← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

بعد ذلك بأيدي الباطنية، وأُورِدَ أجن المنية، قتل بأرض الأعاجم وَدَخَلَ عليه الأجل المهاجم، وكانت قتلته بحي أصفهان القديمة، وثوت بها ركائبه المقيمة، وكان يمني نفسه الاستقلال بالخلافة من غير تشريك، ولا مزاحمة تكون لمليك. وكان المسترشد ينشد عند تزايد كربه وترافد الرجال في حربه: أنا الأشقر الموعود في الملاحم (١) وكان هكذا، أشقر أبيض، كأن لؤلؤًا على صفحاته ترقص، وأتى نعيه بغداد، فأظلم جوها لملم مماته، وأظلَّ أهلها غم وفاتِهِ، وارتجت لمهلكه أكناف العراق، وفاضت دجلة بالدموع التي تراق، ولم يبق بها ناحية إلا وبها نائحة، ولا جارحة إلا وفيها جارحة، لما فقدت من بعد سوفه، وعدل أمات العدو بخوفه. وحكى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ (٢)، قال: كان المسترشد يلحق بالصدر الأول من سَلَفِهِ في علو الهمة وحسن السيرة والإقدام العظيم، فإنه لما التقى هو وعماد الدين زنكي (٣) بن أقسنقر في المصاف بعقرقوب (٤) وأنا حاضر المصاف، ضرب له خيمة من أطلس أسود (٥)، ووضع له فيها تخت وحَبَسَ عليه، والخيل تطرد فكسر عسكر زنكي في يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمئة، فاستولى على ما فيه وانهزم زنكي إلى الموصل، وذلك الإقدام سبب تلفه، وأنشد القاضي جمال الدين محمد بن واصل للمسترشد (٦): [من الطويل] أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم

стр. 8297

ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضي … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ثم إن المسترشد حاصر في العشرين من رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة مدينة الموصل (١)، فقصد باب المسترشد جماعة من الأمراء السلجوقية وخدموه وقوي بهم، واتفق انشغال السلاطين بالخلف (٢) الواقع بينهم، فأرسل المسترشد أبا الفتوح الأسفراييني (٣) الواعظ إلى جمال (٤) الدين زنكي برسالة فيها خشونة، وزادها أبو الفتوح زيادة في الجُبَّةِ (٥)، ثقةً بقوَّة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين زنكي وأهانَهُ، ثم دام الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر، فلم يظفر منها بشيء، فعاد إلى بغداد. وحكى الأمير سديد الدولة أبو محمد الأنباري (٦) كاتب الإنشاء، قال: وقع بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين المسترشد خُلْف، وخرج المسترشد لقتاله مرتين وكُسر، فلما مات السلطان محمود، وولي أخوه السلطان مسعود بن محمد استطال نوابه بالعراق، وعارض الخليفة في خاصه، فدخل إليه الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي (٧)، وكمال الدين صاحب المخزن وأنا معهما، وكان المسترشد قد طرد نواب السلطان عن البلاد، ورتب صاحب المخزن للنظر في المظالم، فلما دخلنا قال له الوزير يا مولانا في نفس المملوك (٨) شيء، فهل يؤذن له في المقال؟ فقال: قل، فقال: إلى أين نمضي وبمن نعتضد، وإلى مَنْ نلتجي، ومقامنا ببغداد

стр. 8298

أمكن لنا، ولا يقصدنا أحد، والعراق ففيه لنا الكفاية، فإن الحسين بن علي ﵉ لما خرج إلى العراق جرى عليه ما جرى ولو أقام بمكة ما اختلف عليه أحد من الناس، فقال لي الخليفة: ما تقول يا كاتب؟ فقلت: يا مولانا الصواب المقام وليت العراق يبقى لنا، فقال لصاحب المخزن: يا وكيلي ما تقول؟ فقال: ما في نفسي، فأنشد الخليفة قول المتنبي (١): [من الخفيف] وإذا لم يكن من الموت بُدّ … فمن العجز أن تموت جُبانا وخرج وخرجنا معه، فلما قاربنا همدان وقع المصاف بين الخليفة والسلطان مسعود بن محمد بمكان يسمى داي مرك (٢) قريب من همدان، فلما اصطفت العساكر فر من معسكرنا جميع الأتراك إلى ناحية السلطان، ثم وقع القتال فانهزم الخليفة وأرباب المناصب، وحُمِل الوزير (٣) وصاحب المخزن (٤) وأنا ونقيب العلويين (٥) إلى قلعة سرجهك (٦) قريب قزوين، وبقي الخليفة مع السلطان، وسار معه في بلاد أذربيجان إلى أن وصلوا إلى مراغة، فهجم على الخليفة ثلاثة نفر (٧) من الملاحدة والباطنية وهو في خيمته، فقتلوه، وقتلوا معه ابن سكينة، وكان يصلي به، وذلك يوم الخميس لأربع (٨) بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فلما قتل الخليفة أظهر السلطان مسعود الجزع العظيم، والحزن الكثير، ودفن الخليفة بمراغة ووصل الخبر بذلك إلى العراق، فحزن الناس عليه حزنًا عظيمًا، وبويع بالخلافة ولده الراشد (٩) ببغداد، واستقرت خلافته بها. وذكر الشريف الغرناطي: أن المسترشد عهد إلى الراشد حين بَلَغَ وأنه بلغ تسع سنين، وإنه لو كان يمكن أعادها سفاحية منصورية.

стр. 8299

قلت: ثم قدم السلطان توريز (١)، وضرب عنق دبيس (٢) بن مزيد صاحب الحلة. قال ابن الأنباري: لما قتل المسترشد أحضرنا السلطان مسعود، وقال ما التدبير في أمر الخلافة، وبمن ترون؟ فقال الوزير (٣): الخلافة لولي العهد، يعني الراشد، وقد بايعه الناس ببغداد وجلس واستقر، وبويع له من قبل أبيه بولاية العهد، وبويع له الآن بالخلافة، فقال السلطان: ما لي إلى هذا سبيل أبدًا، ولا أقرّه عليها، فإنه تحدثه نَفْسُهُ بالخروج مثل أبيه، كان قد خرج على أخي محمود مرتين وعليَّ مَرَّةً وهذه أخرى، فتم عليه ما تم، وبقيت علينا شناعة عظيمة وسُبَّةٌ إلى آخر الدهر، فإنه يقال: قتلوا الخليفة، وهم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت، ولا أريد أن يلي الأمر إلا رجل لا يدخل في غير أمور الدين، ولا يجند، ولا يجمع، ولا يخرج عليَّ وعلى أهل بيتي، وفي دار الخلافة جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم صاحب عقل ورأي وتدبير يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، ولا يخرج من داره، قال ابن الأنباري: وأرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان سنجر بن ملكشاه يستشيره فيمن يولّي الخلافة، فأرسل إليه: لا تولّ الخلافة إلا من يضمنه الوزير وصاحب المخزن وكاتب الانشاء، فلما وصل السلطان همدان اجتمع بنا وأشار بهرون (٤) بن المقتدي، وعرفنا بما أمَرَهُ به عمه السلطان سنجر، فقال الوزير: إذا كان الأمر يلزمنا فنحن نولي من نُريد، وهو الزاهد الدين، الذي ليس في الدار مثله، فقال السلطان: مَنْ هو؟ فقال: الأمير أبو عبد الله محمد بن المستظهر، فقال: وتضمن ما يجري منه، فقال الوزير: نعم، وكان الأمير أبو عبد الله صهر الوزير على ابنته، وإنها دَخَلَتْ يومًا الدار في خلافة المستظهر، فرآها الأمير أبو عبد الله فطلب من أبيه تزويجها، فزوجه بها، فدخل بها وبقيت عنده، ثم توفيت، فقال السلطان: ذلك إليكم، وكتموا الحال

стр. 8300

لئلا يشتهر الأمر فيقتله الراشد، ثم رحل السلطان والجماعة نحو بغداد (١). فأما الراشد فإنه لما بويع ببغداد بالخلافة بعد مقتل أبيه المسترشد بالله أرسل إلى الأمير عماد الدين زنكي بن آقسنقر يَسْتَدْعِيه يحدّثه وضمن له أن تكون السلطنة والملك للملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد ابن ملكشاه الذي عند أتابك، وأن تكون أتابكة السلطنة والخلافة بحكم عماد الدين (٢). ثم: [٣٠] دولة الراشد (٣) بالله، أبي جعفر منصور بن الفضل المسترشد وكان بأبيه يسترشد، وعلى نحو ما قرره يحل ويعقد ويعد وينقد، ووجد لملهك أبيه ما لا قدر يملك ناره، ونسب إلى مسعود بن محمد قتلته، وأنه الذي قرّر غيلته، وهو لا يجد سبيلا، ولا يستجد قبيلا، خشية أن يتفطن لمراميه فيعاجل قبل إبرامه، ثم صرفه القدر عما أراد، وأبكى السيف والنجاد، وبويع بعد أبيه المسترشد، وكأنه لتأبيه لم ينشد، وضلالته لا تعان بولي مرشد، وضالته لا تُعرف لناشد ولا ينشد، فكان يبيت على مثل حسك السعدان ويتململ كلما حضر الأبردان، وفطنت الملوك لما تتناج به وساوسه، وتتناد به ضمائره وهواجسه، وكان طائشًا عجولًا، يركب معارف وهجولا (٤)، فخافت ابتداره، وخشيت إذا تمكن اقتداره، لأنه أسد أهيج، وأرقم حُرِّك لأمْرٍ مُرِيج، فما تمكن ولا تفرغ لأن يساور ولا يلدغ، بل خُلع خلع الرداء، وألقى إلقاء الدارع للأمة الحصداء (٥)، وأثبت عليه محضر بأنه فسق، ولولا الملة لقالوا إنه مَرَق، وفارق الدين وقطع حبله من حيث

стр. 8301

رق، وقد تقدّم في ترجمة أبيه المسترشد الخبر الغريب في سرعة البلوغ مبالغ الرجال، وما كان من مبايعته بعد مقتل أبيه، وإباء السلاجقة له لإفراط خوفهم منه وجرأة الراشد وتسرّعَهُ وحدّة نفسه، وأهمّ السلاجقة أمره، وجعلوه نصب عينهم، ومن الغريب أن المسترشد كان قد أعطاه عدّة جواري، فحملت منه جارية حبشية صفراء، وهو إذ ذاك ابن تسع سنين، فأنكر المسترشد هذا، ثم أَمَرَ بأن يطأ جارية حملت قطنًا، فوطأها، فلما قام عنها أخرج القطن وعليه المني، فأرى المسترشد ثم أمر بأن يُفعل كذلك في جارية أخرى، فكان الأمر كذلك، فحينئذ أيقن ببلوغه، وألْحَقَ الولد. ثم: [٣١] دولة المقتفي (١) لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن أحمد المستظهر كان مما يبطن خلاف ما يظهر كان يظهر قبل مصير الخلافة إليه الانقطاع والعبادة، وملازمة السجود والسجادة، مع سوء معتقد وطوية، وقبح عقد ونية، وظلم لا يأمن معه بريء، وتسلّط كالأسد الجريء، لم يكن فيه ثراء للمعتفي، ولا كان لأمر الله المقتفي، بل كان يتخفّى ببوائقه، ولا يختفي، ويخرج ويشره إلى خارج قصره ولا يكتفي، وهو مع ذلك يصانع ويُداري، ويستر العار بالعواري، ولا يظهر له من ريبة ثوبًا، ولا ينتظر له بتوبة أوبًا، بل هو في دَنَسِ لا يَنْقى، وذنوب لا توقى، وملازمة زخارف لا تبقى، وسماع ملاه يلقى بين ضروب ملاح بريقها يُسقى، ولهيب راح لا يضلاها إلا الأشقى، هذا إلى ما فيه من نكوب عن الرشاد، ونكول عما شيّد سلفه وشاد، ولم يكن بعيدًا من أبيه المستظهر في مواصلة اللهو ومواقيته، والخمر وترصيع أوانيه بيواقيته، لكنه كان يزيد عليه بأنه كان ظالمًا عسوفا، حاكما جائرًا عنيفا (٢)، طالَتْ مدّته وثقلت، وقطعت أعمار الخلق حتى انقصَلَتْ، هذا كله وعارضه أشيب، وقد آن له على أنّهُ أَيَّدَ من عون الدين أبي المظفر يحيى بن

стр. 8302

هبيرة (١)، بوزير لا يصادمه شيئان، رأيه وصارِمُهُ، وشتان مواصله ومُصارِمُه، ما قرر مثله أبو مسلم في خراسان، ولا فَعَل نظيره في الأندلس عبد الرحمن، ولا قام مثله في أوّل الدولة فتى شيبان، ولا في مملكة الفرس رستم بن دستان، ولا سلك إلا سبيل آصف مع سليمان، فكان نعم العون في منع الصون، فقد كان يجهد ولا يعيا، ويُميت الأعداء وهو يحيى، فَسَتَر عوار المقتفي، وواراه، وقدح زناد سعادته وأوراه، حتى وطيء ملوك آل سلجوق، ووطد ملوك الدول ودوخها، ومحا بصباح رأيه آية ليلها وَنَسَخَها، فأعاد إلى رؤوس الدولة العباسية نَحْوَتَها، وأعَزَّها شيمًا، وبقية قريش احوتها (٢)، ثم مات المقتفي، وقام بعده ابنه أبو عبد الله محمد، وتلقب بالمأمون، فما تمت بيعته (٣)، ولا سالمته المنون، عاش بعده نحو شهر وما كمله، ولا تم له منذ ذكر ما أمله، بل لم يزل الحبل محمولًا (٤) على غاربه، وطرفه بيده والطرف الآخر بيد جاذبه، حتى بويع أخوه المستنجد، ودفع الأمر إلى المنجد. قال ابن الأنباري: ولما كان يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، مضينا مع الوزير ابن طراد الزينبي إلى دار السلطان مسعود بن محمد ونحن معه، فأخَذَ السلطان خطوطنا بالضمان، ثم أصبحنا فحضرنا عند الأمير أبي عبد الله محمد بن المستظهر وشرطنا عليه مطاوعة السلطان على ما ضمناه عليه، فرضي به، ثم مضينا إلى السلطان فأعلمناه بما كان، فأمر بمبايعته، فلما كان من الغد صعدنا إلى الدار فأخرجنا منها اشياء لآلات الغناء وما لا يليق، وشهد جماعة من أهل الدار أن الراشد كان يشرب الخمر، فأفتى الفقهاء بخلْعِه، وحكم القضاة بذلك فخلعوه، ودخلتُ إلى الأمير أبي عبد الله محمد أنا والوزير وصاحب المخزن، وتحدثنا معه، وناولته رقعةً فيها ما يلقب به، فكان فيها المقتفي لأمر الله، والمستضيء بنور الله، والمستجير بالله، فقال الخليفة: ذلك إليكم، ثم قال لي

стр. 8303

الخليفة: ماذا ترى؟ فقلت: المقتفي لأمر الله. فقال: مبارك، ثم مد يده، فأخذها الوزير وقبلها، وقال: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واجتهاده، ثم أَخَذَها صاحب المخزن وقبلها وبايعه على مثل ذلك، ثم أخَذْتُ يَدَهُ وقبلتها، ثم قلت: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين على ما بايعتُ عليه أباه وأخاه وابن أخيه في ولاية عهده، ثم قمت من عنده وَدَخَلَ الأمراء والقضاة والعلماء وأكابر الناس فبايعوه، ثم حَضَرَ السلطان مسعود عنده، وكلَّمَهُ المقتفي بكلام وَعَظَهُ فيه، ثم عرفه ما يلزمه مِنْ طاعة الخليفة وأمَرَه بالرفق بالرعية والإحسان إليهم، وخوَّفَه عاقبة الظلم فبايعه السلطان، وقبَّلَ يَدَ الخليفة، ورجع إلى دار السلطنة. وأما الراشد فإنه أقام بالموصل مع عماد الدين أتابك زنكي، ثم أرسل زنكي إلى بغداد القاضي كمال الدين محمد بن الشهرزوري (١)، فلما حضر قيل له: بايع أمير المؤمنين، فقال: أمير المؤمنين عندنا بالموصل، وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة، وطال الكلام، ثم عاد إلى مثله، فلما كان الليل جاءته امراة عجوز سرًا، وأبلغته رسالة عن المقتفي مضمونها عتابه، فقال: غدًا أخدمه خدمة يظهر أثرها، فلما كان الغد أحضرت إلى الديوان، وقيل لي في معنى البيعة، فقلتُ: أنا رجل قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم، فأحضروا الشهود، وشهدوا عنده بما أوْجَبَ خلعه، فقال: هذا قد ثبت ولكن لا بُدَّ لنا في هذه الدعوة من نصيب لأن أمير المؤمنين قد حصلت له خلافة الله في أرضه والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده، فنحن بأي شيء نعود، فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر أن يقطع عماد الدين زنكي صريفين ودرب هرون، وجرى ملكا، وهي من خاص الخليفة، وأن يزاد في ألقابه، وقال: هذه قاعدة لم يُسمح بها لأحدٍ من زعماء الأطراف أن يكون له نصيب من خاص الخليفة، وعاد وقد حصل على جملةٍ صالحة من الأموال والتحف، وكان المقتفي من ذوي الهمم العالية، والآراء السديدة، والسياسة الوازعة، من رجال

стр. 8304

بني العباس الأفراد، مكث في الخلافة أربعة وعشرين سنة، بها سبعة عشر سنة في مداراة الملوك السلجوقية، وسبع سنين وشهورًا مستبدًا بنفسه، مقارعًا للسلاطين، قامعًا لمردة أولئك الشياطين، مدوخًا للبلاد، قامعًا للخوارج عليه، وحضر مصافات عدة، وثبت في حصار بغداد، وكان ذلك شهورًا تجري في كل يوم منها مصافات، وهو رابط الجأش ثابت الجنان منشرح الصدر، منبسط الأمل، وكان في نفسه قساوة وغلظة وأيد بوزيره عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، وزره رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهذا وزير لو كان كالوزراء لذكرته كأحدهم، ولكنه كان أجل، وفعله دليل عليه، وما ذكرته مع الوزراء في الانصاف إلا اسوةً لهم للتسمية، ولكنه يعد من عظماء الخلفاء، وكبراء الملوك، لعظيم ما فعل، وجليل ما صنع، وهو الوزير الذي أنطق الدولة العباسية بعد الخرس، وأجرى في عودها الماء بعد اليبس: [من الكامل] ومعرف الخلفاء إنَّ حظوظهم … في حيّز الإسراج والإلجام فوري به زناد المقتفي، وشدّ أزْرِهِ فيما كان يعتلج في صدره، يتمناه من علو قدره، ولم يزل يسحب (١) الدولة السلجوقية سحب المبادرة ويديف (٢) لها في أري النحل سم الأساود، وينبه ولاة الأطراف على ما فرض الله عليهم من نصر الأئمة، ويوقظ مصابيح بصائرهم في كشف ليالي الفتن المدلهمة، ويؤنبهم على ما قنعت به هممهم الدنية، وما غشيهم من الذل والصغار في طاعة السلجوقية، حتى شَذَبَ عن دولة العجم من كان ينصرها على الخلفاء، ويفعل في تفريق تلك الجموع ولا فعل قصير مع الزباء، حتى صار كل من كان للسلجوقية على الخلافة عونًا، قد أصبح للخلافة على مَنْ عداها عَيْنًا، وهو لا يسلك في ذلك إلا المسالك المرضية، ولا يدعوا إلا بالنصائح الوعظية، ولا يحض على نصر كتاب الله وسنة نبيه المثلى ولا يبعث الهمم إلا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخضع بالقول فيطمع الذي في قوله مرض، ولا يُرسل سهم قول فيقنَع بما دون الغرض، ولا يغضب إلا لانتهاك محارم الله وتعدي حدوده، ولا ينهى عن منكر إلا محذرًا لمرتكبه من عذاب الله ووعيده، ولا ينجح له سعي فَيَنْسِب النعمة إلى غير الله تعالى، ولا يقوم مقامًا فينسب له مع التبرير مقالًا، ولا فعالًا، ولا رؤي ولا سمع برجل ولي عظائم الأمور

стр. 8305

الدنيوية والممالك السلطانية، هزم الجيوش خائضًا لغمراتها، معرضًا وريده لاستنهاء وطباتها، كان أشدّ تبرّيًا إلى الله من حول نفسه وقوتها منه، ولا أكثر اعترافًا بفعل الله فيه فيما يصدر بالمباشرة عنه، فما ادعى لنفسه فعلًا ولا قولًا، ولا اعتقد لها قوةً ولا حولا، لكنه يذكر كفاية الله التي جَبَرَتْ نقصه، وقوّمَتْ خطأه، وقدمت على المشرفية سطاه، ويقول: ما رأيت في هذا الأمر الذي لابسته أنفع من دعاء وجدته في مجموع لابن سمعون (١) ولا أبلغ من ذكر رأيته في كتاب فضائل الأعمال لابن أبي الدنيا (٢)، ولا كان في قلبي أوثق من ركعات تعلّمتها من فلان المجاور بجامع المهدي. وذكر الوزير أبو غالب (٣) عبد الواحد بن مسعود الشيباني بهذا وقال: لقد كان لهذه المحاسن من أفعاله وأقواله هيئة وصنعة، ولا تنهض العبارة بأدائها، ولا تؤدي الحكاية جزاءً من أجزائها، وللصدق عليها شواهد من جنس ما تسميه الصوفية ذوقًا لا يدركه إلا مَنْ خالطه ورأى هديه وسكينته وخضوعه لله واستكانته واعزازه بالله في كل مقام تتخاذل فيه القوى وتنقصم فيه إلا مَنْ استمسك بالله العرى: [من الكامل] وهو مع الله على علاته … ماض مضاء المشرفي الصارم وقصد السلطان مسعود بن محمد بغداد سنة خمس وأربعين وخمسمائة وتلقاه ابن هبيرة إلى النهروان، وأبلغه سلام الخليفة واسبتشاره بمقدمه وانتظاره لتقدمه، ثم عاد وقد ملأ الصدور بما شاهده أرباب الدولتين من قوة جنابه وطلاقة لسانه ومهابته التي ظهر على السلطان مسعود إعظامها، وهان عليه ملك ممالك أهل بيته ونظامها. وقال ابن الفضل: [من الطويل] ولما رأى السلطان عزتك التي … هي السعد أغشاه عن اللحظ نورها

стр. 8306

وما زال من فرط المهابة مطرقًا بعينيه حتى ما يكاد يديرها ثم باكر إليه ثاني يوم دخولِهِ مهنئًا بالاستقرار والإياب، الذي قرَّبَهُ القرار، ثم خطب خطبة أبْلَغَ فيها موعظة السلطان وتذكرته بآخرته، وتمثل مقامه بين يدي الله ومساءلته، وعدّد له ما فرض الله عليه لخليفته وخليقته، وما طوقه من محار الملك دون حقيقته، وشرح المظالم التي يلزمه إثمها، وإن غاب عنه علمها، ويناط به وِزْرُها وإن خفي عنه أمرها، وختم ذلك بدعاء له بالصلاح والهداية، والنجاح والكفاية، فظنّ كل مَنْ حَضَرَ ذلك الموقف أنه لا يَسْلَم من بطشه، ولا يسأم من إثارة البلاء له ونبشه، توهم قوم إن موجدته منه ستتعدّى إلى الخليفة ضررها، ويستطيل في الدولة شَرَرُها، فلما استتم كلامه، رفع السلطان طرفه (وقال): عهدي بعيد بسماع هذا الكلام، وإن أرجو أن تظهر علي بركتك، فلا تقطع عني تذكيرك في كل وقت، وانصرف، وأتبعه السلطان بحلل وقماش وخيل ومماليك أتراك وجارية تركية، فوصَلَتْ إليه الهدية وهو جالس في داره بين سمار مجلسه وحضاره، وفرّقها كلها عليهم، ولم يُمسك لنفسه شيئًا سوى الجارية، ثم بعث إليه هدية يسيرةً لا يكون لبعضها مجازية وقصد البقش كونخر (١) في أمراء السلجوقية، فسأل المقتفي، فخرج إليهم ومعه ابن هبيرة، وبان فيها من هذا الوزير وإقدامه، وزئير ضرغامه لا صرير أقلامه، صدور ما أقام الهيبة في صدور الأعداء، وحَسَمَ الداء بالداء، فإنه خاض تلك الحروب وتلقى الأسنّة بنحره، يُرتّب الميامن والمياسر، ويُبوئ مقاعد الحرب بين يديه تلك العساكر، شاهرًا سيفه بجأش رابط، وعزم ضابط، وطليعة كل نجم صاعد لاهابط، بتدبير صائب، وتدمير على الأعداء لا يرعى صحبة صاحب، وكانت النصرة للخليفة وعساكره، وترددت برد التهاني ببشائره ونهب عساكر الخليفة ما لا يتناوله الحصر، ولا يتناوله إلا النصر. قال الوزير أبو غالب: حتى كان الفرس الجيد يباع ببغداد بدينار، والبغل الجيد بدينارين، فأما الغنم فبلَغَتْ كل عشرين شاة بدينار، ودامت بهذا الرخص والكثرة نحو شهرين، ثم عاد الخليفة وقد خشع بَصَرُ الأعداء لمهابته، واتسع أمله باعتزاره على العدو وإهانته.

стр. 8307

ثم في سنة خمس وخمسمائة (١): وصل سليمان (٢) شاه بن محمد شاه إلى خدمة المقتفي ملتجئًا إليه فأكرمه ووسع ضيافته وصدق في قبوله تفرسه وعيافته، ومال الخليفة إلى تمليكه، ولم يكن ذلك من رأي ابن (٣) هبيرة، وعاود الخليفة فيه مرارًا، وقال: هذا أمر دفع الله عن الخليفة شرّه، وكشف عنهم ضرّه، فلا تجدّد ما اطمأنت النفوس على تعطيله، وسكنت إلى ما جهدت في تبطيله، فقال الخليفة هذا قد لجأ إلينا، وسَلَكَ غير مذاهب أهل بيته في الاستكانة والخضوع، ولو أراد جمع عسكرًا وفسادًا في الأرض لقدر عليه، وحيث قد أتى الأمر من بابه، فلا بد من إجابته، فاستدعي إلى دار الخلافة، وجلس له الخليفة جلوسًا عامًا في مجلس عظيم. حضره ارباب الدولة والمناصب والأمراء والخدام والقراء والفقهاء كلهم متأهبون بالسواد، وجلس الخليفة من وراء شباك، وقام ذلك الجمع بين يديه سماطين طويلين، وقف الوزير ابن هبيرة على كرسي بين يدي الخليفة، وحضر سليمان شاه، فقبل الأرض ثم عَدَلَ به إلى بيت أُفيضت عليه الخلع فيه بالطوق والسوارين والتاج والخلع التامة، وقدم له فرس الخليفة بمركبه، وقلّد بسيفين وعُقد له لواءان، وأقيمت له الخطبة على منابر ولاية الخليفة كلها ولقب (٤) بغياث الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين، وعاد إلى دار السلطنة التي بأعلى بغداد، وحمل الخليفة إليه من الثياب والمال والخيل والبغال والجمال والأعلام والسلاح ما لا حَدَّ له، وكذلك حمل إليه الأمراء. وكانت وفاة المقتفي بعلة التراقي، وهو خرّاج من كتفيه مكث به خمسة وعشرين يومًا، ومات في يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن ثاني يوم، وصلى عليه ابن هبيرة. ومما يحكى أنه كان قد أخرج عشر جباب أطلس لتطوى من المخزن المقتفوي، فسلمت إلى المطري، ولم تثبت في دساتير الديوان وسهوا عنها حتى طلبت في السنة الثالثة، فأحضر المطري، وتوعد وهدد، فاعترف بأنه باعها وجهز بها بنتين له، فكتب

стр. 8308

إلى المقتفي فوقع لهم: لا ذنب للذيب حيث افترس، وإنما الذنب للراعي حيث نعس، والذي صرفها المطري في حقه أحق من أربابها، فيفرج عنه، ولا يتعرض إليه والسلام. قال ابن واصل: كان المقتفي فاضلًا حسن العقيدة، وله شعر حسن من جملته: [من السريع] قالت أحبك قلت كاذبةٌ … غُرّي بذا مَنْ ليس ينتقد قالت: فما أدراك؟ قلت لها: … الشيخ ليس يحُبُّه أَحَدُ ثم: [٣٢] دولة المستنجد بالله (١)، أبي المظفر يوسف بن عبد الله المقتفي كان أبوه احتفر أوزارها، واحتقب شملتها (٢) وإزارها، لم يهب أن هجر الفحشاء أوزارها، ولا خاف مهاجمة الأسود أو زارها (٣)، تحلى بالعدل ولَزَمَه، وتجلى في الويل كالأذمه، فلم يزل يكفر سيئات تلك الذنوب، ويغسل أدناس تلك العيوب بالذنوب، إلى أن نسيت القروح، وأسيت الجروح، وتداول الناس شكرا المستنجد، وتحدث به المغير والمنجد، فكأنما بعث للأدواء مسيحًا، ومن اللأداء مريحا، وللآلاء مميحًا، وكان يتأمل القصص ويوقع عليها بيده لحق يحقه بكلماته، وباطل يبطله بإزالة ظلاماته، يقوم الليل ويُحييه بتهجدِهِ، ولا ينتقل إلا من موضع سريره إلى مسجده، ولا يعدو يمينه، ولا يعد ما ملك يمينه، مع اقتصار، وقصر طمع واختصار، لا يطلب الدنيا إلا ليذلها، ولا يجمع الأموال إلا لتشتيت شملها، وهو في هذا كله بقدر محدود، وظل لا منقبض ولا ممدود، بل لا يأخذ شيئًا إلا من حلّه، ولا يصرفه إلا في أهْلِهِ، لا جَرَم أنه ضرب به المثل الشرود، وسَحَبَ له أمثل البرود، مع أنه استقاد (٤) من عدوّه وانتقم، وشرب دَمَهُ والتقم، إلا أنه كان

стр. 8309

يغلب حلمه على غضبه، وجدّه على لعبه، فلهذا قيل أنه فريد وقته، ولم يمثل بعده سمت ذي وقار إلا بسمته. بويع يوم موت أبيه، فقبض على جماعة من أهل الظلم، وأسقط ما استجد من المكوس، وأذهب بسعود أيامه النحوس، وكان المستنجد قد نشأ مع الأتراك، وتكلّم بلغتهم، ولعب معهم الصوالحة، وبعد خلافته بشهرين اصطدم في الميدان هو وقايماز الأرجواني أمير الحاج فوقع قايماز وفرسه ميتين (١). وتوفي ابن هبيرة سنة ستين بالفالج، واستولى عضد الدين (٢) أبو الفرج بن المظفر بن رئيس الرؤساء بعده على الدولة، وأجرى على إقطاعه وكان مائة ألف دينار، وتوفي على فراشه يوم السبت تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة (٣)، قيل مات على فراشه، وقيل أن بعض من كان أحفظهم من الأمراء بإمساك مَنْ كان أَمْسَك من أصحابهم لتمهيد دولته وتسلّط ابن البلدي (٤) في ظلم الناس، راقبوا المستنجد حتى مرض، فهجموا عليه وحملوه بفراشه إلى حمام وأغلقوها عليه وأوقدوها، فمات، ثم أخذ ابن البلدي، ومثل به وأُلقيت جثته في دجلة. ثم: [٣٣] دولة المستضيء (٥) بأمر الله، أبي محمد الحسن بن يوسف المستنجد دولة أضاءت الأيام بإشراقها، وصحت الدنيا بافراقها، وانجابت الظلماء

стр. 8310

لدعوتها، وأجابَتْ مصر وجميع الأمصار لدعوتها، وقوّمت عوج اليماني، وأقامت ميل الرديني، وَغَزَت الأعداء بغير كتائب، وركبت إلى الهيجاء سوى الجنائب، وعاجت على الديار لإبلاء صدور الركائب وما قنعت هممها بالشرق وممالكه الفساح والعراق وسكانه الفصاح وما في بلاده من جنوب وشمال، واتساع ما فيه من كور أعمال وعمال، وما حواه البحران ودنا دونه النهران، حتى استعاد بالتقدمات النورية (١) إخدته، واستردّ ذخيرته وخيرته، وفتح مصر واسترجع منها ما كان في أيد العبيديين ونسخ بالدين المحمدي ذلك الدين، وغَلَبَ عليها على ما لاوت عليه الدهور، حتى فنيت مددها، وبليت على الحدين مددها، وقهر الخليفة السوء وزراؤه، وزري بملكه وسرَّ الناس إرزاؤه، وكان صلاح الدين إذ ذاك الوزير، وحل في لبدته أشد مزير، فخلا القصر من شياطينه، وبدل رغامه بسلاطينه، وغلب الدست لانحصار شاته بفرازينه (٢)، وظهور الحق على تسويل إبليسه له وتزيينه، وذهبت بتلك الدولة بقايا السقم، وقد أضنت وبلايا النقم، وقد عنّت وانتقم الله ممن جاذبه رداء كبريائه، وخلص الخلاص الهاشمي من وضَرِ أدعيائه، ورُميت عن سلافة العصر حثالة ذلك العصر، وطفيت لأهل القصر نار ترمي بشرر كالقصر، وتجرّدت العزيمة النورية لكشف لمم يلمها، وكشط غمائم غمّها، فأزالت عنها غم عار ذلك النسب، حتى كفت الدولة العباسية أمرها، ونَفَتْ ما نُسِبَ من الدناءة إلى ابن عمها، فأزالت عنها عار ذلك النسب المدخول والحسب المعروف المجهول، وأصبحت مصر في حلل الشعار العباسي، ترفل إلى أقاصيها، وتخطر في حلية الشباب ما شاب من لمم نواصيها، ثم شرع التصميم الصلاحي في بلاد الفرنج، وشَرِه فَمُ قوسِهِ لأكل بلادهم، واستعدّ منجل سيفه لحصادهم، ومنازل رمحه لحمل رؤوسهم لا أجسادهم، وتحطمت قروم مجانيقه لدك أطوادهم، ولو كان هذا موضع استقصائه، لأتينا العجائب في قصّه، وبينا على الهلال مقدار زيادتها ونَقْصِهِ.

стр. 8311

وبويع المستضيء بالله ثاني يوم موت أبيه، واستوزر عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، بعد عظائم جَرتْ بسببه، ثم أراد عضد الدين الحج فقفز عليه شيخ متصوف فقتله، وقفز آخر على صاحب الباب فقتله، وقتل ابن عضد الدين بيده قاتل أبيه. وفي سنة سنة سبع وتسعين (١) أتته البشرى بقطع خطبة العاضد العبيدي بمصر، وإقامة الخطبة له. ومات المستضيء في أواخر شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ثم: [٣٤] دولة الناصر (٢) لدين الله أبي العباس أحمد بن الحسن المستضيء وهو الذي شد الخلافة وقواها، وعدل الدولة وسواها، وتداركها وهي في رَمَقِ فأنْعَشَها، ولحقها وهي دفين فَنَبَشها، وخاشن الملوك ونابذهم في الحفاظ، وواخذهم حتى في الألفاظ، وناقشهم في لقب ونافَسَهم وما ارتقب، وأظهر قوة من ضعف، ورسم خلافة كأنه يعف، وكان قد أخَذَ الناس بالأرصاد وتعمد أخبارهم بالاقتصاد، فكان يكاد لا يخفى عليه بواطن أمورهم، وما يخفى بحيطان دورهم، ثم يحدثهم بها كأنه يُكاشف، أو كأنه بخبايا أسرارهم عارف، لكنّه كان طامح النظر إلى الحريم، لا يُقنعه ظباء الحريم، ولا يردّه حور الخلدان بحور في بغداد حور. وولد مع تشيع، إلا أنه ليس برفض، وتسبع لو خلي لأكل الأرض، وكان بادي الرأي، له في كل يوم عزل وولاية، وبه عز وذل إلى غاية، وعهد إلى ولده الظاهر أبي نصر محمد (٣) ثم عزله، ورفع اسمه على المنابر ثم أنْزَلَه، وكان السبب في هذه تميزه عليه خلقًا وخلقًا وعلمًا وعدلًا ورفقًا، وبأسًا صارع به بحضرة أبيه الجاموس،

стр. 8312

وضارع لو شاء الليث العبوس، كان قد خرج الناصر وهو معه إلى البطائح فرأى جاموسًا عَصَّبَ رأسه الهوى وهو طامح، وقد أوى إلى بطيحة اشتبك شجرها واحتبك ماؤها ومحجرها، فقال: لا يعرض أحد إلى هذا الجاموس، فإنه لا يخلو من بادرة بوس، وكان جاموسًا قد تأسّد، لو عاث لأفسد، فنزل إليه الظاهر غير مكترث، وأبرم له عَزْمًا غير منتكث، فلما رآه الجاموس صوّب إليه روقيه، وطأطأ لينطحه بقرنيه، فجرد الظاهر سيفه وتقدّم إليه، وضربه ضربةً قطع بها عنقه إلى ظلفيه، فحقدها عليه الناصر ونقمها، وأراده بها ودفع الله نقمها، مع ما كان يؤثره الناصر من تقديم ابنه الثاني علي (١) عليه، والله يؤخره، ويهيء الأمر للظاهر ويدخره، ومع هذا فما قدر الناصر على شيء أكثر من أنه عزله عن ولاية العهد وصرفه، ثم أَحْوَجَهُ الله إليه فولاه وصَرَّفَهُ. ثم نذكر بقية حال الناصر: تفتى وفتى (٢)، وتفقه في هذا وأفتى، ووضع ترتيب الرفاق، ورَضَعَ معهم كؤوس الوفاق، ولبس السراويل (٣) ولبسه لأهل ذلك الجيل، ورمى البندق (٤) وبرز له، واختط الخطة ورمي الوجهين، ووضع له في أحكامه المقترح واستباح في الشريعة ما لم يبح، وادّعى في الرمي، وادعي لَهُ، وسلك مدة في هذا سبيله لا يخلى الطير حينا من الحين ولا تزال قسيّ بندقه ينصرها طائره في السماء فتصيبها بالعين، قد جعل الجلاهق (٥) أحد سلاحيه، لا يدع الصباح والعشاء من اغتباق راحيه، لا يريح الرفاق من رواحيه، ولا طائرًا يطير بجناحيه، وقصد السرداب المعدّ عليه النوبة للمنتظر، ووقف عليه، ونادى لو أسْمَعْ، وقال: أنا ابن عمك بغير مَدْفَع، ودينك ديني وما بعد اقتداري في الأرض وتمكيني، فهذا أوان ظهورك فاخرج، فأنا القائم بأمورك، فلما لم يجب، ولا قام من قلبه بما وجب، علم

стр. 8313

بطلان ما كان يخيّل له من خُرافات تلك المخاريق، وضلالات ما خرج به عن الطريق، فترك سوء ذلك التشيع، وتقلل من التكثر في التروي بها والتشبع، ثم ما كان إلا مُتَسنّنًا، وفي مذاهب أهله المذهبة متفننًا. ومات ولده علي (١) وَوَجَدَ عليه وجدًا كاد يذهب بخلبه (٢)، وينتزع من صدره سويداء قلبه، وأعاد الظاهر إلى ولاية عهده، وقدم من صهوة المنبر ما لا يصلح إلا للبده. بويع يوم موته، ونثرت الدنانير والدراهم يوم بيعته (٣)، ومدحه الشعراء فممن أجاد ابن التعاويذي بقوله: [من الخفيف] ورأى الغانيات شيبي فأعْرَ … ضَنْ وقُلْنَ الشباب خير لباس كيف لا يفضل السواد وقد أضحى … شعارًا على بني العباس أمناءُ الله الكرام وأهل الجود … والعلم والتقى والبأس ولقد رتبت الخلافة منهم … بإمام الهدى أبي العباس ملك جلَّ قدسُهُ عن مثالٍ … وتعالت آلاؤها عن قياس يالها بيعة أجدت من الإسـ … ـلام بالي رسومه الأدراس وإلى الله أمرها فَلَهُ المنَّةُ … فيها عليه لا للناس ثم أَخَذَ أمره بالحزم، إلا أنه كان له اختلاط بالعوام، لبس الفتوة من عبد الجبار (٤) مقدم الفتيان، وله رفاق، وكان متدينًا صالحًا وبني له صومعة بباب كلواذى (٥)، ومضى قاصدًا الحج فَدَرَجَ (٦)، ودفن بالمعلا (٧)، ورمى الناصر البندق،

стр. 8314

وخالط قدماه ووضع في أيامه المقترح (١) في تشريع الرمي والرماة، وكان الناصر بصيرًا بالآدب، له اليد الطولى إن نظم وكتب. كتب إليه سعد الدين بن شبيب صاحب المخزن يذكر حال مجد الدين ابن الصاحب قبل أن ينقم عليه، وقال إنه صبي يجهل الأمور لعدم خبرته بها، والدول تحتاج إلى الشيخ الحوّل القلب، وما يناسب هذا المعنى، فوقع الناصر عليها: كم بذي الدوح أثلة من قضيب ثم أوقع بعد ذلك بابن الصاحب، ثم استوزر جلال الدين بن يونس (٢)، وخَلَعَ عليه، ومَشَتْ القضاة وأرباب الدولة في خدمته. وكتب إليه … . (٣) الانصاري: أن المملوك قديمًا وليّ أمير المؤمنين قد تاب على يد ابن الجوزي وتَرَكَ الخدمة، فوقع عليها: ما يصلح للمولى على العبد حرام، … وكتب إليه رجل يسأل المساواة بابن ساوا، فوقع عليه: ابن ساوا لا يُساوى، ثم أنه نقم عليه، وقتله شر قتله. وكتب إليه عن السلطان صلاح الدين: [من المديد] ألقني (٤) في لظى فإن حرقتني … فتيقّن أن لست بالياقوت كل من جاءك يدعي النسج لكن … ليس داود فيه كالعنكبوت فكتب جوابه: [من المديد] نسج داود لم يفد صاحب الغار … وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند في حومة النار … مَزيلٌ فضيلة الياقوت واستبصر في بعض أوقاته بمن أجابه إلى موعد أخْلَفَهُ في ميقاته بيتي أسامة بن

стр. 8315

منقذ: [من الكامل] وممَاذِقٍ رجَّع النِّداء جوابه … فإذا عرا خَطْبٌ فَأَقْعَدُ مَنْ دُعي مثل الصدى يَخْفى عليَّ مكانه … أبدًا ويَمْلأ بالاجابةِ مَسْمَعي وقد ذكره ابن واصل قال: كان الناصر عظيم الهيبة، عالي الهمة وافر العقل، حسن السياسة، متيقظًا، لا يفوته أمر مما يجري في بلاده وغيرها من بلاد الاسلام، وكان له أصحاب أخبار يطالعونه بما يحدث من الأمور في كل صقع، فخافه الناس خوفًا شديدًا وهابوه، وكان الانسان في العراق لا يجسر أن يجري في بيته وخلوته ما يخاف الانكار عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به، أنه ينقل خبره إلى الخليفة، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة، واتسع ملكه جدًا، واستولى على خوزستان والجبل، وفتح كثيرًا من بلاد العجم وقامت للدولة العباسية حشمة لم يكن مثلها موجودًا إلا في الزمن القديم قبل استيلاء الملوك على العراق، ولكن الفقهاء أُهينوا في زمانه إهانة بالغة لاستظهار الشيعة به عليهم فقال صاحب المخزن: [من الكامل] أحبابنا نُوب الزمان كثيرةٌ … ومَرَّ منها رِفْعةُ السُّفهاءِ هل يستفيق الدهر من سَكْراتِهِ … وأرى اليهود بذلة الفُقَهاءِ وفي جمادى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة حكم أهل النجامة أنه يكون هواء عظيم يهلك أكثر الناس فيه (١)، وتُرمى الجدران لاقتران الكواكب في برج الميزان، فدخل للناس منه رُعْب عظيم، واستعدّ بعض الملوك لعمل سراديب تحت الأرض، وأعد فيها الأقوات والعطر لأجل وَخَم الهواء، فقضى الله بأنَّ الهواء انقطع تلك الليالي البتة حتى أن ضوء الشمع ما كان يميل، فقال ابن المعلم شعرًا منه: [من البسيط] قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب وما جَرَتْ زعزع كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب يقضي عليها مَنْ ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب فارم بتقويمك فالاصطرلاب … خيرٌ من صفره الخشب ثم:

стр. 8316

[٣٥] دولة الظاهر (١) بأمر الله، أبي نصر محمد بن أحمد الناصر وتقدم له في ذكر أبيه أَرَجٌ لا يركد نسيمه، وترك روضٌ لا يُمَلِّ شميمه، ووصف طود لا يُرقى صاعده، وبحر لا يتعب وارده، وسحاب لا يعيا رائده، ومقسط يأتي يوم القيامة على منبر من نور، ومنصف لو أبهم عليه وجه الحق لشقّ عن سنا فجرِهِ قلب الديجور، كان إمام عَدْلٍ وغمام وَبْلٍ، وقيم دين، وضيغم عرين، وكافلًا بإزالة كل شنيعة كاسرًا لصولة بدع الشيعة، وكل شيعة، كشف عن تمويهات المذاهب ونقب وأتى على ما أخر أبوه من رقيق غيمها وعَقّب برأي رام لا تخطئ صوائبه، وذكاء فطن لا تلتبس مذاهبه، وكان الله جانب منه لا يضيعه، وسر كالمسك يجتهد في كتمانه فيذيعه، وقد أومينا بطرف الاشارة إلى ما كان من مصارعته بحضور أبيه الجاموس، حتى أكمن له هذا في قلب أبيه غلًّا من الحقد، وأمكن لأجله من ساقه قيدًا كالخلخال ومن عنقه كالعقد مع ما كان في نفس أبيه من تقديم أخيه على هواه، ومباينته في المعتقد لما طواه، لأنَّ الظاهر كان على خلاف الباطن من عقيدة أبيه، كان كل منهما في طرف، لا يخادع فيما عرف، فأما الابن فاستقام على الطريقة، وأما أبوه فانحرف، فأمسكه وكيله بالحديد وثقفه، والقى عن عاتقه نجاد ولاية العهد، ونزع مطرفه، ثم لما مات أخوه علي، وأقفر بيت أبيه من وَلَدٍ له يلي، وارجحن عقله الذاهب، وكان اثر المصائب كأنه قد كان بلي بذهاب لبه، وأُصيب بكل عقله لا ببعض قلبه، أعاد تقليد وَلَدَهُ الظاهر ولاية العهد وأعد له المنبر كنية النهد هيًا له (٢) السرير ما لم يكن إلا لَهُ، من حين فارق حجور المراضع، وقاطع ذروة المهد، وخطب له ببغداد، ثم صار إلى الأمصار، وضرب باسمه على السكك، وأنار وجه الدرهم والدينار، وهو مع هذا كله مرتهن عند أبيه بالتعويق، مثقف في الحديد بالقيد الوثيق موكلًا به في دار ترك عنده فيها جارية. ورُتّب له فيها كفاية جارية، قد أيْقَظَ عليه عيونًا لا تَهْجَع حتى توقظ أُخرى، ورقباء لا تَغْفَل شفقًا ولا فجرا، حتى شاء الله أن يشق صدفته عن درّتها، وتتصدع صخرته عن زُبرتها، وتتفرج أفنان غابته

стр. 8317

عن قُسُورِتها، وتتمحض مُدرة أرضه لتُخْرِجَ مُدرتها، فمات أبوه، ورغم معطس من كان يأباه، يريد أن لا يكون أخوه، وخرج من مُعْتَقَلِهِ خروج الأسد من وِجارِهِ (١)، والكوكب الدُّرّي من حُجُبِ أُفُولِهِ، والبدر التمام من خدور سِرَارِهِ، وانتضى انتضاء المُشْرِفِيِّ المرهف، وخَلُص من التثقيف خلوص السمهري المُثَقَّف، وأصفقت الأيدي على مبايعته بالإمامة، ورقا ذروة المنبر وعليه لواء الكرامة، وهيأ الله له ما أراده من الخير، وأحسن له الحسنى وأحَلَّ الغير بالغير، وأعادها عُمريّة ليس لها جناح، وقمرية خَدم فيها البدر من العشاء إلى الصباح، ولم يكن في حظ زمانه أن تدوم وأن تتم، وعدله قمرها المنبر وعيون أخباره النجوم، فكنت لا ترى في مدته إلا سنة وكتابا وإمامًا ومِحرابًا، وسيّئةً مُحِيتْ وبُدّلت ثوابًا وعدلًا فتح له بابا، وظلمًا سَدَّ له بابا، وقائلًا كأن في حرّ الهجير أظل عليه ندى، ورفقًا أرأف بالأمة من الوالدات على الفطيم، ولطفًا يَصُدّ سموم الشمس فيأذن للنسيم، وشكرًا يروع العذارى فيلمسن جانب العقد النظيم، وقد ذكر الوزير أبو غالب (٢) نسخة من كتب عن الناصر خَلْعَ ولده الظاهر لما خَلَعَهُ بخط المكين ابن العلقمي، ومنه: وقد كان أمير المؤمنين قلد ولده أبا نصر محمدًا ولاية عهده ورشحه من بعدِهِ، مؤملًا منه التخلق بشريف أخلاق أمير المؤمنين التي هي من أخلاق آبائه مقتبسة، وعلى أساس التقوى مبنيّةً مؤسسة، فلما أن وقَتَ تكامل رشده، رأى من نفسه القصور عن التزام شروط هذا الأمر، واستقال منه، وسأل أمير المؤمنين نزع لباسه عنه، وكتب خطه عن ذلك وتركه وحلّ ما عَقَدَ له منه وفكّه، وتيقَنَ من حاله وأمره أنه لا يصلح لخلافة المسلمين في الحاضرة ولا في بقية عمره، وأشهد بذلك عليه، وخلع نفسه عما كان فوّض إليه، وأمير المؤمنين لم يَخْلُ في كل وقت باعتبار طرائقه واستقرائها وتتبع خلائقه واستبرائها، إلى أن استبان ما كان من أحواله يلوح، وتألق نجمه من مراصد الوضوح، فلم يَسَع أمير المؤمنين إلا استخارة الله في إقالته وطلب رضاه سبحانه في حلّ عقد ولايته، وأقال ولده، وحلّ ما له من ولاية العهد في المسلمين عقده، ونَقَضَ ما إليه عَهَدَهُ، وأسقط ذكره من الخطب، ومحا اسمه من

стр. 8318

السكك، اجتنابًا من تقلّد أوزاره، وتحمّل أثقال إثمِهِ وأوضارِهِ، وأمير المؤمنين قد شهد الله بما علمه، وإن كان على ولده، ولم تأخذه لومة لائم في لزوم منهج الحق وجَدَدِه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١) وحيث أقال أمير المؤمنين أبا نصر محمدًا وخَلَعَهُ ونضى عنه جلباب ولاية (٢) عهده ونَزَعه، لم يَرَ أن يعين على أحدٍ بعينه (تحريًا لا لاحتساب) ما تحمل الأوزار، وتوخيًا لما هو أسلم من الأخطار. ثم: [٣٦] دولة المستنصر بالله (٣)، أبي جعفر المنصور بن محمد الظاهر جهد في طريقة أبيه وما بَلَغَها، وحام على مناهله وما سوغها، لكنه قارب معناها، وقام حتى داناها، وأسْغَبَ شهواتِهِ من المظالم وفطمها، وَزَم نظراته عن المحارم وخطمها، وأظهر السنّة وأقامها، وسَمَكَ في أعلا السماء مقامها، فكان لا يكبر رأس متشيع إلا رضه، ولا يتشاوس نظر مبتدع إلا غضه، ولا يستكثر رافضي إلا رَفَضَهُ، وحل عقد شعبه وفضّه، سوى أنه أفرط في كبرياء الحجاب، وخالف أباه لا آبائه في فرط الإعجاب، وكانت الملوك تحب المستنصر، وتستطيل أمد عوارفه ولا تستقصر، وكأنما جاء عقيب جده الناصر لأن أيام أبيه كانت كأن لم تكن، لأنه ما بزغ قمره حتى غاب، ولا أصحر ضيغمه حتى واراه الغاب، وأزاح من تجنى الناصر تَعَبَ خواطرهم، ومن تعنى الرسل بينهم وبينه نظر نواظرهم، وكان قد أمر بوظائف الرسل ورتب لهم لطائف الأنزال في السبل، فسارت إليه بهم ركائبهم الذلل الصعاب، وتحدرت إليه قصاده بطون الأودية وشعاف الشعاب، ثم انتقل إلى الله مُبَؤًا في لحده الكرامات، ممرضًا بعده الصبر والكرى مات. ثم:

стр. 8319

[٣٧] دولة المستعصم بالله (١)، أبي أحمد عبد الله بن المنصور المستنصر وهو آخر الخلفاء في بغداد، بل آخرهم في سائر البلاد بالاستبداد، وكان مُحدثًا سنيًّا، محمدًا سنيًّا، تفقه على مذهب أحمد، وتشبَّه في أوّله في كل ما هو أحمد، وكان من ذوي العقول، إلا أن باريه كاده، والبصائر إلا أن الله أعماه ليمضي مراده، وأُغري باللعب بالحمام فَجَلَبَ على المسلمين جالب الحمام، جمع منها عشرين ألف طائر، إلا أنها كانت مياشيم أكثرها قلابات، قلبت الدولة وانتهكت الحريم، ومنى بوزير، (٢)، بل بكلب خنزير، رافضي خبيث، وغير مأمون حتى ولا على حديث، فرتع في سوام الملك ذيبه، ونَفَقَ على الخليفة كذبه لا تكذيبه، وجلب بمواطأته التتار ما أضر بالأمم قتله لا تعذيبه، ولم يجد خمد كمده ريح فطنة تحلله ولا تذيبه، فغطى على بصر الاسلام تلبيسه تدليسه وغط دماء الأمة تسليط أباليسه، فكان في دبيبه أرقما، وسقى كؤس الضراء لطعم أبيه علقما، فلا كان العلقمي وما ولد، لقد وَلَدَ أفعى، وألقى عصا قلمه فإذا هي حية تسعى، لقد أتى شيئًا نكرا، وأطعم الناس من طعامه العلقمي مُرًّا، فحسَّنَ للخليفة جمع المال، وكاتب التتار سرًّا ومد لهم الآمال، وبقي يقطع ألفًا فألفا من الجند ويوفّر ما لهم للديوان، وإنما يريد إضعاف جانب الخليفة، وإرجاف جوانب الأرض بوهن قوته الضعيفة، فلما فل حد العسكر، وقلَّ عديدهم الأكثر استقدم عسكر العدو وبرسله وبكتبه، واستدعى بَرَّهُ

стр. 8320

الفسيح بوهاده وكتبه، فجاء مَنْ لا قوة للبلاد بحمل بعضهم، ولا طاقة للتخوم بمثار ركضهم، فغرق جدول الاسلام في تيارهم، وأحرق نور الإيمان بنارهم، وبدأت الخلافة (١) بعبد الله السفاح، وختمت بعبد الله المستعصم، ولم تَدْرِ الملة لمن تستخصم، وأخذ ﵀ وقتل، وهجمت بغداد، وقتل الرجال وسبي النساء والأولاد، وألقت الهاشميين في دجلة بأرواحها، وارتجت النواحي بنواحها، وكاد الإسلام يذهب بجملته، والدين المحمدي يطوي مُلاءةً ملته، وانقرضت الدولة العباسية، إلا بقية أتَتْ مصر، ونويض (٢) سراجها ثم انطفى، وأومض بريقها في آخريات الليل ثم اختفى، وكان المستعصم يسكن إلى وزيره المؤيد بن العلقمي ويسيل بضبعه، ويميل إلى اعتلاء قدره ورفعه، ولا يزال يلاطفه ويُهاديه، ولا يقطع مكاتباته إما يجاوبه أو يُباديه، أهدى إليه مرة قصب أقلام وكتب معها: بعثنا إلى الوزير أعزه الله بقصب يراع مؤذنةً بأنّه لدينا في المحل الأقصى لا يُراع، فليكتب بها مشرفًا، وفي الأرض وسكانها على رغم مَنْ يشناه مصرفًا، فلما أتت ابن العلقمي قام لها وقبلها، واعتقل خيطها المتفقه وأسلها، ثم كتب (٣): قبل المملوك (٤) شكرًا للأنعام عليه بأقلام قلَّمَتْ (٥) أظفار الحدثان، وقامت له في حرب صرف الزمان، مقام عواسل المران (٦)، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فيا لله كم قعد ذمام في عُقَدِها، وكم بحر سعادة أصبح من مدادها ومَدَدِها، وكم مناد حظ استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فلت مضاربها بمطروف (٧) مرهفاتها، فالله تعالى ينهض المملوك بمفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر أولاه من جميل رأيه وجزيل حبائه. وكانت آفته بل آفة الإسلام وزيره، ولما قدم هولاكو لإزاحة الباطنية عن قلاعهم، امتد إلى استكمال البلاد وواطأه ذلك الوزير الذميم حتى طوى البلاد إلى العراق، ثم أوهم المستعصم أنه قد أكد له سبب الصداقة معه، فخرج لملتقاه في الفقهاء والأدباء، وأهل الشرف في يوم الاثنين سابع عشر صفر سنة ست وخمسين

стр. 8321

وستمائة، فلما رآه أمر به فرفس حتى مات، ثم ديس بحوافر الخيل، ثم وقع السيف، وعظم الخطب، وأمهنت المصاحف حتى عملت للخيل معالف، وهدمت المساجد، ولم يبق متظاهر بالصلاة إلا حائط جدار ساجد، وَخَلَتْ المنابر والأسرة، وخلع الخلافة خلع النعل، وطُفي نور الحق وَطُمس مَعْلَمُ الهدى، وكوّر الليل على النهار، وغال خوف الشموس والأقمار ولو شاء ربك ما فعلوه. وولد المستعصم [يوم السبت ثالث عشري شوال سنة تسع وستمائة] (١) وقيل في … . (٢) وكان عمره [ست وأربعون سنة وثلاثة أشهرو أحد عشر يومًا] (٣) ومدته [خمس عشرة سنة وثمانية أشهر ويومان] (٤). ثم لم يبق للخلافة بقية ذكر إلا لمن وَصَل منهم إلى مصر، واتصل بالظاهر بيبرس البندقداري (٥) بها، وها أنا أذكرهم، فأولهم. [الخلفاء العباسيون في مصر] [١] المستنصر بالله (٦)، أبو القاسم أحمد بن محمد الظاهر بن أحمد الناصر وصل إلى مصر، وبايعه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب (٧) العلامي المعروف بابن بنت الأعز، ثم الظاهر بيبرس، ثم عامة العلماء، وأهل الشرف ووجوه قريش وعامة أرباب الدولة، وكان شهمًا لا يطاق، وشيهما ما لسمه درياق، وراميًا

стр. 8322

رام أن يصمي بسهمه من مصر من بالعراق (١)، وضاق الظاهر به لما رأى منه ومن وفَارِهِ المبثوث في نفوس الخلق، فما صدق أن وردت على المستنصر كتب أهل العراق باستقدامه، فجهزه في جيش استخدمه له، وخرج معه إلى دمشق، وكان الظاهر يركب إلى خدمته في كل يوم، ثم سار إلى العراق في دولة كاملة بأرباب الوظائف والشعار الكامل، وفتح كثيرًا من البلاد الفراتية (٢) حتى أتى العراق، فجاءه أهْلُها، وتلك شيمتهم من قديم، ونصرهم لكل قائم بدعوة حق، وخرج له التتار، فقاتلهم، وثبت حتى قتل، واستحرّ القتل في عسكره إلا مَنْ عجل الهزيمة وكان قدومه مصر (سنة ٦٥٩ هـ) (٣) ومبايعته في (ثالث عشر رجب) (٤). ثم: [٢] الحاكم (٥) بأمر الله أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن الراشد بن المسترشد ومن هناك يلتقي بعمود النسب المستعصمي وكان غاية في الخير والفضل والثبات، ولما قدم، أتى الحسام البرلي وقد تملك البيرة (٦)، فبايعه، واستخدم له، ثم أتى عيسى بن مهنا (٧) أمير آل فضل، فقام في ناصرِهِ، وقاد له جمهور عسكره،

стр. 8323

فخاف الظاهر بيبرس عاقبته، وقال إنه يجتث باقيته، فلاطف عيسى بن مهنا وراسله في تجهيزه إلى مصر ليبايعه، وإنه لا يجد حرجًا في صدره أن يطاوعه، وكان للظاهر على عيسى بن مهنا يد يرعاها، ولكتبه عنده نجاح لا يخيب مسعاها، ورأى في هذا صلاحًا للناس، وجمعًا لكلمة الاسلام، فعمل على هذا، وقدم الحاكم مصر، وبايَعَهُ الظاهر بيبرس، إلا أنه حَجَرَ عليه، وبعد مدة اسقط اسمه عن السكة وأبقاه في الخطبة، ودام مكرمًا إلا أنّه ممنوع، وموسعًا عليه إلا أنه مضيق له بالنسبة إلى ما يستحق، فلما أتى الله بالدولة الشريفة الملكية الأشرفية الصلاحية (١) سقى الله عهدها، فَسَحَ له وأخلى له قصر الكبش وبوأه منزله، وكان العزم الأشرفي كلّه مصروفًا إلى استفتاح العراق وإعادة الخلافة إلى مقرها في صدر ذلك الرواق، وتصريف حكم الحاكم في تلك البلاد وإقامة الدولة العباسية على ما كانت عليه بالأمراء والوزراء والأجناد. ثم توفي (٢). ثم قام ابنه: [٣] المستكفي (٣) بالله، أبو الربيع سليمان بعهد أبيه، وكان حسن الجملة، لين الحملة، مع فروسية كانت فيه، لو وَجَدَ لها حين إبراز، أو أصغي جد لإحراز، إلا أنه لم يجد لغصته مساغًا، ولا لقصته بلاغًا، فكان لا يرى لسهولة الجانب ومداهنة المجانب إلا أوطأ من رملة وأضعف من نملة، وأكثر توقيا ممن عُرفت عليه عمله، عهد إليه أبوه الحاكم بالخلافة بعد ابنه

стр. 8324

المستمسك (١) الامير أبي عبد الله محمد، حين توفي المستمسك، وتجرع أبوه صاب مصابه، وطوى جوانحه على داء أوصابه، ثم جعل بعده العهد إلى إبراهيم (٢) ولد المستمسك ظنًا أنه يصلح لان يُصرّح باسمه على المنابر، ويجيء على أذيال آبائه الأكابر، فلما توفي الحاكم وخرج سلار كامل الممالك فمن دونه في جنازته، وقاموا نحو كرامته وغرارته، بويع المستكفي بيعةً طوّقت الرقاب، وطولت له ذيل الخلافة على الأعقاب، وكان هو وسلطاننا كأنهما أخوان لما بينهما من إلْفَةٍ جامعة، ومودة لفرق الأعداء قامعة، وحَضَرَ نوبة مرج الصفر وكان على عهد الله المظفر، سار سلطاننا به، فأيّد الله بهما هذه العصابة وكان يومهما بمرج الصفر ثاني يوم الصحابة، كل منهما هد أركان العدو، وهدم بنيان أهل العتو، ثم لم يزل به لرسم الخلافة آثار باقية، وشيء يحفظ به تلك البقية المتلاشية، حتى كان من نزول السلطان عن الملك سنة ثمان وسبعمائة ما كان، وحصل الاجتماع على المظفر بيبرس، فقلده المستكفي، وسوّره، وصيّره حيث صيّره، فنقمها عليه السلطان وأسرها له، ثم لما قام السلطان لاسترجاع ضالته، وإنباه المظفر من كرى ضالته، استجاش المظفر بالمستكفي يجدّد له الولاية، ونُسبت في السلطان أقوال إليه حَمَلَتْ السطان على التحامل عليه، فلما عاود الزمان عقله، وحلَّ من الحظ الناصري عقله، وعاد السطان سنة تسع وسبعمائة إلى تختِه، وعاد ما ألف من بختِهِ، أعرض عن المستكفي كل الإعراض، ودبّت بينهما الأمراض، فلم يزل يكدّر على المستكفي المشارب، ويقف دونه في وجوه المآرب، حتى تركه في برج في القلعة ورجل آخر معه لا أسميه، ولم يزالا يلاطفان السلطان حتى أنزله إلى داره، وأطلع هلاكه نضوًا من سِرارِهِ، ثم نُسِبَ إلى ابنه صدقة التعلق ببعض خاصة السلطان، وتردّد ذلك الغلام إليه، فنفي الغلام، وأصعد بالخليفة إلى قوص، فقدمت له مطايا السفين، وأنزل معه بعض حُرَمِهِ وقد خفين، ثم أَقْلَعَتْ بهم تلك السواري، وعادوا أجِنَّةً في بطون تلك الجواري، إلا أنه لم ينقص من روايته، ولا أسقط اسمه عن المنابر، وغبر عن هذا مدّة يعلّل فيها نفسه إلى أن عَلَقَتْ بابنه صدقة أشراك المنون، وجالت في منيته الظنون، فجزع عليه جزعًا شديدًا استخف وقاره، وحرَّكَهُ بَلْ أَطارَه، ثم لم تطل به المدة ولا بقي إلا قليلًا بعده،

стр. 8325

وكانت وفاته سنة أربعين وسبعمائة ودفن بقوص، وذلك بعد أن أذن إلى ابنه الحاكم أبي العباس، لكنه لم يجد عهده راعيًا، ولا ابنه بعده لوصيته فيه واعيًا. ثم قام ابن أخيه: [٤] الواثق بالله (١)، إبراهيم بن المستمسك أبي عبد الله محمد بن الحاكم وقد تقدم القول فيما أصاره إليه جده من العهد بعد المستكفي، ظنًا (٢) أن يكون صالحًا، أو يجيب لداعي الخلافة صالحًا (٣)، فَما نَشَأَ إلا في تهتك، ولا دان إلا بعد تنسك، أغري بالقاذورات، وفعل ما لم تَدْعُ إليه الضرورات، وعاشر السِّفْلَةَ والأراذل، وهان عليه من عِرْضِه ما هو باذل، وزيّن له سوء عمله فرآه حسنًا، وعُمي عليه فلم يَرَ مسيئًا إلا مُحْسِنًا، وغوى باللعب بالحمام (٤)، وشرى (٥) الكباش للنطاح، والديوك للنقار والمنافسة في المعز الزرائبية الطوال الآذان، وأشياء من هذا، ومثله ما يسقط المروءة، ويثل (٦) عرش الوقار إلى أن صار لا يُعدّ (إلا) في سفلة الناس (٧)، هذا (٨) إلى سوء معاملة، ومشترى سلع لا يُوفي أثمانها، واستئجار أدور لا يقوم بأجرها، وتحيل على درهم يملأ بها كفّه، ولسُحْتٍ يجمع به فَمَه، وحرام يطعم به حُرَمَه (٩)، حتى كان عِرْضُهُ عُرضة للهوان، وأكْلَةٌ لأهل الأوان، فلما توفي المستكفي والسلطان عليه في حدّةِ غَضَبِهِ وتياره المتحايل (١٠) عليه في شدّة غَلَبِهِ، طلب هذا الواثق المغترّ والمائق إلا أنه غير المضطرّ، وكان ممن يمشي إلى السلطان في عمه

стр. 8326

بالنميمة، ويعقد مكائده على رأسه عَقْدَ التميمة، فحضر إليه وأحضر معه عهد جده، فتمسك السلطان في مبايعته بشبهته، وصرف وجه الخلافة إلى جهته، وكان قد تقدم نَقْضُ ذلك العهد، ونَسْخُ ذلك العقد، وقام قاضي القضاة أبو عمر بن جماعة (١) في صرف رأي السلطان عن (٢) إقامة الخطبة باسم الواثق فلم يفعل، فاتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين، واكتفى فيها بمجرد اسم السلطان، فترجل (٣) بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر، كأَنَّهُ ما عَلا ذِرْوَتَها، وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب كأنه ما قرع بابها ومَرْوَتَها، فكأنما كان آخر خلفاء بني العباس وشعارها عليه لباس الحداد، أغمدوا (٤) تلك السيوف الحداد، ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة، وقَرَعَ الموتُ صفاه، فكان مما أوصى به رد الأمر إلى أهله، وإمضاء عقد المستكفي لابنه، وقال: الآن حَصْحَصَ الحق، وحنا على مخلفيه ورق، وعزل إبراهيم وهزل، وكان قد رعى الهمم (٥)، وستر اللؤم بثياب أهل الكرم، وتسمن وشحمه وَرَم وتسمّى بالواثق، وأين هو من صاحب هذا الاسم؟ الذي طالما سرى رُعْبُهُ في القلوب، وأمنت هيبته العيوب (٦)، وهيهات لا تُعدّ من النسر التماثيل، ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل، وإنما سوق (٧) الزمان قد ينفق ما كسد، والهر يحكى انتفاخًا صولة (٨) الأسد، وقد عاد الآن يَعَضُّ يديه، ومَنْ يهن يسهل الهوان عليه (٩). ثم قام:

стр. 8327

[٥] الحاكم بأمر الله (١)، أبو العباس أحمد بن المستكفي إمام عصرنا (٢)، وغمام مصرنا، قام على غيظ العدى، وعُرف بغيض الندى، صارت به الأمور إلى مصائرها، وسِيقَتْ أمل مُصائرها (٣)، فأحيا رسوم الخلافة، وَرَسَمَ بما لم يستطع أحَدٌ خِلافَه، وسلك مناهج آبائه وقد طُمِسَتْ وأحياها بمناهج أنبائه وقد درست، وجمع شمل بني أبيه، وقد طال بهم الشتات، وأطال عذرهم (٤) وقد اختلفت الشيات (٥)، ورفع اسمه على ذرى المنابر، وقد عبر مدة لا يطلع إلا في آفاقه تلك النجوم، ولا تسح (٦) من سُحُبِهِ تلك الغيوم والسجوم، طلب بعد موت سلطاننا (٧) تغمده الله برحمته، وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته، والتزام متابعته، وكان أبوه قد أحكم له بالعهد المتقدم عقدها، وحفظ له عند ذوي الأمامة عهدها، ثم سَلْطَنَ الملك المنصور أبا بكر (٨) ابن السلطان، وعمر له من تحت الملك الأوطان. قلت: وقد كان حين طار الخبر إلى مصر بموت السلطان بموت أبيه أشيع إنه لم يعهد إليه، وإنما الناس قد يقع اجتماعهم عليه، فكتبت صورة مبايعة له وهي (٩): بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١٠) هذه بيعة رضوان، ونبعة (١١) إحسان، وجُمعة (١٢) رضى يشهدها الجماعة، ويشهد عليها الرحمن، بيعة يلزم طائرها العنق، وتحوم بشائرها (١٣)، ويحمل أنباءها

стр. 8328

البراري والبحار مشحونة الطرق، بيعة يصلح الله بها الأمة، ويمنح بِسَبَبِها النعمة، وتتجازى (١) الرفاق، ويسري الهناء في الآفاق، وتتزاحم زمر (٢) الكواكب على حوض المجرة الدفاق، بيعة سعيدة ميمونة، بيعة (٣) شريفة، بها السلامة في الدين والدنيا مضمونه، بيعة صحيحة شرعية، ملحوظة مرعيّة، بيعة تسابق إليها كل نية، وتطاوع كل طوية، ويجمع (٤) عليها شتات البرية، بيعة يستهل بها الغمام، ويتهلل البدر التمام، بيعة متفق على الاجماع عليها والاجتماع (٥)، فاعْتَقَدَ صحتها من سمع الله وأطاع، وبذل في تمامها كلُّ امرئ ما استطاع، حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع، ووصل بها الحق إلى مستحقه، وأقرَّ (٦) الخصم والقطع النزاع، تضمنا كتاب مرقوم بشهده المقربون، وتلقاه الأئمة الأقربون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٧) ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولله الحمد والي بني العباس، اجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحل، وأصحاب الكلام فيما قلّ وجلّ، وولاة الأمور والحكام، وأرباب المناصب والأحكام، وحَمَلة العلم والاعلام، وحماة السيوف والأقلام، وأكابر بني عبد مناف ومن انخفض قدره وأناف، وسروات قريش ووجوه بني هاشم، والبقية الطاهرة من بني العباس، وخاصة الأئمة وعامة الناس، بيعة تُرْسَى (٨) بالحرمين خيامها، وتخفق بالمأزمين أعلامها، وتتعرف عرفات (٩) بركاتها، وتعرف بمنى ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر، وتؤم ما بين الركن والمقام والقبر (١٠). ولا يبتغى بها إلا وجه الله الكريم، بيعة لا يحل عقدها، ولا ينبذ عهدها، لازمة جازمة، دائبة دائمة، تامة عامة، شاملة كاملة، صحيحة صريحة، متعبة مريحة، ولا [من يوصف بعلم ولا] (١١) قضاء ولا مَنْ يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء، ولا إمام مسجد ولا خطيب، ولا ذوي فتوى يُسأل فيجيب، ولا مَنْ جنى (١٢)

стр. 8329

المساجد ولا من تضمهم أجنحة المحاريب، ولا مَنْ يجتهد في رأي فيخطئ ويُصيب، ولا محدّث بحديث، ولا متكلّم في قديم وحديث، ولا معروف بدين وصلاح، ولا فرسان حرب وكفاح، ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح، ولا ضارب بصفاح ولا ساع بقدم، ولا طائر بجناح، ولا مخالط للناس ولا قاعد (١) في عزلة، ولا جمع كثرة ولا قلّة، ولا من يستقل بالجوزاء لواؤه، ولا مَنْ يَعْل فوق الفرقدين ثواؤه، ولا باد ولا حاضر، ولا مقيم ولا سائر، ولا أوّل ولا آخر، ولا مُسْرٍ في باطن، ولا معلن في ظاهر، ولا عرب ولا عجم، ولا راعي إبل ولا غنم، ولا صاحب أناة و بدار، ولا ساكن في حَضَرٍ وبادية بدار، ولا صاحب عمد (٢) ولا جدار، ولا ملجج في البحار الزاخرة والبراري والقفار، ولا من يتوقل (٣) صهوات الخيل، ولا من يُسبل على العجاجة الذيل، ولا مَنْ تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل، ولا مَنْ تظلُّه السماء وتقله الأرض، ولا مَنْ تدل عليه الأسماء على اختلافها، وترفع درجات بعضهم على بعض، حتى آمن بهذه البيعة وأمَّنَ عليها وأمِنَ بها، ومَنَّ الله عليه وهداه إليها، وأَقَرَّ بها وصدق، وغضّ له بَصَرَهُ خاشعًا وأطرق، ومَدَّ إليها يَدَهُ بالمبايعة، ومعتقده بالمتابعة ورضي بها وارتضاها، وأجاز حكمها على نفْسِهِ وأمضاها، ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها، وقضى بينهم بالحق وقيل: الحمد لله رب العالمين. وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان، أتى الربيع الامام المستكفي بالله أمير المؤمنين كرم الله مثواه، وعوضه عن دار السلام بدار السلام، ونَقَلَه مزكي يديه عن شهادة الاسلام بشهادة الاسلام، حيث أثره بقربه، ومهَّدَ لجنبه وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه، وخار له في جواره فريقًا، وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا، الله أكبر ليومه، يومًا لولا مخلّفه كانت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كل نفس بما كسبت، وتنبأ كل سريرة ما ادخرت وما جَنَتْ، لقد اضطرم سعير إلا أنه في الجوانح، لقد اضطرب (٤) منبر وسرير لولا خَلَفهُ الصالح، لقد اضطرب مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح (٥)، لقد غاضَتْ البحار، لقد غابت الأنوار، لقد غالت البدور عوارض ما يلحق الأهلة عن المحاق، ويدرك البدور من السرار، نُسِفَتْ الجبال

стр. 8330

نسفا، وخَبَتْ مصابيح النجوم وكادت تطفى، وجاء ربك والملك صفًا صفًا، لقد جمعت الدنيا أطرافها وأزمعت على المسير، وخضت الأمة لهول المصير، وزاغت يوم موته الأبصار، إن ربهم يومئذ لخبير، وَقَفَتْ الألباب حيارى، وتوقفت تارةً تصدق وتارةً تتمارى لا تعرف قرارا ولا على الأرض استقرارا، إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرْضَعَتْ، وتضع كل ذي حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولم (١) يكن في النسب العباسي ولا في جميع مَنْ في الوجود (٢)، ولا في البيت المسترشدي ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا مَنْ تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، مَنْ تسلم إليه أمة محمد ﷺ عقد نياتها، وسِرَّ طويّاتها، إلا واحد، وأين ذاك الواحد؟ هو والله مَنْ انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده [الأخيار] (٣)، ولا شيء هو إلا ما اشتمل (٤) عليه رداء الليل والنهار، وهو ولد المنتقل إلى ربه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنه في الأيام فرد هذا (٥) الأنام، وهكذا (٦) في الوجود الإمام، وإنه الحائز لما زررت (٧) عليه جيوب المشارق والمغارب والفائز، بملك ما بين المشارق والمغارب، الراقي في صفح السماء هذه الذروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة، المتضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الذي يفضح السحاب نائله، والذي لا يعزّه (٨) عاذله، ولا يغيره (٩) عاذله، والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال ناصره وقام قائمه (١٠)، ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه ما غاب مستكفيه ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه والقائم مقام رسوله ﷺ وخليفته وابن عمه، وتابع عمله الصالح ووراث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليه، أبو العباس الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أَيَّد الله ببقائه الدين، وطوّق بسيفه الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكب بجهادِهِ على

стр. 8331

الأذقان طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدّر اقتداره، وأسكن في القلوب سكينته ووقاره، ومكّن له في الوجود، وجمع له أقطاره (١)، ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقى أسلافه، ونقل إلى سرر الجنّة عن سرير الخلافة، وخلا القصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يُغالب مزيد الليل بأنواره، ووارث بني بمثله ومثل آبائه، استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الانبياء ﷺ عن نبي يقتفي على آثاره، ونسى (٢) ولم يعهد، فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الاجماع، وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله ﷺ بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلُّ طرف معقود، وعَقَدَ بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، فحضر مَنْ لم يُعبأ بصره بمن تخلف، ولم يُربأ معه (٣)،، وقد مدّ يده طائعًا لمن مدها (٤) وقد تكلّف، وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار، وأخذ يمين تُمَدُّ لها الأيمان، وتُشَدُّ (٥) بها الأيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كل فريق حتى تقلّد كل من حَضَر في عنقه هذه الأمانة، وحط على المصحف الكريم يده وحَلَفَ بالله وأتَمَّ أيمانه، ولم يقطع ولا استثنى ولا تردَّد، ومَنْ قَطَعَ عن غير قصد أعاد وجود، وقد نوى كل مَنْ حَلَفَ ان النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة ونيّة من حُلف له، وتذمَّم بالوفاء له في ذمته وتكفله، على عادة إيمان البيعة وشروطها، وأحكامها المردّدة، وأقسامها المؤكدة، بأن يبذل لهذا الامام المفترض الطاعة الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يظهر (٦) عن الجماعة الجماعة. وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثقات، عن مَنْ لم يكتبوا وأذنوا في أن يُكتب عنهم، حسبما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة ثم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المحدق غمامها، وقالوا: الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن، ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الموافي لمن يُضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعمة يرغب

стр. 8332

أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بامدادها، ويرأب (١) بها من أثر (٢) في بناء ممالكه بما بات من مبانيه أضدادها، نحمده والحمد لله، ثم الحمد لله كلمة لا نمل من تردادها، ولا يحلّ بما تفوق (٣) السهام من سدادها، ولا يطل (٤) إلا على ما يوجب تكثير أعدادها، وكبير أقدار أهل ودادها، وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقايس (٥) دماء الشهداء وإمداد مدادها، وتنافس (٦) طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدرجة، وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والاعداء من حدادها. (ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (٧) صلى الله عليه (وآله وسلم) (٨) وعلى جماعة أَهْلِهِ ومَنْ خَلَفَ (٩) من أبنائها وسلف من أجدادها، ورضى الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله من ميراث النبوة ما كان لجده، ووهبه من الملك السليماني ما لا ينبغي لأحَدٍ من بعدِهِ، وعَلَّمَهُ منطق الطير بما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان، وسخر له من البريد على متون الخيل ما سخره من الريح لسليمان، وأتاه من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف، وأعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلّف، وجعل له من لباس بني العباس ما يفضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على كحل (١٠) الأهداب ما فضل به عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد، ويمدّ ظله على الأرض، وكل مكان حله دار ملك، وكل مدينة بغداد، وهو في ليله السجاد وفي نهارِهِ العسكري، وفي (١١) كرمه جعفر وهو الجواد، يديم الابتهال إلى الله في توفيقه، والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه، ويبدأ هذه المبايعة بما هو الأهم في مصالح الاسلام، وصالح الأعمال فيما تتحلى به

стр. 8333

الأيام، ويقدم التقوى أمامه، ويقرر عليها أحكامه، ويتبع الشرع الشريف (١) ويقف عنده، ويوقف الناس، ومَنْ لا يحمل أمره طائعًا على العين حَمَلَهُ غصبًا على الرأس، ويعجل أمير المؤمنين بما يستقر به النفوس ويرد به كيد السلطان وانه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غني عن هذا ولكنه يسوس، وأمير المؤمنين يشهد الله وخلقه عليه (٢) بأنه أقر ولي كلّ أمرٍ من ولاة أمور الاسلام على حاله، واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وطرقات الممالك والثغور، برًا وبحرًا وسهلًا ووعرًا، وشرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقُرْبًا، وكلّ جليل وحقير وقليل وكثير وصغير وكبير، وملك ومملك، وأمير وجندي يبرق له سيف شهير، ورمح ظهير، ومن مع (٣) هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب، ومَنْ له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومَنْ يُحْتاج إليه ومن لا يحتاج، ومَنْ في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق، ومَنْ له أعظم التعليقات (٤) وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب وأصحاب الرواتب، ومَنْ له من مال الله رزق مقسوم، وحق مجهول ومعلوم، استمرارًا بكل (٥) امرئ على ما هو عليه، حتى يستخير الله تعالى ويتبين له ما بين يديه، فمن ازداد تأهيله زاد تفضيله، وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله، ولا يحابي أَحَدًا في دين الله، ولا يُحابي في حق، فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين، وكلّما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله مما فهمه الله له وفهمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه مغيرًا (٦) شكرًا لله على نعمه، وهكذا يجازى مَنْ شكر، ولا يكدر على أَحَدٍ موردًا نزَّهَ الله نِعَمَهُ أو كفر، ولا يتعلّل متعلل، فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ونعيذ أيامه (الغرر) (٧) من الغير، وأَقَرَ أمير المؤمنين - أعلى الله أمْرَه - أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وإن تُضْربَ (٨) باسميهما النقود وتسير بالاطلاق، ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل

стр. 8334

والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار (١)، وتتهيأ به وتتناهي المنابر ودور الضرب (هائل) (٢) يرفع اسمها على أسرة مهودها. وهذه أعلى أسارير يقودها، فالخُطب والذهب معدنهما واحد، وبهما يذكر الله منهما مساجد، وهذه تقام بها الصلاة، وتلك تُدام بها الصلات، وكلاهما تُسْتمال به القلوب والأقلام على ما تعيه الآذان وتوعيه، وما منهما إلا ما تُحذف بجواهره الاخلاق وتميل إليه الاعناق، وتبلغ به المقاصد، وكلاهما أمر مطاع، وإذا لمعت بارِقَةُ الخطب طار للذهب شعاع، ولولاها (٣) ما اجتمع جَمْعُ ولا انضم، ولا عُرف الإمام ممن يأتم، ولولا الأعمال ما رتبت الأموال، ولولا الأموال ما وليت الاعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النسبة قيل إن الملك له السكة والخطبة، وقد (٤) أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب، ويتداوله كل بعيد وقريب، ومختصره إن الله أمر بأوامر، ونهى عن نواه، وهو رقيب، وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا، وتتكمل بها المزايا، ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا، ويَسْمُر بها السمّار، ويترنم بها الحادي والملاح، ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعطر (٥) به مكة بطحاءها، ويحيا بحدائها قباه، ويلقنها كل أب فهم ابنه، ويسأل كل ابن نجيب أباه، وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين مرشد (٦) وعليكم بينة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة، ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحى الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحق، وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها، وأخذها دون بني أبيه، ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها (٧)، وقد كفاكم أمير المؤمنين (٨) السؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق،

стр. 8335

وأجراكم على وفاقكم، وعلمكم مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يُمْسِك خشية الإملاق، ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه [وآله] (١) وسلم، ويعمل بما يبعث (٢) به أن يحيا أطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده، ويزيد على مَنْ تقدم، ويقيم فروض الحج والجهاد (٣) وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد، وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام، ويشمل ببره سكان الحرمين الشريفين وسَدَنَةَ بيت الله الحرام، ويجهز السبيل حاله (٤)، ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام، ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر، ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام، ويقيم بعدله قبور الانبياء صلوات الله عليهم أينما كانوا وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها، وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه، وفيما يتسلّم من بلاد الكفار منهم على يديه، وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره، المقلّد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكل منه - خلد الله ملكه وسلطانه - عينًا لا تنام، وقلّد سيفًا لو أَغْفَتْ (٥) بوارِقُه ليلةً واحدةً عن الأعداء، سلَّت خياله عليهم الأحلام، (فإنه حقه) (٦) وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى، وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برًا وبحرًا، ولا يكف عن من ظفر به منهم قتلا ولا أسرًا، ولا يفك أغلالًا ولا إضرا، ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقبانًا وفي البحر غربانًا، يحمل كل منهما من كل فارس صقرا، ويحمي الممالك ممن يتخرّق (٧) أطرافها بإقدام، ويتجول أكتافها بأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، (وما يجتاح به الاعداء وتعجز حيلة المحتال) (٨)، وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود، والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود، وتفقد أحوالهم بالعرض،
следующие страницы →