← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يخلعه على أرباب دولته، ويُعطي لنسائهم. ويفرق في كل سنة عشرة آلاف فرس عربي من الخيل العراب المُسَوَّمة؛ منها ما هو مُسْرَج مُلْجَم (١)، ومنها ما هو عربي بلا سَرْج ولا لجام، والمُسْرَجات والمُلْجَمات على أنواع؛ منها ما هو مُلَبَّس، ومنها ما هو مُحَلّى، ثم إن تلك الملبسات، والمُحليات منها ما هو بالذهب، ومنها ما هو بالفضة. فأما ما يُعطي من الخيل البراذين، فإنه بلا حساب، يُعطي جُشَارات (٢)، ويفرّق مئينا مئينا، وهو على كثرة الخيل ببلاده، وكثرة ما يُجْلَب إليه يتطلبها من كل قطر، ويبذل فيها أكثر الأثمان، لكثرة ما يُعطي ويُطلق، وهي مع هذا غالية الثمن، مُربحة المكاسب لمن يتاجر فيها، لكثرة المكاسب، والعساكر، وجمهرة الخلق. وحدثني علي بن منصور العقيلي من أمراء عَرَب البحرين وهم ممن يجلبون الخيل إلى هذا السلطان أن لأهل هذه البلاد علامة في الفرس يعرفونها بينهم، متى ما رأوها في فرس اشتروه بما عسى يبلغ ثمنه. ولهذا السلطان نائب من الخانات يُسمى (إمريت)، إقطاعه يكون قدر إقليم عظيم نحو العراق، ووزير، وإقطاعه يكون قدر إقليم نحو العراق، وله أربعة نواب، يُسمى كل واحد منهم (شق)، ولكل منهم من أربعين ألف تَنْكَة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة (دبيران) أي كتاب سِرّ - لكل واحد منهم مدينة من المدن البنادر العظيمة الدَّخْلِ، ولكل واحدٍ منهم بقدر ثلاثمائة كاتب أصغر من فيهم، وأضيق رزقًا له عشرة آلاف تنكة، وأما أكابرهم فلهم قرى وضياع، وفيهم من له خمسون قرية، ولصدرِجَهان، وهو اسم قاضي القضاء، وهو في وقتنا كمال الدين بن البرهان (٣)،

стр. 842

عشر قرى، يكون متحصلها قريب ستين ألف تَنْكَة، ويُسمى صدر الإسلام، وهو أكبر نواب الحكم بالقضاء، ولشيخ الإسلام، وهو شيخ الشيوخ مثله. وللمحتسب قرية يكون متحصلها نحو ثمانية آلاف تنكة. وله ألف طبيب ومائتا طبيب وعشرة آلاف بَزْدَار (١) تركب الخيل، وتحمل الطيور المعلمة للصيد، وثلاثة آلاف سوّاق تسوق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألفان ومائتا نفر من الملاهي، غير مماليكه الملاهي؛ وهم ألف مملوك، برسم تعليم الغنا خاصة، وألف شاعر من اللغات الثلاثة؛ العربية والفارسية والهندية، من ذوي الذوق اللطيف، يجري على هؤلاء كلهم ديوانه، وتدر عليهم مواهبه. ومتى بلغه أَنَّ أحدًا من ملاهيه غَنّى لأحد قتله. وسألته عما لهؤلاء من الأرزاق؟ فقال: لا أعلم من أرزاق هؤلاء إلا ما للندماء، فإنَّ لبعضهم قريتين، ولبعضهم قرية، ولكل واحد منهم، من أربعين ألف تنكة، إلى ثلاثين ألف تنكة، إلى عشرين ألف تنكة، على مقاديرهم من الخلع والكساوى، والإفتقادات (٢). قال الشيخ مبارك: ويُمدّ (٣) لهذا السلطان السماط أوقات الخدم في طرفي النهار مرتين في كل يوم، ويطعم منه عشرون ألف نفر مثل: الخانات، والملوك، والأمراء، والإصْفَهسلارية، وأعيان الجند، وأما طعامه الخاص فيحضر معه عليه الفقهاء؛ مائتا

стр. 843

فقيه في الغذاء والعشاء، ليأكلوا معه، ويبحثوا بين يديه. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي: سألت طباخ السلطان، كم يذبح في مطابخه كل يوم؟ فقال: يُذبح ألفان وخمسمائة رأس من البقر، وألفا رأس من الغنم، غير الخيل المسمنة، وأنواع الطير. قال الشيخ مبارك: ولا يحضر مجلس هذا السلطان من الجند، إلا الأعيان، ومن دعته ضرورة إلى الحضور؛ لكثرة عددهم، وكذلك مجالسة الخاصه، لا يحضر بها جميع أرباب الخدم من الندماء والمغاني إلا بالنُّوب، وكذلك أرباب الوظائف مثل: الدبيران والأطباء ومن يجري مجراهم لا يحضرون إلا بالنُّوب، وأما الشعراء فلِحُضُورهم أوقات مخصوصة في السنة، مثل: العيدين والمواسم، ودخول شهر رمضان، وعندما يتجدد نصره على أعداء، أو فتوح من الفتوحات، أو غير ذلك مما تُهنّى به السلاطين، أو يتعرض إلى مدحهم فيه. وأمور الجند خاصة، بل الناس عامة إلى (أَمْرِيتٌ)، وأمور الفقهاء والعلماء القاطنين، والواردين كلها إلى (صدرجهان)، وأمور الفقراء القاطنين، والواردين إلى (شيخ الإسلام)، وأمور عامة الواردين، والوافدين والأدباء، والشعراء القاطنين والواردين إلى (الدبيران)، وهم كتاب السر. وحدثني قاضي القضاة، أبو محمد الحسن بن محمد الغوري الحنفي (١)، أن السلطان محمد بن طغلق شاه، كان قد جَهْزَ بيغصان، أحد كتاب سره إلى جهة السلطان أبي سعيد (٢) رسولًا وبعث معه ألف ألف تنكة، ليتصدق بها في المشاهد،

стр. 844

بالكوفة، والعراق، وتلك الآفاق، وكان هذا بيغصان مُخَبّث النية، فجمع أَحْوَاله عازمًا على أنَّه لا يرجع إلى حضرة مُرسله، وصادف وصوله وفاة أبي سعيد، فتمكن مما قصده، وحضر إلى بغداد، ومعه نحو خمسمائة فرس له ولأصحابه، ثم توجه إلى دمشق. قال: ثم بلغني أنه عاد منها إلى العراق، وأقام ببغداد، واستوطنها. قلت: وقد حدثني بحال هذا، الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، وقال لي: إنه رآه بدمشق لكنه لم يذكر مبلغ هذه الصَّدقة وكذا حكى لي عنه [السُّبْكي] (١)، والمُلْتاني، والبَرِّي وإن تخالفت ألفاظهم، فمعناها واحد. وقال كل منهم: إن هذا بيغصان من الفضلاء الأعيان والدينة (٢) الأخيار. قال الشيخ أبو بكر البزي (٣): - وهذا السلطان ترعد الفرائص المهابته وتتزلزل الأرض لموكبه، وهو كثير التصدّي لأمور مملكته، وهو يجلس بنفسه لإنصاف رعيته.

стр. 845

قال خواجا (١) أحمد بن خواجا عمر بن مسافر (٢)، فيما حكاه عنه: إنه يجلس لقراءة قصص الناس عليه جلوسًا عامًا، ولا يدخل عليه من معه شيء من السلاح، حتى ولا السكين، إلا كاتب السرّ لا غير، والسلطان عنده سلاح كامل، حتى التركاش (٣)، والقوس، والنشاب (٤)؛ حيث قعد لا يفارقه سلاحه. قال: وهذا دأبه، دائمًا أبدًا (٥). وأما ركوب هذا السلطان، فإنه يختلف؛ تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلي من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى الحرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبروق تلمع، وأمور تعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعن الفيلة من الأبراج مدينة، أو قلعة حصينة، ولا يَرَى الطَّرفُ إلا النَّقْعَ المُثار، ودُجَى ليل ممتد على النهار. وشعار السلطان أعلام سود (٦) في أوساطها تِنّين (٧) عظيم من الذهب، ولا يحمل أحد في الأعلام سوادًا إلا له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام

стр. 846

حمر (١)، وفيها التنينان الذهب، وأما بقية الأمراء، فكل واحد يحمل ما يناسبه. وأما ما يُدَقُ للسلطان من الرَّهْجِيّات (٢) في الإقامة، والسفر، فإنه يدق له مثل الإسكندر ذي القرنين (٣)، وهو مائتا حمل نقارات (٤)، وأربعون حملًا من الكوسات (٥) الكبار، وعشرون بوقًا (٦)، وعشرة صُنُوج (٧)، وتدق له النوب

стр. 847

الخمس (١) أيضًا، ويحمل معه ما لا يحصى من الخزائن وغير ذلك، ما لا يكاد يعد من الجنائب (٢). وأما في الصيد (٣)، فإنه يخرج في خف لا يكون معه أكثر من مائة ألف فارس ومائتي فيل، ويحمل معه أربعة قصور خشب على ثمان مائة جمل، كل قصر على مائتي جمل مُلَبّسة جميعها ستور حرير سود مذهبة، وكل قصر طبقتان، غير الخيم، والحركاوات (٤). وأما في الانتقال من مكان إلى مكان للتنزه، أو ما هذا سبيله، فيكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وهذه العدة من الفيلة، وألف جنيب مُسْرجَة مُلْجَمة، ما بين مُلَبّس بالذهب ومُحَلَّى، ومُطَوّق، ومنها المُرصّع بالجواهر، واليواقيت. وأما ركوبه في قصوره، فقال لي الشيخ محمد الخُجْنَدي (٥)، وكان ممن دخل دهلي واستخدم في الجند بها: إنه رآه، وقد خرج من قصر إلى آخر، وهو راكب، وعلى رأسه الجثر (٦)، والسلاح دَارِيّة وراءه، محمولًا بأيديهم السلاح، وحوله قريب

стр. 848

اثني عشر ألف مملوك جميعهم مشاة، ليس فيهم راكب إلا حامل الجثر، والسلاح داريه (١). والجَمَدارية (٢)؛ حملة القماش. وقال لي الشيخ مبارك: إن هذا السلطان، يحمل على رأسه، حيث يركب الجِتْر، فأما في خروجه إلى الحروب، والأسفار الطويلة، فإنه يحمل على رأسه سبعة جتورة منها اثنان مرصعان، ليس لهما قيمة، ولدسته، من الفخامة والعظمة والقوانين الشَّاهنشاهية (٣)، والأوضاع السلطانية، ما لم يكن مثله، إلا للإسكندر ذي القرنين، أو لملك شاه (٤) بن ألب أرسلان، وأما الخانات والملوك والأمراء، فإنه لا يركب أحد منهم في السفر والحضر، إلا بالأعلام، وأكثر ما يحمل الخان، تسعة أعلام. وأقل ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يَجُرّ الخان في الحضرة عشرة جنائب، وأكثر ما يجر الأمير في الحضر جنيبان فأما في الأسفار فمهما وصلت قدرة كل واحد منهم، ووسعة صدره وكرمه. مع أنهم إذا حضروا باب السلطان تضاءلوا، لطمس شمسه كواكبهم، ولطم بحرِه سَحَائِبَهم.

стр. 849

وهذا السلطان مع هذا ذو بر، وإحسان، وتواضع الله تعالى. حدثني أبو الصفا عمر بن إسحاق الشبلي، أنه رآه، وقد نزل إلى جنازة فقير صالح مات، وحمل نَعْشَه على عنقه. وله فضيلة جمة؛ يحفظ كتاب الله تعالى، وكتاب الهداية (١) في مذهب الإمام أبي حنيفة (٢) ﵁، ويجيد في المعقول (٣)، ويكتب خَطًّا حَسَنًا، وله يد ممهدة (٤) في الرياضة وتأديب النفس والأدب، ويقول الشعر وينظمه، ويستنشده، ويفهم معانيه، ويباحث العلماء، ويناظر الفضلاء، ويؤاخذ خصوصًا الشعراء بالفارسية، فإنه عالق بأهدابها، عارف بشعابها، قال: ولقد سمعته يبحث في معنى تقدم الأمس على اليوم، من أي قبيل هو؟! لأنهم قالوا: إنَّ التقدم، إما أن يكون بالزمان، أو بالرتبة، أو بالذات، وهذا لا يجوز أن يكون [واحدًا] من هذه الأقسام، وقَرَّرَ أَنَّ قولهم انتقض بهذا؛ لأن الأمس متقدم، لا بشيء من هذا. قال: ولقد رأيته يأخذ بأطراف الكلام على كل من حضر على كثرة العلماء. قال: والعلماء تحضر مجلسه، وتفطر في شهر رمضان عنده يأمر (صدر جهان) كل ليلة واحدًا ممن حضر بأن يذكر نكته، ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها، بحضرة السلطان، وهو كواحد منهم، يتكلم

стр. 850

معهم، ويبحث بينهم وَيُورَد عليه. وهو (١) ممن لا يُرَخّص في محذور، ولا يُقرّ أحدًا على منكر، ولا يتجاسر أحد أن يتظاهر في بلاد بمحرم، وأشد ما ينكر على الخمر، ويقيم الحد فيه، ويبالغ في تأديب من يتعاطاه من المقربين إليه. حدثني السيد الشريف تاج الدين بن أبي المجاهد الحسن السمرقندي: أن بعض الخانات الأكابر بدهلي كان يشرب الخمرة، ويُدمنها ويُصرّ عليها، وكان ينهى، فلا ينتهي، فغضب عليه هذا السلطان غضبًا شديدًا، وأمسكه وأخذ أمواله، فكان جُملة ما وجد له أربعمائة ألف ألف مثقال (٢)، وسبعة وثلاثون ألف ألف مثقال ذهبًا أحمر. وفي هذه الحكاية كفاية في مبالغته في إنكار المنكر، وفي سعة أموال هذه البلاد، فإن هذا المبلغ، إذا حسب بالقناطير المصرية، كان ثلاثة وأربعين ألف قنطار (٣)، وسبعمائة قنطار ذهبًا، وهذا مما لا يكاد يدخل تحت حصر ولا إحصاء. وحكى لي هذا الشريف، حسن السمرقندي، وهو ممن جال الأرض، وجاب الآفاق، عن أموال هذه البلاد ما تحار العقول فيه، من مثل هذا وأشباهه. وله (٤) من وجوه البر والصدقات ما تسطره الدنيا في صحائف حسناتها، وتُرقّمه الأيام في غُرر جبهاتها، سمعت منه أحاديث جملتها ما علمت تفصيلها، حتى حدثني الشيخ المبارك. مبارك أن هذا السلطان، يتصدق في كل يوم بلكين، لا أقل منهما، يكون عنهما من نقد مصر والشام ألف ألف وستمائة ألف درهم، في كل يوم، ربما بَلَغَتْ صدقته في بعض الأيام خمسين لكًا، ويتصدق عند رؤية كل هلال، من كل شهر

стр. 851

بلكين، عادة دائمة لا يقطعها. وعليه راتب مستمر لأربعين ألف فقير، لكل واحد منهم في كل يوم درهم واحد، وخمسة أرطال (١) خبز وقمح، أو أرز. وقرّر ألف فقيه في مكاتب (٢)، أرزاقهم على ديوانه، تعلّم الأيتام، وأولاد الناس القراءة والكتابة ولا يدع بدِهْلي سائلًا يَسْتَعْطِي الناس، بل كل من استعطى منع من هذا، وأجري عليه ما يُجرى على أمثاله من الفقراء. فأما إحسانه إلى الغرباء، ومن يؤمله، فما يكاد يخرج عن حد التصديق. حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل، يحيى بن الحكيم الطَّيَّاري، قال: كان عندنا بالأردو، في خدمة السلطان أبي سعيد رجل اسمه عضد (٣) الدولة ابن قاضي يزد، يروم الوزارة، ولا يؤهل لها ولا يعد من أكفائها، فلا يزال يَشْعَب على الوزراء، ويفتن بين أهل الأردو، فاتفق رأيهم على إبعاده، فبعثوه رسولًا إلى دهلي برسالة مضمونها السلام، والوداد وللسؤال والافتقاد، وعملوا هذا صورة ظاهرة، لإبعاده، وكان قصدهم، أن لا يعود، فلما حصل في دِهْلي، وحضر في حضرة هذا السلطان، وأدى الرسالة، أقبل عليه وشرفه بالخلع والعطاء، وأَحَلّه من كنفه (٤) في محل الرحب والسعة، وأطلق له حملًا من المال. ثم لما أراد الانصراف عائدًا إلى مرسله، قال له: ادخل إلى الخزانة وخذ مما شئت، وكان هذا السيد عضد رجلًا داهية، فلما دخل الخزانة، لم يأخذ سوى مصحف واحد، فسمع السلطان بهذا فأعجبه، وقال له: لأي شيء ما أخذت إلا هذا المصحف؟ فقال: لأن السلطان قد أغناني بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب الله، فازداد إعجابه بفعله، وبكلامه، ووقعا منه موقع الاستحسان، وأعطاه مالًا جمًا (٥)، منه ما هو خاص بنفسه، ومنه ما هو معه لأبي سعيد على سبيل المهاداة، وكان جملة ما اتصل إليه منه، مما هو لأبي سعيد، وما هُوَ لَهُ ثمانمائة

стр. 852

تومان (١)؛ - التومان عشرة آلاف دينار (٢) رائجًا، الدينار ستة دراهم، فيكون هذا المبلغ ثمانية آلاف ألف دينار رَائِجًا، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم - فلما عاد بهذا المال المدود، خشي أن يؤخذ في الأردو منه ففرقه أقسامًا، وغيبه عن العيون، وكان أمير أحمد بن خواجا رشيد، وهو أخو الوزير، قد وقع له أمر اقتضى إخراجه من الأردو، وروعي لمكان أخيه الوزير غياث الدين محمد (٣)، وكتب له بأن يكون أمير الأيلكاه، ومعنى هذا أنه يحكم، حيث حل من المملكة؛ حتى على حكامها، فصادف في طريقه هذا السيد عَضُد، فأخذ منه شيئًا كثيرًا، احتمل أنه عمل منه عدة حمول من أواني الذهب والفضة، ليقدمها إلى أبي سعيد والخواتين (٤) وأحسبه [سأله] العود إلى الأردو فعاجله الموت، ثم مات أبو سعيد والسيد عضد، وتصرمت تلك الأيام، وذهب الذهب، ولم يغن أحدًا ما كسب. قال ابن الحكيم: وهذا السلطان صاحب دِهْلي كَرَمه خارق، وإحسانه إلى الغرباء عظيم، قصده بعض الفضلاء، من بلاد فارس، وقَدَّم إليه كتبًا حِكْمية، منها «الشفا» (٥) لابن سينا (٦)، واتفق أنه لما مثل بين يديه، وقدمها له أحضر إليه حمل

стр. 853

جليل من الجواهر الثمينة فحثا له منه ملء يده، وأعطاه له، وكان بعشرين ألف مثقال، من الذهب، هذا غير بقية ما وصله به. وحدثني الشريف السمرقندي: إن أهل بخارى (١)، يقصدونه بالبطيخ الأصفر المبقى عندهم في زمن الشتاء، فيعطيهم عطاء جزيلًا. قال: ومنهم واحد أعرفه، حمل إليه حِمْلين من البطيخ، فتلف غالبه، ولم يصل معه إلا اثنتان وعشرون بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال من الذهب. قال الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتاني المعروف بابن التاج الحافظ: الذي بلغنا بالملتان، واستفاض عندنا بها. ثم إني سافرت إلى دهلي، وأقمت بها، ووجدت هذا أيضًا مستفيضًا فيها، أن هذا السلطان، التزم أنه لا ينطق في إطلاقاته بأقل من ذلك. وحدثني الخُجَنْدي، قال: قصدته، واتصلت به، فأنعم علي بألف مثقال من الذهب، ثم سأل، إن كنت أختار الإقامة أو العود، فقلت: اخترت الإقامة، فأجراني في جملة الجند. وحدثني الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي قال: بعث هذا السلطان، مع جماعة، أنا منهم ثلاثة لكوك ذهبًا إلى بلاد ما وراء النهر (٢)؛ لتُفَرَّق على العلماء لكًا منها، ويُتصدق على الفقراء بلك منها، ويُبتاع له باللك الثالث. قال: وقال لنا: بلغني أَنَّ الشيخ برهان الدين (٣) الصاغرجي، - شيخ سَمَرْقَند (٤) -

стр. 854

فريد في العلوم والزهد، وأنه لا يُثبت عنده مالًا، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى المُلتان، ثم إذا دخل بلادنا، جدنا عليه بالأموال. ثم قال: وإن لم تجدوه أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه، إذا جاء ويُعَرِّفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان. قال: فلما وصلنا إلى سَمرقند، وجدناه قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال، لجاريته، وعَرَّفناها برغبة السلطان فيه، وحثه في طلبه. وحدثني الفقيه أبو الصفا، عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان، لا يفارق العلماء سَفَرًا ولا حَضَرًا، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كُتُبُ البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه فحصل له السرور وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفًا يَسْتَنِيب مَنْ يحمل من ذلك المال عنه. قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا، ولا كثير من أمثالي؛ لأننا لم نكن من تلك الطبقة. وحمل أولئك كل واحدٍ كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم، إلا واحدًا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبًا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة [ممن] لم يدخل مثلي، فقيل له: إن هؤلاء دون أولئك، لأنّ أولئك من المدرسين؛ وهؤلاء من المعيدين (١)، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا. قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يُشار إليهم بالتوقير والإجلال (٢)، وهم في غاية المحافظة على ما يَنْقَام به ناموسهم (٣)، من إصلاح

стр. 855

الظاهر والباطن، والمداومة على قراءة العلم وإقرائه والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم. وهذا السلطان لا يَتَأَنَّى عن الاجتهاد في الجهاد برًا وبحرًا، لا يثني عنه عنانه (١)، ولا سنانه (٢)، ولا يزال هذا دأبه بنصب عينيه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغًا عظيمًا في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك الأقطار حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء (٣) بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود (٤)، والأصنام، [وأخلى] البَرّ ممن ليس بِبَرٌ، إلا من هو تحت عقد الذمة (٥)، واتصل به الإسلام إلى أقصى الشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح

стр. 856

قال أبو نصر العتبي (١): إلى حيث لم تصل إليه رجاء راية، ولا تليت به سورة، ولا آية، فعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التطريب بالأذان، وأسكت المزمزة بالقرآن، وبَوًَّا (٢) أهل هذه الملة قمم الكفّار، وأورثهم بتأييد الله أموالهم وديارهم وأرضًا لم يطأوها، وهو مع هذا تُمدُّ له خافِقَةٌ (٣) مع كل خَافِقَةٍ (٤)، ففي البر عِقْبان (٥) الأعلام (٦)، وفي البحر غربان (٧) السفن الجواري المنشآت كالأعلام، حتى إنه لا يخلو يوم من الأيام من بيع آلاف مؤلفة من الرقيق، بأقل الأثمان؛ لكثرة السبي والأخذ. حدثني كل هؤلاء أن الجارية الخدامة لا يتعدى ثمنها، بمدينة دهلي ثمان تنكات، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش (خمس عشرة تنكة) وأما في غير دهلي فإنهن بأرخص من هذه الأثمان. قال لي أبو الصفا عمر بن إسحاق الشبلي: إنه اشترى عبدًا مراهقًا نفاعًا (٨) بأربعة دراهم. وقس على مثل هذا. قال: ومع رخص قيمة الرقيق، وهو أنه يوجد من الجواري الهنديات من يبلغ ثمنها عشرين ألف تنكة وأكثر. وهكذا قال لي ابن التاج الحافظ الملتاني قلت: وكيف تبلغ الجارية هذا الثمن مع الرخص؟ قال لي كل واحد في مجلس على انفراد: لحسن خَلْقِها، ولطف خلائِقِها، ولأن غالب مثل هذه

стр. 857

الجواري، يحفظن القرآن، ويكتبن الخط، ويروين الأشعار والأخبار، ويُجدن الغناء، وضرب العود، ولعب الشطرنج، والنرد (١)، ومثل هذه الجواري يتفاخرن في مثل هذا، فتقول الواحدة أنا آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام. فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم. فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين. قالوا: إنَّ ملاح الهنديات أكثر حُسْنًا من الترك والقفجاق (٢) مع ما يتميزن به من التخريج العظيم، والتفنن الفاتن. وغالبهن ذهبيات الألوان، وفيهن بيض ذوات بياض ساطع مختلطًا بالحمرة، وعلى كثرة وجود الترك، والقبجاق والروم، وسائر الأجناس عندهم، لا يفضل أحد على ملاح الهنديات سواهن، لكمال الحسن والحلاوة، وأمور أخرى تدق عنها العبارة. حدثني سراج الدين عمر الشبلي أنه لا يلبس ثياب الكتان (٣)، المجلوبة إلى هذه المملكة، من الروس (٤)، والإسكندرية، إلا من لبسه السلطان منهم، وإلا فقمصهم

стр. 858

وثيابهم من القطن الرفيع، قال: تُعمل منه ثياب شبيهات بالمقاطع البغدادية، ولكن أين المقاطع (١) البغدادية، أو النصافي (٢) منها؟ لرفعتها، ولطافة بشرتها، فإن بعضها يوازي اللوانس في رفعتها، مع الصفق (٣) والمائية. وحدثني الشيخ مبارك أنه لا يركب بالسروج الملبسة، أو المحلاة بالذهب، إلا من أنعم السلطان عليه بشيء منها، فإذا أنعم عليه بشيء من المحلى بالذهب كان إذنًا له في اتخاذ ما شاء منه. وأما عامة ركوبهم، ففي المُلَبَّس أو المُحَلّى بالفضة. قال: والسلطان يُنْعِم على مَنْ في خدمته على اختلاف أنواعهم؛ من أرباب السيف والقلم والعلم بكل شيء جليل، ونوع نفيس من البلاد والأموال والجواهر والخيول، والسروج المُحَلاة بالذهب والمناطق (٤) الذهبية، والأقمشة المختلفة الأنواع والأجناس إلا الفيلة، فإنها لا تكون إلا له، لا يشاركه فيها مشارك من جميع الناس. قال: والفيلة لها رواتب كثيرة لعلوفاتها، لعل هذه الثلاثة آلاف فيل، لا يكفيها إلا دخل مملكة كبيرة. فسألته كم لها؟ قال: تختلف أجناسها، وأشكالها، وعلى قدر اختلافها علوفاتها. وأنا أقول لك أكثر ما يريد كل فيل في كل يوم، وأقل ما يريد، أما أكثر ما يريد في كل يوم، فهو أربعون رطلًا من رز، وستون رطلًا من شعير، وعشرون رطلًا من سمن ونصف حِمْل حشيش (٥). وأما ما تريده سُوّاسها (٦)، والقومة (٧) عليها

стр. 859

فجملة كثيرة، وأمور كثيرة، قال: وشِحْنَة (١) الفيلة رَجُل كبير من أكابر الدولة. قال الشبلي: يكون إقطاعه، قدر إقليم كبير، مثل العراق. وهيأة وقوف ملوك هذه المملكة في مواقف الحرب؛ أن يقف السلطان في القلب، وحوله الأئِمَّةُ والعلماء، والرّماة قُدَّامه وخَلْفَه، وتمتد الميمنة والميسرة موصولة بالجناحين، وأمامه الفيول الملبسة بالإركصطوانات الحديد، وعليها الأبراج المُسَتَّرة فيها المقاتلة، على ما قدمنا القول فيه، وفي الأبراج منافذ لرمي النشاب. ومَرْمَى قوارير النفط (٢)، وقُدَّام الفيول العبيد المشاة في خف من اللباس، بالسيوف والسلاح، يُفْسِحون مجال الفيول، ويُعَرْقِبون (٣) الخيول بالسيوف، والرماة في الأبراج، تكشف عليهم مَنْ خلفهم، مِنْ فَوْق، والخيل في الميمنة، والميسرة تضم أطراف الأرض على الأعداء، وتقاتل من حول الفيول، وورائها، فلا يجد الهارب مغارًا ولا مدخلًا، فلا يكاد ينجو قدامهم لاحتياط العساكر المحدقة بهم، ومواقع النشاب والنفط من فوقهم، ومُخَالَسَةِ الرَّجَالة لهم من تحتهم، فيأتيهم الموت من كل مكان، ويحيط بهم البلاء من كل جهة. ولقد تهيأ لهذا السلطان (٤) القائم بها الآن ما لا تهيأ لأحد قبله من ملوك هذه المملكة، من النصر والاستظهار وفتوح الممالك، وَهَدم قواعد الكفار، وحلّ عُقَد السَّحَرة، وإبطال ما كانت تتعلل به الهنود، من

стр. 860

الصور والتماثيل ولم يبق إلا ما هو داخل البحار من القليل، الشاذر (١)، النادر الذي لا حكم له، ولا حِلْم يُلمّ يحفز هذا السلطان حتى يستكمله، ويغسل بالسيف ما بقي منه، فتضوعت (٢) أندية الهند (٣) من ذكره بأطيب من طيبها، وتحلى زمانه بها، بأعلى قيمة من جواهرها، وهو اليوم جامع ذيول تلك الأقطار، وماسك نطاق البراري، والبحار، وإذا قيل اليوم سلطان الهند لا يطلق على سواه، ولا يصح الاسم الكريم إلا على مسماه. قال الشبلي: وحقيق على مسلم، أن يدعو لسلطان هذا في الله جهاده، وذلك معروفه، وتلك سجاياه. وحكى لي محمد الخجندي أَنَّ لهذا السلطان في كل أسبوع يومًا عامًا يجلس فيه للناس جلوسًا عامًا، وهو يوم الثلاثاء؛ يجلس في ساحة عظيمة، متسعة إلى غاية يُضْرب له فيها جَتْر كبير سلطاني، يجلس (٤) في صدره، على تخت عال (٥) مُصَفّح بالذهب مرصع بالجواهر، ويقف (٦) أرباب الدولة حوله، يمينًا ويسارًا، وخَلْفَه السلاح دَارِية، والجَمْدارية، ومَنْ حُكمه بين أرباب الأشغال الخاصة حُكْمُهم، وأرباب الوظائف على منازلهم، ولا يجلس إلا الخانات، وصدر جهان، والدبيران، يعني كتاب السِّرِّ، بين يديه والحجاب وقوف، ويُنادى مناداة عامة، أنه من كان له شكوى يحضر فيحضر كُلّ من له شكوى، أو حاجة يسأل السلطان فيها، فإذا حضروا، ووقف بين يديه، لا يُضرب ولا يُمنع حتى يُنهي إليه شكواه، ويأمرُ السلطان فيه بأمره وأما بقية الأيام فإنه يجلس في طَرَفي كل نهار، ويركب في الخانات، والملوك، والأمراء جميعهم إلى بابه، ومن رَسْمه أَنَّ أحدًا لا يدخل عليه (٧) بسلاح كبير، ولا سكين صغيرة، ومن جاءه اعتبر قبل دخوله. ودون المكان، الذي

стр. 861

يجلس فيه سبعة أبواب بعضها داخل بعض، وعلى الباب الأول البراني منها رجل معه بوق، فإذا جاء أحد من الخانات، أو الملوك، أو أكابر الأمراء، نفخ في البوق إعلامًا للسلطان بأنه قد جاءه كبير، ليكون دائمًا على تَيَقَّظ، واستعداد من أمره. ومن جاء به كائنًا مَنْ كان يترجَّلُ من الباب الأول البراني، ويمشي إلى أن يدخل السبعة الأبواب، إلى حضرة السلطان، وثَمَّ من شرف بالإذن له، بأن يَعْبُرَ راكبًا إلى الباب السادس، ولا يزال البوق عَمّالًا إلى أنْ يُقارب الداخل الباب السابع. ويجلس على ذلك الباب كُلُّ مَنْ دخل إلى أن يجتمعوا، فإذا تكامل المجيء أُذِنَ لهم في الدخول، فإذا دخلوا جلس حوله من له أَهْلِيَّة (١) الجلوس، ووقف سائرهم، وقعد القضاة، والوزراء، والدُّبَيْران، كُتابُ السِّرِّ؛ وهم الموقعون (٢) إلى جانب من المكان، لا يقع فيه نظر السلطان عليهم، ومُدَّتِ الأَسْمِطَة (٣)، وقدَّمت الحُجَابُ القِصَصَ (٤)، ولكل طائفة حاجب يرفع قصصهم وحاجاتهم على يده. ويقدم جميع الحجاب القِصَصَ إلى حاجبي صاحِبِهِ، وهو الحاجب الخاص، المُقَدَّمَ على الكلِّ، فَيَعْرِضها

стр. 862

على السلطان، ثم إذا قام السلطان، جلس إلى كاتب السِّرِّ، فأدى إليه الرسائل بما رسمه السلطان في ذلك فَيُنَفِّذها. ثم إذا قام السلطان من المجلس. جلس في مجلس خاص، واستدعى العلماء، فيحضر من له عادة فيجالسهم ويؤانسهم، ويأكل معهم، ويتحدّث هو وإيَّاهُمْ. وهم بِطَانَتُه (١) الخاصة، ثم يأمر بالانصراف، ويخلو بالندماء والمغاني تارة يُنادم بالحديث، وتارة يُغَنَّى له، وهو على كل حال في المحافل، والخلوات، عفيف الخَلْوَةِ، طَاهِرُ اللَّيْلِ، يُحَاسِب نَفْسَه على الحركات والسكون، ويُراقب الله في السِّرِّ، والعلن، لا يرتكب مُحَرَّمًا، ولا يَفْسَحُ فيه. قال لي الشبلي: حتى أنه لا يوجد بدهلي خمر بالجملة الكافية، لا ظاهرًا، ولا مضمرًا لتشديد هذا الرجل فيه (٢)، وإنكاره على من يعانيه (٣)، قال: مع أنَّ أهل الهند لا رغبة لهم في الخمر، ولا في المسكرات استغناءً بالتَّنْبُول (٤)، وهو حلال طيب لا شُبهة فيه، مع ما فيه من أشياء لا يوجد في الخمر بعضها، وهو أنه يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، ويُصَرِّف الأطعمة، ويبسط الأنفُسَ بسْطًا عظيمًا، ويورثها سرورًا زائدًا مع ثبوت العقل، وتصفية الذهن، ولذاذة الطعم. فأما أجزاؤه؛ فهو ورق التَّنْبُول، والفُوْفَل (٥)،

стр. 863

ونُوْرَةٌ (١) تُعْمَل خاصة (٢). قال: ولا يَعِدّ أهل تلك البلاد كرامةً أبلغ منه، فإنه إذا ضَيَّف الرَّجُل الآخر وأكرمه بما عسى أن يكون من أنواع الأطعمة والأشوية، والحلاوات، والأشربة، والرياحين، والطَّيْبِ، ولا يحضر التَّنْبُول، لا يُعْتَدُّ له بكرامة، ولا يُعَدُّ أنه أكرمه. وكذلك إذا أراد الرئيس إكرام أحد ممن يحضره يناوله التنبول (٣). قلت: وهذا نظير مسك الأياق في ممالك أولاد جنكزخان (٤)؛ والأياق، هو قَدَح خَمْرٍ أَوْ تَمْرٍ يمسكه الكبير، لِمَنْ أراد إكرامه، أو الرجلُ، لِمَنْ أراد خِدمته، وهو أبلغ خدمةً عندهم وسيأتي بمشيئة الله تعالى ذكر هذا في موضعه. وحَدَّثني العلامة سِرَاجُ الدِّين أبو الصفا عمر الشبلي، أنَّ هذا السلطان مُتَطَلِّع إلى معرفة أخبار ممالكه، وبلاده وأحوال مَنْ حوله من جنوده، ورعاياه، وأَنَّ له ناسًا يُسَمَّوْنَ المُنْهين (٥)، وطبقاتهم مختلفة؛ فمنهم من يُخالط الجند، والعامة، فإذا عَلِمَ ما يجب إنهاؤه إلى السلطان أنهاه إلى أعلى طبقةٍ منه، ثم يُنهيها ذلك المنتهى إلى آخر الأعْلَى الأَعْلَى إلى السلطان فأما أخبار البلاد النائية، فإن بين حضرة السلطان،

стр. 864

وبين أمهات الأقاليم أماكن مقاربة بعضها من بعض شبيهة بمراكز البريد (١) في مصر والشام، ولكن هذه قريبة المدى بين المكان، والمكان بقدر أَرْبَعِ غَلْوَاتِ نَشَاب أو دونها، وفي كل مكانٍ عَشرة سُعَاة (٢)، ممن له خِفَّةٌ في الجَرْي، يحملُ الكُتبَ بَيْنَه وبين من يليه، إذا أخذ أحدهم الكتاب جرى به جَرْيًا قويًا بأشد ما يمكنه أن يشتد، وأقوى ما يمكنه أن يجري إلى أن يوصله إلى الآخر، فيجري كالأول، إلى المكان الذي يليه ويرجع حامله إلى مكانه على مَهْلِه، فيصل الكتابُ مِنْ المكان البعيد إلى المكان البعيد في أقرب الأوقات، أسرع من البريد والنجابة (٣). قال: وفي كل مكان من هذه الأماكن المركزة، مساجد تقام بها الصلوات، ويأوى إليها السفار، وبرك ماء للشرب، وأسواق لبيع المآكل، وعلوفة الدواب، فلا يكاد يحتاج إلى حَمْل ماء، ولا زاد، ولا خيمة.

стр. 865

قال: ومن جملة عناية هذا السلطان، جَعْلُ بين قاعدتي ملكه، وهما دهلي، وقبة الإسلام في هذه الأماكن المعدة لإبلاغ الأخبار طبول، فحيثما كان في مدينة وفتح باب الأخرى، أو أُغلق تدق الطبل، فإذا سمعه مجاورهُ دَقَّ، فَيُعْلَمُ خَبَرُ فتح المدينة التي هو غاب عنها، وغَلْقَه في وقت الحاضر كل يوم بنوبة. ولهذا السلطان مهابة تسقط لها القلوب، مع قربه من الناس، ولينه في كلامه وحديثه، وكل من أراد الوصول إليه، وصل إليه لا يُبعده عِظَمُ حِجَابٍ (١)، ولا عموم حجاب، وقد أدر الله في أيامه الأرزاق، وكثر المواد، وضاعف النعم، على أن الهند ما زال موصوفًا بالرخاء، معروفًا بالسخاء. حدثني الخُجْنَدِي، قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاق لي في بعض بلاد دهلي لحمًا بقريًا وخبزًا وسمنًا حتى شبعنا بجيتل وهو أربعة فلوس (٢).

стр. 866

وسأذكر معاملاتهم، ثم ذكر الأسعار عندهم؛ لأنها مرتبة على المعاملة. وبها تعرف. ولقد حدثني الشيخ مبارك قال: اللك الأحمر مائة ألف تنكة، واللك الأبيض مائة ألف تنكة. تنكة الذهب، وهي المسماة عندهم التَّنْكَة الحمراء ثلاثة مثاقيل، والتنكة النقرة (١)، وهي الفضة ثمانية دراهم فشتكانية (٢). وهذا الدرهم الفشتكاني (٣) هو وزن الدرهم النُّقْرة معاملة مصر والشام، وجوازه جوازه، لا يكاد يتفاوت ما بينهما، وهذا الدرهم الفشتكاني، هو أربعة دراهم سلطانية وهي المسماة الدكانية (٤) - وهذا الدرهم السلطاني يجيء ثلث درهم سشتكاني - وهو درهم ثالث يتعامل به في الهند - وجوازه بنصف وربع درهم هستكاني، ولهذا الدرهم السلطاني نصف، يُقال له يكاني، وهو بجيتل واحد، ولهم در هم آخر اسمه دوازدها كاني جوازه بدرهم ونصف درهم هستكاني ودرهم آخر اسمه شازردكاني جوازه بدرهمين، فحينئذ دراهم الهند، ستة: شازردكاني، ودوازديكاني هستكاني، سشتكاني، سلطاني، ويكاني. أصغرها الدرهم السلطاني، وهذه الدراهم الثلاثة كلها مما يُتعامل به، والمعاملات بينهم بها دائرة والأكثر بالدرهم السلطاني، وهو الذي تقديره ربع درهم من نقد مصر والشام، وهذا الدرهم السلطاني، هو بثمانية فلوس، والثمانية فلوس هي جيتلان، كل جيتل أربعة فلوس، فيكون الدرهم الهستكاني، الذي هو مثل درهم النقرة معاملة مصر والشام اثنين وثلاثين فلسًا. ورطلهم يُسمى سير، وهو وزن سبعين مثقالًا عنها بصَنْجَة (٥) الدراهم بمصر، فإنه

стр. 867

مائة ودرهمان وثلثان، وكل أربعين سيرًا من واحدٌ. ولا يعرف عندهم الكيل. وأما الأسعار، فإنَّ أوسطها القمح، كُلُّ مَنّ بدرهم ونصف هستكاني، والشعير كل من بدرهم واحد منه، والأرز كل من بدرهم ونصف وربع منه، إلا أنواعًا معروفة من الأرز، فإنها أعلى من ذلك. والحمّص كل منين بدرهم واحد هستكاني، ولحم البقر والمَعْز سعرٌ واحدٌ، ويباع كل ستة أسيار بدرهم سلطاني، وهو ربع درهم هستكاني، والغنم كل أربعة أسير بدرهم سلطاني، والأوز كل طائر بدرهمين هستكانية، والدجاج كل أربعة طيور بدرهم هستكاني، والسكر كل خمسة أسيار بدرهم هستكاني والنبات (١) كل اربعة أسيار بدرهم منه. ورأس من الغنم الجيدة السمينة الفائقة بتنكة واحدة عنها ثمانية دراهم هستكانية، والرأس البقر الجيد بتنكتين، وربما كان بأقل، والجاموس كذلك، وأكثر مأكلهم لحوم البقر والمعز، قلت للشيخ مبارك: هذا لقلة الغنم؟ قال: لا، ولكن عادة، وإلا فالأغنام لا تُعَدُّ في كل قرية في الهند إلا بالآلاف [المؤلفة] والدجاج كل أربعة طيور فائقة بدرهم واحد بالمصري، وأما الحمام والعصافير وأنواع الطير فبأقل الأشياء ثمنًا. وأما أنواع الصيد، من الوَحْش (٢) والطير بها فكثير، وبها الفنك (٣)، والْكَرْكَدَن، وإنما فيلة الزنج أجل. وأمارتهم في الملبوس لبسهم البياض، وثياب الجوخ (٤)، وثياب الصوف إذا

стр. 868

جلب إليهم، يباع بأرفع الأثمان، ولا يلبس الصَّوْفَ إلا أهل العلم، والفقر ويلبس السلطان، والخانات، والملوك، وسائر أرباب السيوف نتريان وتكلاوات (١) وأَقْبِيَة إسلامية (٢) مُخَصَّرة الأوساط خُوارزمية (٣)، وعمائم (٤) صغار، لا تعدّى العمامة خمسة ستة أذرع، ومن اللانس الرفيع، وحدثني الشريف ناصر الدين محمد (٥) الحسيني الكارمي المعروف بالزمردي، وهو ممن دخل إلى الهند مرتين وأقام عند السلطان قطب الدين (٦) بدهلي، أن غالب لباسهم البياض، وغالب جمعات (٧) أكسيتهم التترية (٨)

стр. 869

مزركشة (١) بالذهب، ومنهم من يلبس مُطرّز الكمين، بزركش (٢)، ومنهم من يعمل الطراز بين كتفيه، مثل المُغل (٣)، وأقباعهم (٤) مربعة الإنبساط، مرصعة بالجواهر، وغالب ترصيعهم بالياقوت والماس، وتظفير شعورهم ذؤابات مَرْخِيّة، كما كان يفعل عسكر مصر والشام، ويُعمل في الذؤابات (٥) شراريب (٦) حرير، وتشد في أوساطهم المناطق من الذهب أو الفضة، وأخفاف (٧)، ومهاميز (٨)، وأما السيوف، فلا تشد إلا في الأسفار، وأما في الحضر فلا تُشَدّ. وأما الوزراء والكتاب فمثل زي الجند، ولكن لا يشدون المناطق، وبعضهم يرخى له عذبات (٩) أمامهم، مثل عذبات الصوفية، وأما القضاة، والعلماء فلبسهم فَرْجِيّات (١٠) شبيهات بالجندات، ودراريع (١١)

стр. 870

وأما عامة الناس فقمص (١)، وفرجيات مقندرة، ودراريع. وحدثني الشبلي أن أهل دِهْلي أهل ذكاء وفطنة، فصحاء في اللسان الفارسي، والهندي، [ولهم] دقة أفهام، وصفاء أذهان وغالبهم ينظمون الشعر بالفارسي، والهندي، ومنهم من ينظم الشعر بالعربي، ويجيد فيه، وكثير ممن يمدح السلطان منهم، ممن ليس لهم اسم في ديوانه، فيقبل عليهم، ويجيزهم. قال لي الشبلي: وأحد دبيران السلطان له عادة أن يمدحه إذا تجدد له فتح، أو أمر كبير، ورسمه عليه أن يأمر بأن تُعدّ له أبيات قصيدته ويُعطى بكل بيت عشرة آلاف تَنْكَة، وكثيرًا مما يستحسن السلطان منه شيئًا أو يعلم له ضررًا، فما يأمر له بشيء مخصوص على التعيين، وإنما يأمره بأن يدخل إلى الخزانة، ليحمل ما أطاق فلما رآني عجبت مما يحكيه من كثرة هذا الإنفاق والبسطة في المواهب، والإطلاق. قال: وهو مع هذه السمعة المفرطة في بذل العطاء، لا ينفق نصف دخل بلاده. وحدثني شيخنا فريد الدهر، شمس الدين الأصفهاني (٢)، قال: كان قطب الدين الشيرازي (٣) ﵀ يثبت صحة الكيمياء (٤)، قال: فبحثت معه في بطلان الكيمياء،

стр. 871

فقال لي: أنت تعلم ما يتلف من الذهب في الأبنية، والمستعملات، ومعادن الذهب لا يتحصل منها نظير ما ينفد، وأما الهند، فإني حرّرت أَنَّ له ثلاثة آلاف سنة، لم يخرج منه ذهب إلى البلاد، ولا دخل إليه ذهب، فخرج منه، والتجار من الآفاق تقصد الهند بالذهب العين (١) وتتعوض عنه بأعراض (٢)، حشائش (٣) وصموغ (٤) لا غير، فلولا أَنَّ الذهب يُعمل [لعدم بالجملة] الكافية. قال شيخنا (٥) شهاب الدين: أما قوله عما يدخل إلى بلاد الهند، من الذهب، ثم لا يخرج منه فصحيح، وأما إثباته لصحة الكيثمياء، فباطل لا صحة له. قال: وبلغني أَنَّ مِمَّنْ تَقَدّم هذا السلطان فتح فتوحًا، فأخذ من الذهب وسق (٦) ثلاثة عشر ألف بقرة، قُلت: والمشهور عن أهل هذه البلاد جمع الأموال، وتحصيلها، حتى أن بعضهم إذا سُئِل كم معك؟ فيقول: ما أعرف، إلا أنّي ثاني ولد يجمع على مال جده، أو ثالث ولد في هذا النقب (٧)، أو في هذا الجُبّ (٨)، وما نعلم كم هو؟ وهم

стр. 872

يتخذون أجبابًا، لجمع الأموال، ومنهم من ينقب في بيته، ويتخذ به بركة ويسدها، ولا يدع إلا مقدار ما يسقط منه الدنانير، ليُجْمَع فيها الذهب وهم لا يأخذون الذهب المصوغ (١)، ولا المكسور، ولا السَّبَائِك (٢)، خَوْفًا من الغبن (٣)، ولا يأخذون إلا الدنانير المسكوكة (٤)، وفي بعض جزائرهم من ينصب على سطح داره علمًا، كلما تكامل لأحدهم جَرَّة ذهب حتى يكون لبعضهم عشرة أعلام وأكثر. وحدثني الشيخ برهان الدين أبو بكر بن الخلال محمد البزي الصوفي، قال: بعث هذا السلطان عسكرًا إلى بلاد وهي مجاورة للدواكير في نهاية حدودها، وأهلها كفار يدعى كل مَنْ مَلَكَ منهم (الرَّا)، فلما نازله جيوش السلطان، بعث يقول لهم: قولوا للسلطان، أنه يكف عنا، ومهما أراد من المال نبعث له ما أراد من الدواب، لأحمله له. فبعث أمير الجيش يُعَرِّفه بما قال، فأعاد جوابه، بأنه يكف عنهم القتال، ويؤمنه للحضرة معه، فلما حضر إلى السلطان أكرمه إكرامًا كثيرًا، وقال له: ما سمعت مثل ما قلت، فكم عندك من المال، حتى قلت إنَّا نبعث لك مهما أردنا من الدواب لتحملها؟ فقال: تقدَّمني سبع رآات في هذه المملكة جمع كل واحد منهم سبعين ألف بايين (٥) أموالًا، وكلها عندي حاصلة. فقال: والبايين؛ هو صهريج

стр. 873

متسع جدًا يُنزل له بسلالم من أربع جهات فأعجب السلطان مقاله، وأمر بأن يُختم على الأموال باسمه، فختمت باسم السلطان، ثم أمر (الرا) بأن يجعل له نوابًا في مملكته، ويُقيم هو بنفسه في حضرته بدهلي، وعرض عليه الإسلام، فأبى فأقره على دينه، وأقام في حضرته، وجعل له نُوَّابًا في مملكته، وأجرى السلطان عليه ما يليق بمثله، وبعث إلى تلك المملكة أموالًا جَمّةً فُرِّقت على أهله صدقة عليهم؛ لكونهم انتظموا في عديد رعاياه، ولم يتعرض إلى البايينات وإنما ختم عليها وأبقاها على حالها تحت ختمه. وقد ذكرت هذا على ما ذكره البزّي، وهو معروف بالصدق، والعهدة عليه، والعائد فيها إن كان يعود فإليه. وحدثني علي بن منصور العقيلي، من أمراء عرب البحرين (١)، قال: إن سِفَارَنا … ما تنقطع عن الهند وعندنا كثير من أخباره، وتواترت الأخبار عندنا، أن هذا السلطان محمد بن طغلق شاه، فتح فتوحات جليلة، وأنه مما فتح مدينة لها بحيرة ماء، في وسطها بيت بد معطم عندهم، يُقصد بالنذور، وكان كل نذر يجيء إليه، يُرمى في تلك البحيرة فلما فتحها قيل له عن ذلك، فشق نهرًا من تلك البحيرة، وصرف الماء منها إلى أنْ تَصَرّف، ثم أخذ ما كان هناك من الذهب، وحمل منه وسَقَ مائتي فيل وآلاف من البقر. قال: وهو رجل جواد كريم، يُحسن إلى الغرباء، سافر منا رجلان إليه، وشملتهما السعادة بالحضور عنده فأنعم عليهما، وشرفهما بالخلع وأجرى عليهما الأموال الجمَّة، وكانا ممن لا يؤبه إليه من عَرَبِنا، ثم خيرهما في المقام، أو العود، فاختار الواحد منهما المقام فأعطاه بلدًا جليلًا، ومالًا جزيلًا، وشيئًا كثيرًا من مواشي الغنم والبقر، وهو الآن هناك مُمَوّلًا مُخَوّلًا (٢) وأما الآخر فسأل العودة فأنعم عليه بثلاثة آلاف تنكة ذهبًا، وأعاده مَحْبُوا مَحْبُورًا (٣).

стр. 874

الباب الثاني: في ممالك بيت جنكيز خان وفيه فصول: * الفصل الأول: في الكلام عليهم جمليًا. * الفصل الثاني: في مملكة القان الكبير صاحب التخت؛ وهو صاحب الصين والخطا. * الفصل الثالث: في التورانيين، وهم فرقتان: الفرقة الأولى فيما وراء النهر. والفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق. * الفصل الرابع في الإيرانيين.

стр. 875

في الكلام عليهم جمليًا جعلتُ هذا فصلًا جامعًا لذكرهم قبل ذكرهم على التفصيل في ممالكهم؛ لأنَّ هؤلاء منهم أربعة سلاطين بيد كل منهم مملكة عظيمة، استولوا بها على غالب المعمور من حدود الفرات إلى نهاية الشرق على الخط المستقيم المتصل بالسند (١) فالمسمى منهم بالقان (٢) الكبير - وهو المتغلغل في الشرق منهم - وهو القائم مقام جنكزخان والجالس على تخته (٣)، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى -. والثاني منهم؛ هو صاحب إيران بجموعها وهي التي كانت بيد الأكاسرة (٤). والثالث منهم؛ هو صاحب القبجاق. والرابع منهم؛ صاحب مملكة ما وراء النهر، فانقسمت بينهم مملكة توران؛ وهي مملكة الترك القديمة وبها كان أفراسياب (٥). وأما صاحب إيران فهو يفخر على الملكين صاحب القبجاق وصاحب ما وراء النهر بأن جده الأكبر هولاكو بن تولي بن جنكزخان (٦) - وهو جد القان الأكبر الآن-.

стр. 876

والملكان الآخران يفخران بأن جنكزخان لما قسم البلاد بين بنيه ملك جديهما ولم يملك تولي ولا هولاكو ولده - جد صاحب إيران - بل كان هولاكو بن تولي مندوبًا من جهة أخيه منكو كبكاخان (١) وارث الملك والتخت. حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم نور الدين عبد الرحمان الطياري الكاتب البوسعيدي (٢): أنه كان أرسله لدفع الإسماعيلية (٣) والأكراد (٤)؛ فلما أخذ بغداد (٥) تمكّن وعصى واستقل بنفسه. والواضح الجلي ما سنذكره عن شيخنا الفرد نادرة الوجود أبي الثناء الأصفهاني (٦) - إن شاء الله - في ذلك.

стр. 877

[جنكزخان] وأما أصل جنكز خان جد هؤلاء الملوك في النسب، فنحن نذكر من منتهى نسبهم إلى أن نأتي إلى جنكزخان منبعهم ومشرع الياسة (١) لهم، ثم نفرع نسب كل ملك من هؤلاء الأربعة فنقول وبالله التوفيق: قيل: إن جنكزخان ينتهي نسبه إلى امرأة تسمى آلان قوا. كانت متزوجة بزوج أولدها ولدين اسم أحدهما: بكتوت، والآخر: بلكتوت. وأبناء هذين الولدين يسميان عند المغل (٢) الدرلكية. ثم مات زوجها وبقيت مرملة بغير زوج، فحملت فأنكر عليها الحمل، وحملت إلى من له الحكم بينهم لينظر في أمرها فسألها ممن حملت؟ فقالت: ما حملت من أحد إلا أني كنت قاعدة وفرجي مكشوف فنزل نور دخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور؛ لأن دخول ذلك النور كل مرة بولد ذكر فأمهلوني حتى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور، فاعلموا مصداق قولي وإلا فرأيكم في، فولدت ثلاثة أولاد ذكور في بطن واحد؛ بوقن فوغاغي، وبوسن سالجي، وبوذنجر. وهؤلاء الثلاثة المسمون بالنورانيين نسبة بالنور الذي ادعت أمهم أنه نزل في فرجها؛ ولهذا يقال عن جنكزخان إنه ابن الشمس. وبوذنجر عليه عمود النسب إلى جنكز خان، فنقول: إنَّ هذا بوذنجر بن الآن قوا أولد بغا، وبغا أولد ذو توم منن، وذو توم منن أولد قيدو، وقيدو أولد باي سنقر، وباي سنقر أولد تومنية خان، وتومنية خان أولد قيل خان، وقيل خان أولد تربان، وتربان أولد بيسوكي بهادر، وبيسوكي بهادر أولد جنكزخان جد هؤلاء الأربعة. ونحن الآن نسرد نسبه منه إلى الآن، فواصل أن نفرع أنساب هؤلاء الأربعة منه فنقول: جنكزخان بن بيسوكي بهادر بن تريان بن قبل خان بن تومنيه

стр. 878

خان بن باي سنقر بن قيدو بن ذو توم منن بن بغا بن بوذنجر بن الآن قوا، إلى هذه المرأة منتهى نسبهم. وهذه الحكاية في نسب جنكز خان أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة وإن صحت عن المرأة، فلعلها احتالت على سلامة نفسها من القتل، ولعلها سمعت قصة مريم الزكية، فتعلقت بحبل الشبهة حتى أضلت أقوامًا بشبيه ذلك الحق وزورت كذبًا على مثل ذلك الصدق: [من البسيط] قد يبعد الشيء من شيء يشابهُهُ … إِنَّ السماء نظير الماء في الزَّرَقِ وها نحن نبدأ بذكر نبذة من ابتداء حال جنكزخان، وترقيه إلى أن ملك، ودانت له ملوك تلك الديار قبل الخوض في سياقة أنساب هؤلاء الملوك واتصالهم به، فنقول: حكى الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني (١): أنه كان ملك عظيم في قبيلة عظيمة يدعى أونك خان (٢). وكان مطاعًا في قبيلته، يُنقاد غليه عظماء رعيته فتردّد إليه جنكزخان في حال صباه وقربه وأدناه، وتوسم فيه النجابة والرئاسة، فزاد في ارتقائه على أقربائه، وأعلاه على من سواه حتى نشأ بينهما الاتحاد، وانتسج الوداد فشبت نار الحسد في أقرباء ذلك السلطان، ونفخ في روعهم فحيل الشيطان أن وضعوا لجنكزخان المراصد والمصايد، ودفنوا له الأوابد والمكائد، وأعملوا الفكر في قطع حبل اتصاله عنه، ووضع موجبات قتله وانفصاله منه؛ فلما بالغوا في الوقيعة، وأسرفوا في الغيبة والشنيعة، تغيَّر أونك خان على جنكزخان تغيرًا لم يظهره، وأسر كدرًا لم ينفره، وجمع فكرًا في ذنب يأخذه به أو ينتحله أو جرم يتقوّله، واستشار فيه أصحابه، وجعل التوقع لذلك دأبه؛ فاتفق أن سخط أونك خان على صبيين من مماليكه، فخافاه والتجئا إلى حوزة جنكزخان واستجارا به؛ فأحسن إليهما وحنا عليهما ووعدهما بإزالة كدر السلطان وتلافي ما كان، فأنطقهما لسان الإحسان بهذه: [من الطويل] إذا التزم المقدار حبل سعادة … أتاك جميع الكائنات مساعدا

стр. 879

وإذا جرى القضاء على صعب سهله … وإذا أرادك الله لأمر هياك له وقالا له: إنَّ السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الإحن الشنيعة؛ فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرًا فلم يجدوا له أثرًا ولا عرفوا له خبرًا، ونفر العسكر ميلوه فلم يلقوه، وقيل: بل لحقوه فعطف بجماعته إليهم وقاتلهم حتى أتى عليهم وغنم مالهم؛ فلما جمع أتباعه وأقاربه وأعز مقامه وحمى جانبه ودب رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه ذينك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الرأس وسمّى كُلًا منهما ترخانا (١)، وكتب له أمانًا وفرمانًا (٢) بفراغه من جميع المؤن والكلف وتفرغه لانتهاز الفرصة، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، وليسلب قبل كل سالب ويدخل على يده عامة البيوت فلا يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة؛ ولو تكررت ذنوبه واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما وأحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن من أولادهما. ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك. ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان وباعده واتصل به وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبثّ فيهم الإعزاز والإكرام حتى تتالوا إليه أفواجًا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجًا. وأولادهم الآن أقرب الأخصين وأخص الأقربين، فقوي بذلك أمره وإمارته واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القوّاد فانقادت واستلان القلوب فلانت أو كادت فحينئذ جرد عسكرًا كثيفًا وتبعًا ولفيفًا لمحاربة السلطان أونك خان وأمده بآخر يتلوه فنازلته العساكر الجنكز خانية، فقتل في أقرب أمد وملك جنكز خان ما كان له من عدة وعدد. ثم بعث جنكز خان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد.

стр. 880

وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته الداخلة في إيالته القانعة برياسته قبيلتان بالغتان في العدد، نهايتان في الاستعداد والعدد؛ إحداهما تدعى أويرات (١)، والأخرى قنقورات (٢). وأما القبيلة التي هي خدمه، ومنها عظمه تسمّى قيات؛ وهي أكثر القبائل شهرة، وأتمها كثرة. وكان اسمه القديم «تموجين»؛ فلما توطد أمره وعلا قدره سمّي جنكزخان (٣). نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وعدته: قال الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني: الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنَّه خلق السماوات والأرض، وأنه يحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير. قال: وفي جهانكشاي (٤): أنَّ من أولاده من كان بملة عيسى، ومن دان بملة موسى، ومنهم من اطرح الجميع، وكل من اعتقد من بنيه مذهبًا لم يكن له تعصب على غيره، ومنهم من تقرب بالأصنام. وكان جنكزخان إذا تهدد أحدًا من الملوك أو كاتبه بالتحذير من صولته، قال له: إن أطعت كان لك كذا وكذا من الإعزاز والتقريب، وإن عصيت فالله أعلم بما يكون حالك معنا. قال: ويلمح من هذا القول نوع من التوكل والتفويض. وأما الياسة وأحوالها كثيرة؛ فمنها ما يوافق الشريعة المحمدية، قال: وليعلم أنَّ هذا الرجل لم يقف على سيرة ملوك، ولا طالع كتابًا؛ وجميع ما نسب إليه من ذلك صادر عن قوة ذهنه وحسّه، واستدراك الأصلح من قبل نفسه؛ فإنه استخرج لكل منهم سهمًا، وفقد قاعدة مقررة، ولكل ذنب عقوبة مقدرة، وعين حدودًا لا إمهال له عندهم ولا مغيّر. وأوعز أن يتعلم ذلك صغار أهله ويسرى امتثاله عن عقب
следующие страницы →