهُ … على المُزنِ إِنَّ الغُدْرَ مما تُغادره
إذا ما احتمى بالجيش مَلْكٌ فإنما … بذكر أبي الداود تُحمى عساكره
مواهبه مما أفادت سيوفُهُ … ولولا بُروقُ المُزنِ ما انهل ماطره
وقوله (٥): [من الطويل]
والأقحوان على الشقائق ناثرًا … أوراقه نثر القطار سحابها
فتراهما كالكأس عند طلوعِها … هذا لها راح وذاك حَبابها
وقوله (٦): [من الطويل]
أصابَ العُلا في أول الأمر إنما … يصيب بأولاها الرماح الشواجرُ
هو الطاعن النَّحْلاءَ لا يبلغ امرؤ … مداها ولو أن الرماح مسابر
стр. 8020
يُلبيهِ مِنْ آلِ المفرج إِنْ دَعَا … أسود لها بيضُ السيوف أظافر
تراه لقرع البيض بالبيض مُصغِيًا … كأنَّ صليل الباتراتِ مَزَاهِرُ
وحقَّتْ بِهِ الآمَالُ مَنْ كل جانب … كما حف أرجاء العيون المحاجر
بسيفك نالت طيء مالوَأنها … تمنته لم تبلغ إليه الضمائر
منها:
كأن سنان الرمح سلك لناظم … غداة الوغى والدارعين جواهر
يرد أنابيب الرماح سواعدًا … ومِنْ زَرَدِ الماذي فيها أساور
له بين أوداج الكُماة موارد … وبين صدور المارقين مصادر
تعمد حبات القلوب كأنَّما … خواطره عند القلوب خواطر
وقوله في لابس أخضر (١): [من الكامل]
يستن في خُضْر البرود كأنه … غصن ثنته الريح في أوراقه
وكأنما زُرَتْ جُيُوبُ قميصِهِ … فوقَ الصباح فتمَّ مِنْ أطواقه
وقوله: [من الكامل]
ومدامة نظم الراح لجيدِها … عِقْدًا فحلاها وكانت عاطلا
جعلوا غلائلها الكؤوس فَأَلْبَسَتْ … من نورها بيض الكؤس غلائلا
وإذا السقاة تناولوها طَرَّزَتْ … بالنُّورِ أطرافًا لهم وأناملا
وقوله (٢): [من الطويل]
فتاة أرى الدنيا بما في نقابها … وألقى بما في مُرْطِها جنّةَ الخُلْدِ
مِنَ الوَرْدِ خداها مِنَ الدرّ ثغرها … على أنّ رَيَّاها مِنَ العنبر الوَرْدِ
وقوله (٣): [من الطويل]
رفع في ذيل الدجى فَلَقُ الضُّحى … كما رفعت بيض الخباء عمادُ
وأحدق بالليل الصباح كأنه … بياضُ لعين والظلام سواد
وقوله (٤): [من الوافر]
وأحداق الحدائق ناظرات … إليّ بأعين الزهر البديع
وفُرِّقَ لؤلؤ الأنواء فيها … كما امتلأت عيون مِنْ دُمُوعِ
ولستُ بواثق بجفون عيني … وقد أظهرت ما أخفت ضلوعي
стр. 8021
ومَنْ يستكتِمُ الأجفانَ حُبًا … فقد أَلْقَى هواهُ إلى مُذيع
وقوله (١): [من الكامل]
والصبحُ قد أخذتْ أناملُ كفِّهِ … في حَلِّ حبٍّ للظلامِ مُزَرَّرِ
وقوله (٢): [من البسيط]
بيضَاءُ تسحبُ ليلًا حسنُهُ أبدًا … في الطُّولِ منهُ وحسنُ الليلِ في القِصَرِ
[بنو زيد بن الحسن المثنى]
وأما بنو زيد الجواد بن المثنى (٣) فمنهم الطبرستانيون الأئمة بها، وسيأتي ذكرهم في الدول إن شاء الله.
وأما من سواهم منهم أعني من بني زيد الجواد، فقد ذكر مؤلف الكنوز:
أن زيدًا الجواد بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي، ولاه أبو جعفر المدينة؛ لأنه لم يدخل في شيء مما دخل فيه أهله من طلب الأمر.
وكان كريمًا أديبًا، وفيه يقول أبو عاصم محمد بن حمزة: [من الوافر]
لهُ حَقٌّ وليس عليهِ حق … ومهما قالهُ الحَسَنُ الجميل
وقد كان الرسولُ يرى حقوقًا … عليهِ لغيرهِ وهو الرسول
ومن بنيه البطحانيون، والشجريون.
والبطحانيون: من ولد محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد هذا، ومنهم: الحسين بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد. وكان من شرفاء مكة وشعرائها، ومن شعره قوله: [من الطويل]
عَدِمْتُ خليلًا لا يدومُ لهُ عهدُ … ولا يستقيمُ الدهرَ مِنْ صفوهِ وُدُّ
لهُ كلُّ يومٍ ألفُ ذنبٍ مُسْتَر … لها ألفُ عذرِ إِنَّ هذا هو الجهدُ
والشجريون من ولد عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن الحسن بن زيد الجواد، ومن ولده طلحة بن القاسم بن علي بن أحمد بن الحسين بن الشجري.
ذكر ابن سعيد: انه لقيه بشهرابان من ثنيات بغداد في طريق خراسان، وهو بأرض له شجر تعرف بالرقة عاريًا من خلل الحضارة حاليًا بالآداب.
قال: إن أباه أحيا تلك الأرض حتى صارت تمد أشجارها، وترن أطيارها وتسيح أنهارها.
стр. 8022
قال: ولما مات أبي، ورثنا هذه الأرض منه واشتغلنا بها، ولم أكن قد ذقت حلاوة الأدب حتى اجتاز بنا نور الدين علي بن حميدان النهاوندي آيبًا إلى بلده بعد ما تأدب ببغداد وتهذب، فحالت بينه وبين مقصده الوحول والسيول فأقام عندنا مدّة، فدخل كلامه سمعي فرغبت إليه أن يقيم عندنا مدة فأقام فهوى غلامًا لأجله حتى التحى الغلام فأخذنا أهل هذا المكان، وأنا واحد منهم.
قال: وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الرمل]
مَرَّتِ اللَّذّاتُ إِلّا … ذِكْرُها في كُلِّ فَنِّ
واللَّيالِي خادِعاتٌ … بَعْدَ هذا بالتَّمَنِّي
قال: وأنشدني للنهاوندي: [من المجتث]
طابَ الزَّمانُ فَأَطِيبوا … ولِلكُؤوسِ أَنِيبوا
وراجِعوها سرورًا … وبَعْدَ ذلكَ تُوبُوا
ومنهم: محمد بن الحسين بن الحسن بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد الجواد. وكان له أحد عشر أخًا، كل منهم اسمه علي ويختلفون بكناهم.
ومنهم بنو عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد الجواد، وهم أحد عشر أخًا تفرقوا على البلدان في طلب الأمر، وتحكمت فيهم الحوادث وأشهرهم جعفر بن عيسى، وخرج ببلاد الرخج، وله شعر.
ومنهم - أعني ولد زيد الجواد - ناصر بن مهدي العلوي الرازي الوزير. كان يكتب السر للامام الناصر.
ثم ولي نقابة الطالبيين، ثم وزر فاستبد واستخف بالكبراء وآخر أمره أنَّ الناصر عزله وحبسه في موضع خفي حتى مات سنة سبع عشرة وستمائة، وهو آخر مافي الكنوز من ولد الحسن بن علي.
عدنا إلى قول ابن بكار.
قال: وأما أولاد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، فولد إبراهيم خمسة وهم: إسماعيل، واسحاق، ويعقوب، وعلي، ومحمد.
فأما إسماعيل، فولد الحسن وإبراهيم، وولد الحسن بن إسماعيل الحسن بن الحسن؛ وولد إبراهيم الحسن واسماعيل والقاسم ومحمدًا وهو الذي خرج مع أبي السرايا بالكوفة.
وأما إسحاق، فولد عبد الله الجدي، وله ذكر.
وأما علي فولد الحسن، وولد الحسن محمدًا وإبراهيم، وكلاهما له ذكر.
стр. 8023
فهؤلاء هم جملة المشاهير من ولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي.
وأما أولاد جعفر بن الحسن بن الحسن، فولد جعفر إبراهيم، وحسنا، ولد حسن عبد الله، ولد عبد الله عبيد الله وولاه المأمون الكوفة ثم مكة.
وأما أولاد داود بن الحسن بن الحسن بن علي فولد عبد الله وسليمان، وولد سليمان محمدًا، وأخذ المدينة أيام أبي السرايا.
وأما ولد زيد بن الحسن بن علي، فولد الحسن وولاه المنصور المدينة هذا ما ذكره ابن بكار إلا ما نبهنا. ومما ذكره غيره فقال: ولد علي بن الحسن بن علي محمدًا، ولد محمد أولادًا منهم جعفر، وولد جعفر محمدًا وموسى، وولد موسى أولادًا منهم: إبراهيم وجعفر، فقام إبراهيم باليمن في عهد المأمون واستولى عليه. ثم قام بعده عمه محمد، ثم خلع نفسه ودخل في طاعة المأمون ومات في صحابته بجرجان.
وأما جعفر بن موسى فولد الحسن، وولد الحسن محمدًا وعليًا، وقام محمد بالمدينة زمان المعتمد، ثم قام بعده أخوه علي.
وأما زيد بن الحسن بن علي - المذكور آنفًا - فولد الحسن، وولد الحسن السيدة نفيسة (١) ﵂ وكانت تحت إسحاق بن جعفر الصادق، وأولدها ولدًا اسمه
стр. 8024
القاسم؛ وهي السيدة الجليلة ذات الصلاح والبركات الظاهرة، والآثار الباقية، وقبرها ما بين مصر والقاهرة، وبركاته حافة بهما وبمن فيهما، ولا يستطيع ذو عقل صحيح وفكر سليم أن ينكر فضائلها، وما يظهر على الزائرين لضريحها من أمائر اليمن ويتسهل لهم من نجاح المقاصد، وبلوغ المطالب.
ولقد كان عندي وقفة في أمرها لكلام وعته أذني وقبله خاطري، لقول سمعته من بعض أكابر العلماء ثم ظهر لي خطأ رأيه فيه لأمور نويتها وسألت الله فيها بشرفها وسلفها فلم ألبث أني رأيتها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما انعقد عليها إجماع الجم الغفير في مثل هذا الإقليم العظيم قبليه وبحريه ريفه وصوفه وأهل حاضرته وباديته وقاصيه ودانيته وعامره وشاسعه فانك لا تجد أحدًا به إلا يتوسل بها ويتحسب بذممها، وكلهم على لسان واحد بأن أسبابه تقرّب كل بعيد، وأن بابها للنجح باب صحيح مجرب.
وهي في مشهد عظيم اعتنت به الهمم، واعتلت في إشادة ذكره الأمم، ويحمل إليه من الشمع والزيت وقناديل الذهب والفضة وستور الحرير وغير ذلك ما يقام عليه ديوان كامل لاتراح أقلامهم، ولا تغلق دفاترهم.
وأما عبد الله بن الحسن بن علي، فولد إدريس، وولد إدريس عمر، وولد عمر عبد الله، ولد عبد الله عليًا، وولد علي أحمد، وولد أحمد ميمونًا، وولد ميمون حمودًا، ولد حمود عليًا والقاسم، فقام علي بن حمود على سليمان بن الحكم الأموي بالأندلس وتلقب بالناصر واستقام له الأمر، وتم له كلمة الخلافة هناك، ثم قام بعده أخوه القاسم ويلقب بالمأمون، ثم ثار على القاسم المأمون ابنا أخيه أدريس ويحيى فقام أدريس بطنجة، وقام يحيى بالجزيرة الخضراء وتلقب بالمعتلي، ثم استقل سنه، ثم قتل.
ثم عادت الدولة الأموية بالأندلس على ما كانت، وراجعت كفؤها منهم كأنه عنه ما بانت، وسيأتي إن شاء الله ذكرهم مبسوطًا في موضعه.
وأما الأدارسة بفاس، فقد قدمنا ذكر الداخلين إلى الغرب من أهل هذا النسب، وللناس أقوال شتى في الداخلين إلى الغرب؛ إلا أنه لا ينكر عارف بالنسب أنَّ الذين بالمغرب من أولاد الحسن، والذين بالمشرق من أولاد الحسين، وإلى هذا ذهب الشريف الجواني.
والذي أقوله: إنَّ أهل هذا البيت الطاهر كالمصابيح حيث كانوا أضاءوا، وكالسرج حيث كانوا فاءوا، فما كانوا في مكان إلا كانوا قبلته؛ إن كانوا في المشرق كانوا شموسه، أو في المغرب كانوا أهلته - فرحمهم الله ورحمنا بهم ورضي عنهم وعنا بسببهم.
[السبط الثاني أولاد الحسين ﵇]
وأما السبط الثاني وهم أولاد الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب -
стр. 8025
﵃ أجمعين - وهم وأن كانوا هم وإخوته أولاد الحسن لأب وأم، فانهم أهل التقدم عند شيعة هذا البيت، وجمهرة النسب الشريف منهم، ولهم التفضيل ولجملتهم في عدد المناقب حسن التفضيل، ومنهم الأئمة الأطهار، ومنهم تدفقت الجداول والأنهار، وعنهم أخذت علوم أهل البيت، ورويت عنهم الرواية، ونقلت الآثار، ونقدت الأخبار. ونحن نذكرهم - وبالله التوفيق - وكلامنا فيهم على ثلاثة أقسام:
فالأول: في ذكر الأئمة منهم.
والثاني: في ذكر طبقات ولد الحسين إلى آخر ما ذكره ابن بكار، وقد جعلته ثلاثين طبقة، دخل بعض الأئمة المشار إليهم فيهم؛ فأما الأئمة الحادثة موالدهم بعد ابن بكار، فاكتفينا بذكرهم في القسم الأول.
الثالث: في مشاهير من تملك منهم، أو ممن انتسب إليهم.
فالأول نقول: ولد الحسين بن علي عليًا الأكبر (١)، وقتل مع أبيه يوم كربلاء.
وكان يحمل في جيش ابن زياد ويقول: [من الرجز]
أنا علي بن الحسين بن علي
أنا وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
وليس هو من الأئمة؛ وإنما ذكرناه أنه غير علي - أخيه زين العابدين - ليزول اللبس لموافقة التسمية.
[الإمام علي بن الحسين زين العابدين ﵇]
ثم يرجع إلى ذكره إذ هو الذي عليه عمود النسب فنقول: وولد الحسين بن علي عليًا الأصغر (٢)، وأمه أم ولد وهي شهريار بنت يزدجرد [بن] شهريار، ومنه العقب.
وكان أبر الناس بأمه. وكان لا يأكل معها في صحفة واحدة، فسئل عن ذلك؟ فقال: أخشى أن تسبق يدي إلى ما وقعت عينها عليه فأكون قد عققتها.
وسقط ابن له في بئر وهو قائم يصلي فما زال عن مصلاه، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما شعرت! إني كنت أناجي ربًا عظيمًا.
وكان قوم بالمدينة يجيئهم الذهب صررًا في الليل، ولا يعلمون ممن؛ فلما مات فقدوها فعلموا أنها كانت منه.
وكان له ابن عم لا يصله فإذا كان في الليل تنكر وأتاه بالدنانير فيعطيه إياها ولا يعلمه بنفسه فكان لايزال يشكو جفاءه له فلما مات، انقطع عنه طارق الليل ودنانيره، فعلم حينئذ الخبر فجاء إلى قبره يبكي عليه.
وقيل له: إن نافع بن جبير يقول: كان معاوية يسكته الحلم وينطقه العلم، قال: كذب، بل كان يسكته الحصر، وينطقه البطر.
وقيل له ما أشدّ بغض قريش لأبيك؟! فقال: لأنه أورد أولهم النار وآخرهم العار.
ومن كلامه الندبة، وهي التي لا يكاد شيعي ذو نباهة يخلو من حفظها، وهي طويلة.
ومنه وقد سمع وهو يحاسب نفسه، ويناجي ربه، ويقول: يا نفس حتام إلى الحياة سكونك؟ وإلى الدنيا وعمارتها ركونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، ومن وارته الأرض من ألافك؟ ومن فجعت به من إخوانك؟ ونقل إلى البلاء من جيرانك؟ [من الطويل]
فهم في بطون الأرض بعد … ظهورها، محاسنهم فيها بوال دوائر
خلت دورهم منهم وأقوت عراضهم … وساقتهم نحو المنايا المقابر
تخلّوا عَنِ الدنيا وما جَمَعُوا لها … وضمتهم تحت التراب الحفائر
قال ابن بكار: وكان يكنى أبا الحسن، وزعم آخرون أنه يكنى أبا محمد، والأول أثبت؛ وهو الملقب زين العابدين. وكان نقش خاتمه «حزن وشقي قاتل الحسين وماتوفيقي إلا بالله».
ولد بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في الثالث من شعبان، وقيل: في الخامس، وقيل: في منتصف جمادى الأولى.
стр. 8028
وتوفي يوم السبت ثالث عشر المحرم سنة خمس وتسعين وقد أناف على سبع وخمسين سنة بالمدينة ودفن بالبقيع.
ويقال: إنَّ الوليد بن عبد الملك دس عليه سمًا مات به.
وكان علي الأصغر مع أبيه - وهو يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة - وكان مريضًا، فلما قتل الحسين، قال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض، قال علي بن الحسين: فغيبني رجل منهم وأكرم نزولي واختصني وجعل يبكي كلما دخل وخرج حتى كنت أقول: إن يكن عند أحد خير فعند هذا، إلى أن نادى منادي عبيد الله بن زياد: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم، قال: فدخل علي والله وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عنقي وهو يقول: أخاف، وأخرجني إليهم مربوطًا حتى دفعني إليهم، وأخذ ثلاثمائة درهم، وأنا أنظر، فدخلت على ابن زياد و فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، قال: أولم يقتل الله عليًا؟ قال: قلت: كان أخي يقال له: علي أكبر مني قتله الناس، قال: بل الله قتله، قلت: الله يتوفى الأنفس حين موتها فأمر بقتله فصاحت زينب بنت علي: يا ابن زياد حسبك من دمائنا بالله إن قتلته إلا قتلتني معه فتركه: فلما/ ٤٢٦/ صار إلى يزيد بن معاوية قام رجل من أهل الشام، فقال: إن سباياهم لنا حلال، فقال علي بن الحسين: كذبت ما ذاك لك، إلا أن تخرج من ملتنا، فأطرق يزيد مليًا، ثم قال لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك فعلت، وإن أحببت وصلتك ورددتك إلى بلدك، قال: بل تردّني إلى المدينة فرده ووصله.
وكان يقول: أحبُّونا حبّ الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا.
وقال له رجل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال: منزلتهما اليوم.
وعن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال: قدم المدينة قوم من أهل العراق فجلسوا إلي فتذاكروا أبا بكر وعمر فسبوهما ثم ابتركوا في عثمان ابتراكًا، فقلت لهم: أخبروني أنتم من المهاجرين الأولين الذين قال الله: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)
قالوا: لسنا منهم، قلت: أنتم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)؟ قالوا: لسنا منهم، قلت لهم: أما أنتم فقد تبرأتم من الفريقين أن تكونوا منهم، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
стр. 8029
وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (١) قوموا عني لا قرب دوركم فانكم مستترون بالإسلام، ولستم من أهله!
[الإمام محمد الباقر ﵇]
وولده الإمام أبو جعفر محمد الباقر (٢). لقبه باقر علم الدين؛ ولقب بهذا؛ لأنه بقر بطن العلم، واطلع على ما فيه. وأمه أم عبدة فاطمة بنت الحسن بن علي.
стр. 8030
ونقش خاتمه «العزة لله جميعًا».
ولد بالمدينة سنة سبع وخمسين يوم الجمعة ثالث صفر، وقيل رجب؛ وتوفي يوم الإثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، ودفن بالبقيع.
قال الحافظ ابن عساكر: مات مسمومًا.
وفيه يقول مالك بن أعين الجهني: [من المتقارب]
إذا قيل: أنتَ ابنُ بنتِ الرسولِ … نلت بذلك فرعًا طوالا
نجوم تهلك للمُدلجين … جبال تورث علمًا جبالا
وسئل: لم فرض الله الصوم؟ فقال: ليجد الغني مس الجوع فيحن على الضعيف.
وجهز رجلًا إلى العراق فقال له: أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن برئ من أبي بكر وعمر.
وقال لابنه جعفر الصادق: إنَّ سبّهما من الكبائر فلا تصل خلف من يسبّهما.
وقال يومًا لأصحابه: إنه يدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدنانير والدراهم؟ قالوا: لا، فتبسم، ثم قال: فلستم إذًا باخوان.
وكان يقول: المسترسل موقى، والمحترس ملقى.
وأتى يومًا قبر أبيه فوقف عليه ثم أطال النظر إليه، وقال: [من الكامل]
ما غاض دمعي عندنائبة … إلا جعلتُكَ للبكا سببا
إنّي أُجلُّ تَرى حللت به … من أن أرى بسواه مكتئبا
وحج هشام بن عبد الملك فدخل المسجد الحرام متكئًا على يد سالم مولاه، ومحمد بن علي بن الحسين جالس في المسجد، فقال له: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال له محمد: يحشر الناس على مثل قرصة النقي فيها الأنهار مفجرة؛ فرأى هشام أنه قد ظفر به، فقال: الله أكبر!، اذهب فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟ ففعل، فقال له محمد بن علي؛ قُلْ له: هم في النار أشغل ولم يشغلوا أن قالوا: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، قال: فظهر عليه محمد بن علي.
[الإمام جعفر الصادق ﵇]
وولده جعفر الصادق (٢)، لقبه الصادق ويكنى أبا عبد الله. وأمه أم فروة بنت
стр. 8031
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان يقول: ولدني الصديق مرتين يتبجح بهذا.
ونقش خاتمه «أنت غياثي فاعصمني من النار».
ولد بالمدينة يوم الاثنين رابع عشر من ربيع الأول، وقيل: ثامن شعبان سنة ثلاث وثمانين.
وتوفي يوم الاثنين منتصف رجب، وقيل: شوال سنة ثمان وأربعين ومائة مسمومًا في العنب، ودفن بالبقيع، وعمره خمس وستون سنة وثلاثة أشهر ويوم.
وله معرفة العلم اللدني والأسرار المخفية، وعنه أكثر ما ينقل من أخبار أهل البيت ﵈ وعلومهم.
وله الكلام المشهور في حقائق الأمور والحديث في الحدثان والكائنات، وغلامه جابر إليه ينسب علم الكيمياء يقال: إنه أخذه عنه.
ومن كنوز المطالب: أنَّ الشيعة الخراسانية الذين قاموا بدعوة بني العباس خاطبوه بأن يخطبوا له، ويقوموا بدعوته فلم يجبهم إلى ذلك لما كان عنده من العلم
стр. 8032
والآثر في دولة بني العباس.
وزعموا أنه كان ينفق من تحت مصلاه من غير أن يكون هنالك شيء.
وبلغه أن الحكم بن عياش الكلبي قال حين قتل زيد (١): [من الطويل]
صلبنا لكم زيدًا على جذع نخلة … ولم نَرَ مهديًا على الجِذْعِ يُصلَبُ
وقستم بعثمان عليًا سفاهَةٌ … وعثمان خيرُ مِنْ عليّ وَأَطيبُ!
فبلغه قوله، فرفع يديه إلى السماء وهما يرعشان، وقال: اللهم إن كان كاذبًا فسلط عليه كلبك، فبعثه بنو أمية إلى الكوفة فافترسه الأسد، واتصل خبره بالصادق فخرّ لله ساجدًا، ثم قال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعد.
[الإمام موسى الكاظم ﵇]
وولده موسى الكاظم (٢) هذا لقبه، وقيل: الحليم، والأول أشهر. ويكنى أبا
стр. 8033
الحسن، وأبا إبراهيم. وأمه أم ولد بربرية يقال لها: حميدة.
ونقش خاتمه «كرم الله عليّ أوجب طمعي في رحمته».
وكان أبوه مفرط المحبة فيه.
وكان الكاظم يلبس زي الأعراب. وكان كثير التردد بين الحرمين، ومولده ومشأؤه بالمدينة.
ورامت الإمامية إظهار دعوته في البلاد فلم يقدر على ذلك، فجرت في الخفية مع آبائه. وذكر له أن الهادي قد هم به، فقال لأهل بيته: بماذا تشيرون؟ قالوا: نرى أنك تتباعد عنه، فانه لا يؤمن شرّه، فقال: [من الكامل]
زعمت سخينة أن ستغلبَ رَبَّها … وليغلبن مغالب الغلاب
ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: إلهي كم لي من عدو قد شحذ ظبة مديته، وارهب شبا حدّه، وداف لي قواتل سمه، ولم تنم عيني عن حراسته؛ فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن ملمات الجوانح، صرفت ذلك عني بحولك وقوتك لا بحولي وقوتي فالقيته في الحفير الذي حفر لي خائبًا مما أمله في دنياه متباعدًا مما رجاه في أخراه، فلك الحمد على ذلك قدر استحقاقك سيدي؛ اللهم خذه بعزتك وافلل جده عني بقدرتك، واجعل له شغلًا فيما يليه، وعجزًا عما يناويه. اللهم وأعدي عليه عدوى حاضر يكون من غيظي شفاء، ومن حنقي عليه وفاء. وصل اللهم دعائي بالإجابة، وانظم شكايتي بالتعبير، وعرّفه عما قليل ما توعدت الظالمين، وعرفني ما وعدت في إجابة المضطرين؛ إنك ذو الفضل العظيم والمن الكريم.
قال: ثم تفرق القوم، فما اجتمعوا إلا لقراءة كتاب جاء بموت الهادي. ومن كنوز المطالب حكى ابن سعيد: أنه زار المشهد الكاظمي ببغداد إذ توجه صحبة ابن العديم حين جهز رسولًا إليها. قال: لما وصلنا إلى بابه تلقانا من خدامه من أنزلنا على بعد، ووجد في الطريق إليه صورة قبر متطامن يداس فسألنا عنه فقيل: هذا قبر ابن الحجاج الشاعر أوصى أن يدفن في طريق هذا المشهد ليداس بأقدام زواره؛ فلما
стр. 8034
وصلنا الباب، تلقانا الشرفاء من ولد الكاظم فأمرونا بنزع الأخفاف؛ فلما دخلنا راينا من الجمع المحفل، وأراني الذهب والفضة والستور والشموع والطيب ماملك أبصارنا.
ولما حللنا بالروضة التي فيها قبر الكاظم رأينا قبرًا آخر ذكروا أنه قبر حفيده محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم.
وفي ذلك المشهد ما يطول ذكره، ويهول، أمره، فقام داعي القوم فاستقبل القبر، وكان من دعائه: «اللهم بحق ذرية نبيك الذين هم سفن النجاة وأبواب الجنة وغمائم الرحمة، ومعادن البركة، وأعلام الأرض، ومصابيح الإيمان» ومر على هذا النوع بما أبكى العيون، واقلق القلوب.
ثم ذكر ما جرى عليهم في الآفاق من المحن، وأنَّ ذلك يكون وسيلة لهم وذخرًا إلى يوم القيامة حيث شفاعة جدهم ﷺ قائمة، والأنفس على حوض أبيه حائمة.
قال: ثم سألتُ أحد عقلاء الشرفاء الذين بذلك المكان وقد توسمت فيه الرجاحة والخير: كيف يحتمل هذا بنو العباس؟ فقال: منعوه بجهدهم ثم لما رأوا غلبة القلوب على ذلك، وإنكار العالم لانكاره، أعانوا عليه بالأموال والسلطان ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وقال: عنه إنه شهد به يوم عيد الغدير وذكر ما يهول من إحتفالهم به وقيام خطيبهم فيه، وذكر ما كان يوم الغدير، وما قال رسول الله ﷺ فيه، ثم لا تحلق جماعاتهم لاستماع مداح الشعراء لأهل البيت.
قال: ولم أسمع فيه سبًا للصحابة ولا مثل سوء.
قلت: وللكاظم كلام جزل، وشعر فحل، والطف ماسمع من شعره قوله: [من الوافر] و
كم أرسلت نحوك مِنْ رسولٍ … وما أدى الهوى مثلي رسول
يقولُ بجهده في كلِّ فنّ … ولكن ليس يدري ما يقولُ!
وليس بصدره قلبي فيلقي … إليك هوى أنا منه قتيل
ومن كلامه قوله: من لم يعرف الزيادة، فهو في النقصان، ومن كان في النقصان، فالموت خير له من الحياة.
وكان الرشيد يحبه ويهابه، وكان الناس يقولون له فيه، فيقول: ليس يأتيني منه شر إنه متورع عن سفك الدماء. قال له: ماتغشنانا؟ فقال له: إن غشيتك ذللت لطلب الدنيا، وإن غشيتني أنت وصلت رحمًا طالما قطعت. وكان الرشيد يزوره ويتفقده.
ولد بالأبواء سابع صفر، وقيل: رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة.
стр. 8035
[وتوفي] يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب، وقيل لست خلون منه سنة ست وثمانين ومائة، وعمره خمس وخمسون سنة، ودفن بمقابر قريش ببغداد.
وكان عند ابن شاهك في دار معتقلًا بها موسعًا عليه فيها فسمه الرشيد في رطب.
[الإمام علي الرضا ﵇]
وولده علي الرضا (١) هذا لقبه، ويكنى أبا الحسن.
стр. 8036
وأمه أم ولد اسمها مكتوم، وقيل: ام البنين.
ونقش خاتمه «أنا ولي الله».
ولد بالمدينة يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة، وقيل: منتصفه سنة ثمان وأربعين ومائة.
وتوفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من المحرم سنة ثلاث ومائتين، وعمره خمس وخمسون سنة ودفن بأرض طوس.
وكان المأمون قد عهد إليه فشكا له بنو العباس فخافهم فسم في العنب على يد عبد الله بن بشير، ولما أحس بالموت تمثل بقول الشاعر: [الطويل]
فليتَ كَفَافًا كان خيرُك كلُّهُ … وشَرُّكَ عنّى ما ارتوى الماء مرتوي
ثم جاءه رسول يقول له: ماتوصي به؟ فقال للرسول: قل له: يوصيك ألا تعطي أحدًا ما تندم عليه.
وليس في الإمامية من خطب له بعد الحسن بن علي غيره.
وأتي المأمون بنصراني فجر بهاشمية فلما رآه، أسلم فغاظه ذلك، وسأل الفقهاء، فقالوا: هدر الإسلام ما قبله، فقال الرضا: اقتله فانه إنما أسلم حين رأى البأس، وقد قال الله: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كُنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون.
وعن أبي الصلت قال: كنت معه وقد دخل نيسابور وهو راكب على بغلة شهباء فغدا في طلبه، وقالوا له: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته منهم، فقال: حدثني أبي الكاظم. قال: حدثني أبي جعفر الصادق. قال: حدثني أبي باقر العلوم النبوية. قال: حدثني أبي زين العابدين علي بن الحسين. قال: حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي قال: حدثني أبي سيد العرب علي بن أبي طالب. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الإيمان معرفة بالقلب، واقرار باللسان، وعمل بالأركان»، فقال الإمام أحمد لما سمع هذا: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه، وقيل: إنه قرئ على مصروع فأفاق.
ودخل عليه بخراسان قوم من الصوفية، فقالوا له في كلام قالوه: إنَّ الأمة تحتاج أن لا يلي أمرها إلا من يأكل الحشف ويلبس الخشن ويركب الحمار، ويعود المريض وقال: وكان الرضا متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: قد كان يوسف يلبس أقبية الديباج المزررة بالذهب ويجلس على متكئات فرعون ويحك، إنما يراد من الإمام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، إنَّ الله لم يحرم لبوسًا ولا
стр. 8037
مطعمًا، ثم تلا ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١).
وقال له الفضل بن سهل في مجلس المأمون: يا أبا الحسن الناس مجبورون؟ قال: الله أعدل من أن يجبر ثم يعذب. قال: أفمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.
وسئل عن قول جعفر الصادق: لا جبر ولا تفويض أمر بين أمرين، فما معنى الأفعال؟ فقال: من زعم أنَّ الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا، فقد قال بالتفويض، الأمر بين أمرين وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه.
وكان الرضا أسود. كان أمه سوداء. حكي أنه دخل حمامًا فامتد للراحة في بيت من بيوته فحركه أحد العامة، وقال: يا عبد! يا عبد! قم فأحدمني، فقام فخدمه فبينا هو كذلك، إذ دخل الحمام نفر من خدامه، وقالوا له: ما هذا الذي تصنع؟ فذكر لهم ما جرى بينهما، فقاموا ليضربوا الرجل، فقال لهم الرضا: دعوه ليس له ذنب وإنما الذنب لأبي إذ وضع ذرية النبوة في أمة سوداء.
ولما أصار [إليه] المأمون العهد وقام ابن المهدي ببغداد كان كل منهما أسود فلما دخل المأمون طوس، قرأ على حائط مرّ به: يا من غرر في طلب الخلافة برأسه حتى أدركه بعد قطع رأس أخيه، بأي عقل صرفها على أهل بيتك إلى بيت بينه وبين بيتك عداوة القربة وإحن الثأر وحقود القتل مع ما تدعي من علوم المسلمين والفلاسفة؛ لقد أصبحت ظافرًامنها بخفي حنين، وجئت وأنت نهار بين ظلامين، فقيل: إِنَّ هذا الكلام فعل في خاطره فعلًا عظيمًا، ولم يزل به الفكر حتى سم الرضا.
ثم نهض إلى بغداد فظفر ابن المهدي، ثم قال: الآن خلصت من الظلامين.
ولما أصار إليه المأمون العهد حول الشعار إلى الخضرة، وقال له المأمون يومًا، وهو يلعب معه: ما الشاهد على حقكم في هذه الإمامة؟ قال الرضا: حق أظهرته لا يحتاج إلى شاهد، ثم كتب إليه: [من الطويل]
سأشكر ما أوليتَ مِنْ وَصْل فرقةٍ … مقطعة الأرحام في الغرب والشرق
رعيتم لما حقًا أضاعوه قبلكم … فلا ضَيَّعَ الرحمان ما لكَ مِنْ حق
ووجد المأمون مرّةً على الرضا، فكتب إليه الرضا: [من الطويل]
أعِذْني مِنَ الهجران واستأنف الردا … وجدد بعهد الصلح مِنْ وَصلِنا عَهْدًا
стр. 8038
ولا تطع الواشين في غير غادر … فاني سليمُ الصدر لا أعرفُ الحِقْدا
فرجع إلى ما كان عليه.
ومن كلامه: لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان، إما مستقلل يريد أجر الآخرة أو كريم يتنزه عن لباس الناس.
وقوله: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالمداراة، والعامة بالبشر.
وعزى الفضل بن سهل، فقال له: التهنئة بأجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصاب.
ولما توفي دفنه المأمون بطوس في قبة الرشيد إلى جنبه.
وذكر الحافظ ابن عساكر: انه مات فجأة من عنب أكثر منه، وقيل: بل سم والله أعلم.
[الإمام محمد الجواد ﵇]
ولده محمد الجواد (١) هذا لقبه، ويلقب أيضًا بالتقي، ويكنى أبا جعفر.
وأمه أم ولد مكية يقال لها: الخيزران.
ونقش خاتمه «المهيمن عضدي».
стр. 8039
وزوجه المأمون بنته وأنفذها معه إلى المدينة.
وكانت الإمامية تدعو له سرًا ثم خافه المعتصم فأحضره وأحسن إليه وأظهر السرور بمجاورته فأقام ببغداد حتى مات وصلى عليه الواثق - وهو ولي العهد - ودفن عند جده الكاظم بالجانب الغربي.
وكان كريمًا يهب كل ما يملك. وقال له رجل: اعطني على قدر مروءتك قال: لا يسعني. قال: اعطني على قدري، فاعطاه مائتي دينار.
وولد ببغداد يوم الجمعة في رمضان، وقيل: في رجب سنة خمس وتسعين ومائة. وتوفي يوم الثلاثاء في ذي القعدة، وقيل: في ذي الحجة سنة عشرين ومائتين. وعمره خمس وعشرون سنة، سمه المعتصم، ودفن بمقابر قريش ببغداد.
[الإمام علي الهادي ﵇]
ولده علي العسكري (١)، ويلقب بالهادي، وقيل: المنتخب، وقيل: الفتاح؛ ويكنى أبا الحسن، وأمه أم ولد اسمها سمانة.
ونقش خاتمه «حفظ العهود نيل السعود».
стр. 8040
ولد بالمدينة في رجب، وقيل: في ذي القعدة، وقيل: في ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وتوفي يوم الاثنين ثالث رجب، وقيل: في الخامس والعشرين منه سنة أربع وخمسين ومائتين، سمه المعتز.
وكان المتوكل قد خافه فأشخصه حتى أقام ببغداد، وقيل له عند موته: ألك حق توصي به؟ قال: نعم، روحي والذي أتلفها هو الحاكم في الدنيا وقد أسندت الأمر إلى حاكم الآخرة فلم يمهل الله المعتز فخلع وقتل في السنة الآتية.
[الإمام الحسن العسكري ﵇]
وولده الحسن العسكري (١) هذا لقبه، ويكنى أبا محمد.
وأمه أم ولد يقال لها: حديث.
ونقش خاتمه «أنا شهيد الله».
وقيل له العسكري؛ لأنه ولد بالعسكرية بسرّ من رأى واعتكف فيها في دار أبيه حيث دفن على مطالعة العلم والعبادة، إلى أن مات في خلافة المعتمد، وعمره تسع وعشرون سنة.
ومن دعائه: «اللهم لا تكلني إلى أحد من خلقك وإن كان فيّ محبًا ولي مكرمًا
стр. 8041
فإنَّ المخلوق من شأنه التغيير والنقص».
وترك جارية حاملًا أخذها المعتمد فولدت عنده في داره فغيبه، ثم هرب من داره على ما يذكر.
وولد العسكري بالمدينة يوم الاثنين رابع ربيع الآخر، وقيل في عاشره سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وتوفي يوم الأحد، وقيل: الجمعة ثاني ربيع الأول سنة ستين ومائتين، وقيل: إنَّ المعتمد سمه. ودفن مع أبيه.
[الإمام المنتظر محمد المهدي ﵇]
وولده: محمد المنتظر (١) القائم الحجة، ويكنى أبا القاسم. وأمه أم ولد اسمها نرجس.
ونقش خاتمه «أنا حجة الله».
ولد بسر من رأى صبيحة الجمعة تاسع عشر رمضان، وقيل: نصف شعبان سنة ستين ومائتين، وطلبه المعتمد فخيف عليه فتغيب.
وللشيعة في أمره أقوال.
ومن كنوز المطالب: إنه انتقل بعد وفاة الموفق إلى حبس المعتمد إلى أن فرَّ من محبسه، ودخل دار أبيه وجده وغاص هنالك في السرداب المشهور.
والإمامية تنتظره إلى الآن وتزعم أنه يشبه في طول حياته الخضر، وأنه يخرج فيملأ الأرض عدلًا، وتسمى الفرقة القائلة بهذا الواقفية. وكانت ملوك العجم توقف بغلة على
стр. 8042
باب السرداب، وقال: يا ابن عم أنا صاحب الوقت ومني يخاف مثلك إذا خرج فاخرج فها أنا بين يديك، وأطال الوقوف ويردد هذا القول؛ فلما لم يجد مجيبًا، صرف البغلة.
والمشهد العسكري بين تكريت وبغداد من الجانب الغربي، وهو مسور كالحصن، و به مساكن ودكاكين من بناء الناصر، والأصل بناء عضد الدولة بن بويه.
وللمشهد حرم مختص بالترب الكريمة، وفيه القبة العظمى فيها مدفن الإمامين: الهادي والعسكري، وعليها قبتان من بناء مسلم بن قريش العقيلي، وبقربهما دار العسكري، وفيها السرداب ينزل إليه بدرج من الرخام الملون ينزل منها إلى مكان كالبيت المستطيل في غاية الزخرفة وفي آخره دروزنة صغيرة قدر ما يدخل منها الدارع؛ زعموا أن الإمام دخل منها إلى علم الله، ثم يكون منها خروجه؛ وقومة السرداب يمنون على من مكنوه من أن يدخل يده هناك ليدعو.
فهؤلاء هم أئمة أهل البيت - عليهم سلام الله ورحمته وبركاته - إلى آخر ما ذكره ابن بكار، وهي ثلاثون طبقة لم أرتبها على حكم علو المقعد، ولكن على حكم تقديم ابن بكار.
قال: فولد علي الأصغر بن الحسين: حسنًا ولا بقية له.
وحسين الأكبر ولا بقية له.
ومحمد بن علي - وهو أبو جعفر - قلت: هو الباقر، وعبد الله.
وزيد بن علي (١) قتل بالكوفة قتله يوسف بن عمر زمان هشام بن عبد الملك بعث
стр. 8043
إليه فأخذ بمكة هو وداود بن علي واتهمهما أن يكون عندهما مال لخالد بن عبد الله القسري حين عزل خالد، فقال كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي حين أخذ زيد بن علي وداود بن علي: [من الخفيف]
يأمن له الظبا والحَمامُ … ولا يأمن مِنْ أهل النبي عند المقامِ
طبت بيتًا وطاب أهلك أهلًا … أهل بيت النبي والإسلام
رحمة الله والسلام علكم كلّما … قام قائم بسلام
حفظوا حاتمًا وحردًا … وأضاعوا قرابة الأرحام
قال: ويقال: إنَّ زيدًا بينا هو على باب هشام في خصومة عبد الله بن الحسن في الصدقة ورد كتاب يوسف بن عمر في زيد وداود ومحمد بن عمر بن علي وأيوب بن
стр. 8044
سلمة فحبس زيدًا وبعث إلى أولئك فقدم بهم ثم حملهم إلى يوسف بن عمر غير أيوب بن سلمة فإنه أطلقه؛ لأنه من أخواله.
قال: وبعث زيدًا إلى يوسف بن عمر بالكوفة فاستخلفه ما كان عنده من المال وخلى سبيله حتى إذا كان بالقادسية لحقته الشيعة فسألوه الرجوع معهم والخروج ففعل ثم تفرقوا عنه إلا نفرًا فنسبوا إلى الزيدية، ونسب من تفرق عنه إلى الرافضة.
قال: يزعمون أنهم سألوه عن أبي بكر وعمر فتولاهما فرفضته الرافضة وثبت زيد في الزيدية فقتل وانهزم أصحابه، وفي ذلك يقول سلمة بن الحر بن يوسف بن الحكم: [من الوافر]
وأمتنا جحاجِحُ مِنْ قريش … فأمسى ذكرهم كحديث أمس
وكنا أس ملكهم قديمًا … وماملك يقوم بغيرِ أُس
ضمنا منهم شكلًا وحزنا … ولكن لا محالة من تأسي
وعن الزهري. قال: دخل زيد بن علي مسجد المدينة نصف النهار في يوم حار فرآ سعد بن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم فقاموا فأشار إليهم، فقال لهم سعد بن إبراهيم: هذا زيد يشير إليكم فوقفوا له فجاءهم، فقال: أي قوم أنتم أضعف من أهل الحرّة؟ قالوا: لا. قال: فأنا أشهد أن زيدًا ليس شرًا من هشام فما لكم، فقال سعد لاصحابه: مدة هذا قصيرة. فلم ينشب أن خرج فقتل.
وعن عبد الكريم بن شعيب الححبي. قال: أقبل زيد بن علي فدخل المسجد وفيه نفر من قريش قد لحقتهم الشمس في مجلسهم، فقاموا يريدون التحول؛ فلما توسط زيد المسجد تخوف أن يفوتوه فحصبهم فوقفوا له، فقال: أقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي؟ قالوا: نعم، قال: ثم مات يزيد؟ قالوا: نعم. قال: فكأن حياة بينهما لم تكن. قال: فعلم القوم أن زيدًا يريد أمرًا.
ومما ذكره ابن عساكر: ان زيدًا قام بالعراق واجتمع الناس وكاد يتم له الأمر فحاربه جيش هشام، وأصيب بسهم وحمل، وأحضر أصحابه طبيًا فانتزع السهم فصح زيد ثم مات ﵀ ودفنه أصحابه في حفرة وأجروا عليها الماء خوفًا من جيش هشام أن يخرجوه ويمثلوا به. وكان معهم مولى سندي فدل عليه فأخرج وقطع رأسه وصلبت جثته وجهز رأسه إلى هشام فنصبه على باب دمشق.
ثم كان من أمر ابنه يحيى مانذكره في موضعه.
[الطبقة الأولى: أولاد علي بن الحسين، زين العابدين]
وها نحن نذكر تتمة أولاد علي بن الحسين، فولد أيضًا: عمر بن علي (١)، وقيل
стр. 8045
له: هل فيكم أهل البيت إنسان مفترضة طاعته؟ فقال: لا والله ما هذا فينا، من قال هذا فينا فهو كذاب.
وذكرت له الوصية، فقال: والله مات أبي فما أوصى بحرفين قاتلهم الله، والله إن هم الا يأكلون بنا.
وولده أيضًا علي بن علي ومحمد الأصغر لا بقية له، وعبد الرحمن بن علي درج، وحسينا الأصغر بن علي، وسليمان وحسينًا الأصغر الثاني - وهو أصغر أخوته، وقد روي عنه الحديث - والقاسم ولا عقب له.
الطبقة الثانية
أولاد محمد الباقر بن علي بن الحسين (١)
فولد محمد بن علي: جعفر بن محمد، وإبراهيم وعبيد الله ودرجا، وعليًا.
الطبقة الثالثة
أولاد جعفر بن محمد (٢)
وهو الصادق فولد جعفر إسماعيل، وعبد الله وموسى وإسحاق ومحمدًا وعليا والعباس ولا بقية له.
الطبقة الرابعة
أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق (٣)
стр. 8046
فولد محمد، وعليًا.
الطبقة الخامسة
أولاد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق
فولد محمد بن إسماعيل: جعفر بن محمد، وإسماعيل بن محمد.
الطبقة السادسة
أولاد موسى الكاظم (١)
فولد موسى بن جعفر: عليًا وإبراهيم والعباس والقاسم وإسماعيل وجعفرًا وهارون وحسنًا وأحمد ومحمدًا وعبيد الله وحمزة وزيدًا وعبد الله وإسحاق وحسينا والفضل وسليمان.
وزيد بن موسى هذا ذكر مؤلف الكنوز: أنه زيد النار.
стр. 8047
وقد ذكره ابن الربيب: وسمي بهذا لكثرة من أحرقهم بالبصرة من المنحرفين عن أهل البيت أمام فتنته وفي زمان المأمون.
وإبراهيم أخوه المسمى بالخراز، وقد قام باليمن.
وزيد هذا أولد زيدًا المسمى زيد الجنة، وحمل إلى بغداد في محفة الفاطميين أيام المتوكل. وكان من لطف الله به أن جعل ابن أبي دؤاد يمتحنه، فقال المتوكل: كلما يصدر من هذا أنا مطلوب به رأيت والله رجلًا ما في خاطره من الدنيا مثقال ذرة، وأمير المؤمنين أحوج إلى أن يستغفر الله مما فعل معه، فأحسن إليه واطلقه، فقيل له: هلا سرت إلى ابن أبي دؤاد تشكره؟ فأتاه فقال له: سألتك سعيك في تخليصي كان للدنيا أو للآخرة؟ قال: يا سيدي! ومن أين لرجاء الدنيا قبلك طريق إنما خلصتك الله ولجدّك! قال: فجزاؤك إذًا عليهما فدمعت عينا ابن أبي داؤد، وقال: المجالس بالأمانات الإسلام أغبن حظًا أن تكون أنت خليفة لأهله!
وأما العباس بن الكاظم، فمن ولده محمد بن جعفر بن محمد بن موسى بن العباس، ويعرف بضعيف - كان بالبصرة - وكان يضعف في عقله بزعمهم، وإنما كان محدثًا فلما كثر كلامه على المغيبات أرسل إليه بنو العباس قومًا ليقتلوه فأتوه في صورة شيعة يظهرون التوجع لأهل البيت والقيام بما ضيع من حقوقهم، فقال لهم: دعوني مما تقولونه من غير ضمائركم وامضوا لما أرسلتم إليه مما هو مقدر من قبل أن أخلق. قالوا: وماذا أرسلنا إليه؟ قال: أرسلتم لقتلي، فنظر بعضهم لبعض فعلم مرادهم، فقال: لا يظهر على غيبه أحدًا، وإنما أنا محدّث أنظر بنور الله وأقتبس من مشكاة نبوته. قالوا: فاغفر لنا فإنا مأمورون، فقال: ليس لي ذلك سيحكم الله بيني وبين من قتلني أو شارك في قتلي ولو توزعتموه فقتلوه، ﵀.
وأما حمزة بن الكاظم فمن ولده الشريف ابن أميرك الموسوي النيسابوري، ولم أقف على صلة نسبه، ولا على حقيقة اسمه، ذكره أبو زكريا ابن مندة في تاريخ أصبهان. قال: إنه قدم عليها وطاف أقطار البلاد. وكان أديبًا شاعرًا حافظًا للحديث مشهورًا بحفظ الغرائب متنزهًا عن أخذ الغرائب.
ومن شعره الذي أنشد له قوله: [البسيط]
ودَّعْتهُم ولي الدُّنيا مودِّعةٌ … ورحتُ ما لي سوى ذكراهم وَطَرُ
يا ساعةً لتَ [أنّ] الساعة اقتربت … ويا غرامي أنتِ النار تستعر
وذكر مؤلف الكنوز: إنه زيد بن الحسين بن الحسن بن محمد بن أبي القاسم أحمد بن القاسم بن حمزة بن الكاظم.
стр. 8048
وقال: ومن المنسوبين إلى موسى الكاظم، ولم أقف له على إتصال نسب مسلسل، جمال الإسلام، أبو القاسم، علي بن موسى الموسوي المروزي رئيس مرو.
وذكره الباخرزي وأخبره: أنه سعد بضيافته في رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة، فرأى من دسته المطروح، وزنده المقدوح، خيرًا وخيرًا، ونعيمًا وملكًا كبيرًا، وأنشد له شعرًا غير طائل.
ومن سروات البيت الكاظمي الشريف ذو المناقب الطاهر، أبو أحمد، الحسين بن [موسى بن محمد] (١) وكان سيدًا جليلًا إليه النقابة، وعليه تعقد في المواسم الذؤابة. وكان كبير القدر نابه الذكر، مرشحًا للخلافة يخاف ويرجى.
ثم ولده المرتضى (٢) ذو المجدين، أبو القاسم، لسان المتكلمين، ولولاه لم
يحفل بأهل الاعتزال، ولا عدّ للشيعة مذهب يدور لهم فيه كتب، وله المصنفات الممتعة والشعر الحسن، وأولع فيه بذكر الطيف، ومن شعره قوله (١):
والرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمد، وهو الشريف الرضي (٢)، والشريق
стр. 8051
الخلق، وسر تلك الأسرة التي نكس لها الكواكب خاضعة العنق ابن النبي والوصي وفاطمة وعليّ من تك الطينة الطاهرة والفطنة الزهراء الزاهرة. طلع في سماء الشرف هلالًا، وهمع من سحاب الكرم زلالًا، خلع زمانه على معاطف الدنيا جلالًا، وجمع أوانه للمكارم حلالا، أشرق من بيت النبوة مشكاة أنوار، وأغدق في نسب النبوة كنانة أمطار.
وكان هو وأخوه المرتضى ممن تأدب على ابن دريد، وأدى إليه أدبه ما أخذه بأيد وحكى ابن دريد: إنه رأى في منامه أن عليًا (كرم الله وجهه) أتاه بالحسنين ﵄ وقال له: خذ ابني فأدبهما، فأصبح يقص رؤياه على من حضر؛ فما أكمل كلامه حتى أتاه الشريف الطاهر بولديه المرتضى والرضي، وقال له: خذ ابني أدبهما.
فأما المرتضى فكان إمامًا بحاثًا ذا رأي ونظر.
وأما الرضي فكان أديبًا شعره أرق أنفاسًا من نسيم السحر، وأدق اختلاسًا من النفثات إذا سحر فشابه مارق بما راق، وشاب لطف الحجاز بحلاوة العراق، وقال ففات القول وفاق؛ على أنَّ كلًا منهما كان في العلم والعمل بارعًا، وفي التصرف في مذاهب العشاق، يدع ساكن الجزع على ظبياته جازعًا.
إلا أنَّ المرتضى بالعلم أشهر، والرضي في الشعر أمهر. وكان ملء الصدور
стр. 8052
والعيون، ولا تزال الخلفاء تخاف وثوبه، وهمت باقامته بنو بويه وكاد أمره يتم لولا معاجلة الأقدار الصابي الكاتب بنكبته وحط رتبته فإنه كان الساعي له عندهم، والداعي الوضي، كوكب ذلك الأفق، ومطلب تلك الطرق، وخلوق ذلك إليه أشياع قلوبهم.
وكانت نفسه تحدثه بمعالي الأمور، وفي ذلك يقول (١): [من مجزوء الرمل]
اشتر العِزَّ بما شئـ … ـتَ فما العِزُّ بغالي
ليس بالمغبون عقلًا … مَنْ شرى عزًّا بمال
وكان إليه نقابة الطالبيين. وكان ينصب إليه كرسي في مجلس الخليفة إذا حضره والخلفاء تراه بعين التعظيم، وتراه متطلبًا للأمر.
وجلس مرة في مجلس الطائع فشم لحيته، فقال له الطائع: أتشتم منها رائحة الخلافة؟ فقال: لا، ولكن رائحة النبوة؛ فعزَّ عليه هذا وعظم لديه، وزوى عنه جانبًا من وجهه فلم تَلِن له حصاة الرضي ولا جزع، ثم دخل بينهما الناس بما عاد له وجه رضاه، ثم مدحه الرضي بقصيدة قال فيها (٢): [من الكامل]
مهلًا أمير المؤمنين فإننا … في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يومَ الفخار تفاوت .... أبدًا كلانا في السيادة مُعْرِقُ
إلا الخلافة ميزتك فإنني … أنا عاطل منها وأنت مطوق
وكان إليه النظر في المظالم، وإمرة الموسم، فتخطى النظراء ووطأهم بميسم، وعدى الأكفاء وهو مفتر المبسم، ساد بغير مشقة، وسار ذكره وما طوى للبيداء شقه؛ بل ورث السؤدد عن آبائه، وبعث هممه حتى شد بالفرقد طنب خبائه.
وكان في نقابة الطالبيين قطب دائرتهم، وخطب نائرتهم، وخطيب مجامعهم إذا حضر يتكلم وهم سكوت ويتقدم وأجرأ من فيهم لو نظر إليه شزرًا كاد يموت.
وله في النظر بالمظالم ما كشط بصباح العدل غياهبها، وكشف من دفاتر الأيام معايبها، وكشر بقلم تواقيعه بابًا فرض نوائبها. وكان في أمرة الموسم مأوى الطارق، ومثوى الجود الذي يشغل يد السارق.
وكان لا يزال محسودًا على فضله مقلّصًا فضفاض ظلّه لا يغيض له إناء الرزق، ولا يكف عنه غرب اللسان منغصًا عليه العيش منكدًا طول العمر. وكان لا يستروح إلا أيام الحجيج، ومع هذا تشغل عليه العيون، وتذكى عليه الحرين، ويخاف منه أن يفرّ إلى مصر لمكان الفاطميين منها، ودليل على جملة حاله قوله (٣): [من الرجز]
стр. 8053
مَنْ يشتري منّي جميع فضلي
بساعة من عيش أهل الجهل
كنتُ أرى العقل نَفَاقَ مثلي
حتى غدوتُ كاسدًا بعقلي
يسير بالوفود إلى البيت العتيق، ويعود وبين مسراه وتأويبه غنى كل فريق، ومني كل رائد تسرج سوامه جنبات الطريق، يبني بكل عالية البقاع قبابه، ويتوح في كل مشرفة اليفاع ركابه، والجنائب بين يديه تقاد، والأعلام الخضر على رأسه منشورة إلا ما غلبت عليه في الوسط وجوه السواد، وهو العلم الخليفتي الساري بخفارته الركب السائر سائر الحجيج، مؤملًا كرمه السكب مظهرًا هنالك ما يكاتمه مصدرًا أوامره والكتب كتبه والخاتم خاتمه متعهدًا أرضًا له بها علائق وجد ومواريث أب وجد، ومربى صبا منشاؤه أما تهامة أو نجد يلذ من ماء وجرة نهلة بفمه، ويستطب من أرواح نعمان نسمة لسقمه، ويشتم ينجد شيحة حاجرية فيفرشها حدّه، ويشيم بارق النقي فيذكر عهده، وبان لشر قلب أرثت الذكرى وقده، ونحن فنشرب دمعه ولا العذيب ولا برده، ويتعرض له رسل الشوق والركب هاجد فيوقظه من بين نوامهم وحده، ويستبعد المدى فيتمنى في وهدة من الأجارع رقده، يبكي بالعراق نهاره كله على ليل تهامة، ويتطلب الكرى لعل له في الطيف إلمامة، يهوي ترابها لا لحبيب، ويكثر تذكرها لا لحاجة إلا أن أشعاره عليها نسيب، كأن لقبله الموجع وصدره النافث بما ينفث به المصدوع يصرف همومه في شعره تارةً بتشبب بك به بغر دموع، وتارة برثاء يوقد النار إلا أنها مما تجنّ الضلوع وماذلك كله منه لحب غانية فتنته، ولا لدفين دفنه إلا ما كتمته جوانحه وأكنته، من أمنية بطلب الخلافة لم تطل إليها يده، ولم يطق يجرع الصبر عليها جلده، ولو كانت له ولأهل بيته، ما عهدت محلها، وكانوا أحق بها وأهلها؛ ولكنه علم سبق ووعد صدق.
وقد كنت أخترت شعره في عنفوان الصبا، وقلت في أوله: أما بعد حمد الله مختار الرضي، والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد القمر المضي، وعلى آله وصحبه ذوي النسب الوضي؛ فلما كان شعر الشريف الرضي في الذروة والسنام، وهو من الشعر حيث هم من الإسلام، اخترت منه ومن أخصب تخيَّر، وما محاسن شيء كله حسن … ...
ومنه قوله في البرق (١): [من الوافر]
ألمَّ بِنا كنبضِ العِرْقِ وَهْنًا … فلمَّا جَاءَنا ملأ السماء
стр. 8054
كَأَنَّ وميضَهُ أَيدي قُيُونٍ … تُعيدُ على قواضبها جَلاءَ
وقوله في الحكمة (١): [من الطويل]
أرى الناس يهوونَ الخلاص مِنَ الأذى … وتكملة المخلوق طول عناء
ويستقبحونَ القتل والقتل راحةٌ … وأتعبُ مَيْتٍ مَنْ يموتُ بداء
وقوله في المدح: [من الطويل]
هو الليثُ لا مستنهض عن فريسةٍ … ولا راجع عن فُرْصَةٍ لحياءِ
هو النابه النيران في كُلِّ ظُلْمة … ومجرى دماء الكوم كل مساء
ومعلي حنين القوس في كلِّ ساعةٍ … بسهم نضال أو بِسَهْمِ غَلاء
فَخَارٌ لَوَ أَنَّ النَّجْمَ أُعطيَ مثلَهُ … تَرَفَعَ أن يأوي أديم سَماءِ
مَغَارِسُ طالت في ربى المجد فالتَقَتْ … على أنبياء الله والخلفاء
وله في جيش: [من الطويل]
وجيش مصر بالفلاةِ كَأَنَّهُ … رقابُ سُيُولٍ أَوْ مُتُونُ نِهَاءِ
كأنَّ الزُّي زَرَّتْ عليهِ جُيُوبَها … وَرَدَّتْهُ مِنْ بُوغائها بداء
وقوله في رثاء ابن الطائع (٢): [من الكامل]
إنَّا بنو الدنيا تُشيرُ رِكابُنا … ونغالط الإدلاج والإسراء
كمُصاب أبلج مِنْ ذُؤابة هاشم … ولج القبور وأزْعَجَ الخُلفاء
وَتَرَ الرَّدَى مَنْ لَوْ تناول سيفَهُ … يومًا لنالَ مِنَ الرَّدَى ما شاءَ
قبر تشبث بالنسيم تُرابُهُ … دون القبور وعقل الأنواء
فالصبرُ عَنْ وَلَدٍ يجيءُ بمثلِهِ … أَوْلى ولكن تندب الآباء
فالإبن للأب إن تعرَّضَ حادث … أَوْلَى الأنام بان يكون وقاء
وإذا ارتقى الآباء أَمْنَعَ نَجْوَةٍ … فَدَعَ الرَّدَى يستنزل الأنباء
ورد الزمان به وأوردَهُ الرَّدى … بَغْيًا فأحسن مرةً وأَساءَ
وقوله في التسلية والتأسي (٣): [من الوافر]
ودهر لا يصح به سقيم … وكيف يصح والأيام داء
تنال جميع ما تسعى إليه … فسيَّانَ السوابق والبطاء
إذا ما الحُرُّ أَجْدَبَ في زمانٍ … فَعِفَّتُهُ لهُ زاد وماء
أقولُ لفتيةٍ زَجَرُوا المطايا … وخَفَّ بهم على الإبل النَّجاءُ
стр. 8055
ردُّوا واستفضلوا نُطَفًا فَحَسْبِيِ … مِنَ الغُدران ما يسع الإناء
أمرّ بداركم فأطيلُ شَوْقًا … ويمنعني من النظر البكاء
وقوله يفتخر (١): [من الوافر]
فَجَرِّبني تجدني سيف عَزْمِ … يصممُ غَربه وزناد رائي
واسمر شارعًا في كل بحر … شروع الصلِّ في ينبوع ماء
وقوله في الرثاء (٢): [من الكامل]
انظر إلى هذا الأنام بعِبْرَةٍ … لا يعجبنَّكَ خَلْقُهُ وَرَوَاؤُهُ
لا تعجبن فما العجيب فَنَاؤُهُ … بيد المنون بل العجيب بقاؤه
مِنْ طاح في سُبُلِ الرَّدَ آباؤُهُ … فليسلكن طريقه أبناؤه
وقوله في رثاء والدته (٣): [من الكامل]
أبكيكِ لو نَقَعَ الغَلِيلُ بُكائي … وأقولُ لو ذَهَبَ المقال بدائي
طورًا تكاثرني الدموع وتارة … آوي إلى أكرومتي وحيائي
كمْ عَبْرَةٍ مَوَهتُها بأناملي … وسترتُها مُتجملًا بردائي
فارقت فيك تماسكي وتجملي … ونسيتُ فيك تعززي وإبائي
كم زفرة ضعفت فصارت أنَّه … تمَّمتُها بتنفس الصعداء
وتداول الأيام يبلينا كما … يبلي الرشاء تطاوح الأرجاء
وكأنَّ طُولَ العُمْرِ رَوْحَةُ راكب … قَضَى اللَّغُوبَ وجَدَّ في الإسراء
لو كانَ مِثْلُكِ كلُّ أُمَّ بِرَّةٍ … غَنِيَ البنون بها عن الآباء
ما مات من نزع البقاء وذكره … بالصالحات يعد في الأحياء
رُزْءان يزدادان طول تجدد … أبدَ الزمان، فناؤها وبقائي
شَهِدَ الخلائق أنها لَنَجِيبَةٍ … بدليل ما ولدت مِنَ النُّجباء
دخرت لنا الذكر الجميل إذا انقضى … ما يدخر الآباء للأبناء
أمر لي بالتصبر هاجَ لي داءً … وقَدَّرَ أنْ يكون دوائي
معروفك الساري أنيسكِ كلمًا … ورد الظلام بوحشة الظلماء
وضياءها قدمته من صالح … لكِ في الدُّجَى بَدَلٌ مِنَ الأَضواء
كان ارتكاضي في حشَاكِ مُسَبِّبًا … ركض الغليل عليك في أحشائي