← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

نسيتم دماء بالمدينة أهدرت … وما كان في فخ من الأسر والقتل (١) فميلوا لهم لا درُّ لله دركم … وعاطوهم كأس المودة والوصل وخلّوا بني بنت النبي بجانب … ولا تقصروا حتى تروا فرقة الشمل وتأخذكم أيدي الشتات وتخرجوا … من الحرم الشامي والحرم القبلي وأما أنا ما دام للسيف قائم … فلا أشتري عز العشيرة بالذل ولا أرتقي إلا ذرى كل منبر … ولا أرتضي إلا الذي يرتضي مثلي أُمهّد للأبناء ما يتبعونَهُ … وأتْبَعُ آبائي الذين مضوا قبلي ثم لما خاف غلبة الرجال، أسلم الحجاز ذاهبًا إلى مصر، وقال: [من البسيط] قوّض خيامك عن أرض تُضامُ بها … وجانب الذلَّ إن الذلَّ مُجْتَنَبُ وارحل إذا كانت الأوطان منقصةٌ … فالمندل العَرف في أرجائه حَطَبُ ولم يزل في خطوب وحروب تنوب إلى أن مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ومدته نحو ثلاث وعشرين سنة، وبه انقرضت دوله الداوديين بالحجاز، وفرّ أهل بيت الإمارة، منهم إلى اليمن، ولها منهم أمراء. ذكر الدولة الطبرستانية (٢) تداولها ستة رجال، منهم ثلاثة من بني الحسن، وثلاثة من بني الحسين، فأما الدولة الحسنية، وهي كانت الأولى، وبها أسست الوطأة العلوية هناك. وأولها: [١٤] الداعي إلى الحق (٣)، أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن اسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان أمضى من صارِمِهِ، وأخلع للدعة من خاتمة. نهض للملك حتى أخذه،

стр. 8122

وأمسك بطرف ردائه وجبده، ومنّى نَفْسَهُ بالعراق وشمّر لها أصبعه، وفَغَرَ لها فاه، وحرش سبعه، وسل لها عزمه من حدّ باتكه (١)، وأعمل فيها خدعة ناسكة لا فاتكة، حتى لولا ميل المقادير، وأن كلّ بتقدير، لأطاحها عن بني العباس وأبتزهها، وألبسهم ذلها ولبس عزّها، وخطب له بالخلافة في أول خلافة المستعين (٢) سنة خمس (٣) ومائتين بالري والديلم، وكان مهابًا عظيم الخلق، عطس يومًا عطسة ففزع رَجُل وهو في المنارة قائم يؤذن فيها، فوقع منها فمات، وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين. وغيل (٤) في آخر عمره بدنه، حتى كان يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط. وكان أول أمره بالعراق في ضيق حال، وكان كثيرًا ما يسأل عن البلاد الممتنعة الوعرة التي أهلها أهل سلامة وقبول لما يدعون إليه، فَدُلَّ على بلاد الديلم وطبرستان، فأتاها، وفيها قوم لم يكونوا أسلموا، فأسلموا على يده وتمذهبوا بمذهبه، حتى أسس التشيع هناك، وكان جوادًا ممدحًا، له شعر فائق فمنه قوله: [من الوافر] ومانثر المشيب علي إلا … مباشرة السيوف لذا الصفوف فأنت إذا رأيت علي شيئًا … فمكتسب بألوان السيوف (٥) وله فطنة مليحة في الانتقاد على الشعراء. وحكي، أن رجلا من بني أمية أتى إليه، وهو في مجلسه، فسأله عن نسبه فقال له: أجل من بني أمية، فقال رجل من أهل المجلس: لا أهلًا بك ولا بمن أنت منهم، ثم لم يبق أحَدٌ حتى أخَذَ في سبه وسبّ بني أمية، وقال رجل: دعني وإياه فلأضرب عنقه، فقال الداعي إلى الحق: لبئس الجلساء أنتم، ثم التفت إلى القائل وقال: دعني وإياه، وقال له: يا هذا أتظنك بقتله تدرك ثأر مَنْ سَلَفَ لا والله لا على هذا ولا علينا مما شَجَرَ بين أولئك، ثم قال للأموي: أيها الرجل ماذا تريد؟ فقال: وفاء ديني وكفاف أهلي، فقال: حبًّا وكرامة، كم دينك وكم كفاف أهلك؟ فقال:

стр. 8123

ألف دينار، خمسمائة لهذا وخمسمائة لهذا، فقال: بل لكل منهما ألف دينار، ثم أمر له بألفي دينار، فأخذها، وكساه وحمله وجهزه إلى مأمنه. ثم قام بعده أخوه، [١٥] القائم بالحق، أبو عبد الله محمد (١) وكان ممن يُحمد، ظهر بحلية تنسك، ووقوف مع الحق وتمسك، وكان يَهِبُ على ضيق ذات يدِهِ، ومضيق رقعة ملكه وبلدِهِ، بِدَرًا وألوفا، ويُرهب أعداء وصفوفا، وكان يغزو وهو في الوطن، ويسكن وتحت سكونه حركات الفطن، وكان قائمًا بالحق قائلًا له، وقائلًا (٢) في ظلة لا يفارق ظلّه، وأوت الرعايا منه إلى أب بر تميل على جوانبه، وإمام عادل لا يكف عن الأرض مطر سحائبه، فكأنما كانوا في أيامه لمنها في الحلم والأمنها في الأشهر الحرم، هذا مع شراسة خلق، وشكاسة غضب لا ينجاب لها أفق، يحتاج من حضره وقد حضره ذلك الخلق الشرس والغضب البئس أن يغيب عنه وجهه مقدار حلب لقاح، أو ما يجف الندى عن الأقاح، وقد تجلّت تلك الغيابة العارضة، وهدأت شقائق تلك الغمامة العارضة، وعاد إلى أحسن خَلُقِهِ، وأَعاذَ بإحسان نبته من إساءةِ خَرْقِةِ، وتسفر تلك الرياض الدمائث، ويتضوع كالمسك في يد مائث. ومن كنوز المطالب: إنه وصل إلى الري في جموع عظيمة هال أمرها وآل الأمر إلى أن هزمه كوتكين (٣) صاحب الريّ، ثم جلس كوتكين لضرب أعناق الأسرى، فوثب منهم ديلمي على السياف، فاستلب سيفه من يده وعلاه به فقتله، ومر هاربًا فلم يلحق، وكوتكين ينظر إليه ويضحك (٤). ثم هبت للقائم بالحق سعادة ملك بها جرجان، وبعض خراسان وظهرت شيعته في تلك الأقطار، ثم هزمه عسكر السامانية، فقتلوه سنة ثمان وثمانين ومائتين.

стр. 8124

ثم كانت بعده ثُمَّ حروب يطول شرحها، وللقائم هذا أدب، ومن شعره قوله: [من الخفيف] إن يكن نالك الزمان بِصَرْفٍ … أضرمت ناره عليك فجلت (١) فاخفض الجأش وأصبرنّ رويدًا … فالرزايا إذا تجلت تخلت (٢) ولما كُسِر أُسِر ابنه أبو الحسن زيد، ولم يزل مكرمًا عند إسماعيل (٣) بن أحمد الساماني، وكتب إليه المكتفي يحمله إليه، فدافعه. وله شعر منه قوله (٤): [من الكامل] ولقد تقول عصابة ملعونة … ضوضاء ما خُلقت لغير جهنم من لم يسبّ بني النبي محمد … ور قتالهم فليس بمسلم عَجَبًا لأمة جدنا يجفوننا … ويُجيرنا منهم رجال الديلم وتوفي ببخارى سنة أربع عشرة وثلثمائة (٥)؟ ثم قام بعده ببرهة ابن ابنه: [١٦] المهدي أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد القائم بالحق وقام من بني الحسين مَنْ قاوَمَهُ، ودان بحربه وداوَمَهُ، وجرت بينهما حروب وخطوب على ضروب، صرّح فيها السيف وما ورى، وروى فيها السهم كبد قوسه الحرّى، وتصاول فيها الفحلان، وكاد أن ينصرعا، وتناضل البطلان وما بقي إلا أن ينقطعا، ثم دالت الدولة للقائم من بني الحسين، وقال القائل: ما بعد غائب نُقل إلى القلب من العين، وذلك بعد حروب تلاقى بها مَرَجُ البحرين، ومَرّ جَلَمُ الحديد على النحرين، وذُبحت الرجال ذبح الغنم، وأشارت أطراف الرماح بالعنم، ومرت الأعلام على كل شاهق كالعلم، وخلّفت حوافر الخيل وجود الأرض كالعدم. ثم تولى البيت الحسني بإحسان أنساهم مصابهم، وألهاهم عن عظيم ما

стр. 8125

أصابهم، وأجرى الكل منهم ما كان له في دولتهم الماضية، ولم يبق منهم إلا راض وراضية، وسنذكر دولة هؤلاء الحسينيين مع بني أبيهم، ومن شيعة هؤلاء الحسينيين الذين ذكرناهم فرقة ثمانية (١) ما هذا موضع ذكرهم: وأنشد له البيهقي (٢) هجاء في أهل الري، وأنشد له في الغزل قوله: [من الكامل] كفي لحاظك انهنّ سهام … رمت الفؤاد وكان ليس يرام ما ذل مثلي قط مذ خُلِق الورى … إلا لمثلك والغرام إمام ذكر دولة الأخضريين (٣) وهم من ولد إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وهم قوم توارثوا الإمامة باليمامة، ولم تلم بي من تفصيل أخبارهم إلمامة، وصار لهم بقم وقاشان ذكر نابه، وَوَصْفُ متشابه. ذكر دولة الأدارسة ببلاد المغرب وأول من هبت له بها ريح، ونشبت مصابيح، حتى وسعت اللجج قُرْبَها وقطعت الحج قطبها، ووثَبَتْ ببقايا بني أمية بقيتها، وفلت الأرض حتى حصلت لقيتها، هو: [١٧] إدريس (٤) المغرب ابن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب وإليه تنسب الأدارسة، وهو الجد الأكبر المحلّق في الجو الأكدر، حَلَّق فانتهز

стр. 8126

فرصة، وحصل قنصه، وقد تقدم ذكر دخوله المغرب وبهذا عرف، فر من وقعة فخ (١)، وقال: [من السريع] غَربتُ كي أَغرب في ثورةٍ … أشفي بها كلَّ فتى ثائر لا خير في العيش لمن يغتدي … في الأرض جارًا لأذى جائر والأرض ما وسعها ربها … إلا لتبدو همة السائر لا بَلَغَتْ لي مهجةٌ سُؤلها … إن لم أُوَفِ الكيلَ للغادر فسار حتى أتى بلاد البربر، فتابعوه وبايعوه، فقال فيهم: [من الطويل] وأَصْبَحْتُ في شماء بالغرب … عند من بذبون عني بالمثقفة الملد رعوني لما ضيعتني أقاربي … وما اطرحوا ما كان أوصى به جدي فلم يزل الرشيد يستطلع علمه فدس عليه حجامًا سمَّه في سنون (٢) إسكن به، فسقطت أسنانُه، ومات في سنة ثمانين ومائة، وعمره ثمانية وخمسون سنة، وإلى ميتته هذه أشار أشجع السلمي في قوله (٣): أتظن يا ادريس أنك مُفْلِتٌي … كيد الخلافة أو يقيك حذار هيهات إلا أن تكون ببلدةي … لا يهتدي فيها إليك نهارُ ثم قام بعده ابنه [١٨] إدريس (٤) بن ادريس وهو الغر الذي ختل، ودس عليه الكيد حتى قتل، وكان قد علا أمره، وأضاءَ

стр. 8127

حجره، وتهمّم بغزو إفريقية وكان مؤيدًا بجده لأمه راشد (١) مولى أبيه، وهلول بن عبيد الله رأس ثقاته، فعمل إبراهيم (٢) بن الأغلب على راشد حتى هلك، واستفسد باطن هلول، وقال: [من الطويل] ألم ترني بالكيد أوديتُ راشدًا … وأني لأخرى لابن إدريس راصد تناوله عزمي علي بعد داره … بمختومة في طيّهن المكائد ثم لم تترك مكائد ابن الأغلب تُخبُّ إليه وتضع، حتى قتله ثقاته وبعثوا رأسه إليه، فبعثه إلى الرشيد، فكتب لابن الأغلب بإفريقية فتوارثها بنوه ولادريس المثنى شعر (٣): [من البسيط] بات الأحبّة واستبدلت بعدهم … همًا مقيمًا وشملا غير مجتمع وما استرحت إلى يأس ليسلبني … إلا تحول لي يأسي إلى الطمع وكيف يصبر من ضُمَّت أضالعه … على وساوس هم غير منقطع إذا الهموم توانت بعد هدأتها … عادت عليه بكأس مرّة الجُرَعِ وترك إدريس عشرة بنين (٤)، كان كل واحد منهم يُخالف الآخر وينازعه سلطانه وكان أجلّهم القاسم، وفي القاسميين كان معظم الأمامة فيهم، فكان: [١٩] القاسم (٥) بن إدريس القائم بعد أبيه خُطب له ببلد سبتة وما يليه، وجرت بينه وبين عمال بني أمية

стр. 8128

حروب، وتساهم هو وإياهم غمرات كروب، وإليه الحواطيون شرفاء فاس، والكريون، وبنو فنون جلّة كومية، وأشهرهم في القديم جنون بن أبي العيش، عيسى بن جنون بن محمد بن القاسم صاحب بصرة المغرب (١)، وكان له خمسة وعشرون ذكرًا، منهم: الحسن الأعور، وادعى النبوة في بلاد البربر، وعظم أمره فيهم، وذكر ابن حبان (٢) وقائعه مع عسكر المستنصر (٣) الأموي، حتى امتنع بحصن الكرم، وبويع المستنصر، ثم آل الأمر إلى أنه وَفَدَ على المستنصر طائعًا بقرطبة، واحتفل له المستنصر، وتلقاه، وجلس له، وأنشدت الشعراء، ومنهم ابن شخيص (٤) وقال: أميَّة قد عادت بنو حَسَن … لكم كما كان فيما قد مضى حين سلموا فعودوا عليهم بالذي قد تعودوا … من الحلم والرحمي فذلك أكرم قال: وكان معه جمع من الحسنيين فيهم صبي لم يبلغ الحلم، فلما رأى ما عوملوا به من الإكرام، بكى، فقال له بعض أقاربه: ما يبكيك وأنت ترى هذه النعم؟ فقال: النقم في عزّنا حيث كنا خير من هذه النعم في ذلنا لبني أمية. قال: وافترقت الأدارسة فرقتين، فالمحمديون من ولد محمد بن إدريس المثنى مالوا إلى ابن عمهم المهدي عبيد الله بإفريقية، والعمريون من ولد عمر بن إدريس مالوا إلى الناصر الأموي. وكتب إليه رئيسهم كتابًا قال فيه: وقد أنعم الله علينا يا أمير المؤمنين بأن صرف همتك إلى ناحيتنا، ووكل عزمك بعدوتنا، ولقد كنا نتمنى ذلك ونستطيبه منك إلى أن تمم الله عزمك ويسرك إلى توفيقه مما نرجوا أن نرتقي فيه بك إلى أفضل المحطّ (٥)، وأشرف المنازل، وقال فيه: إن

стр. 8129

بلد البربر تغلّب عليه قوم ملكوا أنفسهم من زمن عمر بن عبد العزيز وجَرَتْ عادتهم بجحد السلاطين ودفع الأئمة إلى أن دخل إليهم جدنا ادريس بن عبد الله هاربا من عبد الله الملقب بالمنصور بعد أن قتل أخويه محمد وإبراهيم، وشرد أهلهم، فلما سار إليهم جدنا واستجار بهم أجاروه ورعوا حَقَّه ووضعوا له ببلدهم فرضًا من غير أن يضبطهم ضبطًا بسلطان، وقد تناسلنا منه، وقمنا بعده، وسلكنا سبيله، فالبربر إلى اليوم على عادتهم الأولى، إن هَمَمْنا بتشديد السلطان عليهم هربوا عنا ونَفَروا منا واتخذوا الحصون علينا، فمرةً نذهب إلى محاربتهم، وتارةً نعدل إلى مداراتهم، ولا نطمع مع الأيام في ضبطهم وكف عاديتهم، ونحن مستبشرون بما حاطنا به أمير المؤمنين من أنه قد فرغت أسبابه من الأندلس، وأنه عزم التوجه لرد ما كان لآبائه، ثم كتب في آخره: [من الطويل] إليك أمير المؤمنين رفعناها … رؤوسًا تروم الأمن والمن والجاها نَفَتْنا بنو العباس عن شرق أرْضِها … وآل حسين قد قَلَتْنا بقرباها ولم يبق إلا أن تكرّ أميّةٌ … بأحلامها لا أبعد الله مثواها ثم قدر الله أن كان خراب دولة بني أمية على أيدي هؤلاء الأدارسة العمريين، على ما هو مذكور في موضعه، وكان السبب أن ولي أحمد بن حمود سبتة وقبائل العدوة، فتلقفها تلقف الأكياس، وقال: وتلك الأيام نداولها بين الناس، الأمر أريد بظهور الدولة الحمودية وأولها: [الدولة الحمودية] [٢٠] دولة الناصر علي بن حمود (١) بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وقال الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي: هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن أبي العيش بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي الطالبي الفاطمي، الإدريسي، السرغيني، وهو الصحيح، وميمون بن حمود

стр. 8130

هو ثائر سرغين، وأمه البيضاء القرشية، واسمها حيونة بنت عم أبيه ولد سنة أربع وخمسين وثلثمائة، كان هو وأخوه القاسم من جند سليمان بن الحكم، فنهضا عليه فقتلاه في المحرم سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وانقطعت الدولة الأموية بالأندلس بمقتله، وخلا وشيجها من مَنْبَتِ أسله، وبويع له يوم تغلبه بالبرابر على قرطبة، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة سبع وأربعمائة (١)، وقولنا الأول عن صاحب بلغة الظرفاء (٢)، والثاني عن الغرناطي، قال: وتسمّى بالناصر، وتوفّي قتيلا في حمام القصر بقرطبة صبيحة يوم الأحد ثاني ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة (٣)، وهو ابن تسع وأربعين سنة وكانت مدته سنة وإحدى عشر شهرًا غير أيام، وكان أسمر، أعْين، تلفاعة (٤) لا ينظر شيئًا بعينه إلا أسرعت الآفة إليه. انتهى كلامه. قلت: كان ظلومًا غشومًا سفاكًا للدماء، نهابًا للأموال، منتهكًا للحرمات فاشتد على أهل قرطبة البلاد، فلزموا البيوت، وتغيبوا في المطامير، وتعلّقوا بذوائب الجبال، إلا اليسير، وانبسطت أيدي البربر على الخلق، واتسع الخرق، فأغلقت الحوانيت وانقطعت الطرق والسباريت (٥)، حتى وثبت عليه الصقالبة في الحمام فعجلوا له الحمام، فقتله بأضعف خلقه في وسط داره بأقرب فتيانه، من غير روية ولا تدبير، إلا ما ألْقى الله في نفوسهم. واجتع في قتلِهِ ثلاثة مُرْدٍ من المقربين إليه، كان قد عشق أحدهم، وراوده عن نفسه، فامتنع، ورد عن نفسه ودفع. فأبى إلا أن يعتلجه، فضربه على دماغه بكوب نحاس، فصرعه، وابتدره الاثنان لبيب وعجيب فوجؤه بخناجرهم، وقطعوه كبادا (٦) نواجرهم، وكف الله عاديته وصرف رائحته وغاديته، وذلك يوم الأحد غرة ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، وفرّ قتلته ونجوا، وقيل قتلوا.

стр. 8131

وقد ذكر ابن بسام (١) أن المستعين (٢) الأموي لما تمالأ عليه بنو عمه وأمل علي بن حمود ليستجيش به، وجعل له العهد بعده، ثم قال: وولاه طَلَبَ ذَحْلِةِ (٣)، فهيج الحفائظ القرشية، وحرك الطوائل الطالبية، فرماهم يومئذ من علي هذا بثالثة الأثافي (٤)، طوى كشحه منها على مستكنةٍ أرجأها لوقتها. قلت: فهذا كان سبب تورثه واستشاطة غضب سورته، وبقي تلك المدة، ثم قام أخوه: [٢١] المأمون أبو محمد القاسم (٥) وبويع بعد أخيه، وما أقدره العجز عن شدّ أواخيه (٦)، قال الغرناطي: وأمه أم أخيه البيضاء، وكان أسمر أعين، أكحل، مصفر الوجه، خفيف العارضين، قلت: وكان سيفًا مخذمًا، وصلًا أرقمًا، ونسرًا قشعمًا. مشمرًا عن ساق، مشدّدًا بعزائم لا يحل عليها نطاق، وكان وقورًا حسن السمت يحسن التكلم والصمت، حنكته التجارب، وحركته لبلوغ المآرب، ولتسويغ المشارب. كان بإشبيلية، فأرسل إليه بعد مقتل أخيه، فجاء فعقد له البيعة يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان وأربعمائة، فأقام ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرين يومًا. ثم خلفه ابن أخيه يحيى (٧) بن علي بن حمود، وكان سبب خلعه أن يحيى بن

стр. 8132

علي كان ولي عهد أبيه، وكان أبوه قد ولاه المغرب، فلما مات أبوه بقرطبة دعى البربر أخاه القاسم بن حمود وأدخلوه القصر وبايعوه، فأنف ولي العهد يحيى من ذلك، وتظافر هو وأخوه إدريس واتفقا على أن يعبر يحيى إلى الأندلس طالبًا بحقه، راغبًا في التلطف له بحذقه، فعبر البحر إلى أشبيلية سنة أربعة عشرة وأربعمائة، ثم سار إلى قرطبة، ففرّ منها القاسم والمأمون، ودخل يحيى قرطبة وبويع له بعهد أبيه، وخطب له بها، ثم اضطرب عليه البربر ففرّ من قرطبة إلى مالقة، ورجع عمة القاسم من قرطبة إلى أشبيلية، فأقام بها إلى (أن) (١) أخرجه منها أبو القاسم محمد بن عباد (٢) إلى شريش (٣)، فملكها، فأتاه يحيى وحاصره وظفر به وسَجَنَهُ بها، وتخلّص الأمر ليحيى. [٢٢] ذكر دولة المعتلي، أبي اسحاق، يحيى بن علي بن حمود وقيل يكنى بأبي محمد، وأمه لبونة بنت محمد بن الحسن بن فنون الفاطمية ولدته بقرطبة سنة ست وثمانين وثلثمائة، وبويع له بقرطبة بعد عمه القاسم يوم السبت الثامن من ربيع الآخر سنة أربع عشرة وأربعمائة، وكانت مدته سنة وسبعة أشهر، ثم بويع عمه القاسم كما تقدم ذكره، ثم رجع إليه يحيى وبويع واستوسق له الأمر، واستوثق له عهد البيعة، وأمر بعزّ قاهر، وعزم يتخازر له طرف البرق الشاهر، وبأس لو صك به الماء للفح، أو حيا الصخر بأمر منه لجرح. ثم قتل عند قرمونة (٤)، وترك فأكلته السباع، وشبعت بطون ليست بجياع (٥) قال

стр. 8133

الغِرناطي: وكان سمينًا معكّن البَطن بارز الثديين، صافي البياض. خيرًا من مُخدَّرة، وعادت دولة بني أُميَّة إلى قُرطبة، وفاضت في الأندلس، سيأتي ذكر هذا في ذكر أوائل القروم الشمس. [٢٣] ذكر دولة المُتأيَّد، أبي العُلى (١)، إدريس بن علي بن حمود وكان أبوه قد ولاَّه سَبتة وأعمالها، فلما مات أخوه المعتلي ثار بسببه، ودعا إلى نفسه على بَغتة، وأخذ الناس بالبيعة فأَخَذَتْهُم بهتة، وأعطوه أيمانهم البتة، وعبر البحر إلى مالقة، فاجتمع عليه أهلها وتابعوه، وعقدوا له ولائهم وتابعوه، وخطب له وخوطب بالخلافة، وتسمى بالمتأيَّد، وبايعه أهل المرية ورندة (٢) والجزيرة الخضراء (٣)، وكان شهمًا سريًا سهمًا يفري فريا، كريمًا معطاءً عظيمًا، يوسع الناس عطاء، حَسن الرأي والسيرة بالرعية، وقافًا مع الأحكام الشرعية، ولم يزل على أحسن أحوالِهِ مُستقلًا، ولطود ما حمل مُقلًا، إلى أن مات في السادس عشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وجعل في تابوت وحمل إلى سبتة فدفن بها وغيب كوكبه الدُّرّي في تربها، وكانت مدته أربع سنين وشهرًا وأيامًا. [٢٤] ذكر دولة القائم، أبي زكريا (٤)، يحيى بن إدريس بن علي بن حمود بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه المتأيَّد، وكان غير مُسدّد، ولا مُشدّد، خفيف الحصاة، مخوف البادرة، ولا يضع سيفه ولا عصاه، طائش الثبات في حركاته، طائر الأناة في شكاته، تقدم بتقديم وزير أبيه وكاتبه أبي جعفر بن أبي موسى (٥)، يوم الاثنين سادس عشر محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وتمت

стр. 8134

له البيعة وخطب له بمالقة وأعمالها، وسائر أعمال أبيه، وكان رأيه لا تعلو به قوادم، ولا يقرع سن نادم فنازعه عمه الحسن (١) فحاصره حصارًا ضيق عليه مهب أنفاس الهواء، وضيّع صبره في طول الثواء، فطلب منه الصلح على أنه يتخلع ويبايعه، ويسلم له منبر الخلافة ولا ينازعه، وذلك في جمادي الأولى من السنة المذكورة، وكانت مدة القائم أربعة أشهر إلا أيامًا، ثم بقي يحيى بن إدريس خاملًا لا يرفع له رأس، ولا يجتمع عليه ناس، إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. [٢٥] ذكر دولة المستنصر، أبي محمد (٢)، الحسن بن يحيى بن الناصر علي بن حمود صاحب سبتة، لما وصله التابوت بأخيه ادريس دفنه من ساعته، وأخذ على البيعة أيدي جماعته، ثم ركب البحر في يومه إلى مالقة فملكها وضبطها بعدما انخلع له ابن أخيه يحيى القائم، واستوزر كاتب أخيه أبي جعفر بن أبي موسى بن بقية (وكانت ضغينة) (٣) على أخيه في صدره منه يجدها، ومحنة تقدمت إليه لا يجحدها، فإنه هو كان المقدم لابن أخيه، فأسرها له في نفسه ضغينة حقدها، ونية أقبرها له في باطنه وألْحَدَها، وطاوله بها في السنة الثالثة، ثم قتله، وأنزل به الحادثة، وكان ذلك في يوم عيد الفطر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. فأشام عيده، وشام من بارق المهند وعيده، بعد أن استخرج منه أموالًا، بسط عليه في المطالبة بها أنواع العذاب المهين، وأبرز له فيها كوامن الداء الدفين، ثم بايعه أهل غرناطة وبلاد أخرى في الأندلس، وانقادت له بطاعة قلوبها وعقد نياتها التي بين جنوبها، فثبت المملكة وشدّ أواصِرَها، ورفع قصورها ومقاصرها، ورد كيد عدوّها في نحره، وأغرق راكب ثبج العزاء (٤) في بحره، وعدل في أحوال الرعية، وجبي الأموال وقسمها بالسوية، ثم توفي في جمادى الأول سنة اربع وثلاثين وأربعمائة.

стр. 8135

وكانت مدته أربع سنين (١) كأنها يوم واحد لأسف الناس على قصر مدتها وطيبها، وأوقاتها التي كأنما غربت شمس النهار بغروبها، ولم يترك من ورثته أحدًا إلا أخًا صغيرًا (٢) لا ولدًا، فاعتقله نجا الصقلبي، وغلب على مالقة وأعمالها، واستبد بتدبير المملكة، إلى أن شحط بها قتيلا في دمه، ووضع رأسه الشامخ تحت مواطئ قدمه. حكي أن بعض ندماء المستنصر حضر إليه، واليوم قد طر بالليل شاربه، والأصيل قد كرع في الراح شاربه، والشمس قد اعتلت وما بها سقم لشلوه، والنهار قد قارب وحضر عوّاد النجوم ليبكوه، فدام عنده في جنة تنعم في وطوفها، ومنه تكرم بصنوفها، حتى أَقْبَلَ الليل ثم ذهب، وأطوله كاللمح بالبصر، وأبعده قيد فتر بين العشاء والسحر، فما كان بأسرع من أن أصبح، وطرحت العين لحظها كل مطرح، فلما أراد القيام دعا بالصبوح فسقاه، وفداه بأبويه ووقاه. فقال: دامت لك الدنيا ودُمْتَ لأهلها، ثم ارتج عليه فقال المستنصر: حتى تجود لهم بما تحويه، فقام النديم، ثم قال: ماذا أقول وهذه نية صدق ظهرت وبارقة بر ستكون لما بعدها. فقال له: حسبك، لقد أبلغت، ثم أمر له بألف دينار، وحمله على بغلة من مراكبه وصرفه مكرمًا إلى منزله، مكررًا له فضل تطوله. [٢٦] ذكر دولة أخيه العالي (٣)، أبي يعلى، إدريس بن يحيى بن علي بن حمود وهو الذي سجنه نجا الصقلبي، وعُصبه من أصل جده النبي، ونسبه الأبوي مشتق منه فعله الأبي، ومحتده الأصيل يعرف بعطائه الذهبي، وكرمه العلوي ينطق به لسان به لسان قراه اللهبي، وأنه يصحح طرف النجم السقيم، ورايته تدمر كل شيء أتت عليه كالريح العقيم، برقه لا يخلف وعدًا ولا وعيدا، وأُفقه يمطر تارة فضةً وذهبًا

стр. 8136

وتارةً حجارة وحديدا. وبويع له في اليوم الذي قتل به الشطيفي (١)، وذلك أن نجا لما اعتقل هذا العالي واستبد بالأمر، خرج من مالقة في جنوده واستخلف عليها رجلًا من خاصته يُعرف بالشطيفي، وقصد الجزيرة الخضراء ليقبض على محمد والحسن ابني القاسم بن حمود ولم يظفر بهما، فرجع إلى مالقا خائبًا، وقد حان حينه أن يزور ثرى الأرض دفينه فاغتاله ليلًا في خبائه بعض عبيد القاسم بن حمود، فقتله واحتزّ رأسه، ورفعه على عود، وأطيف به تلك البلاد، كأنه هدي يزف، لا يمل بالتشفي رؤيته طرف، ثم أُدْخِل مالقة فثارت العامة على الشطيفي فقتلوه، ونُصبت رؤسهما وعلّقت، وركبتا على خشبتين، وَرَكَبا منها مطيتين بوارك لا تسير بهما، ولا تدني نوي مغتربهما، إلا أنهما من جذوع الرواحل، لا تُطوى بها المراحل، أو قواعد وعمد إلا أنها لَيْسَتْ ممدودة، كأنهما عليها خُشَب مسندة قيدت لهما من مربط النجار. ونيطت بهما لما يجمع بينها وبينهما من قرب النجار، وأخرج إدريس العالي من السجن، وبويع يوم الخميس سادس إحدى شهري جمادى سنة اربع وثلاثين وأربعمائة، ثم بويع بغرناطة وقرمونة وما بينهما من البلاد، وأنارت بالعدل مشارق زمانه، وأنالَتْ من الفضل بوارق إحسانه، ثم أمطرتهم دِيَمُهُ دراكًا، وأرتهم غرَّ الثنايا فما استسقوا بشامًا ولا أراكا. قال الشريف الغرناطي: وكان عدلًا خيرًا، لم يزل على أحسن الأحوال إلى إن ثار عليه ابن عمه محمد المهدي، فجرت بينهما حروب كان الظهور فيها لابن عمه، فانخلع له، فسلم له الأمر وذلك في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وكانت مدته ثلاث سنين وستة أشهر، ومات بعد ذلك بيسير. [٢٧] ذكر دولة المهدي (٢)، أبي عبد الله، محمد بن ادريس المتأيد بويع له بمالقة يوم خلع ابن أخيه العالي، وكان نبيه المعالي، وكانت بيعته في

стр. 8137

رجب سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فتمت له الأمور وتابعته البلاد فضبطها، وكف عن أطرافها جور الأعداء وشططها، وأحسن تدبيرها، وكان سئوسًا نبيلًا، رئيسًا جليلًا، فَطِنًا بالصواب، لا تخطئ مواقعه، ولا يخلي من صفو المناهل مشارعُه، أذكى قلبًا من السراج، وأشف بصرًا من الزجاج، مُحصنًا للملك، مُسكنًا للفتن، مؤثرًا للخير، مثمرًا للجاني معمرًا للنواحي مصلحًا لأمور الجند، منجحًا لمقاصد الأمل، كانت أيامه هادئةً مطمئنة، لا تنجم في دولته فتنة ولم يزل كذلك إلى أن مات بمالقه ستة أربع وأربعين وأربعمائة (١)، وكانت مُدَّته ست سنين وستة أشهر، وكلُّها محمودة ممدوحة، ممنونة ممنوحة، كأنها أعياد، أو في جفون الزمن الوسنان رقاد، ينهل نداها ساكبًا ويجل قدر دولتها، فلا يمر بها السحاب إلا راحلًا، لا راكبًا. [٢٨] ذكر دولة الموفّق أبي علي إدريس بن علي بن إدريس بن علي بن حمود ابن أخي المهدي وكان ندي الندى، يفوت كرمُهُ كلّ سخي، وعيش زمانه كلّ رخي، وعزم ضاربه كل نخي، لا يتأخر جوابه عن المصطرخ، ولا تأفل أهله شهوره الحسان ولا تنتسخ، إلا أن الأقدار لم تُسعده بمطاوعتها (٢)، ولم تبعده من اجتذاب منازعتها، بويع سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ولم يخطب له خطيب ولا هتف باسمه داع في بعيد ولا قريب، وبقي أشهرًا كان زمانه فيها بالطاعة والعصيان مستمرًا، ثم ثار عليه إدريس العالي بن يحيى بن علي بن حمود المخلوع المقدم ذكره، فَخَلَعَهُ وقسره عليه كالليث القسورة، وما خَدَعه وانتزع الملك، ثم عادت دولة العالي وما بقيت إلا أيامًا وليالي، ثم أتاه الموت وأجاب الصوت، فترك منبره، ونزل المقبرة. ثم كانت: [٢٩] دولة المُسْتَعْلي (٣): أبي عبد الله محمد بن إدريس المتأيد بن الناصر علي بن حمود وكان ممن يسود ولا يسود، يتساقط ضعفًا، ويتقدم خلفًا، بويع سنة ست

стр. 8138

وأربعين وأربعمائة وخُطِبَ له بمالقة والمريّة وزبده وغيرها من البلاد، فَتَمَهَّدَ له الأمر وما كاد، وأراد التشبّه بسيرة أبيه فما أطاق ولا قدر أن يفتح بها فمًا ولا يشد له بها نطاق، وضيق عليه باديس بن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة فقهره وخَلَعَهُ، وأبتزّه ملكه وما جَمَعَهُ، وذلك في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وكانت مدته سنة واحدة، تُنبه عيونها وهي راقدة، ثم سار إلى المرية. قال الغرناطي: فأقام سنةً أذلَّ من سائل، وأحْقَر من جاهل فاستدعاه أهل مليلة، ليملكوه، فعبر البحر، فبايعوه في شوال سنة تسع وخمسين، ثم بايَعَهُ بنو ورتيدي وقلوع صارة ونواحيها، وأقام بها مملكة إلى آخر سنة ستين، ومات، وكانت مدته بها سنتين وثلاثة أشهر، وانقرضت دولتهم وفنى ملكهم، فسبحان من لا يفنى ملكه، بيده أخذ كل شيء وتركه. [٣٠] ذكر دولة المهدي محمد بن تومرت (١) ويكنى بأبي عبد الله، وهو المدعو له على منابر الغرب، وبإفريقية خاصة إلى الآن، تقول الخطباء الإمام المعصوم المهدي المعلوم. وقال لي الإمام أبو عبد الله محمد بن الصائغ القرشي: إنه ربما دعي له إلى اليوم على منابر الأندلس، ولكن لا يزاد على قول المهدي المعلوم. وهو حسني، من ولد الحسن بن علي ﵉.

стр. 8139

ومن الكنوز: إنه إدريسي، قال مؤلفه، هو من بني إدريس بن إدريس. وقال: وبنو ادريس بن إدريس في السوس (١) عددٌ وخلق. قلت: ولم أقف على نسبه الموصول، ولا عرفت فرعه اليانع من أي الأصول، وكان ابن تومرت داهية، لا يُعدّ معاوية بن أبي سفيان تربه، ولا مثله المغيرة بن شعبة، ويقصر عنه دهاء عمرو، وسميه ابن العاصي في آخر الأمر، أو قيس به زياد لما زاد، أو أبو جعفر المنصور لخاف على جعفرهِ من مكاثرة الأمداد، وكانت همته لا تحدثه بما دون النجم، وعزمته لا يلين عودها بالعجم، أبْصَر بمقاصدِهِ [من] زرقاء اليمامة، وأجدى على مؤمّلِهِ من أنواء الغمامة، كان قد ساح في الآفاق، ورأى دنسها، وشمر ذيله لما عرف نجسها، فأورد خيْلَهُ المجرة، وصعد أبنية البروج المشمخرة، ونازع النجوم في رتبها، ونَصَلَ سهمًا بشهبها، وافترس الأسد بالأسد، واقتبس جمرة المريخ في سنان ذابله وقد وقد، وكان قد قدم الصعيد في الدولة العبيدية، والرفض ملأ الملا، واعتلى العلى وعمّ الديار المصرية، حتى طبق مفاصلها، وطَرَّق بالبدعة الشنيعة مواصلها، فنزل بمسجد هناك رأى مكتوبًا عليه: لَعَنَ الله الصحابة رضوان الله عليهم، فَنَزَلَهُ وهو من الحنق تغلي مراجلَهُ، وودّ لو قَدْ يُساوِرُ كاتبه ويُعاجِلَهُ، فكتب عليه: [من البسيط] إِنِّي وفي النفس أشياء مخبأة … لألبسنَّ لها دِرْعًا وجلبابا حتى أُطهر هذا الدين من نجس … وأوجب الحق للسادات إيجابا والله لو ظفرت كفّي ببغيتها … ما كنتُ عن ضرب أعناق الورى آبي ثم قام وهو لا يتهدى، ولا يعرفُ أي بحرٍ يجاوِرُه ويتعدى، ثم أتى مكة وشهد الموسم بمنى، وشاهد ما فيه من الغناء لا الغنى، واتخذ لعبة من الزجاج المذهب وَوَضَعها على جمرة العقبة، وقَعَدَ امامها (٢) وعينه مرتقبة، وبقي كلما مر به مار قال له هذه صورة فاكسرها، فلا يُجيبه، ويقول: لعلّ لهذه صاحبًا إذا كَسَرْتَها طالبني بثمنها، إلى أن مر به مَغْرِبيٌّ من أهل الجبل الذي أوى إليه، فلما قال له ما تأبى أن كسرها وما تأتي، فقال ابن تومرت هؤلاء أُريد لِسُرْعَةِ تلقيهم لما يُقال لهم بالقبول، وترك القائل لهم وما يقول، وقضيته معروفة لم يخلُ منها مجالسة جليس، ولا مؤانسة

стр. 8140

أنيس، ولا سمع مرؤس ولا رئيس لما فيها من دقائق التلطف في المراد والتوصل إلى ما في النفس والتهيؤ للاستعداد، بهمة تقتسر المآرب، وتقتدر على المطالب، وكان ابن تومرت واحد زمانه، وفريد عصره حتمًا وحَزْمًا وعَزْمًا وجزمًا وعلمًا وحلمًا وعدلًا، لا يدع ظلمًا ولا جورًا، إلا ما يسمى في عيون الغيد حورا. ويدعى في ريق الغواني ظلما، مع الزهد والورع والمقنع، ولو شاء لما اقتنع والعفاف وما تلبس منه وما ادرع، وكان لا يمل صاحبه ولا يسأمه، ولو تركه مغيرًا لوجه شاحبه. قال مؤلف الكنوز: كان ربعةً قصفًا (١)، أسمر عظيم الهامة، حديد النظر كثير الإطراق، شجاعًا، عالمًا، مُقْبِلًا على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة (٢). ومن الأشعار لابن العديم، قال: رحل إلى المشرق ولقى الغزالي (٣) وأخذ معه فيما يرومُه، فَصَعَّبَهُ عليه، وقال له: لو كان هذا أمرًا ممكنًا لما سبقت إليه، فلما خرج الغزالي ﵀ لوداعه قال ابن تومرت فيه: [من المتقارب] أخذت بأعضادهم إذ نأوا … وخلفك القوم إذ ودعوا فكم أنت تنهى ولا تنتهي … وتُسْمِعُ وعظًا ولا تَسمَعُ فياحَجَرَ الشحذ حتى متى … تَسُنُ الحديد ولا تقطع قال: وأقام بمكة مدّة يلاحظ مواطئ أقدام رسول الله ﷺ ، ويتمثل طريقته، وينسج على منواله، فأَخَذَ نَفْسَهُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد اطلع على الجفر (٤)، وعلوم أهل البيت، وأتى مراكش فرأى زينب بنت أمير المسلمين علي بن تاشفين (٥)، وحولها جواريها يرفلن في الحلى والحلل، وهنّ حاسرات، فأنكر عليهن، وضربهنّ بعصاه، فلما بَلغَ هذا أباها، عَقَدَ له مجلسًا، وجمع فيه

стр. 8141

العلماء وأحْضَرَهُ، فتكلّم بكلام أنكى به ابن تاشفين، فأشار عليه مالك بن وهب بسجنه، وقال: هذا لا يجري منه خير على الدولة، فقام للوزير، وقال: هذا أضْعَفُ من أن يُخاف منه، فخلصه الله منه فقال لأصحابه: إنَّ ابن وهب لا يبرح يضرب الامثال فينا لعلي حتى يبدو له رأي آخر. والرأي أن نعتصم بالجبل، فصعدوا إلى درن (١)، وتابعَهُ أصحابه على أنه المهدي المبشر به، وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة، فلما صَعَدَ الجبل رأى زُرْقةً في أبنائهم، فقال (٢): من أين هذه الزرقة الرومية في بنيكم؟ قالوا: علوج ابن تاشفين تأتينا، فتأخذ النساء، وتنهب الأموال، فقبح هذا وأكبَرَهُ، وأمَرَهُم بمنع ما كانوا يؤدونه، وقتل من أتاهم، وظهرت على يَدِهِ خوارق، يقول أولياؤه أنها كرامات، ويقول أعداؤه: أنها مخاريق ميز في أهل الجبل المنافقين، وقال: قد عُرف بهم يعني بكشف، ثم أخَذَ يضرب عنق كل متلو عليه، فيشتد له أمر الجبل، وطفق يغزو بهم بلاد ابن تاشفين، وكانت عليه أوّل مرة، فطيب قلوب أصحابه، وعرفهم أن الكرة لهم. قلت: وله التصانيف المفيدة النافعة، لمن تعلم الجامعة، في بعضها محاسن مما تقدم، واستفسد بالغرب أُمَمًا بل استصلح، وأستبهم أمره بالكتمان حتى استصبح، ثم حارب لمتونة (٣). واستحوذ على ملكهم بلا مؤنة. لكنه مات، وما فتح بلدًا شهيرًا، ولا معقلًا منيعًا اتخذه ظهيرا، وكان قد عهد إلى عبد المؤمن (٤) بن علي القيسي، الكومي، وكان أخص أصحابه المعتبر لصحابته، وأقرب مكانهم منه إلى ظلّ سحابته، وكان إذا رآه مقبلًا قال؛ إما له وإما متمثلًا:

стр. 8142

[من البسيط] تكملت فيك أوصاف خُصِصْتَ بها … فكلنا بك مسرور ومغتبط السن ضاحكة والكف مانحةٌ … والصدر متسع والوجه منبسط فاستخفّهُ الطيش وتسمّى بأمير المؤمنين، وما هو من قريش، وتداول بنو عبد المؤمن ملكًا سموه الخلافة، وعظم شأنهم،، ملكوا من حدود مصر إلى البحر المحيط في نهاية المغرب، وجزيرة الأندلس، وإنما أجْهَدَ ابن تومرت نفسه، وركب الأخطار حتى سبّب لهم هذا الملك العتيد، ونظم لهم هذا المسلك الفريد، أذاعوا عنهم تلك السمعة التي أحْوَجَتْ السلطان صلاح الدين ﵀ إلى أنه كاتبهم، وراود كاتبه الفاضل (١) بأن يخاطب قائمهم إذ ذاك بإمرة المؤمنين فيأبى عليه، وامتنع وقال: مثل هذا ما وقع ولا يقع، وقال: متى كتبنا لهم بهذا حتى قُرئ الكتاب على منبر من منابر الغرب جعلونا لهم خالعين، ولهم لا لبني العباس طائعين، واقتصر على أنه كتب نسخة إلا موضع هذه الكلمة، وخاطبهم، وما أطلق ولا أخطأ، ثم توسل إلى صلاح الدين بأن لا يكون الكتاب بخطه، وقال له: والخادم يستجير هو وذريته بالمولى من هذا. وكان مضمون الكتاب الاستنجاد بابن عبد المؤمن، وطلب الإمداد على الفرنج بما يمكن ثم جُهّز على يد ابن منقذ (٢) فما كان بمنقذ، فاستصرخ به وما هو بمصرخه، ولا بواضع وزر همه ولا مفرخه. وأن كان هذا ما هو موضع ذكر بني عبد المؤمن، وإنما ذكر ابن تومرت اقتضاه، وهو الذي سلّمهم (٣) السيف وانتضاه. فهذه مشاهير دول بني الحسن بن علي ﵉، سوى من تقدم ذكره فيما يقدم من ذكر ولد الحسن أو من لا يُؤبه إليه، ولا امتد لملكه رسن، وأمراء مكة وهم أمراء لا خلفاء ولا ملوك، وما لذكرهم في هذه الطريق سلوك، وسيأتي في ذكر مملكة مصر والشام من التلميح بحديثهم بما فيه مَقْنَع، ولمن أمال إليه صَفْوَهُ مسمع.

стр. 8143

دول الحسينيين فأما؛ دولة بني الحسين بن علي كرم الله وجههما، فمنها:

стр. 8144

[١] دولة زيد (١) بن علي بن الحسين بن علي وهو الخارج على هشام، ثم دولة ابنه يحيى (٢) الخارج على أثره، وكلاهما قتل، أما زيد فقتل وصلب وأما يحيى فقتل ثم أحرق هو وجثة أبيه كما تقدم ذكره. وأما بقية دول الحسينيين فأبعدها صيتًا، وأوقدها سهامًا كانت لنار الحرب كبريتًا، هي الدولة العبيدية، التي طاولت الأيام، وحاولت عمر الدوام، واستولت على الغرب ومصر والشام والحجاز واليمن إلى أطراف العراق، ولزّت الدولة العباسية منها بضرة إلا أنها غير حسناء، وانتزت بصحيفة صقيل إلا أنها ليست بخشناء، فأما المغرب إلى آخر حدود مصر، فما زُعزع لَهُمْ فيها سرير، ولا نَزَعَ لهم فيها طاعةً أمير، وأما الحجاز واليمن والشام فكانت تكون بينهم وبين الدولة العباسية أو الناجمين فيها دول الأيام، ثم أصحب اليمن الدعاتهم، وسهل ما استصعب

стр. 8145

لِسعاتِهم، وكانوا في أوَّلِ الحال مُلوك استقلال ثم غَلَبَتْ عليها الوزراء، ورمَتْ جنبها من الاعتلال. ونحن نذكر دول الحسينيين ممّن اشتهر، وتراءى فجر مُلكه وظهر، ولا أقول إلا موجزًا، ولا أعدُّ من أخبارهم إلاّ بما أؤمل أن أكون له منجزًا، وأبدأ بالدولة العبيدية، وها أنا أذكرها، وأصفها، وإن كنت لا أشكرها، وأصف بعض أيامها وإن لم يبق منها إلاّ تذكُّرها، وبالله التوفيق ومنه المدد، والهدى إلى الجدد. ذكر الدولة العبيدية نشأت بالمغرب، ثم كانت بمصر، ولَبِثَتْ أحقابًا، وعَبَثَتْ عفوًا وعقابًا وعطلت فيها الشرائع، وبطلت الذرائع، وشدّد فيها على المحدِّثين والمؤرّخين وعلماء الأنساب لئلا يظهر بهرج نسبهم الدَّعي، وزيف مذهبهم الغير شرعي، نسبوا علم الرفض، ودعوا الناس إلى هذا الشَّنَار، وادعوا أنهم أئمة ولكنهم يهدون إلى النار، فلقد كانت ظُلامات رفض وظُلُمات، بعضُها فوق بعض، على أن من ردَّدَ في مُعتقدهم النظر، علم إنما غاب عنه منهم أكثر ممّا حظر، فإنهم طائفة ممّن يعتقد الحلول (١)، وتعتضد بما لا يعقد عليه من المعتقد المحلول، ممّن يقول بتناسخ الأرواح (٢)، وتناسي بعض النفوس لهياكل الأشباح، ولهم على زعمهم أئمة خفاء وظهور، وأن الزمان في كل سبعة يدور، وقد صنّف القاضي أبو بكر الباقلاني (٣) كتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار) في سوء معتقدهم ومرادهم، ووقفت على سجلات وتواقيع عن بعض أئمتهم بعضها بخطة صلوات، وبعضها

стр. 8146

بإقطاع في الجنّة، ورفع درجات، ولكثرة كلام الناس فيهم نقنع باليسير، ولا حاجة إلى التفسير. فأما نسبهم فللناس فيه اختلاف كثير، فأما هُمْ فادعوا أنهم من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، وأما الناس، فمنهم من أفرط حتى قال إنهم من ولد رجل يهودي من أهل سلمية (١)، ومنهم من قال: إنهم من ولد رجل خياط من بعض عامة المسلمين، وقال بعضهم: كان الداعية لهم داعيًا لرجل شريف من آل البيت فمات، وقد اجتمعت زُمر الشيعة ولم يبق إلا الظهور، فلم يمكنه اطلاعهم على موت ذلك الشريف لئلا تتقلقل (٢) عزائمهم، وينقض جمعهم، فأخذ صبيًا أراهم إياه وقال لهم: إن الإمام مات، وهذا ابنه، وقد أوصى إليه، ثم من قال: إن ذلك الصبي ابن إمرأة (كان الداعي) (٣) قد تزوج بها، وثبت في بغداد محضر بأنهم أدعياء (٤)، وأتي به إلى الشريفين المرتضى والرضي (٥) الموسويين، فأبيا أن يشهدا فيه، وكان هذا أقوى حجج العبيديين على دعواهم، وكذلك لهم شهادة صريحة، شهد بها الشريف الرضي في قوله (٦): [من الخفيف] ما مقامي بأرض بغداد رُشْدٌ … وبمصر الخليفة العلوي

стр. 8147

من أبوه أبي ودعواه دعواي … ومن جده وجدي النبي ألبس الذل في ديار الأعادي … ودين عمي له المكان العلي إن عرقي بعرقه سيد النـ … ـاس جميعا محمد وعلي وأما حجة الخصم عليهم، فامتناع آل أبي طاهر من تزويج المعز أبي تميم معد، وكان السبب في خطبته إليهم أنهم أعرق بيت في أهل مصر شرفا، فلما قدم المعز مصر، ألقيت إليه ورقة فيها: [من السريع] إن كنت من أبناء أهل العبا … فاخطب إلى آل أبي طاهر فإن رآك القوم كفؤا لهم … في باطن الأمر وفي الظاهر (١) فخطب إليهم فاعتذروا إليه، وقالوا إنه لا بنت لنا، فسكت على مضض يتجرعه ولا يكاد يسيغه، وحرد كان لا يتوقعه ولا يريغه، ثم ألقيت إليه بعدها أوراق فيها مذمة، وعار وملمة لا يعرف لها شعار، ومن جمله: [من السريع] إن كنت فيما تدعي صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع وأنت فيما تدعي عاجز … فاذكر أبا بعد الأب الرابع أو فدع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع فصعد المنبر وأخذ في إحدى يديه سيفا، وفي الأخرى دينارا، ثم قال: أما بعد فقد كتبت لنا ورقة يسئل فيها عن نسبنا، وهذا نسبي، وأشار إلى السيف. وهذا حسبي، وأشار إلى الدينار، فمن أقر بنسبي أدخلته في حسبي، ومن لم يرد حسبي قتلته بنسبي، والسلام، ثم نزل. وكانوا يكرمون الغرباء، وينعمون أنعاما تعم الناس، ويخصون الأدباء مع ما كان فيهم من احتقاب إفك، واختصاب سيف بسفك، واتخاذ شيعة تستزل عقود الأنام، وتأخذ بالألباب أخذ النعاس بعين النيام. وفيهم يقول ابن قادوس (٢)، ويعرض بالعباسيين وشعارهم، وهو: [من الكامل] أنتم بنو الزهراء أوضح نوركم … للناس نهجا نائل ورشاد وهم لما خولتم في مأتم … جمعوا العبوس إلى لباس حداد

стр. 8148

وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه الدولة من بني أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم، وقيل بل هم من قريش، وليسوا لهاشم، وقيل بل هم من حُمَير، ثم من صنهاجة، والخلاف فيهم كثير، وها أنا أذكر أمر هؤلاء من أوله: كان ابتداء أمرهم على يد أبي عبد الله الشيعي (١)، الملقب بالمحتسب، واسمه: الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الداعي ببلاد المغرب، والقائم بدولتهم، أصله من الكوفة، وقيل من رام هرمز من كور الأهواز. قال الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي: وكان رافضيًا خبيثًا، ذا عقل ودين صليب، وعلم بارع، وورع حاذق كدهن على ورم، وكان (له) (٢) أخٌ اسمه أحمد أَسَنّ منه وأعلم وأورع يقال له أبو العباس المخطوم، وكان بدء أمره بمكة، وتمامه بأيكجان (٣) من بلاد كتامة، حجّ فالتقى في مكة بقوم من كتامة سبعة، كانوا يتشيعون للحوالى (٤) داعية المغرب قبله بأزيد من مائة سنة، فلما سمعوا كلامه أحبوه، وتقرّبوا إليه، واتبعوه فخرج معهم إلى بلادهم، واحتل بلاد أيكجان نصف ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، فقال لهم: أين فج الأخيار؟ فعجبوا من علمه، فقالوا له: عند بني سكان (٥)، فقال: لهم نقصد، وعندهم ننزل، فلما قارب المكان، قال لهم: هذا فج الأخيار، وقال له موسى بن حريث: من أين علمته، ونحن ما ذكرناه لك، فقال لهم: أنتم الأخيار، ولكم سُمّي، فلما نزل به تسامع به الناس، ودخلوا إليه، فكان يُخبرهم بفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من ولده، ﵈، فكثر جمعه، وجيش جيشًا، وقاتل أهل إفريقية، فافتتح ميلة (٦) ثم سطيف (٧) ثم طُبنة (٨) ثم

стр. 8149

بلزمة (١)، ثم دار ملوك، ثم تيجق (٢) ثم باغاية (٣)، ثم قسطيلة (٤)، ثم قفصة (٥)، ثم الأربس (٦)، وهرب زيادة الله بن الأغلب (٧) من رقادة (٨)، فدخلها الشيعي يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، ثم جمع جموعه وعبأ عساكره وخرج يريد سجلماسة (٩) يوم الخميس لعشرين من رمضان منها، واستخلف على رقادة وسائر إفريقية أخاه المخطوم (١٠) وأبا زاكي تمام بن معارك الإيكجاي، وكان هذا أبو زاكي تمام بن معارك أول من لاقى الشيعي، فقال له: ما اسمك يا فتى؟ فقال: تمام. فقال (١١) بك تتم أمورنا، فما اسم أبيك؟ قال: معارك، فقال الشيعي: لكن بعد عرك عظيم، فلما أتى سجلماسة، أرسل يقول لصاحبها اليسع بن مدرار (١٢) إننا ما جئنا لقتال، ولكن لحاجة، ولك الأمان والبر

стр. 8150

والإنعام، فرمى اليَسَعُ الكتاب وضرب أعناقَ مُحْضرِيهِ، فكتب إليه ثانيًا ثمّ ثالثًا، ففعل كفِعْلِهِ الأوّل فيهما، فناجَزَهُ الحرب، فانهزم اليسع، ودخل المدينة مهزومًا، ثمّ خرج منها فارًّا، فدخلها الشيعي، وأخرج المهدي، وأطلق الخيل في طلب اليسع، فأدركوه، فأخذوه هو ومن كان معه وأتوه به، فأمر باليسع فضرب بالسياط، وطيف به في العسكر، ثمّ أمر به وبمن كان معه فضربت أعناقُهم، وذلك في ذي الحجة من السنة المذكورة، ثم أقعد المهدي، وأخذ له البيعة على الناس، وقدّم به دار الملك رقادة، فدخلها في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائتين، وأقام بها الشيعي إلى أن قتل هو وأخوه أبو العباس المَخْطُوم. وقال (١): وكان سبب قتلهما، أنهما ندما على إقامة المهدي، وأرادا خَلْعَه. قلت: ولنذكر هنا ما قاله الغرناطي، وقد ذكر فرق الشيعة بعد قتل الحسين ﵇ فقال: تفرّقوا أربع فرق هم الأصول: علوية وفاطمية وحسنية وحسينية، فالعلوية رأت الإمامة في ولد علي عمومًا دون تخصيص وهم الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد ابن الحنفية، كما نبهنا عليه، والفاطمية رأت الإمامة في ولد الحسن والحسين ولدي فاطمة ﵍، وهم الزيدية، والحسنية وهم الذين رأوا الإمامة في الحسن ثم في ولده، ثم في عبد الله بن الحسن بن الحسن والد إدريس صاحب المغرب، ثم في الأدارسة بنيه أبدًا، والحسينية، وهم الذين رأوا الإمامة في ولد الحسين ثم في ولده علي زين العابدين ثم في ولده محمد الباقر، ثم في ولده جعفر الصادق، ثم افترقوا، فرأت فرقة أن الإمامة في ولده موسى الكاظم، ثم من بعده في ولده علي الرضا، ثم في ولده (محمد) (٢) الجواد ثم في ولده علي بن (محمد) (٣) الهادي، ثم في ولده الحسن العسكري، ثم في ولده محمد المنتظر، وكان حينئذ في بطن أمه، وهم الإمامية، ورأت فرقة أن الإمامة في إسماعيل بن جعفر الصادق، وهم الإسماعيلية، وأهل هذه الدولة منهم، وها أنا أذكرهم. فأولهم هذا القائم بالمغرب.

стр. 8151

[٢] المهدي بالله (١)، أبو محمد عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان رجلًا حازمًا، عازمًا، عارفًا عالمًا، أتقن جانبًا من علم الأوائل، وأجاد في فن الروحاني، وحذا شعبة من السحر، وأورثه بنيه، وكان لا يودع إلا الأئمة منهم، وكان يشبه في أمره بالسفاح، لقيامه بدولة أقامها بالصفاح، وكان أبو عبد الله الشيعي داعيته، وكاده، حتى حاز الملك، وساعيته، وكان رجلًا حازمًا بريئًا من التكلف، غنيًا بما يظهر من التعفف، لا يتعمّق في متاع الحياة الدنيا ولا يتعرض إلى زائد عما يحتاج إليه مدة ما يحيا، وكان يجلس على اللبود، ويأكل الخشن من الطعام، ويكتفي بجارية واحدة وغلام، وكان يظهر مظاهر الزهاد، ويقف مع ظاهر النساك على رؤس الأشهاد مع ما في باطنه من الداء الدويّ، والمعتقد البئيس الردي، والإعلان بالسب والإمعان في الطعن فيمن دبّ، وإظهار الإيمان، وإبطان الكفر، وتمزيق أهل جلدة الإسلام بالناب والظفر، مع عدلٍ بسط بساطه، وكان به فتور فكأنما حلّ من عقال نشاطه، وكانت الكتب لا تنفذ في أيامه إلا باسم ولده محمد القائم، وكان لا يُسمّى المهدي فيها، وبعث دعاته إلى الأرض، وبثّ فيها عقاربه، وبعث أقاربه بل أراقمه، ونَفَثَ سمه من سوء الاعتقاد وما قاربه. قال ابن سعيد (٢): وعبيد الله المهدي أول خلفائهم، تشبّه بالسفاح أول خلفاء بني العباس، فإن السفاح خرج من الحميمة (٣) بالشام طالبًا للخلافة والسيف يقطر دمًا من أصد (٤) وأبو سلمة الخلال (٥) يؤسس له الأمر ويثبت دعوته، وكان عبيد الله

стр. 8152

المهدي خرج من سلمية بالشام وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قَدْ أُذكيت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته، وأصبح أبو سلمة مقتولًا في حضرة السفاح، فنسب قتله إليه. قلت: بل هو الصحيح أنه دس عليه مَنْ خَتَلَهُ، ونَصَبَ له المكيدة حتى قَتَلَهُ وذكر الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي، خلافًا كبيرًا في أمر المهدي المذكور (في تاريخه) (١) ثم قال: ولد بسلمية، وقيل ببغداد سنة ستين ومائتين، وبويع له برقادة يوم الخميس الموفي بعشرين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وهو باني المهدية وغيرها، ولما ظَهَرَ أمر الشيعي القائم بالمغرب بدعوته جعل الخليفة عليه عيونًا بمصر فوقع المهدي بمصر في زي التجار بيد صاحبها عيسى النوشري (٢)، فقال له: أنت الذي طلبه أمير المؤمنين، فقال: إنما أنا رجل تاجر، فاتق الله في دمي، فخلى سبيله فخرج في قافلة يريد إفريقية، ثم إنه فقد كلبًا كان يصيد به فرجع في طلبه وإن صاحب مصر ندم على تخليته، فخرج في طلبه، فإذا هو راجع في طلب كلبه، فقال: لو كان هذا هو المطلوب لطلب النجاة لنفسه، ولم يرجع في طلب كلب، فانصرف وتركه (٣)، فسار حتى نزل طرابلس، وكان زيادة الله بن الأغلب (٤) قد أرصد عليه عيونًا فخاف عبيد الله على نفسه فأخذ طريق قصطيلية (٥) حتى أتى سجلماسة في يوم الأحد السابع من صفر سنة (ست) وتسعين ومائتين، ومعه ابنه أبو القاسم محمد القائم، فوش به واش إلى صاحبها اليسع بن مدرار، فأحضره بين يديه، واستفهمه عن حاله، فقال:

стр. 8153

أنا رَجُلٌ تاجر، فقال له: لا إنما أنت المهدي الذي يدعو إليه هذا الشيعي، فأظهر البراءة منه، وأنكر ذلك، فجعله في دار، ورسم به وأجرى عليه الأرزاق، وبلغ الشيعي خبره، فبعث أبا زاكي بمال وطرف من طرف الملوك، فأوصلها إليه مستخفيًا وسلم عليه، ثم رجع إلى الشيعي، فأعلمه بصحة الخبر، فسار إلى سجلماسة بجيوشه حتى استخرجه منها كما تقدم ذكره، ثم ما زال يكلأه حتى تم أمره، فانقاد له الملك عنوة، وركب من منابرِهِ الغارب والذروة، وأطاعه الناس رهبًا ورغبًا، وبايعه الخلق، والسيف على عنق من أبى ثم ما برح جده يعلو، وورده يحلو، حتى كان قائم دولة شاطرت المعمور، وشارطت السنين لا الشهور، ثم كان والد أملاك، وقاعدة ممالك باهرات الأفلاك، ولولا علم الله السابق ولطفهِ لَبَلَغَتْ دولتهم أقصى الشرق في مذهبها، وعجّلت الآية الكبرى بطلوع الشمس من مغربها. وذكر القرطي في تاريخ القوم: أنّ المهدي فيما كتب به إلى القرامطة قبل انفراقهم عنه: وأنا أحلف أيها المؤمنون بأجل مما يُحْلَفُ به لما اتبعته مما أطعنا الله عليه من غيبة الذي استأثر به، وآثر بعلمه أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أنه لابد من أن يحل ولاؤنا خضراء بني أمية بالشام وبخضراء بني العباس بالعراق، ويكون لنا من الخلفاء مثل من كان لبني أمية. قال: فقد والله أن كان جميع ما ذكره. ومما دوّن من كلامه ما وقع به لقاضي قضاته أبي المنهال (١)، وقد أعاده إلى القضاء بعد عزله وهو: إنما عزلتك للينك ومهانتك، ورددتك لدينك وأمانتك. وتوفي نصف ربيع الأول سنة اثنين وعشرين وثلثمائة. ثم ابنه: [٣] القائم بأمر الله، أبو القاسم محمد وكان لا يرضى إلا قائم السيف صاحبًا، ولا يعدل عن الليل والخيل والبيداء مصاحبا، بعزم يقصي عن عائقه مشرفيه، وكان قد وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر ببيته

стр. 8154

ويُسمع مبلغ صوته، ويذكر (١) فيها ما فتح من البلاد التي ملك، وقدح بسنابك جياده في كلّ ما سَلَكَ. فأجابه الصولي (٢) بقصيدة على وزنها ورويها، بصر بحسنها وريها، وصبّر القائم على منافذ طعانها ومآخذ لعانها، وكان منها قوله: [من الطويل] ولو كانت الدنيا مثالًا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذُّنَبا وسيأتي ذكر هذا البيت في موضعه من الانصاف بين المشرق والمغرب، فحرك هذا همة القائم بالله على قصد جهة المشرق، لعله وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على مصر من الحروب أهوالًا، وجاهد فيها رأيه وأنْفَقَ أموالًا، ومات ولم يظفر بحضرتها، ولا افتات طرفه بنظرتها، مع كونه عاثَ في أطرافها، وعام في بحرها العباب وما التحف بطرافها. حكى مؤلف الكنوز: أنه اشتدّ حزنه على موت أبيه، وأقام مدة يُخفيه ولم يرق بعده سريرًا (٣)، ولا ركب من قصره مذ صار إليه الأمر إلا مرتين، مرة صلّى على جنازة ومرّةً صلى بالناس العيد، وبدأ أمره بأن أمَرَ عماله بعمل السلاح والاستعداد للقاء، وجهز بعوثه إلى بلاد فاس، وما حولها من بلاد المغرب فدوّخها. ومولده بسلمية سنة ثمان ومائتين، وبويع يوم (وفاة) (٤) أبيه، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، وكانت خلافته اثني عشرة سنة وسبعة أشهر. ثم ابنه: [٤] المنصور بالله، أبو الطاهر إسماعيل (٥) وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر، واستضافتها، وإعداد القراع لقرى إضافتها، فشغلته الفتن بإفريقية، واستأصلت لولا عوارضها المستبقية، فإنها

стр. 8155

قارت ثوائرها في كلّ قطر، وطارت بواترها في خلل السيوف البتر، كان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تُعدّ همته قدر الاستصلاح، ولم تفل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفًا مَنْ يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقًا على ملكه من تجاذب الأطراف، وتجابذ الأطراف، خشية أن يُنتزع، وحذرًا من قاصد بسيفه أن يزع. قال ابن سعيد وهذا المنصور مشبه بالمنصور، لأن كلًا منهما اختلت عليه الدولة، وأصْفَقَتْ عليه الحروب، و (كاد) (١) يُسَلّ من الخلافة، فهبت له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. وحين (أراد) (٢) بنيه ختانًا لم تسم همة ملك إليه (٣). أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، كساهم، وكانوا زهاء مائة ألف، ثم فرق فيهم أموالًا جزيلة، وبدأ بالختان لست بقين من ذي الحجة سنة أربعين وثلثمائة، ودام إلى سابع المحرم من السنة المقبلة، والجرد تنحر، وسائر الذبائح والولائم تعمل، ويقال أنه انفق نحو ألف ألف دينار في هذه الأيام. ولم يُرَ كصبره يوم القيروان وهو يقاتل أبا يزيد النكاري (٤)، وقد ذكر حسن موقف شاعره محمد بن الحارث (٥) فقال: [من الطويل] ولم أر كالمنصور بالله ناصرًا … لدين وأحمى منه ملكًا وأمنعا ألم تَرَ يوم القيروان وقوفه … وقد كادت الأكباد أن تتقطعا وأبرز عن وجه من الصبر أبيضٍ … يقابل وجها للكريهة أسفعا

стр. 8156

إذا استقبل الأبصار وهي طَوامِحٌ … ثناها فلم تستكمل اللحظ خُشْعا ولد بالمهدية سنة اثنتين وثلثمائة، وولي وله اثنتان وثلاثون سنة، وتوفي يوم الجمعة سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سبعة أعوام. ثم كانت خلفاؤهم بمصر، وأولهم: [٥] المعز لدين الله (أبو) تميم (١) معد بن أبي الطاهر، إسماعيل المنصور وهو الذي ظفر بحضرة مصر، ومَلَكَها، وحصل له حظوة مُلْكَها وأدركها، ووصلت إليه جيوشُه، وحصلت على معاقد شرفاتها عروشه، وقدم أمامه القائد جوهر (٢) فأختط له القاهرة وبنى له بها القصرين (٣)، وإلى الآن بعض آثارهما الظاهرة، وقسم بناء المدينة على مَنْ كان في جملة المعز من القبائل، واتخذ الكافوري (٤) بستانًا ترقد به الجداول وترف الخمائل، وشرع أبواب المدينة ولم يكمل لها سورًا يدور بنطاقها ولا أقام لها جدرًا يستند إليه ظهور أسواقها، ثم مُدّنت بعد ذلك التخطيط، وأدير بها سور اللبن المحيط، وذلك لما أناخت القرامطة (٥) بساحتها

стр. 8157

وأنامت المعز وهو يعتقد أن روحه في راحتها، ثم بنى في الأيام الصلاحية (١) السور الحجر الدائر، وضرب عليها مَثَلَهُ السائر، ثم لما كمل القائد جوهر بناء ما شرعه، أتم قصر المعز وموضعه، استخلف المعز بالغرب بعض أشياعه (٢)، وقدم مصر وقد شرق صدر البر والبحر باتباعه، وأتى الاسكندرية، وخيَّم بظاهرها، وجثم أسده الهصور يزأر إلا على زائرها، وتلقاه إليها أهل مصر من القواد والوزراء والقضاة والعلماء ووجوه الناس فبسطهم بالإيناس، وتلقاهم بالرحب والسعة، وأمر لهم بالخلع والأنزال الموسعة، ثم سار حتى أتى مصر ودخل القاهرة، ونزل بقصره بها يوم الثلاثاء لتسع عشرة ليلة خَلَتْ من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وتوفي في يوم الجمعة الحادي عشر (٣) من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة. وذكر ابن الأثير (٤) أن ملك الروم كان أرسل إلى المعز رسولًا بالهدية، ثم كان يتردد إليه، فأتاه وهو بمصر، فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: أتذكر (إكرامي لك إذ (٥)) أتيتني رسولًا وأنا بالمهدية فقلت لك لتدخل علي بمصر وأنا خليفة (٦)؟ فقال له الرسول: إن أمِنْتَني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي، فقال له المعز: قُلْ وأنت آمن. فقال له: لما بعثني الملك إليك ذلك العام رأيت من عَظَمَتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نور عظيم (٧) أشخص (٨) بصري، ثم دخلت عليك فرأيتك على سرير … ... .. (٩) فلو قلت لي أنك تعرج إلى السماء لظننتُ ذلك، ثم جئتُ إليك الآن فما رأيت من ذلك

стр. 8158

شيئًا، وأشرفت على مدينتك فرأيتها مظلمة، ودخلتُ عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت: كان ذلك أمرًا مُقبلًا، وهذا أمرٌ مُدبر ولا أخالك إلا ميتًا (١)، فلم يلبث بعدها المعز الحمى (٢) ومات وقد كان المعز احتفر له سردابًا وقال لأصحابه: إن بيني وبين الله عهدًا وإني ماضٍ إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارًا، ثم تغيّب سنة في السرداب، ثم ظهر وهو مُتعلل فمات، وكان أحد المغاربة إذا رأى سحابًا نزل أومى إليه بالسلام ظنًا منه أن المعزّ فيه، وكانت ولايته ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام. ثم ابنه: [٦] العزيز بالله أبو المنصور نزار (٣) وكانت أيامه أيام دعة، وتمام سعة، والناس فيها في هدوء، لا يقلقل له مضجع ولا يُساء به قلب ولا مسمع وما برح أهل مصر في كل جيل تضرب المثل فتقول لما تستطيب من الأيام: كأنها أيام العزيز لأنه كان لين الجانب. يغنيه حسن المناقب عن خشن المقانب يغريه كرم سجيته بالندي الغمر، ويهزه في الندى هزة الخمر، ووقفت على تاريخ ضبط له فما رأيت في رسوم ما يُجبى من الرعايا مثل عدل أمر به وظلم بطله وأمر أراح سيفه وأنام بطله، وتفسح العزيز في بلاده، وتلقح على الفراق ليوطئه سنابك جياده، ودعي له على منابر الشام، وذكر له على منابر المساجد، وحيي بالسلام، وبلقبه لقب السطان (صلاح) (٤) الدين ابنه العزيز عثمان (٥) ترجّيا أن

стр. 8159

تكون أيامه شبيهة بأيامه في الرخاء والأمان، فكانت مثلها في الأمان لا في الرخاء، ونظيرها في الامتنان والسخاء، فإن في أيام العزيز عثمان حدث بمصر غلاء، وارتفع السعر وكان له غلاء، ثم عظم أيام عمه العادل (١) مما ليس هذا بموضع ذكره ولا تشويش هذا التصنيف بنكره: قال ابن سعيد: وسفرته من إفريقية إلى مصر، وما ظهر منه من حسن التدبير وهبوب والنصر والحزم في الاستيلاء كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد. قال الروذباري (٢) في تاريخه: حضرت الخطبة للحاكم ابن العزيز فما قدر أحد يفهم ما يقول الخطيب لضجيج الناس وبكائهم على العزيز لأنه كان محسنًا إلى الخاص والعام، شاملًا بالبر للقريب والبعيد، مبذول اليد بالكرم، مسبل اليدين بالفضل، كثير العفو، قليل الانتقام، عوادًا بالجميل منيبًا إلى الحق، غير متظاهر بما يذم ولا داع إلى ما يكره، وتوفي سنة ست وثمانين وثلثمائة، وولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وولي العهد بمصر يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، وولي الخلافة في اليوم الثاني وله اثنان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يومًا، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر. ثم ابنه: [٧] الحاكم بأمر الله (٣)، أبو علي المنصور ولي وكان صغيرًا وأوتي ملكًا كبيرًا، ولما طلب للبيعة وقد صعد شجرة جميز في

стр. 8160

داره بالقصر يلعب فيها مع الصغار، وملك وما كلف خيله اضطراد ولا جشمها المغار، ثم كبر وظهرت منه أمور ينكرها العاقل ويكرهها الناقل لكثرة ما كان عليه أمره من الاختلال، وفكره السقيم من الاعتلال، فإنه كان في كل حين يحدث حكمًا محدثًا، وعلمًا كأنما كان بها محدثًا، فإنه كان مع إفراطه في التهور، وخباطه في أموره التي تدل على عدم التصوّر، بما حدث بأنواع من الحدثان، وتكلّم باسجاع مثل سجع الكهان وعبدة الأوثان، وبلغ مده في الكبرياء ثم بقي مدّة لا يأنف من مخالطة الأدنياء، وكان يركب حمارًا له، ويدور وقدامه عبدان بأيديهما حربتان، ويشق القاهرة ومصر، ويخالط العامة ويخرج إلى الحاجر ويطلع إلى الجبل، ثم ربما رد العبدين وسار وحده، وغاب اليوم واليومين والمدّة ثم يلاقيه الموكب إلى مكان يكون قد واعد إليه العبدين في وقت يوقته وميعاد لا يفوته، ثم كشف الغطاء وباح، ومال علوه (١) واستراح، وادّعى فيه الألوهية، وقال مقالة فرعون ونصب نفسه للناس طاغوتًا، وأخذ بعض الناس بالقول أخذًا مبغوتًا، وأمر بعض أشياعه بأن يحتال له في إظهار هذه المقالة، وضم إليه قومًا من الرجال القالة، فأتى ذلك الداعية الشيطان الرجيم، وأمر بأن يكتب بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم، وجرى في هذا من الفتن ما ذهبت به نفائس ونفوس، وانتهبت به أموال ورؤوس، ودارت به دوائر سعود ونحوس، وأماير نعيم وبؤس، مما هو ملء التواريخ، وتتضع له غُر الذرى الشماريخ، تبارك الله وتعالى جده، ولا إله غيره، وتقدّس اسمه عما يقول الظالمون ويجهل الجهال أو يزلّ العالمون، ثم لما أعظم البلاء به فتفاقم، وسقم به الملك أو تساقم خافت أخته أمة العزيز المعروفة بست الملك أن يقفر منهم دست الملك فتلطفت في تلك الحيلة (٢). واكمَنَتْ له رجالًا حتى قتلته غيلة، وكان قد خرج في بعض مخارجه، وتعرض في نواحي حلوان، وطلب جهة بر لا يأنس به أنيس ولا غيره من الحيوان، ثم طالت غيبته وخالف عادته في ملاقاته في الوقت الذي كان يوقتُه، فتعهد المكان الذي واعد فيه للملتقى وتُفقد فَفُقد إلى يوم اللقا، ووجد هناك حماره وجبابه مزرّرة كأنها عليه، وما فُككِّت أزراره، إلا أن فيها آثار ضربات
следующие страницы →