تَرَحَّلَتْ عَنْكُمُ لي أَمَامِيَ نَظرَةٌ … وَعِشرٌ وَعِشرٌ خَلْفَكُمْ مِنْ وَرَائِيَا
ومِنْ حَذَرٍ لا أَسأَلُ الرَّكْبَ عَنْهُمُ … وأَعْلاقُ وجدي باقيات كما هيا
ومَنْ سَأَلَ الركبان عن كل غائب … فلا بُدَّ أَنْ يلقى بشيرًا وناعيا
«الطبقة السابعة»
أولاد اسحاق بن جعفر الصادق (١).
فولد إسحاق: محمدًا، والقاسم؛ وأمه السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وحسينًا، وحسنًا.
«الطبقة الثامنة»
أولاد محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي (٢) [بن أبي طالب].
فولد محمد بن جعفر: عليًا، وجعفرًا، ويحيى.
«الطبقة التاسعة»
أولاد علي بن جعفر بن محمد (٣) [بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
فولد علي: محمدًا، وحسنًا، وجعفرًا.
«الطبقة العاشرة»
أولاد عبد الله بن علي بن الحسين بن علي (٤) [بن أبي طالب]:
فولد عبد الله: محمدا، وهو المعروف بالأرقط، وإسحاق، وكان يشبه بالنبي ﷺ .
«الطبقة الحادية عشرة» (٥)
أولاد محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي [بن أبي طالب]:
فولد محمد بن عبد الله: إسماعيل، وعبد الله، والعباس، ومات في سجن الرشيد.
«الطبقة الثانية عشرة»
أولاد إسحاق بن عبد الله بن علي بن الحسين [بن علي بن أبي طالب]:
فولد إسحاق بن عبد الله: يحيى.
стр. 8087
«الطبقة الثالثة عشرة»
أولاد زيد بن علي بن الحسين بن علي (١) [بن أبي طالب]: فولد زيد بن علي: يحيى بن زيد، وقتل بخراسان، وكان صار إليها حين قتل أبوه زيد بن علي بالكوفة، وقال: [من الطويل]
لكلِّ قتيلٍ مَعْشَرٌ يطلبُونَهُ … وليس لِزيدٍ بالعراقين طالب
قال ابن بكار عن عمه قاله أو … (٢)، قالوا: ولما قتل زيد أُمسك ابنه يحيى وحبس، ثم أُمن وأُطلق، ثم اتبع بمقاتلين له فقتلوأُحرق هو وجثة أبيه زيد.
وأما رأس زيد فحمل إلى المدينة ودفن بها، ﵀.
ثم نذكر بقية أولاد زيد.
فولد حسينًا، وعيسى، وكان متعينًا زمان المهدي حتى مات، ومحمد بن زيد.
«الطبقة الرابعة عشرة» (٣)
أولاد الحسين بن زيد [بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
فولد الحسين بن زيد، يحيى وعليًا الأكبر درج، وعليًا الأصغر، وجعفر الأكبر درج، وحسنًا، وعبد الله، ومحمدًا، وأحمد درج، وجعفر الأصغر درج، والقاسم، وحسينًا.
«الطبقة الخامسة عشر»
أولاد عيسى بن زيد (٤) [بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
[فولد] حسينًا ومحمدًا، وزيدًا، ويحيى درج، وأحمد المختفي.
«الطبقة السادسة عشرة» (٥)
أولاد محمد بن زيد [بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب]: فولد محمد: عليًا، درج وجعفرًا، ومحمد بن محمد الخارج مع أبي السرايا ومات بمرو.
стр. 8088
«الطبقة السابعة عشرة»
أولاد عمر بن علي بن الحسين بن علي (١) [بن أبي طالب]:
فولد عمر: عليًا الأكبر، وإسماعيل، وعليًا الأصغر، وموسى، ومحمدًا، وجعفرًا الأكبر، وجعفرًا الأصغر.
«الطبقة الثامنة عشرة»
أولاد علي الأصغر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي (٢) [بن أبي طالب]:
فولد علي الأصغر: عبد الله، وحسنًا، ومحمدًا، والقاسم، وموسى، وعمر، وعبد الله.
«الطبقة التاسعة عشرة»
أولاد موسى بن عمر بن علي [بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
فولد موسى بن عمر: عمر درج.
«الطبقة العشرون»
أولاد محمد بن عمر بن علي [بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
فولد: محمد بن عمر بن محمد.
«الطبقة الحادية والعشرون»
أولاد جعفر الأكبر بن عمر بن علي [بن الحسين بن علي بن أبي طالب]:
فولد جعفر: عليًا.
«الطبقة الثانية والعشرون»
أولاد الحسين بن علي بن الحسين بن علي (٣) [بن أبي طالب]:
فأولد: عبيد الله، وعبد الله، وعليًا، ومحمدًا، وحسنًا، ويحيى، وسليمان، وإبراهيم.
وكان عبد الله وعبيد الله ابنا الحسين مُمدَّحَين.
قال فيهما زيد ابن مارية: [من الوافر]
стр. 8089
دَعوتُ اللهَ ثُمَّ رفعتُ صَوتي … وكُلُّ الخيرِ أولُه الدعاء
عبيدُ اللهِ يفرجُ كُلَّ هَمّي … وعبدُ اللهِ شيمتُهُ الوفاء
«الطبقة الثالثة والعشرون»
أولاد عبد الله بن الحسين بن عليبن الحسين [بن علي بن أبي طالب]: فولد أبا بكر، والقاسم، وجعفرًا، وعليًا، وعبد الله.
«الطبقة الرابعة والعشرون»
في أولاد عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين [بن علي بن أبي طالب]: ابن علي (١). فولد: عبد الله، ومحمدًا، وعليًا، ويحيى، وحمزة، وجعفرًا.
وكان قد صارت لجعفر بن عبيد الله شيعة يسمونه حجة الله.
«الطبقة الخامسة والعشرون»
أولاد علي بن الحسين بن علي بن الحسين [بن علي بن أبي طالب]: فولد: محمدًا، وأحمد، وعيسى، وموسى.
«الطبقة السادسة والعشرون»
أولاد الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين (٢) [بن علي بن أبي طالب]: فولد: الحسن بن الحسين: محمدًا، وعبد الله، وحسينًا.
«الطبقة السابعة والعشرون»
أولاد سليمان بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي (٣) [بن أبي طالب]: فولد: سليمان بن الحسين: يحيى، وسليمان بن سليمان.
«الطبقة الثامنة والعشرون»
أولاد إبراهيم بن الحسين بن علي بن الحسين [بن علي بن أبي طالب]: فولد إبراهيم بن الحسين: عبد الله.
стр. 8090
«الطبقة التاسعة والعشرون»
أولاد علي بن علي بن الحسين بن علي (١) [بن أبي طالب]:
فولد علي بن علي: حسنًا.
«الطبقة الثلاثون»
ولد الحسن بن علي [بن علي] بن الحسين (٢) [بن علي بن أبي طالب]:
فولد الحسن: زيدًا، ومحمدًا، وعليًا، وعمر، وحسنًا، وحسينًا، وهو الذي غلب على مكة أيام أبي السرايا (٣) حتى أخرجه منها ووجه إليه عيسى بن يزيد الجلودي (٤)، وعبد الله، وكان في سجن الرشيد، وقتل به.
* * *
стр. 8091
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
رب يسر ولا تعسر.
وبعد:
فهذا هو الجزء الرابع والعشرون من موسوعة:
(مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)
لابن فضل الله العمري.
اختص هذا الجزء بتاريخ الدول العربية الإسلامية التي أقامها الهاشميون وبنو أمية في العراق والشام ومصر والحجاز والأندلس.
وقد بدأ بدول العلويين، وبعضها لم يتعد ثورة أخمدت بسرعة، مع ما أضيف إليها من حركات انتسب صانعوها إلى العلويين كثورة الزنج والقرامطة.
ثم بالدولة العباسية، وقد قدّمها على الأموية لأن العباسيين أقرب إلى رسول الله ﷺ وآله من الأمويين نسبًا، كما استمر في تدوين تاريخ الخلافة العباسية في مصر بعد انتهائها في بغداد على ايدي التتار عام ٦٥٦ هـ.
وانتهى بالدولة الأموية حتى سقوطها على أيدي العباسيين سنة ١٣٢ هـ. ثم انتقل إلى تدوين تاريخ دولتهم في الأندلس، تلك الدولة التي تمخض عنها سقوط دولتهم بالشام.
لقد حوى هذا الجزء تراجم خلفاء وأُمراء وملوك هذه الدول، وعرض للجوانب السياسية والاجتماعية والحضارية، وعوامل تقدمها وازدهارها، وكذلك أسباب هبوطها وسقوطها، وصور الحياة الخاصة لهؤلاء الأمراء والجوانب المشرقة وكذلك
стр. 8092
الجوانب الهابطة والمظلمة من سيرتهم، كما صوّر تلك الجوانب تصويرًا صادقًا في عهودهم وأيام حكمهم.
وقدّم ابن فضل الله العمري لكل ترجمة بمقدمة عرض فيها خصائص كل سيرة من سير هؤلاء الخلفاء والأمراء والثوار في أسلوب مسجوع يبدو جميلًا جذابًا، ينم عن قدرة أدبية ممتازة في مواضع ومتكلفًا سمجًا في مواضع أخرى.
على أنه لم يحاول أن يُبدِ رأيًا مخالفًا لما أجمع عليه المؤرخون أو على الأقل المصادر التي نقل عنها، وقد ذكر في بعض الأحيان مصادره التي اعتمدها في تدوين الأحداث، على أننا يجب أن نؤكد أن المؤلف التزم على الأغلب جانب الحياد وعرض الآراء دون تحيّز إلى بعضها سوى ما شاع في مصنفات سابقيه.
النسخ المعتمدة:
اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على نسختين:
الأولى: مصوّرة الدكتور فؤاد سركين عن مخطوطة أحمد الثالث، طوبقابي سراي: استنبول المرقمة ١٥/ ٢٧٩٧، وتتألف من ١٦٩ ورقة في ٣٣٨ صفحة، في الصفحة ٢٣ سطرًا، وفي السطر حوالي ١٩ كلمة.
كتب هذا الجزء بخط نسخ واضح مقروء، كما كتبت العنوانات بخط كبير، إلا أن بعض الكلمات، بل أكثرها رسمت بحروف غير معجمة أو بإعجام لا يعتمد عليه، وفيها شكل قليل. وكثر فيها التحريف والتصحيف واللحن، كما سقطت منها كلمات كثيرة سببها سهو الناسخ الذي يبدو أنه كان متعجلًا، كما يبدو أنه قليل الدراية باللغة العربية.
المخطوطة كاملة من الداخل، ليس فيها حذف أو بياضات إلا بعض كلمات في مواضع قليلة، وفي الصفحة ٢١٠ بياض بقدر نصف الصفحة، وهناك خرجات وتصويبات قليلة في الحواشي إلا أن هذا الجزء انتهى بنقص لا نعلم مقداره إذ انتهت الصفحة الأخيرة من المخطوطة بقطعة من شعر المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وبعدها تعقيبة تقول: (وقد تقدم) مما يدل أن بعدها حذفًا، إذ إن الكلام موصول يقتضي أن يكون له ما بعده، وقد تسبب هذا النقص في عدم معرفتنا اسم الناسخ وتاريخ النسخ الذي غالبًا ما يأتي بخاتمة الكتاب.
الثانية: نسخة مكتبة أيا صوفيا - استانبول، المرقمة ٣٤٣٦، وتقع في ٢٤٠ صفحة، كاملة البداية والنهاية.
стр. 8093
منهجي في التحقيق:
احتوى هذا الجزء على عدد كبير من اسماء المواضع والأعلام والأشعار والنصوص، وفي الأعلام وكذلك في المواضع ما هو معروف مشهور، وفيها المجهول المغمور.
وقد حاولت أن اردّ النصوص إلى مصادرها التي اعتمدها المؤلف وإن لم يشر إليها في بعض الأحيان، وأوثق الأحداث واسجل المصادر التي تناولتها. كما علّقت تراجم الأعلام غير المشهورين في الهامش، ولم أفعل ذلك مع الأعلام المشهورين كبعض الخلفاء وكبار الصحابة والأئمة.
ولكني أشرت على الأغلب إلى مظان ترجماتهم وأخبارهم. كما قمت بتخريج الأشعار ما وجدتُ إلى ذلك سبيلا.
وحاولت أن أخدم النص بالتصويب والتحقيق، وأقدمه إلى أقرب ما أراده المؤلف، وقمت في سبيل ذلك بما يلي:
١ - قومت ما في النص من أخطاء لغوية ونحوية، وحاولت قراءة الألفاظ الغامضة قراءة صحيحة، وأشرت إلى ما لم استطع قراءته.
وفي المخطوط كثير من الألفاظ والعبارات محرفة وخالية من الإعجام أو أن إعجامها غير صحيح. واشرت إلى كثير من أوهام المؤلف في الأسماء وسني الأحداث، ولربما جاءت جراء سهو الناسخ وعجلته.
كما حاولت جاهدًا أن استدرك ما سقط من ألفاظ أو عبارات تسبب سقوطها في اختلال المعنى، ووضعت ما استدركته بين قوسين () ولربما جاء الاستدراك بعد الرجوع إلى مصدر الخبر، أو مما يقتضيه السياق السليم للعبارة، وأشرت إلى كل ذلك في الهوامش.
٢ - وردت اسماء كثيرة لمواضع وأعلام محرّفة ومصحفة، فحاولت إرجاعها إلى الصحيح بالرجوع إلى مصدر الخبر الذي أخذ منه المؤلف، كما أن المؤلف وقع في مواضع كثيرة من هذا الجزء بأوهام تتعلّق بالخبر وسنة حدوثه، فأشرت في الهامش إلى الصحيح كما ورد في مصدر الخبر الذي نقل عنه المؤلف.
٣ - أكثر الكلمات وردت معجمة، ولكنه إعجام لا يعتمد عليه، فقد يكتب التاء ويريد الياء، ويكتب النون ويريد الباء، أما الأخطاء النحوية واللغوية فكثيرة. وهناك كلمات كثيرة كتبت مهملة، وربما محرفة فحاولت إعجام المهمل وتصويب المحرّف والمصحف.
стр. 8094
وكذلك فعلت مع الأشعار: فقد حاولت إضافةً إلى تخريج النصوص استدراك النقص وتصويب الخلل، إما بالرجوع إلى مصدر النص، أو بما يقتضيه السياق السليم، واشرت إلى ما لم استطع الاهتداء إلى وجه الصواب فيه.
وبعد، فأحسب أني بذلت جهدًا غير قليل، وحاولت مخلصًا أن أخدم هذا السفر ما وجدتُ إلى ذلك سبيلا، ولا أدعي الكمال، ورحم الله امرءًا اهدى إلي عيوبي.
وآخر دعواي إن الحمد لله رب العالمين.
مهدي ع. الحسين النجم
المسيب - العراق، ص. ب ٤٥
١٣ رمضان ١٤٢٤ هـ
١٨ تشرين الثاني ٢٠٠٣ م
стр. 8095
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
على الله توكلت:
[دول الحسنيين والحسينيين]
وهذا ذكر من تنبه من أهل هذا البيت، وملك ملكًا، وإن كان القليل المنقص والحقير المنغص، وكيف يرثون الأرض، وما ترك جدهم لهم تراثًا؟ أو تعطف عليهم الدنيا وقد طلقها أبوهم ثلاثًا (١)؟ وما ضرّهم أن تكون لغيرهم الدنيا، وتكون لهم الآخرة، وفيهم النبوّة الدائمة، ولسواهم الدول الدائرة.
وأول ما نبدأ بالحسنيين، ثم بالحسينيين، ثم بمن تعلّق بهما. فدول الحسنيين أولها، وفيها من تقدم في النسب ذكرهم.
стр. 8096
دول الحسنيين
стр. 8097
[١] ذِكرُ دَولة المَهدي (١) محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
تقدم ذكره في موضِعِهِ من النَّسَب، وكان يُلَقَّب النفس الزكية، وكان أبو جعفر المنصور قد بايعه في الدولة الأموية (٢)، وأعطاه يمينه، وأمضاه في عقد المبايعة يمينه وكان برًا تقيًا، طاهرًا، زكيًا، ولهذا كان يسمى النفس الزكية، ولم يقدر له ظهور في تلك الأيام الأول، ولا على عهد السفاح، فلما قبض المنصور على أبيه خرج عليه بالمدينة، واحتج عليه بمبايعته المتقدمة، ودارت بينهم كتب (٣) بديعة في إقامة الحجج، وكان المنصور فيها الألدّ الخصم، والأشدّ عقدًا لا ينفصم، وكان محمد بن عبد الله أيدًا (٤) شرد لأبيه جمل (٥)، فَعَدا جماعة خلفه، فلم يلحقه أحد سواه، فأمسك بذنبه، فلم يزل يجاذبه حتى انقلع، فرجع بالذنب في يده.
وكان يطلب الخلافة أيام بني أمية، ويَزْعُم أنه المهدي المبشر به، وكان نهاية في العلم والزهد والشجاعة، وأقام سنين مستترًا في جبال طيئ مرة يرعى الغنم، ومرة يعمل في المهن، وأمسك المنصور أباه وعمه، وطائفة من أهله، لإحضاره وإحضار أخيه إبراهيم، فجحدوا معرفتهما، فحبسهم، ويقال أن المنصور كان قد بايع أباه عبد
стр. 8098
الله ومحمدًا ابنه بعده، وكانت له جارية معها ابن له صغير برضوى، ولد له في حال تستره فردى نفسه من الجبل فقال فيه أبوه (١): [من السريع]
منخرق الخفين يشكو الوجى … تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف وأزرى به … كذاك من يكره حَرَّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد
رواها له ابن مسكويه (٢)، وقد رويت لغيره (٣).
ولما أتاه جيش المنصور يقدمه عيسى بن موسى، خندق عليه الخندق النبوي وكان يبرز ويرتجز، وهو يقول (٤): [من الرجز]
لا عار في الغلب على الغلاب
والليث لا يخشى من الذباب
فلما رأى تضاءل أمْرِهِ، أقال الناس بيعته، وكسر ذا الفقار، وكان قد صار إليه، وأحرق الكتب التي كانت ترد عليه بالبيعة خوفًا عليه من المنصور. ثم قاتل حتى (قتل) (٥) عند أحجار الزيت، وحزّ رأسه وحمل إلى المنصور.
وقال (٦) المنصور لاسحاق بن منصور العقيلي، وكان ذا تجريب لا يكهم، وتدريب له يُلهم: أشر علي في خارجي خرج علي، قال: صف لي الرجل، فقال: رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ذو علم وزهد وَوَرَع، قال: مَنْ تبعه؟ قال: ولد علي وجعفر وعقيل وعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وسائر قريش، وأولاد الأنصار فقال: صف لي البلاد التي خرج، فقال: بلد ليس فيه زرع ولا ضرع، ولا تجارة واسعة قال: يا أمير المؤمنين، إشحن البصرة بالرجال، فقال المنصور: هذا شيخ قد خَرِف أسأله عن خارجي بالمدينة، فيقول: إشحن البصرة بالرجال، فلم يكن
стр. 8099
إلا يسيرًا حتى أتاه الخبر بخروج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فقال المنصور: عليّ بالعقيلي. فذكره بما كان، ثم قال له: هل كان عندك من هذا علم؟ قال: لا، ولكني لما ذكرت لي خروج رجل إذا خرج مثله لم يتخلف عنه أحد، ثم ذكرت البلد الذي خرج به فإذا هو لا يحتمل الجيوش، فعلمت أنه سيطلب غير بلده، ففكرت في مصر، فوجدتها مضبوطة، وفي الشام والكوفة، فوجدتهما كذلك، ثم فكرت في البصرة فوجدتها خالية، فخفت عليها، فقال له المنصور: أحسنت وقد خرج بها أخوه، فما الرأي في صاحب المدينة؟ قال: إرْمِهِ بمثله، إذا قال هذا أنا أبن بنت رسول الله قال الآخر: أنا ابن عم رسول الله. فقال المنصور لعيسى بن موسى: أما أن أخرج إليه أو أنت، قال: بل أنا أفديك (١) بنفسي، فخرج فنصر عليه كما تقدم ذكره.
[٢] ذكر دولة أخيه إبراهيم (٢) بن عبد الله بن الحسن
وكان خروجه بالبصرة، وكان لعيسى بن موسى عليه النصرة، وكان مِدْرَةَ خِصَامٍ وبدرة صمصام، بقلب قَلْب، ولسان لَيْسَتْ عارضته بخلب، وجبل يدق على الكيد ويقوى على الأيد. لولا إفراط شغفه بالنساء (٣)، وكَلَفَهُ بذوات السناء، وما اقتفاه من سنة مصعب بن الزبير في المغالات في مهورهنّ، وترك بوارق السيوف لا يماض ثغورهن. وإلا فقد كان طعم علقم إذا غَضِب، ومس أرقم إذا وَثَب، ومن «كنوز المطالب» (٤) أنه كان تلو أخيه في شدة البدن والعبادة، وحب العزلة وطلب العلم، وهو أشعر من أخيه، وظهرت له شجاعة وطول صبر على الاغتراب برًا وبحرًا، حتى أنه دخل على المنصور في هيئة متنصح، وقد أخفى شكله وقال له: ما لي عندك إن جئتك إبراهيم بن عبد الله، فَوَعَدَهُ بإحسان جزيل، فطلب منه أن يكتب إلى ولاة البحر الفارسي بالإعانة في مقاصده حيث توجه، فكتب له الكتب، وأوصى الولاة به،
стр. 8100
فتمكن بذلك من الهرب وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره، ثم أتى البصرة حتى أبطل بناء بغداد، وأعدَّ الجهازات للهرب إلى خراسان لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه، وإعراضهم عنه إلى أن هزمه عيسى بن موسى، وقتله في المعركة، فعاد المنصور إلى بناء مدينته، وقال: الآن عرفت رأسي أنّه لي، ولم يُخطب له بأمير المؤمنين إلا بعد مقتل أخيه، وكان خروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة.
ومن كتاب تجارب الأمم: أنه قاسى شديدًا في اختفائه، حتى أنه أكل على موائد المنصور، ووَجَد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم، فتقوى بها وصارت له فارس والأهواز، وكان الملتقى بينه وبين جيش المنصور على باخمرا (١) من بلاد الكوفة فانهزم حميد بن قحطبة (٢)، وناشَدَهُ عيسى بن موسى في الثبات، فلم يثبت، ولم يبق معه إلا ثلاثة، واتفق من الحديث الغريب أن المنهزمين من جيش المنصور رأوا قدامهم نهرًا لم يقدروا على خوضه، فرجعوا، فظن أصحاب إبراهيم أنهم قد ردوا عليهم، فانهزموا بعد أن حصلوا على الظفر.
ومن شعره قوله في رقية بنت الديباج العكانية (٣)، وكان قد تزوج بها وكان كلفًا بها: [من الطويل]
رقية هم النفس لا ذقت فقدها … فها أنا ذا شوق لها وهي حاضره
وقالوا غَدَتْ شُغْلًا له عن أموره … ولو أبصروها لم يردوا معاذره
وقوله وقد اعتل أخوه (٤): [من الطويل]
شَكوت (٥) فعم السقم من كان مؤمنًا … كما عمّ خلق الله نائلك الغمر
فيا ليتني كنت العليل ولم يكن … عليلًا وكان السقم لي ولك الأجر
وقوله في رثاء أخيه (٦): [من البسيط]
стр. 8101
أبا المنازل ما هلك الفوارس من … يُفْجع بمثلك في الدنيا فقد فُجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم … أو انس القلب من تلقائهم فزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لَهُمْ … حتى تعيش جميعًا أو نموت معا
وقوله فيه (١): [من الطويل]
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا … فإن بها ما يدرك الواتر الوترا
وإنا أناس لا تفيض دموعنا … على هالكِ مِنا وإن قصم الظهرا
ولسنا كمن يبكي أخاه بِعَبْرةِ … يعصرها من جفنِ مُقْلَتِهِ عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة … تلهب في قطري كتائبها جمرا
ومن نثره وقد قيل: لقد تهتكت في النساء:
حب النساء سنة نبوية، لم تعطل رسول الله ﷺ عن إدراك الظفر ولم تحل بينه وبين بلوغ الوطر، وإن أعجز الناس من قعدت به لذات الدنيا عن البلوغ إلى مراقي العلياء، (ما) انهضم (٢) مَنْ جمع بين إدراك لذاته والفوز بالبلوغ إلى غاياته. عقد الله عنا ألسنة العوام، وأغمد عنهم سيوفنا بالطاعة وحسن الالتئام.
وقوله من خطبة خطبها يوم عيد (٣):
اللهم إنك اليوم ذاكرًا أبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمد ﷺ فيا حافظ الآباء في الأبناء، احفظ ذرية نبيتك.
قال فلم يقلها حتى اشتد بكاء الناس.
وقوله: وقد قيل له حين أشرف على القتل، ألا تفرّ وأمامك فارس والأهواز وهما تحت طاعتك، فقال: مَنْ فرَّ من أهل بيتي حتى أفرّ؟ أتريدون أن أكون أوّل من فتح هذا الباب على الفاطميين، لا والله إن خلقتُ إلا لسلّ السيوف وشق الصفوف وتجرع الحتوف والمعاد إلى الله وهو خير الحاكمين.
وقوله (٤): كل منطق ليس فيه ذكر فهو لغو، وكل نظر ليس فيه عبرة فهو غفلة، وكل سكوت ليس فيه تفكر فهو سهو، فطوبى لمن كان منطقه ذكرًا، ونظره عبرًا، وسكوته تفكرًا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم المسلمون منه.
стр. 8102
[ذِكرُ دُولِ بَني طَبَاطَبا] (١)
ومنهم الأئمة باليمن، وليس بغير اليمن إلا الخارج بالكوفة، وهو المبدأ بذكره:
[٣] محمد بن إبراهيم العلوي (٢)
بهذا يعرف، وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. بويع بالكوفة يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان إمام صدق لو قام، وغمام ودق لو دام، أزْهَد من أويس (٣)، وأحلم من قيس (٤)، وأكرم من حاتم (٥)، وأشجع من قاسم (٦)، واشبه بآبائه من الغراب بالغراب، وفي آبائه من الناب بالناب، عليه من سيما سَلَفِهِ شمائل، ومن بقايا سيف جده ذي الفقار مثله إلا أنه لم يعلق بحمائل، إلا أنه كان غرًا شابًا، برونق الشباب مغرى.
ما عَرَكَتْهُ الأيام عرك الأديم، ولا عَرَفَتْهُ كيف يخادع اللئيم، حتى يحذر من يأمن ويتشائم بمن يتيامن، فلا يدخل عليه داخل، ولا يُغتال من داخل.
قال الطبري (٧): ووافاه في ذلك اليوم أبو السرايا السري بن منصور (٨)، ولقبه
стр. 8103
الأصفر فقام بحربه وتدبيره، وكان سبب قيامه ومبايعة أهل الكوفة إياه، أن المأمون عزل طاهر بن الحسين (١) عما كان عليه من أعمال البلدان التي افتتحها وصرفها إلى الحسن بن سهل (٢)، فتحدث الناس بأن الحسن بن سهل غَلَبَ على المأمون وحَجَرَ عليه واستبد بالأمور، فهاجت الفتنة بالأمصار، وكان أول من خرج وثار ابن طباطبا، فبايعه أهل الكوفة، واستوسق لَهُ أمرها، وأتته الوفود وكثرت له الجموع، وكان عامل الكوفة من قبل سليمان بن جعفر (٣) وخليفته عليها خلاد بن محجن الدؤلي (٤)، فلما سمع الحسن بن سهل بثورة ابن طباطبا كتب إلى سليمان المذكور يُعنّفه ويُضعّفه، وجهز جيشًا من عشرة آلاف فارس وراجل، وأمر عليهم زهير بن المسيب (٥) وأمره بقتال ابن طباطبا، فسار زهير بجيوشه حتى نزل قرية شاهي (٦) قريبًا من الكوفة، فخرج إليه محمد بن طباطبا ومعه أبو السرايا، واقتتلوا قتالًا شديدًا أذابوا فيه جندلًا
стр. 8104
وحديدًا، ثم انهزم زهير هزيمة شنيعة واستباح ابن طباطبا عسكره جميعه، وأخذ ما كان معه من مال وسلاح وكراع، ثم إن أبا السرايا ندم على إقامة ابن طباطبا فسمه، فأصبح ميتًا.
ومن كنوز المطالب (١): أنه مرض وأتاه أبو السرايا يعوده وقال له: (أوصني، فأوصاه وصيّة بليغة وذكرها (٢)) وذكر له شعرًا منه قوله: [من الوافر]
أينقص حقنا في كل وقت … على قرب ويأخذه البعيد
فيا ليت التقرب كان بُعْدًا … ولم تجمع مناسبنا الجدود
قال الشريف الغرناطي (٣): ثم قام من بعدِهِ رَجُلٌ (٤) من بني الحسين يأتي ذكره إن شاء الله.
وقال مؤلف «كنوز المطالب» وقد ذكر بني الحسن المثنى فذكر منهم: إبراهيم الغمر (٥) قال: ولُقّب بهذا لسعة جودِهِ، وكان فيمن حمل مصفّدًا بالحديد من المدينة إلى الأنبار، وكان يقول لأخويه عبد الله والحسن: أعوذ بالله من منى طبّهن منايا، تمنينا ذهاب سلطان بني أمية واستبشرنا بسلطان بني العباس، ولم تكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه، والعقب منه، فمنهم ابنه اسماعيل الديباج (٦) ولقب بهذا لجماله، كما لقب محمد (٧) بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، وكذلك كان يقال لمحمد (٨) بن عبد الله بن الحسن، والعقب منه في رجلين، وهما: إبراهيم طباطبا
стр. 8105
والحسن (١) التج.
فأما طباطبا ففي بنيه كان طلب الإمامة، والنباهة والعلم والشعر والأدب، وذكر بنيه فقال: أصل هذه الشجرة أبو محمد القاسم (٢) الرسي بن طباطبا، والرس ضيعة كانت بالمدينة، لم يسمح له المنصور (٣) بالمقام بها في كفاف من العيش حتى طلبه ففر إلى السند وقال: [من البسيط]
لم يروه ما أراق النعي من دمنا … في كل أرض ولم يقصد من الطلب
وليس يشفي غليلا في حشاه سوى … ألا ترى فوقها ابنًا لبنت نبي
وكتب صاحب السند إلى المنصور يخبره أنه وَجَد في بعض خانات الموليان مكتوبًا: يقول القاسم بن إبراهيم طباطبا العلوي، انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن مشيت حتى انتعلت الدم، وقد قلت: [من الطويل]
عسى منهلٌ يصفو فيروي ظميئةً … أطال مداها المنهل المتكدر
عسى جابر العظم الكسير بلطفه … سيرتاح للعظم الكسير فيجبر
عسى صور أمسى لها الجور دافنًا … سيبعثها عدل يجيء فيظهر
عسى الله ينأى من الله إنه … يُيَسِّرُ منه ما يعزُّ وَيَعسُرُ
فكتب إليه المنصور: قد فهمت كتابك وأنا وعلي وأهله كما قيل: [من الطويل]
يحاول إذلال العزيز لأنه … بدانا بظلم واستمرت مرائره
ولما أنشد مؤلف الكنوز للقاسم بن طباطبا قوله (٤): [من الوافر]
أرقت لبارق ما زال يسري … ويبكيني لميسم أمّ عمرو
стр. 8106
فلم يثرك وعيشك لي دموعًا … بأجفاني ولا قلبًا بصدر
قال: والعقب منه في ثمانية أولاد، هم بالتقدّم: الحسين الزاهد ومن نسله أئمة صعدة.
قلت: هم الأئمة باليمن إلى زماننا، وأصل شجرتهم المباركة:
[٤] الهادي يحيى (١) بن الحسين بن القاسم بن طباطبا
خُطب له بإمرة المؤمنين في حال أبيه، وكان يقال له في الدعاء على المنبر: اللهم أهْدِ لطاعتك وأقم بالعدل في بريتك، الإمام الهادي أمير المؤمنين يحيى ابن الأمير الزاهد العالم الحسين بن أبي محمد القاسم، ثمرة الشجرة النبوية، وبركة الذرية الفاطمية.
وبويع بعده لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين، والخليفة إذ ذاك المعتضد (٢)، وكان أول ما عرف ما أدَبِهِ، وعُلِم من شرف مطلبه أن أهديت إليه جارية، تليق به فقال: [من الكامل]
كفي لحاظك ليس هذا وقْتُها … بل وقت كل مهند وسنان
أَمُطاعِنَ الآساد في غاباتها … حاشاترود مرابض الغزلان
ثم أعادها إلى سيدها، وقال له: هذه بضاعتك ردّت إليك. وهذا نظير ما رمته من الفائدة في إهدائها.
وله مصنفات في الفقه، وأدب طائل (٣).
قال وهو يخطب: من كمال (٤) إيمانك أن تكون مأمومًا لرجل اجتمعت فيه شروط الإمامة، التي أوّلها النسب العلوي، فما استحقنا من قبلنا إلا بما رووه عن
стр. 8107
جدُّنا ﷺ : (قَدّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تقدموها) فكيف لا تقدم قريش أبناء بنت رسول الله ﷺ ، بل غمطوهم حقهم ومنعوهم فيئهم، وتقدموا بهم عليهم وله شعر منه قوله: [من الطويل]
بني حسن إني نهضتُ بثأركم … وثار كتاب الله والحق والسُنن
وصيَّرتُ نفسي للحوادثِ عُرضةً … وغبتُ عن الأخوان والأهل والوطن
لأدرك ثارًا أو لأقمع ظالمًا … أشدُّ على الإسلام من عابد الوثن
فإن يك خيرًا فهو خيرٌ لكلكم (١) … وإن تكن الأخرى فإنا ذوو محن
وتوفي بصورة في ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وولي بعده ابنه:
[٥] محمد المرتضى (٢)
وكان خطيبًا شاعرًا، ولما قام بالأمر، اضطرب عليه الناس، ومن شعره قوله: (٣): [من الرمل]
كَدِّرِ الوُرودَ علينا والصَّدر … وفعل من بدّل حقًا وكفر
أيها الأمة عودي للهدى … ودعي عنك أحاديث السَّمر
عدمتني البيض والسحر معًا … وتبدَّلتُ رُقادي بشَهَر
لأجُرَّن على أعدائنا … نار حرب بضِرام وشَرَرْ
وتوفي في عاشوراء سنة عشرين وثلاثمائة.
وولي بعده أخوه:
[٦] أحمد (٤) الناصر ابن الهادي
وله شعر فائق منه قوله يخاطب أسعد بن يعفر التبعي، أمير صنعاء: [من الطويل]
стр. 8108
أعاشق هند شف قلبي المهند به … ابصرت عيني يد المعالي تشيد
إذا جمعت قحطان أنساب مجدها … فيكفي معدًا في المعالي محمد
به استعبدت أقيالها في بلادها … وأصبح فيها خالق الخلق يُعْبَدُ
وسرنا لها في حالِ عُسْرٍ ووحدَةٍ … فصرنا على كرسي صعدة نصعد
فإن رجعوا للحق قُلْنا بأننا … لدين الهدي وجه، ومنهم لنا يَدُ
ولكن أبوا إلا لجاجًا وقد رأوا … بأنّا عليهم كل حين نُسوّد
ولا منبر إلا لنافيه خطبةٌ … ولا عقد ملك دوننا الدهر يُعْقَدُ
وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة.
وولي بعده ابنه: الحسين (١) المنتجب، ومات سنة تسع وعشرين وثلثمائة.
وولي بعده أخوه القاسم (٢) المختار بن الناصر، وقتله أبو القاسم (٣) بن الضحاك الهمداني في شوال سنة أربع وأربعين وثلثمائة.
وولي بعده أخوه محمد الهادي، ثم أخوه العباس الرشيد وثم استولى عليهم بنو حمزة (٤)، الآتي ذكرهم، وشردوا هؤلاء إلى جبل قطابة باليمن (٥)، ولم يزل لهم به إمام قائم، وبنو حمزة تحاربهم حتى قام منهم أحمد بن الحسين المرطي سنة خمس وأربعين وستمائة، وأخذ صَعْدَة كرسي آبائه، وأذهب دولة بني حمزة، واستولى على قريب عشرين حصنًا، وخطب خطبة عاب فيها بني العباس لتعطيلهم الحج، على سعة مالهم وملكهم، ثم قالوا: أنا لا نملك إلا هذه الرقعة الغريبة، وقد عملت همتنا لأن
стр. 8109
نقيم منار الإسلام، ونعزم على الحج في هذا العام، فاستعدوا له كل الاستعداد، فاحتاج المظفر (١) بن رسول صاحب اليمن إلى مداراته، وكتب إلى المستعصم يحركه على إقامة الحج.
وله شعر منه: [من الكامل]
ولقد أقول لهم غداة المنحنى … والخيل تعثر في القنا المتحطم
أنا أحمد سأقيم سنّة أحمدٍ … وَوُصايةِ بين الحطيم وزمزم
[٧] ذكر دولة القائم بالمدينة أبي عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٢)
ثار بالمدينة، وتغلب عليها، وبويع بها، وسوّد السيرة، وأساء في قبح الفعال مسيرة، وقتل كثيرًا من أهل المدينة، وسبى، ونهب أموالها، وأظهر الفسق والفجور، وأنواع اللهو وشرب الخمور، وتظاهر بهذه الفضائح في مسجد رسول الله ﷺ نهارًا، وزني فيه، وما تخفّى استتارا، وأباد الناس بالسيف والجوع، ولم يدع إلا من بان أنه الموجوع، وضع الجماعة والجمعة ودنّس شرف تلك البقعة، ولم يُرَ في أيامه صلاة قائمة، تؤدى نافلة ولا فرضا.
ولا من يذكر الصاحيين ﵄ إلا بما يرضى، فضاق الخلق به ذرعا، ولم يطيقوا له دفعا، فغزاه المعتمد (٣)، فظفر به وقتله، وكانت مدته في هذا
стр. 8110
النسق سنة وأشهر فسبحان من لا يعجل بمؤاخذة من اجترى، وفي الحديث: أن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يكن ليفلته، ولهذا كل ظالم يطرقه ضحى إن لم ينته.
[٨] ذكر دولة السفاك اسماعيل (١) بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون
ذكره مؤلف «الكنوز»، وجلّى في ذكره الرموز، قال: كان يكتب نفسه السفَاك، ويرضى هذا الاسم لنفسه ويقول: ابتدأت دولة بني العباس بالسفاح، وتبتدي دولة بني علي بالسفاك، وكان يرحل وينزل في اكناف الحجاز. وثار في جموع جمعها، وجنود معه أطمعها، وزحف على المدينة، ليطرد عنها ولاة المعتز، فحموها، فأتى مكة وملكها، وخطب لنفسه بها بالخلافة، سَفَك الدماء، ومنع الحجاج الوقوف، ووقف بالمأزمين.
وقال من تبرأ من العَمين، وسب بني العباس وبني أمية، خُليّ، وإلا فالسيف وقيل له: أسرفت في قتل المسلمين، فقال: لو اعتقدت أنهم مسلمون ما قتلت منهم أحدًا. ثم كان ينشد شعرًا منه: [من الوافر]
بنو العباس لو أني بسيفي … قتلت جميعهم لم أشف نفسي
[٩] ذكر دولة الكبير، ومنهم أهل الينبع
وسنذكر من أيْنَ نُمي أصلهم، وهم من ولد أبي الكرام عبد الله بن (٢) موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى.
وكان عبد الله هذا له صيت بالحرمين، فلما حجّ الرشيد، وزار، أبْصَرَ ميل
стр. 8111
الناس إليه فحمل حقد هذا عليه، ثم لما أتى الرشيد قبر النبي ﷺ ، قال: كالمتكثر على رؤس الأشهاد: السلام عليك يا بن عم، فعارضه لوقته أبو الكرام وقال: السلام عليك يا أبة (١)، فكاد الرشيد يتميز من الغيظ، وقال بهذا ارتكبنا من بني علي ما ارتكبناه، ثم طرد فمات، لا يُعرف له مكان، ومن بنيه الكراميون ومنهم الصالحيون (٢)، وصالح وابنه شاعران جليلان، فأما صالح بن أبي الكرام، فهو الجوال، وسمي بذلك لأنه جال أقطار الأرض لخوفه، ونشأ بالمدينة، والإمامة في رأسه، والدعاء يأتيه، ولم يمكنه الخروج بجزيرة العرب، فخرج بخراسان، فحمل إلى المأمون، فلما دخل عليه لامه وقال: وما حملك على الخروج علي وأنت القائل: [من الطويل]
إن كان عندي قوت يوم وليلةٍ … تفضى هم قلبي إذا اجتمع
فلست تراني سلائلًا عن خليفة … ولا عن وزير للخليفة ما صنع
ثم حبسه (٣).
وأما ابنه محمد بن صالح (٤)، فهو شاعر مذكور، وبطل مشهور، وكان يعرف بالأعرابي للزومه البادية، ومن شعره: [من الكامل]
طرب الفؤاد فعاده أحزانه (٥)
وكان قد أخذ أيام المتوكل لخروجه فحبس ثم اطلق لقصيدة عرضها له الفتح بن خاقان.
ومما كتب به من حبسه إلى امرأته (٦): [من الطويل]
لو أن المنايا تشترى لاشتريتها … لأم حُمَيْدٍ بالغلاء على عمد
стр. 8112
ولكن بي أنّي أعيش بغبطةٍ (١) … وقدمَتَّ أن يحظى بها أحد بعدي
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في الشعراء:
وفي هؤلاء الصالحيين ملك متوارث بغابة (٢)، وقد ذكرناه في مكانه.
ومنهم: السليمانيون (٣)، من ولد سليمان ابن أبي الكرام المذكور.
ومنهم: الهواشم (٤)، من ولد أبي هاشم محمد بن الحسين بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن أبي الكرام، ومن هؤلاء السليمانيين والهواشم، ملوك مكة والينبع.
ومنهم: أغني بني أبي الكرام، العمقيون (٥)، من ولد علي العمقي بن أحمد بن أبي الكرام.
ومنهم: الحرانيون (٦) من ولد القاسم والحسن ابني محمد بن أبي الكرام.
ومنهم: الأحمديون، من ولد أحمد بن موسى الجون (٧).
ومنهم: الإدريسيون، من ولد إدريس بن أبي الكرام، وقد ذكر.
ومنهم: المترفيون (٨)، من ولد علي المترف بن أحمد بن أبي الكرام.
ومنهم: الفاتكيون، من ولد الفاتك (٩) بن عبد الله الكامل
ومنهم: المصحفيون: من ولد محمد المصحفي (١٠) بن سليمان المذكور.
ومنهم: الحنظليون، من ولد أبي حنظلة محمد (١١) بن يحيى بن عبد الله الكامل.
стр. 8113
فأما أصحاب الدول من السليمانيين والهواشم: فسنذكرهم:
[السليمانيون]
فأما السليمانيون، فأول مذكور من أمرائهم:
[١٠] أبو عزيز، قتادة (١) بن إدريس بن مُطاعِن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان المذكور
وهو أساس البيت، جوار البيت المحرم، ومبتني المجد بفناء الحرم المكرم. قال الشريف الإدريسي النسابة: لا أعرف من يساوي أبا عزيز في القعدد (٢) إلى أبي طالب.
ورث دولة الهواشم، وليس منهم إلا من جهة النساء، وكلّهم إلى أبي الكرام وساد الكراميين، وملك معظم الحجاز، واقتنى مماليك من الأتراك، رماة أَذَلَّ بهم العرب.
وذكر الريحاني: أن العرب لما فتكت بالركب العراقي في سنة ثلاث وستمائة بنجد لما بين (٣) الحرمين، كتب الإمام الناصر إلى أبي عزيز كتابًا بخط ابن زيادة وغير خفي عن سمعك، وإن خفى عن بصرك
فتك الأجاود في آرام بكل ريم، وعيث بني حرب بين الحرمين حين غَمُّوا قلب كل محرم بالضميم، فأعجب هذا أبا عزيز فقال: [من الوافر]
بآرام فتنت بكل ريم … كما غموا فؤادي بالغميم
وفي وادي العقيق رأوا عقوقي … كما حَطَمُوا ضلوعي بالحطيم
стр. 8114
ثم بدت الوحشة بين أبي عزيز والناصر، وأسرها البغاددة، فلما أتى أمير الركب إليه بالخلع، سامه التوجه معه فقال له: حتى انظر، فلما نكر عليه فأنشده (١): [من الطويل]
ولي كفّ ضرغام أصول ببطشها … وأشتري بها بين الورى وأبيع
تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها … وفي بطنها للمجد بين ربيع
أأجعلها تحت الرحى ثم ابتغي لها … خلاصًا أني إذًا لرقيع
وما أنا إلا المسك في كل بلدة … يضوع وأما عندكم فيضيع
فقال له أمير الركب هذا: إلا أبلغه عنك: وأشار عليه بتجهيز ولد له في مشايخ من الشرفاء يدخلون بغداد - وأكفانهم بأيديهم منشورة، وسيوفهم مسلولة، يقبلون العتبة، ويتوسلون برسول الله ﷺ في الصفح فلما دخلوا على هذه الهيئة والخلائق تضج بالبكاء، فعوملوا بكل حسنى، فلما بلغ ذلك أبا عزيز كان يقول: لعن الله أول رأي عند الغضب.
وتوفي أبو عزيز في عزّ سلطانه بمكة سنة سبع عشرة وستمائة، وكانت مدته نحو تسع عشرة سنة، وهي السنة التي استولى فيها المسعود (٢) بن الكامل على مكة، وفرّ منها أمامه إمامُها حسن (٣) بن أبي عزيز. وكان قد واطأ جارية لأبيه حتى أدخلته إليه فخنقه، وأعانته الجارية، لأنها كانت قد طمعت منه بمال وعدها، وآمال جحدها،
стр. 8115
وخرج فقعد مكان أبيه، والقلوب منه نافرة، والنفوس له عن البغضاء سافرة، وأكب عليه أخوه راجح (١) بن أبي عزيز، ووجوه الأشراف، أمير (٢) الركب العراقي في حين قدم، وقال كل منهم فيه بما علم، فغلق أبواب مكة، وجمع للامتناع، ثم أنسل من الجمع فريدًا، ونَسَلَ من جناح بني أبيه في البر المقفر طريدا، وأتى بغداد، فمرض بها، وكان لا يزال يرى أباه يتردد إليه في منامه، ويضع يده في خناقه فينتبه مذعورًا، ويسمعه من معه في البيت يصيح، وهو كالمتخبط، ويقول: بالله لا تفعل، ومات سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
وقام بعده أخوه راجح بن أبي عزيز، وكان لوفور عقله راجحًا، ولحسن فعله حيث يمم ناجحًا. أَخَذَ نفسه بسلوك الطاعة، ولزوم الجماعة.
ثم ولي أبو سعيد الحسين (٣) بن علي بن أبي عزيز وكان جوادًا أبيًّا شهمًا وفيًّا، أديبًا فصيحًا عربيًّا، ثم أتى دمشق جماز بن حسن بن أبي عزيز. وأبوه حسن المتقدم الذكر، وقد طنّ في رأسه طلب ملك أبيه بعد كلام شجر بينه وبين أقربيه، وكان قد انحمل على ابن عمه أبي سعيد الحسين بن علي ابن أبي عزيز، وكان قد امتد أمره إلى مكة (٤)، وطلب من الناصر بن العزيز أن يجهزه بمال وعسكر ليخطب له بمكة، فأمطله متى ضَجَر، ثم بعثه مع الركب، فأفسد حال ابن عمه أبي سعيد، ثم آل الأمر إلى أنه وثَبَ عليه فقتله واستولى على مكة، وخطب بها للناصر سنة إحدى وخمسين وستمائة ثم كان يقول: كنت أودّ لي بملك أبي سعيد مثل قوله: [من الطويل]
إلى الخيف من وادي منى والمحصَّبِ … أحنّ بقلب فوق جمر مقلب
واشتاق من أرض الحجون معالمًا … ببطحائها والشوق مذ كنت مذهبي
стр. 8116
وفي رشأ أحلى بقلبي من الغنى … لدى قلب ذي بخل مُجرَّب (١)
[الهواشم]
وأما الهواشم: فأول مذكور منهم:
[١١] محمد بن جعفر بن أبي هاشم (٢)
وهو سيد سادة، ورأس سيادة، ومثقف رأي، لم يعدم سداده، ومسدّد سهم لم يخط خطة سعادة.
قال ابن الحصين: دخلت مكة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، والفتنة قائمة بين الحسنيين والسليمانيين منهم، ولم يكن للسليمانيين رأس يقوم بهم بعد الأمير شكر (٣)، فتقدم محمد بن جعفر وأوقع بين بني سليمان، واستولت الهواشم على مكة وطردوا السليمانيين إلى اليمن، واستقل بالأمر، وخطب للمستنصر الفاطمي، ثم خطب للقائم العباسي، وأبدل بياض الشعار الفاطمي بسواد الشعار العباسي (٤)، وقال وهو يخطب:
الحمد لله الذي هدانا أهل بيته للرأي المصيب، وعوض بيته بلبسة السواد بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة ومبايعة أمام الجماعة، ثم تكلم بعد هذا بما يناسب.
فلما انتهى قام محمد بن إبراهيم الأسدي (٥) أمام قبة العباس، وأنشد: [من الوافر]
بني العباس عاد الأمر فيكم … وإرث أبيكم أضحى مُستقيما
стр. 8117
فزمزم ليس تروي غير تال … مديحكم وفخركم القديما
فأظهر له القبول، ثم طلبه خفية، وقال له: ما يدخلك بين بني فاطمة وبني العباس، ثم طرده، ثم هجم المدينة، وأخذها، وخطب للقائم بها، وسمي أمير الحرمين، وتوفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وكانت مدته ثلاث وثلاثين سنة.
ثم قام بعده ابنه قاسم (١): قال مؤلف الكنوز، فزاد في الاضطراب في الخطبة على أبيه، وقطع مدته بما أسأل الله مسامحته فيه، ومات سنة ثمان عشرة وخمسمائة (٢). بعد عمر متع به التصرف والتقلب بلغ إحدى وثلاثين سنة.
ثم قام بعده أبو فليته (٣)، فأحسن السياسة وأحْسَب (٤) في الرئاسة، وأسقط المظالم وأسخَطَ بمراضي الله الظالم، وكان جوادًا لا يحتجب، وشجاعًا لا يغفل عما يجب، وقال يومًا: اعلموا يا بني الحسن أني وجدت الرقاب ثلاث، رقبة ملكتها بالمنن، ورقبة ملكتها بالصفع ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف. فقالوا: والله إنك لأعرف بما تقول وتفعل.
وتوفي قتيلا بسكاكين الباطنية سنة ست وخمسين وخمسمائة، ومدته عشرون سنة.
ثم قام بعده ابنه عيسى (٥)، وكان صديقًا للملك الناصر (٦) بن أيوب صداقة لا تنفصم عراها ولا يوقظ كراها.
وفي أيامه كان أخذ الأصطول الناصري لاصطول صاحب الكرك الفرنجي الذي قصد مارده الله بغيظه دونه، وأخذ ونحر من فيه بجمرة العقبة حيث تنحر البدن. ثم عزله الإمام الناصر لتقصيره في خدمه أمه لما حَجَّتْ.
وولى أخاه المكثر (٧)، ولم يتقدم في اهل بيته أجل منه ولا أجلا سناء فيما يؤثر
стр. 8118
عنه، هذا على قصر مدته، وتخاذل زمانه. وبنى قلعة مكة على جبل أبي قبيس، قال الريحاني: كان ذا شهامة، بعيد الصيت والغور وشعره كثير، ومن حر الكلام قوله:
لا تصحبن أخًا يُريد لنفسه … مالا تريد ولا يُعاد قد يرا
إلا إذا أبصرته متجنبا … فاركب له حَدَّ الحسام طريرا
وتوفى سنة تسع وثمانين وخمسمائة (١).
قال الريحاني: وبموته انقرض ملك الهواشم، وصار في بني مطاعن من السليمانيين المذكوريين من قبل.
فأما من ملك قبل هؤلاء فمن بني داود (٢) بن الحسن المثنى، وهم أول من ملك ثم الهواشم ثم السليمانيون .. وأول قائم من بني داود:
[١٢] الناهض بأمر الله محمد (٣) بن سليمان بن داود
نهض لملك أدركه، وبلد ملكة، ظهر بالحجاز، وخطب لنفسه بالإمامة بالموسم على رؤوس الأشهاد، وقال: الحمد لله الذي أعاد الحق إلى نظامه، وأبرز زهر الإيمان من كمامه، وكمل دعوة خيرة الرسل بأسباطه لبني أعمامه صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وكفَّ عنهم ببركته أيدي المعتدين وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين: [من المجتث]
لأطْلِبَنَّ بسيفي … ما كان للحق دينا
وأسْطونَّ بقوم … بغوا وجاروا علينا
стр. 8119
يهدون كل بلاء … من العراق إلينا
ثم:
[١٣] أبو الفتوح: الحسن (١) بن جعفر بن الحسن بن محمد بن سليمان
وكان جميل الوفاء، جليل القدر في الشرفاء، كتب إليه القادر (٢) سنة إحدى وثمانين وثلثمائة بولاية مكة، فانفذ كتابه إلى العزيز (٣)، فَوَقَعَ لَهُ العزيز بولاية مكة، وأرسل إليه بمال وخلع للشرفاء، فحضرتهم عند الكعبة، وقسم فيهم المال. وقال عندما ألبس الكعبة الكسوة البيضاء: الحمد لله يا بني فاطمة الزهراء، وأصحاب السنة الغراء على أن زين بيته بلبسة السرور وبعد لبسة الحزن، وجعل ملك الحرمين ببني بنت رسوله من بني الحسين وبني الحسن فأرضى الفريقين، واتصلت إمارته، وأتاه كتاب الحاكم بالبراءة ممن غَصَب وصي رسول الله ﷺ ميراثه في الخلافة. ومنع فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ حقها في فَدَك (٤)، فغضب أبو الفتوح وقال: قوم قام بهم منار الإسلام بعد نبيه ﵇، يذكرهم بمالا يجب أهكذا فَعَلت النصارى بالحواريين، بل جعلوا قبر كل واحد منهم مزارًا لحج وعبادة الله ولو أمرني أن ألعن قومًا على غير الملة لما ارتضيت أن أكون لعانًا. ووالله أن من حقوق (٥) جدنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز، قام بهذا وخطب على رؤس العلوية، فقام إليه رجل منهم وقال: أيها الأمير هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عما قاله، قال: صدقت، ثم شرع في مباينة الحاكم.
وأتاه الوزير أبو القاسم (٦) يحرضه على طلب الخلافة، فخطب لنفسه بها،
стр. 8120
وتلقب بالراشد، وأتى الرملة (١)، فبايعه بنو الجراح أمراء طيئ، ودُعي أمير المؤمنين، فمازال الحاكم يتحيل على العرب بالرغبة والرهبة حتى انفردوا عنه، فرجع إلى مكة ولم يجد بدًا من إعادة الخطبة للحاكم، فقيل له: أترضى بأن تكون تابعًا بعد أن كنت متبوعًا؟ فقال: ما أُحبّ أحد الحياة في عافية إلا رضى ببعض الدرجة، وامتد عمره إلى سنة ثلاثين وأربعمائة، وإمارته مدتها ست وأربعون سنة، وهو القائل: [من المجتث]
أهوى الكؤوس … فمنها إلى السرور أسير
عجبت منها شموسًا … حفّت بهن بدور
عجبت منها خدودًا … لاحت عليها ثغور
حكي أن الوزير أبا القاسم كانت عنده محاككة (٢) ومرافقة، فقال يومًا لأبي الفتوح بمحضر من الأشراف وأمراء العرب: ما رأيت أشعر منك في قولك، وأنشده هذه الأبيات، فخجل أبو الفتوح وعلم أنه أراد إعلامهم أنه يشرب الخمر، فقال لأحد حجابه عليّ بالمصحف، فلما حضر فتحه وقال: وحق ما احتوى عليه، ما شربتها قط، ولا حضرت عليها، وتوحش لأبي القاسم ففر منه.
ولأبي الفتوح شعر كثير منه ما أنشده الباخرزي في الدمية، وهو: [من الخفيف]
وصلتني الهموم وصل هواك … وجفاني الرقاد مثل جفاك
وحكى لي الرسول أنك غضبى … كفى الله شر ما هو حاكي
ثم ولي بعده ابنه شكر (٣)، وكان نصلًا [لا] يثلمه الضراب، ورمحًا لا تحطمه الحراب، وجرت له خطوب ملك في أثنائها المدينة، وجمع بين الحرمين، ولما وَقَعَت الحرب بينه وبين (بني) (٤) عمه من بني موسى الجون الذين كرهوا دعوة المصريين، وأرادوا الخطبة لبني العباس، وعاضدهم بنو الحسين، وبنو جعفر قال: [من الطويل]
بني عمنا الأدنين قُربًا تأمّلوا … غرابيب ما يأتي به البغي في الأهل
стр. 8121
نسيتم دماء بالمدينة أهدرت … وما كان في فخ من الأسر والقتل (١)
فميلوا لهم لا درُّ لله دركم … وعاطوهم كأس المودة والوصل
وخلّوا بني بنت النبي بجانب … ولا تقصروا حتى تروا فرقة الشمل
وتأخذكم أيدي الشتات وتخرجوا … من الحرم الشامي والحرم القبلي
وأما أنا ما دام للسيف قائم … فلا أشتري عز العشيرة بالذل
ولا أرتقي إلا ذرى كل منبر … ولا أرتضي إلا الذي يرتضي مثلي
أُمهّد للأبناء ما يتبعونَهُ … وأتْبَعُ آبائي الذين مضوا قبلي
ثم لما خاف غلبة الرجال، أسلم الحجاز ذاهبًا إلى مصر، وقال: [من البسيط]
قوّض خيامك عن أرض تُضامُ بها … وجانب الذلَّ إن الذلَّ مُجْتَنَبُ
وارحل إذا كانت الأوطان منقصةٌ … فالمندل العَرف في أرجائه حَطَبُ
ولم يزل في خطوب وحروب تنوب إلى أن مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ومدته نحو ثلاث وعشرين سنة، وبه انقرضت دوله الداوديين بالحجاز، وفرّ أهل بيت الإمارة، منهم إلى اليمن، ولها منهم أمراء.
ذكر الدولة الطبرستانية (٢)
تداولها ستة رجال، منهم ثلاثة من بني الحسن، وثلاثة من بني الحسين، فأما الدولة الحسنية، وهي كانت الأولى، وبها أسست الوطأة العلوية هناك. وأولها:
[١٤] الداعي إلى الحق (٣)، أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن اسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
وكان أمضى من صارِمِهِ، وأخلع للدعة من خاتمة. نهض للملك حتى أخذه،
стр. 8122
وأمسك بطرف ردائه وجبده، ومنّى نَفْسَهُ بالعراق وشمّر لها أصبعه، وفَغَرَ لها فاه، وحرش سبعه، وسل لها عزمه من حدّ باتكه (١)، وأعمل فيها خدعة ناسكة لا فاتكة، حتى لولا ميل المقادير، وأن كلّ بتقدير، لأطاحها عن بني العباس وأبتزهها، وألبسهم ذلها ولبس عزّها، وخطب له بالخلافة في أول خلافة المستعين (٢) سنة خمس (٣) ومائتين بالري والديلم، وكان مهابًا عظيم الخلق، عطس يومًا عطسة ففزع رَجُل وهو في المنارة قائم يؤذن فيها، فوقع منها فمات، وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين.
وغيل (٤) في آخر عمره بدنه، حتى كان يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط.
وكان أول أمره بالعراق في ضيق حال، وكان كثيرًا ما يسأل عن البلاد الممتنعة الوعرة التي أهلها أهل سلامة وقبول لما يدعون إليه، فَدُلَّ على بلاد الديلم وطبرستان، فأتاها، وفيها قوم لم يكونوا أسلموا، فأسلموا على يده وتمذهبوا بمذهبه، حتى أسس التشيع هناك، وكان جوادًا ممدحًا، له شعر فائق فمنه قوله: [من الوافر]
ومانثر المشيب علي إلا … مباشرة السيوف لذا الصفوف
فأنت إذا رأيت علي شيئًا … فمكتسب بألوان السيوف (٥)
وله فطنة مليحة في الانتقاد على الشعراء.
وحكي، أن رجلا من بني أمية أتى إليه، وهو في مجلسه، فسأله عن نسبه فقال له: أجل من بني أمية، فقال رجل من أهل المجلس: لا أهلًا بك ولا بمن أنت منهم، ثم لم يبق أحَدٌ حتى أخَذَ في سبه وسبّ بني أمية، وقال رجل: دعني وإياه فلأضرب عنقه، فقال الداعي إلى الحق: لبئس الجلساء أنتم، ثم التفت إلى القائل وقال: دعني وإياه، وقال له: يا هذا أتظنك بقتله تدرك ثأر مَنْ سَلَفَ لا والله لا على هذا ولا علينا مما شَجَرَ بين أولئك، ثم قال للأموي: أيها الرجل ماذا تريد؟ فقال: وفاء ديني وكفاف أهلي، فقال: حبًّا وكرامة، كم دينك وكم كفاف أهلك؟ فقال:
стр. 8123
ألف دينار، خمسمائة لهذا وخمسمائة لهذا، فقال: بل لكل منهما ألف دينار، ثم أمر له بألفي دينار، فأخذها، وكساه وحمله وجهزه إلى مأمنه.
ثم قام بعده أخوه،
[١٥] القائم بالحق، أبو عبد الله محمد (١)
وكان ممن يُحمد، ظهر بحلية تنسك، ووقوف مع الحق وتمسك، وكان يَهِبُ على ضيق ذات يدِهِ، ومضيق رقعة ملكه وبلدِهِ، بِدَرًا وألوفا، ويُرهب أعداء وصفوفا، وكان يغزو وهو في الوطن، ويسكن وتحت سكونه حركات الفطن، وكان قائمًا بالحق قائلًا له، وقائلًا (٢) في ظلة لا يفارق ظلّه، وأوت الرعايا منه إلى أب بر تميل على جوانبه، وإمام عادل لا يكف عن الأرض مطر سحائبه، فكأنما كانوا في أيامه لمنها في الحلم والأمنها في الأشهر الحرم، هذا مع شراسة خلق، وشكاسة غضب لا ينجاب لها أفق، يحتاج من حضره وقد حضره ذلك الخلق الشرس والغضب البئس أن يغيب عنه وجهه مقدار حلب لقاح، أو ما يجف الندى عن الأقاح، وقد تجلّت تلك الغيابة العارضة، وهدأت شقائق تلك الغمامة العارضة، وعاد إلى أحسن خَلُقِهِ، وأَعاذَ بإحسان نبته من إساءةِ خَرْقِةِ، وتسفر تلك الرياض الدمائث، ويتضوع كالمسك في يد مائث.
ومن كنوز المطالب: إنه وصل إلى الري في جموع عظيمة هال أمرها وآل الأمر إلى أن هزمه كوتكين (٣) صاحب الريّ، ثم جلس كوتكين لضرب أعناق الأسرى، فوثب منهم ديلمي على السياف، فاستلب سيفه من يده وعلاه به فقتله، ومر هاربًا فلم يلحق، وكوتكين ينظر إليه ويضحك (٤).
ثم هبت للقائم بالحق سعادة ملك بها جرجان، وبعض خراسان وظهرت شيعته في تلك الأقطار، ثم هزمه عسكر السامانية، فقتلوه سنة ثمان وثمانين ومائتين.
стр. 8124
ثم كانت بعده ثُمَّ حروب يطول شرحها، وللقائم هذا أدب، ومن شعره قوله: [من الخفيف]
إن يكن نالك الزمان بِصَرْفٍ … أضرمت ناره عليك فجلت (١)
فاخفض الجأش وأصبرنّ رويدًا … فالرزايا إذا تجلت تخلت (٢)
ولما كُسِر أُسِر ابنه أبو الحسن زيد، ولم يزل مكرمًا عند إسماعيل (٣) بن أحمد الساماني، وكتب إليه المكتفي يحمله إليه، فدافعه.
وله شعر منه قوله (٤): [من الكامل]
ولقد تقول عصابة ملعونة … ضوضاء ما خُلقت لغير جهنم
من لم يسبّ بني النبي محمد … ور قتالهم فليس بمسلم
عَجَبًا لأمة جدنا يجفوننا … ويُجيرنا منهم رجال الديلم
وتوفي ببخارى سنة أربع عشرة وثلثمائة (٥)؟
ثم قام بعده ببرهة ابن ابنه:
[١٦] المهدي أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد القائم بالحق
وقام من بني الحسين مَنْ قاوَمَهُ، ودان بحربه وداوَمَهُ، وجرت بينهما حروب وخطوب على ضروب، صرّح فيها السيف وما ورى، وروى فيها السهم كبد قوسه الحرّى، وتصاول فيها الفحلان، وكاد أن ينصرعا، وتناضل البطلان وما بقي إلا أن ينقطعا، ثم دالت الدولة للقائم من بني الحسين، وقال القائل: ما بعد غائب نُقل إلى القلب من العين، وذلك بعد حروب تلاقى بها مَرَجُ البحرين، ومَرّ جَلَمُ الحديد على النحرين، وذُبحت الرجال ذبح الغنم، وأشارت أطراف الرماح بالعنم، ومرت الأعلام على كل شاهق كالعلم، وخلّفت حوافر الخيل وجود الأرض كالعدم.
ثم تولى البيت الحسني بإحسان أنساهم مصابهم، وألهاهم عن عظيم ما
стр. 8125
أصابهم، وأجرى الكل منهم ما كان له في دولتهم الماضية، ولم يبق منهم إلا راض وراضية، وسنذكر دولة هؤلاء الحسينيين مع بني أبيهم، ومن شيعة هؤلاء الحسينيين الذين ذكرناهم فرقة ثمانية (١) ما هذا موضع ذكرهم:
وأنشد له البيهقي (٢) هجاء في أهل الري، وأنشد له في الغزل قوله: [من الكامل]
كفي لحاظك انهنّ سهام … رمت الفؤاد وكان ليس يرام
ما ذل مثلي قط مذ خُلِق الورى … إلا لمثلك والغرام إمام
ذكر دولة الأخضريين (٣)
وهم من ولد إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وهم قوم توارثوا الإمامة باليمامة، ولم تلم بي من تفصيل أخبارهم إلمامة، وصار لهم بقم وقاشان ذكر نابه، وَوَصْفُ متشابه.
ذكر دولة الأدارسة ببلاد المغرب
وأول من هبت له بها ريح، ونشبت مصابيح، حتى وسعت اللجج قُرْبَها وقطعت الحج قطبها، ووثَبَتْ ببقايا بني أمية بقيتها، وفلت الأرض حتى حصلت لقيتها، هو:
[١٧] إدريس (٤) المغرب ابن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب
وإليه تنسب الأدارسة، وهو الجد الأكبر المحلّق في الجو الأكدر، حَلَّق فانتهز