← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

[١٩] زكرويه قرمط (١) وهم أضرّ طائفة خرجت على بني العباس، بل شرّ دولة خرجت للناس، أَخَذَهم الله بمكرهم وواخذهم بكفرهم، ولكن بعد حروب شمرت عن ساقها، وأثمرت برؤوس لم تتصل بأعناقها، ثم الكفرة الملاعين، والأعادي الطواعين، بئس الملة، وسوس الأمة، كانوا على ذهاب هذه الملة أحرص من خوافي النمل، وفي تعطيل منابتها اشدّ من سوافي الرمل، ما زالوا في مسارب الملك كالأفاعي ساعين، وإلى غير كلمة الحق كالنواقيس داعين، والصقوا بهذا البيت الطاهر (٢)، دعوتهم، وألقوا في هذا الفناء الشريف عقوتهم (٣)، وبينهما من البون مثل ما بين الفساد والكون، وإنما ذكرهم هنا لادعائهم كما ذكرت الزنجي. على أنهما كسراب بقيعة، أو كظلمات في بحر لجي. كان ظهور هؤلاء بسواد الكوفة سنة ثمان وتسعين (٤) ومائتين، في السنة التي مات فيها الموفق، اسمه الفرج زكرويه بن يحيى ويُدعى بقرمط (٥)، أصله من بصرى الشام، وإنما قال الخراساني، ويكنى بأبي زكرياء منهم بالنهروان (٦) فأظهر الزهد

стр. 8192

والتقشف، وأكثر الصلاة، وكان يأكل من عمل يده. وإذا جلس إليه إنسان زهده في الدنيا، وأعْلَمَهُ إن المفترض عليه خمسون صلاة في اليوم والليلة وإنه يدعو إلى إمام من أهل البيت، فاستهوى خَلْقًا كثيرًا، وكانت لرجل معروف يقال له الهيصم (١) ضياع. فأُعْلِمَ أن القائمين عليها اشتغلوا عنها برجل صفته كذا ويقول كذا. وأخبر خبر الرجل، فسار إليه وأخذه، وحلف ليضربن عنقه، ثم جعله في بيت، ورمى عليه قفلًا، وألقى المفتاح تحت وسادة، وشرب، فلما سكر ونام أَخَذَتْ جاريته المفتاح وفتحت البيت وأخرجت الرجل وأَطْلَقَتْه، وردّت المفتاح في موضعه، فلما قام من سكره وفتح البيت فلم يجد الرجل فأصابه وَهُمْ وقال: هذا الرجل صالح، وأشاع الأمر، فتسارع (٢) الناس إلى الرجل، فعظم شأنه، واستفحل أمره، وصنع لهم دينًا وقرآنًا أوحاه إليه شيطان، ومما تضمنه قرآنه (٣): يقول: الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها بصرى (٤)، إنه داعية المسيح عيسى ابن مريم وهو الكلمة وهو المهدي، وهو أحمد (٥) ابن محمد ابن الحنفية، وهو جبريل، وأن المسيح تصوّر له في صورة إنسان، فقال له: أنت الداعية، وأنت الحجة (٦) وأنت روح القدس، وأنت يحيى بن زكرياء وإن الصلاة ركعتين (٧) قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبهما، وأن الأذان (٨)، الله أكبر الله أكبر أربعًا، أشهد أن لا إله إلا الله أربعًا (٩). أشهد أن محمدًا رسول الله أربعًا، أشهد أن موسى رسول الله أربعًا، أشهد أن (عيسى) (١٠) رسول الله أربعًا، أشهد أن محمد ابن الحنفية رسول الله أربعًا (١١)، والقراءة في الصلاة بسورة

стр. 8193

الافتتاح (١) المنزلة على محمد ابن الحنفية (٢)، وهي: الحمد لله بكلمته، تعالى باسمه المستمد (٣) لأوليائه والأهلة مواقيت للناس ظاهرها لتعلموا عدد السنين والحساب، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادتي (٤)، واتقون يا أولي الألباب، فأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وهم يُسألون، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلوا عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر في بلائي ومحنتي واختياري ألقيته في جنتي، وأدخلته في نعمتي، ومَنْ مال عن أمري وكذب رسلي ألقيته (٥) مهانًا في عذابي، وأنا الذي أتممتُ أَجَلي، واظهرت أمري على ألسنة رُسُلي، وأنا الذي لم يعلُ عليَّ جبار إلا وَضَعْتُه، ولا عزيزًا إلا اذللته، وليس مثوى (٦) الذي أصر على أمره، ودام على جهالته، وقال: لن نبرح عليه عاكفين إلا في النار أولئك هم الكافرون. ثم يركع فيقول في ركوعه سبحان رب العزة تعالى الله عما يقول (٧) الظالمون يقولها مرتين. ثم يسجد فيقول في سجودِهِ: الله أعظم، الله أعظم (٨) يقولها مرتين، ومن أحكامهم أن القبلة إلى بيت المقدس، وإليه حجهم. وإن الصيام يومان في السنة، وهما يوم النيروز (٩) ويوم المهرجان (١٠)، وأن لا غُسْل من الجنابة إلا الوضوء فقط، وإن الخمر والزنا واللوط حلال، والنساء كلهن أمهات وبنات وأخوات حلال. وبويع هذا زكرويه بأنه الخليفة القائم بالحق سنة ثمان وسبعين ومائتين (١١) ويسمى القائم بالحق، وكان يرى رأي الخوارج الأزارقة، يلعن الصحابة ويرى قتل المسلمين رجالهم ونساءهم وصبيانهم وشيوخهم وزمناهم، فعتا في الأرض وسفك

стр. 8194

الدماء، وسبى الذرية، ونَهَبَ الأموال، واشتدَّ بلاؤه على المسلمين، وكان يقول لأعوانه وأجناده: من لم يتبعني فاقتلوه، وأسبوا أهله، وكان ابتداء أمره في أيام المعتمد، ثم قاتله جيش المعتضد، فقُتل في حدود سنة أربع وثمانين ومائتين (١). ثم قام بعده ابنه: [٢٠] يحيى بن قرمط (٢) وكنيته أبو القاسم، وبويع يوم قَتْلِ أبيه، وكان (يرى) قتل الأمة المحمدية كلها، وسار سيرة أبيه، وأصاب شكلها وكان هو وشياطينه المرَدَةُ في الأرض، وعقاربه الممددة في البلاد، إذا علوا على قرية قتلوا أهلها حتى البهائم كالحمير والقطط والكلاب، وحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال يؤدونه، وأي أمر جاءه منهم (٣) يعتمدونه، وكان يقول: لا أشير بيدي إلى ناحية إلا فُتِحَتْ، ولا تكر جنودي على صفقة بلاد إلا خسرت وربحت، فلما ولّى المكتفي خرج إليه في جنوده وعساكره فقتل رجاله، وفرق أحزابه أيدي سبأ، وأخذ اللعين أسيرًا وسيق إلى بغداد خاسئًا حسيرًا (٤). ثم قام بعده أخوه: [٢١] الحسين بن قرمط (٥) زكرويه وتلقب بالمهدي وتكنى بأبي علي، ثم تسمّى بأحمد بن عبد الله،

стр. 8195

وتكنى بأبي العباس، قاله الطبري (١) بويع بالخلافة بوصية أخيه يحيى، وكان شرًا منه، وكان يقول: أنا المدثر (٢) الذي في القرآن، وحاصر مدينة هجر (٣) أربع سنين إلى أن دخلها عنوة بالسيف وقتل منها ثلثمائة ألف، وعتى في الأرض، يقتل هو وأشياعه يمينًا وشمالًا وينكحون الأبكار، ويذبحون النساء والأطفال والشيوخ والبهائم، فقاتلهم المكتفي كرة أخرى، فقتلهم، وكسر مهديهم الضال، وأمسك جماعة من شيعة أهل الضلال. وأدخلهم بغداد مقرنين في الأصفاد والمهدي على فيل ليراه الناس، ثم قطع يديه ورجليه وضرب رقبته ورقاب أصحابه سنة إحدى وتسعين ومائتين. وفي ذلك يقول ابن المعتز يمدح المكتفي، ويذكر جميل فعله، يقول (٤): [من مجزوء الرمل] لا ورمان النهود … فوق أغصان القدود وعناقيد من أصدا … غٍ وورْدٍ من خدود وبور من وجوه … طالعات بالسعود (٥) ورسول جاء بالميـ … ـعاد من بعد الوعيد وبشير بوصال … قد نفى طول الصدود ما رأت عيني ظبي … زارني في يوم عيد في قباء فاختي اللـ … ـون من لبس الجدود كلما قاتل جندي … بسيف وعمود قتل الناس بعينين … وجفنين وجيد قد سقاني الراح من فيـ … ـه على غيظ الحسود وتعانقنا كأني … وهو في عقد شديد

стр. 8196

نقرع الثغر بثغر … طيّب عذب الورود مرحبًا بالملك القادم … بالجد السعيد يا مذل البغي يا قا … تل حيات الحقود عش وَدُمْ في ظل عـ … ز خالد باق جديدِ فلقد أصبح أعداؤك … كالزرع الحصيد ثم (قد) صاروا حديثًا … مثل عاد وثمود جاءهم بحر حديدٌ … تحت أعلام البنود فيه عقبان خيول … فوقها أُسْدٌ جنود (١) وردوا الحرب فهدوا … كلَّ خطي مديد وحسام شره الحد … إلى قطع الوريد فاحمد الله فإن الحمد … مفتاح المزيد ثم قام بعده ابنه: [٢٢] أحمد بن الحسين الملقب زكرويه ويكنى بأبي غانم قام بقرية يقال لها زابوقة (٢) من سواد الكوفة، وكان معلمًا

стр. 8197

للصبيان ودعى إلى نفسه، وبايعه خلق كبير، فسار بسيرة أبيه في العتو والاستكبار، ثم قُتِلَ (١) وحُمل رأسه إلى كِنداج (٢) عامل المكتفي سنة أربع وتسعين ومائتين ومن سخافاته وتمويهه وشعوذته وتشبيهه ماكتب (٣) به إلى بعض عماله: من عبد الله أحمد بن عبد الله حسين (٤) المهدي المنصور بالله الناصر لدين الله العالم (٥) بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله (المختار) (٦) من ولد رسول الله، أمير المسلمين، وإمام المؤمنين (٧)، ومُذِل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، ومبير الظالمين، وقاصم المعتدين ومهلك الملحدين، وقاتل القاسطين (٨). وسراج المتبصرين وضياء المستضيئين (٩) صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين، وسلم كثيرًا، إلى جعفر بن محمد (١٠) الكردي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على جدي رسول الله. أما بعد: فإنه نُمِي (١١) ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروا من الظلم والعنت (١٢)، فأعظمنا ذلك، وأردنا أن ننفذ لك ما هنالك (١٣) من جيوشنا من ينتقم الله (به) (١٤) من أعدائه الظالمين، الذين يسعون في الأرض فسادًا، وقد أنفذنا جماعة (١٥) من المؤمنين إلى مدينة حمص وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرها (١٦)، ونرجو أن يجزينا الله في أعداء الله على أفضل عوائده.

стр. 8198

عندنا في أمثالهم. فشدَّ قلبك وقلوبَ مَنْ مَعَكَ من أوليائنا. وبادر إلينا بأخبار الناحية كل حين (١) إن شاء الله، سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدّي رسول الله وشرف وكرم وحيا وسلّم (٢). ثم قام: [٢٣] الحسن بن بهرام الجنابي (٣) القرمطي أبو سعيد، ثار بمدينة الأحساء واستوطنها، وعتى وأفسد، وسفك الدماء، وخرب البلاد، وأباح قتل كل مَنْ خالف مَذْهَبَهُ، وكان ظهوره سنة ست وتسعين ومائتين وغَلَبَ على بلاد اليمن، وجُبَيت إليه الأموال، وكثرت جموعه، وعظمت جيوشه وأباح الزنا واللواط والخمر، وكان يتعشق غلامًا خصيًا، وهو الذي قتله سنة إحدى وثلثمائة، وكانت مدته ست سنين. ثم قام ابنه: [٢٤] سليمان (٤) بن الحسن بن بهرام الجنابي، القرمطي ويكنى بأبي طاهر، وكان أحد المفسدين في الأرض. وأسرع من المقراض في القرض بويع بالأحساء يوم موت أبيه، ثم جددت له البيعة سنة سبع عشرة وثلثمائة وكان أظلم وأغشم وأجور وأفسق ممن تقدمه، ولم يزل يطوي البلاد طيًا يقتل ويسبي وينهب إلى أن صار من بغداد على ستة أميال، فخافه أهلها ثم رحل فدخل الرحبة

стр. 8199

وغيرها من البلاد الفراتية سنة خمس عشرة وثلثمائة، ثم عاود ما وراءه من البلاد فدثرها وأخذ منها أموالًا عظيمة أوسق (١) منها مائتين من الإبل وأوقرها، ثم دَخَلَ مكة المعظمة سنة سبع عشرة وثلثمائة (٢)، فقتل في الحرم وجوانب مكة من الحاج وغيرهم زهاء ثلاثين الفًا، واستحرّ القتل في الشعاب وقنن الجبال وبطون الأودية والظواهر حتى قتل أكثر من مائة ألف وسبى النساء والصبيان، ورَدَم زمزم بجثث رؤس القتلى، وفرش المسجد بأجسادهم وأخلى جمعًا ومعرفًا ومكة حتى (كأن) لم يكن من الحجون إلى الصفا، وقف على باب الكعبة وأنشد: [من الرمل] أنا لله ولله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا وذلك يوم الأحد سابع ذي الحجة، ثم رحل عنها في المنتصف، وحمل معه الحجر الأسود، وقناديل الكعبة، وكانت من ذهب وفضة وقرن كبش الذبيح وكان مغشى بالذهب مكللا بالجوهر والياقوت، وميزاب الرحمة، وكان وزنه ثلاثة قناطير من الفضة والدرة اليتيمة، وكان وزنها أربعة عشر مثقالًا، وكانت في جوف الكعبة، ثم لم يرجع من ذلك كله شيء إلا الحجر الأسود، فإنه أعيد إلى مكانه على ما أشير إليه، وكانت إعادته في خامس ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وكانت مدة غيبته عن البيت الحرام عشرين سنة (٣). ثم توجه هذا القرمطي اللعين بجيوشه من مكة إلى البحرين، فنزل الإحساء، وما أبقى فيما أساء، ثم ابتلاه الله بداهية في جسده فتقطعت أعضاؤه، ومات في السابع والعشرين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة (٤) وهو ابن ثلاثين سنة. ثم قام بعده: [٢٥] الأعصم (٥)، وهو الحسن بن أبي منصور أحمد بن ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي ويكنى بأبي محمد وثار بالأحساء، وزحف لقتال المصريين وطردهم من المقام

стр. 8200

سنة ستين وثلثمائة (١)، فخرج إليه من مصر جعفر بن فلاح الكتامي (٢)، فالتقيا يوم الأربعاء الخامس من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة فقتل جعفر وكثير ممن معه، وملك الأعصم الشام كله إلا يافا ثم زَحَفَ إلى مصر، ونزل الحب (٣) غرة ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلثمائة فهلك من المصريين خلق كثير حتى أشرفوا على الهلاك، فغدرت العرب بالأعصم وأخذوا فساطيطه (٤)، فانهزم راجعًا إلى الاحساء، ثم عاد على أثره إلى الشام ولم يزل بها إلى أن وصل المعز من القيروان إلى القاهرة، يوم الأربعاء سادس رمضان سنة اثنين وستين وثلاثمئة، فخرج لحرب الأعصم بنفسه، فهزمه الهزيمة الشنعاء التي شرَّدهم بها عن المقام، وذلك يوم الخميس سادس شعبان سنة ثلاث وستين وثلثمائة، ومات الأعصم في طريق الاحساء في هذا الشهر، فحمل ودفن بالإحساء وحلّ بجهنّم وقيل له اخسأ. فهذه مشاهير الدول المنسوبة إلى الحسين بن علي ﵄، تشتمل على حملة النسب والدعي، والسقيم المائل والصحيح السوي، وبها ثم ما أشد (٥) من العصابة العلوية، وفد منهم على بني العباس لما تقتضيه الأولوية، فأما خلافة الاجماع والإمامة التي ختمت كالشمس، ومدت أطناب الشعاع فهي بعد خلافة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃، الدولة الأموية ثم الدولة العباسية، وما سواهما كالشذوذ، وكل عقد إلا لهما فهو في حقيقة الحال منبوذ. وأول ما نبدأ بذكر الدولة العباسية فإنها وإن كانت المعقبة لبني أمية والآتية بعدها على ما قد كان، فأبتدأ بالأقرب مخرجًا من النبعة النبوية والأدنى إلى مناسبها الزكية، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى دولها الشهيرة ثم نصلها بما وصل إلى مصر في

стр. 8201

أيام ملوك الأتراك، ونعلل (١) فيها دماؤهم حتى مات وقبر هناك ثم نذكر الدولة الأموية ونصلها بمن دخل الأندلس وكان بها حتى انكدر أفقهم وطمس، وهوى منهم الرفيع ودرس، إن في ذلك لعبرة، وإن فيه لما يجري للعبرة، وهي عوائد عوادي النوب، وأخمدت نار كسرى، ورَمَتْ تاج قصر قسرا، وأماتت أفراسياب على شاطئ النهر قهرا، أذلّت عزة بني عبد المدان، وحطت تخت تبع من رأس غمدان، وكان الأول في ذكر سكان الأرض أن نقدم في صدر الملة الإسلامية هذه الدولتين ونعزل مما أفاق لآل عبد مناف الذروتين، لأن أهل هاتين الدولتين من بني أمية ثم من بني العباس هم الخلفاء حقًا بعد الراشدين وصدقًا لولا كذب ادعاء المعاندين، وقد ذكرنا سكان الأرض، وهذا الاسم أصدق ما أطلق على الخلفاء لقوله ﷺ : «لا زال هذا الأمر في قريش ما بقي بينهم لسان» (٢) فهذا نص على أنهم ولاة أمر الناس، وجميعهم لهم أتباع، وإذا كان هذا الأمر لقريش، فلا بد أن يكون منهم واحد يجمع أمرهم، وهو الإمام، وما من البشر مطيعهم وعاصيهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا مأموم به، وإن كان منهم عصاة أو خالع لربقة الطاعة فإنه يلزمهم حكمه بشريعة الدين وعقيدة الإسلام، ولا يقدر يخالف في هذا أحد من المسلمين، ولا ينازع مؤمن إنه داخل في إمرة المؤمنين، فحينئذ الأئمة هم سكان الأرض وبقية من فيها ضميمة إليهم أو كالضميمة، وعلى هذا الرأي بينا هذه القسم من أوله وبينا كثيرًا من تفاصيله وجمله، فذكرنا ما نقل إلينا مما كان من بدء الخلق، ومَنْ كان في زمان كل من الأنبياء صلوات الله عليهم، والملوك المؤمنين والكفار، فإن قال قائل: فلم ذكرت الملوك قبل الاسلام مع وجود الأنبياء، ومن أولئك الملوك كفار، لا بل غالبهم ولم نذكرهم مع الخلفاء، والأنبياء أعلى درجة من الخلفاء وملوك الإسلام خير من ملوك الكفار؟ فالجواب: أن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة ولا تتعدى دعوته مكان بعثته، والأرض مملوءة بالملوك، ومنهم مَنْ لم يرسل في ذلك الوقت إليه ولا إلى قومه، فاحتجنا أن نذكر الملوك لهذا السبب، إذ كنا بصدد ذكر سكان الأرض، وليس في أولئك الأنبياء مَنْ له دعوة عامة، فإذا ذكر هو وخليفة اكتفى به عن سائر الناس، ونبينا ﷺ دعوته عامة، فإذا ذكر هو وخليفته اكتفى به عن سائر الناس، كما قال تعالى مخاطبا عنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ

стр. 8202

جميعًا﴾ (١) فلما كانت دعوته عامة كانت دعوة خلفائه عامة، فلهذا لم يبق مقتض لذكر أحد معهم، فإن قال: كيف تتكلم في سكان الأرض، وإنما أنت تتكلم في واحد منهم؟ فالجواب أنا لو أردنا ذكر الناس رجلًا رجلًا لأردنا ما ليس في الأمكان وإنما إذا ذكرنا الخلفاء نكون كأنا ذكرنا كل سكان الأرض، لأنهم نواب الله في أرضه، وخلفاء نبيه محمد ﷺ في أمته، وهو المبعوث إلى الأسود والأحمر، والقاصي والداني، وهم القومة بدينه، والدعاة بدعوته العامة، وجميع أهل الأرض ملزومون بها، من آمن منهم أو كفر، فلهذا أوجب إفرادهم بالذكر، وأُطلق على الجزء منهم اسم الكل وبالله التوفيق. وأما الملوك شكر الله عن الإسلام سعيهم، وبوّأهم المغفرة والرضوان، فإنه سيأتي ذكرهم في قسم التاريخ، وهو أمس بهم لأنه أكثر ما دار على ذكر أيامهم، ونوب الدهر بينه، وفيهم مَنْ جاهد في الله وقاتل في سبيله، وسهد جفونه في جهاد أعدائه، وأغَصَّ الكفر وأماتَهُ بدائه، وضارب حتى ملّت السيوف مضاربها، وكرهت الخيل الماء وعافت بالدماء مشاربها، وحامى عن ورائه وأمامه، وواصل طلائع راياته وآرائه، وأعملوا سيوفهم وأقلامهم في تمهيد البلاد، وتوطيد الملك، ناضلوا وناضروا وجالدوا وجادلوا وفعلوا ما قدرت عليه مكنة هممهم وظفرت به أيدي مطالبهم، وسيروا السرايا الإفاضة هذه الدعوة النبوية وإفاءة الأرض بظلال عصائبها المحمدية. وسنذكر من هذا مما نثبته في موضعه ونبينه في مواضعه، ونبيع زهره لمطالعه وزَهره بمطالعه، ونشرح به صدر رائيه وقارئه وسامعه، فأما ما ذكرنا من بني إسماعيل فإنما أردنا به في النسب الشريف النبوي زاده الله شرفًا اتصال سببه، وإيضاح كيف كان نور مظهره، ليعرف تقدم أيامه في النسب اللباب، وخروج درته اليتيمة من قرارة ذلك البحر العباب. * * *

стр. 8203

الدولة العباسية

стр. 8204

وَهَذِهِ: الدولة العباسية سقاها الله صوب رحمته، ولقاها نضرة نعمته، وأول ما نبدأ بذكر العباس (١) بن عبد المطلب: كان ﵀ بهيًا جميلًا، ورئيسًا في الجاهلية كريمًا مهيبًا، وكان لا يرفع مائدته حتى يأكل منها الطير والسِبَاع، وكانت له ثياب للعاري، ومائدة للجائع، وسوط للسفيه، وجاء الإسلام وهو على ذلك، وكان جهوري الصوت، ربما صاح بالأسد فتفطر مرارة في كبده، وصاح يومًا: واصباحاه، فأسقطت الحوامل، وفي الحديث: عم الرجل صنو أبيه، وكان أبو بكر وعمر ﵄ إذا رأياه نزلا له إلى الأرض، وسلّما عليه، واستسقى (٢) به عمر بن الخطاب ﵁، وكان أسَنَّ من رسول الله ﷺ بعامين، وقيل: مَنْ أكبر، أنت أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: أنا أسن وهو أكبر مني. وقال أكثم بن صيفي (٣): حَجَجْتُ سنة فرأيتُ بني عبد المطلب كأنهم بروج فضة، قلت: مَنْ هؤلاء؟ قيل: بنو عبد المطلب، فقلتُ: هؤلاء غرس الله لا غرس البشر. وكان أجل بنيه حبر هذه الأمة عبد الله (٤) بن العباس ﵄، وفي

стр. 8205

الحديث: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل (١)، والبيت في ولده علي (٢)، وسماه علي بن أبي طالب باسمه وكناه بكنيته، وكان يُدعى زين العابدين، وكان مجتهدًا في العبادة، وكان عبد الملكبن مروان يكرمه ويعظمه. ثم البيت في ولده محمد (٣) بن علي، وهو الذي أصار إليه ابن الحنفية الأمر (٤)، ثم ظهرت شيعة بني هاشم بخراسان، ووجه محمد بن علي مولى له اسمه سلام بن العاري (٥) وأمره أن يبثّ خبرهم هناك، ففعل حتى تحدث به الكبير والصغير، ولم يسم الإمام، ولا أين هو، وكان بالحميمة (٦) فتبع سلامًا كثير منهم، ثم مات سلام فلم يعرفوا أين الإمام، فأتوا جعفر الصادق (٧) فقال: أخطأتم المقصد، اقصدوا الحميمة، فيها شيخنا وابن عمنا، وهذا الأمر فيه وفي عقبه، فأتوه، فأكرمهم، وقال: أنا ضالتكم المنشودة، وبغيتكم المقصودة ثم تأملهم فلم يجد فيهم صفة أبي مسلم، فعلم أنه سيأتي، ثم بعث معهم أبا عكرمة بن (٨) زياد بن درهم داعيًا، ثم أتى أسد بن عبد الله القسري واليًا على خراسان (٩) لبني أمية، فقبض عليه وقتله (١٠)، وتتبعهم

стр. 8206

بالقتل والعقاب، وهم لا يزدادون إلا غلوًّا، وكتبوا إلى الإمام بمقتل أبي عكرمة فبعث مكانه كثير بن سعد، ثم أقدمه وبعث مكانه عمار بن داود (١)، فغير اسمه، فتسمى خداش بن زيد (٢)، فأخذه أسد القسري وقطع لسانه، وسجن سليمان بن كثير، فانفلت من السجن ولحق بالإمام (٣)، فبعث عليهم بكر بن وائل (٤)، ثم أخذه القسري في قوم من أصحابه وقررهم على الإمام، فلم يقروا، ثم قدم الإمام أبا سلمة الخلال واسمه حفص بن سليمان، ثم قدمت الشيعة وفيهم أبو مسلم، فلما رآه عرفه بصفته، وكان اسمه عبد الرحمن بن عثمان العجلي السراج، كان يعمل السروج وسنه يؤمئذ ثمانية عشر سنة فقال لهم الإمام هذا سيدكم، والقائم مقامي فيكم (٥)، ثم استخلف ابنه إبراهيم (٦) وأوصاه بأخويه أبي العباس وأبي جعفر وأخبره أنه ميت (٧)، وإن إبراهيم يموت بعده، وان علامة القائم مع أبي مسلم، ثم خلا به وعرفه بما يكون، فما استقر بهم القرار بخراسان حتى بلغهم موت الإمام يقال أن هشامًا (٨) أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات، فأقاموا العزاء فصبرهم أبو مسلم وجمع مالًا عظيمًا، وطرفًا جليلة وقدم بها على الإمام إبراهيم بن محمد، فقرّر أمره، ثم عاد، وعزل أسد بن عبد الله القسري وولي نصر بن سيار (٩)، فوقع إليه كتاب من أبي مسلم

стр. 8207

إلى الإمام، فبعث به مع حامله إلى مروان فاستصلح مروان حامل الكتاب، وأمره بأن يذهب به إلى الإمام إبراهيم، ثم يأتيه بجوابه، فأتاه بجوابه إلى أبي مسلم ويحثه فيه على الحرب والأخذ بالجد. ثم كتب فيه: [من الرجز] دونك أمرًا قد بدت أشراطه إن السبيل واضح سراطه (١) لم يبق إلا السيف واختراطه فبعث مروان مَنْ أتاه به فحبسه في محراب، وبقي مسجونًا سنتين، ثم لما أيقن مروان بزوال أمره قتله نحو قتلة أبيه (٢) سنة ثلاثين ومائة، ثم لما سمع أبو مسلم بحبس الإمام جمع شيعته وخطبهم وقال: لا خفاء بعد اليوم، فعقد اللواء المسمّى بالسحاب، وكان أسود مكتوبًا عليه بالذهب: اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، وكان الإمام محمد بن علي أعطاه له وجند الجنود، وأظهر الدعوة، ولبس السواد هو وشيعته، ثم ظهر بمرو في يوم عيد، وصلّى بالناس، وخطب ولعن بني أمية، ودعا لعلي ﵁ ودعا لبني العباس، وكانت أو خطبة أقيمت له، ثم وجه قحطبة بن شبيب، وبثَّ جنوده في البلاد، ثم جهز نصر بن سيار جيشًا إلى أبي مسلم وكتب إلى مروان كتبًا آخرها قال فيه (٣): [من الوافر] أرى خَلَلَ الرماد وميضَ جَمْر ويوشك (٤) أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تُذكى … وإنَّ الحرب أولها الكلام فإن لم يُطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثت وهام أقول من التعجب ليت شعري (٥) … أأيقاظ أمية أم ينام

стр. 8208

فإن لم يطفئوها تجن حربًا (١) … مشمرَّةً بشيب لها الغلام فلم يفد هذا بني أمية تيقظا، ولا هاج لهم حفيظة ولا تحفظًا، ثم إن أبا مسلم جهز مالكًا الخزاعي (٢) للقاء نصر بن سيار فسار في عدة قليلة والنصر يقدمه والسعود تخدمه، فالتقوا قريب سمرقند فما كان إلا أن تراءى الجمعان فولى جيش ابن سيار الأدبار (وقتل) (٣) قتلًا ذريعًا، وأخذ قائد الجيش أسيرًا، وحمل إلى الخزاعي فحمله إلى أبي مسلم، فمنَّ عليه وأعاده إلى ابن سيار مكرمًا، فجعل يتحدث بمحاسن أبي مسلم، فمال إليه أكثر الناس ثم خرج على ابن سيار رجل بكرمان (٤)، وكان سببًا لتمام أمر (أبي) (٥) مسلم، لأنه اشتغل به عنه، فكتب يستمد مروان، فكتب إليه أن حاجتنا بأهل الشام فاكتفي بمن عندك، فأيقن نصر بالخذلان، وقال: ذهبت والله خراسان وسيذهب مروان، ثم خرج أبو مسلم إلى مرو لقتال ابن سيار حتى إذا قاربها فتح خزائنه وفرّق أمواله على رجاله تفريقًا خرق به عادته، فسمع بذلك جند ابن سيار فتساقطوا عليه تساقط الفراش، وتسارعوا إليه لطلب المعاش، فأعطاهم مثل ما أعطى رجاله، وبسط يده بالإعطاء، واستدعى بكرمه حتى حركات البطاء، ثم قدم عليه ابن الكرماني (٦) وكان نصر قد قتل أباه، ثم إنه (٧) كان مختصا به اختصاص الكف بالبنان والنطق باللسان، فضاقت بنصر الأرض بما رحبت وجَزَم بأن طائفته غُلِبتْ، وقدَّم أبو مسلم ابن الكرماني وأمره بمحاربة ابن سيار لأخذ ثأر أبيه، فحاربه محاربة مات معها نصر النصر، ثم جاء أبو مسلم فدخل مرو على حين غفلة، وأخذ البيعة على أهلها، ورتب وظائف الملك، وأما ابن سيار فإنه فرّ إلى الجبال

стр. 8209

واستوطنها، ثم أن أبا مسلم قتل ابن الكرماني (١)، وجهز قحطبة (٢) لقتال نصر، فأخرج عامله من طوس (٣)، وقتل مقاتلتها، ثم طلب ابن سيار فاخرج له ابنه تميمًا في جيش عظيم، فلما رآه جزع، فلما تلاقت الجيوش قتل وخرج ابن سيار هاربًا إلى قومس، ثم إلى جرجان، ولقاه قحطبة فهزمه وهرب ابن سيار إلى الري، واتبعه قحطبة بن الحسن (٤)، فكتب ابن سيار إلى مروان: [من السريع] كنّا نرجّيها وقد مُزّقت … فاتّسع الخرق على الراقع (٥) كالثوب إذ أنهج فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع ثم مات ابن سيار بعد كتابه هذا بيومين (٦)، وتفرق أصحابه ودخل الحسن بن قحطبة الري، فخرج إليه ابن هبيرة، وكان على العراق (٧). هذا ما كان من هؤلاء. وأما ما كان من بني العباس، فإنهم لما أمسك الإمام فروا إلى أحياء العرب (٨) فمرّوا بماء لهم متجسّسين. فإذا هما بامرأتين مقبلتين فوقفتا عليهم وقالتا: ما رأينا أكرم ولا أصبح من خليفة وأمير، فانتهرهما عبد الله بن علي فقالتا: ولا وأبيكم، إن هذا لخليفة، وأشارتا إلى السفاح، وهذا الأمير وأشارتا إلى المنصور، فانتهروهما وساروا إلى الكوفة، فلقيهما داود (٩) بن علي وابنه موسى، وهما متفرقان في موال

стр. 8210

لهما من العراق إلى الحميمة، فأخبروه إنهم يريدون الكوفة للوثوب عليها، فقال داود: فكيف بمروان بن محمد في جنوده مطل على العرق، ولشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة عامل العراق، فقال له: يا عم من أراد الحياة ذل. فقال داود لموسى: يا بني صدق ابن عمك ارجع بنا معه، فانصرفا معهم فلما أتوا الكوفة سألوا عن أبي سلمة وأتوه، فأخلى لهم دارًا وأنزلهم فيها في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وأجرى عليهم الأرزاق، ومنعهم من التصرف، فكانوا إذا أرادوا الظهور منعهم وقال لهم: إن ابن هبيرة قريب منا، وأمير المؤمنين واصل إلينا (١) مكرًا بهم لميله إلى الطالبيين. وأما أبو مسلم فإنه بعث أبا النجم (٢) إلى الكوفة ليتعرف له خبر السفاح فأتاها وأتى أبا سلمة عنه، فأنكره لَيُدبّر في صرف الأمر إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن، فتوسل أبو النجم (٣) إلى السفاح، وأعلمه أن أبا مسلم كتب إلى ابن قحطبة أن يسير إلى الكوفة ويسأل عن الصغير من ولد الإمام محمد الذي اسمه عبد الله وكنيته أبو العباس، فإذا وجده يبايع له بالخلافة فهو الإمام أحب أبو سلمة أو كره، فجهزه السفاح إلى ابن قحطبة، فسارع في خمسة آلاف فدخل الكوفة ليلًا، وأتى الدار: فقال: أيكم أبو العباس؟ فقالوا: كلنا ابو العباس وكان كل واحد منهم طامع فيها لنفسه فقال: أيكم (٤) بنو محمد بن علي فيئس منها جميعهم، وطمع فيها بنوه الثلاث: السفاح والمنصور ويحيى، فقالوا: نحن فقال: من منكم عبد الله، فيئس يحيى وطمع الاثنان فقالا: كلانا عبد الله، فقال أيكما ابن الحارثية؟ فيئس منها المنصور، وقال: هذا ابن الحارثية، وأشار إلى أخيه. فقال له: اكشف لي عن ظهرك حتى أرى العلامة التي فيه، فكشف له عن ظهره، فرآها وقبلها، ثم قال له: امدد يدك

стр. 8211

أبايعك، فمد يده فبايعه إخوته وأهل بيته ورجاله، ثم ألبسه السواد وأركبه فرسًا أشْهَب، وأركب أهله الخيل متلثمين بالسلاح، ثم أتى به المنبر يوم الجمعة، فمنع الخطيب الصعود، وصعد أبو العباس السفاح ومعه عمه داود دونه بدرجة، فلما أراد السفاح الكلام ارتج عليه (١)، فخطب عمه داود خطبة بليغة، ثم أخذ الناس بالمبايعة وأهله حوله بالسيوف مسلولة بأيديهم، ثم أقام ثلاثة ايام، وخرج في جيش عظيم فنزل الهاشمية ثم فرق جيشه، فأرسل أخاه أبا جعفر مع الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، ووجه موسى بن عيسى إلى المدائن مع حميد بن قحطبة، واستخلف عمه داود على الكوفة. وأما ما كان من مروان، إنه لما أتاه الخبر خرج من حران (٢) فنزل منزلًا سأل: ما اسمه؟ فقالوا: بلوى، فتطير منه فقال: بل بشرى (٣) ثم سار حتى أتى الموصل، فأتى السفاح الخبر فجمع أهله، وقال: مَنْ يلقى مروان دوني، فقال له عمه عبد الله بن علي: أنا له كفؤ، فقال له: صدقت وبذلك أخبر الإمام إبراهيم، فعقد له لواء أسود وألبسه السواد، وأنْهَدَهُ إليه، ثم انشد السفاح مرتجلًا (٤): يا آل مروان أن الله مهلككم … ومبدلًا منكم خوفًا وتشريدا لا عمر الله من أنسابكم أحدًا … وبتكم في بلاد الله تطريدا ودفعها إلى رجل حصيف، وقال له: تحيل في إنشادهما في عسكر مروان حيث لا يعلمون كأنك هاتف، وسار عبد الله بن علي، وجرت بينهم حروب (٥) ثم إن ذاك الرجل الذي حمله السفاح البيتين تحيل في سرب (٦) احتفره حتى نفذه إلى قرار شجرة في معكسر مروان، واتخذ منها حروفًا خفية تخرج الصوت، ثم قام بهما ليلا ينشدهما، وظنوه هاتفًا هتف بهم، فتفللت عروتهم، وكان ذلك في تقدير الله سبب الهزيمة.

стр. 8212

ويقال: أن مروان لما رأى المسودة خارَتْ عزائمه، فقال له كاتبه عبد الحميد ابن يحيى (١): ما هذا الذي أراه منك؟ أطربت (٢) للقاء، أم جزعت من الموت؟ فقال له: والله لوودت أني في قلتهم ويكون لي سعدهم، وما يغني هذا العسكر العظيم مع الإدبار، ولئن قاتلونا بعد الزوال فهي لنا، وإن قاتلونا قبل الزوال فهي لهم (٣)، فناجزهم عبد الله بن علي القتال، وكانت له، وانهزم مروان إلى الجسر، فغرق أكثر من معه، وانهزم مروان فعقد عبد الله بن علي على الجسر وعبر النهر، وهو يقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٤) ثم أتى مضارب مروان فنزلها واستولى على ما فيها ثم كتب إلى السفاح بالخبر، وكتب فيه (٥): [من البسيط] لَجَّ الفِرَارُ بمروان فقلتُ لهم … عادَ الظَّلومُ ظليمًا همهُ الهَرَبُ (٦) أين الفرار وترك الملكِ إذ ذهبت … بك الهوينا فلا دينٌ ولا حَسَبُ شبيه فرعون في ظُلْمٍ وفي غَرَقِ (٧) وفي بذائة كلب ما (به) كلب ثم سار يريده، وما مر ببلد إلا وأطاعه، وأتى دمشق، فخرج إليه عاملها الوليد بن معاوية بن عبد الملك (٨) في وجوه أهلها فبايعوه، وامتنع من كان بها من بني أمية، فقاتلهم ودخلها بالسيف، واعتقل الوليد بن معاوية، ومَنْ كان خرج معه من بني أمية، وقتل العصاة وصلبهم، ثم سار في طلب مروان وما مر ببلد إلا وفتحه حتى أدركه ببوصير قوريدس من صعيد مصر، فبينا هو نازل إذا بالمسودة قد غشيته، فسير مروان (مَنْ) يقول لعبد الله: الله الله في حرمي، فقال: قل له: لنا الحق في دمك وعلينا في حرمك، وكان مروان إذ ذاك في جند كثيف فأسلموه وفروا، فقاتل فيمن

стр. 8213

بقي معه حتى قتل، وخرج من سرادق مروان شيخ مُسِنٌ (١)، فقال: أيكم الأمير، فأرشد إليه، فأتى بهم موضعًا في الرمل بعيدًا من القرية، فأحفروه فأخرجوا منه القضيب والبردة والقعب والمخضب واحتز رأس مروان وجهز به، وبما كان دفنه إلى السفاح، ثم أحسنَتْ حياطة أهله وحرمه، فلما أتى السفاح رأس مروان سَجَدَ شكرًا، ثم أنشأ يقول: [من الطويل] تناولت ثاري من أمية عنوة … وحزتُ تراتي اليوم عن سلفي قسرا وألقيت ذلًا عن مفارق هامهم … وألبستها عزًّا ولم آلها فخرا فهذه جملة جميلة من أخبار هذه الدولة حتى قامت، وهذا ذكر خلفاء هذه الدولة واحدًا واحدًا إلا إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن المعتز فإني لا أذكرهما إلا في أخبار المأمون والمقتدر، إذ كان وثوبهما في ذينك الخليفتين، وأولها: [١] دولة السفاح أبي العباس، عبد الله (٢) بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو أول من تلقى منهم بصدره الباس، ولبس الشعار العباسي، فزرر ليله على قمره وعقد ظفائر أعلامه السود على فرسان عسكره، وكشف كما ذكرنا قناعه بمجاهرته لبني أمية، وثار وقد توقدت به الحمية، وخرج فيمن قل من عمومته وأهله في شفق نهار، والشمس قد فتحت في ساعة الأصيل وردتها في خده الأسيل، وسار حتى أتى الكوفة، وصعد منبرها، وأرتج عليه فخطب عمه داود وهو واقف دونه بدرجة خطبة بليغة اقتضبها بديها، ثم وافت عساكر أبي مسلم الخراساني تنسف رمل الأرض جيادها، ويخطف بصر البرق ومض حدادها، وصرّح الشر فأمسى

стр. 8214

وهو عريان (١)، وأصبح ومُقَلُ أَسِنَّتِهِ ترمُقُ وجه العدو وهو خزيان (٢)، ثم كانت وقعة الزاب، وغُلِبَ الشيطان وانهزمت تلك الأحزاب وولى عسكر الشام وقد تفلّل مضاؤه، وتغلغل جمعُه وضوضاؤه، وحاق بمروان بن محمد مكره وحار فكره، ورأى الأرض أضيق عليه من مفحص قطاه، وأقصر من مدى خُطاه، وأدرك كما ذكرنا مروان بيوصير واستقر به فيها المصير، ثم لم تُحوجه الأقدار بعدها إلى تجهيز جيش ولا استعمال أناة ولا طيش، وكان السفاح يسفح نوالًا، ويرى ألا يرد سؤالًا، مع ما كان فيه من وفاء جرى سبوقًا، وشَمَخَ غُضّه الرطيب سموقًا، مع مكارم أخلاق فاقت أشباهها، وراقت أمواهها، فما شاءه طلب بلوغا، ولا لاواه نزوغا، ولا بدأ بأمر إلا وأتمه فروغا، ولا أهمه مهم إلا وعاجل نجمه بزوغًا، وقد كانت ملوك بني أمية ترى أنه سيكون الأمر في رجل من بني العباس أُمُّه من بنات الحارث بن عبد المدان. فكانت تمنعهم من الزواج إليهم حتى كان عمر بن عبد العزيز، فأستأذنه علي (٣) بن عبد الله في التزوج بريطة، فقال له: تزوّج بمن شئت، فأولدها أبا العباس السفاح. وحكى ابن ظفر: أن أبا سلمة الخلال وسلمان بن كثير كانا يفدان في كل عام على إبراهيم الإمام فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم، ويستأمرانه، ولم يكن أحد من أهل بيته يعرفهما، ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه، فقدما سنة من السنين، فرأيا أبا العباس وأبا جعفر أَخَوَيْ إبراهيم الإمام، وهما إذ ذاك غلامان، فأعجباهما، فقال سلمان بن كثير لأبي سلمة: إِنِّي مُسرٌّ إليك أمرًا مهمًا فاحلف لي على كتمانه فحلف له أبو سلمة بأيمان رضيها، فقال له سلمان بن كثير: إني أرى عند هذين الصبيين من إمارات الاستقلال مالا كفاءَ لَهُ. فقال له أبو سلمة: هما والله أولى بالأمر من صاحبنا يعني إبراهيم الإمام، فقال له سليمان: ما منعني من ذكر هذا إلا

стр. 8215

التقية والتستر، وبينا هما يتفاوضان في هذا مرَّ أبو العباس وأبو جعفر وهما يضربان كرة (١)، فدعاهما أو سلمة فأتياه، فقال لهما: إني أنشدت صاحبي شعرًا أنا به معجب، فلم يرْضَهُ وقد رضينا بحكمكما فيه، فقالا: أنشده، فأنشدهما: [من الطويل] أمُسْلِمَ فاسمع يا أبن كل خليفة … ويا فارس الهيجا ويا جَبَلَ الأرضِ (٢) شكرتك إن الشكر حبل من التقى … وما كلّ من أوليته نعمة يقضي ونوهت من ذكري وما كان خاملًا … ولكن بعض الذكر أنبه من بعض فقال له أبو جعفر: من يقول هذا؟ قال: يقولُه أبو نخيلة (٣)، قال: فعض أبو جعفر على أصبعه وقال: أأمنَ هذا العبد أن تدول لبني هاشم دولة فيولغوا الكلاب دَمَهُ، فقال له أبو العباس: مه يا أخي، فإنه كان يقال: مَنْ أَظْهَر غَضَبَهُ ضَعُفَ كيده، ثم أقبل أبو العباس على أبي سلمة فقال له: هذا شعر أحمق في أحمق، كيف يقول الرجل هو في سلطان غيره وتابع له يا جَبَل الأرض، وجبل الأرض مُرْسِها وممسكها، فلا يصح أن يقال هذا لمن هو في سلطان غيره، وتابع له، وأَيْنَ يقع تعظيمه وتفخيمه من نقص اسمه، وانطلق أبو العباس فقال له أبو جعفر: هَلُمَّ يا أخي نلعب، فقال أبو العباس: هل أولغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ فقال: لا ولكنك أدبتني فتأدبت، وذهبا، فقال أبو سلمة لسليمان: بمثل هذين يُطلب الملك، ويُدرك الثار، وما زالا بإبراهيم الإمام حتى عهد إلى أبي العباس، ويقال: أنه وعدهما أن يعهد إليه ولم يفعل حتى قبض عليه مروان، فأمضى العهد لأبي العباس. قال: ثم إن أبا نخيلة وَفَدَ على أبي العباس السفاح عندما أفضَتْ الخلافة إليه، فلما مثل بين يديه إستأذَنَهُ في الإنشاد، فقال: من أنت: قال: عَبْدُك وشاعرك أبو نخيلة، فقال أبو العباس، لا قرب الله من أبعد نوي ولعنه، ألست القائل: (٤)

стр. 8216

أمسلم فاسمع يا ابن كل خليفة … .......................... وأنشده الأبيات. فقال أبو نخيلة: نعم يا أمير المؤمنين، وأنا الذي أقول: [من الرجز] كنا أناسًا نرهب الأملاكا (١) ونركب الأعجاز والأوراكا (٢) من كل شيء ما خلا الإشراكا وكلما قَدْ قُلْتُ في سواكا زور فقد كفرّ هذا ذاكا إنا انتظرنا زَمِنًا أباكا ثم انتظرنا بعده أخاكا ثم انتظرنا لها إياكا فكنت أنت للرجاء ذاكا فعفى عنه أبو العباس السفاح ووصله. وعن أبي سعيد بن سالم البابلي، قال: حدثني من حضر مجلس السفاح، وهو أحفل ما يكون بوجوه قريش وبني هاشم والشيعة وأعيان الناس، فدخل عبد الله بن حسن (٣) وهو بين يديه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف، قال: فاشفق من أن يعجل السفاح بشيء إليه، فلا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم، أو يعيا بجوابه فيكون ذلك نقصًا له وعارًا عليه، فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا مزعج وقال له: إن جدك عليًا (٤) ﵇ وكان خيرًا مني وأعدل ولى هذا الأمر (فما) (٥) أعطى جديك الحسن والحسين (٦)، وكانا خيرًا منك شيئًا (٧) وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فَعَلْتَ فقد أنصفتك، فإذا كنت

стр. 8217

زدتك فما هذا جزائي منك فما ردَّ عبد الله عليه جوابًا وانصرف والناس يعجبون من حسن جوابه. وذكر الغرناطي قال: كان السفاح أبيض (١) طويلًا جميلًا، معبل (٢) الجسم أقنى الأنف، أكحل العينين، كث اللحية مستديرها، سريع الغضب قريب الرضا، كثير الجود، سديد الرأي، وصولًا للرحم، شجاعًا تقصى في قتل بني أمية، قتل منهم ومن أتباعهم أربعين ألفًا، وأما جملة من قتل أبو مسلم فألف ألف وستمائة ألف، وأخذ السفاح نفسه بمحو (٣) آثار بني أمية، وهدم ديارهم، ونبش عبد الله بن علي قبورهم إلا قبر عمر بن عبد العزيز، وكان السفاح يقول: ما أبالي بالموت متى طرقني وقد نلت أملي في بني أمية أخرقتُ هشامًا بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي الإمام إبراهيم، ثم ينشد (٤): [من البسيط] لو يشربون دمي لم يرو شاربهم … ولا دماؤهم للغيظ ترويني وأنشد قول جده العباس بن عبد المطلب: [من الطويل] أبى قومنا أن ينصفونا (فأنصفت) … قواطع في أيماننا تقطر الدما (٥) إذا خالطت هام الرجال تركتها … كبيض نعام في الوغى قد تحطما وأمر يومًا بجميع من بقي من بني أمية، فجمعوا وفيهم عمر بن عبد الملك بن مروان (٦)، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، فغاض ذلك أبا مسلم، فأمر سديفًا (٧) فأنشده شعرًا منه: [من الخفيف] لا يغرنك ما ترى من رجال … إن تحت الضلوع داء دويا (٨)

стр. 8218

فضع السيف وارفع السوط (١) حتى … لا ترى فوق ظهرها أمويا فتنفّس السفاح الصعداء، ثم التفت إلى عمر بن عبد الملك وقال له: كيف رأيت هذا الشاعر، فانطقه الحين، فقال: شاعرنا أشعر من حيث قال فينا: [من البسيط] شمس العداوة حتى يُسْتقاد لَهُمْ … وأرجح الناس أحلامًا إذا قدروا فغضب السفاح وكل مَنْ حَضَرَه من أهل بيته، وقالوا: تحدثهم أنفسهم بالأمر فألقى السفاح قلنسوة الأموي، وأمر العبيد فوضعوا فيهم السيوف وقتلوهم عن آخرهم، ثم التفت إلى عمر وقال له: ما أظن الأمير يحبّ البقاء بعدهم، فقال: لا فأمر بإقامته، فأقيم وضربت عنقه، وجروا بأرجلهم حتى القوافي رحبة القصر وعليهم سراويلات الوشي. ثم إن سليمان بن هشام قدم على السفاح، وكان قد فر منه إلى السند فأكرمه وأعْظَمَهُ وقربه منه، وصيَّره في جلسائه لظرفه وعقله وآدابه وفصاحته ودماثة خلقة، فحسده أبو مسلم (٢)، فأمر سديفًا فأنشده: [من الخفيف] أظمأتنا أمية حتى … ماغبطنا مسوّغًا للحياة كيف بالعفو عنهم وقديمًا … قتلونا بالضرب والمثلات أين زيد وأين يحيى بن زيد … يالها من مصيبة وترات والإمام الذي أصيب بحران … إمام التقى ورأس الهداة لا تزال الصدور آلمةً … ما لم تَنَل من أمية الثارات فتنفّس السفاح الصعداء، ثم أمر سليمان وابنيه فقتلوا، ثم إن شاعرًا أمن بني أمية صنع هذه الأبيات ولطف في إيصالها إليه وهي (٣): [من الرمل] ولقد أبْصَرْتُ لو ينقضي عبرًا … والدهر يأتي بالعَجَبْ أَيْنَ رَوْقا (٤) عبد شمس أين هم … أين أهل الباع منهم والحَسب كل سام الجدّ محمود الجدا … واضح الغرة بدر منتخب

стр. 8219

لم يكن أيدٍ لهم (١) عندكم … ما فعلتم يالعبد المطلب إن تجذوا الأصل منهم سَفَهًا … يالقومي للزمان المنقلب إنَّ هذا الدهر لا بد له … بخيار الناس يومًا ينقلب فغض السفاح من فعله، وألان جانبه، وفل غرب سطوته. ومولده سنة خمس ومائة، وتوفي بالجدري سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره إحدى وثلاثون سنة (٢)، ومدته أربع سنين وتسع شهور وأيام، وقبره بالأنبار. ثم: [٢] دولة المنصور: أخيه أبي جعفر عبد الله بن محمد وكان منصور اللواء مقصور الرأي على دفع اللأواء، لا ينثني عوده بالالتواء، ولا يستحوذ عليه بالاحتواء، لا يملُّ طول الثواء، ولا يلم برده على تأخير الدواء، لا تزعجه تظافر الأشياء والأسواء، ولا تردعه تغاير الأهواء، أوقع على مقاصده من مواطن الأنواء، وأبْصَر بمصالحه من نواظر الصحة عداوة الأدواء، لا يفكر في عباد يهلكها لبلاد يملكها، ولا يستأثر بدماء يسفحها لنعماء يمنحها، حتى توطدت قواعد ملكه وتوطَّنَتْ فرائد الأقاليم في سلكه، فما أعجزه مرام، ولا أعجزه حافز أمرٍ على تمام، ولم يكن في بيته أقوى منه شكيمة، ولا أورى زناد عزيمة، ولا أغزر علمًا، ولا أوفر حلمًا، إلا أنه كان مُبَخَلًا لا يرشح له صلد بندى، ولا يفيض له بحر بجدا، ونَجَمَتْ في مدته خوارج فرماها بغوائله، وما رآها حتى شفى منها صدور مناهله، فاستقام له غَوْيُّها، ودَخَلَ في ذمام طاعته عصيها، ومن نأت عليه أنْهَد إليها جيوشه، فأوطئها أحداثًا، وأوطنها أجداثًا، ثم بعث إلى الأطراف فسد ثغورها وشد شعورها، بنى المدن ومدنها، وسجن المعاقل وحَصَّنها، وكان لا يطمع في اهتبال غرته، وإخلال سيرته، فما لانت حصاته لما صنع ولا هانت حصانته على زائغ، فلم

стр. 8220

يتخلّص من قبضته نازغ، ولا قصده إلا من عاد بقلب ملآن فارغ، ودام الملك في بنيه تتوارثه، وينتقل إليهم عنه موارثه، وها هم إلى اليوم، في بقايا نعمه التي أحرزها، وذخائره، وهي الخلافة التي في بيته كنزها، وهو داهية القوم، وقلبته الأحوال أكثر من كل بني أبيه، واضطر في دولة بني أمية إلى أنه قصد شيعتهم بالعراق فمر في طريقه بقصر خالد بن عبد الله القسري (١)، فلما رآه خالد ولم يكن يعرفه طالبه وسأله عن نَسَبِهِ وأين يريد، فأخفى نَسَبَهُ وقال: اني أريد العراق لدين علي، وحقوق لزمتني، فأمر له بمال جليل وأعاده، فراعاه له أبو جعفر، فلما أفْضَتْ إليه الخلافة فرد على آل جعفر (٢) نعمتهم. وألجأته الضرورة إلى أنه تزوج امرأة من الأزد وأكرى نفسه مع الملاحين يمد في الحبل، وأولد تلك الامرأة ولدًاكتب في دولة أبي جعفر عند أبي أيوب المورياني (٣) وهو لا يدري ولا الصبي أنه ابن أبي جعفر، فرآه أبو جعفر فهفت إليه نوازعُه، فسأله عن أبيه، فقال: رجل شريف تزوج بأمي، فسأله عن أُمِّه وأهله ومكانه، فعرفه، وعرفه أنه ابنه، ثم أمره بحمل أمه وأهْلَهُ إليه، فلما سافر لهذا بعث أبو أيوب مَنْ تتبعه وقتله غيلةً خوفًا منه لما كان اطلع عليه من معايبه. وأمسك أبو جعفر المنصور في آخر سلطان بني أمية بسبب مال (٤)، وضربه عامل البصرة بالسياط، وكان أبو أيوب المورياني يكتب لعامل البصرة، فقام وأكب على أبي جعفر وخَلَّصَهُ، وكان أبو جعفر يرعى له هذا الود، ثم كان منه ما كان إليه على

стр. 8221

ما يأتي في موضعه. ولما مات السفاح، خرج عليه عبد الله بن علي (١) بالشام وكان عليه من قبل السفاح، وقال: إنَّ السفاح عهد قبل موته الأمر لقاتل مروان وأنا قاتله، فقالوا: صدقت، وبايعوه، فبعث إليه المنصور أبا مسلم، فالتقوا ببلاد نصيبين، وكانت بينهم حروب عظيمة دامت شهورًا، ثم انهزم أصحاب عبد الله بن علي إلى البصرة (٢)، وكان عليها أخوه سليمان بن علي، فأنزله وأخبر المنصور، فأمره بحبسه، ثم كان آخر العهد به، ثم إن أبا مسلم شمخ بنفسه، فأرسل إليه المنصور يقطين بن موسى (٣) ليقبض ما أصاب، فردّه ردًّا قبيحًا، ثم سار أبو مسلم من الجزيرة، وقد أزمع على الخلاف، وبلغ الخبر المنصور وهو بالمدائن، فاغتم لذلك، وسار إلى مدينة رومية وكتب إليه: إني أريد أن أشاورك في أمر لا استطيع أن أكتبه فأُتِني مُسْرِعًا، فلم يلتفت إلى الكتاب، فَدَسَ عليه صاحبًا له (٤)، فأتى به، فقتله على الصورة المعروفة، ولما قتله التَفَتَ إليه ثم قال: يرحمك الله أبا مسلم بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووافيتنا ووفينا لك، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه فخرجت علينا فقتلناك. وحكي: إن أبا مسلم كان يجد في خبره في الكتب السابقة وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلد الروم، وهي من المدائن من العراق، ولما ضربه المنصور أوّل ضربة وقال له: استبقني يا أمير المؤمنين لأعدائك، فقال: لا أبقاني الله إن أبقيتك، وأي عدو أعدا لي منك. وكان مقتله سنة سبع وثلاثين ومائة، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة. ذكره الغرناطي، ولما رآه المنصور طريحًا بين يديه قال (٥):

стр. 8222

[من السريع] زَعَمْتَ أَنَّ الدِّينَ لَا يُقْتَضَى … فاستوف بالكيل أبا مُجْرِمِ واشرب (١) بكأس كنت تسقي بها … أَمَرُّ في الحلق من العلقم فاضطرب أصحاب أبي مسلم، فنثرت عليهم الأموال، وأعلموا بقتله، فأمسكوا رغبةً ورهبة، ومضى أبو مسلم لسبيله، ولم يُغْنِ عنه كثيره قبيله، ولا توقظ بَصَر كان يسري بقنديله، ولا نجاه بعد غَوْرٍ كانت السفن تفرق في ضحضاحه، وتدلج ولا تظفر بصباحه، فلم ينفع بحذار، ولم يدفع بحذر لمقدار. وحكت سلامة (٢) أم منصور قالت: رأيت حين حملت به أسدًا خرج من قبلي، فأقعى وزار، وضرب الأرض بذنبه، فاجتمعت عليه الأسود وكان كلما جاءه أسَدٌ سجد له. وكان المنصور فقيهًا عالمًا حافظًا، قال مالك بن أنس (٣): ما اجتمعت قط بأبي جعفر المنصور إلا احتقرت نفسي. وأدعت الرواندية (٤) فيه الألوهية، وخرج لدفعهم فأرادوا قتله وقالوا: نريد أن تخرج الجزء الإلهي من هذا الناسوت، فخافهم، فاختط مدينة بغداد، وانتقل من الهاشمية إليها، وقد تقدم ذكر بغداد في موضعه من تقسيم الأقاليم. وكان أبو حنيفة ممن على عملها. وعن عمير المديني، قال: قدم علينا المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه، وأنا كاتبه، فاستعدى الحمالون عليه في شيء ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم وإنصافهم، فقلت: تَعْفيني من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب فكتبت ثم ختمته، فقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به

стр. 8223

إلى الربيع (١)، وجعلت إليه اعتذر، فقال: لا عليك، فدخل عليه بالكتاب، ثم خرج الربيع فقال للناس: أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دُعِيتُ إلى مجلس الحكم، فلا أَعْلَمَنَّ أحدًا قام إلى إذا خرجت أو بدأني بالسلام، ثم خرج، والمسيب بين يديه والربيع وأنا خَلْفَه، فسلّم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر، فسلم ثم الْتَفَتَ إلى الربيع وقال: يا ربيع، ويحك أخشى إن رآني ابن عمران أن يدخل قلبه لي هيبة فيتحوّل عن مجلسه، وتا الله إن فعل لا ولي لي ولاية أبدًا، فلما رآه وكان متكئًا، أطلق رداءه عن عاتقه ثم احتبى به، ودعا بالخصوم والحمالين، ثم دعا بالمنصور فسوى بينهم، ثم ادعى عليه القوم فقضى لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: اذهب، فإذا قام وخرج من عنده الخصوم فادعُه، فقال: يا أمير المؤمنين: إنه ما دعا بك إلا بعد أن فرغ من أمور الناس، فمضى ودعاه، فلما دَخَلَ عليه سلّم، فقال له: جزاك الله عن دينك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، لقد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران من تلك. وحكى البلاذري قال (٢): ما كان المنصور يستصبح إلا بالزيت في القناديل، وربما خرج إلى المسجد ومعه مَنْ يحمل سراجًا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه ما فيه الرطل والمنا (٣)، وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كتابتها، أحضر شمعة في تور (٤) ثم إذا فرغ رفعها، وكان لا يرى إلا الاقتصاد في كل أموره والاقتصار على الضروري الذي لا بد منه. وكان أبو عبيد الله الكاتب يقول: كان المنصور يعطي الناس في حق وأعلمهم (٥) بحرمة، وأشَدّهم شكيمة على عدو، وكان أمره جدا كله وسمع (٦) المنصور جَلْبةً في داره، فقال: ما هذا؟ فإذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور، وهم يضحكون منه، فأخبر بذلك فقال: وما الطنبور؟ فوصفه له حماد (٧)

стр. 8224

التركي فقال له: وما يدريك به (١)؟ فقال: رأيتُه، بخراسان، فقال: نعم، ودعا بنعله، وقام يمشي رويدًا حتى أشرف على الغلمان (٢)، فلما أبصروه تفرقوا، فقال: خذوا الخادم فاكسروا ما معه على رأسه، ثم قال: يا ربيع أخرجه من قصري وابعث (به) (٣) إلى حمران النخاس حتى يبيعه فوجه به الربيع من ساعته فبيع (٤). وعن (٥) رجل من حسم المنصور قال: كان المنصور يقسم علينا الأرزاق وما في الخزائن حتى الفانيد والدرياق (٦). وركب (٧) المنصور يومًا نحو باب قطر بل (٨) حتى دخل من ناحية باب حرب (٩) فأساء بعض أحداث مواليه وسار في ناحية أمَرَ أنْ (١٠) لا يسير فيها أحد كراهة للغبار، فالتفت إلى عيسى بن علي وهو يسايره فقال: والله ما ندري يا أبا العباس ما نصنع بهؤلاء الأحداث، إن حملناهم على الأدب وأخذناهم بما يجب ليقولن جاهل لم يحفظ آباءهم فيهم، وإن تركناهم وركوب أهوائهم ليفسدن علينا غيرهم. وسئل (١١) عنه إسحاق بن مسلم (قال): لقد سبرتُ أبا جعفر فوجدته بعيد الغور، وعجمت عوده فوجدته صلب الكسر، ولمسته فوجدته خشن الملمس، وذقته فوجدته مر المذاق، وإنه وما حوله كما قال ربيعة (١٢): سما بي فرسان كأن وجوهَهُم … مصابيح تبدو في الظلام مزاهر (١٣) يقودهم كبش أخو مصمئلَّةٍ (١٤) … حليف ندى قد لَوَّحَتْهُ الهواجرُ وقال (١٥): يقول للمهدي: يا بني استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو والطاعة

стр. 8225

بالتألّف والنصر بالتواضع لله والرحمة للناس. ولما (١) أتاه مخرج محمد بن عبد الله (٢) بالمدينة سنّ عليه درعه، وتقلد سيفه ولبس خُفَّه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: [من الوافر] مالي أدافع عن سعد ويشتمني … ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا (٣) جهلًا علي وجبنًا عن عدوّهم … لبئست الخلتان الجهل والجبن أما والله لقد عذروا عما قمنا به فما عضدوا الكافي ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا؟ أأشرب رنقًا على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله إني لا أصل ذا رحم بقطيعة نفسي، وإن لم يرض بالعفو مني ليطلبن ما لا يوجد عندي، ولأن أقتل معذورًا أحب إلي أن أحيا مستذلًا، فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثم لا أبكي عليه، ولا تذهب نفسي حسرةً لما ناله (٤)، ثم دق بيده على صدره وأنشد: [من الوافر] فكم من غارة ورعيل خيل … تداركها وقد حمي اللقاء فردّ رعيلها حتى ثناها … بأسمر ما يُرى فيه التواء ثم أنشد: [من الكامل] ونَصَبْتُ نفسي للرماح دريئة (٥) … ان الرئيس لمثل ذاك فعول (٦) ثم لم يلبث أن أتاه الخبر بمخرج إبراهيم بن عبد الله إثر أخيه، جمع المنصور بني أبيه وقال: ما ترون؟ فقالوا: توجّه موسى بن عيسى (٧)، فقال: يا ولدي ما

стр. 8226

أنصفتم، وجهت أباه، وأوجهه ما يجوز، قالوا: فوجه عبد الله بن علي وأصطنعه، قال: هيهات، أبعث علي حربًا أخرى، إن خافني مالًا عدوّي علي، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه جذعةً، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه، فأي رأي هذا، والله لو دَخَلَ عليَّ إبراهيم بسيف مسلول لكان أهون علي من تقبيل عبد الله بن علي رأسي، ثم جهز إليه موسى بن عيسى (١). وحكى المنصور قال: رأيت كأني حول الكعبة، فنادى مناد من جوف الكعبة: أبا العباس، فنهض أخي، فدخل الكعبة، ثم خرج وبيده لواء قصير فمضى، فنادى مناد يا عبد الله، فنهضت أنا وعمي عبد الله بن علي نبتدر، فلما استوينا على الدرجة العليا دفعته عن الدرجة فهوى ودخلتُ الكعبة، فإذا برسول الله ﷺ جالس، فعقد لي لواء طويلًا على قناة، وقال خُذْها حتى تقاتل بها الدجال. وحكى عنه شبيب بن شبة الأهتمي التميمي (٢) وقال: حَجَجْتُ في العام الذي ولي فيه الوليد بن يزيد (٣)، فبينا أنا مريح ناحية من المسجد إذ طلع من بعض أبوابه فتى كأنّ عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبهة الأملاك بزي النساك، فما ملكت نفسي أن نهضت في إثره سائلًا عن خبره فسبقني فتحرم بالطواف، فلما سبع (٤) قصد المقام، فركع، ثم نهض منصرفًا فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة ذهب لها إصبعه، فَقَعَدَ لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعًا له أمسح عن رجله التراب، فلم يمتنع، فشققت حاشية ثوبي فعصبت بها إصبعه، فما تأفف، ثم نهض متوكًا علي حتى أتى دارًا بأعلى مكة، فابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فاجتذبني فدخلتُ بدخوله، ثم خلًا يدي، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين أوجزهما في تمام، وصلى على النبي ﷺ أثم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم يخف عني مكانك بعد اليوم ولا فعلك بي، لمن تكون يرحمك الله، فسمَّيتُ له نفسي، فرحب وقرب ووصف قومي بخير، فقلت له: أنا اجلك يرحمك الله عن السؤال، وأحبّ المعرفة، فتبسم وقال: لطف

стр. 8227

أهل العراق أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فقلت له: بأبي أنت وأمي ما أشبهك بنسبك، وأدلك على منصبك، ولقد سبق إلى قلبي من محبّتك ما لا أبلغه بوصفي لك، قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم إنما يُسعد الله من أحبنا بحبه، ويشقى ببغضنا من أبْغَضَه ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله وأهل بيته، ومهما ضعفنا عن جزائه قوّى الله على أدائه، قلت: إن أيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أتأذن فيها؟ فقال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعًا وللأمانة واعيًا، فإن كنت كما رجوت فافعل فقدمت من وثيق القول والأيمان ما سكن إليه، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)، ثم قال: سل عما بدا لك، قلت: ما ترى فيمن على الموسم، وكان محمد بن يوسف الثقفي (٢)، فتنفس الصعداء، وقال: أعَنْ الصلاة خلفه تسألني؟ أم كرهت أن يتأمر علينا أهل البيت؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله العظيم، فأما الصلاة ففرض الله تعبد بها خلقه، فأدّ ما فُرض عليك في كل وقت مع كل أحد، فإنه لو كلفك ألا تؤدي نسكًا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانًا لضاق عليك الأمر، فاسمح يسمح لك. ثم سألته عن أشياء من أمور ديني، فما احتجت أن أسأل أحدًا بعده، ثم قلت: يزعم أهل العلم إنه سيكون لكم دولة، قال: لا شك فيها تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها، فنسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها، قلت: وإنه يبتلي بكم من أخلص المحبّة؟ قال: قد روي إن البلاء أسرع إلى محبّنا من الماء إلى قراره، قال: فقلت له: إني أخاف ألا أراك (٣) بعد اليوم، قال: أرجوا أن أراك وتراني كما تحبّ إن شاء الله، قلت: عجل الله ذلك. قال: آمين، فقلت: ووهبني السلامة منكم فإني من محبيكم قال: آمين، وتبسم، ثم قال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث، قلت: ما هُنَّ، قال: قدح في الملك، وهتك في الدين، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني لا تجالس عدونا وإن اخطبناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور، وأصحبنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرّض للأموال وأنا رائح من عشية

стр. 8228

فهل من حاجة، فنهضتُ لوداعه، فلما خرجت أتبعني مولى له بكسوة، وافترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إلي قال: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت/ خدمته، وأخذت قبل اليوم بيعته، ثم قال: أين كنت عني أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر، فقال: أمسك فإن لكلّ شيء وقتًا لا يعدوه، فاختر بين رزق يشغلك أو عمل يرفعك قلت: أنا حافظ لوصية أمير المؤمنين، قال: إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها، قلت: الرزق مع قبول أمير المؤمنين أحبّ إلي، قال: هو أجم لقلبك، وأحب إليَّ لك، ثم قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بأفراسنا، ثم ضمه إلى المهدي، فكان معه. ورأى المنصور قبل موته بيسير أعاجيب كثيرة مؤذنة بهلاكة، منها: إنه (١) لما دخل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزله فإذا فيه مكتوب: [من الطويل] أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بُدَّ واقع (٢) أبا جعفر هل كاهن أو منجم … لك اليوم من حرّ المنيّة مانع (٣) فأقرأ متولي المنزل البيتين، فقال: ما أرى شيئًا، فأقرأ حاجبه فقال كذلك. فقال: اقرأ آية من كتاب الله تشوقني إلى لقائه، فقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤)، فقال له: أما وجدت آية غيرها؟ قال: والله لقد محي القرآن من قلبي غيرها. وهتف به هاتف قبلها بهذه الأبيات (٥): [من البسيط] أما ورب السكون والحركِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ ما اختلف الليل والنهار … ولا دارت نجوم السماء في الفلكِ إلا لنقل السلطان من ملكٍ … قد انتهى ملكه إلى ملك ثم رأى بعد ذلك، كأن منشدًا ينشده: [من مجزوء الكامل]

стр. 8229

أأخي خفّض من مُنَاكا … فكأنَّ يومك قد أتاكا ولقد أتاك الدهر من … تصريفه ما قد كفاكا (١) وإذا رأيت الناقص العبد … الذليل فأنت ذاكا (٢) مُلِكتَ ما مُلكته … والأمر فيه إلى سواكا وذكر عنه أنه كان في مجلس من أعلى باب خراسان إذ جاء سهم عائر (٣) فسقط بين يديه، فذعر وجعل يقلبه، فإذا بين الريشتين مكتوب: [من الوافر] أتطمع في الحياة إلى المعاد … وتحسب أن مالك من نفاد ستسأل عن ذنوبك والخطايا … وتسأل بعد ذاك عن العباد ثم قرأ عند الريشة الثانية: [من البسيط] أحسنت ظَنَّكَ بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعِندَ صَفو اللّيَالي يَحدُث الكَدَر ثم قرأ عند الريشة الثالثة: [من البسيط] هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال يومًا تريك خسيس الناس ترفعه … إلى السماء ويومًا تخفض العالي وإذا على جنب السهم: رجلٌ من همدان مظلوم في حبسك، فبعث من فوره، ففتش عليه فوجده فأنْصَفَهُ وأزال ظلامته، ولما رأى ما رأى من العجائب المنذرة بهلاكه قال لحاجبه الربيع: إني أتخوّف على هذا الأمر قال له: مَنْ يا أمير المؤمنين تعني عيسى بن موسى وهو معك بالحضرة، فأمرني فيه بأمرك حتى أنفذه، فقال: لا ياربيع أن عيسى رجل ما أعطى الله عهدًا إلا وفى به. وإنما أتخوف صاحب الشام عبد الوهاب (٤) بن إبراهيم الإمام، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم اكفني عبد الوهاب قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر، وعرضت عليه الحجارة سمعتُ هاتفًا يهتف من القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع: فهالني ذلك الصوت، وجاء الخبر بعد سابعةٍ بوفاة عبد الوهاب (٥).

стр. 8230

ومولده سنة خمس وتسعين، وتوفي في ذي الحجة لست خلون منه سنة ثمان وخمسين ومئة، وعمره ثلاث وستون سنة (١)، ومدته نحو اثنين وعشرين سنة، وقبره ببئر ميمون قرب مكة المعظمة. ويروى له من الشعر قوله: (٢): [من مجزوء الكامل] المرء يهوى (٣) أن يعيش … وطول عيش قد يضُره تفنى (٤) بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مره وتصرف (٥) الأيام حتى … ما يرى شيئًا يسره كم شامت وبي إن هلكت … وقائل الله دره ثم: [٣] دولة المهدي: أبي عبد الله محمد بن المنصور وكان أبوه قد عهد أموره، وقرب له مدى الخلافة، وما مات حتى أكد له البيعة، ووثق له أسباب الملك، وكان مما بالغ فيه من التمهيد له أنه أثره دونه بحسن السمعة وخلاص الذمة، فإنه أَخَذُ أموالًا حسنة من الناس وأودعها (٦) بيت المال في أكياسها، وكتب على كل مال اسم صاحبه، ثم لما عزم على الحج قال له: يا بني إذا أنا مُتُّ ردّ كل مال على صاحبه ليحبوك، فلما مات رَدّ الأموال على أهلها، وقالوا ظلمنا أبوه وأنصفنا هو فأحبوه، وتيمنوا بأيامه، ولما ولي نفس خناق الناس، وحلّ عُقد أبيه، وأزال تشدّده، وأطلق ما أمسك به يديه، ولم يحرم طالب ثواب ولا أخذ بطائل عذاب، وكانت أيام هدوء وأعوام خصب، رقت بها حواشي الحنو، وَرَدَتْ الأمة ناهلها صفوا، وردت نقمها عَفْوا، وَوَرَفَتْ ظلال حلمها فلم يدع هفوا، وأكْثَرَ نَقَلَةُ الأخبار على أنه كان لا يرتضع كأسًا، ولا يكاثر لهوا، ولا يقبل فيما ينشد لغوا، بريئًا بنفسه إن يتشاوس نظره زهوًا، ويأبى أن يقارف عزيمته سهوا، وكان قريبًا مهيبًا، متوسطًا في أموره، متناسبًا في أحواله، وفي المهدي يقول ربيعة الرقي (٧): [من السريع]
следующие страницы →