← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

المعتصم شهرين ملمعين (١)، ذكر أن خراسان لم تخرج مثلهما، فسأله بغا (٢) أن يحمله على أحدهما، فأبى، وقال: تخيّر غيرهما ما شئت فخذه، قال: فخرجنا ولم يأخذ شيئًا، فلما صرنا بطبرستان عرض له قوم من أهلها فقالوا له: إنّ في بعض هذه الغياض سبعًا قد استكلب على الناس وأفناهم، فقال: إذا أردتُ الرحيل غدًا كونوا معي حتى أقف على موضعه، فأخذوه في عشرين فارسًا من غلمانه ومعه قوس ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى مكانه، وثار السبع في وجهه فحرك فرسه من بين يديه، وأخذ نشابة من النشابتين، فرماه في لبته فمرّ السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، قال: وعاد بغا إليه فما اجترأ أحَدٌ على النزول إليه حتى نزل بغا فوجده ميتًا، قال: فشبرناه، فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبرًا، ووجدناه أحص الشعر (٣) إلا معرفته (٤)، قال: فكتبنا بخبره إلى المعتصم، فلحقنا جواب كتابنا بحلوان (٥) يذكر فيه أنه قد تفائل بقتل السبع أن يكون من علامات الظفر ببابك، ووجه إلى بغا بالشهريين (٦) وسبعة أفراس من خواص مراكيبه بمراكب يقال من الذهب وسبعة خلع من خاصة خلعه، وخمسمائة ألف درهم صلة له وجزاء على قتله السبع. قال (٧) زنام الزامر: أفاق المعتصم في علته التي مات فيها فركب في الزلال (٨) في دجلة وأنا معه، فمرّ بإزاء منازله فقال: يا زنام أزمر لي: [من السريع] يا منزلًا لم تَبْلَ أطلاله … حاشى لأطلالك أن تُبلى لم أبكِ أطلالك لكنَّني … بكيْتُ عَيْشي فيك إِذْ وَلَّى والعيش أولى ما بكاه الفتى … لابُدَّ للمحزون أن يسلى قال: فما زِلْتُ أزمر هذا الصوت وأكرره، وقد تناول المعتصم منديلًا بين يديه،

стр. 8262

فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه يَنْتَقِبْ، ثم رجع إلى منزله فاحتضر، وجاءه من الموت أمر قد قُدِر، وجَعَلَ يقول: ذهبت الحيلة ليست حيلة، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان. ومولده سنة سبع وتسعين ومائة. ولما مات صنع للواثق لحنًا وغنى به فيه وهو: [من الوافر] أبت دار الأحبة أن تُبينا … أجدك ما رأيت بها معينا (١) تُقطع حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى … نفوس ما أُثبن وما جزينا ثم: [٩] دولة الواثق بالله (٢): أبي جعفر هارون بن محمد المعتصم ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه المأمون ولاب على موارد المحنة، ولاث مفارق من خالفه بعصابة المهنة، واشتدَّ في التحرج بهذا المذهب والتولج في ظلمة هذا الغيهب (٣)، وكان كريمًا جوادًا، وله اعتلاء في الأدب، واعتناء به، يَنْسَل إليه أهْلُه من كل حدب، وكان له صنعة في الموسيقى، وروي له فيها أعمال تحرّك الصخور، وتحرّض سامعها على اغتنام أيام السرور، وكان مع هذا مهيبًا موقرًا في الصدور، موفى بمهابة أمنع من السنور، وكانت له على الأتراك حرمة خطرت على خواطرهم الخطرات، وقصرت لواحظهم تحت سجف العبرات، وكان إذا ذكر لهم تربع بهم أوهامهم، وترتعد مفاصلهم فما تقلّهم أقدامهم. وحكى ابن أبي دؤاد (٤) عنه كلامًا معناه: حضرته وهو قاعد ينتفش وبيد بعض

стр. 8263

الغلمان مرآة كأنها درهم في كف مرتعش، والغلام يتجلل فرقًا. ويتكلل جبينه عرقًا، كأنه في عقابيل حمى، أو في وبيل حمى سقي به سُمًّا، قد نكس إلى الأرض كأنه راعف، أو كأنه ينظر موضع مصرعه وهو واقف. وحكي أنه مات وأَكَلَتْ السنور عينه وغلمانه صفوف وقوف على بُعد منه، فما منهم مَنْ تجاسر أن يتقدم إليه ويكشف خبره، ولا يرفع إليه طرفه ويتحقق نظره. وعن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دؤاد، قال: قال الواثق يومًا لأبي تضجرًا بكثرة حوائجه: يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها مُتصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق إيصال الألسن بحلو المدح فيك، قال: يا أبا عبد الله والله لا يمنعك ما يزيد في عشقك ويقوى من همتك فينا ولنا، ثم لم يتضجر بعدها بحاجة يُعرضها عليه. وحكي: أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيل إلى الأتراك وقد أغمي عليه أنه قضى فدنا منه تركي يقال له إيناخ (١) ليعلم هل مات أم لا، فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى إيناخ، فرجع القهقرى فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط إيناخ على قفاه لما نظره هيبة له ورغبًا لما داخلَهُ من النظر إليه، ثم لم يمر على الواثق ساعة حتى مات، فأخذ وجعل في بيت فما قام إلا يسيرًا فوجد وقد أخرجت الفأرة عينه، فسبحان القادر الفعّال لما يريد لا إلاه إلا هو، ثم كان بموته قوة شوكة الأتراك. ثم: [١٠] دولة المتوكل على الله (٢)، أبي الفضل جعفر بن محمد المعتصم بدأ أمْرَهُ بكشف المحنة، ودحا مجاري سيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرين على إنكارها، والمصرّحين بسوء آثارها،

стр. 8264

ونزه القرآن الكريم، وقال: إنه منزل غير مخلوق وصفة من صفات الله القديمة، سابقًا غير مسبوق، فأيد الحق ونصره، وسدد إليه رأيه وبصره، إلا أنه كان مزورًا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ويُرمى ببغضه، ويغري من لا خلاق له بحط مقداره وغضه، حتى قيل إنه كان يأمر مخنثًا كان عنده اسمه عبادة (١) أن يصنع له بطنًا تشبها بعلي ﵁، ثم يأمره بأن يرقص ويغني له بما ننزّه كتابنا عن ظلمة ظلمه، وندع قائله وما باء بإثمه، وكان يتمضمض بذكره بكذب يضعه، واختلاق يرفعه الله به كلما أراد أنه يضعه، حتى قيل إن ابنه المنتصر كان يحرج قلبه هذا الاستهتار، ويقدح عنده نارًا طار منها ذلك الشرار، وأنه دخل عليه يومًا وذلك الممسخر قد تلبس بهذه الحال، ونمق وقته بزخرف ذلك المحال، والمتوكل قد استغرب ضحكًا، واستعذب بذوقه السقيم ما يُحكى، فنهى المتمسخر وزجره، ثم تقدم إلى أبيه ولامه وما عذره، وقال له: يا أمير المؤمنين إنما هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو لم يكن له ما له من الفضل لكان ابن عمك، وإنما تأكل قطعة من لحمك، ثم وعظه ونهاه ونصحه لو قبل نصحه أو وعاه، فما صبر إلا ريثما ولى، ثم أمر ذلك الممسخر الطرف الوضيع الساقط أن يغني ويقول: [من مجزوء الكامل] غضب الحبيب لابن عمه … رأس الفتى في كس أُمه قد قال تأكل لحمه … فأجبته يا طيب لحمه وأمره أيضًا أن يغني ويقول: غار الفتى لابن عمه … رأس الفتى في حُر أُمه فلما قتل المتوكل والفتح بن خاقان قتل معهما ذلك الساقط الحقير وعجل بروحه إلى النار وبئس المصير. وكان المتوكل مغرى بالبناء، وأنفق فيه خزائن آبائه، وأسرع فيه دبيت الفناء، فبنى من المنازل قصورا تتضاءل لها المنازل قصورا (٢). ولما أزال المحنة جمع الناس على مذهب مالك بن أنس ﵀، وإنما كان في الانحراف عن علي كرم الله وجهه في الغاية التي ما بعدها، وأمر بهدم قبر السيد

стр. 8265

الحسين بن علي ﵉، وخراب ما حوله من المساكن، وأن تحرث وتزرع، فعمل فيه الناس أشعارًا، من أحسن قول بعضهم (١): [من الكامل] تا الله إن كانت أمية قد جَنَتْ … قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد رماه بنو أبيه بمثلها … أضحى حسين قبره مهدوما أَسَفُوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما ولد في (شوال من سنة ست ومائتين) (٢) وقتل ليلة الأربعاء لابع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين في مجلس الشراب باتفاق من ابنه المنتصر وبغا التركي (٣). ثم: [١١] دولة المنتصر بالله (٤): أبي جعفر محمد بن جعفر المتوكل انتصر لابن عم نبيه، وانتصب له انتصاب حمي الأنف أبيه، وانتصف لذي قرابته من أبيه، وأرتعه في وبيل المرعى ووبيه (٥)، وانتضى له (سيف) العهد والعمد، وطوق بِجَنيهِ وواطى عليه صوارم الأتراك ووالى إليه عزائم الإدراك، حتى قتل تلك القتلة، وبرد غيظه وشفى الغلة ولهذا مني بالهلك بعده، وما هنيء بالملك ولا طالَتْ له مدة، فكانت قضيته شبيهة بقضية شيرويه، كلاهما قتل أباه، فما قبل الملك تملكه وأباه، فما سعى إلى السرير حتى قَصَرَتْ خطوة أجلِهِ، وقصّرت سطوت المنايا على عجلة، فحقرت (٦) كتب التهاني بالتعازي وَوَسَمَتْ سمة فعله بالمحاسن والمخازي، فمن حمله على أنَّه غار الله ولابن عم رسوله شكره، ومَنْ حمله على أنه غال أباه للملك لم يكفر له ذنوبه المعذرة، ومن يوم مدت الأيدي بالمبايعة إليه قال الناس:

стр. 8266

هذا الأمر لا تزيد أيامه على مدة شيرويه (١). وكان من غريب الاتفاق أنه بسط في ذلك اليوم بساط جاءت قدام مقعد المنتصر صورة مصورة وحولها أسطر مسطّرة، فاحضر من قرأ له ذلك الخط وعربه، فوجد مضمون أحرفه المكتتبة: هذه صورة شيرويه، قتل أباه فما دامت أيامه ولا هني بالملك بعده، فتطير المنتصر من ذلك، وتقرر عنده أنه هالك، فلما هلك عجب الناس من ذلك الوفاق، حتى ظنّ بعضهم أن هذا وَقَعَ بالقصد لا بالاتفاق. وحكى (٢) أحمد بن الخصيب، خرج يومًا مسروروًا فقال: إن أمير المؤمنين رأى كأنه صعد درجة حتى انتهى إلى خمس وعشرين مرقاة، ثم قيل له قف هذا آخر ثمرك، فتأوّلها ابن الخصيب الخلافة، وإنما كانت جميع عمره، فعاش بعد ذلك أيامًا ومات، فحسب عمره فكان قد أكمل خمسًا وعشرين سنة، حصل له ورم حار فيه النبيه (٣) من نزلةٍ حادثة، فمات بعد ثلاثة أيام، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكانت مدة خلافته ستة أشهر ويومين، وعمره خمسًا وعشرين سنة ونصفا، وكان أعين أقنى قصيرًا، مهيبًا، عظيم الجثة من حدوثها (٤). وقيل وهو الأكثر، أنه وَجَدَ حرارةً فَفُصِد بمبضع مسموم، فمات، ومن العجب أن الطبيب الذي فَصَدَهُ احتاج إلى الفصد، فأمر تلميذه بفصده، فأخرج له مباضع وفيها ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه فَفَصَدَهُ به فمات، وقيل به أصابته علة في رأسه، فقطر الطبيب ابن طيفور (٥) في أذنه دهنًا، فورم رأسه ومات، وقيل غير ذلك (٦) وكان ينشد لما اشتدت به العلة: [من الطويل] فما فَرِحَتْ (نفسي) (٧) بدنيا أخَذْتها … ولكن إلى الرب الكريم أصير ويروى أنه قال لابنه لما احس بالموت: عاجلت (٨) فعوجلت.

стр. 8267

ثم: [١٢] دولة (١) المستعين بالله، أبي العباس أحمد بن محمد المعتصم ولي بالمشاورة وبُلِيَ بالمساوَرَة، وغالبه المعتز حتى غَلَبَهُ، وناصبه حتى ابتز منه الملك وسَلَبَهُ، وكان ألثغ اللسان لا ينعش الألفاظ من عثراتها، ولا يُنعم النظر في تجنّب معراتها، وكان يجعل الشين ثاءً، وزبد كلامه الغث كله زبدًا غثاء، وكان من سفلة الخلفاء، لا يصعد به جده هاشم، ولا جده الذي هو لمعاطس الأعداء، ولوجوههم هاشم، لا يطاوعه على الحزم الرأي الرائن (٢)، والعزم الخائب الحائن (٣)، وكان أردى في هذا من الأمين حالًا، وأكدى محالًا، واستوزر وزيرًا (٤) ناسبه في هذه الأحوال، وحاسبه على فعله حالًا فحال، حتى انحل سياج دولته، وانفتل جيش صَوْلَتِهِ، وآل أمر المستعين إلى ما آل، ومال إلى سوء رأيه في سوء مآل. وكان مع هذا غير مقبول الصورة، ولا مأمول السورة، إذ إنه لم يخل من مجالس أنس وندمان، ونفس تبادر ببذل المال صرف الزمان، فكان يهب البِدَر، ويَعِدُ بأمثالها إذا قدر، وكان لا يمل ودّ الصديق ولا يمل إلى من وشى به إصغاء التصديق، فكان فيه مما يُحمد هاتان الخلتان والحَسَنَتان الحَسِنتان، وكان ينظم الشعر إلا أنه من سقط المتاع، ويجيء به بلا كلفة، إلا أنه مما تجود به الطبيعة لا الطباع، وكان قد بويع بالخلافة يوم الاثنين لست خلون من ربيع سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم بايع الأتراك أخاه المعتز، فأرسل المعتز أخاه الموفق (٥) فنزل بغداد وحاصرها، فلم يزل أمر المستعين يضعف وأمر المعتز يقوى، فبعث إلى المعتز يسأله (٦) أن يعطيه خمسين ألف دينار ويقيم حيث يشاء، وعلى أن يكون بغا ووصيف اللذين كانا صنيعة له أحدهما على الحجاز وما والاه، والآخر على الجبل وما والاه ثم خلع سنة اثنتين وخمسين،

стр. 8268

وأراد أن ينزل البصرة فقيل إنها حارة فقال: أتراها أحرُّ من فقد الخلافة؟ ثم اختار نزول واسط، فلما صار بقرب سرَّ مَنْ رأى تلقاه سعيد الحاجب، فباتا بها، فأصبح المستعين ميتًا ولا أثر به، وقيل غير هذا (١)، فقال جنيد (٢) الكاتب المعروف بباذنجانة: [من الكامل] إيها بني العباس إن سبيلكم … في قتل أعبدكم سبيل مَهْيَعُ (٣) رقَّعْتُمُ دنياكم فتمزّقت … بكم الحياة تمزقًا لا يرقع ثم: [١٣] دولة المعتز بالله (٤): أبي عبد الله الزبير بن جعفر المتوكل وقد أشرنا في ذكر المستعين إلى أن المعتز ناصبه على الأمر حتى قوم أوَدَهُ ونصبه وقدم مدده إليه ونصبه، وجهَّز إليه أخاه الموفق فكسر ثم أَجْهَزَ عليه فَنُصِر، بعد حروب أفنيا فيها الأعمار، وبنيا عليها صروحًا تتسلق عليهما منها الأغمار، لكثرة ما طاح بينهما من جائل مهج، وطاف من حائل رَهَج، وطيّب المعتز سقام الملك وشفى وَصَبَهُ، وكفى عُصَبَهُ، فاستعاد سلطانه ممَّنْ غَصَبَهُ، واستقاد شيطانه المريد ورجَمَهُ بشهب نباله وحَصَبَهُ، ورحمه فأنفاه، ثم بدا له فشفى غليله وإن كان قد قطع عصبته. وكان المعتز أحسن خليفة رؤيًا، كأن البدر طالع من طوق قبائه، والظبي رائع حول خبائه، بَرَزَ يومًا في ثوب أخضر فأشبه غُضنًا وريقًا، يلصّ إليه الأصيل ولم يَذْهَب، وكان يتعشق يونس بن بغا، وكان مثله في حسنه وحُسْناه، ونظيره في سنه وسناه، حتى كان يقال إنه ما رأى أحَدٌ مثلهما عاشقًا ومعشوقًا، توافقا جمالًا وتناسقا كمالًا، وتقارضا شغفًا وتقارنًا كَلَفًا، فكانا غصنين سمقا وبدرين اتسقا، وكلف المعتز به حتى كان لا يقدر يصبر عنه لحظة ولا يضيع مع غيره لفظه، واشتغل به عن كل ما

стр. 8269

سواه، ووجد به وجدًا قلَّ مَنْ قارَبَهُ فيه أو ساواه، وغاب عنه ساعةً يرى فيه أُمَّهُ وهي تموت فقال: [من مجزوء المتقارب] تغيب فلا أفرَحُ … فليتك لا تبرح (١) وإن جئت عذَّبْتَني … بأنَّك لا تمح فاصبحت ما بين ذين … ولي كبد تجرح على ذلك يا سيدي … دَنُوّك لي أصلح وقد قيل إن اسمه الزبير (٢)، وكان يوصف بالحزم والعزم على صغر سنه فلما ولي الخلافة صغيرًا (٣) استقل بأعبائها، وكان قد بويع بعده لأخويه المؤيد (٤)، ثم الموفق، ثم اجتمع الأتراك عليه وطالبوه أن يخلع نفسه (٥)، ولم يزالوا يضربونه (٦) حتى أجاب إلى الخلع وكتبوا بذلك كتابا على نفسه، ثم أدخلوه على المهتدي فقال له: أَخَلَعْتَ نفسك، قال: بل خُلعْتُ، فوجئ في قفاه حتى سقط، ثم أقيم، فقال: خَلَعْتُ نفسي، وسلَّمْتُ ورضيت، ثم أخرج في الحر حافيًا، فطلب نعلا فلم يُعطاه، فأرخى سراويله ومشى عليه، ثم عُذِّب بأنواع العذاب، وأدخل حمامًا وهو عطشان ثم أخرجوه، فطلب ماء، فجيء بماء مثلوج فشربه فمات، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر، وكان عمره أربعًا وعشرين سنة. وكان أبيض اللون أسود الشعر جميل الصورة. ثم: [١٤] دولة المهتدي بالله (٧): أبي عبد الله محمد بن هارون الواثق وكان كلقبه مهتديًا، وبالسلف الصالح مقتديًا، وللعفاف تابعًا، وبالكفاف قانعًا،

стр. 8270

نحا منحى عمر بن عبد العزيز، وسلك مسلكه الحريز فما تكثر من الدنيا، ولا تكبر بالعليا، وأقبلت عليه الأيام، فما اغتر بخداعها ولا اعتز بمتاعها، ولا أصباه بديع رونقها، ولا سباه صنيع تأنقها، وأخرج ما اكتنز الخلفاء من آنية الذهب والفضة، وضربها نقودًا، وفرقها حقوقًا لا جودًا، وأمر بالعدل ورجع إليه قضاياه، وطبع عليه سجاياه، فلم يوافق صلاحه زمانه الفاسد، ولا نفق إصلاحه سوقه الكاسد، ولم يكن من أرباب الدولة إلا منهمكًا في فساد ومُنسلِك في سلك لا يطمئن به الوساد، فكرهوا أيامه، وودوا لو انقضت، وأنها لا تكون قد أقْبَلَتْ حتى مضت، فعابوه بما فعل مما يمدح وقالوا إنه لا يستصلح. وقد حكي عن بعض العلماء قال: حضرت المهتدي يومًا من رمضان بعد العصر، وطال مجلسي عنده، فلما أردت القيام، قال: قد حانت المغرب وآن فطور الصيام، فهل لك أن تفطر عندي الليلة، فما وسعني إلا أن أجبت قوله، فلما أذن المؤذن، أجابه، ثم دعا بكوز ماء فشرب منه وسقاني، ثم قمنا إلى الصلاة، فأديناها وأعقبناها بركعتي السنة، فأديناها، ثم قال: يا جارية: العشاء، فجاءت بسكرجتين (١) في إحدهما جريش ملح، وفي الأخرى زيت وخلّ، ومعهما رغيفان، فتقدم وقال: كُل، ثم قال: بسم الله، ثم أكل وأكلت وأنا أظنّه شيئًا قدَّمَهُ قبل طعامه، فرفعتُ يدي، فقال لي: أَلَسْتَ كنت صائمًا؟ فقلت: بلى، قال: فما هذا الأكل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أو هذا هو طعامك؟ فقال: نعم، فإن الحلال المحض لا يحتمل أكثر من هذا، فدعوتُ له، وأكلت، ثم انصرفت وقد استحوذ على قلبي استحواذًا، ثم أذنت العشاء الآخرة، فقمنا إلى الصلاة، فصلينا المكتوبة وما معها، ثم قمنا بالتروايح فكملنا أجمعها، ثم أخَذْتُ مضجعي، ثم بقيت أنتبه الفينة بعد الفينة، فأجده قائمًا في مكانه يصلّي فوالله ما زال هكذا حتى أصبح. قال عبد الله بن إبراهيم الأسكافي: جلس (٢) المهتدي للمظالم فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه يحكم بينهما، فقال الرجل للمهتدي: والله ما أنت إلا كما قال القائل: [من السريع] حكمتموه فقضى (٣) بينكم … أبْلجُ مثلُ القمرِ الزاهرِ

стр. 8271

لايقبل الرشوة في حكمه … ولا يبالي عَنَتَ (١) الخاسِرِ فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جَلَسْتُ حتى قرأتُ: ونضع الموازين القسط ليوم القيمة (٢) الآية. قال: فما رأيتُ باكيًا أكثر من ذلك اليوم. وكان يقول (٣): ألا يستحي بنو العباس أن (لا) (٤) يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز. ولما ولي اطرح الملاهي، حرَّم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم، ﵀. ثم: [١٥] دولة المعتمد (٥) على الله: أبي العباس أحمد بن جعفر المتوكل وكان أخوه الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل الملقب بالناصر قائمًا بأمر الدولة كلها قائلًا في برد ظلّها، والمعتمد ليس له من الأمر شيء، كأنه ميت وهو حي، وقد وطأه الموفق على أُمّ رأسه، وغَلَبَ على ملكه وناسه، وغل يَدَهُ على ما أَشْغَلَهَا به من ( … .) (٦) جواريه وكاسه، وكان همّ الموفق جيوشًا يجهزها، وممالك يحرزها، وأموالًا يكنزها، وأعمالًا ملوكية يرقم بها السير ويطرّزها، وهم المعتمد تنميق بناء، وتأنيق غناء، وارتياد روضة غنّاء. واعتقاد كأس مدام وجارية حسناء، ثم ندم المعتمد حيث لا ينفعه الندم وعلم إن وجوده كالعدم، فبقي يتنفس تنفس

стр. 8272

المصدور، ويتأوّه تأوّه المحرور، ويهم بأمر الحزم لو يستطيعه (١)، ويحاول حالًا ولا يجد من يطيعه، وكتب سرًّا إلى ابن طولون (٢) وإلى صاحب إفريقية، يشكو إليهما حاله مع أخيه، ثم مع ابن أخيه (٣)، ويصف لهم سوء حاله وما هو فيه، فهموا، إنما حالت بينهم وبينه عوارض القدر، وشقّة البُعد، وكان الموفق لا يفك عنه وثاق حجره، ولا يرفع عنه يد قهره. ذكر ابن الأثير (٤) عنه أنه احتاج إلى ثلثمائة دينار، فلم يجدها فقال: [من الوافر] أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قلَّ ممتنعًا عليه وتؤكل (٥) باسمه الدنيا جميعا … وما مِنْ ذاك شيء في يديه إليه تحمل الأموال طرًّا … ويُمنع بعض ما يجبي إليه قال: وكان آخر من سكن من الخلفاء بسر من رأى، ثم لم يسكنها أحد منهم، قلت: دام على ما به أيام أخيه الموفق، ثم مات الموفق (٦) وقام ابنه المعتضد (٧)، فكان أشدّ شجى منه في حَلْق المعتمد، وما مضت سنة حتى سمه وكفاهم هم الدنيا واكتفى همه، يقال: إن المعتضد سمه، وقيل: بل أفرغ في حلقه رصاصًا مذابًا، وقيل: لا بل ملأ له حفرة من ريش ورماه فيها فمات غمًا (٨). ثم:

стр. 8273

[١٦] دولة المعتضد بالله (١): أبي العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل كان أبوه في خلافة المعتمد قد اعتقله لما خافه واعتمده حذرا أن يسابقه إلى الخلافة (٢). وذلك لسعي إسماعيل بن بلبل (٣) الوزير بينهما بالنمائم، ووعى قلب الموفق عليه بالسمائم، وما شعر أن أمامه منصب الإمامة، وأن الخلافة تبغي خلافة، وأن الملك معصم لا ينزل منه بغير سوار، ومعقل لا على منه بلا أسوار، فلبث في الاعتقال مضيقا عليه في مكان أقصر من طول العقال، وبيض له المعقل يسهر نظره البياض ويخطف بصره بالإيماض، حتى تخيل له مشرف العمائر فلبس سراويل خضر، ودخل المعتقل على أنه يتفقد العمارة، فتفقدها ثم دخل الطهارة، فنزع تلك (٤) السراويل وخرج، فلما وجده المعتضد سر به وابتهج، فكان يدعه على عينيه، ويعده بينه وبين الحائط وينظر إليه، فوجد بحوة (٥) لونه حفظا لصحوة عينه، ولم يكن عنده إلا فرد غلام لا يغني في رد كلام، وكان المعتضد يشغل وقته بمصحف يقرأ منه القرآن العظيم ودعاء يقرع به باب السميع الكريم، دخل عليه الوزير ابن بلبل يوما والمعتضد يقرأ، فوضع إلى جانبه المصحف. وأخذ بأنه يخضع للوزير ويتلطف، وكان يدخل عليه ليجد ما ينم به وينمي أحاديث كذبه، وكان الموفق قد خرج إلى الجبل فزاد خوف المعتضد من غرة فيه تهتبل، وكان يتخوف دخوله عليه على غفلة ويشفق لا يكاتب أباه عنه بكذب يعجل نقله، ويجعل نظره إليه نسله،

стр. 8274

ويخلى به مثله فيأمر بقتله، ولا يكشفه ولا يجد من يثنيه عنه ولا يصرفه. قال المعتضد ما معناه: وكان ابن بلبل يجيئني في كل يوم مراعيًا خبري وساعيًا في قص أثري، ويظهر أنه يتردّد إليَّ خدمةً يؤديها، وإنما يردد نقمة يؤديها، فلما دخل عليَّ ذلك اليوم قال: أيها (الأمير) (١) أعطني المصحف لأتفاءل لك إن كنت تبلغ مؤملك، فلم أجبه بشيء ولم أَجِبْهُ بموافقة ولا لَيْ، فأخذ المصحف وفتحه، فكان أول سطر تَصَفَّحَهُ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). فاسود وجهه وأربد حتى كان كالليل أو هو شبهه، ثم أطبق المصحف وفتحه ثانية فخرج منه باديًا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣). فازداد قلقًا واضطرابًا واضطر أن يفتح بابًا، ثم فتح المصحف ثالثًا فوجد عاجلًا لا تأنيا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٤)، فوضع المصحف، والخوف قد جلله وألحف، ثم قال: ايها الأمير أنت والله الخليفة بلا شك، فما حقُّ بشارتي وحال قبولك لإشارتي، فقلت: الله الله في دمي، وما عليك ألا تكون السبب في عدمي، واسأل الله أن يُبقي أمير المؤمنين والأمير الناصر الموفق، وما أنا وهذا، ولم أزل به أرفق وأقول: مثلك في عقلك ولا يطبق القول بمثل هذا الاتفاق، وأنا أحوج منك إلى غير هذا من الاتفاق فامسك عني وقد كان يأخذني مني، ثم ما زال يحادثني، ويخرجني من حديث ويدخلني في آخر إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، وأنه ربما كان يؤاخذه بسببي ثم أقبل يحلف بالأيمان الغليظة أنه ما سعى عليَّ بمكروه وأنه ممن لم يخرجوا صدره علي، ولم يُغروه، فصدقته خوفًا أن تزيد وحشته مني، فيُسرع إلى التدبير في تلفي، وأرَيْتَه من الود ما لم يكن له في ثم صار كلما جاء أَخَذَ معي في الاعتذار والتنصل كأنما أبلغه مني الانذار، وإنما أظهر له التصديق وأبسط معه مباسطة الصديق، حتى سَكَنَ قلق راحته، وما شك أني اعتقد براءة ساحته، وما كان بأسرع مِنْ أنْ جاء الموفق من الجبل وقد اشتدت به علته، ومات، وأخرجني الغلمان من الحبس وأروني مكانه، وأورثوني سلطانه، وقاد الله الخلافة إلي ومكنني من ابن بلبل، فأخذت ثأري بيدي.

стр. 8275

وكان المعتضد ملكًا مهيبًا، إذا غتاظ توقد لهيبًا، وبويع بالخلافة وقد تمزّقت كلّ ممزق، وتوزّع ملكها وتفرّق، وقد صار كل طرف بيد ثائر، وكل إقليم يخفق عليه بند كل ملك جائر. واضمحلت الحرمة كأنها لم تكن، وصعبت الأمة كأنها لم تهن، فقام حتى جمع شلوها المبدّد، ومَنَعَ أديمها المقدَّد، وكان في الغنية مثل موافقه في الكنية أبي العباس السفاح في تعريض وجهه للكفاح وكل منهما أقام دونه أبي العباس، وأقاد لها أنف كل ذي باس، وكلاهما كانت خلافته للخلافة العباسية بانية، ذاك أولة وهذا ثانية. وكانت له على الأتراك وأرباب دولته سطوة تخاف لها أبصارهم أن تُختطف وأعمارهم أن تقتطف، حذرًا من ضيغمه المفترش المترس. وأرْقَمِهِ المنتهش المنتهس، وعُقابه الخطوف الكاسره وعقابه المُمَثّل بعذاب القاهرة، فإنه كان أليم العذاب، عقيم العقاب، وكان يدلي عليهم الحرس، ويذكر لهم من أمورهم وبيوتهم ما يلجمهم بالخَرَس، وما عُرِف بعد المعتصم أخف منه إلى عدوّ ركابا، ولا أمَدَّ على بلد انسكابا، ولا يُحَطّ له سرج، ولا يُحل له عن موكب طوق رهج. وقد حكى ابن ظافر في سياسة الملوك: أنه كان لا يبرز إلا مخفًا، ولا يَسْتَصْحِبُ نقلًا ولا خُفا، وقرّر النوروز (١)، وأقرّ عليه رزق الجند المفروز، وتبعه عليه من بعده من الخلفاء ووفوه حسابه وما قدروا على الوفاء، وكان غاية في الحزم والعزم. وحكى شارح العبدونية قال: لم تزل الأتراك مُذْ مات الواثق، يتحكمون عليهم في خلافتهم، يعني تحكم الرجال على صبيانهم حتى كان أيام المعتضد، فغلبهم الغلبة التي يجب أن تكون لمثله على مثلهم، وأذلهم وردّهم إلى مراتبهم من العبودية، وكان المعتضد مهيبًا، لا يقدم أحَدٌ على أمر من أموره إلا مُغرّرًا، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدّد ملك بني العباس ووطَّدَهُ بعد أن كانت (٢) قد اخلقته الاتراك وفي

стр. 8276

ذلك يقول ابن الرومي (١): [من الطويل] هنيئًا بني العباس إن إمامكم … إمام الهدى والجود في ذاك يُشْهَدُ كما بأبي العباس أسس ملكهم … كذا بأبي العباس أيضًا يجدد ولقد اتفق في أيامه أمر فظيع (٢) كشفه الله له فعظم في نفوس اتباعه، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتمه ما في نفسه مخافة صولته، وكان أحد كبراء دولته قد بنى بناء عاليًا مشرفًا على منازل جيرانه، فلم يقدر أحد يعارضه، فأشرف منه فرأى جارية بارعة الجمال، فسأل عنها فقيل ابنة تاجر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجها (إلا) من تاجر مثله، فلم يزل يغريه (٣)، ويأبى، فزوّر كتاب تزويج بشهادة عشرة من المعدلين، ثم أخذها بظاهر الشرع، فتحيّل أبوها حتى دخل في زي فعلة البناء في قصر كان المعتضد قد شرع فيه وأتاه يومًا يشرف عليه، فوقف له، وذكر له حاله، فأرسل في طلب الزوج والشهود وسألهم: كيف كان الحال؟ فما استطاع أحَدٌ منهم أن ينكره، فوضع ذلك الزوج في جلد ثور طري، وضُرب المرازب (٤) حتى اختلط لحمه ودمه ثم أمر به فأفرغ بين يدي نمور عنده، ثم بالشهود فصلبوا، وأمر لذلك الرجل بالبيت وبجميع ما تركه زوجها من صامت ناطق وكان بما لا يُحْصَر. وحكى ابن ظفر أن قطر الندى (٥) بنت خمارويه بن أحمد بن طولون لما زُفت إلى المعتضد أغرم بها، فوضع رأسه في حجرها يومًا فنام فأزالته عن فخذها بلطف، ووسَّدَتْهُ وخرجت من البيت، فاستيقظ المعتضد، فذعر وناداها، فأجابته من قُرْبِ، فقال لها: أسْلَمْتُ إليك نفسي، فذهبت عني؟ فقالت: لم أذهب عن أمير المؤمنين ولم أزل كالئةً له، قال: فما أخْرَجَكِ؟ قالت: إن مما أدّبني به أبي الا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس، فاستحسن ذلك منها. وحكى صافي الحرمي: أنه لما مات المعتضد كفنه في ثوبين قوهي (٦) قيمتها ستة

стр. 8277

عشر قيراطًا. وولد (١). ولما حضرته الوفاة قال واراه له (٢): [من الطويل] تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخُذْ صَفْوَها ما إنْ صَفَتْ ودع الرنقا ولا تأمننَّ الدهر إنّي أَمِنْتُهُ … فَلَمْ يُبْقِ لي حالًا ولم يَرْعَ لي حقا قَتَلْتُ صناديد الرجال ولم أدَعْ … عدوًّا ولم أُمْهِلْ على ظنَّةٍ (٣) خَلْقا فلما بلغت النجم عزّا ورفعةً … وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردي سهمًا فأحْمَدَ (٤) جمرتي … فها أنذا في حفرتي عاجلًا أُلقى فياليت شعري بعد موتي ما أرى (٥) … أفي نعمة الله أم في نارِهِ أُلقى (٦) ثم: [١٧] دولة المكتفي (٧) بالله، أبي محمد علي بن أحمد المعتضد وكانت له مما أبقى أبوه جيوش يضيق بها جيوب العراق، وتضيع بها هبوب النسيم في الآفاق، خلا إنه كان عقير عقار، وسمير دفوف وأوتار، وأليف ندمان، وحليف إدمان لا يخلع عن ثوب عناق، ولا يخدع عن النفاق ساق بساق، لم تؤخذ الملاح من مقلتيه، ولا كؤوس الراح من شفتيه، دأبه في هوى وآدابه في جوى، لا يقصر عن حب أعيد وغيداء، وأجيد وَجَيْداء، فلهذا ما عسكر إلى الأعداء رأيًا ولا راية، ولا أثر جنانًا ولا جناية على كثرة الفتوق في جيب ملكه، والانفراط في حَبَبِ سلكه، فتسلّطت القرامطة، وتبسطت في البلاد بلا رابطة، وصرخت تلك الدعوة في آذان الأنام، وزادت في أذان الاسلام، ثم فعلت تلك الفعلة في الحجر الأسود (٨)، وابتزت خاله من وجنة البيت الحرام، مع أنه قاتل القرامطة مرتين، وكر عليهم جيشه الحويل كرتين، وعاد بالنصر في كلّ مرّة، لكنه لم يحثهم ولا قطع نسلهم وحرثهم.

стр. 8278

ثم: [١٨] دولة المقتدر (١) بالله، أبي الفضل جعفر بن أحمد المعتضد بويع صغيرًا وتولج أمره وهو تغريرا، وكانت أمه هي التي تصدر الأمور، والقهرمانة أم موسى تدبر المعمور، وجَلَسَتْ في دار العدل وقرئت عليها القصص، وأوقرت الصدور بالغصص، وكان الوزير (٢) إذا قيل له في شيء قال حتى أراجع السيدات، والتواقيع تخرج إليه عنهن، وأكثرها بالسيئات، فكانت ايامه دولة النساء، وولية السفلة لا الرؤساء، فكان الناس كأنهم فوضى لا يُعرف خليفة تتبرض له ثمدًا ولا حوضا، ولا نجد إلا ضياعًا، ولا تُرَدّ يد تملكت أرضًا ولا ضياعًا، أعراض موهوبة وأعراض (٣) منهوبة، وشكايا مرقوعة، وبلايا موضوعة، وخلائق تتظلم وخلائف سلف كريم تتألّم، وكان المقتدر عقله أمثاله من الصغار، لا ينتخي لملكه ولا يغار، مشغولًا وراء حجبه، مشغوفًا بلعبه، يتشبّه في ملكه العقيم بالسوقة، ويتخذ له من جواريه معشوقة، ويقف تحت طاقتها يغمزها، ويترقب لها غفلات رقباء ينتهزها، وربما وقف اليوم الكامل وهي لا تجيبه.

стр. 8279

ورأى جارية فاختفى كأنه وافي إليه رقيبه، فمرّةً تَصِله ومرّةً تهجره، وآونةً تتَعَذَّر بزوجها وتارةً تتعذر بأوجُهها، وتارةً تتستر بأوجُهها، وكلُّ هذا افْتِعَله ووطَّنه لذَّةً له ففَعَلَهُ، وكان رُبَّما ركب حمارًا وأردفها وراءه، ومرَّ بسوق عمله في قصره واسْكُنه الجواري وأوطنه كواعب كالدراري، وجعل عِندهُنَّ أنواع الطعام، ومِنْهُنَّ الخباز والطباخ واللحام، والخمَّار، وعنده الخمارة والمُدام، فيقف على الحانوت فيشتري قَدْر ما يحتاجه من القوت، وكذلك ما يريد من الخمرة فإذا اكتفى حمل الكل في الخرج ومَرَّ، ثم ينطلق إلى مكان اتخذه في القصر شبيهًا بالقرية، ونزل به، وقضى معها يومه كله في أكله وشُرْبه، ثم إما تجيء جارية على أنها عاشقة لتلك الجارية الأخرى التي يتعشقها، يريد ما أراده منها، فيقوم يدرًا عنها، فتارة يغلب، وتارةً يُغْلَب، وتارة تجيء جارية على أنها صاحب الشُّرطة، فيأخذهما ويذهب، ثم يأمر بالمقتدر بأن يتظاهر في شوارع بغداد، فيطاف به في رحاب القصر، وينادى عليه، هذا جزاء من يتظاهر بالمحرمات في مثل هذا القصر، وكان المقتدر منقطعًا إلى أمثال هذا اللعب، ما اجتهد في سواه ولا رغب، ولهذا اختلت حالُهُ مراتٍ وخُلِع، ثم عاد كرات، لكنه مع هذا اللهو المُفرط واللعب، وهو ما بلغه منبسط ولا لحقه بعده منتهك، ولا سبقه إليه سوقة ولا ملك، وكان سعيدًا محظوظًا، شديدًا أدرك من المرام حظوظًا، وكان واسع النفقات، شايع الصدقات، ودانت له الآفاق شرقها وغربها، وبعدها وقُربها، ولم يبقَ لشيء مما كان في ملك الخلفاء الأول، إلا مُذعنًا لأمره، ممعنًا للتَأهب لنصره، لا تحمى أطرافها إلا بعسْكره، ولا تشمخ أُسرة ملوكها إلا بالخضوع لمنبره. واتفق في أيامه عجائب وغرائب، منها: إنه بُعث إليه من مصر طرائف منها تيس يُحلب منه اللبن، وبُعث إليه من عمان طائر صيني أسود يتكلم بالهندية والفارسية أصح من الببغاء، وورد عليه البريد بالدينور يذكر أن بغلة له وضعت فلوة، ونسخة الكتاب: الحمد لله الموقظ بغيره قلوب الغافلين، والمُرشد بآياته بصائر العارفين، الخالق ما يشاء بغير مثال، ذلك الباريء المصور، له الأسماء الحسنى، ومما قضاه الله المصور في الأرحام ما يشاء أن الموكل بخبر التطواف ذكر أن بغلة لرجل يُعرف بأبي بردة وضعت فلوة، ووصف اجتماع الناس لذلك وتعجبهم مما عاينوه، فوجئتُ مَنْ أحضرني الفلوة والبلغة، فوجدتها كميتًا، ورأيت الفلوة سرية الخلق، تامة الأعضاء، منسدلة الذنب، يُشبه ذنبها أذناب النياب. فسبحان الذي لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.

стр. 8280

قال شارح القصيدة العبدونية (١): وقد حكى أنه اتفق مثل هذا سنة خمس وخمسين وأربعمائة بطليطلة (٢)، وكانت البغلة شهباء، كانت لإنسان سقاء، وفلوها إلى الصفرة. قلت: وحكى لي صهرنا الصاحب شمس (الدين) (٣) محمد بن الشيرازي: أن مثل هذا اتفق لي في بعض بلاد حلب، وسمى لي المكان وأنسيته. قال: ورأيت ذلك بعيني. وأثبت به محضر على الحاكم. ومما اتفق في زمان المقتدر أنه وجد بمصر كنز قديم ومعه ضلع إنسان طوله أربعة عشرًا شبرًا، وعرضه شبر. وأما خبر [١٩] خروج عبد الله بن المعتز عليه (٤) وكان سببه إنه لما ولي المقتدر، استُصْغِر، فجاء محمد بن داود (٥) الوزير فأخرجه من داره إلى دار إبراهيم الماذرائي (٦)، ووجّهوا إلى القاضي محمد بن يوسف (٧) يوم السبت، العشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، وحضر

стр. 8281

جماعة العلماء والقوّاد، فخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز، إلا بعضهم، ولقب بالمنتصف (١) بالله، فلما أُذنت المغرب، ضربت الدبادب (٢) له وضربت من قصر المقتدر، واشتغل الوزير بكتب الكتب إلى النواحي، وكاد الأمر أن يتم لو أراده الله، فنقض العزائم وأبطل التدبير، لأن سوسن (٣) الحاجب كان قد عاقد ابن المعتز على أن يكون حاجبه، ويمكنه من المقتدر، فبلغه في تلك الليلة أن ابن المعتز استخلص يمُنًا الكنعوني (٤) للحجابة، فانتقض سوسن عليه، وأحكم الأمر للمقتدر، فلما اصبح ابن المعتز خرج قاصدًا قصر المقتدر، فلما بلغ الحسني خرج عليه العبيد والرجالة، فمنعوهم، وأعانتهم العامة، فرجع ابن المعتز إلى داره وعلم من أين أُصيب، ثم إن المقتدر جهز جيشًا غريبًا في الخيل والرجال، فأحاطوا بدار ابن المعتز ففر مَنْ كان فيها، وبقي ابن المعتز وحده، فتسلل هو ووزيره، وثبت الحسين بن حمدان (٥)، فقاتلهم إلى الظهر، فأصابه سهم، ففرّ إلى داره، وأخذ منها ما يريد. ثم خرج إلى سر من رأى، وأما ابن المعتز فإنه هرب وأتى دار ابن الجصاص الجوهري، وكان ممن بايعه، فعرفه خادم (٦)، فنم به، فأخذ وألقي في صهريج ثلج، فمات، وهو ذو الأدب الغض والتشبيه المصيب، ومن بدائعه قوله (٧): [من الطويل] وجردت من أغماد كل مرهف … إذا ما انتضته الكف كاد يسيلُ تر فوق متنيه الفرند كأنما … تنفس فيه القين وهو صقيل

стр. 8282

وقوله (١): [من البسيط] ظَبْيٌ مُخَلّىً من الأحزان ودَّعْنِي … ما يعلم الله من هَمٍّ ومِنْ قَلَقِ كأَنَّهُ وكأَنَّ الكَأْسَ في يَدِهِ … هلالُ أول شهر غابَ في شَفَقِ وقوله (٢): [من المنسرح] قد انْقَضَتْ دولة الصيام وقد … بشَّرَ سُقْمُ الهلال بالعيد يتلو الثريا كَمَاعِزٍ شَرِهٍ … يفتح فاه لأكل عنقود وقوله (٣): [من المتقارب] إذا ما طعنا بطون الدنان … سال دم الكرم منهن سورا كأن خراطيمها في الزجاج … خراطيم نَخْلٍ يتقين نورا وقوله (٤): [من الطويل] ولما تلاقينا وهُزَّتْ رماحنا … وجُرِّدَ منها كل أبيض باتر رأوا معشرًا لا يبصر الموت غيرهم … فما برحوا إلا برجم الحوافر ولما (٥) بويع ابن المعتز دخل رجل على أبي جعفر الطبري، فقال له: كيف تركت الناس؟ قال: بويع عبد الله بن المعتز. قال: فمن رشح للوزارة؟ قال: محمد بن داود بن الجراح. قال: فَمَنْ ذُكر للقضاء. قال: الحسن بن المثنى (٦). فأطرق قليلا، ثم قال: هذا الأمر لا يتم ولا ينتظم، فقيل له وكيف؟ قال: لأن كل واحد من هؤلاء متقدم في معناه على أبناء جنسه والزمان مُدْبر،

стр. 8283

والدنيا (١) مُولّية، وكان هذا على ما قال، ولم يكن في ابن المعتز ما يُعاب به سوى نقص حظّه وكمال أدبه. وكان سبب قتل المقتدر بموضع يعرف بالتّل (٢)، يجعل يُوجّه نحو باب الشماسية (٣) أن يأتيه جنده منها، والناس في ذلك يتسللون نحو مؤنس وقد جاء ليصرفه المقتدر في مهماته، غير أنه مَنْ كان يحسبه به مؤنسًا أغروه به، وقالوا له: إنما جاء لقتلك، ولكن غلب عليه عبيده، وكانوا قد غضّو بمؤنس، وقالوا له: إما أن تخرج لقتاله وإلا أخذناك وأسلمناك إليه، فخرج وهو مكره، وقد كانت أُمُّه تمنعه، فلما لم يَرَ بُدًا من الخروج ودّع أمه وتمثل بقول ابن الرومي (٤): [من الكامل] طامن حشاك فإن دهرك موقع … بك ماتحب من الأمور وتكره وإذا حذرت من الأمور مقدّرًا … فهربت منه فنحوه تتوجه فلما خرج إليه، جعل أصحابه يتسللون منه حتى بقي وحده، فقصده عبد أسود فضربه على عاتقه، فصاح: ما هذا ويلك، ثم تعاوده حتى قتله بالضرب، ثم أمسك مؤنس قاتله وقتله إذ لم يكن غرض مؤنس قتله، وإنما غرضه أن يكون صاحب أمره، وإنما المقادير تنفد أحب العبد أم كره، وولده (٥) … ثم: [٢٠] دولة القاهر (٦) بالله، أبي منصور محمد بن أحمد المعتضد كان (لا) يستقل لسانه من عوج، ولا زمانه من هوج، ولم يكن له يوم بويع ما يلبس حتى ألبسه جعفر بن ورقاء (٧) ثيابه، وقدمه للمبايعة، وتقدم وطفق الناس في

стр. 8284

المتابعة، وكان أحط رتبةً من إخوته وارتع رتبه في نخوته، لولا طيش لا ترفع معه منار، وتهافت أوقع به من الفراش على النار، قدم مدة خلافته وأيامه سنون، وأحكامه جنون، وتصديقه ظنون، وتحقيقه منون، لا يقف مع تدبير سئوس، ولا يتوقف في تدمير نفوس، وكان يتطاول إلى فعل أيامه بهمة خانها الرأي الثاقب، وعزمة أنها لا تفكر في العواقب، فعاجَلَ أقوامًا ما كان ضَرَّه لو طاوَلَهُم، وأَكْمَنَ لهم حتى استأصلهم، لكنّه كان خائر العزيمة خائف الفوات، على أول ما يظفر به من الغنيمة، يورطه عظيم تهوّره وتسلطه على ما يُريد سقيم تصوره، فأدى به تفريطه إلى أنه خُلع وسمل (١) ثم ألحق بسخط الراضي وشمل، ثم عطف عليه فتعرض لأمر اطرح به وأُهمل، وكان في داره ما له رزق يقيته، ولا رزء يميته، فقام يستعطي في المسجد الجامع، حتى أعطى ما لو أنه الحياة لما امسكت به الأرماق، أو الدمع لما بلت به الآماق. ثم: [٢١] دولة الراضي (٢) بالله، أبي العباس محمد بن جعفر المقتدر وكان مطاعًا صؤولًا، قطاعًا وصولًا، وهو آخر مَنْ جُمع من الخلفاء شعره في ديوان، وجَلَسَ لهم جلوسًا عامًا في إيوان، وقام خطيبًا على المنبر، وفعل أفعال مَنْ بر، وحاضره الندماء، وسامَرَهُ منهم كواكب ثقلها الأرض لا السماء، وكان يتحرى عوائد سَلَفِهِ في ترتيب الخلائف. وتبويب الوظائف، وكان عارفًا بلغة العرب، عاكفًا على ما لا حَرَجَ فيه من الأرب، مولعًا بالأدب، ولوع القشيري (٣) بريا، والمغيري (٤)

стр. 8285

بالثريا، وجميل بن معمر ببثينة ومصعب بن الزبير بسكينة، وله فيه تفنن ينسى به حبيب (١)، وينسخ بطربه ما ذكر عن عُريب (٢) مما لم يوصف باكثر منه على ابن جريج (٣)، ولا صنّف في أحسن منه إسماعيل بن سريج (٤)، وكان جوادًا، طلق اليمين، يهب الآلاف الذهب لا المئين. مع ما أُولى من خَلْقٍ وضي، وخُلُقِ رضي، وكان الراضي لا يُرى على أحد ساخطًا، ولا لضغن بين جنبيه ضاغطًا، فلا يشوب له نعماء، ولا يزال الراضي راضيًا بموهبة من أفاد المعاني الانماء. وحكي عن أبي الحسن العروضي مؤدب الراضي أنه قال: غدا علي الراضي يومًا وفي يده درج، فوضعه وأقبل على ما كنت وظفته له، فأسرع يحصله، ثم انحاز عنّي وأَخَذَ ذلك الدرج يتصفّحه، فقلتُ له: ما درجك أيها الأمير؟ فقال: حكمة من حكم الفرس مما ترجم لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، انتسخته، فقلت: أسْمِعْني ما فيه، فقرأ علي أنه لا يضير فساد الملك مع صلاح قدر، كما لا ينفع مع فساد وزرائه كبير نفع، وينبغي للملك أن يسوس وزراءه بثقةٍ يكمن فيها احتراس، لا يوجد معه حذر، وأنس (٥) تشوبه هيبته، وليحذر كل الحذر من اختصاص بعضهم دون بعض، وتفضيل بعضهم على بعض، فالوزراء للملك كالطبائع للجسم، صلاح الجسم باعتدال طبائعها وتساويها في القوة. كما أن عَطَبَها في قوّة بعضها على بعض، قال العروضي: فقلت أيها الأمير إنك اليوم غير محتاج إلى هذا وشبهه، فقال: كلا إني إليه لمحتاج وإن كان عندك علم منه فأفدناه، وإن لم يكن عندك فاستفده لكي تفدناه، قال: فعلمت بذلك سمو همته وثقوب فطنته. وحكي (٦) عن العروضي أنه قال: أمليتُ على الراضي في صباه كلامًا لقتيبة (٧)،

стр. 8286

وهو أن قتيبة شاور أصحابه في رجل يؤمره على جيش أراد أن يبعث به لمحاربه بعض من جاور خراسان من الكفار، فقيل له: هل لك في فلان؟ فقال: ذلك رجل ذو كبر، ومَنْ تكبّر أعجب برأيه، ومَنْ أُعجب برأيه لم يؤامر نُصَحاءَه، ومن تحلى بالإعجاب، ودبّر بالاستبداد كان من الصنع بعيدًا ومن الخذلان قريبًا، ومَنْ تكبر على عدوّ احتقره، ومن احتقر عدوّه (قل) (١) احتراسه منه، ومن قل احتراسُهُ كَثُر عثاره، وما رأيت محاربًا قط تكبر على عدوّه إلا كان مخذولًا مهزومًا مغلولًا، لا والله حتى يكون أسمع من فرس، وأَبْصَر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأجرأ من أسد، وأوثب من فهد، وأحْقَد مِنْ جمل، وأروع من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من ظبي (٢) وأخرس من كركي. والح (٣) من كلب، وأصبر من ضب، وأحمل (٤) من نمل، فإن النفس إنما تسمح بالعناية على مقدار الحاجة، وإنما تعني بالتحفظ على مقدار الخوف، وقد قيل على وجه الدهر: ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق، ومَنْ أحب أن يُحب يحبب، قال العروضي: فكتب الراضي ذلك بخطه، وعكف على دراسته حتى حفظه في جملة ذلك. فلما حصله ارتاح وطرب، وأقبل علي وقال: لعلّ الزمان أن يبلغ بي إلى أن أتأدب بهذه الآداب. ثم: [٢٢] دولة المستكفي (٥) بالله، أبي القاسم عبد الله بن علي المكتفي ابن المعتضد كان لا يكف ذيله عن فجور، ولا يعف ليله عما لا يصبح له ديجور، ولا ينفك في غيابة ظلام، ولا ينتقل عن بطن جارية إلا على ظهر غلام، ولا تزال يده مقرطة بمنديل، متوجه بكأس إلا أنها غير سلسبيل، وكان مجلسه معمورًا بالفتيان، مغمورًا بالدنان، كأنه حانة نباذ، وفي قطر بل (٦) لا بغداد، وكان ربما لم يكتف بمن عنده

стр. 8287

فيُطلب له من نساء المدينة العواهر، ومن أبناء أهلها من يكلفه عمل النساء الفواجر، لا يعرف برا ولا حنثا، ولا يخف محمله عن ذكر ولا أنثى، هذا مع عدم قدرة على حكم، ولا سماع لأمره إلا إذا سمعت الصم البكم، وكان في جميع أموره كأنه لم يَرْغَه واعظ دين، ولم يردعه مَنْ له مُعْتَقَد به يدين، حتى كان شبه من بني أمية بالوليد بن يزيد (١)، وما ينتقص عما يريد بل يزيد، وتلاشت في أيامه الخلافة وأضمحلت، وانتكثت عقدتها الوثيقة وانحلت فأصبحت واهية القوى، ضعيفة لا تتماسك من شدة الجوى، أما قمرها فسقط، وأما نجمها فهوى. ثم: [٢٣] دولة المطيع (٢) الله، أبي القاسم الفضل بن جعفر المقتدر ولم يكن له من الأمر شيء، ولا لَهُ فيها ممتد ظلّ ولا فيء، لم يكن له من الخلافة إلا رسمها، ولا من الممالك إلا أن يُضاف إليه سمها، قد شبع مما لا يستطيب، وقَنَعَ باسمه على سكة نقاش ومنبر خطيب. وكان في الخلافة كأنه سرّ مخفي، وعلى المنابر اسم شيء غير مرئي، ما فرح بأن ينفذ له أمر وراء بابه، ولا حكم ولا حتى في أسبابه، فما له ذكر خارج حجابه، ولا شيء يتحدث به عند حجابه، قد جعل قصره محبسه، وقيده مجلسه، وأكثر ما يتحصل له من أجل بلاده مقدار ملء خاصرته من زاده، بل كان في بعض الأوقات ربّما راجع مَنْ حَجَرَ عليه في نَزْرِ به يتوسع، ونزّر منه يتجرّع، فوقتًا يُعطى، ووقتًا يُمنع، سوى أنه ما منح في العطاء، ولا فُسح له كثرة الخلطاء، وكان (لا) (٣) يمكنه ممانعة، ولا يستطيع، ولا يمكنه إلا أن يكون لما يُقال له السامع، ولما يؤمر به المطيع، إلا أنه طالت مدته، وهو على هذه الحال المقضي والأمر. الغير مرضي ولا غير لديه ولا نكير، ولا توسيع له في مجال الحيلة ولا تفكير، ثم كانت آخرته أن خلع نفسه وولى ابنه، وخلى

стр. 8288

فكره مما كان فيه، وأخلى ذهنه، ثم ما عاش إلا أيامًا وخلّف أولاده أيتامًا ونساءه أيامي. ثم: [٢٤] دولة الطائع لله (١): أبي بكر عبد الكريم بن الفضل المطيع ولم يكمل السنتين، ولم يعمل بأمره إلا فيما وقعت عليه نواظر المقلتين. وكانت دولته بعد دولة أبيه ثانية اثنتين، وهو وأبوه سواء في الحالتين، فما قطع ولا وصل، ولا اتصل به أحد ولا انفصل، وكان يحدث بأساه أنه يهم، ثم يحدث له أنه لا يتم، وكان المتبوع التابع والمطاع الطائع، لا يكلّف حمل عبء، ولا يكفل إخراج خبء، بل هو معهم على قدره الكبير كالبعير، كيفما صرفوه انصرف، ومهما فارقوه به اقترف، وإن وقفوه لا يتهمم للحرك، وإن مشوه مشى وإن بركوه برك، كان شاهدًا كأنه غائب، وزاهدًا إلا أنّه راغب، ثم خُلع وسُمل وسجن، ومكث نحو عشرين عامًا في داره حيًّا قد دُفن، إلى أن أتاه الموت المريح، ونقوله من قبر إلى آخر من داره إلى الضريح. ثم: [٢٥] دولة القادر بالله (٢) أبي العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدر بويع بالمشاورة، وأبوه حيّ، وأومي إليه بالإشارة وما أقْفَر حيّ، وكان لما أجمعت عليه الشورى، وحَنَتْ عليه الآراء له أربا وشورا، قد لبس بالبطائح ثياب طائح، فجهز إليه الشعار الخليفتي، وأتاه بالسواد في حلية الثياب الفتي، ومما بعث

стр. 8289

إليه من الإرث الأبوي والأثر النبوي، فلما قدم تلقى بإجلال الخلفاء، وحمالة المواكب بالسادات والشرفاء، حتى إذا دخل القصر، دخل من سعة الفضاء إلى ضيق الحصر، وكانت سني ملكه حتى جاوزت إحدى وأربعين، وتغيرت دول الملوك، ولا يجد من على الأرب يُعين، فكان كلّما أتى آب سلك سبيل من كان قبله من التضييق، وتركه من قبله في قصره المتسع في مضيق، وكان في صباه مقصورًا على جوب وهيام، وحور مقصورات في الخيام، له كَلَفٌ بالجواري والعذارى الهيف، ذات كل ردف ثقيل وخصرٍ لطيف، وله بكؤوس المدام اهتمام، وبكوب السابقين إلى حل العزام التئام، ومما ينفق من عمره من غير الندام اغتمام، فكان لا يبرح صريح جام ملان، أو في استجمام لرحيق ريق فلانة أو أم فلان، فما نهضت له قط كلمة، ولا قط بالسيف رأس عدوّه ولا قلمه، فكان مدة ولا يته لا يضر ولا ينفع، لا ولا يرشح لأنه يأمر لا ولا أن يشفع، فما كان على شيء كما قال قادرًا، ولا وفيًا ولا غادرًا، ثم مات حنف أنفه، ولا شكر الناس من لينه، ولا شكوا من عُنْفِهِ (١). ثم: [٢٦] دولة القائم (٢) بأمر الله: أبي جعفر عبد الله بن أحمد القادر ولي بعهد أبيه القادر، وعهد زمانه يعد فيه أمور كلها في الناذر، ولي مرتين، وسار فيها سيرتين، فأما الأولى فكان فيها لصيد وقنص، وأما الثانية فكان فيها لتصدّ وقصص، وامتدت أيامه أكثر من أبيه، وكثر فيها تخليط أعدائه ومحبّيه، وكان أرضى من أبيه نبا، وأمضى سنا، وأهبّ صبا، وأَشَبَّ إلى العلو على صبا، وكانت همّته ملوكية وإن لم يجد سبيلا إلى اقتداح زنادها، ولا رسيلًا إلى اقتراح عهادها، وكان لا

стр. 8290

يقنع إلّا بما كان عليه أوّله، ويقرع باب عزائمه والأقدار لا تنوّله، فكان لا يزال يشم من نفسه دخان أواره، ويظهر على وجهه شعاع ما لم يواره، ويكتم حاله والله مبديه، ويخاف الناس والله أحق أن يخافه ولا يخفيه، وكان ربما ألم نهبة من الطرب، ونغبة لا ترويه من ماء العنب، فكان ربما بسطه المدام فتحدث، ونشطه من عقال المداراة فعجل لم يتلبث، وكانت عليه عيون موكلة بما ترى، ومسامع لا تكذب خبرا، فأغرى به قلب من كان في يديه موقرًا كالمرتهن، ولديه موفرًا كالممتهن، وأعان عليه حاشية سوء كانوا حوله، وأعوان سيئة لا تطيق قوته ولا حوكه، وكان منهم ابن رئيس الرؤساء (١)، وكان عدوا لأرسلان البساسيري (٢)، وهما الخلافة قالا قفي أو سيري، فظفر ابن رئيس الرؤسا بأرسلان البساسيري وملك فلم يسجح، وأفْسَدَ ولم يصلح، وكان الأولى بمثله، وهو ربّ القلم وذاك ربّ السيف، أن يعفو إذا قَدَر، ويصفوا إذا كَدَر، إلى ما هو به جدير ولا عاقب إلا معاقبة ضعيف لا قدير، فنكل به اشد التنكيل، ومثل به أقبح التمثيل. وبسط عليه العذاب الأليم، وسلط العقاب على الحريم، وفعل في ذلك فعل من طنخ (٣) ونوّخ بعيرًا فلم ينخ، فما قَنَعَتْ تلك الشوكة إلا بخلع الخليفة والقبض عليه وإرجافه بالخيفة، وتعويقه من سما عليه في دارٍ بالحديثة (٤) وسَعَتْ في إغضاء خَوَلِهِ تلك الشوكة الخبيثة، وخُطب ببغداد والعراق للمستنصر أبي تميم معد (٥) بن الظاهر العبيدي، خليفة مصر، وحمل على أعناق المنابر ثقل ذلك الإضر (٦)، إلى أن انقضت سنة (٧)، وما غمضت مقلا سنة، ثم

стр. 8291

انتخى له ملوك المشرق (١)، وردُّوا زمانه المشرق، ومدّوا ظل عصره الموفق، فتوجوا رؤس المنابر والمرفق، وأعيد إلى بغداد وأعلامه تثنّى ارتياحًا وتُرسل للبشرى بين يديه رياحًا، فدخل إلى قصره وتوقل رتبته، وحلّ في صدرها، وحلّى جيده بدرها، وجل به منصب الخلافة على ما كان أو أسنى، وجد حتى ظفر بأعدائه وبلغ ما تمنى وانقرضت في أيامه دولة العجم، وانقضت بغير عود من النصال عجم، فطلع طالع الخلفاء ونَجَم، وصار مستقلًا لو أراد الولوج على الأسد لهجم، أو العروج إلى السحاب لصار وصاب وأنسجم، وأما ابن رئيس الرؤساء فإنه أكل مما طبخ، وأحرق بما نفخ، هذا قبل أن يُدال القائم، ويُدار له الدور على الظالم، لكن البساسيري لم يلج في تقاضي دينه، ولا كفر بهلاكه ريب رينه (٢)، بل قنع بالاقتدار بأنه أَظْهَرَه ولَبَّسَهُ طرطورًا وركبه على جمل، وأشهره (٣)، ثم لما ثبت ملك القائم عهد إلى ابنه ذخيرة الدين أبي العباس محمد (٤)، فعجّل الزمان بانفاق الذخيرة وقدر بانتقالها إلى الله الخيرة، فاودع القائم وبه من الذخيرة ما كان دَخَر، وودّع إلى الضريح قلبه وما كان به قد فَجَرِ، ورجع البكاء ثم استرجع من ابنه المقتدي لبن الذخيرة أشياعه الأخر، وعهد إليه، وعقد لنجم سما وغيث همى وبحرٍ زَخَر. ثم: [٢٧] دولة المقتدي (٥) بأمر الله، أبي القاسم عبد الله بن محمد الذخيرة بن القائم وكان تحت كنف بني بويه (٦) كأنه صبي ضُرب الحجر عليه، مع ما كان فيه من

стр. 8292

عَقَلَ وسَكِينَة، وفضلٌ يصلح دنياه ودينه، وكان لإفراط التضييق عليه، ولا يأخذ لقلبه فضاء ولا ينفذ حكمًا ولا قضاء، ثم غضى على ما تكره عينه، ولم يدر كيف يتقاضى دينه، إلا أنه استروح بمراسلة يوسف بن تاشفين (١)، وبرد حُرَقه بمكاتباته وما شفين (٢)، وهيهات بينهما عرض الأرض ومر البر ونحر البحر وملوك العبيديين بمصر، بين بحريهما حاجز، وحائل بينهما لا يزيله حاجز، وإنما كان يعلل نفسه بالمنى، ويؤمّل مدَدَ النصر من هنا ومن هنا، فلم تنقطع بينهما المكاتبات ولا حُجبت أرواح الابتداءات والمجاوبات، ولا يرغد عيشًا بعلالتها ويتملى ريا ببلالتها، وربما كتب إلى ملوك ما وراء النهر، فعومل الرسول بالرد والنهر، وقيل له: لو قمتم بأمور الدين وتركتم أباطيل السَّفَه وأقاويل الشُّبَه، وأخذتم بما تبين لا بما اشتبه، وبما نجم من الحق أو الخير، لما تسلَّطَتْ عليكم أحكام الجائرين، ولا سَطَتْ بكم أيدي الحكام المجاورين، لكنكم فعلتم وفعلتم، وعلمتم وجهلتم، وعدد عليه قبائح ما ارتكبوا، وفضائح ما احتقبوا، وكان المقتدي ممن يرتاح للندى، ويلتاح نجم هدى، وله هذي مأثور يفاوح أرج المنشور، كأنه بالعنبر نسخ، وبماء الورد نفخ، يؤثر الخير ولا يلتقي عليه مساعدًا، ويؤثر الجود ولا يخلف عليه مواعدًا، ويقارب السلف ولا يكون مباعدًا، ويقارن هام الغمام ولا يقدم راعدًا، وكان أبوه أبو العباس محمد الذخيرة، قد مات كما ذكرنا في زمان أبيه القائم، وتلقى من رضوان ربة تحية القادم، فلم يكن للقائم دأب إلا تأديب المقتدي وأقرأه سيرة الخلفاء الصالحين عليه كعمر بن عبد العزيز والمهتدي، وإعلامه بأحوال الدول مسيئها ومُحْسِنها، وأمره بتصفحها والأخذ بأحسنها، حتى كانوا لو تمكن ناذره، وخاتمة لأول الغيث أو بادره. وقد ذكر ابن الأثير (٣) أنه مات فجأة، قال: كان قد أحضر عنده تقليد السلطان

стр. 8293

بركياروق (١) ليعلم فيه، فقرأه وتدبره وعلم (بما) (٢) فيه، ثم قدم إليه طعام، فأكل منه وغسل يديه، وعنده قهرمانته شمس النهار فقال: ما لهؤلاء الأشخاص الذين دخلوا عليَّ بغير إذن قالت: فالتفت فلم أر شيئًا، ورايته قد تغيرت حالته، وأسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوّته، وسقط إلى الأرض، فظننتها غشية لحقته، فحلَلْتُ ثوبه، فوجدت (٣) عليه إمارات الموت، فتماسكت وقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، فإن صحتِ قتلتك. فأحضرت الوزير فأعلمته الحال، فشرعوا في البيعة لولي العهد. وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق، وعمرت محال بغداد، وتوفي في [يوم السبت خامس عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة] (٤). ثم: [٢٨] دولة المستظهر (٥) بالله، أبي العباس أحمد بن عبد الله المقتدي ولم يكن مثل أبيه في تأبيه، بل كانت له يقظة نبيه، وكان مقبلًا على لهوه، مشتملا على زهوه، يميل إلى الخمر، ويميل به شكر، ويميد بمعطفه فيسجد ثملًا لا شكرًا، لا يعرف راحة إلا موصولة براح، ولا اقتداح مَسَرَّة إلا بأقداح، فلا تعطل حبب الكؤوس، ولا حبب عقد (٦) العجوز العروس، أوقاته كلها طرب وانتشاء، وحرب في كؤوس تدور بها أيدي بدور بكرة وعشاء، وكان ذا حظ في الأدب، وحض إليه وندب، وباسمه ألف أبو القاسم بن محمد الحريري (٧) كتاب

стр. 8294

المقامات بأمر وزيره شرف الدين أنو (١) شروان بن خالد. وكان ابن جهور يقول: إنّ الذي أشار عليه بها في قوله: فأشار مَنْ إشارته حكم وطاعته غُنْم، إنه المستظهر، قال: ابن الشريشي: وكان للمستظهر (٢) رغبة في الطلب وعناية بأهل العلم. قال: وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه وبها ألف وخمسمائة رجل حامل علم، وكلهم قد أثبت اسماءهم السلطان في الديوان، وأجرى على كلّ أحدٍ من المال بقدر حظه من العلم. قال: وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألف المقامات كلها على الركاب، وذلك أن المستظهر لما أمره بصنعتها خرج كالحافظ على العمال. وكان يخرج في الأبردين يتمشى في ضفتي دجلة والفرات، يصقل خاطره بنظر الخضرة والمياه. فلم ينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة، فخلص منها خمسين وأتلف الباقي، وصدر الكتاب ورفعه فبلغ عنده أعلى المراتب، انتهى كلامه. قلت: وفي أيام المستظهر أَخَذتْ الفرنج بيت المقدس (٣) وأكثر بلاد الشام، وظهر التهتك بالقبائح وقلة الاحتشام وفشى أمر الربا وشرب الخمر والزنا، وكثرت الملاهي وقلت النواهي، وعظمت تلك الدواهي، فَعُجّل بهم العقاب، وعذَّبوا بأخذ البلاد منهم، وهو أخف العذاب. وكان المستظهر ذا نادرة كتب إليه الأبيوردي (٤) قصة وكتب على رأسها الخادم المعاوي، فكشط الميم فصارت العاوي. ثم: [٢٩] دولة المسترشد (٥) بالله: أبي منصور الفضل بن أحمد المستظهر وكان مع الملوك كشأن الخلفاء قبله، وعلى ما كان عليه مَنْ كان مثله، وكان

стр. 8295

الغالب عليه جمال الدولة سنجر (١)، غلبة من يحجب ويحجر، والمسترشد يظهر اعتراضًا في ابتغاء، ويسر حسوا في ارتغاء (٢)، كأنه زند النار، ظاهره حجر وباطنه أوار، وبقي يتربص بسنجر الدوائر، ويوقد له النوائر، وسنجر لا يقع في حبالته، ولا يلين له جانب حالته، إلى أن قدّر لسنجر أجل أجله وأتيح، وألقي في مرط أمله وأطيح (٣)، فخف عن صدر المسترشد ثقل ذلك الطود، وأمن تحطم ذلك العود، وقام نور الدولة مسعود بن سنجر، ولم يكن نور الدولة ممن يتقيه ولا يخافه، ويجد في توقيه، فطمع في الوقوف على أمر مملكته، وعمل على موت مسعود وهلكته، ليخلو له الجوّ، ويُتبع الأسد الذاهب بالبو (٤)، قال الشريف الغرناطي: فصنع المسترشد دعوة عظيمة لنور الدولة مسعود بن سنجر، ووجوه الدولة، ونوى قتلهم، ففطن لذلك مسعود، فدخل عليه في رجلين من قرابته، وأومى إلى تقبيل يده، فجبذه بها جبذة شديدة، ألقاه بها عن السرير إلى الأرض، وألقى عمامته في عنقه وأراد خَنْقَهُ، ثم كفّ عَنْهُ، وخرج وفي قلبه منه ما فيه منه. قلت: وبقيا على ازورار البغضاء وانحراف يقلهما على مثل الرمضاء، ثم قتل

стр. 8296

بعد ذلك بأيدي الباطنية، وأُورِدَ أجن المنية، قتل بأرض الأعاجم وَدَخَلَ عليه الأجل المهاجم، وكانت قتلته بحي أصفهان القديمة، وثوت بها ركائبه المقيمة، وكان يمني نفسه الاستقلال بالخلافة من غير تشريك، ولا مزاحمة تكون لمليك. وكان المسترشد ينشد عند تزايد كربه وترافد الرجال في حربه: أنا الأشقر الموعود في الملاحم (١) وكان هكذا، أشقر أبيض، كأن لؤلؤًا على صفحاته ترقص، وأتى نعيه بغداد، فأظلم جوها لملم مماته، وأظلَّ أهلها غم وفاتِهِ، وارتجت لمهلكه أكناف العراق، وفاضت دجلة بالدموع التي تراق، ولم يبق بها ناحية إلا وبها نائحة، ولا جارحة إلا وفيها جارحة، لما فقدت من بعد سوفه، وعدل أمات العدو بخوفه. وحكى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ (٢)، قال: كان المسترشد يلحق بالصدر الأول من سَلَفِهِ في علو الهمة وحسن السيرة والإقدام العظيم، فإنه لما التقى هو وعماد الدين زنكي (٣) بن أقسنقر في المصاف بعقرقوب (٤) وأنا حاضر المصاف، ضرب له خيمة من أطلس أسود (٥)، ووضع له فيها تخت وحَبَسَ عليه، والخيل تطرد فكسر عسكر زنكي في يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمئة، فاستولى على ما فيه وانهزم زنكي إلى الموصل، وذلك الإقدام سبب تلفه، وأنشد القاضي جمال الدين محمد بن واصل للمسترشد (٦): [من الطويل] أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم

стр. 8297

ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضي … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ثم إن المسترشد حاصر في العشرين من رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة مدينة الموصل (١)، فقصد باب المسترشد جماعة من الأمراء السلجوقية وخدموه وقوي بهم، واتفق انشغال السلاطين بالخلف (٢) الواقع بينهم، فأرسل المسترشد أبا الفتوح الأسفراييني (٣) الواعظ إلى جمال (٤) الدين زنكي برسالة فيها خشونة، وزادها أبو الفتوح زيادة في الجُبَّةِ (٥)، ثقةً بقوَّة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين زنكي وأهانَهُ، ثم دام الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر، فلم يظفر منها بشيء، فعاد إلى بغداد. وحكى الأمير سديد الدولة أبو محمد الأنباري (٦) كاتب الإنشاء، قال: وقع بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين المسترشد خُلْف، وخرج المسترشد لقتاله مرتين وكُسر، فلما مات السلطان محمود، وولي أخوه السلطان مسعود بن محمد استطال نوابه بالعراق، وعارض الخليفة في خاصه، فدخل إليه الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي (٧)، وكمال الدين صاحب المخزن وأنا معهما، وكان المسترشد قد طرد نواب السلطان عن البلاد، ورتب صاحب المخزن للنظر في المظالم، فلما دخلنا قال له الوزير يا مولانا في نفس المملوك (٨) شيء، فهل يؤذن له في المقال؟ فقال: قل، فقال: إلى أين نمضي وبمن نعتضد، وإلى مَنْ نلتجي، ومقامنا ببغداد

стр. 8298

أمكن لنا، ولا يقصدنا أحد، والعراق ففيه لنا الكفاية، فإن الحسين بن علي ﵉ لما خرج إلى العراق جرى عليه ما جرى ولو أقام بمكة ما اختلف عليه أحد من الناس، فقال لي الخليفة: ما تقول يا كاتب؟ فقلت: يا مولانا الصواب المقام وليت العراق يبقى لنا، فقال لصاحب المخزن: يا وكيلي ما تقول؟ فقال: ما في نفسي، فأنشد الخليفة قول المتنبي (١): [من الخفيف] وإذا لم يكن من الموت بُدّ … فمن العجز أن تموت جُبانا وخرج وخرجنا معه، فلما قاربنا همدان وقع المصاف بين الخليفة والسلطان مسعود بن محمد بمكان يسمى داي مرك (٢) قريب من همدان، فلما اصطفت العساكر فر من معسكرنا جميع الأتراك إلى ناحية السلطان، ثم وقع القتال فانهزم الخليفة وأرباب المناصب، وحُمِل الوزير (٣) وصاحب المخزن (٤) وأنا ونقيب العلويين (٥) إلى قلعة سرجهك (٦) قريب قزوين، وبقي الخليفة مع السلطان، وسار معه في بلاد أذربيجان إلى أن وصلوا إلى مراغة، فهجم على الخليفة ثلاثة نفر (٧) من الملاحدة والباطنية وهو في خيمته، فقتلوه، وقتلوا معه ابن سكينة، وكان يصلي به، وذلك يوم الخميس لأربع (٨) بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فلما قتل الخليفة أظهر السلطان مسعود الجزع العظيم، والحزن الكثير، ودفن الخليفة بمراغة ووصل الخبر بذلك إلى العراق، فحزن الناس عليه حزنًا عظيمًا، وبويع بالخلافة ولده الراشد (٩) ببغداد، واستقرت خلافته بها. وذكر الشريف الغرناطي: أن المسترشد عهد إلى الراشد حين بَلَغَ وأنه بلغ تسع سنين، وإنه لو كان يمكن أعادها سفاحية منصورية.

стр. 8299

قلت: ثم قدم السلطان توريز (١)، وضرب عنق دبيس (٢) بن مزيد صاحب الحلة. قال ابن الأنباري: لما قتل المسترشد أحضرنا السلطان مسعود، وقال ما التدبير في أمر الخلافة، وبمن ترون؟ فقال الوزير (٣): الخلافة لولي العهد، يعني الراشد، وقد بايعه الناس ببغداد وجلس واستقر، وبويع له من قبل أبيه بولاية العهد، وبويع له الآن بالخلافة، فقال السلطان: ما لي إلى هذا سبيل أبدًا، ولا أقرّه عليها، فإنه تحدثه نَفْسُهُ بالخروج مثل أبيه، كان قد خرج على أخي محمود مرتين وعليَّ مَرَّةً وهذه أخرى، فتم عليه ما تم، وبقيت علينا شناعة عظيمة وسُبَّةٌ إلى آخر الدهر، فإنه يقال: قتلوا الخليفة، وهم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت، ولا أريد أن يلي الأمر إلا رجل لا يدخل في غير أمور الدين، ولا يجند، ولا يجمع، ولا يخرج عليَّ وعلى أهل بيتي، وفي دار الخلافة جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم صاحب عقل ورأي وتدبير يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، ولا يخرج من داره، قال ابن الأنباري: وأرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان سنجر بن ملكشاه يستشيره فيمن يولّي الخلافة، فأرسل إليه: لا تولّ الخلافة إلا من يضمنه الوزير وصاحب المخزن وكاتب الانشاء، فلما وصل السلطان همدان اجتمع بنا وأشار بهرون (٤) بن المقتدي، وعرفنا بما أمَرَهُ به عمه السلطان سنجر، فقال الوزير: إذا كان الأمر يلزمنا فنحن نولي من نُريد، وهو الزاهد الدين، الذي ليس في الدار مثله، فقال السلطان: مَنْ هو؟ فقال: الأمير أبو عبد الله محمد بن المستظهر، فقال: وتضمن ما يجري منه، فقال الوزير: نعم، وكان الأمير أبو عبد الله صهر الوزير على ابنته، وإنها دَخَلَتْ يومًا الدار في خلافة المستظهر، فرآها الأمير أبو عبد الله فطلب من أبيه تزويجها، فزوجه بها، فدخل بها وبقيت عنده، ثم توفيت، فقال السلطان: ذلك إليكم، وكتموا الحال

стр. 8300

لئلا يشتهر الأمر فيقتله الراشد، ثم رحل السلطان والجماعة نحو بغداد (١). فأما الراشد فإنه لما بويع ببغداد بالخلافة بعد مقتل أبيه المسترشد بالله أرسل إلى الأمير عماد الدين زنكي بن آقسنقر يَسْتَدْعِيه يحدّثه وضمن له أن تكون السلطنة والملك للملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد ابن ملكشاه الذي عند أتابك، وأن تكون أتابكة السلطنة والخلافة بحكم عماد الدين (٢). ثم: [٣٠] دولة الراشد (٣) بالله، أبي جعفر منصور بن الفضل المسترشد وكان بأبيه يسترشد، وعلى نحو ما قرره يحل ويعقد ويعد وينقد، ووجد لملهك أبيه ما لا قدر يملك ناره، ونسب إلى مسعود بن محمد قتلته، وأنه الذي قرّر غيلته، وهو لا يجد سبيلا، ولا يستجد قبيلا، خشية أن يتفطن لمراميه فيعاجل قبل إبرامه، ثم صرفه القدر عما أراد، وأبكى السيف والنجاد، وبويع بعد أبيه المسترشد، وكأنه لتأبيه لم ينشد، وضلالته لا تعان بولي مرشد، وضالته لا تُعرف لناشد ولا ينشد، فكان يبيت على مثل حسك السعدان ويتململ كلما حضر الأبردان، وفطنت الملوك لما تتناج به وساوسه، وتتناد به ضمائره وهواجسه، وكان طائشًا عجولًا، يركب معارف وهجولا (٤)، فخافت ابتداره، وخشيت إذا تمكن اقتداره، لأنه أسد أهيج، وأرقم حُرِّك لأمْرٍ مُرِيج، فما تمكن ولا تفرغ لأن يساور ولا يلدغ، بل خُلع خلع الرداء، وألقى إلقاء الدارع للأمة الحصداء (٥)، وأثبت عليه محضر بأنه فسق، ولولا الملة لقالوا إنه مَرَق، وفارق الدين وقطع حبله من حيث
следующие страницы →