← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

إذا استقبل الأبصار وهي طَوامِحٌ … ثناها فلم تستكمل اللحظ خُشْعا ولد بالمهدية سنة اثنتين وثلثمائة، وولي وله اثنتان وثلاثون سنة، وتوفي يوم الجمعة سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سبعة أعوام. ثم كانت خلفاؤهم بمصر، وأولهم: [٥] المعز لدين الله (أبو) تميم (١) معد بن أبي الطاهر، إسماعيل المنصور وهو الذي ظفر بحضرة مصر، ومَلَكَها، وحصل له حظوة مُلْكَها وأدركها، ووصلت إليه جيوشُه، وحصلت على معاقد شرفاتها عروشه، وقدم أمامه القائد جوهر (٢) فأختط له القاهرة وبنى له بها القصرين (٣)، وإلى الآن بعض آثارهما الظاهرة، وقسم بناء المدينة على مَنْ كان في جملة المعز من القبائل، واتخذ الكافوري (٤) بستانًا ترقد به الجداول وترف الخمائل، وشرع أبواب المدينة ولم يكمل لها سورًا يدور بنطاقها ولا أقام لها جدرًا يستند إليه ظهور أسواقها، ثم مُدّنت بعد ذلك التخطيط، وأدير بها سور اللبن المحيط، وذلك لما أناخت القرامطة (٥) بساحتها

стр. 8157

وأنامت المعز وهو يعتقد أن روحه في راحتها، ثم بنى في الأيام الصلاحية (١) السور الحجر الدائر، وضرب عليها مَثَلَهُ السائر، ثم لما كمل القائد جوهر بناء ما شرعه، أتم قصر المعز وموضعه، استخلف المعز بالغرب بعض أشياعه (٢)، وقدم مصر وقد شرق صدر البر والبحر باتباعه، وأتى الاسكندرية، وخيَّم بظاهرها، وجثم أسده الهصور يزأر إلا على زائرها، وتلقاه إليها أهل مصر من القواد والوزراء والقضاة والعلماء ووجوه الناس فبسطهم بالإيناس، وتلقاهم بالرحب والسعة، وأمر لهم بالخلع والأنزال الموسعة، ثم سار حتى أتى مصر ودخل القاهرة، ونزل بقصره بها يوم الثلاثاء لتسع عشرة ليلة خَلَتْ من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وتوفي في يوم الجمعة الحادي عشر (٣) من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة. وذكر ابن الأثير (٤) أن ملك الروم كان أرسل إلى المعز رسولًا بالهدية، ثم كان يتردد إليه، فأتاه وهو بمصر، فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: أتذكر (إكرامي لك إذ (٥)) أتيتني رسولًا وأنا بالمهدية فقلت لك لتدخل علي بمصر وأنا خليفة (٦)؟ فقال له الرسول: إن أمِنْتَني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي، فقال له المعز: قُلْ وأنت آمن. فقال له: لما بعثني الملك إليك ذلك العام رأيت من عَظَمَتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نور عظيم (٧) أشخص (٨) بصري، ثم دخلت عليك فرأيتك على سرير … ... .. (٩) فلو قلت لي أنك تعرج إلى السماء لظننتُ ذلك، ثم جئتُ إليك الآن فما رأيت من ذلك

стр. 8158

شيئًا، وأشرفت على مدينتك فرأيتها مظلمة، ودخلتُ عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت: كان ذلك أمرًا مُقبلًا، وهذا أمرٌ مُدبر ولا أخالك إلا ميتًا (١)، فلم يلبث بعدها المعز الحمى (٢) ومات وقد كان المعز احتفر له سردابًا وقال لأصحابه: إن بيني وبين الله عهدًا وإني ماضٍ إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارًا، ثم تغيّب سنة في السرداب، ثم ظهر وهو مُتعلل فمات، وكان أحد المغاربة إذا رأى سحابًا نزل أومى إليه بالسلام ظنًا منه أن المعزّ فيه، وكانت ولايته ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام. ثم ابنه: [٦] العزيز بالله أبو المنصور نزار (٣) وكانت أيامه أيام دعة، وتمام سعة، والناس فيها في هدوء، لا يقلقل له مضجع ولا يُساء به قلب ولا مسمع وما برح أهل مصر في كل جيل تضرب المثل فتقول لما تستطيب من الأيام: كأنها أيام العزيز لأنه كان لين الجانب. يغنيه حسن المناقب عن خشن المقانب يغريه كرم سجيته بالندي الغمر، ويهزه في الندى هزة الخمر، ووقفت على تاريخ ضبط له فما رأيت في رسوم ما يُجبى من الرعايا مثل عدل أمر به وظلم بطله وأمر أراح سيفه وأنام بطله، وتفسح العزيز في بلاده، وتلقح على الفراق ليوطئه سنابك جياده، ودعي له على منابر الشام، وذكر له على منابر المساجد، وحيي بالسلام، وبلقبه لقب السطان (صلاح) (٤) الدين ابنه العزيز عثمان (٥) ترجّيا أن

стр. 8159

تكون أيامه شبيهة بأيامه في الرخاء والأمان، فكانت مثلها في الأمان لا في الرخاء، ونظيرها في الامتنان والسخاء، فإن في أيام العزيز عثمان حدث بمصر غلاء، وارتفع السعر وكان له غلاء، ثم عظم أيام عمه العادل (١) مما ليس هذا بموضع ذكره ولا تشويش هذا التصنيف بنكره: قال ابن سعيد: وسفرته من إفريقية إلى مصر، وما ظهر منه من حسن التدبير وهبوب والنصر والحزم في الاستيلاء كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد. قال الروذباري (٢) في تاريخه: حضرت الخطبة للحاكم ابن العزيز فما قدر أحد يفهم ما يقول الخطيب لضجيج الناس وبكائهم على العزيز لأنه كان محسنًا إلى الخاص والعام، شاملًا بالبر للقريب والبعيد، مبذول اليد بالكرم، مسبل اليدين بالفضل، كثير العفو، قليل الانتقام، عوادًا بالجميل منيبًا إلى الحق، غير متظاهر بما يذم ولا داع إلى ما يكره، وتوفي سنة ست وثمانين وثلثمائة، وولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وولي العهد بمصر يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، وولي الخلافة في اليوم الثاني وله اثنان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يومًا، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر. ثم ابنه: [٧] الحاكم بأمر الله (٣)، أبو علي المنصور ولي وكان صغيرًا وأوتي ملكًا كبيرًا، ولما طلب للبيعة وقد صعد شجرة جميز في

стр. 8160

داره بالقصر يلعب فيها مع الصغار، وملك وما كلف خيله اضطراد ولا جشمها المغار، ثم كبر وظهرت منه أمور ينكرها العاقل ويكرهها الناقل لكثرة ما كان عليه أمره من الاختلال، وفكره السقيم من الاعتلال، فإنه كان في كل حين يحدث حكمًا محدثًا، وعلمًا كأنما كان بها محدثًا، فإنه كان مع إفراطه في التهور، وخباطه في أموره التي تدل على عدم التصوّر، بما حدث بأنواع من الحدثان، وتكلّم باسجاع مثل سجع الكهان وعبدة الأوثان، وبلغ مده في الكبرياء ثم بقي مدّة لا يأنف من مخالطة الأدنياء، وكان يركب حمارًا له، ويدور وقدامه عبدان بأيديهما حربتان، ويشق القاهرة ومصر، ويخالط العامة ويخرج إلى الحاجر ويطلع إلى الجبل، ثم ربما رد العبدين وسار وحده، وغاب اليوم واليومين والمدّة ثم يلاقيه الموكب إلى مكان يكون قد واعد إليه العبدين في وقت يوقته وميعاد لا يفوته، ثم كشف الغطاء وباح، ومال علوه (١) واستراح، وادّعى فيه الألوهية، وقال مقالة فرعون ونصب نفسه للناس طاغوتًا، وأخذ بعض الناس بالقول أخذًا مبغوتًا، وأمر بعض أشياعه بأن يحتال له في إظهار هذه المقالة، وضم إليه قومًا من الرجال القالة، فأتى ذلك الداعية الشيطان الرجيم، وأمر بأن يكتب بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم، وجرى في هذا من الفتن ما ذهبت به نفائس ونفوس، وانتهبت به أموال ورؤوس، ودارت به دوائر سعود ونحوس، وأماير نعيم وبؤس، مما هو ملء التواريخ، وتتضع له غُر الذرى الشماريخ، تبارك الله وتعالى جده، ولا إله غيره، وتقدّس اسمه عما يقول الظالمون ويجهل الجهال أو يزلّ العالمون، ثم لما أعظم البلاء به فتفاقم، وسقم به الملك أو تساقم خافت أخته أمة العزيز المعروفة بست الملك أن يقفر منهم دست الملك فتلطفت في تلك الحيلة (٢). واكمَنَتْ له رجالًا حتى قتلته غيلة، وكان قد خرج في بعض مخارجه، وتعرض في نواحي حلوان، وطلب جهة بر لا يأنس به أنيس ولا غيره من الحيوان، ثم طالت غيبته وخالف عادته في ملاقاته في الوقت الذي كان يوقتُه، فتعهد المكان الذي واعد فيه للملتقى وتُفقد فَفُقد إلى يوم اللقا، ووجد هناك حماره وجبابه مزرّرة كأنها عليه، وما فُككِّت أزراره، إلا أن فيها آثار ضربات

стр. 8161

بالسكاكين، ولا عليها دم ولا آثار لوث يبين، فقال الناس مات وقال أهل شيعته غاب، وهو آيب. قلت: وإلى يومنا هذا وأظنّ إلى يوم النشور، ثم من يقول بغيبة الحاكم، وإنه لابد أن يرجع ويكون له ظهور، وفيما بين البقاع وبيروت أُمَمٌ تدين بهذا الدين، وتعتقد ألوهية ذاك اللعين. وكان الحاكم كريمًا سفاكًا لا يمنع مورده عن الظماء ولا مهنده عن الدماء لكنه في جميع أموره تارات، ومره في اختلاف الأحوال ينفذ فيها العبادات، وولد بمصر في ليلة الخميس الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة، وولي بعهد من أبيه، وبويع يوم الخميس سلخ رمضان سنة ستة (١) وثمانين وثلثمائة، وله أحد عشر سنة، وكانت خلافته إلى أن فقد خمسًا وعشرين سنة، قال صاحب بلغة الظرفاء: وسبب عدمه إنه خرج في ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال بعد أن طاف ليلته كلها على رسمه وأصبح عند قبر الفقاعي (٢)، ثم توجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين وأمر لهم بجائزة، ثم أعاد الركابي الآخر، ولما عاد ذكر أنه خلفه عند القبر والقصبة (٣)، وبقي الناس على رسمهم يخرجون يلتمسون رجوعه بدواب الموكب كل يوم خميس إلى سلخ الشهر المذكور ثم خرج يوم الأحد ثاني ذي العقدة مظفر صاحب المظلة وحظى (٤) الصقلبي، ونسيم متولي الستر (٥) وابن سبكتكين (٦) التركي صاحب الرمح، وماضي القرشي مع جماعة كلهم من خواص دولته، فبلغوا دير القصير (٧) والموضع المعروف بنسيوان (٨)، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل، فبينما هم كذلك إذ أبصروا بالحمار الذي كان راكبه على قرنة (٩) الجبل، وقد ضُربت يداه بالسيف فأثر فيهما، وعليه

стр. 8162

سرجه ولجامه، فتتبع الأثر، فإذا أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدامه، فما برحوا في طلب الأثر إلى أن انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان فنزلهاراجل من الرجالة، فوجد فيها ثيابه وهي سبع جُبَب وُجدت مزرّرة لم تحلّ، وفيها أثر السكاكين، فأخذها ماضي وجاء بها إلى القصر، فلم يشك في قتله. قلت: وقد قيل إن أخته لما خافت على ذهاب الملك واختلال الأحوال به رتبت له رجالًا تقتله، ثم رتبت رجالا لتقتل قتلته، ثم رتبت لتقتل قتلته، هكذا سبعة أدوار لتخفي قتله فخفي، وكانت (١) امرأة حصيفة وافرة العقل، رأت الهلاك في الأعضاء فقطت عضوًا لحظ سائر الأعضاء. ثم ابنه: [٨] الظاهر (٢) باعزاز دين الله، أبو الحسن (٣) علي وكان صغيرًا قدَّمته عمته، ورأت أن يحفظ لأبيه نعمته، فبدأت به قبل كبار بيته، ورعت للحي حقّ مَيْتِهِ، ثم كان له الاسم ولها التصرف الوافر القسم، وكانت ذات رأي سؤوس (٤)، وحفظ لما تدبر وتسوس، فقامت قيام أزدشير، ونهضت نهوض خاقان صاحب السرير، وأفكرت فكر بلقيس، وَفَعَلَتْ ما يعجز عنه إبليس، حتى مَشَتْ الأمور، ومرّت (٥) أخلاف الدهور، ثم كان الظاهر من ذوي السياسات المحمودة والرياسات المشهودة، والمنافسات على الهمم التي أفنت ماله وابقت جوده. قال مؤلف الكنوز: وكان حسن السيرة، كريم النفس إلا أنه يخلى بلدانه، ولي

стр. 8163

وهو يحاكي البدر صورة، وكانت الأمور أولًا بيد عمته ست الملك، وهي التي عَدَلَتْ بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن داود بن المهدي، وجيء إليه بأبي هاشم، فبايع والسيف على رأسه، ثم حبس، وكان آخر العهد به، وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن الياس ابن أحمد بن المهدي: فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمائه، فأشهد عليه أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه. واستند ابن دواس (١) وعمار بن محمد الوزير (٢)، وهما عن رأي ست الملك حتى خرج من القصر خصيّ بسيف مسلول، فدعا بوجوه الدولة والوزير قاعد وابن دواس إلى أن جاء فقال: أمر مولانا أن يقتل بهذا السيف قاتل مولانا الحاكم، فنادوه بالسمع والطاعة، ثم صبّه على بن دوّاس فلم يختلف اثنان (٣)، وتفرد الوزير بالأمور، والخاطر معمور به، ثم استدعى به المعادة، وقد رتب له في دهليز القصر من قتله، وتحدث حسن بن موسى الكاتب (٤) والأمر لست الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي (٥) الأقطع داهية الأرض، ثم استقل لما ماتت (٦)، وعمر

стр. 8164

حتى وَزَرَ للمستنصر، وولد بمصر يوم الأربعاء لعشر خَلَوْنَ من رمضان سنة خمس وتسعين وثلثمائة، بويع يوم عيد النحر سنة إحدى عشرة وأربعمائة وله من العمر ثلاثون سنة وكانت خلافته ستة عشر سنة. قال صاحب بلغة الظرفاء: كانت خمس (١) عشر سنة وثمانية أشهر إلا أيامًا. ثم ابنه: [٩] المستنصر (٢) بالله، أبو تميم، معد بن الظاهر وهو الذي تباينت أحواله، وتناوبت أفراحه وأهواله، وطالت مدته، فكانت ستين سنة، وتنوعت سنين شينه وسنين حسنه، ولم يُسمع بمثلها لخليفة ولا لملك مشهور في هذه الملة، ولا امتدت لأحد ممن كان بعده ولا قبلة، وكاد في وقت يملك الأرض كلّها، ويكفل البلاد وأهْلَها، وخُطب له ببغداد (٣)، وكان نصيبه إرقال وإغذاذ، حتى كان يُعد مع الاسكندر، ويُحْسَب أنه تبّع في حمير، ثم ضعف أمره حتى كاد لا تُطِيعُهُ أَمَتُهُ، ولا يجاب رجع الصدى كلمته، وكان كالطيف له وجود ولا حقيقة له، وكالعدم هو شيء وما قدر أحد أن يمثله، ولما ملكت له بغداد، ونسخ براياته البياض السواد، قال أبو دلف الخزرجي: [من المجتث] دار السلام مشا بدعوة ابن الرسول … جاء النهار وولى ظلام تلك الذحول ما إن رأيت خضابًا جماله في النصول … نورٌ من الله يهدي لكل جهول وجاءه الحسن بن الصباح (٤) القائم بالدعوة النزارية من خراسان في زي التجار، ودَخَل عليه فقرر معه ما يمثله، وقال له في آخر كلامه ومن ولي عهد

стр. 8165

المسلمين؟ فقال: ولدي نزار (١)، فمضى ابن الصباح إلى بلاد العجم، وأقام الدعوة التي دامت إلى عصرنا هذا، وقامت بعد ذلك بالشام بقلاع الدعوة. قال ابن سعيد: إنه جاوز في أمد الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة بالمشرق، وكانت له من خزائن الأموال، وعَظُم الأمر ونفوذه واتساع الخطبة وفيضها على أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد منه، واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة (٢)، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحتُ لا ينفد لي أمر (من) (٣) مكاني إلى باب قصري. ولا أملك مالًا إلا ما تراه عليَّ وتحتي، ورأيتُ بخط قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن خلكان أن المستنصر كان في الغلاء (٤) قد صار لا يملك إلا فرسًا واحدًا، وقنيت دوابه الناس، وكان إذا أراد الركوب استعار بغلة صاحب الإنشاء ليركبها حامل المظلة معه. قال صاحب بلغة الظرفاء: ولد سادس عشر جمادى الآخر سنة عشرين وأربعمائة، وبويع له في نصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وهو في سن التمييز. وتوفى ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وله من العمر تسع (٥) وستون سنة وخمسة وأشهر. ثم ابنه:

стр. 8166

[١٠] المستعلي (١)، أبو القاسم، أحمد وهو قد كان مستعليًا ببذل نشبه لا بأصل نَسَبِهِ، قيل إنه دعي في أولئك الادعياء، ومدخول النسب في أولئك الأشقياء، قيل في امه قولًا، وإن كان لا يصرح بمثله، ولا يلوح به إلا يتحرز من قبح فعله، وكان الحجر عليه مضروبًا وليس بيتيم ولا سفيه، ومضرورًا وله من الملك محق ما يكفيه، لكنه لِغَلَبة الوزراء وعزل بصيرته في دفع الضراء، وولد في العشرين من المحرم سنة سبع وستين سنة، كأنما كانت بأنواع الضوائق مئتين. ثم ابنه: [١١] الأمر بأحكام الله (٢)، أبو علي المنصور ولي وهو ابن خمس، وبويع وما أنزل أبوه الرمس، وقام بدولته الأفضل (٣) بن أمير الجيوش وزير أبيه، وكان هو وزيره والذي يربيه، وكان أبًا برًا إلا أنه أبي أن يفك عنه حجرًا، ولم يَزَلْ يربيه على الشهامة، ويرتبه ترتيب الإمامة، إلى أن اشتد ساعده، فرماه وأصابه من حيث لا يرى، فأصماه. وكان الأمر أسمر شديد السمرة، شهمًا لا تُخمد له جمرة، علي الهمة، بلي العزمة، لا يبعد عليه منال، مهما رام نال، وكان الأفضل مدة وزارته له قد عامل الرعية بإحسان، وأبرز أيامه فيما يروق من

стр. 8167

الاستحسان، وكان من قلوب الرعايا بمحل، ما ثوى في غيره ولا حلّ، فلما مات وَجَدَتْ لفقده، وحدث في البكاء عليه والوقوف على لحده، وخلف من خزائن الأموال المملوءة ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وكذلك وجد له من الجواري وحلى النساء ما لو كوشف به الليل لمحا آية المساء (١). ويحكى من حسن اهتمامه بعمارة الأرض وتغليقها ببذل البذار، وتنميقها بما لا يزال ولاة الأعمال منه على جانب الحذار، أنه استجلب اردبتين قمحًا غريب الزريعة أراد أن يجعلهما للاختبار الذريعة، فأخرهما حتى فرغ أوان الزرع، ولم يبق لمحراث في الأرض قَرْعُ، ثم بعث بالأردبتين أحدهما إلى الصعيد، والثاني إلى أسفل مصر، وكتب إلى والي كل عمل منهما بأن يبذر أردبّةً ويستكمل زرعه، ولا يؤخر منه حبه. فأجابه أحدهما بأنه قد فعل، وأجابه الآخر بأنه قد اجتهد على تحصيل أرض فارغة لبذارها فما حصل، فعرف اهتمام الأول بتغليق عمله وإهمال الثاني حتى وجد ذلك الأردب مكانًا من معطله، فأنعم على الأول وشكره، وقبض على الثاني وسمره. ثم لما مات وزر للأمر المأمون البطائحي (٢)، وأقامه، وفوض إليه الزعامة، وكان هو المتقلد بالتفويض، وبه بحر الأمر يزخر ويفيض، وهو يراجع في الأمر الأمر، ويرجع إلى ما يأمره به ويستأمر، والآمر يركب وينزل ويتصيّد ويتخلّى عن موضعه ويتفرد، وكان يتحدث في أمور ما يكون ويتجدّد من الحركات والسكون. وحكى بعض مَنْ كان له به اجتماع أنه أراه كتابا فيه صور مصورة ومنيات مختلفة، وفيها صورته قد قتل وهو على فرس أشهب وألقى إلى جانب جسر ألهب (٣)، ثم قال لي: أتعرف هذه الصورة؟ فقلت: لا، فقال: بل تعرف هذه الصورة، وما أظنّه إلا وقد آن الوقت، فما مضت سنة حتى رأيت الأمر راكبًا بالجيزة على فرس أشهب مارًا مع الجسر كأنه ذلك المصوّر، ثم تفرد وانقطع عنه الموكب،

стр. 8168

فخرج عليه جماعة رجال في سلاح، كانوا قد اتعدوا على قتله، فرقبوه حتى تفرد عنه جسر الجيزة وقطعوه بأسيافهم. قال الحاكي: فجئت حتى كنت فيمن وقف عليه على تلك الصورة ما أخطأ منها شيئًا. وحكي أن الأمر بينما هو في موكبه قبلي بركة الحبش (١). إذ تقدمهم، فمر رجل على باب بستان له وحوله عبيد وموالي له، فاستسقاه ماءً فسقاه، فلما شرب قال: يا أمير المؤمنين قد أطمعتني في السؤال، فإن رأى أن يكرمني بنزوله لأضيفه؛ فقال: ويحك، معي المواكب، فقال: وليكن يا أمير المؤمنين، فنزل، فأخرج الرجل ماءة بساط وماءة نطع، وماءة وسادة، وفرشها، فصارت مد البصر، ثم أخرج مائة طبق طعام وماءة طبق بوارد، وماءة طبق فاكهة، ومائة جام حلوى، وماءة زبدية أَشْرِبَة سكرية كلها، فبهت الأمر، ثم قال له: أيها الرجل، خبرك عجيب، فهل علمت بهذا فاعتددت له؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين وإنما أنا رجل تاجر من رعيتك لي مائة حظية، فلما أكرمني أمير المؤمنين بنزوله عندي أَخَذْتُ من كل واحدة شيئًا من فرشها ورأيت أكلها وشربها ولكل واحدة في كل يوم طبق طعام وطبق بوارد وطبق فاكهة وجام حلوى وزبدية شراب، فسجد الآمر شكرًا، وقال: الحمد لله الذي في رعايانا من يسع حاله هذا، ثم أمر له بما في بيت المال من الدراهم ضرب تلك السنة، فكان ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف درهم، ثم لم يركب حتى أحضرها فأعطاها للرجل وقال له: استعن بهذه على حالك ومرؤتك، ثم ركب وانصرف. ومن الكنوز، قال: وحكاياته مع البدوية التي عشقها وتزوج بها قال ابن القرطي (٢): هي العالية، وكانت قد وصفت للآمر فتزيا بزي العرب حتى رآها، ثم أرسل خاطبًا لها إلى أهلها، وتزوج بها، فلما وصلت إليه صعب عليها فراق البر، فبنى لها بالجزيرة البناء المعروف بالهودج (٣)، وكانت متعلقة الخاطر بابن عم لها

стр. 8169

ربيت معه بعرف بابن مياح فكتبت إليه (١): [من الرمل] يا ابن ميّاح إليك المُشتكى … من مليك بعدكم قد ملكا كنت في حيي مطاعًا آمرًا … نائلا ما شئت منكم مدركا فأنا الآن بقصرٍ مُوصدٍ … لا أرى إلا حبيسًا ممسكا (٢) كم تثنينا بأغصان اللوى … حيث لا يُخش علينا دركا وتلاعبنا برملات الحمى … حيثما شاء طليق سلكا (٣) فكتب إليها (٤): [من الرمل] بنت عمرو (٥) والتي عذبتها بالهوى … حتى علا واحتنكا بحتُ بالشكوى وعندي ضعفها … لو عدا ينفع منا المشتكى مالك الأمر إليه يشتكي (٦) … هالك وهو الذي قد أهلكا (٧) شأن داود غدا في عصرنا … مبديا ياليته قد ملكا (٨) فبلغت الأمر، فقال: لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيها وزوجتها به. وولد الآمر يوم الثلاثاء، ثالث عشر المحرم سنة تسعين وأربعمائة وقتل يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مئة وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت خلافته تسعًا وعشرين سنة، ولم يعقب. ثم ابن عمه: [١٢] الحافظ (٩) لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر معد وأبوه لم ينل، وعلى كاهل المنبر لم يعتل، وبويع له في اليوم الذي مات فيه

стр. 8170

الآمر بولاية العهد، ولم يصرح له بالخلافة ليروا رأيهم فيما بعد، واستولى على ملكه أبو علي أحمد (١) بن الأفضل بن أمير الجيوش وأرتقى منه مرتقى عليًا، وكان إماميًا لا إسماعيليًا، فأسقط إثم الحافظ عن المنابر، ودعى لأئمة الإمامية والمهدي المنتظر، وأرى الإسماعيلية الموت وكل سرب محتضر، ثم تقدم إلى المؤذنين بأن لا يُذكر أحد آل اسماعيل في الأذان، ويبطلوا ما كان زاد فيه من قولهم محمد وعلي خير البشر، ثم قُتل (٢) أحمد بن الأفضل، ورجع الأمر إلى الحافظ، وسلم الملك منه إلى الحافظ وبويع البيعة العامة، وصرح له باسم الخلافة، ولقب ذلك اليوم بالحافظ، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، وهو أول يوم لقب بهذا اللقب وسلم عليه ذلك السلام، وانجز له منه أمله المرتقب. وكان الحافظ لا قدر عنده لمال ولا صدر بعض بآمال، لأنه كان يسابق بداية الأمل، فبدأ به على كل عمل، بما نقل له كل كثير المواهب ويصغر كبير النعم الذواهب، ولما استقل أعاد الدعوة الإسماعيلية، وشد حبلها المنتكث، وقوى اسم افعوانها المنبعث، وأزال دعوة الإمامية، وما طيب سمية إلا بسمته. ومن الكنوز، قال: كان موصوفًا بالبطش والتيقظ حتى إنه سطا على ولده وولي عهده (٣)، قال: وللشعراء يه أمداح فيها غلوّ لا يحلّ سماعه ولا روايته، وكان

стр. 8171

لهم نفاق في مدته، وجعل لهم ضياعًا ورواتب وانزلهم في مراتب على قدر أقدارهم. قال القرطي (١): كان شديد المنافسة، لا يريد لأحد فعلا غيره: كان وهم بما رده الله دونه من نقل ساكن المدينة الشريفة زادها الله به تشريفًا، فخسف الله بمن جهز لذلك في سرابهم الذي حفروه، وقيل بل هربوا بريح خرجت عليهم (٢)، وأنشد أمثلة مما قيل فيه أكثرها لأبي الحسن الأخفش المغربي، وأقربها قوله (٣): [من الرمل] فَتَرَى النَّاسَ جَمِيعًا خُلِقُوا … من ضَلَالٍ وهو من نورِ الهُدى فادْخُلُوا البَابَ وقُولُوا حِطَّةٌ … سَمِعَ اللهُ لِمَنْ قدْ حَمِدا ولد في سنة سبع وستين وأربعمئة، ومات في نصف جمادى الآخرة سنة ثلاث وقيل أربع وأربعين وخمسمئة، وكان في سنة موته قد بلغ النيل في زيادته الباب الحديد، فطولع بذلك، فقال: أعدوا لي الاكفان، ثم أخرج كتابًا عنده من كتب الحدثان فيه: إذا وصل الماء إلى الباب الحديد، فليتجهز إلى الله الإمام عبد المجيد، وكان الأمر هكذا، لم يلبث إلى أن مات. ثم ابنه: [١٣] الظافر (٤) بأمر الله، أبو الطاهر إسماعيل وكناه مؤلف الكنور أبا منصور، وهكذا كناه الجليس (٥) في شعر ذكره فيه، وكان في ميعة الشباب مُغرى بمتعة الشباب، مولعًا بحب الأحداث، وموضعًا لا يبالي بغرة الأحداث. وَوَزَرَ له علي بن السلار (٦)، وحمله أوق (٧) أثقاله، وقلده طرق أعماله،

стр. 8172

وسوّغه فوق ما في احتماله، ثم قتله على يد ابن امرأته عباس (١) بن تميم الصنهاجي، واستبدله عوضه، وألقى إليه أمر الملك وفوّضَهُ، ثم كلف الظافر بابن وزيره، وشَغَفَ به شَغَفًا حَلَّ في شغاف ضميره، فكان لا يرى السرور إلا في مداناته، ولا الراحة إلا في الوجد به ومعاناته، ثم حفر سردابًا بين داريهما، وكانا فيه يلتقيان، ويفعلان وما يُبقيان، وشاع خبرهما، وبقي الوزير منكس الرأس، لا يرفع طرفًا حياءً، ولا يجد الدنيا عليه إلا ظلامًا لا ضياءً، فأعْمَل في اغتياله الحيل، وأسرع به وما طالت به الطيل، وتوصل إليه بإبنه، فقتله، واتخذ ذلك السرداب موضع دفنه. ومن الكنوز: إنه لما تم لعباس الأمر في قتل الظافر، ركب إلى القصور وقال: بلغني إن أخوي الظافر يوسف وجبرئيل وابن أخيه أبا البقاء بن حسن بن الحافظ قتلوه بمواطأة مفلح زمام القصر، ثم أحضرهم، وضرب أعناقهم، وحمل من القصر ما أراد، ولم يخف عن الناس أنها من فعلاته، وصنعت المراثي فيهم، واستنجد بابن زريك (٢) وهو بمنية ابن الخصيب (٣) وممن كتب إليه في هذا الجليس بن الحباب (٤). وحكي أن عباسًا جلس للمنادمة، فلما أخذت الكأس منه قال: تبًا لمن يعتقد إمامة هؤلاء، ويقول أنه لا يكون إمام إلا بوصية، والله لقد قتلت الظافر ولا علم عنده بذلك حتى يوصي، ولقد استعرضت أقاربه كالغنم إهانة وذبحًا، وقدمت هذا الملقب بالفائز وعمره خمس سنين وعلى يدينا ذهبت دولتهم بالمغرب، وكذلك تذهب بالمشرق، فقتله الله وقتل ولده بالظافر، وكان قتله في نصف المحرم سنة تسع وأربعين

стр. 8173

وخمس مائة ومدة خلافته خمس سنين وستة أشهر وأيامًا. ثم ابنه: [١٤] الفائز (١) بنصر الله، أبو القاسم عيسى وكان لا يخبُّ إلى غاية قلوصًا (٢) ولا عيسًا، لا يُجرح به ولا يوسى، ولا يزجر بطير سعودًا ولا نحوسا، وبويع بعد أبيه، فطلب الوزير عباس بن تميم قاتله، وَسَنَّ شفاره وقصد مقاتله، فهرب قدامه، فقتله الفرنج، وطلب النجاة فلم ينج، واستوزر الفائز أبا الغارات طلائع بن رزيك، وخاطبه بالتمليك وسماه الملك الصالح، وأنزله منه بمكانة لا يؤثر فيها قدح القادح وكان له اسم الملك، وهو الملك الحائز، وله لا لأمره الأمر الجائز، والغنى والغناء وسواه الفائز، وكان الفائز معه كالظل كيفما مشى يتبعه، وكالجليس مهما قال يسمعه، أطوع له من الشرك، وأسرع من فيه الظبي في الإشراك وكان ابن رزيك من أجل وزراء تلك الدولة، وأسبغهم إنعاما، لا يقصر طوله، وكان عارفًا بالأدب مكرمًا لأهله، مُنْعِمًا عليهم بفائض سجله، وله شعر لا يؤخر جواد قريحته، ولا يشم دخان الند (٣) إلا من ريحته، ولا تتفجر المعاني إلا من فجر صبيحته، ولا تصاب المفاصل إلا بصقال صفيحته، ووفد في زمانه الفقيه عمارة اليماني (٤)، ونوله ما يرتجيه من غاية الأماني، وفيه يقول: [من الطويل] دعو كل برق شمتم غير بارقٍ … يَلُوحُ على الفسطاط بارق نشره وزوروا المقام الصالحي فكل مَنْ … على الأرض ينسى ذكره عند ذكره ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى … فتجنوا على مجد المقام وفخرِهِ ولكن سلوا منه العُلى تظفروا بها … فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره

стр. 8174

وأراده الصالح على الدخول في مذهبهم للدخول، وراوده من يلزمه به أن يقول وكتب إليه: [من الكامل] قل للفقيه عمارة يا خير من … أضحى يؤلف خطبة وخطابا أقبل إلينا لا تحد عن هذينا … قُلْ حِطَّةٌ وادخل علينا البابا تجد الأئمة شافعين ولا تجد … إلا لدينا سُنَّةً وكتابا وعَلَيَّ أن يعلو محلُّك في الورى … وإذا شفعت إلي كنت مجابا وتعجل الألاف وهي ثلاثة … ذهبًا وحقك لا تُعدّ ثوابا وكان الفقيه عمارة شافعي المذهب، لا يحول عنه ولا يذهب، فكتب إليه ما يدلُّ على حسن معتقده، ونقض ذلك الزخرف من يده: [من الكامل] يا خير أملاك الزمان نصابا … حاشاك من هذا الخطاب خطابا لكن إذا ما أخربت علماؤكم … معمورمعتقدي فصار خرابا فاشدد يديك على قديم مودتي … وامنن علي وسد هذا البابا فسكت عنه لسان، إكراهه، وسكن مثل هذا القول وأشباهه، وبقي عمارة أدنى جليس إلى رتبهم، وأنيس على مباينة لمذهبهم، وأتى يومًا إلى حضرة الصالح بن رزيك، فأسدى إليه صنيعا قبل به يده، ثم خرج فرأى ممن كان يؤمله من قبله ومجده فقال: [من الكامل] ملك إذا قابلت نور جبينه … فارقته والنور فوق جبيني وإذا لثمت يمينه وخرجت من … أبوابه لثم الملوك يميني ولما طال بعمارة العمر، وذاق طعم عيشها المر، رثى بني رزيك بمراث عُوتب عليها فقال: أيها ثم أنشد: [من البسيط] زالت ليالي بني رزيك وانصرمت … والحمد والذم فيها غير منصرم كأن صالحهم يومًا وعاد لهم … في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يَقُمِ ولم يكونوا عدوا لان جانبهم … وإنما غرقوا في سيلك العرم فلو فتحت فمي يومًا بذمهم … لم يرض برك إلا أن يسد فمي ولو ذكرت لياليهم ونضرتها … وحسنها لم يكن بالدهر من قدم ثم ابن عمه:

стр. 8175

[١٥] العاضد (١) لدين الله، أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ عبد المجيد بويع له بعد الفائز سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولم يل أبوه الخلافة ولا دارت في خَلَدِهِ، ولا كان يظنها تصل إليه ولا إلى ولده، وبايعه الناس وهو طفل لا قدر عليه ولا كفل، وقام بأمره الصالح طلائع، وقرّر له المصالح الروائع، ودام على مراعاة حاله ونهايته في التدبير نهاية العمل عليه في التدمير، وقيل أن العاضد لما فعل كان كالمعضد حتى أكمنت له المنايا كمون الشجاع، ووثبت له وثبة الأسد المفترس إذا جاع، وغالته حيث لا يقدر على الارتجاع، ولا يقتدر على الانتجاع، ولبدت له في دهليز قصره، وفي موضع حضره، فقُتل في الدهليز (٢)، وقيل من أين أتي في هذا الكنف الحريز، وما أتي إلا من ذلك الكنف، ولا لحقه لولا تلك الحياة التلف، ولا خطا طائره إلا من موضع أسف، وأظهر عليه العاضد وأهل بيته الأسف، وكمدوا لبدره كيف انخسف، ثم استوزر العاضد ابنه رزيك بن طلائع، ولقبه بالملك العادل، وقال: هذا لهذا يُعادل ثم قتل رزيك (٣) بعد سنتين، فإنهما كانا ممن يتوسع في العطايا، ويترفع عن المؤاخذه بالخطايا، وكان قتله بأيدي العرب لما أخرجه شاور (٤) قريبًا من القاهرة، وأسف العاضد عليه، وخاف أن يتكلّم أن تكلم، فوزر شاور، ولقب أمير الجيوش، وكان داهية ثلالًا للعروش، فلالًا للعزائم، ولم يخل الفروش، قلابا للدول غلابا على الملوك والخول، إلا أنه كان قصير الباع في الدفاع، حقير الرباع في اليفاع، لكنّه كان ذا كيد، ينصب أشراكه، ويلقي عمامته

стр. 8176

وشراكه، لم يخف نقيصة تُنسب إليه فيما فعل ولا فيما وضع له نفسه وجعل، ومدحه عمارة على كرهه له ولأيامه وأنفته منه ومن أنعامه، ولكنه خافه فداراه، وكان يود ألًا يراه، ومما قال فيه: [من الكامل] ضجر الجديد من الحديد وشاورٌ … في نصر دين محمد لم يضجر هانت عليه النفس حتى أنه … باع الحياة فلم يجد من يشتري حلف الزمان ليأتين بمثله … حنثت يمينك يا زمان فكفر وكان بعد ذلك في تقريب عمارة ويخصه بمحل القرب والإشارة، ثم غلب ضرغام (١) بن سوار على الوزارة وابتزها، وقطع دونها غلاصم المطامع واحرّها، وأخرج شاور من القاهرة، يتحيّر بأذياله ويتخير طريق احتياله، ولقب ضرغام بالملك المنصور، وكتب له السجل الأشرف والمنشور، ووجه شاور وجهه إلى الحضرة النورية (٢)، فوفد عليها وفادة حسان على أهل جلّق (٣)، ورأى نورها رؤية الحطيئة لنار المحلّق (٤)، ثم خرج في الصحب الأسدية الشيركوهية (٥) إلى مصر، وخرج ضرغام، وتلاقيا على بلبيس، وأجلت الوقعة عن قتل ضرغام وانتصار الأسد الهمام، وانهزم جيش ضرغام إلى القاهرة، ودخل شاور القصر، ووزر الوزارة الآخرة، وذلك في جمادى الآخرة، سنة تسع وخمسين وخمس مائة، ونكث عهود شيركوه ومواثيقه، وتناسى تجشمه المشقة وطريقه، ثم خاف شاور فراسل الفرنج مستنصرًا، فجاءه الملك مري (٦) في خلق كبير، فتحصن شيركوه في قلعة بلبيس،

стр. 8177

واجتمع شاور ومري عليه، وأحدق به العدو وحصره، وأنجز الله وعده، وأيد شيركوه ونصره، وخرج سالمًا إلى دمشق، ثم لم يعلم به حتى وصل إلى إطفيح (١) وعدى إلى الجيزة، وأقام بها مدّة، وأنفذ شاور إلى مري واستصرخه، وملأ زقه الفارغ ونفخه، وبذل له مالًا عظيمًا وَوَعَدَهُ بمشاطرة البلاد، فحمى لأجله، ووافاه بخيله ورجله، ثم عدى إلى الجيزة، واندفع شيركوه إلى الصعيد، فلحقوه في الناس قريب من منية ابن الخصيب، ووقف لهم شيركوه، وواقفهم وواقعهم، فانكسر شاور والفرنج، وأخذ صاحب قيسارية (٢) أسيرًا، ووصل (٣) شاور بالفرنج إلى القاهرة مهزومين، وسار شيركوه إلى الاسكندرية فدخلها، وأقام بها مدة، وسمع بها شاور والملك مرّي فجيشوا جيوشًا عظيمة، وأتوا الاسكندرية في طلبه، فنزل بها ابن أخيه صلاح الدين في شرذمة قليلة، وأصعد هو وعسكره إلى الصعيد، فجبى منها مالًا جليلا، وأقام شاور على الاسكندرية خمسة وسبعين يومًا (٤)، ثم رجع شيركوه حتى نزل على القاهرة ونازلها، وضيّق على مَنْ فيها، فصالحوه على أنه يرتفع عنها ويرتفع شاور عن الاسكندرية، ثم خرج صلاح الدين واجتمع بعمه شيركوه، وأتى شاور القاهرة، وأقام مدة فوافاه الملك الرومي صاحب الشام والاسبتار (٥) في جمع عظيم فنزلوا على بلبيس، وفتحوها عنوة (٦)، وقتلوا رجالها، وعجلوا آجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وأبكوها بكاء التوجع والتوعج فَعَدت آمالها، وسمع شاور فخرج إلى مصر وأحرقها ونهبها ونكر محاسنها وأذهبها (٧)، وترك الرومي على القاهرة وعوّل على فتحها، ثم عدل إلى صلحها، فبذل له أهلُها مائتي ألف دينار فما قنع بها، وطلب ألفي ألف دينار، فرأى العاضد ووجوه دولته (أن) يستعينوا بشيركوه، فأتى هو وجنوده العاضد،

стр. 8178

وأدركوه وراسلوا نور الدين فأمدهم بجيوش ما سمعوا بخبرها حتى رأوا طلائع عسكرها، فلما سمع به الفرنج ارتحلوا لا يلوون على شيء، ودخل شيركوه القاهرة، وخلع عليه العاضد خِلَعًا سنية، وأضافه ضيافة تامة، وأقام له الأتراك، ونزل بظاهر القاهرة، ثم كان شاور يتردد إليه، فخرج إليه يومًا مسلمًا، فأوقع به صلاح الدين ومن معه، وقتل ابنه شجاع الملقب بالكامل (١)، وكان خيرًا من أبيه يأمره بالخير (٢) وأشار عليه ألا يستنجد بالفرنج فقال: دعني من رأيك فإنني أخاف أن لا أملك. فقال له: أن تهلك أنت وحدك خير من أن تهلك أهل مصر كلهم. وكذلك قتل ابنه الملقب بالمعظم. وأخوه فارس المسلمين، وطيف برؤوسهم على الرماح، وخلع على شيركوه بالوزارة في سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة. وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من رجب، ثم وزر بعده صلاح الدين يوسف، تم قطع خطبة العاضد وخطب للمستضيء ولم يعش العاضد بعدها إلا أيامًا يسيرة (٣) ثم مات، ومشى صلاح الدين وعليه طيلسان وعمامة في الجنازة، وقعد للعزاء، وبكى بكاء لم يشف به الحزازة، فإنه ندم على ما كان من خلع رداء تلك الدولة خوفًا من نور الدين لا يقصده، ويطلب ما يحتج به فلا يجد ما كان يجد بالعبيديين من الحجة في ملاواته، والتستر بهم من سهام مناوراته، ثم كان يقول: لو علمت بسرعة أجله ما روعته بالخلع، واختلف في موته، فقيل إنه علم بالخلع فسم نفسه، والجمهور على أنه كان عليلًا واخفي عنه الخلع ومات حتف أنفه، وأخذ أهل القصر، وحبسوا وفرق بين الرجال والنساء قطعًا لنسبهم واجتثاثًا لشجرتهم الخبيثة من أهلهم، وكانت مدة ملكهم منذ فتحوا مصر إلى أن خلع العاضد مائتين وخمسة عشر سنة، وكان صلاح الدين يشكر العاضد، ويصف كرمه ويقول: استمددته بمال لسداد دمياط فأمدني بألف ألف دينار من العين والعروض، وكان لا يزال يتذكره ويتندم على فعله حيث لا يمكنه استدراك الفارط، ولا يقدر على استرجاع الفائت، ومرّ عمارة بالقصر فرآه خاوي الأركان، خالي الأقطار من السكان، وكان يعهده لسجود الحياة قبلا، ولعقود الشفاه ينظم قُبُلا، وتذكر سالف إحسانهم، ويبصر

стр. 8179

طائف طيف زمانهم، فما ملك عبرته، ولا مل حسرته وقال (١): [من البسيط] رميت يا دهر كف المجدِ بالشَّلَلِ … وجيده بعد حسن الحلي بالعطل سعيت في منهج الرأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدهر فاستقل جَدَعْتَ مارنك الأقنى فأنفك لا … ينفك ما بين أمر الشين والخجل هدمت قاعدة المعروف عن عَجَلٍ … سقيتَ مُهْلا (٢) ألا تمشي على مَهَلِ لهفي ولهف بني الأملاك قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدول قدمتُ مِصْرَ فأولتني خلائفها … من المكارم ما أربى على أملي قوم عرفت كسب الألوف، ومن … تمامها (٣) أنها جاءت ولم أسل وكنت من وزراء الدست حيث سما … رأس الحصان بهاديه على الكفل ونلتُ من عظماء الجيش مكرمةً … وحُلَّةٌ حُرِسَتْ من عارض الحلل يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصرت في (٤) عذلي بالله جز (٥) ساحة القصرين وأبك معي … عليهما لا على صفين والجمل وقل لاهليهما والله ما التحمت … فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل ماذا ترى كانت إلا فرنج فاعلةً … في نسل آلِ أمير المؤمنين علي؟ وقد حصلتم عليها واسم جدكم … محمد وأبوكم غير منتحل (٦) مررتُ بالقصر والأركان خالية … من الوفود وكانت قبلة القبل فملتُ عنها بوجه خوف منتقد … من الأعادي ووجه الودّ لم يمل أسْبَلْتُ من أسفي دمعي غداة خَلَتْ … رحابكم وغَدَتْ مهجورة السبل أبكي على خضرات (٧) من مكارمكم … حال الزمان عليها وهي لم تحل

стр. 8180

دار الضيافة كانت أنس وافدكم … فالآن أوحش من رسم ومن طَلَل (١) وفطرة الصوم إن أضْحَتْ (٢) مكارمكم … يشكو من الدهر حيفًا غير محتمل وكسوة الناس في الفصلين قد درست … ورث منها جديد عندهم وبلي (٣) وموسم كان في يوم (٤) الخليج لكم … يأتي تجملكم فيه على الجُمَلِ وأول العام والعيدين كم لكم … فيهن من وبل جود ليس بالوشلِ والأرض تهتز في عيد الغدير كما … يهتز ما بين قصريكم من الأسل والخيل تعرض في مشي وفي شيةٍ (٥) … مثل العرائس في حلي وفي حلل وما حملتم قرى الأضياف من سعة … الأطباق إلا على الاكتاف والعجل وما خَصَصْتُم بِبرٌ أهل ملتكُم … حتى عَمَمْتُم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للوافدين (٦) … وللضيف المقيم وللطاري من الرسل ثم الطراز بتنيس التي عَظُمَتْ … من (٧) الصلاة لأهل الأرض والدول وللجوامع من أخماسكم (٨) نِعَمٌ … لمن تصدّر في علم وفي عمل وربما عادت الدنيا فمعقلها (٩) … منكم وأَضْحَتْ لكم محلولةُ العُقَلِ والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب الله غير ولي ولا سقي الماء من حر ومن ظمأ … من كف خير البرايا خاتم الرسل أئمتي وهداتي والذخيرة لي … إذا ارتهنْتُ بما قدمت من عملي تا الله لم أوفهم بالمدح حقهم … لأن فضلهم كالوابل الهطل ولو تضاعفت الأقوال واستبقت … ماكنت فيهم بحمد الله بالخجل باب النجاة فهم دنيا وآخرةٌ … وحبُّهم فهو أصل الدين والعمل (٨)

стр. 8181

نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل … الغيث إن ونت الأنواء في المحل أئمةٌ خلقوا نورًا فنورهم … من نور خالص نور الله لم يفل والله لا زلت عن حبي لهم أبدًا … ما أخر الله لي في مدة الأجل وذكر ابن الأثير (١): أنه لما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظنّ إن ذلك خديعة فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم عليه وعلى تخلفه عنه. وحكى مؤلف الروضتين قال: اجتمع بي الأمير أبو الفتوح بن العاضد وهو محبوس مقيد سنة ثمان وعشرين وستمائة، فأخبرني أبو الفتوح قال: أن أبي لما مرض استدعى صلاح الدين فحضر، ثم جمعنا وأحضرنا، يعني أولاده ونحن صغار، فأوصاه بنا فأكرم إكرامنا واحترامنا (٢). قال قاضي القضاة جمال الدين محمد بن واصل: لما جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى وقتل (٣)، وكل صلاح الدين بالقصر قراقوش الأسدي (٤)، وجعله بزمام القصر مقامه، فرتب في القصر، فما كان يدخل إلى القصر شيء ويخرج إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق أهل القصر بسببه، فلما مات العاضد عرض صلاح الدين من بالقصر من الجواري والعبيد والعدد والآلات والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، وَوَهَب الباقي وأخلى الدور، وأغلق القصر، وأخذ ما صلح له ولأهله وأمرائه وخواص مماليكه وأصحابه من نفائس الذخائر والجواهر والملابس، ومن جملة ذلك الدرة اليتيمة والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات العنبرية والأواني الفضية والصواني الصينية والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية وغير ذلك مما لم يقع عليه الإحصاء، وأسرف في العطاء والبذل وأطلق البيع بعد ذلك فما دون ذلك، واستمر البيع مدة عشر سنين، وكانت خزانة الكتب تزيد على مائة ألف وعشرين ألف مجلدة

стр. 8182

وفيها من النفائس التي لا يكاد يوجد في خزانة أحد من الملوك، فملك صلاح الدين الأملاك التي كانت لهم وضُربت الألواح على رباعهم ودورهم ثم ملك بعضها خاصته. وأمراؤه، وبعضها أذن ببيعه ووهب الفاضل (١) الكتب عن آخرها، وأزال مبسم تلك الأنام، ومحا رسوم تلك البنية، فتكدرت مواردهم المشرعة، وتعفّت آثارهم بالكلية، إن في ذلك لموعظة وذكرى لأولي الألباب. قال ابن مماتي (٢): ولم تشهد التواريخ بانقضاء دولة كانقضاء دولتهم على حالة سكون وأحمد قضيته تكون، قال: واتفقت بعدهم غرائب، فمنها: أن بعض أمراء المصريين صاروا نوّابًا على باب داره في خدمة من أعطيت له، وآخر صار أمينًا في بعض ما كان في إقطاعه. قال ابن مماتي: وجرى يومًا حديث المصريين في مجلس القاضي الفاضل فسألته: كم كانت عدتهم في عرض ديوان الجيش لما كان متوليه أيام رُزَّيك بن الصالح، فقال: كانت أربعين ألف فارس ونيفًا وثلاثين ألفًا من السودان. وحكي: أن الأمير الكبير باركوج اشترى من الديوان السلطاني عدة أَدُور وخرابات بمصر ليستعين بانقاضها على عمائره، وكان من جملتها دار كبيرة وصفت له وذكرت عنده فتوجه إليها، وتسرع الغلمان لإزعاج من فيها، فسمعهم يبكون، فسأل عن ذلك فقيل له: هؤلاء بعض عيال المصريين، فلما أخرجوا من دورهم بالقاهرة أووا إلى هذه الدار، وهم لا يعرفون أين يذهبون إذا خرجوا، فبكى واستدعى بعضهم برفق وأطاب قلوبهم ووهبهم الدار وكتب لهم خطة بها وجعلهم على ثقة من التصرف فيها، وما فسح لهم في بيعها أن آثروا الانتفاع بها وانصرف عنهم معتذرًا. وقال ابن مماتي: حدثني الشريف النسابة النقيب أسعد بن الجواني، قال: سكنت في مصر بدار عتيقة الأشرف، وكانت لي زوجة كنت أبات أنا وإياها في بادهنج بها فاستيقظت ليلةً فقالت: رأيتُ في النوم قائلًا يقول لي: احفروا تحت الطيلسان الرخام الذي تحتكم وخذوا ما تجدونه من المال اتفقوا به فقدان ظهوره،

стр. 8183

فقلت لها: أنا رجل فقير، وهؤلاء الأشراف لا يطاقون وأخاف أن ينكسر الطيلسان في قلعه، ولا نصيب شيئًا فاتعجل الغرامة، ومنعتها منه بكل حيلة، ثم رأت المنام بعينه مرةً أخرى، وجريت على العادة في الامتناع، ثم رأت المنام ثالثًا، وكأنه يقول لها: أنتم محرومون، وما مضت أيام يسيرة حتى أحرقت مصر، فما شعرت إلاّ وجماعة كبيرة من السودان قد هجموا الدار، وقصدوا البادهنج فقلعوا الطيلسان واستخرجوا من تحته سماوية نحاس يكون فيها قدر مائة ألف دينار، فأغمي علي وكدت أقتل نفسي غيظًا لما فاتني من الغنى، وسألتهم أن يعطوني ولو مائة دينار فما فعلوا، وخرجوا كأنهم دخلوا دارهم، وأخذوا مالهم. وقال ابن مماتي: ومن غريب ما جرى في حريق مصر أن رجُلًا عَمد إلى برنية (١) الصبر فجعل فيها ألف دينار ليسلم من الريب، فما لبث أن هجم الغوغاء عليه بيته، فلم يكن له هم إلا النجاة بنفسه، فتحامل إلى باب زويلة (٢)، فبينما هو قاعد يستريح وإذا ببعض من كان هجم عليه ومعه برنية الصبر، فاشتراها منه بدرهمين، ثم ذهب فاستخرج منها الذهب، واشترى به جميع ما أخذ له، ولم يزل يضارب فيه حتى نمى وارتزق به. وقال ابن مماتي: حدثني القاضي الفاضل، قال: كان من أهل مصر رجل وله ابنة مستحسنة، فلما أحرقت مصر ونُهبت أموال أهلها، خرج إلى البر الغربي، وسكن في بعض الضياع، وقعد في حانوت واتفق لنائب القطع أن رأى الابنة، فهويها وتعلق قلبه بها، فضيّق عليها، وتعرض لها، فما ظفر بمقصوده، وخطبها من أبيها فما رضى أن يكون زوجًا لها، فتسلّط عليه وقصده وآذاه، ولم يزل يدقق عليه الحيل إلى أن كتب عليه وثيقة بعشرة دنانير إلى أجل مسمى، وقدَّر أنها تتعذر عليه، فيجد السبيل إلى أخذ البنت. قال: فلما كان في اليوم الذي يجب عليه فيه المبلغ وقد أيس الرجل من نفسه، وأيْقَنَ بالشرّ جاء إليه شاب فاشترى منه بدرهم عسلًا، وانثنى عنه، فسقطت منه خرقة مشدودة، فأخذها وحلّها فوجد فيها عشرة دنابير، فأخفاها معه، وقال: أخلص بها نفسي من هذا الظالم، واجتهد في تحصيل العوض وإيصاله إلى صاحبها، فما كان غير ساعة حتى حضر عليه الخصم وطالبه ورفعه إلى القاضي، فأعطاه العشرة دنانير التي وَجَدَها، وأخذَ الشهادة عليه بها، وعاد إلى حانوته، وقد كفاه الله ما كان

стр. 8184

يخشاه من آذاه فما استقر جالسًا حتى جاء إليه الشاب الذي وقعت منه الخرقة، وقال: اجعلني في حِلّ فأنني كنت اشتريت منك العسل ووقعت مني خرقة فيها عشرة دنانير، فظننت أنك أخذتها، ولما جئت إليك وجدتها الساعة مرمية في طريقي، فعجب الرجل، وحضر الخصم فقال له: اجعلني في حل فقد تبت إلى الله من الظلم، والذهب الذي أخذته منك وقع مني لأنه كان حرامًا، وكنت فيه ظالمًا، فأقبل الرجل على شكر الله تعالى وذكره، وشاع في أهل الناحية أن الله أعانه على ما فك به نَفْسَهُ، ثم أعاده إلى صاحبه عناية منه به. وكانت وفاة العاضد سنة سبع وستين وخمسمائة. [١٦] ذكر دولة الزيدي، القائم بالكوفة وهو أبو عبد الله محمد بن محمد (١) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ أقامه أبو السرايا بالكوفة بعد ابن طباطبا (٢)، وأقامه على منبر الخلافة خاطبا، غَلَبَ على الكوفة وسوادها، واستوسق له أمر رعيتها وأجنادها، وقام أبو السرايا ينفّذ الأمور بأمره، ويعمل لمكائد الحرب جهة فكره، ثم إن الحسن بن سهل لما بلغه هزيمة زهير، وعزيمة أبي السرايا على قذفه بموج الضير، جهز إليه جيشًا أمر عليه عبدوس بن محمد (٣)، وأمره بقتاله، فأقبل حتى نزل الجامع، قريب الكوفة، وزحف إليه أبو السرايا، واقتتلوا قتالا شديدًا، فأسر عبدوس، وقتل جميع من كان معه (٤)، وأخضر أبو السرايا عبدوس، وضرب عنقه، وملك جميع ما كان معه وفرّقه، ثم أقبل

стр. 8185

أبو السرايا حتى نزل قصر ابن هبيرة، وبَثَّ عساكره إلى البصرة وواسط ودخلوهما، واستباحوهما، فوجه إليه ابن سهل هرثمة بن أعين (١) في جيش عظيم، وبلغ أبا السرايا قدوم هرثمة، فسار بمن معه حتى نزل صرصر (٢)، وجاء هرثمة حتى نزل من العدوة الأخرى والنهر بينهما، وكان علي بن سعيد (٣) معسكرا بكلواذى (٤). فخرج منها ثاني شوال، فقاتل أصحاب أبي السرايا وهزمهم، ورجع أبو السرايا إلى قصر ابن هبيرة، وهرثمة في أتباعه فأدرك جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم، وبعث رؤوسهم إلى الحسن بن سهل ثم نزل على أبي السرايا في قصر ابن هبيرة، فقاتله وقتل كثيرًا من أصحابه، فلما رأى أبو السرايا أنه لا طاقة له بهرثمة خرج إلى الكوفة فدخلها، وقد كان هذا الزيدي (٥) ومن معه من العلويين قد وثبوا على مَنْ بالكوفة من العباسيين ومواليهم فنهبوهم وأحرقوا ديارهم بالنار وجلوهم عن الكوفة، وأتوا أمورًا قبيحة، ثم إن أبا السرايا لما دخل الكوفة وجه حسين الأفطس (٦) الآتي ذكره إلى مكة ليقيم للناس الحج، ثم إن ابن هرثمة ناشب أبا السرايا الحرب بقرية شاهي حيث حاربه زهير (٧) بن المسيب، فدارت الهزيمة أول النهار على هرثمة ثم دارت آخره على أبي

стр. 8186

السرايا، فقتل أصحابه وفلّ عزمه، ودخل هرثمة الكوفة ليلة الأحد السادسة عشر من المحرم، ومضى أبو السرايا هاربًا إلى القادسية، ولم يتعرض هرثمة لأهل الكوفة بمكروه، بل آمنهم، وأقام بالكوفة يوم الأحد إلى العصر، وخرج إلى عسكره واستعمل عليها غسان بن الفرج (١) فنزل إلى دار أبي السرايا، ثم توجه إلى السوس (٢)، فنزل بها، وأقام بها أربعة أيام، وأعطى الجند أرزاقهم ألف للفارس وخمسمائة للراجل، فلما كان اليوم الرابع أتاه من الحسن بن علي المعروف بابن المأمولي (٣) أن أخرج من عملي، فأبى أبو السرايا إلا قتاله، فتقاتلا، فأنهزم أبو السرايا واستبيح عسكره، وجُرح جراحًا كثيرة ففرّ يريد رأس العين (٤) فأخذه حماد الكندغوسي (٥) بجلولاء (٦)، وأخذ معه رجلين من أصحابه، أحدهما محمد بن محمد الزيدي، والآخر رجل يقال له أبو الشوك (٧)، وحملهم إلى الحسن بن سهل، فأمر بضرب عنق الزيدي، فضربت عنقه (٨) بالنهروان يوم الخميس عاشر ربيع الأول سنة مائتين، فكانت مدته ثمانية أشهر وعشرة (٩) أيام، ثم قدم بعده أبا السرايا ليضرب عنقه، فجزع جزعًا شديدًا، واضطرب اضطرابًا عظيمًا، ثم ضربت عنقه، وبعث

стр. 8187

برؤوسهما إلى المأمون وحملت أجسادهما إلى الجسر فصلبا على الجسر، فكانت أيامه عشرة أشهر. [١٧] ذكر دولة محمد (١) بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويكنى بأبي عبد الله. بويع بمكة في ربيع الآخر سنة مائتين. لما زاد اجتراء الحسين بن الحسن الأفطس ابن علي بن الحسين بن (علي) (٢) بالناس، وافتراء مَنْ حوله من سفالة الأجناس، وكان هذا محمد بن جعفر شيخًا صالحًا فاضلًا، عالمًا يحدث عن أبيه، وقد روى من منهله، وتضوّأ بكوكبه، وكان قد تأبى وامتنع حتى ألزمه بها بنوه وأهله، ومن ملّ سيرة الجور، وغلب عليه ابنه علي، وما كان كأبيه، ولا له مثل هدية، وكان من حوله من ذوي قرابته من يبعد بينه وبينهم تباين الأخلاق، ثم إن الحسن بن سهل أغزاه جيشًا عليه إسحاق (٣) بن موسى العباسي، فخندق محمد بن جعفر على مكة، وحشد الأعراب، وقاتلهم إسحاق بن موسى أيامًا، ثم كره قتالهم فرحل عائدًا إلى العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه وأصحاب الجلودي (٤) فقالوا له: ارجع ونحن نكفيك قتالهم، فرجع معهم حتى نزلوا المشاش (٥) وجمع محمد بن جعفر جمعه ونهد لهم إلى بئر

стр. 8188

ميمونة (١)، وتلاقوا، ثم انهزم محمد بن جعفر، وجمع جمعًا زحف به إلى المدينة المشرفة، فخرج إليه وإليها هرون بن المسيب، فاقتتلوا فاصيبت عين محمد بن جعفر بنشابه، فكر راجعًا إلى مكة، واستأمن إلى وإليها عيسى بن زيد الجلودي ابن عم ابن سهل، فأمنه، وصعد المنبر، فخلع نفسه وبايع المأمون، ثم خرج الجلودي إلى العراق، فأسلمه إلى الحسن بن سهل وكان آخر العهد به (٢). [١٨] ذكر دولة الزنجي (٣) وعزيز علي والله أن أذكره في هذا النسب الشريف، وإن كان من الشيء في هذا البيت فهو الكنيف، حاش لله أن يكون هذا الرجل من أولئك أو يعد فيهم، إلا كما يُعد إبليس في الملائك. عجبًا لهذا القعدة بالأرض كيف يطول، وكيف هذا الرجل من أهل البيت والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٤). أما هو فادعى أنه علي بن محمد بن جعفر بن الحسن بن طاهر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٥)، ويكنى أبا الحسن. وقال نسابتهم: إنه من العباس بن علي (٦)

стр. 8189

﵇، والصحيح أنه من عبد القيس (١)، ولا يبعد أن يكون من ولد الشيطان الرجيم وإبليس الأثيم لفعله الذميم وعقله السقيم، راصد الله بكل مرصد، وعقد الخلاف للقرآن في كل مقصد، وأراد مناقضة الاسلام، ومناقلة المشرع عليه أفضل الصلاة والسلام، وشبَّ لهذه الأمة نارًا على كل ثنية وصبّ إلى كفران هذه الملة كل عقد ونية، وقعد كالشيطان للدين صراطه المستقيم، واقتحم باتباعه نار الجحيم، فله في الدنيا خزي وله في الآخرة عذاب عظيم. فكبكب فيها، هو والغاوون وجنود إبليس أجمعون، أضلَّ جيلًا كثيرًا، وظل للبلايا مثيرا، وأصله من قرية (٢) من أعمال الري، ومولده بطرستان، ثار على المهتدي (٣) سنة ست وخمسين ومائتين (٤)، وكان يرى رأي الأزارقة (٥)، ويستبيح الدماء والأموال والفروج ولا يُردّ القتل عن صغير ولا كبير، ولا بهيمة. ويرى الذنوب كلّها شركًا، ويلعن المتشرّف بالادعاء إليه عليًا ﵇ ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير وكل مَنْ شهد الجمل وصيفن، ويتعدى هذا إلى جميع الصحابة ﵃، ثم يتعرض إلى الجناب الشريف زاده الله شرفًا، ويتعرض في أمور، وكان أموره وقيامه في اثني عشر رجلًا من الزنج كانوا يعملون في غابة البصرة نفوسهم (٦)، وانضاف إليه أهل الفساد، وكان بالبصرة ثلاثون ألف جنّان في كل جنان أسود وأسودان وثلاثة وأكثر، فاجتمعوا إليه، فلهذا سمي الزنجي، فتتبع الخلق بالقتل والفتك في الحرمة وافتضاض الأبكار، حتى بلغ القتل مائتي ألف وخلَتْ الديار من أهلها، وتخفّى مَنْ سَلِم في الآبار والسروب، وكانوا يخرجون بالليل يطلبون الكلاب والسنانير ليأكلوها، ومَنْ مات منهم أكله أهله، ومَنْ قدر على أحدٍ قتله، وأكله حتى ان امرأة قاربت الموت فاستبطأ أهلها موتها، فقطعوها وأكلوها، فخرجت أختها برأسها تغسله في الفرات فقيل لها: ما هذه الرأس؟ فقالت: رأس أختي أهلي ظلموني ولم يعطوني منها إلا هذه الرأس، ومن مثل هذا كثير. قال الشريف الغرناطي: وكانت المرأة الشريفة من ذرية الحسن أو الحسين أو

стр. 8190

العباس يُنادى عليها في السوق: هذه فلانة الحسنية أو الحسينية أو العباسية بدرهمين أو بثلاثة، فيشتريها الزنجي برسم النكاح، وكان الزنجي الواحد يكون له من هذه النسيبات الشريفات نحو العشرة والعشرين والثلاثين والأقل والأكثر يخدمْنَ الزنجيات، فجهز المعتمد (١) لحربه جيشًا كثيفًا مع قائد اسمه مفلح (٢)، فقاتله قتالًا كثيرًا فظهر مفلح عليه، ثم أصاب سهم صدغ مفلح فقتله، ثم جهز المعتد أخاه الموفق (٣) في جيش آخر، فقاتله مرات وواقفه مواقفًا كثيرة، وأصاب الموفق سهم في صدره، فكتمه أيامًا، وعالجه حتى أَخَذَ في البرء، ثم خرج لمحاربة الزنجي، ولم يزل الموفق إلى أن قتله في صفر سنة سبعين ومائتين، وكانت مدة هذا الزنجي الخبيث أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، وأدخل رأسه بغداد في جماد الآخرة من هذه السنة وأراح الله من كفره وفتنته وطائفته اللعينة وفتنه. واختلف الناس في مقدار ما قتل في مدة فريه، فمنهم المكثر والمقلل. قال الغرناطي: فأما المقل فقال أفنى خمسمائة ألف ألف وخمسمائة ألف، وأما المكثر فقال: أفتى ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى فسبحان الحكيم الذي له في كل مقدر حكمة قد تلتبس على البصير وتتعمّى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمّى لا إله إلا هو عليه توكلنا وإليه المصير. ذكر دولة القرامطة (٤) وأولهم:

стр. 8191

[١٩] زكرويه قرمط (١) وهم أضرّ طائفة خرجت على بني العباس، بل شرّ دولة خرجت للناس، أَخَذَهم الله بمكرهم وواخذهم بكفرهم، ولكن بعد حروب شمرت عن ساقها، وأثمرت برؤوس لم تتصل بأعناقها، ثم الكفرة الملاعين، والأعادي الطواعين، بئس الملة، وسوس الأمة، كانوا على ذهاب هذه الملة أحرص من خوافي النمل، وفي تعطيل منابتها اشدّ من سوافي الرمل، ما زالوا في مسارب الملك كالأفاعي ساعين، وإلى غير كلمة الحق كالنواقيس داعين، والصقوا بهذا البيت الطاهر (٢)، دعوتهم، وألقوا في هذا الفناء الشريف عقوتهم (٣)، وبينهما من البون مثل ما بين الفساد والكون، وإنما ذكرهم هنا لادعائهم كما ذكرت الزنجي. على أنهما كسراب بقيعة، أو كظلمات في بحر لجي. كان ظهور هؤلاء بسواد الكوفة سنة ثمان وتسعين (٤) ومائتين، في السنة التي مات فيها الموفق، اسمه الفرج زكرويه بن يحيى ويُدعى بقرمط (٥)، أصله من بصرى الشام، وإنما قال الخراساني، ويكنى بأبي زكرياء منهم بالنهروان (٦) فأظهر الزهد

стр. 8192

والتقشف، وأكثر الصلاة، وكان يأكل من عمل يده. وإذا جلس إليه إنسان زهده في الدنيا، وأعْلَمَهُ إن المفترض عليه خمسون صلاة في اليوم والليلة وإنه يدعو إلى إمام من أهل البيت، فاستهوى خَلْقًا كثيرًا، وكانت لرجل معروف يقال له الهيصم (١) ضياع. فأُعْلِمَ أن القائمين عليها اشتغلوا عنها برجل صفته كذا ويقول كذا. وأخبر خبر الرجل، فسار إليه وأخذه، وحلف ليضربن عنقه، ثم جعله في بيت، ورمى عليه قفلًا، وألقى المفتاح تحت وسادة، وشرب، فلما سكر ونام أَخَذَتْ جاريته المفتاح وفتحت البيت وأخرجت الرجل وأَطْلَقَتْه، وردّت المفتاح في موضعه، فلما قام من سكره وفتح البيت فلم يجد الرجل فأصابه وَهُمْ وقال: هذا الرجل صالح، وأشاع الأمر، فتسارع (٢) الناس إلى الرجل، فعظم شأنه، واستفحل أمره، وصنع لهم دينًا وقرآنًا أوحاه إليه شيطان، ومما تضمنه قرآنه (٣): يقول: الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها بصرى (٤)، إنه داعية المسيح عيسى ابن مريم وهو الكلمة وهو المهدي، وهو أحمد (٥) ابن محمد ابن الحنفية، وهو جبريل، وأن المسيح تصوّر له في صورة إنسان، فقال له: أنت الداعية، وأنت الحجة (٦) وأنت روح القدس، وأنت يحيى بن زكرياء وإن الصلاة ركعتين (٧) قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبهما، وأن الأذان (٨)، الله أكبر الله أكبر أربعًا، أشهد أن لا إله إلا الله أربعًا (٩). أشهد أن محمدًا رسول الله أربعًا، أشهد أن موسى رسول الله أربعًا، أشهد أن (عيسى) (١٠) رسول الله أربعًا، أشهد أن محمد ابن الحنفية رسول الله أربعًا (١١)، والقراءة في الصلاة بسورة

стр. 8193

الافتتاح (١) المنزلة على محمد ابن الحنفية (٢)، وهي: الحمد لله بكلمته، تعالى باسمه المستمد (٣) لأوليائه والأهلة مواقيت للناس ظاهرها لتعلموا عدد السنين والحساب، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادتي (٤)، واتقون يا أولي الألباب، فأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وهم يُسألون، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلوا عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر في بلائي ومحنتي واختياري ألقيته في جنتي، وأدخلته في نعمتي، ومَنْ مال عن أمري وكذب رسلي ألقيته (٥) مهانًا في عذابي، وأنا الذي أتممتُ أَجَلي، واظهرت أمري على ألسنة رُسُلي، وأنا الذي لم يعلُ عليَّ جبار إلا وَضَعْتُه، ولا عزيزًا إلا اذللته، وليس مثوى (٦) الذي أصر على أمره، ودام على جهالته، وقال: لن نبرح عليه عاكفين إلا في النار أولئك هم الكافرون. ثم يركع فيقول في ركوعه سبحان رب العزة تعالى الله عما يقول (٧) الظالمون يقولها مرتين. ثم يسجد فيقول في سجودِهِ: الله أعظم، الله أعظم (٨) يقولها مرتين، ومن أحكامهم أن القبلة إلى بيت المقدس، وإليه حجهم. وإن الصيام يومان في السنة، وهما يوم النيروز (٩) ويوم المهرجان (١٠)، وأن لا غُسْل من الجنابة إلا الوضوء فقط، وإن الخمر والزنا واللوط حلال، والنساء كلهن أمهات وبنات وأخوات حلال. وبويع هذا زكرويه بأنه الخليفة القائم بالحق سنة ثمان وسبعين ومائتين (١١) ويسمى القائم بالحق، وكان يرى رأي الخوارج الأزارقة، يلعن الصحابة ويرى قتل المسلمين رجالهم ونساءهم وصبيانهم وشيوخهم وزمناهم، فعتا في الأرض وسفك

стр. 8194

الدماء، وسبى الذرية، ونَهَبَ الأموال، واشتدَّ بلاؤه على المسلمين، وكان يقول لأعوانه وأجناده: من لم يتبعني فاقتلوه، وأسبوا أهله، وكان ابتداء أمره في أيام المعتمد، ثم قاتله جيش المعتضد، فقُتل في حدود سنة أربع وثمانين ومائتين (١). ثم قام بعده ابنه: [٢٠] يحيى بن قرمط (٢) وكنيته أبو القاسم، وبويع يوم قَتْلِ أبيه، وكان (يرى) قتل الأمة المحمدية كلها، وسار سيرة أبيه، وأصاب شكلها وكان هو وشياطينه المرَدَةُ في الأرض، وعقاربه الممددة في البلاد، إذا علوا على قرية قتلوا أهلها حتى البهائم كالحمير والقطط والكلاب، وحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال يؤدونه، وأي أمر جاءه منهم (٣) يعتمدونه، وكان يقول: لا أشير بيدي إلى ناحية إلا فُتِحَتْ، ولا تكر جنودي على صفقة بلاد إلا خسرت وربحت، فلما ولّى المكتفي خرج إليه في جنوده وعساكره فقتل رجاله، وفرق أحزابه أيدي سبأ، وأخذ اللعين أسيرًا وسيق إلى بغداد خاسئًا حسيرًا (٤). ثم قام بعده أخوه: [٢١] الحسين بن قرمط (٥) زكرويه وتلقب بالمهدي وتكنى بأبي علي، ثم تسمّى بأحمد بن عبد الله،

стр. 8195

وتكنى بأبي العباس، قاله الطبري (١) بويع بالخلافة بوصية أخيه يحيى، وكان شرًا منه، وكان يقول: أنا المدثر (٢) الذي في القرآن، وحاصر مدينة هجر (٣) أربع سنين إلى أن دخلها عنوة بالسيف وقتل منها ثلثمائة ألف، وعتى في الأرض، يقتل هو وأشياعه يمينًا وشمالًا وينكحون الأبكار، ويذبحون النساء والأطفال والشيوخ والبهائم، فقاتلهم المكتفي كرة أخرى، فقتلهم، وكسر مهديهم الضال، وأمسك جماعة من شيعة أهل الضلال. وأدخلهم بغداد مقرنين في الأصفاد والمهدي على فيل ليراه الناس، ثم قطع يديه ورجليه وضرب رقبته ورقاب أصحابه سنة إحدى وتسعين ومائتين. وفي ذلك يقول ابن المعتز يمدح المكتفي، ويذكر جميل فعله، يقول (٤): [من مجزوء الرمل] لا ورمان النهود … فوق أغصان القدود وعناقيد من أصدا … غٍ وورْدٍ من خدود وبور من وجوه … طالعات بالسعود (٥) ورسول جاء بالميـ … ـعاد من بعد الوعيد وبشير بوصال … قد نفى طول الصدود ما رأت عيني ظبي … زارني في يوم عيد في قباء فاختي اللـ … ـون من لبس الجدود كلما قاتل جندي … بسيف وعمود قتل الناس بعينين … وجفنين وجيد قد سقاني الراح من فيـ … ـه على غيظ الحسود وتعانقنا كأني … وهو في عقد شديد
следующие страницы →