← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

أنصفتم، وجهت أباه، وأوجهه ما يجوز، قالوا: فوجه عبد الله بن علي وأصطنعه، قال: هيهات، أبعث علي حربًا أخرى، إن خافني مالًا عدوّي علي، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه جذعةً، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه، فأي رأي هذا، والله لو دَخَلَ عليَّ إبراهيم بسيف مسلول لكان أهون علي من تقبيل عبد الله بن علي رأسي، ثم جهز إليه موسى بن عيسى (١). وحكى المنصور قال: رأيت كأني حول الكعبة، فنادى مناد من جوف الكعبة: أبا العباس، فنهض أخي، فدخل الكعبة، ثم خرج وبيده لواء قصير فمضى، فنادى مناد يا عبد الله، فنهضت أنا وعمي عبد الله بن علي نبتدر، فلما استوينا على الدرجة العليا دفعته عن الدرجة فهوى ودخلتُ الكعبة، فإذا برسول الله ﷺ جالس، فعقد لي لواء طويلًا على قناة، وقال خُذْها حتى تقاتل بها الدجال. وحكى عنه شبيب بن شبة الأهتمي التميمي (٢) وقال: حَجَجْتُ في العام الذي ولي فيه الوليد بن يزيد (٣)، فبينا أنا مريح ناحية من المسجد إذ طلع من بعض أبوابه فتى كأنّ عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبهة الأملاك بزي النساك، فما ملكت نفسي أن نهضت في إثره سائلًا عن خبره فسبقني فتحرم بالطواف، فلما سبع (٤) قصد المقام، فركع، ثم نهض منصرفًا فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة ذهب لها إصبعه، فَقَعَدَ لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعًا له أمسح عن رجله التراب، فلم يمتنع، فشققت حاشية ثوبي فعصبت بها إصبعه، فما تأفف، ثم نهض متوكًا علي حتى أتى دارًا بأعلى مكة، فابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فاجتذبني فدخلتُ بدخوله، ثم خلًا يدي، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين أوجزهما في تمام، وصلى على النبي ﷺ أثم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم يخف عني مكانك بعد اليوم ولا فعلك بي، لمن تكون يرحمك الله، فسمَّيتُ له نفسي، فرحب وقرب ووصف قومي بخير، فقلت له: أنا اجلك يرحمك الله عن السؤال، وأحبّ المعرفة، فتبسم وقال: لطف

стр. 8227

أهل العراق أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فقلت له: بأبي أنت وأمي ما أشبهك بنسبك، وأدلك على منصبك، ولقد سبق إلى قلبي من محبّتك ما لا أبلغه بوصفي لك، قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم إنما يُسعد الله من أحبنا بحبه، ويشقى ببغضنا من أبْغَضَه ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله وأهل بيته، ومهما ضعفنا عن جزائه قوّى الله على أدائه، قلت: إن أيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أتأذن فيها؟ فقال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعًا وللأمانة واعيًا، فإن كنت كما رجوت فافعل فقدمت من وثيق القول والأيمان ما سكن إليه، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)، ثم قال: سل عما بدا لك، قلت: ما ترى فيمن على الموسم، وكان محمد بن يوسف الثقفي (٢)، فتنفس الصعداء، وقال: أعَنْ الصلاة خلفه تسألني؟ أم كرهت أن يتأمر علينا أهل البيت؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله العظيم، فأما الصلاة ففرض الله تعبد بها خلقه، فأدّ ما فُرض عليك في كل وقت مع كل أحد، فإنه لو كلفك ألا تؤدي نسكًا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانًا لضاق عليك الأمر، فاسمح يسمح لك. ثم سألته عن أشياء من أمور ديني، فما احتجت أن أسأل أحدًا بعده، ثم قلت: يزعم أهل العلم إنه سيكون لكم دولة، قال: لا شك فيها تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها، فنسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها، قلت: وإنه يبتلي بكم من أخلص المحبّة؟ قال: قد روي إن البلاء أسرع إلى محبّنا من الماء إلى قراره، قال: فقلت له: إني أخاف ألا أراك (٣) بعد اليوم، قال: أرجوا أن أراك وتراني كما تحبّ إن شاء الله، قلت: عجل الله ذلك. قال: آمين، فقلت: ووهبني السلامة منكم فإني من محبيكم قال: آمين، وتبسم، ثم قال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث، قلت: ما هُنَّ، قال: قدح في الملك، وهتك في الدين، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني لا تجالس عدونا وإن اخطبناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور، وأصحبنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرّض للأموال وأنا رائح من عشية

стр. 8228

فهل من حاجة، فنهضتُ لوداعه، فلما خرجت أتبعني مولى له بكسوة، وافترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إلي قال: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت/ خدمته، وأخذت قبل اليوم بيعته، ثم قال: أين كنت عني أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر، فقال: أمسك فإن لكلّ شيء وقتًا لا يعدوه، فاختر بين رزق يشغلك أو عمل يرفعك قلت: أنا حافظ لوصية أمير المؤمنين، قال: إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها، قلت: الرزق مع قبول أمير المؤمنين أحبّ إلي، قال: هو أجم لقلبك، وأحب إليَّ لك، ثم قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بأفراسنا، ثم ضمه إلى المهدي، فكان معه. ورأى المنصور قبل موته بيسير أعاجيب كثيرة مؤذنة بهلاكة، منها: إنه (١) لما دخل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزله فإذا فيه مكتوب: [من الطويل] أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بُدَّ واقع (٢) أبا جعفر هل كاهن أو منجم … لك اليوم من حرّ المنيّة مانع (٣) فأقرأ متولي المنزل البيتين، فقال: ما أرى شيئًا، فأقرأ حاجبه فقال كذلك. فقال: اقرأ آية من كتاب الله تشوقني إلى لقائه، فقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤)، فقال له: أما وجدت آية غيرها؟ قال: والله لقد محي القرآن من قلبي غيرها. وهتف به هاتف قبلها بهذه الأبيات (٥): [من البسيط] أما ورب السكون والحركِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ ما اختلف الليل والنهار … ولا دارت نجوم السماء في الفلكِ إلا لنقل السلطان من ملكٍ … قد انتهى ملكه إلى ملك ثم رأى بعد ذلك، كأن منشدًا ينشده: [من مجزوء الكامل]

стр. 8229

أأخي خفّض من مُنَاكا … فكأنَّ يومك قد أتاكا ولقد أتاك الدهر من … تصريفه ما قد كفاكا (١) وإذا رأيت الناقص العبد … الذليل فأنت ذاكا (٢) مُلِكتَ ما مُلكته … والأمر فيه إلى سواكا وذكر عنه أنه كان في مجلس من أعلى باب خراسان إذ جاء سهم عائر (٣) فسقط بين يديه، فذعر وجعل يقلبه، فإذا بين الريشتين مكتوب: [من الوافر] أتطمع في الحياة إلى المعاد … وتحسب أن مالك من نفاد ستسأل عن ذنوبك والخطايا … وتسأل بعد ذاك عن العباد ثم قرأ عند الريشة الثانية: [من البسيط] أحسنت ظَنَّكَ بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعِندَ صَفو اللّيَالي يَحدُث الكَدَر ثم قرأ عند الريشة الثالثة: [من البسيط] هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال يومًا تريك خسيس الناس ترفعه … إلى السماء ويومًا تخفض العالي وإذا على جنب السهم: رجلٌ من همدان مظلوم في حبسك، فبعث من فوره، ففتش عليه فوجده فأنْصَفَهُ وأزال ظلامته، ولما رأى ما رأى من العجائب المنذرة بهلاكه قال لحاجبه الربيع: إني أتخوّف على هذا الأمر قال له: مَنْ يا أمير المؤمنين تعني عيسى بن موسى وهو معك بالحضرة، فأمرني فيه بأمرك حتى أنفذه، فقال: لا ياربيع أن عيسى رجل ما أعطى الله عهدًا إلا وفى به. وإنما أتخوف صاحب الشام عبد الوهاب (٤) بن إبراهيم الإمام، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم اكفني عبد الوهاب قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر، وعرضت عليه الحجارة سمعتُ هاتفًا يهتف من القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع: فهالني ذلك الصوت، وجاء الخبر بعد سابعةٍ بوفاة عبد الوهاب (٥).

стр. 8230

ومولده سنة خمس وتسعين، وتوفي في ذي الحجة لست خلون منه سنة ثمان وخمسين ومئة، وعمره ثلاث وستون سنة (١)، ومدته نحو اثنين وعشرين سنة، وقبره ببئر ميمون قرب مكة المعظمة. ويروى له من الشعر قوله: (٢): [من مجزوء الكامل] المرء يهوى (٣) أن يعيش … وطول عيش قد يضُره تفنى (٤) بشاشته ويبقى … بعد حلو العيش مره وتصرف (٥) الأيام حتى … ما يرى شيئًا يسره كم شامت وبي إن هلكت … وقائل الله دره ثم: [٣] دولة المهدي: أبي عبد الله محمد بن المنصور وكان أبوه قد عهد أموره، وقرب له مدى الخلافة، وما مات حتى أكد له البيعة، ووثق له أسباب الملك، وكان مما بالغ فيه من التمهيد له أنه أثره دونه بحسن السمعة وخلاص الذمة، فإنه أَخَذُ أموالًا حسنة من الناس وأودعها (٦) بيت المال في أكياسها، وكتب على كل مال اسم صاحبه، ثم لما عزم على الحج قال له: يا بني إذا أنا مُتُّ ردّ كل مال على صاحبه ليحبوك، فلما مات رَدّ الأموال على أهلها، وقالوا ظلمنا أبوه وأنصفنا هو فأحبوه، وتيمنوا بأيامه، ولما ولي نفس خناق الناس، وحلّ عُقد أبيه، وأزال تشدّده، وأطلق ما أمسك به يديه، ولم يحرم طالب ثواب ولا أخذ بطائل عذاب، وكانت أيام هدوء وأعوام خصب، رقت بها حواشي الحنو، وَرَدَتْ الأمة ناهلها صفوا، وردت نقمها عَفْوا، وَوَرَفَتْ ظلال حلمها فلم يدع هفوا، وأكْثَرَ نَقَلَةُ الأخبار على أنه كان لا يرتضع كأسًا، ولا يكاثر لهوا، ولا يقبل فيما ينشد لغوا، بريئًا بنفسه إن يتشاوس نظره زهوًا، ويأبى أن يقارف عزيمته سهوا، وكان قريبًا مهيبًا، متوسطًا في أموره، متناسبًا في أحواله، وفي المهدي يقول ربيعة الرقي (٧): [من السريع]

стр. 8231

قد بسط المهدي كف الندى للنّاس والعفو عن الظّالم (١) فالراحل الوارد عن بابه … مبشر لوارد القادم وكان المنصور يريد أن يجعل العهد إليه، وكان إلى عيسى بن موسى فتحيّل له بأنواع الحيل حتى جعله إليه، وعوّض عيسى بن موسى بعشرة آلاف ألف درهم، وجَعَلَهُ بعد المهدي (٢): [من الرجز] قُلْ للأمين الواحد الموحد إن الذي ولاك ربُّ المسجد ليس ولي عهدنا بالأسعد عيسى فردّها (٣) إلى محمد فرواها الخدم والبطانة، وبلغوها بإذنه المنصور، فدعى به في مجلس حافل وفيه عيسى بن موسى، فاستنشده فأنشده إياها، وكان فاتحة لكلام المنصور، ثم إن عيسى بن موسى دس على أبي نخيلة مَنْ قَتَلَهُ وسَلَخَ وجه. وعن سوار قال: انصرفت يومًا من دار المهدي إلى منزلي فدعوت بالغداء، فجائت نفسي، فدعوتُ بالنرد، فلم تطب نفسي، فدخلت القائلة، فلم يأخذني النوم، فنهضت فركبتُ بغلةً وخرجتُ، فاستقبلني وكيل لي بألفي درهم، فقلت: دعها معك واتبعني، ثم خليت رأس البغلة حتى انتهيت إلى باب دار لطيف عليه شجرة وعليه خادم. فوقفتُ وقد عطشت فقلت للخادم: عندك ماء؟ قال: نعم، وقام فأخرج قلّة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل، فشربت وحضرت العصر، فدخلت مسجدًا هناك فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يلتمس، فقلت: ما تريد يا هذا؟ قال: إياك أريد فقلت: وما حاجتك؟ فقال: أرأيت باب هذا القصر؟ قلت: نعم، قال: هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان وخرجت معه، فزالت عنّا النعم، فأتيت

стр. 8232

صاحب الدار لأسأله شيئًا توصلني إلى سوار فإنه كان صديقًا لأبي، قلت: ومَنْ أبوك؟ قال: فلان فعرفته، فقلت: إن الله قد أتاك بسوار، منعه الطعام والنوم حتى جاء إليك، ثم أخذت الدراهم من الوكيل فدفعتها إليه، وقلت له: إذا كان غد فَصِرْ إلى المنزل، ثم أتيت المهدي فطرفته بحديثه، فأعْجَبَهُ وأمر له بألفي دينار، فنهضت، فقال لي: أعليك دين؟ قلت: نعم، قال: كم؟ قلت: خمسون ألف دينار، فأمسك وجعل يحدثني ساعة، ثم أتيت منزلي، فإذا خادمه معه خمسون ألف دينار، قال: يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك، ثم لما كان الغد أبطأ علي الأعمى وأتاني رسول المهدي يدعوني، فجئته، فقال: فكرت في أمرك فقلت: يقضي دينه، ثم يحتاج إلى القرض، وقد أمرتُ لك بخمسين ألف دينار أخرى، فقبضتها وانصرفت، فأتاني الأعمى، فقلت له: قد رزق الله بكرمه بك خيرًا، كثيرًا، فأعطيته صلة المهدي ومن عندي مثلها. وعن هشام الكلبي (١)، قال: طلبني المهدي، فلما صرتُ إليه أقرأني كتابًا، فألفيته يتضمن شتمه وسبُّه فألقيته مِنْ يدي ولعنتُ كاتبه، وقلت: من كاتب هذا، الملعون الكذاب؟ فقال: هذا الأموي صاحب الأندلس، فقلت: هو وآباؤه وأمهاته والله أهل لذلك، فسر بقولي ثم قال: أقسمت عليك لما أملت مثالبهم كلهم على هذا، وأشار إلى كاتب من كتاب السر، فأمللته، ولم أُبْقِ شيئًا، فلما فرغَتُ منه عرضته عليه فأظهر السرور، ثم ختم الكتاب وجعله في خريطة، ودفعه إلى صاحب البريد، وأمره بتعجيله إلى الأندلس، ثم أمر لي بألفي دينار وعشرين ثوبًا وبغلة شقراء بسرجها ولجامها من مراكبه وأقطعني أرضًا بالبصرة، ثم قال: اكتم ما سمعت. وعن عبد العزيز بن الماجشون (٢)، قال: سألني المهدي فقال: ما قلت حين قصدت أصحابك، يعني الفقهاء، قال: قلت: [من البسيط] يا مَنْ لباك على أصحابه جزعا … قد كنتُ أحذر ذا من قبل أن يقعا فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدًا … فلا زيادة شيء فوق ما صنعا

стр. 8233

فقال: والله لأعينك، فأجازه بعشرة آلاف دينار، فقدم بها المدينة، فأنفذها في السخاء والكرم. وعن (١) واضح قهرمان المهدي، قال: كنت معه بماسبذان (٢)، فلم أزل معه إلى بعد العصر، ثم انصرفت إلى مضربي، فلما كان وقت السحر الأكبر ركبت لإقامة الوظائف، فسرت منفردًا من غلماني، فليقيني أسود عريان على فرد رجل (٣)، فدنا مني، ثم قال: أعظم الله أجرك في مولاك المهدي، فَهَمِمْتُ أن أعلوه بالسيف (٤)، فغاب عندي، فلما انتهيت لقيني مسرور، فأعلمني بموته، فدخلتُ فإذا به مسجى. وقيل (٥): مات لأنه طرد ظبيًا فاقتحم خربة فدخلها وراءه فدق ظهره باب الخربة فمات. ومولده سنة سبع وعشرين ومئة، ومدته عشر (٦) سنين وشهر وأيام وقبره بماسندان (٧)، ولما قارب دنو أجله رأى قائلًا ينشده، يسمع صوته، ولا يشهده (٨): كأني بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه رَبعُه ومنازلة وصار عميد القوم من بعدِ بهجة … وملك إلى قبر عليه جنادله ولم يبق إلا ذكره وحديثه … تنادي عليه مغولات حلائله فما بقي إلا عشرة أيام ومات، واختطفه عقاب الملمات، كُنَّ حظاياه قد بكرت في الوشي قبل الصبوح، ثم عُدن قبل الظهيرة وعليهن المسوح، فقال أبو العتاهية (٩): [من مجزوء الرمل] رخن في الوشي … وأقبلن عليهن المسوح كل نطاح من الدنيا … له يوم نوح (١٠)

стр. 8234

لَسْتُ بالباقِي … وَلَو عُمِّرْتُ مَا عُمِّر نُوح فَعلى نَفْسِكَ مَع إنْ … كُنْتَ لا بُدَّ نُوْحُ ثُمَّ: [٤] دولة الهادي، أبي محمد موسى بن محمد المهدي كان كريمًا غيورًا حادَّ (١) المزاج، شرس الخلق، له بادرة لا تؤمن، وإقدام لا يطمئن به ولقد أراد الرشيد على خلع نفسه من ولاية العهد، وراود في ذلك يحيى بن خالد (٢) غير مرّة، وهو ممتنع عليه، ويقيم له الادلة على زيف رأيه في ذلك على ما سيأتي ذكره في مواضعه من هذا الكتاب، ولم يطل بالهادي فسيح، ولا تراخى به عنان مهل حتى ساورته المنون وسارعته الشهور لا السنون، فمال عرشه في أقرب وقت، ومات وأبقى له المقت، واختلف في موته بأي سبب كان، فقيل: أكل رمانا فشرق منه بحبّة فمات، وقيل وقع على قصب فارسي فدخل في دبره فمات، وقيل: مرض أيامًا ومات وقيل: غمَّته أُمُّهُ الخيزران (٣) لإفراط تحجره عليها، وتبرمه من شفاعاتها، ولما أراد عليه أخاه هارون الرشيد، وكان هارون أحبّ إليها وأكرم منه عليها فطلبت في الحال يحيى بن خالد ونَعَته إليه نعي غير ثكلى ولا فاقد، وكان يحيى عنده محبوسًا، فبادر إلى هارون بخبر موسى، فصادف خادمًا يريد يبشره بولادة مولود ذكر ولد له تلك الليلة وهو المأمون، فسابقه في الدخول عليه وبادره بالسلام، وقال: أهنيك بالخلافة وغلام. وعن الحسن (٤) بن معاذ بن سلم، وكان رضيع الهادي، قال: لقد رأيتني أخلو مع موسى الهداي ولا أجد له هيبة في قلبي لما كان يبسطني، وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض فإذا تلبس لبسة الخلافة، ثم جلس مجلس الأمر

стр. 8235

والنهي، قمتُ على رأسه، فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة. وقال إبراهيم المؤذن أن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان لا يضع رجله في الركاب (١). وكان مقتفيًا لآثار أبيه في تطلب الزنادقة والايقاع بهم، لأن أباه أوصاه بذلك. وكان كريمًا خرقًا، وذكر الطبري (٢) في حكاية طويلة أنه وهب عبد الله بن مالك وكان على شرطته أربعمائة بغل دراهم. وعن أبي محمد اليزيدي، قال: دخلت على الهادي فإذا بين يديه سيف عريض كأنه ( … .) (٣)، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ قال: هذا سيف عمرو بن معدي كرب (٤)، الصمصامة، فاستحسنته، فقال لي: كنت سألت المهدي أن يهب لي هذا السيف فضنّ به عني ومنعنيه، فاليت أن بلغني الله أملي أن أمتحنه، وقد عزمت أن أدعوا غلامي طرخان الخزري وهو جيد الذراع أن يحضر لي صخرة سوداء طولانية من حجارة القصارين فاتقدم إليه أن يجمع يديه في السيف ثم يضرب به الراس الدقيق من الصخرة، فإن سلم سلم وإن تقطع تقطع، قال: فلم أزل اسأله إعفاء السيف من الامتحان، وأقول: شرف من شرف العرب وسيف لا يوجد مثله، فأبى ودعا غلامه طرخان، فجاء بالصخرة، فقلت: يا أمير المؤمنين، فإذا لم تطعني فاعمل له ما يبقى على الدهر، تُدخل من بالباب من الشعراء حتى يحضروا امتحانه، فإن سلم وصفوه، وإن تقطع رثوه، فأمرنا بإحضارهم، ثم أمر طرخان بامتحانه، فَحَسَر عن ذراعيه وهزّه وجمع يديه في قائمه، ثم ضرب به الصخرة فمضى فيها حتى قطعها ولم يصبه شيء فلم يقل أحد أرضى من قول أبي الغول (٥): [من الخفيف] حاز صمصامة الزبيدي عمرو … من جميع الأنام موسى الأمين (٦)

стр. 8236

سيف عمرو وكان فيما علمنا … خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر اللون بين حديه برد … من دباج تميس فه المنون أوقدت فوقه (١) الصواعق نارًا … ثم شابته بالذعاف القيون وكان الفرند والرونق الجاري … في صفحتيه ماء معين ما يبالي إذا الضريبة حانت … أشمال سَطَتْ به أم يمين؟ فوصله بعشرة آلاف درهم، وخَلَعَ عليه وحمله، ثم أمر لكل واحد من الشعراء بخمسة آلاف. وأدخل (٢) عليه رجلٌ جعل يقرره بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: اعتذاري مما تقول ردّ عليك، وإقراري يوجب عليه ذنبًا، ولكني أقول: إن كنت ترجو في العقوبة رحمةً فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر فأمر بإطلاقه. وعن (٣) علي بن يقطين قال: اني لعند الهادي مع جماعة إذ أتاه خادم فساره بشيء فنهض سريعًا، وقال: لا تبرحوا، ومضى ثم جاء وهو يتنفس، فاستلقى على فراشه، ثم قال لخادم معه على يده طبق مغطى بمنديل ضع ما معك، فوضع الطبق وكشف المنديل، فإذا رأسا جارتين لم أر والله أحسن من وجوههما، ولا مِنْ شعورهما، وإذا على رؤوسهما الجوهر المنظوم على الشعر، وإذا رائحة الطيب تفوح، فاعظمنا ذلك، فقال: تدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنها تتحابان، فوكلت هذا الخادم بهما يُنهي إليَّ أخبارهما، فجاءني فأخبرني إنهما قداجتمعتا فجئت فوجدتهما في لحاف واحد فقتلتهما، ثم قال: يا غلام ارجع بالرأسين. قال: ثم رجع في حديثه كأن (لم) (٤) يصنع شيئًا. وعن (٥) عمر بن شبة: أن علي بن الحسين بن الحسن بن علي (٦) تزوّج رقية بنت عمرو العثمانية، وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي، فأرسل إليه فجهَّلَهُ،

стр. 8237

وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي، فأما غيره (١) فلا ولا كرامة، فشجّه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط، فضرب وأراده أن يطلقها فلم يفعل فَحُمِل في نطع وألقى ناحية، وكان في يده خاتم سري (٢)، فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب، فأهوى إلى الخاتم فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح، فأتى موسى فأراه، فاستشاط وقال: أتفعل هذا بخادمي مع استخفافك بأبي، فقال: سَلْهُ ومُرْه أن يضع يده على رأسك وليصدقك، ففعل، فصدقه الخادم فقال: أحسن والله وأنا أشهد أنه ابن عمي، ولو لم يفعل لا نتفيت منه، ثم أمر بإطلاقه ووصله. وذكر (٣) سعيد بن سالم قال: كنت مع الهادي بجرجان، فأتاه نعي المهدي والخلافة، فركب البريد إلى بغداد في قوم معه، فسرنا بين بساتين جرجان، فسمع صوتًا فيها من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطته علي بالرجل الساعة، قال: فقلت ما أشبه قصة هذا الحائن بقصة سليمان بن عبد الملك، بينا هو في منتزه له ومعه حرمه فسمع في بستان آخر صوت رجل يتغنّى فدعا صاحب شرطته فقال: علي بصاحب الصوت، فأتي به، فلما مثل بين يديه. قال: ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حُرمي، أما سمعت إن الرماك (٤) إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه، يا غلام جُبَّهُ، فَجُبَّ الرجل، فلما كان بالعام المقبل رجع سليمان إلى ذلك الموضع فجلس مجلسه الذي جلس فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال: علي بالرجل الذي كنا جببناه، فأحضروه، فلما مثل بين يديه قال: إما بعت فوفيناك، وأما وهبت فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنه قال: يا سليمان، إنك قطعت نسلي، وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك، أو بعت فوفيناك، لا والله حتى أقف بين يدي الله، فقال الهادي: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فردّه، فقال: لا تعرض للرجل. وولد الهادي سنة ست وأربعين ومئة، وتوفي سنة سبعين ومئة، وعمره أربع وعشرون سنة (٥)، وكانت مدته سنة وأربعة أشهر وقيل دونها، وقبره ببغداد.

стр. 8238

ثم: [٥] دولة الرشيد: أبي جعفر هارون بن محمد المهدي وهو الذي لم يستفض لأحد من الخلفاء مثله ولا شاع نظيره، حتى إن العامة تنسب إليه كل حكاية تحكى عن الخلفاء الأمويين والعباسيين، وتنتحل له ما فعله غيره وتتمحل له ما لا فعله هو ولا أحد سواه، وما ذاك إلا لكثرة محاسن أيامه، ومن كان فيها من أفاضل الناس كالبرامكة في الكرماء ومالك والشافعي وأحمد ونظرائهم في العلماء، وغير هؤلاء مما لا يسع هذا الموضع استقصاؤهم ولا يدع عددهم الجم أن يمكن إحصاؤهم من أعيان الكبراء وحذاق الشعراء والمجودين في الغناء والمجدين من أهل النجدة والغناء، وكانت أيام دولته مجمع الأفاضل ومطلع نجم كل فاضل، وكان أوّل مَنْ سنّى الجوائز، وسنَّ عوائد الكرم، وقسم للخير زمانه ووسم في غرر الدهر إحسانه، كان لا يزال في حج أو جهاد، ولا يزل عن ذرى مطية أو جواد، قد ضرب بسهم في كل فضيلة، وقسم من كل جميلة. وقد ذكر ابن عبدوس (١): إنّ الكُلف كانت قليلة في أيامه، فإنه ما زاد المقرران كثير زيادة على ما كان إلا أنه كان لهب هبات لا ينهض لها عبء إمكان، فإذا أعطى استوصلت البحار، واستبسلت بعجزها الأمطار، وسع عقود المنن، ووسع برود دولته لمحاسن السنن، وآثاره في غزو بلاد الروم ظاهرة، وأخباره فيها لوامع في أيامه الزاهرة، وكذلك لم تخل الترك من غزوات سلت في وجوههم السيوف، وسلطت عليهم حتى الطيف، إلا أن قضية جرحت القلوب ونفرتها، وقرعت العيون وأشهرتها، ثم ندم عليهم ندمًا أكل عليه يديه وقرع سنه بما جرى بسببهم عليه، على أن الندم لا يردّ به فائت، ولا يصبح به من هو في القبور بائت. وذكر (٢) أن الرشيد كان يصلّي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدّق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاتها، وكان إذا حجّ أحجَّ مَعَهُ من الفقهاء وأبنائهم، إذا لم يحج أحج ثلثمائة رجل بالنفقة

стр. 8239

السابغة والكسوة الظاهرة، وكان يقتفي آثار المنصور إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه لؤلئي، ثم المأمون بعده، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر ذلك في كل ما يحب ثوابه، وكان يحب الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالأولى أن لا يكون فيه ثواب، وكان لا يحب إلا المديح ولا سيما من شاعر فصيح ويشتريه بالثمن الغالي. ودخل عليه مروان بن أبي حفصة (١)، فأنشده شعره الذي يقول فيه: [من الطويل] وسدت بهارون الثغور فأحكمت … به من أمور المسلمين المرائر (٢) وكل ملوك الروم أعطاه جزية … على الرغم قسرا عن يد وهو صاغر لقد ترك الصفصاف هارون صفصفا … كأن لم يدمدمه من الناس حاضر يسوق بيديه من قريش كرامها … و كلتاهما بحر على البحر صاغر أمور بميراث النبي وليتها … فأنت لها بالحزم طاو وناشر علي بني ساقي الحجيج تتابعت … أوائل من معروفكم وأواخر فأصبحت قد أيقنت أن لست بالغا … مدى شكر نعماكم وإني لشاكر حصون بني العباس في كل مأزقٍ … صدور العوالي والسيوف البواتر فطورا يهزون القواطع والقنا … وطورا بأيديهم تهز المخاصر بأيدي عظام النفع والضر لا تني … بهم للعطايا والمنايا بوادر ليهنكم الملك الذي أصبحت بكم … أسرته مختالة والمنابر فأعطاه خمسة آلاف دينار وكساه خلعة وأمر له بعشرة من رقيق الروم وحمله على فرس من خاص مراكبه. (٣).

стр. 8240

وذُكر (١) أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدائني (٢)، وكان مضحكًا له، محادثًا فكها، فكان لا يصبر عنه، ولا يمل محادثته، وبوّأه منزلًا من قصره. فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة، فألفاه نائمًا، فكشف اللحاف عن ظهره، وقال: كيف أصْبَحت؟ قال: يا هذا ما أصبحتُ بعد اذهب إلى عملك، قال: ويلك قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فمضى وتركه نائمًا، وتأهب الرشيد للصلاة، فجاءه غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام وألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح فانتهى إليه وهو يقرأ ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٣) فقال أين ابن أبي مريم: لا أدري والله وقد ملكك الدنيا كلها (٤)، فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته ثم التفت إليه وهو كالمغضب، وقال: يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضًا؟ قال: يا هذا وما صنعت قال: قطعت علي صلاتي، قال: والله ما فعلت، وإنما سمعت منك كلامًا غمّني حين قلت: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وقد ملكك الدنيا كلها، فقلت: لا أدري والله، فضحك الرشيد، ثم قال له: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما. وذُكر (٥) زيد بن علي الحسيني (٦) أن الرشيد (أراد) (٧) أن يشرب دواء فقال له ابن (٨) أبي مريم هل لك أن تجعلني حاجبك إذا أخذت الدواء وكل شيء اكتسبته بيني وبينك؟ فقال: أفعل، وبكر ابن أبي مريم ووضع له الكرسي، وأخذ الرشيد الدواء، فجاء رسول أم جعفر تسأل عنه فأوصله إليه تعرّف حاله وانصرف بالجواب، وقال: أعلم السيدة بما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس، فأعلمها فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل ففعل ذلك، فبعث إليه كل واحد من البرامكة بصلةٍ جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بين الربيع فردّه، وجاء رسل القوّاد والعظماء، فما سهّل إذن أحد منهم إلا بصلة جزيلة، فما صلّى العصر حتى صار له ستون ألف دينار. فلما نُقي الرشيد فقال له: ما صنعت

стр. 8241

في يومك هذا؟ قال: يا سيدي كسبت ستين ألف دينار، فقال: أين حاصلي؟ قال: معزول، قال: لا وقد وهبته لك ولكن أهْدِ لي عشرة آلاف تفاحة. وذكر (١) مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه: أن الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين طعن عليه ناس وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة إلى اليوم، فقال لي: ما احتاج أن أسأل بعد اليوم عن هذا. وذكر (٢) عنه قال: سألني الرشيد كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ، قال فقلت: كانت منزلتهما منه في حياته منزلتهما في مماته، فقال: كفيتني فيما احتاج إليه. وسأل (٣) مالك بن أنس عن هذا أيضًا. فقال له مثل هذا القول: منزلتهما منه في حياته مثل منزلتهما منه في مماته، فقال له: شفيتني يا مالك. شفيتني يا مالك. وذكر (٤) الليث بن عبد العزيز الجوزجاني (٥) عن بعض الحجبة، أن الرشيد دخل الكعبة وقام على أصابعه، وقال: اللهم يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك ردًّا حاضرًا وجوابًا عتيدًا، وبكل صاحب منك علم محيط ناطق بمواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، يا مَنْ لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، واختار لنفسه الأسماء الحسنى، صلّ على محمد وآل محمد، وخر لي في جميع أموري، يا مَنْ خَشَعَت له الأصوات بأنواع اللغات، إن من حاجتي عندك أن تغفر لي إذا توفيتني، وصرتُ في لحدي وتفرق عنّي أهلي وولدي، اللهم لك الحمد حمدًا يفضل كلّ حمد كفضلك على جميع الخلق، اللهم صل على محمد صلاة تكون له رضى، وصلّ على محمد صلاةً تكون له جزاءً، واجزه عنا الجزاء الأوفى (٦)، اللهم أحينا سعداء، وتوفّتا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين!

стр. 8242

وكان يقول: والله إني لأعرف في عبد الله - يعني المأمون - حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزّ نفس الهادي، ولو شئت أنسبه إلى الرابع لفعلتُ، يعني نفسه، وفي ذلك يقول: [من الطويل] لقد بان وجه الرأي لي غير أنني … غُلِبْتُ على الأمر الذي كان أحزما وكيف يُردّ الذرّ في الضرع بعدما … توزّع حتى صار نهبًا مُقَسَّما أخاف التواء الأمر بعد استوائهِ … وأن ينقض الحبل الذي كان أُبْرِما واصطبح الرشيد قرب رمضان، وقد قرب أن يرسى به زورق هلاله وان، فكتب إلى جعفر بن يحيى: [من الخفيف] سل عن الصوم يا بن يحيى تجده … راحلًا نحونا من النهروان فاتنا نصطبح ونله جميعًا … لثلاث بقين من شعبانِ فأجابه في رقعة كتبها، ثم ركب إليه واستصحبها، فلما قرأها الرشيد استطار قلبه واستبشر بها ساعفه (١) (ساعة) قربه، وكان فيها: [من الخفيف] إن يومًا كتبت فيه إلى عبدك يوم يسود كل زمان فاغتبق واصطبح فقد صانني الله إذا صنتني من الحدثان وكان الرشيد بعد هذا يقول لما قتله تلك القتلة التي شوّه بها الجود وشبه بها دمه المطلول بسلاف العنقود، والله ما صانه الله في من الحدثان، بل كمنت له كمون الأفعوان في أصول الريحان، فلما تعرض للشم قابله بالسم، وسيأتي ذكر جعفر في موضعه. وكان الرشيد قد حبس أبا العتاهية، وجعل عليه عينًا يأتيه بما يقول، فأخبره يومًا أنه كتب على الحائط (٢): [من الوافر] أما والله أن الظلم لؤم … وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم فاستحضره الرشيد واستحلّه وأعطاه ألف دينار، ثم أمر بمجلس فزخرف، وبالطعام فأحضر وأحضر أبا العتاهية، فقال له: صف ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا فقال: [من مجزوء الكامل]

стр. 8243

عش ما بدا لك سالما … في ظل شاهقة القصور يسعى إليك بما اشتهيت … لدى الرواح وفي البكور فقال: ثم ماذا؟ فقال: وإذا النفوس تقعقعت … في ضيق حشرجة الصدور فهنالك تعلم موقنا … ما كنت إلا في غرور فبكى الرشيد، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال: يا فضل دعه، رآنا في عمى فكره أن يزيدنا. وعن القاضي أبي يوسف (١)، قال: بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي، فإذا هرثمة (٢) بن أعين يدق الباب دقا شديدا، فكلمته، فقال: أجب أمير المؤمنين، فسألته الإمهال إلى غد، فقال: ما إلى هذا سبيل فاغتسلت وتحنطت، ثم صرنا إلى الرشيد، وإذا بعيسى بن جعفر ابن المنصور على يمينه، فسلمت، فرد السلام ثم قال: أظننا روعناك؟ قلت: أي والله والله وكذلك من خلفي، قال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إلي فقال: أتدري لم دعوتك؟ فقلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا إني سألته جارية عنده أن يهبها لي فامتنع، فسألته أن يبيعها فأبى، ووالله لئن لم يفعل لأقتلنه، فالتفت إلى عيسى وقلت: وما تبتغي بجارية تمنحها أمير المؤمنين؟ فقال: عجلت علي قبل أن تعرف ما عندي، قلت: فما الذي عندك؟ قال: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن (لا) أبيع هذه الجارية، ولا أهبها، فقلت له: تهب له نصفها، وتبيعه نصفها، فتكون لم تبع ولم تهب، فقال: أشهدك إني وهبته نصفها، وبعته نصفها بمائة ألف دينار، ثم أتي بالجارية وأخذ المال، فقال الرشيد: بقيت واحدة فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها مملوكة ولا بد لها من الاستبراء ووالله إن لم أبت معها ليلتي إني

стр. 8244

أظن أن نفسي ستخرج، قلت: يا أمير المؤمنين، تعتقها وتتزوجها، فإنَّ الحرّة لا تُستبرأ، قال: قد أعتقتها فمن يزوجنيها؟ قلت: أنا فقال: افعل، فدعا بمسرور وحنين الخادمين، فخطبت فحمدت الله، ثم زوجته بها على عشرين ألف دينار، ودفع إليه المال، ثم قال لي: انصرف الآن، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختًا ثيابًا، فحمل ذلك معي فالتفت إلى هرثمة وقال: فأين حقي؟ فقلت: خذ العشر، ثم إذ بعجوز فدخلت فقالت: يا أبا يوسف إنّ ابنتك تقرئك السلام وتقول: لك ما وصل إليَّ من أمير المؤمنين إلا المهر، وقد حملت إليك النصف وتركت الباقي لما تحتاج إليه، فوالله لا قبلته أخرجتها من الرق وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا، فلم تزل بي الجماعة حتى قبلت، وأمرتُ لهرثمة منها بألف دينار أخرى. وذكر (١) محمد بن علي عن أبيه قال: دخلت على الرشيد في دار عون العبادي، فإذا هو في هيئة الصيف في بيت مكشوف وليس فيه فرش، وغلالة رقيقة عليه وإزار عريض الأعلام، وكان لا يجلس في بيت الخيش لأنه كان يؤذيه إفراط الهواء، ولكنه كان يجلس ظاهره فيأتيه برد الخيش، وكان له تغار (٢) من فضة يعمل فيه الطيب والزعفران والأفاويه وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله ويُدخل سبع غلائل قصب رشيدية تقطيع النساء، تغمس الغلالة في ذلك الطيب، ويؤتى في كل يوم بسبع جوار، فتخلع عن الجارية ثيابها ثم تخلع (عليها) (٣) غلالة، وتجلس على كرسي مثقب، وترسل على الكرسي فتخلله (٤)، ثم تُنجرّ من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمدًا (٥)، حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهنّ، ويغلق البيت فيعبق بالبخور والطيب. وذكر (٦) بعضهم: أنهم كانوا مع الرشيد بالرقة، فخرج يومًا إلى الصيد فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هرون اتق الله، فقال لابن نهيك (٧)، خذ هذا إليك حتى أنصرف، فلما رجع هرون أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه، فلما أكل وشرب دعا به فقال: يا هذا، أنصفني في المخاطبة والمسألة، قال: ذاك أقل ما يجب لك (٨)، قال: فأخبرني أيما أشرّ وأخبث، أنا أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: (أنا

стр. 8245

ربكم الأعلى) و (قال) (١) (ما علمت بكم من إله غيري) قال: صدقت، فأخبرني فمن خير أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيه، اصطنعه على نفسه وأتمنه على وحيه، كلمه من خلقه، قال: صدقت، أفما تعلم أنه لما بعثه الله وأخاه إلى فرعون قال لهما ﴿فقولا له قولًا لينا﴾ وهذا في عتوه وجبروته (٢) على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحال التي تعلم أكثر فرائض الله أؤديها، ولا أعبد سواه، أقف عند أكثر حدوده فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخَذْتَ فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيًّا، فقال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا استغفر الله، قال: قد غفر الله لك وأمر له بعشرين الف درهم، فقال: لا حاجة لي (في) المال، فزجره هرثمة فقال له الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك المال لحاجتك إليه. ولكن من عادتنا ألا يُخاطب الخليفة أحد إلا وصله، فاقبل من صلتنا ماشئت فضعها حيث أحببت، فأخذ من المال ألفي درهم، وفرقها على مَنْ حَضَرَهُ. وذكر (٣) ابن بختشوع (٤)، قال: كنت مع الرشيد بالرقة (٥) وكنت أول من يدخل عليه فأتعرف خبره في ليلته، ثم ينبسط، فيحدثني بخبر جواريه ومجلسه وشربه، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالها، فدخلت عليه في غداة يوم، فرأيته عابسًا مفكرًا، مغمومًا، فوقفت بين يديه مليًا وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت عليه، فقلت: يا سيدي جعلني الله فداك، ما حالك هكذا، فأخبرني بها (٦) فلعله يكون عندي دواؤها، فقال: ويحك يا جبريل ليس غمي وفكري لشيء مما ذكرت، لكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه، فأفزعتني وملأت صدري، وأقْرَحَتْ قلبي، فقلْتُ: فَرَّجْتَ عني يا أمير المؤمنين، فدنوت، فقبلت رجله، وقلت: هذا الغم كله لرؤيا إنما تكون في خاطر أو من بخارات رديئة من تهاويل السوداء، وإنما هي أضعاث أحلام بعد هذا

стр. 8246

كله، فقال: أنا أقصها عليك، رأيتُ كأني جالس على سريري، إذْ بَدَتْ من تحتي ذراع أعْرِفُها، وكف أعرفها لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكف تربة حمراء، فقال لي قائل أسْمَعه ولا أرى شخصه، هذه التربة التي تدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة؟ فقال: بطوس، وغابت اليد، وانقطع الكلام، فقلت (١): يا سيدي أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان وما ورد عليك من انتقاضها قال: قد كان ذلك، قال: فقلت: فلذلك هذه الرؤيا وما برحتُ أطيب نفسه بضروب من الحيل حتى انبسط وأمر بإعداد ما يشتهيه ذلك اليوم في لهوه، ومرت الأيام فنسى ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدر مسيره إلى خراسان حين تحرك رافع (٢)، فخرج فلما (٣) صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة، فلم تزل تزيد حتى دخلنا طوس فنزل في منزل الجنيد بن عبد الرحمن (٤)، في ضيعة له تعرف بستاباذ (٥) فبينما هو يمرض في البستان في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا، ووثب متحاملًا يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه، كل يقول له: يا سيدي ما حالك وما دهاك؟ فقال: يا جبريل، تذكر رؤياي (٦) بالرقة في طوس، ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال:: جئني من تربة هذه الأرض فجاءه بها في كفّه حاسرًا عن ذراعيه فلما نظر إليه قال: هذه والله الذراع التي أريته في منامي وهذه والله الكف بعينها، وهذه والله التربة الحمراء، ما أخر من شيئًا، وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثالثة، ودفن في ذلك البستان. وذكر (٧) علي الربعي عن أبيه (٨)،، قال: لما وصل الرشيد إلى طوس قال: احفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفر له، فقال: احملني، فحملته في قبة أقود به حتى إذا نظر إليه، قال: يا بن آدم تصير إلى هذا؟ قالوا: ولما فرغ من حفر القبر أنزل فيه قومًا، فقرؤوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفّة على شفير القبر. قال الطبري (٩): ومات هارون وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف، وقال

стр. 8247

أبو الشيص (١) يرثي الرشيد: [من مجزوء الرمل] غَرَبَتْ في الشَّرقِ شمسٌ … فلها العينان تَدْمَع (٢) ما رأينا قط شمسًا … غَرَبَتْ من حيث تطلع وقال أبو نواس (٣): [من مجزوء البسيط] جَرَت جوار بالسعْدِ والنحس … فنحنُ في مأتم وفي عرس القلب يبكي والسن ضاحكةٌ … فنحن في وحشة وفي أُنْسِ يضحكنا القائم الأمين ويُب … كينا وفاة الإمام بالأمس بدران: بدر أضحى ببغداد بالـ … خلد، وبدر بطوس في رمس ومولده سنة خمسين ومئة، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومئة، وعمره أربع وأربعون سنة (٤)، ومدته اثنان وعشرون سنة وأربعة أشهر وقبره بقرية سناباذ من طوس. ثم: [٦] دولة الأمين، أبي موسى محمد بن هارون الرشيد وما قدمه أبوه إلا لإرضاء أمّه أم جعفر (٥)، وخؤلته، على أنه يكلف أخاه حمل مؤنته. وكان من نوكى (٦) القوم وأولى أهل بيته باللوم، لا يقيل رأيه من عثراته، ولا يحم جفنه لمقيل عبراته، فأنهمك في اللذات، وانتهك حرمة الملك واللدات، وحفر لأخيه المأمون قليبًا وقع فيها قريبًا، وكان ذا أيدٍ وقوّة، حكي أنه وثب على أسد فصرعه. وقَرَّبَ مَصْرَعُهُ، ولكنه لم يُؤيَّد بحزم يحوط به تدبيره، ويحول بينه وبين ما قضى

стр. 8248

تدميره، ولكن الله إذا أراد أمرًا بَلَغَهُ، ومن قصد أخاه بسوء دمّر الله عليه وَدَمَعَهُ، وكان كريمًا يهب البدر بالمئين ولا يسمح أن تُمَدِّ إلى مائدته يمين، وكان يبخل بالطعام، ويبخل في الشح أخلاق الطعام، وكان عنده رغيف الخبز كرغيف الأسد، لا تطاق مهاجمته، ولا يستطاع أن تقتحم أَجَمَتُه. وقال (١) علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى الأمين، وهدأ الناس أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر للصوالجة (٢) واللعب، وأمر جواريه بأن تهدي إليه غزلان تُسيّب فيه، فأهديت له، فقال شاعر من أهل بغداد: [من السريع] بنى أمين الله ميدانا … وصَيَّر الساحة بستانا فكانت الغزلان فيه بانا (٣) … يُهدى إليه فيه غزلانا وذكر (٤) محمد بن يحيى النيسابوري، قال: لما نُعي علي بن عيسى (٥) وقتله إلى محمد الأمين، وكان في وقته إذ ذاك على الشط يصيد السمك (٦)، فقال للذي أخبره: ويلك فإن كوثرًا قد أصاب سمكتين وأنا ما صدتُ شيئًا بعد. وذكر (٧) أن أحمد بن مزيد (٨) لما أراد الشخوص للقاء جيش المأمون دخل على الأمين فقال: ليوصيني أمير المؤمنين، قال: أوصيك بخصال عدة، إياك والبغي فإنه عقال النصر، ولا تقدم رجلًا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفًا إلا بعد إنذار (٩)، ومهما قدرت عليه باللين فلا تنفذه (١٠) إلى الشدّة، وأحْسِنْ صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستبقها (١١) فيما يخوف رجوعه علي، وكن لمن تقدمك أخًا (١٢) ولا تخذله إذا استنصرك، ولا

стр. 8249

تبطئ عليه أن استنصرك ولتكن أيديكما واحدة، وكلمتكما متفقة، ثم قال: سَلْ حوائجك وعجل السراح إلى عدوّك، فدعا له أحمد بن مزيد وقال: يا أمير المؤمنين بكر (١) لي في الدعاء، ولا تقبل في قول باغ، ولا ترفضني قبل المعرفة بذنبي (٢) ولا تنقض علي ما استجمع من رأي، ومُنْ عليَّ بالصحف عن ابن أخي عبد الله بن حميد (٣)، وكان قد أمره الأمين بالخروج فتشرط فحبسه. وحكي: أنه لما كان محصورًا خرج يومًا خادمه كوثر، وكان مضنى به حبًّا، وكلفًا به غرامًا، فأصابته جراحة أَدْمَت حرّ وجهه، ونثرت ورد دمه على ياسمين خدّه، فقال: [من مجزوء الرمل] ضربوا قرة عيني … ومن أجلي ضربوه أَخَذَ الله لقلبي … من أناس جرحوه وكان (٤) أبو نواس قد اعتقله الرشيد على كلمة قالها تعرض فيها إلى التنقص بقريش، فلما ولي الأمين، وكانت لأبي نواس به ذمّة قديمة فقال: [من الطويل] تذكر أمين الله والعهد يذكر … مقامي وإنشاديك والناس حُضّرُ ونثري عليك الدر يا در هاشم … فيا مَنْ رأى درًّا على الدر ينثر أبوك الذي لم يملك الناس مثله … وعمك موسى عَدْلُه متخيَّر وجدك مهدي الهدى وشقيقه … أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر وما مثل منصوريك منصور هاشم … ومنصور قحطان إذا عُدَّ مفخر فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا … وعبد مناف والداك وحِمْيَرُ فغنت جارية بهذه الأبيات بين يدي الأمين، فقال: لمن هذه الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، وقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، قال: ليس عليه بأس، قال: نبعث إليه رجل من المجلس يعلمه بحاله قال: فقال (٥): [من الوافر] أرِقْتُ وطار عن عيني النعاس … ونامَ الساهرون (٦) ولم يُواسوا

стр. 8250

أمين الله قد ملكت ملكًا … عليك من التقى فيه لباس كأن الخلق في تمثال رُوحٍ … لَهُ جَسَدٌ وأَنت عليه راس أمين الله إنَّ السجن يأسٌ … وقدْ أَرْسَلْتَ: ليس عليك باس فلما أنشدت له قال: صدق والله عليَّ به، فجيء به في الليل، فكسرت أقياده، وأخرج حتى أُدخل عليه فأنشده: [من الخفيف] مرحبًا مرحبًا بخير إمام … صيغ من جوهر الخلافة نَحْتَا (١) ياشبيه المهدي بذلا وجودًا … وشبيه المنصور هديًا وسمتا ثم كان في صحبته حتى أخذ من السفين وأودع أحشاء الأرض من الدفين. وذكر عمر بن شبة: أن أحمد بن محمد الهاشمي حدثه أن لبابة بنت علي بن المهدي قالت حين قتل الأمين، وكانت تحته، ولم يكن دَخَلَ بها، ولا ضمها فراش حظي فيه بقربها، ووضعت له سجوف نقبها: [من البسيط] أبكيك لا للنعيم والعرس … بل للمعالي والرمح والفرس (٢) أبكي على هالك فُجِعْتُ به … أَرْمَلَني قبل ليلة العُرس ولد في شعبان سنة إحدى وسبعين ومئة، وتوفي في المحرم سنة ثمان وتسعين (٣) ومئة وعمره سبع وعشرون سنة، ومدته أربع سنوات وتسعة أشهر، وقبره ببغداد. ثم: [٧] دولة المأمون، أبي العباس عبد الله بن هارون الرشيد هو أجمع القوم لفضل متنوع من العلم والحلم والكرم والشجاعة والوفاء والنظم والنثر والآداب، إمامًا مقدمًا في كل هذه الفضائل، ومعظمًا في علوم المتأخرين والأوائل، مع ما طبع عليه من كرم الأخلاق، وخصَّهُ به من تمام السعادة ومضاء المهابة، لا يعدله في القوم نظير فيما جمع من المناقب الثاقبة والخلائق الجميلة، أربى علمه على اليونان، وحلمه على ثهلان (٤) وكرمه على ابن مامة، ووفاؤه على

стр. 8251

السموأل (١)، وشعره على جرول (٢)، ونثره على سحبان (٣)، وآدابه على ملوك بني ساسان، وقد صفح عن عمه إبراهيم ابن المهدي (٤)، وقد واثبه في خطواته، وابتز الخلافة من لهواته، ولما ظفر به تغمده بحلمه، وتعمده بالعفو على علمه، وعمل في هذا ما لم يسمع مثله قبله ولا بعده، وخلّد له ذكرًا لا تبلى لديباجته جده، وكذلك عامل أم جعفر (٥) بإكرام برد حرارة حزنها وخفّف حزازة شجنها، حتى سل سخيمة صدرها، وحل عقدة الحزن عن فكرها، وألهاها ببره لها عن ابنها، ونهاها نهى حلمه عن تشويش الدموع في جفنها، فأسلاها مصاب ولدها وأنساها ذهاب قطعة من كبدها، أخذها في أمره بالمغالطة واستدرك لها بالمجالسة مهجته الفارطة، فتسلت به سلوة الحزين وتعوضت ببقاء المأمون عن الأمين، فعاودت مقلتها هجوع الكرى، وقالت وفي الحي بالميت الذي غيّب في الثرى، وسارت سِيرَهُ وصارت لا تمل منها مطالعها، ولا تخلّ بأنه كلما فارقها نظره يراجعها، تصبح حيث أمسى في سطورها المبرة، وصدورها المجوهرة، ويرود منها روضة أدبية، يتخير فيها من مشارق التصنيف حتى الأنوار، ويتخير بها لؤلؤ الطل في حدق النوّار، وعهد إلى علي الرضا (٦) وأصارها علوية، ثم عاجله الموت، وما كان في سعادة الناس تمام تلك

стр. 8252

القضية. إلا أنه أبلى الناس بالمحنة في القول بخلق القرآن (١)، ولم يطهر منها أيامه ولها قروء ولا قرآن، وذلك عن نَظَرِ نَظَره، ورأي نبه على نفسه خطره. ومن أخباره أنه لما خرج من خراسان شيعه حميد الطوسي (٢)، فسار معه فراسخ، فالتفت إليه المأمون وقال: ارجع أبا غانم (٣): [من الكامل] عجبًا لقلب مُتَيَّم أحبابه … ساروا خلف كيف لا يتضرَّع ارجع فحسبك ما تبعت ركابنا … إن المتيم لا محالة يرجعُ وشكا (٤) اليزيدي إلى المأمون دينًا لحقه، فقال له: ما عندنا في هذه الأيام ما أن أعطينا له بلغت ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين: إن غرمائي قد أرهقوني، قال: انظر لنفسك أمرًا تنال به نفعًا، قال: يا أمير المؤمنين إن لك ندماء فيهم مَنْ إن حركته نلت منه نفعًا، قال: أفعل، قال: إذا حضروا إليك مر فلانًا الخادم يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذّر، ولكن اختر لنفسك من أحببت، قال: أفعل، فلما علم اليزيدي بجلوس المأمون مع ندمائه بعث إليه مع خادم رقعة فيها: [من السريع] يا خير إخواني وأصحابي … هذا الطفيلي على الباب (٥) فصيروني واحد منكم … أو فأخرجوا لي بعض أترابي فقرأها المأمون عليهم قالوا: ما ينبغي يدخل علينا على هذه الحال، فارسل إليه المأمون: دخولك متعذّر فاختر لنفسك مَنْ أَحْبَبْتَ، فقال: ما أريد إلا عبد الله بن

стр. 8253

طاهر (١)، فقال له المأمون: قد اختارك فَصِر إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أكون شريك الطفيلي؟ فقال المأمون: ما يمكنني ردّ أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه، فقال: على عشرة آلاف درهم، قال: لا تقنعه، فما زال يزيد عشرة عشرة والمأمون يقول لا تقنعه حتى بلغ مائة ألف، فقال له: عجلها، فكتب بها إلى وكيله، ووجه معه رسولًا وأرسل إليه المأمون اقبض هذه الدراهم في هذه الساعة فهي أصلح لك من منادمته وأنفع لك. وعن محمد بن عمر الواقدي (٢)، قال: أوْصَلْتُ إلى المأمون رقعة أشكو فيها الدين، فَوَقع عليها: فيك خلتان الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أخرج ما في يديك، وأما الحياء فهو الذي قطعك عن اطلاعنا على حالك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فإن كانت فيها بُلْغَةٌ فذاك وإن يكن غير ذلك فهذه ثمرة ما جنيت على نفسك، فأنت حدثتني وأنت قاض للرشيد عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «مفاتيح الرزق بها متوجهة تحت العرش، فيتنزل الله تعالى أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر الله له ومن قلل، قلل الله له، قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث حتى حدثني به المأمون، فكان أحظى عندي من الصلة». وألف سهل بن هارون (٣) كتابًا يمدح فيه البخل ويذم الكرم ليُظهر قدرته على البلاغة (٤) ورضع قدرته في ألطف الصياغة، ثم قدَّمه إلى المأمون على يد الحسن بن سهل (٥)، فوقع عليه: لقد مدحت ما ذمَّهُ الله، وحَسَّنْت ما قبح، وما يقوم صلاح

стр. 8254

لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا نوالك عليه قبول قولك فيه. وقال ظفر (١): وبلغني أن الرشيد أقر جماعة من العلماء بمعاينة المأمون وهو غلام ليقتبس من آدابهم وعلومهم، فبات عنده ليلة الحسن بن زياد اللؤلؤي (٢)، فبينا هو يحادثه نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير؟ فاستيقظ وقال: سويقي ورب الكعبة يا غلام، خذ بيده وأخرجه، فبلغ ذلك الرشيد، فأعجبه وقال متمثلا: [من الطويل] وهل ينبت الخطي إلا وشجةً … وتغرس إلا في منابتها النخل قال محمد، إنما فعل ذلك المأمون لسوء أدب اللؤلؤي، ووجه الأدب مع الرئيس إذا نام أن يتنحى عنه جلساؤه، فيكونوا بموضع يقرب منه. قال ابن ظفر: ومما قيل: إن الكسائي كان لا يفتح على ولد الرشيد إذا غلطوا، إنما كان ينكس طرفه، فإذا غلط أحدهم نظر إليه وربما ضرب الأرض بخيزرانة في يديه، فإن سدد القارئ للصواب مضى، وإلا نظر في المصحف، فافتتح المأمون عليه يوما سورة الصف، فلما قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) نظر إليه الكسائي، وتأمل المأمون، فإذا هو مصيب، فمضى في قراءته ولما انقلب إلى الرشيد قال: يا أمير المؤمنين إن كنت وعدت الكسائي وعدا فإنه يستنجزه، فقال: إنه كان استوصلني للقراء، فوعدته، فهذا هو الذي قال لك، فقال المأمون: إنه لم يقل لي شيئا، وأخبره بالأمر فتمثل الرشيد بقول القائل في ثابت (٤) بن عبد الله بن الزبير بن العوام: [من الطويل] ورثت أبا بكر أباك ثباته … وسيرته في ثابت وشمائله وأنت امرؤ ترجى بخير وإنما … لكل امرئ ما أورثته أوائله وقيل: إن الرشيد ناظر يحيى بن خالد فيمن يعهد إليه من ولده أولا، وعلم يحيى ميله إلى زبيدة أم الأمين وإنه يؤثر هواها فخطب في حبلها، فأحضر الرشيد الأمين

стр. 8255

والمأمون وهما صبيان، فأغري بينهما، فأسرع الأمين إلى المأمون فنال منه، وكان المأمون أحلمهما، ثم إنه أمرهما أن يتصارعا، فوثب الأمين ولزم المأمون مكانه، فقال الرشيد: مالك لا تقوم يا عبد الله، أخِفْتَ ابن الهاشمية، أما إنه أيد، فقال المأمون: هو على ما ذكره أمير المؤمنين، ولكني لم أخِفْهُ، وإنما قبض يدي عنه ما قبض لساني حين أسمعني، فقال له الرشيد: فما الذي قبض يدك ولسانك عنه، قال: قول الأموي لبنيه يوصيهم: [من الكامل] انقوا الضغائن بينكم وتواصلوا … عند الأباعد والحضور الشهد بصلاح ذات البين طول بقائكم … وذماركم بتقطع وتفرد فلمثل ريب الدهر ألف بينكم … بتعاطف وترحم وتودّدِ حتى تلين جلودكم وقلوبكم … لمسوّدٍ منكم وغير مسود إن القداح إذا جُمِعْنَ فرامها … بالكسر ذو حنق بطش أيد عزت فلم تُكْسَر وإن هي بدّدت … فالوهن والتكسير للمتبدد فرق الرشيد رقة شديدة واغرورقت عيناه بالدموع، فكفكفها ثم أقبل على الأمين فقال: يا محمد، ما أنت صانع إن صرف الله إليك أمر هذه الأمة؟ فقال: أكون مهديًا يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: إن تَفْعَل فأهل ذاك أنت، ثم أقبل على المأمون فقال: يا عبد الله ما أنت صانع إن صَرَفَ الله إليك أمر هذه الأمة؟، فابتدرت دموع المأمون، وفطن الرشيد لما أبكاه، ولم يملك عينه، فأرسلهما وبكى يحيى، فلما قضى من البكاء إربًا عاد الرشيد لمسألة المأمون، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال الرشيد: عَزَمْتُ عليك أن تقول فقال: إن قدّر الله ذلك جعلت الحزن شعارًا، والحزم دثارًا، واتخذتُ سيرة أمير المؤمنين مشعرًا، لا تستحل حرماته، وكتابًا لا تبدل كلماته، فأشار الرشيد إلى الأمين والمأمون بالانصراف، ثم ذهبا، ثم أقبل على يحيى وأنشده بيت صخر بن عمرو: أهم بأمر الحزم لو استطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان فقال يحيى: قد هيأ الله لأمير المؤمنين من أمره رشدًا. وكان محبًا في لعب الشطرنج، وكان يقول: هو فكري، يشحذ الدهن، ولم يكن فيه حاذقًا، وكان يقول: أدير أمر الدنيا فاتسع فيه، وأضيق في تدبير شبرين في شبر، وفيه يقول: [من البسيط] أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين الفين مخصوصين بالكرم

стр. 8256

تذاكرا الحرب فاختالا لها مثلًا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم وأما خروج عمه إبراهيم بن المهدي (١) عليه فكان سببه إن المأمون لما أراد أن يصرف الخلافة إلى علي بن موسى الرضى، وبدل السواد بالخُضْرة، نقم عليه بنو أبيه، فلما كان بخراسان خلع أهل بغداد طاعته، وبايعوا ابن المهدي، ولقبوه المبارك، فلما تمهد له الأمر أساء إلى الجند، ومنعهم أرزاقهم، فاضطربوا عليه يوم الجمعة سنة ثلاث ومائتين، وكانت مدته نحو سنة، واختفى، وبلغ المأمون الخبر، فأتى بغداد، فدخلها يوم السبت سادس عشر (٢) صفر سنة أربع ومائتين، ولم يزل ابن المهدي مختفيًا إلى أن خرج متنقبًا على هيئة امرأة بين امرأتين ليلة السابع عشر من ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فأخذه الحرس على أنهم عواهر فأعطاهم خاتمًا من ذهب فصّه ياقوت يساوي مالًا عظيمًا، فأنكروا ذلك وحملوه إلى صاحب الشرطة، فعرفه وحمله إلى المأمون، فأمر به فَجُعل في مكان (٣)، فلما كان من الغد أخرج وأظهر للناس على ما أمسك عليه فقال له المأمون: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذنب كما جعل كل ذنب دونك، فإن عاقبت فبحقك، وإن عَفَوْتَ فبفضلك فقال له المأمون بل نعفوا يا إبراهيم، فكبّر، ثم خر ساجدًا، فلما رفع رأسه أنشده (٤): [من الطويل] يا خير من وَخَدَت به شدنيّة (٥) … بعد الرسول لآيس أو طامع (٦) متيقظًا حَذِرًا وما يخشى العدى … يقظان من وسنات (٧) يوم الهاجع ملئت قلوب الناس منك مخافة … وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع نفسي فداؤك إن تضيق (٨) معاذري … وألوذ منك بفضل حلم واسع

стр. 8257

أملًا لفضلك والفضائل شيمةٌ … رفعت ثنائك بالمحل اليافع (١) فبذلت أفضل ما تضيق ببذلهِ … وُسع النفوس من الفعال البارع إلا العلو عن العقوبة بعدما … ظَفَرتْ يداك بمستكين خاضع ورحمت أطفالًا لأفراخ القطا … وعويل عانسة كقَوسِ النازع الله يعلم ما أقولُ فإنَّها … جَهْدُ الألية من حنيف رائع ما إن عصيتك والغُواة تقودني … أسبابها إلا بنيَّةِ راجع (٢) حتى إذا علقت حبائل شقوتي … بِرَدى إلى حُفَرِ المهالك هائع (٣) لم أدْرِ إن لمثل جُرمي غافر (٤) … فوقفت أنظر أي حتف صارعي رد الحياة علي بعد ذَهَابِها … وَرَعُ الإمام القادر المتواضع أحياك مَنْ وَلاك أطول مُدَّةٍ … ورمى عدوك في الوتين بقاطع اسمام ما أدلي إليك بحجة … إلا التضرع من مقر خاضع (٥) كَمْ مِنْ يَدٍ لك لم تُحدِّثني بها … نفسي إذا ثابت (٦) إِلَيَّ مطامعي أَسْدَيْتَها عفوًا إلى هنيئةً … فشكرت مصنعها (٧) لأكرم صانع إن الذي قسم الخلافة حازها … في صلب آدم للإمام السابع جمع القلوب عليك جامِعُ أمْرِها … وحوى رداؤك كل خير جامع فلما فرغ منها قال له: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٨) ثم أمر بالخلع فَخُلِعَتْ عليه، وصَرَف إليه أمواله وضياعه، فأنشده (٩): [من البسيط] رَدَدْتَ مالي ولم تَبْخَلْ (١٠) عليَّ بهِ … وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي فبؤتُ عنك وما كافائتها بيدٍ … هما حاتان من موت ومن عدم البربي وطا العُذْرَ عندك لي … فيما أتيت (١١) فلم تُعْذَل ولم تُلَمِ

стр. 8258

وقام علماك بي فاحتج عندك لي … مقام شاهد عدلٍ غير مُتّهم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به … فلا عدمناك من عافٍ ومنتقمِ ثم شفعت فيه بوران (١) فقربه ونادمه ولم يزل مكرمًا مبرورًا إلى أخر عمره. وكان سبب موت المأمون (٢) انه كان على نهر البذَنْدُون (٣) مدليًا ساقيه في الماء، قال: ما رأيت أبرد من هذا الماء ثم ذاقه وقال: ما أطيب طعمه؟ ثم التفت إلى سعيد العلاف (٤)، قال: أي شيء يصلح أن يؤكل عليه؟ قال: أمير المؤمنين أعلم، قال: الرطب الأزاذ، قال: أنى لنا به في بلاد الروم، فما تمَّ كلامه حتى سمع لجم البريد، فالتفت فرأى على أعجازها أحقاب فيها ألطاف ومنها رطب الأزاذ، فحمد الله هو ومن كان معه، فما قام أحد ممن أكَلَهُ إلا محمومًا، فكان ذلك أول علّته، ثم ظهر له في رقبته نفخة كانت تعتاده، فخطأ الطبيب في فتحها قبل النضج فهلك. ويقال: إنه لما خرج في تلك الغزاة صاح في أحد الليالي لغلام اسمه شقير وقال له: ويلك من يُغني؟ قال: ما يغني أحد قال: ثم تَسَمَّعْتُ فلم أسمع شيئًا، فقلت ما أسمع حِسًّا، قال: بلى والله إنه كان يغني: ألم تعجب لمنزلة ودور … خَلَتْ بين المشقر والحرور كأن بقية الآثار فيها … بقايا الخط من قلم الزبور ثم اعتل في الليلة الثالثة. وحكى ابن المهدي قال: رأيتُ في منامي كأن جارية من جواري الرشيد وفي يدها عود وهي على منبر رسول الله ﷺ تنشد: سوف يأتي الرسول من بَعْدِ شَهْرٍ … بنعي الخليفة المأمون قال: فقلتُ هذه مفسرة، فجاء نعيه بعد شهر. وولد سنة سبعين ومئة، وتوفي سنة ثمان عشر ومائتين وعمره ثمان وأربعون سنة وشهور، ومدته عشرون سنة وستة أشهر، وقبره على البذندون بطرسوس من بلاد الروم.

стр. 8259

ثم: [٨] دولة المعتصم بالله (١)، إبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد عهد إليه أخوه المأمون، وشهد بأهليته هو والمسلمون، ونطقت أسنة السنة فما كذبت، وصدقت مضارب سيوفه فما نبَتْ، وكان فارسًا شجاعًا بطلًا، مناعًا، راميًا، محاميًا، بصيرًا بمواقع الحرب وترتيب الجيوش وقتل الأعداء وحملهم من رماحه على النفوس، وكان كما يوسم أخوه مخيلة عارضة الهتون، وخميلة أرضه الهرون (٢)، واستكثر من الغلمان الأتراك، وأحل كبراؤهم منه بمكان الاشتراك، حتى حدث بعده منهم ما حدث، وأحدثوا ما لو شعر به لقام لا يواريه حدث، فإنهم فعلوا ما كانوا دون قدره، وقتلوا مِنْ بنيه من تلوث بدمه الصباح، وهاطرا طيشه (٣) على شفق فجره، فأما في زمان المعتصم، فإنهم كانوا في مزيد الاستطاعة عبيد الطاعة، إلا أنَّ منهم من قسا، ووكل السيف في عقابه لما أسا، ويكفي المعتصم نوبة عمورية (٤)، وما ظهر فيها من عزيمته المصمّمة، وشكيمته المهيمنة، وإنه لما هتفت باسمه تلك المرأة. هفت إليها طلائع الممرة وقال: لا يكشف الغماء إلا ابن حرّة (٥) وقاد إليها عسكرًا يتشكى الشتاء البارد حرّه، فأتى عمورية وهو يرى غمرات الموت ثم يزورها، وقاسم أهلها سيوفه، فكانت في عساكره غواشيها وفيهم صدورها (٦)، حتى يسر الله له فتحها، وقدّر له منحها، ويقال إنه افتر في يوم شديد البرد من أيامه عليها أربعة آلاف قوس، ورمى على كل قوس منها سهما، وكان يومًا يودُّ بياض نهاره لو كان لوقود النار فحما ولم يكن المعتصم يعاب إلا بأمية فيه، وإنه عمل في المحنة (٧) بوصية أخيه

стр. 8260

فأَخَذَ النَّاس بها، وواخذ من امتنع، ودعا إليه بالسيف والسوط، وجرى زمانه كله لا يني على هذا الشوط، حتى ألزم بكلمتها، وشوه وجوه أيامه المبيض بظلمتها، على أنه لم يكن إذا علم عمل به فاتبعه، وعلم أنه الحق فشرعه، إلا أنه سمع قولًا ظنَّهُ الصدق فأيَّدَهُ، وتلقى وصيته عن أخيه فعمل بها وقلده، وسأل أحمد بن حنبل (١) فأيده الله بالقول الثابت، وابتلاه بأنواع البلاء وهو بمواجهته بالإنكار لقوله متكلم لا ساكت. وكان مغرى بالاستكثار من الأتراك، ما مات حتى كمل ثلاثين ألفًا منهم، وكان معظمًا لهم، موفرًا نصيبهم، حكي أنه أجلس مملوكه اشناس (٢) إلى جانبه على كرسي، وتوجه بتاج من ذهب، ووشّحه بوشاحين ذهب، مرصعين بالجواهر، وطوّقَهُ بطوق ذهب مجوهر بقطع يواقيت أصغرها زنة عشرة مثاقيل، وسوّره بسوارين ذهب، وعقد له ثلاثة ألوية، وحمله على فرس أدهم أغر من مراكيب الخلافة بسرج ثقيل ذهب مرصع بالجوهر واللؤلؤ الثمين، وقاد خَلْفَهُ سبعة أفراس وعمل له موكبًا يحمل في السلاح والعمد والطبرزينات (٣) والتراس، والخزانة، وغير ذلك من شعار الملوك، وخاطبه بملك الأمراء وكذلك صنع ببابك الخرّمي (٤) في التعظيم والتكريم، حتى أطلع على سوء معتقده، فجعله همة حتى أصاره إلى ما صار وأحلّه وبعض ما يستحق دار البوار. وعن محمد بن القاسم، قال: دَخَلَ المعتصم يومًا إلى خاقان يعوده، فرأى ابنه الفتح وهو صغير لم يتعد، فمازحه ثم قال: أيما أحسن دارنا أم داركم؟ فقال الفتح: يا سيدي دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح أو ينثر عليه مائة ألف درهم، فأحضرت، ونثرت عليه. وحكى علي بن الحسين بن عبد الأعلى أن عبد الله بن طاهر أهدى إلى

стр. 8261

المعتصم شهرين ملمعين (١)، ذكر أن خراسان لم تخرج مثلهما، فسأله بغا (٢) أن يحمله على أحدهما، فأبى، وقال: تخيّر غيرهما ما شئت فخذه، قال: فخرجنا ولم يأخذ شيئًا، فلما صرنا بطبرستان عرض له قوم من أهلها فقالوا له: إنّ في بعض هذه الغياض سبعًا قد استكلب على الناس وأفناهم، فقال: إذا أردتُ الرحيل غدًا كونوا معي حتى أقف على موضعه، فأخذوه في عشرين فارسًا من غلمانه ومعه قوس ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى مكانه، وثار السبع في وجهه فحرك فرسه من بين يديه، وأخذ نشابة من النشابتين، فرماه في لبته فمرّ السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، قال: وعاد بغا إليه فما اجترأ أحَدٌ على النزول إليه حتى نزل بغا فوجده ميتًا، قال: فشبرناه، فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبرًا، ووجدناه أحص الشعر (٣) إلا معرفته (٤)، قال: فكتبنا بخبره إلى المعتصم، فلحقنا جواب كتابنا بحلوان (٥) يذكر فيه أنه قد تفائل بقتل السبع أن يكون من علامات الظفر ببابك، ووجه إلى بغا بالشهريين (٦) وسبعة أفراس من خواص مراكيبه بمراكب يقال من الذهب وسبعة خلع من خاصة خلعه، وخمسمائة ألف درهم صلة له وجزاء على قتله السبع. قال (٧) زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيها فركب في الزلال (٨) في دجلة وأنا معه، فمرّ بإزاء منازله فقال: يا زنام أزمر لي: [من السريع] يا منزلًا لم تَبْلَ أطلاله … حاشى لأطلالك أن تُبلى لم أبكِ أطلالك لكنَّني … بكيْتُ عَيْشي فيك إِذْ وَلَّى والعيش أولى ما بكاه الفتى … لابُدَّ للمحزون أن يسلى قال: فما زِلْتُ أزمر هذا الصوت وأكرره، وقد تناول المعتصم منديلًا بين يديه،

стр. 8262

فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه يَنْتَقِبْ، ثم رجع إلى منزله فاحتضر، وجاءه من الموت أمر قد قُدِر، وجَعَلَ يقول: ذهبت الحيلة ليست حيلة، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان. ومولده سنة سبع وتسعين ومائة. ولما مات صنع للواثق لحنًا وغنى به فيه وهو: [من الوافر] أبت دار الأحبة أن تُبينا … أجدك ما رأيت بها معينا (١) تُقطع حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى … نفوس ما أُثبن وما جزينا ثم: [٩] دولة الواثق بالله (٢): أبي جعفر هارون بن محمد المعتصم ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه المأمون ولاب على موارد المحنة، ولاث مفارق من خالفه بعصابة المهنة، واشتدَّ في التحرج بهذا المذهب والتولج في ظلمة هذا الغيهب (٣)، وكان كريمًا جوادًا، وله اعتلاء في الأدب، واعتناء به، يَنْسَل إليه أهْلُه من كل حدب، وكان له صنعة في الموسيقى، وروي له فيها أعمال تحرّك الصخور، وتحرّض سامعها على اغتنام أيام السرور، وكان مع هذا مهيبًا موقرًا في الصدور، موفى بمهابة أمنع من السنور، وكانت له على الأتراك حرمة خطرت على خواطرهم الخطرات، وقصرت لواحظهم تحت سجف العبرات، وكان إذا ذكر لهم تربع بهم أوهامهم، وترتعد مفاصلهم فما تقلّهم أقدامهم. وحكى ابن أبي دؤاد (٤) عنه كلامًا معناه: حضرته وهو قاعد ينتفش وبيد بعض

стр. 8263

الغلمان مرآة كأنها درهم في كف مرتعش، والغلام يتجلل فرقًا. ويتكلل جبينه عرقًا، كأنه في عقابيل حمى، أو في وبيل حمى سقي به سُمًّا، قد نكس إلى الأرض كأنه راعف، أو كأنه ينظر موضع مصرعه وهو واقف. وحكي أنه مات وأَكَلَتْ السنور عينه وغلمانه صفوف وقوف على بُعد منه، فما منهم مَنْ تجاسر أن يتقدم إليه ويكشف خبره، ولا يرفع إليه طرفه ويتحقق نظره. وعن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دؤاد، قال: قال الواثق يومًا لأبي تضجرًا بكثرة حوائجه: يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها مُتصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق إيصال الألسن بحلو المدح فيك، قال: يا أبا عبد الله والله لا يمنعك ما يزيد في عشقك ويقوى من همتك فينا ولنا، ثم لم يتضجر بعدها بحاجة يُعرضها عليه. وحكي: أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيل إلى الأتراك وقد أغمي عليه أنه قضى فدنا منه تركي يقال له إيناخ (١) ليعلم هل مات أم لا، فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى إيناخ، فرجع القهقرى فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط إيناخ على قفاه لما نظره هيبة له ورغبًا لما داخلَهُ من النظر إليه، ثم لم يمر على الواثق ساعة حتى مات، فأخذ وجعل في بيت فما قام إلا يسيرًا فوجد وقد أخرجت الفأرة عينه، فسبحان القادر الفعّال لما يريد لا إلاه إلا هو، ثم كان بموته قوة شوكة الأتراك. ثم: [١٠] دولة المتوكل على الله (٢)، أبي الفضل جعفر بن محمد المعتصم بدأ أمْرَهُ بكشف المحنة، ودحا مجاري سيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرين على إنكارها، والمصرّحين بسوء آثارها،

стр. 8264

ونزه القرآن الكريم، وقال: إنه منزل غير مخلوق وصفة من صفات الله القديمة، سابقًا غير مسبوق، فأيد الحق ونصره، وسدد إليه رأيه وبصره، إلا أنه كان مزورًا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ويُرمى ببغضه، ويغري من لا خلاق له بحط مقداره وغضه، حتى قيل إنه كان يأمر مخنثًا كان عنده اسمه عبادة (١) أن يصنع له بطنًا تشبها بعلي ﵁، ثم يأمره بأن يرقص ويغني له بما ننزّه كتابنا عن ظلمة ظلمه، وندع قائله وما باء بإثمه، وكان يتمضمض بذكره بكذب يضعه، واختلاق يرفعه الله به كلما أراد أنه يضعه، حتى قيل إن ابنه المنتصر كان يحرج قلبه هذا الاستهتار، ويقدح عنده نارًا طار منها ذلك الشرار، وأنه دخل عليه يومًا وذلك الممسخر قد تلبس بهذه الحال، ونمق وقته بزخرف ذلك المحال، والمتوكل قد استغرب ضحكًا، واستعذب بذوقه السقيم ما يُحكى، فنهى المتمسخر وزجره، ثم تقدم إلى أبيه ولامه وما عذره، وقال له: يا أمير المؤمنين إنما هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو لم يكن له ما له من الفضل لكان ابن عمك، وإنما تأكل قطعة من لحمك، ثم وعظه ونهاه ونصحه لو قبل نصحه أو وعاه، فما صبر إلا ريثما ولى، ثم أمر ذلك الممسخر الطرف الوضيع الساقط أن يغني ويقول: [من مجزوء الكامل] غضب الحبيب لابن عمه … رأس الفتى في كس أُمه قد قال تأكل لحمه … فأجبته يا طيب لحمه وأمره أيضًا أن يغني ويقول: غار الفتى لابن عمه … رأس الفتى في حُر أُمه فلما قتل المتوكل والفتح بن خاقان قتل معهما ذلك الساقط الحقير وعجل بروحه إلى النار وبئس المصير. وكان المتوكل مغرى بالبناء، وأنفق فيه خزائن آبائه، وأسرع فيه دبيت الفناء، فبنى من المنازل قصورا تتضاءل لها المنازل قصورا (٢). ولما أزال المحنة جمع الناس على مذهب مالك بن أنس ﵀، وإنما كان في الانحراف عن علي كرم الله وجهه في الغاية التي ما بعدها، وأمر بهدم قبر السيد

стр. 8265

الحسين بن علي ﵉، وخراب ما حوله من المساكن، وأن تحرث وتزرع، فعمل فيه الناس أشعارًا، من أحسن قول بعضهم (١): [من الكامل] تا الله إن كانت أمية قد جَنَتْ … قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد رماه بنو أبيه بمثلها … أضحى حسين قبره مهدوما أَسَفُوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما ولد في (شوال من سنة ست ومائتين) (٢) وقتل ليلة الأربعاء لابع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين في مجلس الشراب باتفاق من ابنه المنتصر وبغا التركي (٣). ثم: [١١] دولة المنتصر بالله (٤): أبي جعفر محمد بن جعفر المتوكل انتصر لابن عم نبيه، وانتصب له انتصاب حمي الأنف أبيه، وانتصف لذي قرابته من أبيه، وأرتعه في وبيل المرعى ووبيه (٥)، وانتضى له (سيف) العهد والعمد، وطوق بِجَنيهِ وواطى عليه صوارم الأتراك ووالى إليه عزائم الإدراك، حتى قتل تلك القتلة، وبرد غيظه وشفى الغلة ولهذا مني بالهلك بعده، وما هنيء بالملك ولا طالَتْ له مدة، فكانت قضيته شبيهة بقضية شيرويه، كلاهما قتل أباه، فما قبل الملك تملكه وأباه، فما سعى إلى السرير حتى قَصَرَتْ خطوة أجلِهِ، وقصّرت سطوت المنايا على عجلة، فحقرت (٦) كتب التهاني بالتعازي وَوَسَمَتْ سمة فعله بالمحاسن والمخازي، فمن حمله على أنَّه غار الله ولابن عم رسوله شكره، ومَنْ حمله على أنه غال أباه للملك لم يكفر له ذنوبه المعذرة، ومن يوم مدت الأيدي بالمبايعة إليه قال الناس:
следующие страницы →