← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد: فهذا هو السفر الثالث من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. وهو يؤرخ ممالك الشرق الإسلامي والترك ومصر والشام والحجاز وقد اعتمدت في تحقيقه على أربع مخطوطات وهي: ١ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٢/ ٢٧٩٧ ص ١٧٨ - ٤٦٢. والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. وكان عليها جل اعتمادنا. ٢ - مخطوطة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤١٨. المصوّرة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، تحت رقم ميكروفيلم v.٣،c.l.٤١.، ٣ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٢٧٩٧. المصوّرة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، تحت رقم ميكروفيلم ٣. V. ٣، C،. ٤١

стр. 807

وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، والملك المؤيد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعة (المؤيدي) في القاهرة. ٤ - مخطوطة المكتبة الوطنية - المخطوطات العربية - باريس، برقم A ٢٣١، VO، R ٤٨٨٨، ٢٣٢٥ المصورة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، تحت رقم ميكروفيلم ٤. V. ٣، C، ٤١. * * * أما طريقتي في تحقيقه فقد ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة، ولا داعي لتكرارها. * * * وقد استفدت في تحقيقي لهذا السفر من القطعة التي نشرها د. محمد سالم بن شديد العوفي، الأستاذ المشارك في كلية العلوم الاجتماعية بالرياض - المملكة العربية السعودية عن (مملكة الهند والسند) مط المدني - القاهرة - مصر ١٤١١ هـ/ ١٩٩٠ م. والقطعة التي نشرها تَشْنَرْ فرانتس عن (مملكة الأتراك والروم)، في دورية الجغرافية الإسلامية، المجلد ٩٤ ص ١٩٠ - ٢٩٠، أعاد نشرها د. فؤاد سركين - لا يبزغ - ألمانيا ١٩٩٣. والقطعة التي نشرها الاستاذ أيمن فؤاد سيد (ممالك مصر والشام والحجاز واليمن) ط المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٥، وقد سبق أن طبع (القسم الخاص بمملكة اليمن) من قبل دار الاعتصام - القاهرة ١٩٧٤. والقطعة التي نشرتها الاستاذة دورتيا كرافولسكي عن (مملكة مصر والشام والحجاز) ط المركز الإسلامي للبحوث - بيروت ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٦ م. كما أفدت من بعض التعليقات التي أوردها د. أحمد عبد القادر الشاذلي في تحقيقه للسفر الثالث من الكتاب، نشرة المجمع الثقافي - أبو ظبي - الإمارات العربية المتحدة.

стр. 808

هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم والباحث الفاضل، وما تمكنت منه، فعليَّ الجد والاجتهاد، ومن الله التوفيق والسداد. وهو حسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وإليه أُنيب. جمهورية العراق - الكوفة كامل سلمان الجبوري

стр. 809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ النوع الثاني: في ذِكْر مَمَالكِ الإسلام جملة ممالك الإسلام واقعة بحمد الله في أحسن المعمور شَرْقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا؛ لأنها لا تنتهي إلى غاية الحرارة المُفرطة، ولا غاية البرد المفرط إلا فيما قل، ولا تخرج عن حد المستطاب. وسيأتي بيان ذلك في تحديد كل مملكة. فغاية معمور الجنوب مساكن السُّودان من عُبَّاد النيران والأصنام بما تغلغل من جزائر الهند وأطرافه، والنصارى بأطراف الحبشة، وعبَّاد الحيات والهمج في سودان المغرب جنوب غانة. وغاية معمور الشمال من النصارى والهَمَج ببلاد الصَّقْلب في شماليها، أحد قسمي إيران المسماة ببلاد القبجاق، وما سَامَت ذلك الخط من القسطنطينية وما وراءها إلى جليقية والأرض الكبيرة وجزائر البحر الرومي. وغاية معمور الشرق من عباد النيران والأصنام بثالث أقسام تُوران من بلاد الصين إلى المحيط. وأما الغرب فانتهى فيه الإسلام إلى البحر المحيط، وكلا طرفي الشرق والغرب بلاد صالحة، وإن لم تكن الغاية، فالغرب إلى منتهى الغاية في ممالك الإسلام، والصين - وإن كان خارجًا عن دعوة الإسلام - فإنه مُلْكُ عظيم جليل القدر ضخم الملك، وهو معظم توران، ولم يزل لملك الترك وبه تخت قانهم والآن لقانهم (١) من أبناء جَنْكِزْخان. وسيأتي ذكره عند ذكر أبناء جنكزخان. فممالك الإسلام واقعة على ما نذكره:

стр. 810

فأولها: «الهند والسند»، وهو واقع في ممالك الإسلام بشرق محض آخذًا في الجنوب على مسامت الصين، يحدُّها البحر من جنوبها وبلاد الكفار من شرقها، والإسلام في أحد قسمي توران من شمالها، ثم إحدى قسمي توران مما بيد الإسلام وهي: تُركستان، وما وراء النهر، وهي واقعة بشرق محض آخذًا إلى الجنوب، يحدها السند من جنوبها، والصين من شرقها، وممالك الإسلام قسمها الثاني وإيران من جنوبها. ثم القسم الثاني مما بيد الإسلام من «مملكة توران» وهي: خُوَارَزم وبلاد القَبْجَاق، وهي واقعة في الشمال آخذة إلى المشرق يحدها أطراف الصين من شرقها، وبلاد الصقْلب وما يليها من شمالها، أما جنوبها فخُراسان وما سامتها، وغربها الخليج القاطع من بحر الروم على القِرْم، وراءها ممالك الإسلام، والروم كلها من ممالك الإسلام. ثم «إيران»، وهي تلي قسمي توران المذكورين داخلة كالشعبة الفارقة بينهما. وذلك القسمان متشعب عليهما مثل كُمَّي السراويل على سرجه، تحدّها ممالك الإسلام من كل جهة وفي بعض جنوبها ينتهي إلى البحر الفارسي الآخذ على البصرة وما سامتها. وممالك «كيلان» واللُّرّ والشول وشنكارة والأكراد. وبلاد «أتراك الروم» كلها في هذا القسم، خلا أن أتراك الروم حدهم الشمالي بلاد القسطنطينية. ثم يليها «مملكة مصر والشام والحجاز»، وتلك عمود الإسلام وفسطاط الدين، يحدها ممالك الإسلام من كل جهاتها الأربع منتهية في الجنوب إلى اليمين. واليمن والحجاز كلاهما من جزيرة العرب، على ما يأتي تبيينه ثم إلى البحر الآخذ على جُدَّة إلى أَيْلة وينتهي في الشمال إلى البحر الرومي. ثم «اليمن»، وهو جنوب الحجاز في نهاية جزيرة العرب، يَحُدُّها في جنوبها البحر الآخذ إلى الهند، ومن شرقها البحر الآخذ إلى جُدَّة، ومن شمالها الحجاز، ومن غربها بحر الحبشة. ثم ممالك الإسلام بالحبشة، والحبشة متصلة بأطراف الواحات آخذة إلى الجنوب محيط بها بحر الحبشة من شرقها، وممالك نصارى الحبش وكفارهم من جنوبها، وكفارهم ثم الصحارى القِفَار من غربها، وشمالها الواحات. ثم «الكَانِم»، وهو على ضفة النيل على مسامتة دُنْقُلَة.

стр. 811

ثم يليها من وراء بَرْقَة مملكة إفريقية، يحدها من جنوبها كفار السودان، وبقية حدودها منتهية إلى ممالك الإسلام، من شمالها البحر الشامي. ثم «بر العَدْوَة» يحدها ممالك الإسلام من جنوبها بلاد البربر. ثم «مالي» ومن شمالها بلاد إفريقية، ومن غربها البحر المحيط، ومن شمالها بحر الزقاق إلى البحر الشامي. ثم برُّ العَدْوَة وشرقها القِفَار ثم يليها مالي وما معها، جنوبها غانة وبلاد كفار السودان، وغربها المحيط وشمالها جبال البربر وبر العدوة، وشرقها القفار. ثم يليها جزيرة الأندلس، وهي نهاية ممالك الإسلام، وليست بجزيرة ولكن كالجزيرة يحيط بها من جانبها الجنوبي البحر الشامي، ومن غربها وشمالها البحر المحيط، ويبقى شرقها مكشوفًا متّصلًا بالأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة. فلو مشى ماش من نهاية غرب الأندلس عند مخرج بحر الزقاق في الجانب الشمالي إلى ناحية شرقه انتهى إلى الجبل المسمى بهيكل الزهرة، وهو آخر حدّ الأندلس وفيه الأبواب المفتوحة، وقد تقدم ذكرها. ثم يمشي الماشي من تلك الأبواب إلى أن يخرج من شرقي هذا الجبل ويدخل في الأرض الكبيرة ويمشي فيها إلى حيث شاء إلى الأرض شمالًا وشرقًا وجنوبًا لا يقطعه بحر، حتى إنه إذا أراد مشى على ساحل البحر الشامي وما هو متصل به حتى ينتهي إلى حجزة، ثم يدور معها عند حجزة ببلاد الشام على شرقه، ثم يدور معه على ساحله الجنوبي حتى يعود إلى نهاية الغرب قبالة المكان الذي بدأ منه عند مَخْرَج [بحر] الزقاق في الجانب الجنوبي لا يقطعه دون ذلك قاطع ولا يمنعه مانع. واعلم أن الأمر في تحديد الأقاليم العُرْفية لا يجري في تحديد الدار والبستان ونحوهما؛ لأن غالب الدور والبساتين تكون قِطَعًا مرَبَّعة أو مثلثة أو متساوية الجوانب، وليس الأمر في الأقاليم العرفية كذلك فإن بعض جوانبها يكون مداخلًا لإقليم آخر، وبعضها يكون فيه تقويس، وبعض جوانبها أعرض من بعض، والذي يحدد المكان إنما يحدده بالجهات الأربع وهي: الشَّرْق، والغَرْب، والجنوب، والشمال، وذلك لا يصفو في الأقاليم العرفية لما ذكرناه ولو كانت الأقاليم قطعًا مربعة أو متساوية الجوانب لأمكن فيها ذلك، فينبغي أن يُعرف العذر في التقصير في تحديدها لاسيما عند من لم يشاهدها وإنما نَقَلها من الأوراق وأفواه الرجال، فإن عذره في التقصير أوضح. وأيضًا فإن في بعض الأقاليم يكون على شكل مثلث كجزيرتي الأندلس وصقلية، وبعضها يكون ذا خمسة أضلاع وأكثر وأقل فيتعذر ذكر

стр. 812

ذلك بجهاته الأربع على الصحة. ومن هذا نَشْرع في ذكر الممالك مملكة مملكة. وهذا الباب هو المراد من هذا الكتاب وبسببه ألف ولأجله صُنّف. ونحن نأخذ في هذا الباب على التحرير في أكثر ما عرفنا، والتحقيق لأكثر ما لم نعرف بتكرار السؤال من واحد بعد واحد عما يَعْلَمَه من أحوال بلاده وما فيها، وما اشتملت عليه في الغالب نواحيها. وكنت أسأل الرجل عن بلاده ثم أسأل الآخر والآخر لأقف على الحق. فما اتفقت عليه أقوالهم أو تقاربت فيه أثبته، وما اختلفت فيه أقوالهم أو اضطربت تركته، ثم إني أترك الرجل المسئول مدَّة أُناسيه فيها عما قال، ثم أعيد عليه السؤال عن بعض ما كنت سألت، فإن ثبت على قوله الأول أثْبَتُ، مقاله، وإن تزلزل أذهبت في الريح أقواله، كل هذا لأتروى في الرواية وأتوثق في التصحيح، مع أننا أهل بيت وظيفتهم مجمع وفود، وموضع كل صدور وورود. ولم نزل عند ملوك مصر والشام، رحِمَ الله من مَضَى منهم وحفظ من بقي، بابهم المفتوح لكل طارق، وسحابهم الممنوح به كل جُودٍ، دافق، فإلينا في أبوابهم أول كل وارد إليهم وآخر كل صادر عنهم. ومنذ نيطت بي التمائم، إلى أن أثبتت علي العمائم، إلى أن صِرْت ركن هذا الباب، وكن هذا السحاب، أسأل كل وارد على باب سلطاننا - أعزه الله بنصره - من جميع الآفاق، ووافد استكن تحت جناح لوائه الخفاق، وما أخذت مع رسول يصل من ملوك الأرض في مطارحة حديث ومراوحة قديم وحديث إلا وجريت باذلًا ذل السؤال عن بلادهم وأوضاع ملوكها ووظائف الرعايا في سلوكها، وما للجنود بها وطبقات أرباب الرتب العالية من الأرزاق، ومقدار تفرقة خزائن الإطلاق، وكيف زي كل أناس، وما يمتاز به أهل كل طائفة من اللباس على ما يُذكر ذلك إن شاء الله تعالى في مكانه. وبالله أستعين ومنه أسأل التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * * وهذا النوع أربعة عشر بابًا الباب الأول - في مملكة الهند والسند. الباب الثاني - في ممالك بيت جَنْكِزْخَان. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول - في الكلام عليهم جمليًا.

стр. 813

الفصل الثاني - ففي مملكة القان الكبير، صاحب التخت. وهو صاحب الصين والخطا (١). الفصل الثالث - في التورانيين. وهو فرقتان: الفرقة الأولى - فيما وراء النهر، الفرقة الثانية - في خُوَارَزْم والقَبْجَاق. الفصل الرابع - في الإيرانيين. الباب الثالث - في مملكة الجيل. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول - في بومن. الفصل الثاني - في توليم. الفصل الثالث - في كسكر. الفصل الرابع - في رَشَفْت. الباب الرابع - في مملكة الجبال. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول - في الأكراد. الفصل الثاني - في اللُّر. الفصل الثالث - في الشول. الفصل الرابع - في شنكارة. الباب الخامس - في مملكة الأتراك بالروم. وفيه ستة عشر فصلًا: الفصل الأول: في مملكة كزمينان. الفصل الثاني: في مملكة طنغرلو. الفصل الثالث: في مملكو توازا. الفصل الرابع: في مملكة عيدلي. الفصل الخامس: في مملكة كصطمونية.

стр. 814

الفصل السادس: في مملكة قاويا. الفصل السابع: في مملكة برشا. الفصل الثامن: في مملكة أكيرا. الفصل التاسع: في مملكة مرمرا. الفصل العاشر: في مملكة مغنيسيا. الفصل الحادي عشر: في مملكة نيف. الفصل الثاني عشر: في مملكة بركى. الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه. الفصل الرابع عشر: في مملكة أنطاليا. الفصل الخامس عشر: في مملكة قراصار. الفصل السادس عشر: في مملكة أَرْمَناك. الباب السادس - في مملكة مصر والشام والحجاز. الباب السابع - في مملكة اليمن. وفيه فصلان: الفصل الأول - فيما بيد أولاد رسول. الفصل الثاني - فيما بيد الأشراف. الباب الثامن - في ممالك المسلمين بالحبشة. وفيه سبعة فصول: الفصل الأول - في أوفات. الفصل الثاني - في دوارو. الفصل الثالث - في أرابيني. الفصل الرابع - في هديه. الفصل الخامس - في شرخا. الفصل السادس - في بالي. الفصل السابع - في داره. الباب التاسع - في ممالك مسلمي السودان على ضفة النيل الممتد إلى مصر. وفيه فصلان:

стр. 815

الفصل الأول - في الكانم. الفصل الثاني - في النوبة. الباب العاشر - في مملكة مالي. الباب الحادي عشر - في مملكة جبال البربر. الباب الثاني عشر - في مملكة إفريقية. الباب الثالث عشر - في مملكة بر العدوة. الباب الرابع عشر - في مملكة الأندلس. [الباب الخامس عشر - في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم، ومضارب أخبيتهم ومساكنهم]. * * *

стр. 816

الباب الأول: في مملكة الهِنْد والسِّنْد

стр. 817

في مملكة الهند والسند هذه مملكة عظيمة الشأن، لا يُقاس في الأرض بمملكة سواها، لاتساع أقطارها، وكثرة أموالها وعساكرها، وأُبَيَّةِ سلطانها في ركوبه، ونزوله، ودَسْتِ (١) ملكه، وفي صيتها وسمعتها كفاية. ولقد كنت أسمع من الأخبار الطائحة، والكتب المصنفة ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها، لبعدها مِنَّا، وتنائي ديارها عَنَّا، فلما شَرَعْتُ في تأليف هذا الكتاب، وتتبعت ثقات الرواة، وجدت أكثر مما كنت أَسْمَع، وأَجَلَّ مما كنت أظن، وحسبك ببلاد في بحرها الدُّرُ (٢)، وفي بَرِّها الذَّهَبُ، وفي جبالها الياقوت (٣) والماس (٤)، وفي شعابها العُودُ (٥) والكافُورُ (٦)، وفي مدنها أسرة الملوك، ومن

стр. 818

وحوشها، الفيل والكركدن (١)، ومن حديدها سيوف الهند (٢)، وبها معادن الحديد والزئبق (٣) والرصاص، ومن بعض منابتها الزعفران، وفي بعض أوديتها البلور (٤). خيراتها موفورة، وأسعارها رَخِيَّة وعساكرها لا تُعَدّ، وممالكها لا تُحد، لأهلها الحكمة، ووفور العقل. أملك الأمم لشهواتهم، وأبذلهم للنفوس فيما يُظَنُّ به الزلفي. قال محمد بن عبد الرحيم الإقليشي الغرناطي (٥) في تحفة الألباب: «والمُلْك

стр. 819

العظيم، والعدل الكبير، والنعمة الجزيلة، والسياسة الحسنة، والرخاء الدائم، والأمن الذي لا خوف معه، في بلاد الهند والصين. وأهل الهند أعلم الناس بأنواع: الحكمة، والطب والهندسة والصناعات العجيبة، التي لا يُقدر على مثلها. وفي جبالهم وجزائرهم ينبت شجر العُود والكافور، وجميع أنواع الطيب: كالقرنفل (١) وجَوْز بُوا (٢)، والسُّنبل (٣)، والدار صيني (٤) والقرفة (٥)، والسليخة (٦)، والقافلة (٧)، والكبابة (٨)، والبَسْبَاسة (٩)، وأنواع العقاقير، وعندهم غزال

стр. 820

المسك (١)، وقِطَّ الزَّباد (٢)، ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت، وأكثرها من جزيرة سرنديب» (٣). وقد حكى ابن عبد ربه (٤)، في العقد (٥)، عن نُعيم بن حماد (٦)، قال: بعث

стр. 821

ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز، كتابًا فيه: «من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك، وتحته بنت ألف ملك، وفي مربطه ألف فيل، وله نهران ينبتان العود، والألُوَّة (١)، والجوز (٢) والكافور، والذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلًا، إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئًا. أما بعد: فإني بعثت بهدية وما هي هدية، ولكنها تحية، وقد أحببت أن تبعث إلي رجلًا يعلمني ويفهمني الإسلام والسلام». يعني بالهدية، الكتاب. حدثني الشيخ العارف، المبارك بقية السلف الكرام، مبارك بن محمود الإنبايتي (٣)،، من ولد مجد شاذان، حاجب خاصي (٤)، نفع الله ببركاته، وهو الثقة الثبت، وله الاطلاع على ما يحكيه، لمكانته ومكانة أسلافه، من ملوك هذه البلاد. قال: إن هذه المملكة متسعة غاية الاتساع، يكون طولها ثلاث سنين بالسير المعتاد، وعرضها ثلاث سنين، وعرضها ما بين سَومَنَات (٥)، وسَرَنْديب، إلى غزنة (٦)، وطولها

стр. 822

من الفُرْضَة (١) المقابلة لعدن، إلى سد الإسكندر (٢) عند مخرج البحر الهندي من البحر المحيط، متصلة المدن ذوات المنابر، والأَسِرَّة (٣) والأعمال، والقرى، والضياع (٤)، والرساتيق (٥) لا يقطع بينها، ولا يفصل بينهما خراب. قلت: وفيما ذكره من هذه المسافة، طولًا، وعرضًا - نظر - إذ لا تفي جميع المعمورة بهذه المسافة، اللهم إلا إن كان مراده أنَّ هذه مسافة من ينتقل فيها حتى يحيط بجميعها مكانًا، فيحتمل على ما فيه. قال: وفي طاعة هذا السلطان (٦)، أهل بلاد قَرَاجِل (٧) لهم منه هدنة وأمان، على قطائع (٨) تُحمل إليه منهم يتحصل منها مال. وهذا جبل قراجل به سبعة معادن ذهبًا يحصل منها ما لا يُحصى، وجميع هذه البلاد

стр. 823

برًا وبحرًا مجموعة لسلطانها القائم الآن إلا الجزائر المغلقة في البحر، فأما الساحل، فلم يبق به قيد فتر إلا بيده فتح مَغَالِقِه، وملك معاقله، وله الآن السكة والخطبة في جميع هذه البلاد، لا يشاركه فيها مشارك. قال: ولقد حضرت معه من الفتوحات العظيمة، ما أقوله عن المشاهدة والعِيَان على الجملة، لا على التفصيل، خوفًا من إطالة الشرح. فأول ما فتح مملكة «تلنك» (١)، وهي واسعة البلاد، كثيرة القرى، عِدَّة قراها تسع مائة الف قرية وتسعمائة قرية، ثم فتح بلاد «جاجنكز»، وبها سبعون مدينة جليلة كلها بنادر (٢) دخلها من الجواهر (٣)، والفيلة، والقماش المنوّع، والطيب، والأفاويه (٤). ثم فتح بلاد «الكنوتي»، وهي كرسي تسعة ملوك، ثم فتح بلاد «دواكير» (٥)، ولها أربع وثمانون قلعة، كلها جليلات المقدار. قال الشيخ برهان الدين أبو بكر بن الخلال البزي (٦): وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية. عدنا إلى حديث الشيخ مبارك. قال الشيخ مبارك: (ثم فتح بلاد «دورسمند» (٧)، وكان بها السلطان «بلال الدَّيو» وخمسة ملوك كفار، ثم فتح بلاك «المَعْبَر» (٨)، وهو

стр. 824

إقليم جليل له تسعون مدينة بنادر على البحر يجيء من دخلها: الطيب، واللانس، والقماش المنوع، ولطائف الآفاق). وحدثني الفقيه العلامة سراج الدين أبو الصفا عمر بن إسحاق بن أحمد الشبلي العوضي (١)، من إقليم عوض من الهند، وهو من أعيان الفقهاء، الذين يحضرون حضرة السلطان (٢) بدهلي، أن أمهات الأقاليم التي في مملكة هذا السلطان ثلاثة وعشرون إقليمًا وهي: إقليم «دهلي» (٣)، وإقليم «الدواكِير»، وإقليم «الملتان» (٤)، وإقليم «كهران»، وإقليم «سامانا» (٥)، وإقليم «سيوستان» (٦)، وإقليم «وجا»، وإقليم «هاسي» (٧)، وإقليم «سرستي» (٨)، وإقليم «المَعْبَر» وإقليم «تلنك»، وإقليم

стр. 825

«كَجُرَات» (١)، وإقليم «بَدَوَان» (٢)، وإقليم «عوض»، وإقليم «القنوج» (٣)، وإقليم «لكنوتي» (٤)، وإقليم «بهار» (٥)، وإقليم «كِرَة» (٦)، وإقليم «ملاوة» (٧)، وإقليم «لهاور» (٨)، وإقليم «كلافور» (٩)، وإقليم «جَاجَنْكز»، وإقليم «تلنج»، وإقليم «دَوْر سَمَند» وهذه الأقاليم تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة، كلها مدن ذوات نِيَابَات (١٠)،/ ١٢/ كبارًا وصغارًا، وبجميعها الأعمال، والقرى العامرة الآهلة،

стр. 826

ولا أعرف ما عدد قراها، وإنما أعرف أَنَّ إقليم «القِنَّوْج» مائة وعشرون لكًا، كل لك مائة ألف قرية، فيكون اثني عشر ألف ألف قرية وإقليم «تلنك» وهو ستة وثلاثون لكًا، فيكون ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف قرية وإقليم مالوه، أكبر من إقليم «القِنَّوْج»، ولكِنِّي لا أَحَزِرُ كَمْ عدده. وأما «المَعْبَر» فيشتمل على عدة جزائر كبار كل واحدة منها مملكة جليلة، مثل «كَوْلَمْ» و «متن»، و «السيلان»، و «مليبار». وقال الشيخ «مبارك»: وعلى «لَكْنُوتي» مائتا ألف مركب، صغارًا خفافًا للسير. إذا رمى الرامي في آخرها سهمًا، وقع في وسطها، لسرعة جريانها، هذا غير الكبار، ولا تبلغ بعض هذا العدد ومنها ما فيه الطواحين، والأفران، والأسواق، وربما لا يتعرف بعض سكانه ببعض، إلا بعد مدة لاتساعها، وعظمها. وجَرَّدت من جغرافيا تحقيقًا طولها؛ وهو من الواق واق (١)، إلى قبالة عدن، وعرضها من سَرَنْديب، إلى بوارو الواقعة غربي قَرَاقُرْم (٢). وأقول بعبارة أبسط من هذا، وأوضح لمن أراد تأمل لوح الرسم في الجغرافيا الكاملة، فنقول: طولها من مخرج البحر الهندي، من المحيط في نهاية الصين في المشرق دون جزيرة الجوهر، والواق واق المائلة إلى

стр. 827

الجنوب، آخذًا في البحر إلى حيث ينعطف مغربًا على جزيرة الموجه (١) - أم جزائر الصين - مع طول البحر، حتى ينتهي إلى فُرْضَة المغرب، ثم يمتد من هناك برًا وبحرًا، آخذًا في الشمال إلى بوارو غربي قَرَاقُرْم، على حد بلاد كشتغد (٢)، إلى حد بلاد مكران، ممتدًا على نهر مُكْران (٣)، إلى أن يدخل السند في حده قريب كرمان (٤)، ثم ينتهي هناك إقليم الهند في البير (٥)، وآخره المنصورة (٦)، وتتصل جزائره في البحر

стр. 828

إلى قبالة عدن، وأما عرضه فمن سَرَنْديب، وما هو على سمتها في الجنوب، إلى بوارو، وما على سَمْتها في الشمال وحدود هذه المملكة من الجنوب، البحر، وما يمتد معه من كورة قَرَاجِل، ومن الشرق لَهَاوُر، وكلاور، ومن الشمال بلاد الترك، ومن الغرب سالكوت (١)، والمفازة (٢)، ومدينة دهلي، وهي قاعدة الملك، ثم بعدها قُبّة الإسلام، وهي مدينة الدواكير، جددها هذا السلطان (٣)، وسمّاها (قبة الإسلام). قال: ودِهلي في الإقليم الرابع. قلت: وهكذا قال الملك المؤيد (٤) صاحب حماة ﵀ في (تقويم البلدان) (٥)، ونقله عَمَّنْ يوثق به من أهل هذا الشأن (٦). قال الشيخ مبارك: وأما قُبَّة الإسلام فتكون في الثالث، وفارقتها، وما تكاملت ولي الآن عنها ست سنين، وما أظنها تكون قد تكَمَّلَتْ، لعظم ما حصل الشروع فيه، من اتساع خطة المدينة، وعظم البناء. وأن هذا السلطان كان قد قسمها على أن تبنى

стр. 829

محلات، لأهل كل طائفة محلة الجند في محلة، والوزراء والكتاب في محلة، والقضاة والعلماء في محلة، والمشائخ والفقراء في محلة، والتجار والكتاب في محلة. وفي كل محلة ما تحتاج إليه من المساجد والمواذن، والأسواق، والحمامات والطواحين والأفران وأرباب الصنائع من كل نوع، حتى الصواغ، والصباغين، والدَّبَّاغين حتى لا يحتاج أهل محلة إلى أخرى، في بيع ولا شراء ولا أخذ ولا إعطاء؛ لتكون كل محلة، كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها، غير مفتقرة في شيء إلى سواها، وليس في هذه المملكة خراب، إلا تقدير عشرين يومًا مما يلي غَزْنَة، لتجاذب صاحب الهند، وصاحب تُرْكِستان، وما وراء النهر (١)، بأطراف المنازعة، أو جبال معَطَّلة، أو شعراء (٢) مشتبكة ومتحصلات تلك من نبات العطر والأفاوية، والعقاقير الداخلة في أدوية الطب أعود نفعًا من الغلات المزدرعة بما لا يقاس. قلت: وقد أوقفني، الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكم (٣) على تأليف قديم في البلاد، وذكر فيه: إن جميع قرى المُلتان مائة ألف قرية وستة وعشرون ألف قرية مثبتة في الديوان، وهو ودِهْلِي في الرابع، ومعظم المملكة في الثاني والثالث، وكلها فسيحة، وبلادها صحيحة، إلا مزارع الأرز؛ فإنها وخيمة، وبقاعها ذميمة. وحكي في ذلك التأليف أَنَّ محمد بن يوسف الثقفي (٤) أصاب (٥) بالسند أربعين

стр. 830

بَهَارًا (١) من ذهب كل بهار ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون منا (٢)، قال: ومن بلاد غزنة، والقندهار آخر حده. وسألت الشيخ مبارك، كيف بَرّ الهند وضواحيه؟ فقال لي: إن به أنهارًا ممتدة، تقارب ألف نهر كبارًا وصغارًا، منها ما يضاهي النيل عِظَمًا، ومنها ما هو دونه، ومنها ما هو دون هذا المقدار، وما هو مثل بقية الأنهار، وعلى ضفات الأنهار القرى والمدن وبه الأشجار الكثيفة، والمُروج الفيح، وهي بلاد معتدلة لا تتفاوت حالات فصولها، ليست بمفرطة في حَرّ، ولا بَرْد، كأَنَّ كل أوقاتها ربيع، وتَهُبّ بها الأهوية، ويُتِنَسَّم النَّسِيم اللطيف، وتتوالى بها الأمطار مدة أربعة أشهر، وأكثرها في أخريات الربيع، إلى ما يليه من الصيف، وبها أنواع من الحبوب الحنطة والأرز، والشعير، والحمص، والعدس، والماش (٣)، واللوبياء (٤)، والسمسم، وأما الفول، فلا يكاد يوجد فيها - قلت: وأظن عدم الفول بها؛ لأنها بلاد حكماء، وعندهم أن الفول يُفسد جوهَرَ العقل، ولهذا حرَّمته الصابئة (٥) - قال: وبها من الفواكه، شيء من

стр. 831

التين، والعنب، والرمان الكثير الحلو والمُز (١) والحامض، والموز، والخوخ، والأترج (٢)، والليمون، والليم، والنَّارِنْج (٣)، والجُمَّيز (٤)، والتوت الأسود المسمى بالفرصاد، والبطيخ الأصفر والأخضر، والخيار، والقِثَا، والعجور، والتين، والعنب هو أقل ما يوجد من بقية هذه الأنواع، وأما السَّفَرْجل (٥) فيوجد بها، ويُجلب إليها، وأما الكمثرى، والتفاح فهما أقل وجودًا من السَّفَرْجل، وبها فواكه أُخر لا تُعهد في مصر والشام والعراق، وهي العِنَبا (٦)، والمَهْوَا، والكلج، والكويكا، وايجكي، والبكي، والنغزك، وغير ذلك من الفواكه الفائقة اللذيذة. فأما النارجيل (٧)، وهو

стр. 832

المسمى بالجوز الهندي، فلا شيء يعادله وهو أخضر، مملوء بدهنه. وأما الحمر (١)، وهو المسمى بالتمر هندي فهو شجر بري ملء الجبال، والنارجيل. والموز بدهلي أقل مما حولها من بلادها، على أنه الموجود الكثير، وأما قصب السكر، فإنه بجميع هذه البلاد كثير ممتهن، ومنه نوع أسود جفا، صُلْب العيدان، وهو أجود للامتصاص لا للاعتصار، وهو مما لا يوجد في سواها، ويعمل من بقية أنواعه، السكر العظيم الكثير الرخيص من السكر النبات والسكر المعتاد، ولكنه لا يجمد بل يكون كالسميذ الأبيض، وبها الأرز على ما حدثني به الشيخ مبارك بن مجد شاذان، على أحد وعشرين نوعًا، وعندهم اللفت، والجزر، والقرع، والباذنجان، والهِلْيَوْن (٢)، والزَّنْجَبِيل، وهم يطبخونه إذا كان أخضر، كما يطبخ الجزر، وله طعم طيب، لا يعادله شيء. وبها السلق، والبصل والفوم، والشَّمَار (٣) … والصَّعْتَر (٤) وأنواع الرياحين،، من الورد، واللَّيْنُوفَر، (٥) والبَنَفْسَج (٦)، والبان (٧)، وهو الخلاف،

стр. 833

والنَّرْجِس (١)، وهو العبهر وثامر الحنا، وهو (الفاغية) (٢)، وكذلك الشيرَج (٣)، ومنه وقيدهم وأما الزيت فلا يأتيهم إلا جَلَبًا، وأما العسل فأكثر من الكثير، وأما الشمع فلا يوجد إلا في دور السلطان، ولا يسمح فيه لأحد. وما لا يحصى من الدواب السائمة من الجواميس والأبقار، والأغنام، والمعز ودواجن الطير من الدجاج والحمام البلدي، والأوز، وهو أقل أنواعه، وأما الدجاج الهندي فيكاد أن يكون كالأوز في عِظَم المقدار. وكل هذا يباع بأرخص الأسعار، واقل الأثمان. وأما السمن واللبن على اختلاف أنواعه فكثير لا يُعبأ به، ولا له قيمة. ويُباع بأسواقها من الأطعمة المُنَوَّعة، كالشواء، والأرز، والمطجن والمَقْلي، والمنوع، والحُلو المنوعة على خمسة وستين نوعًا، والفقاع (٤)، والأشربة، ما لا يكاد يرى في مدينة سواها. وبها من أصحاب الصنائع للسيوف، والقِسِيّ (٥)، والرماح، وأنواع الرماح

стр. 834

والزرد (١)، والصُّواغ (٢)، والزَّرَاكش (٣)، والسَّرَّاجين (٤)، وغير ذلك من أرباب كل صنف مما يختص بالرجال والنساء، وذوي السيوف والأقلام (٥)، وعامة الناس ما لا يُحصى لهم عدد. وأما الجمال فقليلة، لا تكون إلا للسلطان، ومن عنده من الخانات والأمراء، والوزراء، وأكابر أرباب الدولة. وأما الخيل فكثيرة، وهي نوعان: عِرَاب (٦)، وبراذين (٧)، وأكثرها مما لا يُحْمَد فعله. ولهذا، يجلب إلى الهند من جميع ما جاورها من بلاد الترك، وتقاد إليها العِراب من البحرين، وبلاد اليمن والعراق، على أَنَّ في دواخل الهند خَيْلًا عِرَابًا كريمة الأحساب، يُتَغَالى في أثمانها، ولكنها قليلة، ومتى طال مكث الخيل بها انحلت. وأما البغال (٨)، والحمر (٩)، فمما يُعاب عندهم ركوبها، ولا يَسْتَحسن فقيه، ولا ذو علم ركوب بغلة.

стр. 835

فأما الحمار، فإن ركوبه عندهم مذلة كبرة، وعار عظيم، بل ركوب الكل الخيل. وأما الأثقال، فخاصتهم تحمل على الخيل، وعامتهم تحمل على البقر، يعمل عليها الأكف (١)، فيحمل عليها، وهي سريعة المشي، ممتدة الخطى. وسألت الشيخ مبارك، عن مدينة دهلي (٢)، وما هي عليه، وترتيب سلطانها في أحواله، فحدَّثني، أَنَّ دِهْلي مدائن (٣) جُمِعَت مدينة، ولكل واحدة اسم معروف، وإنما دهلي واحدة منها، وقد صار يُطلق على الجميع اسمها، وهي ممتدة طولًا وعرضًا، يكون دَور عمرانها أربعين ميلًا، بناؤها بالحجر، والآجر، وسقوفها بالأخشاب، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرخام، ولا يُبنى بها أكثر من طبقتين، وفي بعضها طبقة واحدة، ولا يفرش بالرخام، إلا السلطان. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال: هذه دور دلّي العتيقة، فأما ما أُضيف عليها فغير ذلك. قال: وجملة ما يُطلق عليه الآن اسم دلي أحد وعشرون مدينة. وبساتينها على استقامة كل خط اثنا عشر ميلًا من ثلاث جهاتها، فأما الغربي فعاطل لمقاربته جبل لهابة. وفي دهلي ألف مدرسة، وبها مدرسة واحدة للشافعية، وسائرها للحنفية، ونحو سبعين مارَسْتَانًا (٤)، وتُسمى بها دور الشفا وفيها، وفي بلادها من الخَوَانِق (٥)،

стр. 836

والرَّبْط (١)، عدة ألفين مكانًا، وبها الدّيارات (٢) العظيمة، والأسواق الممتدة، والحمامات الكثيرة، وجميع مياهها من آبار قريبة الْمُسْتَقى أعمق ما يكون سبعة أذرع، عليها السواقي، وأما شرب أهلها، فمن ماء المطر في أحواض وسيعة تجتمع فيها الأمطار، كل حوض يكون قطره (٣) غَلْوَة (٤) سهم أو أزيد، وبها الجامع المشهور المأذنة التي قال: إنه ما على بسيط الأرض لها شبيه، في سمكها وارتفاعها. قال الشيخ برهان الدين بن الخلال البزي الصوفي: إنَّ علوها ستمائة ذراع في الهواء. قال الشيخ مبارك: وأما قصور السلطان، ومنازله بدهلي، فإنها خاصة يسكنه، وسكن حريمه، ومقاصير جواريه، وحظاياه (٥) وبيوت خَدَمِه، ومماليكه، لا يسكن معه أحد من الخانات (٦) والأمراء، ولا يكون به أحد منهم، إلا إذا حضروا للخدمة، ثم ينصرف كل واحد إلى بيته. وخدمتهم مرتين في كُلِّ نهار، في بكرة كُلّ يوم، وبعد العصر منه. وَرُتَب الأمراء على هذه الأنواع، أعلاهم قدرًا، الخانات، ثم الملوك، ثم الأمراء، ثم الإصْفَهسلارية (٧)، ثم الجند.

стр. 837

وفي خدمته (ثمانون خانًا، أو أزيد)، وعسكره تسعمائة ألف فارس، من هؤلاء من هو بحضرته، ومنهم في سائر البلاد، يجرى عليهم كلهم ديوانه (١)، ويشملهم إحسانه. وعساكره من الأتراك، والخَطَا (٢)، والفرس، والهند، ومنهم البهالوين (٣)، والشَّطَّار (٤)، ومن بقية الأنواع، والأجناس كلهم بالخيل المُسَوَّمة (٥)، والسلاح الفائق، والتَّجَمل الظاهر. وغالب الأمراء، والجند تشتغل بالفقه، ويتمذهبون خاصة، وأهل الهند عامة لأبي حنيفة ﵁. وله ثلاثة آلاف فيل مُحَقَّقة (٦)، تُلَبَّس في الحروب البركصطوانات (٧) الحديد

стр. 838

المذهب، وأما في أوقات السلم فتلبس جلال الديباج (١)، والوشي (٢)، وأنواع الحرير، وتُزَيّن بالقصور، والأسِرَّةِ المصفحة، وتُشَدّ عليها البروج من الخُشُب المُسَمَّرة، ويتبوأ بها رجال الهند مقاعد للقتال، ويكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستَّةِ رجال على قدر احتمال الفيل. وله عشرون ألف مملوك أتراك. قال البري: وعشرة آلاف خادم خَصِيّ وألف خزندار (٣)، وألف بَشْمِقدار (٤)، وله مائتا ألف عبد ركابية تلبس السلاح، وتمشي في رِكاب السلطان، وتقاتل رجاله بين يديه، وليس يستخدم أحد من الخانات والملوك، والأمراء، والإصفهسلارية أجنادًا، تُقطع لهم الإقطاعات من قبلهم، كما هو في مصر والشام، بل ليس يُكلّف الواحد منهم إلا نفسه، وعدته من الجند، استخدامهم إلى السلطان، وأرزاقهم من ديوانه، ويبقى كلما تعيّن لذلك الخان، أو الملك أو الأمير، أو الاصفهسلار خاص لنفسه. والحجاب (٥)، وأرباب الوظائف، وأصحاب الأشغال، من أرباب السيوف، من

стр. 839

الخانات والملوك، والأمراء، لكل رتبة من يناسبها، على مقدارها. فأما الإصفهسلارية، فلا يؤهّل منهم أحد لقرب السلطان، وإنما يكون منهم نوع الولاة، ومن يجرى مجراهم. والخان، يكون له عشرة آلاف فارس، والملك ألف فارس، والأمير مائة فارس، والإصفهسلارية دون ذلك. وأما أرزاقهم، فيكون للخانات والملوك، والأمراء، والإصفهسلارية، بلاد مقررة عليهم من الديوان، إن كانت لا تزيد، فإنها لا تنقص، والغالب أن تجيء أضعاف ما عبرت (١) به. ولكل خان لكان، كل لك مائة ألف تَنْكة (٢) … كل تَنْكَة ثمانية دراهم (٣)، هذا خاص له، لا يخرج منه لجندي من أجناده شيء، ولكل ملك من ستين ألف تنكة إلى خمسين الف تَنْكَة، ولكل أمير من أربعين ألف تَنْكَة إلى ثلاثين ألف تنكة، والإصفهسلارية من عشرين ألف تَنْكَة، وما حولها، وأما الجند فلكل جندي من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، وأما المماليك السلطانية فلكل مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تَنْكَة، وطعامهم وكساويهم وَعَلِيقِهِم (٤). والجند، والمماليك ليس لهم بلاد، وإنما يأخذون أموالهم نقدًا من الخزانة، وأما أولئك (٥) فبلاد تلك غيرها. قال: والآن إن لم تزد متحصلات البلاد المقتطعة لهم عن العبر، وإلا فما

стр. 840

تنقص، ومنهم من يحصل له قدر عبرته مرتين وأكثر، وأما العبيد فلكل عبد منهم في كل شهر منّان من الحنطة والأرز، طعامًا لهم، وفي كل يوم ثلاثة أسيار (١) لحم، بما يحتاج إليه، وفي كل شهر عشر تنكات بيضاء (٢)، وفي كل سنة أربع كساوي. ولهذا السلطان دار طراز (٣)، فيها أربعة آلاف قَزَّاز (٤) تَعْمَل الأقمشة المنوعة للخلع (٥)، والكساوى، والإطلاقات (٦)، مع ما يُحمل له من قماش الصين، والعراق، والإسكندرية. وهو يُفَرِّق في كل سنة مائتي ألف كسوة كاملة؛ مائة ألف كسوة في الربيع، ومائة ألف كسوة في الخريف، فأما كساوى الربيع فغالبها من القماش الإسكندري، عمل إسكندرية، وأمّا كَسَاوى الخريف، فكلها حرير من عمل دار الطراز بدهلي، وقماش الصين والعراق. ويُفَرِّق على الخوانق والربط الكساوى. وله أربعة آلاف زَرْكشي، تعمل الزَرَاكِش لباقي الحريم، وتعمل في مستعملاته (٧)، ولما

стр. 841

يخلعه على أرباب دولته، ويُعطي لنسائهم. ويفرق في كل سنة عشرة آلاف فرس عربي من الخيل العراب المُسَوَّمة؛ منها ما هو مُسْرَج مُلْجَم (١)، ومنها ما هو عربي بلا سَرْج ولا لجام، والمُسْرَجات والمُلْجَمات على أنواع؛ منها ما هو مُلَبَّس، ومنها ما هو مُحَلّى، ثم إن تلك الملبسات، والمُحليات منها ما هو بالذهب، ومنها ما هو بالفضة. فأما ما يُعطي من الخيل البراذين، فإنه بلا حساب، يُعطي جُشَارات (٢)، ويفرّق مئينا مئينا، وهو على كثرة الخيل ببلاده، وكثرة ما يُجْلَب إليه يتطلبها من كل قطر، ويبذل فيها أكثر الأثمان، لكثرة ما يُعطي ويُطلق، وهي مع هذا غالية الثمن، مُربحة المكاسب لمن يتاجر فيها، لكثرة المكاسب، والعساكر، وجمهرة الخلق. وحدثني علي بن منصور العقيلي من أمراء عَرَب البحرين وهم ممن يجلبون الخيل إلى هذا السلطان أن لأهل هذه البلاد علامة في الفرس يعرفونها بينهم، متى ما رأوها في فرس اشتروه بما عسى يبلغ ثمنه. ولهذا السلطان نائب من الخانات يُسمى (إمريت)، إقطاعه يكون قدر إقليم عظيم نحو العراق، ووزير، وإقطاعه يكون قدر إقليم نحو العراق، وله أربعة نواب، يُسمى كل واحد منهم (شق)، ولكل منهم من أربعين ألف تَنْكَة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة (دبيران) أي كتاب سِرّ - لكل واحد منهم مدينة من المدن البنادر العظيمة الدَّخْلِ، ولكل واحدٍ منهم بقدر ثلاثمائة كاتب أصغر من فيهم، وأضيق رزقًا له عشرة آلاف تنكة، وأما أكابرهم فلهم قرى وضياع، وفيهم من له خمسون قرية، ولصدرِجَهان، وهو اسم قاضي القضاء، وهو في وقتنا كمال الدين بن البرهان (٣)،

стр. 842

عشر قرى، يكون متحصلها قريب ستين ألف تَنْكَة، ويُسمى صدر الإسلام، وهو أكبر نواب الحكم بالقضاء، ولشيخ الإسلام، وهو شيخ الشيوخ مثله. وللمحتسب قرية يكون متحصلها نحو ثمانية آلاف تنكة. وله ألف طبيب ومائتا طبيب وعشرة آلاف بَزْدَار (١) تركب الخيل، وتحمل الطيور المعلمة للصيد، وثلاثة آلاف سوّاق تسوق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألفان ومائتا نفر من الملاهي، غير مماليكه الملاهي؛ وهم ألف مملوك، برسم تعليم الغنا خاصة، وألف شاعر من اللغات الثلاثة؛ العربية والفارسية والهندية، من ذوي الذوق اللطيف، يجري على هؤلاء كلهم ديوانه، وتدر عليهم مواهبه. ومتى بلغه أَنَّ أحدًا من ملاهيه غَنّى لأحد قتله. وسألته عما لهؤلاء من الأرزاق؟ فقال: لا أعلم من أرزاق هؤلاء إلا ما للندماء، فإنَّ لبعضهم قريتين، ولبعضهم قرية، ولكل واحد منهم، من أربعين ألف تنكة، إلى ثلاثين ألف تنكة، إلى عشرين ألف تنكة، على مقاديرهم من الخلع والكساوى، والإفتقادات (٢). قال الشيخ مبارك: ويُمدّ (٣) لهذا السلطان السماط أوقات الخدم في طرفي النهار مرتين في كل يوم، ويطعم منه عشرون ألف نفر مثل: الخانات، والملوك، والأمراء، والإصْفَهسلارية، وأعيان الجند، وأما طعامه الخاص فيحضر معه عليه الفقهاء؛ مائتا

стр. 843

فقيه في الغذاء والعشاء، ليأكلوا معه، ويبحثوا بين يديه. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي: سألت طباخ السلطان، كم يذبح في مطابخه كل يوم؟ فقال: يُذبح ألفان وخمسمائة رأس من البقر، وألفا رأس من الغنم، غير الخيل المسمنة، وأنواع الطير. قال الشيخ مبارك: ولا يحضر مجلس هذا السلطان من الجند، إلا الأعيان، ومن دعته ضرورة إلى الحضور؛ لكثرة عددهم، وكذلك مجالسة الخاصه، لا يحضر بها جميع أرباب الخدم من الندماء والمغاني إلا بالنُّوب، وكذلك أرباب الوظائف مثل: الدبيران والأطباء ومن يجري مجراهم لا يحضرون إلا بالنُّوب، وأما الشعراء فلِحُضُورهم أوقات مخصوصة في السنة، مثل: العيدين والمواسم، ودخول شهر رمضان، وعندما يتجدد نصره على أعداء، أو فتوح من الفتوحات، أو غير ذلك مما تُهنّى به السلاطين، أو يتعرض إلى مدحهم فيه. وأمور الجند خاصة، بل الناس عامة إلى (أَمْرِيتٌ)، وأمور الفقهاء والعلماء القاطنين، والواردين كلها إلى (صدرجهان)، وأمور الفقراء القاطنين، والواردين إلى (شيخ الإسلام)، وأمور عامة الواردين، والوافدين والأدباء، والشعراء القاطنين والواردين إلى (الدبيران)، وهم كتاب السر. وحدثني قاضي القضاة، أبو محمد الحسن بن محمد الغوري الحنفي (١)، أن السلطان محمد بن طغلق شاه، كان قد جَهْزَ بيغصان، أحد كتاب سره إلى جهة السلطان أبي سعيد (٢) رسولًا وبعث معه ألف ألف تنكة، ليتصدق بها في المشاهد،

стр. 844

بالكوفة، والعراق، وتلك الآفاق، وكان هذا بيغصان مُخَبّث النية، فجمع أَحْوَاله عازمًا على أنَّه لا يرجع إلى حضرة مُرسله، وصادف وصوله وفاة أبي سعيد، فتمكن مما قصده، وحضر إلى بغداد، ومعه نحو خمسمائة فرس له ولأصحابه، ثم توجه إلى دمشق. قال: ثم بلغني أنه عاد منها إلى العراق، وأقام ببغداد، واستوطنها. قلت: وقد حدثني بحال هذا، الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، وقال لي: إنه رآه بدمشق لكنه لم يذكر مبلغ هذه الصَّدقة وكذا حكى لي عنه [السُّبْكي] (١)، والمُلْتاني، والبَرِّي وإن تخالفت ألفاظهم، فمعناها واحد. وقال كل منهم: إن هذا بيغصان من الفضلاء الأعيان والدينة (٢) الأخيار. قال الشيخ أبو بكر البزي (٣): - وهذا السلطان ترعد الفرائص المهابته وتتزلزل الأرض لموكبه، وهو كثير التصدّي لأمور مملكته، وهو يجلس بنفسه لإنصاف رعيته.

стр. 845

قال خواجا (١) أحمد بن خواجا عمر بن مسافر (٢)، فيما حكاه عنه: إنه يجلس لقراءة قصص الناس عليه جلوسًا عامًا، ولا يدخل عليه من معه شيء من السلاح، حتى ولا السكين، إلا كاتب السرّ لا غير، والسلطان عنده سلاح كامل، حتى التركاش (٣)، والقوس، والنشاب (٤)؛ حيث قعد لا يفارقه سلاحه. قال: وهذا دأبه، دائمًا أبدًا (٥). وأما ركوب هذا السلطان، فإنه يختلف؛ تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلي من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى الحرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبروق تلمع، وأمور تعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعن الفيلة من الأبراج مدينة، أو قلعة حصينة، ولا يَرَى الطَّرفُ إلا النَّقْعَ المُثار، ودُجَى ليل ممتد على النهار. وشعار السلطان أعلام سود (٦) في أوساطها تِنّين (٧) عظيم من الذهب، ولا يحمل أحد في الأعلام سوادًا إلا له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام
следующие страницы →