← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

الأذقان طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدّر اقتداره، وأسكن في القلوب سكينته ووقاره، ومكّن له في الوجود، وجمع له أقطاره (١)، ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقى أسلافه، ونقل إلى سرر الجنّة عن سرير الخلافة، وخلا القصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يُغالب مزيد الليل بأنواره، ووارث بني بمثله ومثل آبائه، استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الانبياء ﷺ عن نبي يقتفي على آثاره، ونسى (٢) ولم يعهد، فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الاجماع، وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله ﷺ بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلُّ طرف معقود، وعَقَدَ بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، فحضر مَنْ لم يُعبأ بصره بمن تخلف، ولم يُربأ معه (٣)،، وقد مدّ يده طائعًا لمن مدها (٤) وقد تكلّف، وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار، وأخذ يمين تُمَدُّ لها الأيمان، وتُشَدُّ (٥) بها الأيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كل فريق حتى تقلّد كل من حَضَر في عنقه هذه الأمانة، وحط على المصحف الكريم يده وحَلَفَ بالله وأتَمَّ أيمانه، ولم يقطع ولا استثنى ولا تردَّد، ومَنْ قَطَعَ عن غير قصد أعاد وجود، وقد نوى كل مَنْ حَلَفَ ان النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة ونيّة من حُلف له، وتذمَّم بالوفاء له في ذمته وتكفله، على عادة إيمان البيعة وشروطها، وأحكامها المردّدة، وأقسامها المؤكدة، بأن يبذل لهذا الامام المفترض الطاعة الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يظهر (٦) عن الجماعة الجماعة. وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثقات، عن مَنْ لم يكتبوا وأذنوا في أن يُكتب عنهم، حسبما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة ثم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المحدق غمامها، وقالوا: الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن، ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الموافي لمن يُضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعمة يرغب

стр. 8332

أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بامدادها، ويرأب (١) بها من أثر (٢) في بناء ممالكه بما بات من مبانيه أضدادها، نحمده والحمد لله، ثم الحمد لله كلمة لا نمل من تردادها، ولا يحلّ بما تفوق (٣) السهام من سدادها، ولا يطل (٤) إلا على ما يوجب تكثير أعدادها، وكبير أقدار أهل ودادها، وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقايس (٥) دماء الشهداء وإمداد مدادها، وتنافس (٦) طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدرجة، وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والاعداء من حدادها. (ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (٧) صلى الله عليه (وآله وسلم) (٨) وعلى جماعة أَهْلِهِ ومَنْ خَلَفَ (٩) من أبنائها وسلف من أجدادها، ورضى الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله من ميراث النبوة ما كان لجده، ووهبه من الملك السليماني ما لا ينبغي لأحَدٍ من بعدِهِ، وعَلَّمَهُ منطق الطير بما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان، وسخر له من البريد على متون الخيل ما سخره من الريح لسليمان، وأتاه من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف، وأعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلّف، وجعل له من لباس بني العباس ما يفضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على كحل (١٠) الأهداب ما فضل به عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد، ويمدّ ظله على الأرض، وكل مكان حله دار ملك، وكل مدينة بغداد، وهو في ليله السجاد وفي نهارِهِ العسكري، وفي (١١) كرمه جعفر وهو الجواد، يديم الابتهال إلى الله في توفيقه، والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه، ويبدأ هذه المبايعة بما هو الأهم في مصالح الاسلام، وصالح الأعمال فيما تتحلى به

стр. 8333

الأيام، ويقدم التقوى أمامه، ويقرر عليها أحكامه، ويتبع الشرع الشريف (١) ويقف عنده، ويوقف الناس، ومَنْ لا يحمل أمره طائعًا على العين حَمَلَهُ غصبًا على الرأس، ويعجل أمير المؤمنين بما يستقر به النفوس ويرد به كيد السلطان وانه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غني عن هذا ولكنه يسوس، وأمير المؤمنين يشهد الله وخلقه عليه (٢) بأنه أقر ولي كلّ أمرٍ من ولاة أمور الاسلام على حاله، واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وطرقات الممالك والثغور، برًا وبحرًا وسهلًا ووعرًا، وشرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقُرْبًا، وكلّ جليل وحقير وقليل وكثير وصغير وكبير، وملك ومملك، وأمير وجندي يبرق له سيف شهير، ورمح ظهير، ومن مع (٣) هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب، ومَنْ له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومَنْ يُحْتاج إليه ومن لا يحتاج، ومَنْ في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق، ومَنْ له أعظم التعليقات (٤) وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب وأصحاب الرواتب، ومَنْ له من مال الله رزق مقسوم، وحق مجهول ومعلوم، استمرارًا بكل (٥) امرئ على ما هو عليه، حتى يستخير الله تعالى ويتبين له ما بين يديه، فمن ازداد تأهيله زاد تفضيله، وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله، ولا يحابي أَحَدًا في دين الله، ولا يُحابي في حق، فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين، وكلّما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله مما فهمه الله له وفهمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه مغيرًا (٦) شكرًا لله على نعمه، وهكذا يجازى مَنْ شكر، ولا يكدر على أَحَدٍ موردًا نزَّهَ الله نِعَمَهُ أو كفر، ولا يتعلّل متعلل، فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ونعيذ أيامه (الغرر) (٧) من الغير، وأَقَرَ أمير المؤمنين - أعلى الله أمْرَه - أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وإن تُضْربَ (٨) باسميهما النقود وتسير بالاطلاق، ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل

стр. 8334

والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار (١)، وتتهيأ به وتتناهي المنابر ودور الضرب (هائل) (٢) يرفع اسمها على أسرة مهودها. وهذه أعلى أسارير يقودها، فالخُطب والذهب معدنهما واحد، وبهما يذكر الله منهما مساجد، وهذه تقام بها الصلاة، وتلك تُدام بها الصلات، وكلاهما تُسْتمال به القلوب والأقلام على ما تعيه الآذان وتوعيه، وما منهما إلا ما تُحذف بجواهره الاخلاق وتميل إليه الاعناق، وتبلغ به المقاصد، وكلاهما أمر مطاع، وإذا لمعت بارِقَةُ الخطب طار للذهب شعاع، ولولاها (٣) ما اجتمع جَمْعُ ولا انضم، ولا عُرف الإمام ممن يأتم، ولولا الأعمال ما رتبت الأموال، ولولا الأموال ما وليت الاعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النسبة قيل إن الملك له السكة والخطبة، وقد (٤) أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب، ويتداوله كل بعيد وقريب، ومختصره إن الله أمر بأوامر، ونهى عن نواه، وهو رقيب، وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا، وتتكمل بها المزايا، ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا، ويَسْمُر بها السمّار، ويترنم بها الحادي والملاح، ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعطر (٥) به مكة بطحاءها، ويحيا بحدائها قباه، ويلقنها كل أب فهم ابنه، ويسأل كل ابن نجيب أباه، وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين مرشد (٦) وعليكم بينة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة، ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحى الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحق، وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها، وأخذها دون بني أبيه، ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها (٧)، وقد كفاكم أمير المؤمنين (٨) السؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق،

стр. 8335

وأجراكم على وفاقكم، وعلمكم مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يُمْسِك خشية الإملاق، ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه [وآله] (١) وسلم، ويعمل بما يبعث (٢) به أن يحيا أطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده، ويزيد على مَنْ تقدم، ويقيم فروض الحج والجهاد (٣) وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد، وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام، ويشمل ببره سكان الحرمين الشريفين وسَدَنَةَ بيت الله الحرام، ويجهز السبيل حاله (٤)، ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام، ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر، ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام، ويقيم بعدله قبور الانبياء صلوات الله عليهم أينما كانوا وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها، وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه، وفيما يتسلّم من بلاد الكفار منهم على يديه، وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره، المقلّد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكل منه - خلد الله ملكه وسلطانه - عينًا لا تنام، وقلّد سيفًا لو أَغْفَتْ (٥) بوارِقُه ليلةً واحدةً عن الأعداء، سلَّت خياله عليهم الأحلام، (فإنه حقه) (٦) وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى، وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برًا وبحرًا، ولا يكف عن من ظفر به منهم قتلا ولا أسرًا، ولا يفك أغلالًا ولا إضرا، ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقبانًا وفي البحر غربانًا، يحمل كل منهما من كل فارس صقرا، ويحمي الممالك ممن يتخرّق (٧) أطرافها بإقدام، ويتجول أكتافها بأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، (وما يجتاح به الاعداء وتعجز حيلة المحتال) (٨)، وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود، والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود، وتفقد أحوالهم بالعرض،

стр. 8336

بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض، وما لَهُمْ من زَرَدٍ موضون (١)، وبيض مسَّها ذهب ذائب فكانت كأنها بيضٌ مكنون، وسيوف قواضب، ورماح لشيب … ذوائبها (٢) من الدماء خواضب، وسهام تواصل القسي وتفارقها، فتحنّ حنين مفارق، ويزمجر القوس زمجرة مغاضب، وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم، وإطالة ذيل التطول، على مطلوبكم، ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلا ما أباح الشرع المطهر، ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر، وأما جزئيات الأمور فقد علمتم بأن مَنْ بَعُدَ عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى، ومُنى حقًا لا يستغل يتطلب شيء نكرا (٣)، وفي ولاة الأمور ورعاة الجمهور ممن هو سداد عمله، ومراد أمله، ومراد من هو منكم معشر الرعايا وأنتم على تفاوت مقاديركم عندهم وديعة أمير المؤمنين، ومن حَوله وأنتم وهم فما منكم من سيعرف أمير المؤمنين، ويمشي في مراضي الله على خُلقه، وينظر ما هو عليه، ويسير سيرته المثلى في طاعة ولي خلقه، وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين، وله عليكم (٤) أداء النصيحة، وإبداء الطاعة بسريرةٍ صحيحة، فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقة، ولزمه حكم بيعته أُلْزِمَ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ، وسيعمل كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليما، ومَنْ أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا [عظيما] (٥). هذا قول أمير المؤمنين، وقال وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال، وتُحمل منه ما يصلح له به المال، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يُشْهد، وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال ويستعيذ به من الإهمال، ويسأل أن يمده لما يحبُّ من الإمهال (٦)، ولا يمد له حبل الإمهال. ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والاحسان والحمد لله، وهو من الخلق أحمد، وقد آتاه الله ملك سليمان، والله يمتع أمير المؤمنين بما وهبه، ويملكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمل الطويل عقبه، فلا يزال سُدَّة العلياء قعوده،

стр. 8337

ولدست الخلافة به أبهة الجلالة كأنه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا ذهب رشده (١). أدام الله أيام الديوان العزيز المولوي السيدي النبوي الامامي الحاكمي، ونصر به جمع الإيمان، وبشر بأيامه الزمان، ومَتِّعَهُ بالملك السليماني الذي لا ينبغي لأحد من بعده، بما ورثه من سليمان، ولا زال يخضع لمقامه كل جليل، ويُعرف لأيامه كل وجه جميل، ويعترف بشوفه كل معترف بالتفضيل، ويشهد بنفاذ أوامره من ذي نسبه الشريف كل أخ وخليل، ولا كان إلا كرمه المأمول، ودعاؤه المقبول، وعدوه المصروع، ووليه المحمول، ولا برحت طاعته يعقد عليها كل جمع، ومراسمه ينصت إليها كل سمع، وطوائف الذين كذبوا لا تتلى عليهم آياته إلا تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع (٢). المماليك يقبلون الأرض بالأبواب الشريفة التي هي حطة شرفهم، ومكان تعدّد القدماء منهم ومن سلفهم، ويلوذون بذلك المقام، ويعوذون بذلك الحرم الذي لا يبعد نسبه من البيت الحرام، ويؤملون ذلك الكرم الذي ما منهم إلا من سعد به طائره، وجاءته به في وجه الصباح أشايره وفي وجه العشاء بشائره، فنالوا به أقصى المرام، وقضوا به من العمر ما إذا قالوا يا سعد لا يعنون إلا تلك الايام، وينتهون إلى ما وَرَدَ به المرسوم الشريف الذي ما من المماليك إلا من ثبت لديه تقديم عبوديته ورقه، وسارع إلى طائره الميمون وحمله بسيفه، وفتح له عَيْنَهُ وظن أنه حاكم وامتثلوا أمره، وكيف لا تمتثل الرماة أمر الحاكم لا سيما ابن عم سيدنا رسول الله ﷺ ، الإمام الحاكم، وأجلوه عن رفعه إلى العين، إذ كانت تلك منزلة الحاجب وقدموا إليه خوافق قلوبهم الطائرة، وما علموا أن كانوا قاموا بالواجب، ووقفوا على أحكام حاكمه فما شكوا أن زمان هذا الفتى بحياة ناصرِهِ في بغداد قد عاد، وأن مثاله الممثل في سواد الحدق مما حملته أيامه العباسية من شعار السواد، وعلموا ما رسم به في معن محمد بن الحمص الذي ما نورت الليلة الظلماء أكاريخه ولا بعدت في الاقعاد له تواريخه، بل أخْمَدَتْ دموع ندمه نيرانه المشعلة، وأصبح لا يحمل القوس في يده إلا على أنه مَشْعَلَهُ، وما كان أنهاه بالديوان العزيز ما لم يذكر الخواطر الشريفة بأنه فيه المقتدى، وأنه صاحب القوس إلا أنه ماله سعاده المشترى، وأنه موّه

стр. 8338

تمويه الجاحد، وتلوّن مثل قوس قزح، وإلا فقوس البندق قوس واحد، وأدلى بغروره، وعرض المحضر الذي حمله على تقريره، وذلك في غيبة الأمير بهاء الدين أرسلان البندقداري الحاكمي الذي لو كان حاضرًا لكان نبأ بخبره، وأحْسَنَ بالاعلام بسوء محضره، وتحيل الخط الشريف الذي لو عقل لكان حجة عليه ومؤكدًا لابطال رميه وقوسه وبندقه في يديه لما تضمَّنَهُ الخط الشريف المقيد اللفظ بعد الاسوله (١) المكتب على المصطلح الساحب ذيل فخاره على المقترح الذي هدى إلى الخير وبدأ به ما وهب من الملك السليماني الذي أُوتي من كل شيء، وعلم منطق الطير، فإنه لم يلبث إلا بأن يرمى على الوجه المرضي واستبقاء شروط البندق، والخروج من جميع الاشكال عملًا بقواعدِهِ، وبهذا الذي كتب له يكتب ويستمر قعوده وينكب، ويعلم به، أنه ما رعى حق قدمته، ولا فعل في الباب العزيز ما يجب من التحلي بشعار الصدق في خدمته، وأنه خالف عادة الأدب، وأخطأ في الكل ولكنه ندب، وذلك بعد أن عمل جمع برماة البندق، وسُئل فأجال: بأنه سالم من كل أشكال الشكل، وأنه بعد أن أقعد رمى وحَمَل وحمل، فشهد عليه السادة الأمراء ولاة العهد، إخوة أمير المؤمنين ومَنْ حَضَرَ وكتبوا خطوطهم في المحضر، وما حصل الآن عن عرض قصة المماليك بالمواقف المقدسة ووضوح قضيته المدنسة، من التعجب من اعتراف المماليك لكونهم رموا معه بعد أن رأوا الخط الشريف، وهو لفظ مُقَيَّد، وأمر أيد فيه رأي الامام الحاكم بأمر الله المسترشد بالله والمؤيد، وكلما أمر به أمير المؤمنين لا معدل عن طرقه ولا جدال إلا به، إذا ألزم كل أحد طائره في عنقه، وأمر أمير المؤمنين بحر لا مَدَدَ إلا من علمه، وهو الحاكم ولا راد لحكمه، وإنما ابن الحمص المذكور عُدِمَ السداد، وخالف جاري العادة، فإنه الذي سلق في الافتراء بالسنة حداد، ولم يوقف المهالك من الخط الشريف إلا على بعضه، ولا رآهم من برقه الممالك غير ومضِهِ، والذي أوقفهم عليه منه أن يرمى محمد بن الحمص ويرمي معه، وكلمة أمير المؤمنين مُسمعة، ومراسمه مُتبعة، وإذا تقدم كان كل الناس تبعه، غير أن المذكور بدت منه أمور قطع بها الأمير صارم الدين صارجا (٢) الحاكم في

стр. 8339

البندق وكان في حقه، وأقعده عن قدمته التي كان يمتُّ فيها بسيفه، وانتقل عنه غلمانه، ونقل عنه زمانه، ونودي عليه في جمع كبير يزيد على تسعين قوسًا، وخرج بخطأ بندقه خرجًا لابوسًا، ثم بعد مدة سنين توسل لولد الامير المرحوم سيف الدين تنكز (١) إلى أبيه، وتوصل به إلى مراميه، فأمر بأن يُرمى معه، وهدّد المخالف بالضرب، ولم يرم معه أحَدٌ يرضاه إلا خوفا أن يوقد عليه نار الحرب، فلما مَضَتْ تلك الأيام وانقضت تلك الأحلام جمع مملوك الأبواب العالية الامير علاء الدين أبي الابوبكري الحاكم الآن في البندق من رماة البندق جمعًا كبيرًا واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وذكر أمر المذكور وأحضر بحضرة المسطور، فلم يكن عليه تعويل، ولا في حكم الحاكم المتقدم تعليل، ولا عند هذا الحاكم الذي دعى له وادعى عنده بحور الأباطيل، وتحقق أن الحق فيما حكم به عليه، فتبع وترجّح أن لا يقام معه من أقعد، ولا يوصل ما قطع، فنفذ حكم الحاكم المتقدم، واستمر بقعوده المتحتم، ووافقه على هذا سائر الرماة بالبلاد الشامية، وحكامها، ومَنْ يرجع إليه في الرماية وأحكامها، وبطلت قدمة المذكور التي ذهب فيها عمره متابعًا، وزمانه الذي لو اشتريت منه ساعة بالعمر لم يكن بائعًا، ولما ورد الآن هذا المرسوم الشريف زاده الله شرفًا، قبلوا الأرض لديه، وأوقفوا عليه حاكمهم المسمى فوقف له وعليه، وجمع له جمعًا لم يدع فيه من الرماة معتبرًا، ولا من يُلقم القوس وترًا، ولا مَنْ إذا فقد كالعين جرى ما جرى، ثم قرأ عليهم ما تضمّن، ودعوا لأمير المؤمنين، ولم يبق منهم إلا مَنْ دعى أو أمن، وتضاعف سرورهم بحكمه الذي دفع الخلل، وقطع الجدل، وقالوا لا عدمنا أيام هذا الحاكم الذي أنصف، والامام الذي عدل، وبقي ابن الحمص مثله، ونودي عليه أنه مَنْ رمى معه كان متخطيًا مثله، وَوَقَرَتْ هذه المناداة في كل مسمع، وقرت استقرارًا انفصل عليه المجمع، وذلك بما فهم من أمير المؤمنين ونص كتابه المبين، وبما قضى الله به على لسان خليفته الحاكم، والله أحكم الحاكمين، وطالعوا بها وأنهوا صورة الحال، ووجهوا في إمضائه الآمال، لا زالت سعادة أمير المؤمنين منزهة عن الشبه آخذةً من خير الدارين كل اثنين في وجه، تحصل كل رمية عن كثب،

стр. 8340

ولا يرى في كل أمنيّة إلا كل مصطحب، ما غبَّ في السماء المرزم، ووقع العقاب على ثنية يقرع سِنَّهُ، ويتندَّم، وعلا النسر الطائف والواقع على آثاره وسائر طيور النجوم الحوم (١). يقبل اليد الشريفة لا زال اعتِناؤُها أحد النجاحين وأحد السلاحين، وأقوى القوادم إذا جنى الحين حص الجناحين، ويقدم شكرًا يعجله كما يؤمله من نواله قبل سؤاله، ويرجوه بإمامه بجاهه أو بماله، بسبب ناصر الدين محمد بن الحمص أحد قدماء البندق، فقد علم ما جرى له مع رفاقه، وكساده عندهم بعد نفاقه، وانهم نَتَفوا ريشه ثم عادوا إليه ورشقوه، وأوقدوا له النار ثم جابوا الحمص الخزين وسلقوه، ثم إنهم لما سلقوه أكلوه بألسنتهم الحداد وطحنوه بسواعدهم الشَّداد، وهو المعتر الآن بينهم في غاية الاضامة، وقد تنقلوا بعرضه وجعلوه قضامة، وما تكلم في الجمع الذي جمع له، حاشا مولانا، إلا فشروه، وقالوا: نحن أخبر بك يا حمص ثم أنهم قشروه، وعملوا معه عمل رماة البندق حتى رموه في وسط الموجلة، وقرعوا من كل أحدٍ وخلوه لهم مشغله، وما رؤي من اكريحة (٢) الحمص إلا الصارخ ولا عرفوا قدره إلا بالكسوة فحصلوا القدرة وقدموا النافخ، وقد مضى عليه زمان وهو كبير الجماعة، وجائل القدر بينهم قبل أن يأكلوا الحمص بينهم هذا الأكل من المجاعة، وما فطن لهم وقد حطبوا عليه هذا التحطيب، فرد وأوقدوا جمرته وغطوا عليه القضيّة حتى طخوا (٣) قدرته، وصادفوا كل الطير بمعاداته، واستراحوا من الملق بابطال عاداته، وقد زَمِنَ المسكين من طول القعود، وندس لما لم يخرج إلى البرزات في الربيع، وقد دبَّ الماء في العود، وقد قتله طول الاختشاء وذهب عمره وما سُرَّ له قلب في وجه صباح ولا وجه عشاء، وكلما أراد أن ينطق قيل له أسكت لا تتكلم، وأستمر قاعدًا مكانك لا تتقدم، والمذكور له منذ طار بجناح المولى نجاح، وقد أصيب وله سوابق فيحمل بالسبق وبالجناح، وقد آن لهذا الزمن أن يقف على قدمه، ولهذا الطير المذبوح بلا سكين أن يسكن مما يتخبط في دمه، وسيقف مولانا على ما يرد من الجواب وما فيه وارد ويرى كيف تجمعت الرماة عليه ورموه بقوس واحد، ويعوزه عناية تحدّ لها هذه الطيور أعناقها، وتعجل له من أحواله المسترقة أعناقها، وذلك جمع يُجمع بالديار المصرية بحضرة الإمامة،

стр. 8341

ومكان لا يُغم على أحَدٍ فيه إلا أوقات الهجير ظل الغمامة، فقد ضجر هذا الذاهب المهجة في حب البندق مما يصبر وما يؤجر، وقد يبس قوسه وصار حطبه مما هو مفكوك ما يوتر، وهو ما لا ينقلب من غير مرامي البندق إلى أهله مسرورًا، وممن يهون عليه إذا قوسه أن يفقد عينيه ويكون موتورا، وقد قنع من المملوك بالشفاعة، وبان يتلطخ بندقه بالدم يَقْنَع بالشناعة، فقد شكى في هذه المدة لعدم الحمل كمندانه (١) وقعوده وقد برز إلى المبرز جماعة أخدانِهِ، وهو الآن مما طحنوه مثل هشيم المحتضر، وقوسه قد التوى عنقه لكن إلى صوب مولانا لما ينتظر، وفي الحديث: استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها، وهذا في صنعة البندق هو الصالح الفاسد، وله في كثرة رمي البندق ما لا ينكره الحاسد وأعجب الأشياء أن اللحم بعده قد قل، ومع هذا الحمص كاسد، وعلى هذا فقد طالت على هذا الشيخ الصالح كما تقدم الخلوة، فقد نَضَجَ الحمص، وأما السلق الذين دقوا به قفاه فبعد عليه غلوه وقد مزقوا جلده أضعاف ما قُدَّ لعلائق جراوته من السبور، ودق دقًا ناعمًا من القضامة، وجعل في معالف الطيور، ولا يردّ المولى له الشفيع المشفّع، ويخفف ما به، فكله حتى عين قوسه بكاء ما يجف لها مدمع. * * *

стр. 8342

وهذه: الدولة الأموية وانساق فيها ذكر ابن الزبير، لأن أيامه تخللتها وشغلتها مدةً ما أخلتها، وأتينا بهذه الدولة مؤخرة هنا، وهي مقدّمة في الزمان على حسب النسب، والكل من جوهر النسب منه ما طَفَا ومنه ما رَسَب.

стр. 8343

[١] دولة معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وزعم قوم أنهم لهم ألقابًا مثل ألقاب بني العباس يجري إلقاؤها بينهم على القياس، وهذا لمن كان منهم بدمشق، ولا يدعي في هذا قول حق، فأما مَنْ كان منهم بالأندلس فإنهم تعرفوا بعواري أعلامها وتشرّفوا بطوارق أحلامها، ونحن لا نذكر معهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إذ لم يكن لذكره هنا معنى، ولا مع الخلفاء الراشدين مجنى، وإنما تذكر دولة بني حرب ومروان من لدن معاوية إلى آخر أوان، كان معاوية صاحب رسول الله ﷺ ، وكاتب الوحي منذ أسلم، ثم كانت له منزلة قريبة وصلة بأم حبيبة (١)، أسْلَمَ يوم فتح مكة، وفتّ في مهاب الكفر شركة، وكان يقول أنه أسلم من قبل، وإنما كان يكتم إسلامه، ويُظهر لأبيه مطاوعته واستسلامه، وإنما هي دعوى الله أعلم بغيبها، وأحكم بما فيها جلاء ريبها، وإنما إجماع المحدثين والقديمين والمحدثين على أنه هو وأبوه وأخوه وذووه من مسلمة الفتح قولًا ثبتًا، وقطعًا بتًا، طلقاء الفتح، وعُتقاء الصفح، أَخَذَ العباس ﵁ لأبيه أبي سفيان الأمان، وكرَّمه بأمور منها أنه كلَّ مَنْ دَخَلَ دار أبي سفيان على ما تقدم من السيرة، ثم كانت إلى الله السريرة، فأما الظاهر فإنهم من المؤلفة قلوبهم، والمؤلّبة على أول الاسلام وآخره حروبهم. وكان معاوية ﵁ كثير السؤدد، لا يخف كالجبل القردد (٢)، بحر لا يدرك قراره، وطودٌ لا يدهك (٣)، وقاره، وفحل لا يُردّ نِفارُهُ، ومِنْصَلٌ لا يَحدّ غراره، طبع الحلم فيه غريزةً، وَوِضع السداد فيه تحيزَة (٤)، لم يكن أوسع منه بطانًا ولا أمنع منه سلطانًا، لا يؤثر ذنب في غزير حلمه، ولا يؤاخذ مسيئًا بكبير جرمه، لو أن أمله في النجم لَبَلَغَهُ، أو في اليم لسوَّغَهُ، بحبل اصيد من الفخاح، وأجول في الفضاء من الرخاخ (٥)، بتلطف لو أراد لتشرب في مسام الزجاج، وعَذُبَ به مذاق

стр. 8344

البحر الأجاج، أمره أمير المؤمنين عمر ﵁ بعد أخيه يزيد (١)، وقرّره على الشام كما يُريد، فقرَّت بها قرارتُه، وأَقْمَرَتْ فيها دارتُه، وتحبّب إلى أهلها حتى كأنه بينهم رُبي، أو لهم خُبي، لتألّفه لأهوائهم، وتعرفه لأدوائهم، بما دَخَلَ بهِ على قلوبهم، بسد خلل مطلوبهم فاستحمد طوياتهم، واستعبد نياتهم، حتى اتخذهم شيعة، وأَنْفَذَهُم سهامًا في كل وقعية، وأستمر حتى قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، فقام يطلب بدمه، ويبدي التغصّص بندمهِ، وشَهَرَ بالبكاء دمعته، وشهر بالانتكاء سمعته، وقال: أنا ولي عثمان لا أرجع بأربع ولا ثمان، ولا أبيع دمي الأثمان، ولا أتبع قدمي إلا المضرّج بدمه ذلك الجمان، وذلك حين لم يقرّه أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه على الشام واليًا، ولم يقله للإسلام كاليًا قال ابن عباس ﵁: يا أمير المؤمنين، وله شهرًا واعزله دهرًا، فقال: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٢)، وكذلك قد كان، قال له المغيرة (٣)، وهو أحَدُ العرب، دهاءً، وأخف بجد لا يطرف عينه التهاء، فأجابه بنحو حوى (٤) ذلك الجواب، وكان سوى ما قصد الصواب، فلما رأى المغيرة أنه لا يقبل رأيه تركه، وصوّب له رأيه وهو مهلكه، فأتاه ابن عباس والمغيرة قد خرج من عنده، وما خرج نار رأيهِ مِنْ زَنْدِهِ، فلما دخل عليه قال له: ما قال لك المغيرة، وما أجبته؟ فلما قص عليه القصص، قال: ولم خالفته وقد نَصَحَك والله أوّلًا وغشك ثانيًا، وقَرُب له الرأي ولم يكن مُدانيًا، فلما أتى كتاب عليّ معاوية ألقاه وقبله صدر الخيل ولقاه، وأيد بعمرو بن العاص ﵁، وأدرج طلب الخلافة في أمر القصاص، فنشأت تلك الحروب السجال، والحروب المتلفة لمهج الرجال، حتى كادت تأتي على الاسلام، وتحوي في حضانة السيوف من لم يبلغ الاحتلام، وبإجماع العلماء ان حزب الشام هم البغاة والناطق كتاب الله بحربهم، المصيب عليّ ﵁ في قتال حزبهم، ولا يُعد أهل الحق لمعاوية خلافة إلا منذ سلّم إليه الحسن فسلم من الفتن.

стр. 8345

وكانت (١) أُمُّه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان له بيت للأضياف يغشاه الناس فيه بغير إذنِهِ، فَقَعَدَ فيها يومًا ومعه هند، ثم خرج عنها وتركها به نائمة، فجاء بعض مَنْ كان يغشى البيت فدخل عليها وخرج، فجاء الفاكه ونبهها وقال لها: مَنْ هذا الذي خرج من عندك؟ قالت له: ما انتبهت حتى نبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، فخاض الناس في أمرهم، فقال لها أبوها: اثبتيني شأنك، فقالت: والله يا أبة إنه لكاذب، فخرج به وهند معه ليحاكمه إلى بعض كهان اليمن، فلما قاربوه، تغيّر وجه هند، فقال أبوها ألا [كان] (٢) ذلك قبل أن يشتهر خروجنا في الناس؟ قالت: والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنا نأتي بشرًا يُخطئ ويُصيب، ولعلّه يسمني بميسم يبقى عليّ، قال: صدقت وسأختبره، فأصفر لفرسه فأدْلى (٣)، فَعَمَدَ إلى حبّة بُرّ، فأدخلها في إحليل الفرس، ثم أوكأ عليها، فلما نزلوا على الكاهن قال له: إنا قد أتيناك في أَمْرٍ، وقد خبأتُ لك شيئًا اختبرك به، فما هو؟ قال: ثمرة في كمرة (٤)، قال: أبين من هذا، قال: حبّة بُرّ في إحليل مُهر، قال: صدقت فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يمسح على رأس كل امرأة منهن ويقول: قومي لشأنك، حتى بلغ هندًا مَسَحَ على رأسها وقال: قومي غير رسحاء (٥) ولا زانية، وستلدين ملكًا اسمه معاوية، فلما خرجت أخَذَ الفاكه بيدها، فأزالت يدها من يَدِهِ، وقالت: والله لأحْرِصَن أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية. وعن أبي السائب، قال: كان رأس معاوية كبيرًا، فقال أبو سفيان: والله ليسودن ابني قريشًا، فقالت هند: ثكلته إن لم يسود (٦) العرب قاطبة، وحكي إن هندًا لما فارقها الفاكه ورآها الكاهن اليمني قالت لأبيها: إنك زوّجتني ولم تؤامرني في نفسي فَعَرض ما ترى فلا تزوجني أبدًا زوجًا حتى تُعرض علي خصاله، فخطبها بعد ذلك سهيل بن عمرو (٧) وأبو سفيان بن حرب، فدخل عليها أبوها، فقال: [من الطويل] أتاك سهيل وابن حرب وفيهما … رضى لك يا هند الهنود ومقنع فما منهما إلا كريم مرزأٌ … وما منهما إلا أغر سميدع فدونك فاختاري فأنت بصيرةٌ … ولا تُخدعي إن المخادع يخدع

стр. 8346

قالت (١): فسر لي خصالهما، فبدأها بذكر سهيل، فقال: أما أحدهما ففي ثروة وسيطة، إن تابعته تابعك، وإن مِلْتِ عنه حطّ إليك، تحكمين عليه في ماله وأهله، وأما الآخر فموسع عليه منظور إليه في الحسب الحسيب، والرأي الأريب، مدره أرومته، وغرة عشيرته، شديد الغيرة كثير الطيرة (٢)، لا ينام عن ضيعة ولا يرفع عصاه عن أهله، قالت: أما الأول فسيّد مضياع للحرة، فما عَسَتْ أن تلين بعد إبائها، تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمِنَتْ، فساءت عند ذلك وقبح هناك دلالها، فإن جاءت بولد من هذا أُحْمِقَتْ، وإن أنْجَبَتْ فعن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عني. وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العفيفة، وأنا التي لا تريب له عشيرة فتغيره ولا يصيبه مزعر فيضيره، فزوجنيه، فزوجها من أبي سفيان. ويقال: انه أهديت للكعبة جزر من أحد ملوك الهند وقال: لا ينحرها إلا أعز من بمكة، فقالت له هند وهو في سابعها: أخرج لئلا يسبقك أحد إلى هذه الكرامة، فقال لها: دعيني وشأني والله لا ينحرها أحد إلا نحرته، فربطت الجزر بفناء الكعبة حتى خرج أبو سفيان من سابعه فنحرها. وأما ما كان بين علي ومعاوية ﵄، فلا حاجة بنا إلى ذكره لشهرته، إلا أن الاجماع على أن عليا ﵁ قاتل الفئة الباغية حزب معاوية، ولما استثبت له الأمر دخل عليه سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: السلام عليك أيها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا اسحق رحمك الله لو قلت يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها جذلان ضاحكًا؟! والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به (٣). وقال معاوية: لو وزنت بالدنيا لرجحتُ بها، ولكني وزنت بالآخرةِ فَرجَحَتْ بي (٤). ويقال انه (أول) (٥) من حول الخلافة ملكًا، وأول من ترك حدًا من حدود الله، ترك رَجُلا وَجَبَ عليه القطع. وأما بعد غوره، فقد حكي أنه قال لعمرو بن العاص: أينا أدهى؟ قال: أما في البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت، قال معاوية: أدنُ لي أسارّك بشيء، فأدنى رأسه، وكانا خلوين يتسايران فقال له معاوية: غَلَبْتُكَ أيها الداهية، هل هاهنا أَحَدٌ أسارك دونه (٦)؟ وقال له يومًا: ما بلغ من دهائك؟ فقال: لم أدخل في أمر إلا خرجت منه، قال معاوية: لكني لم أدخل في أمر فاحتجت إلى طلب الخروج منه (٧).

стр. 8347

وحُكي: أنه أُسر رجل من قريش فحمل إلى صاحب القسطنطينة فكلّمه ملك الروم فجابه بجواب لم يوافقه، فقام إليه رجل من بطارقته فوكزه، فقال القرشي: وامُعاويتاه، لقد أَعْقَلْت أمورنا، وأضعتنا، فأتاه الخبر، فطوى عليه حتى احتال في فدائه، فلما وصل إليه سأله عن اسم البطريق، فلما عرفه أرسله إلى رجل من قواد صور وكان من قُوّاد البحر المشاهير بالنجدة والبأس، وقال له: انشئ مركبًا يكون له مجاذيف في جوفه، وسافر إلى بلاد الروم على أنك سافرت مستترًا، وتوصل بملك الروم ومكنه واحمل الهدايا إلى جميع أصحابه ولا تعرض لفلان، يعني الذي لطم القرشي، واعمل كأنك لا تعرفه فإذا كلّمك وقال لك: لأي معنى تُهادي أصحابي وتتركني اعتذر إليه وقل له: أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع متسترًا ولا أعرف إلا مَنْ عُرّفتُ به، فلو عرفت بك لهاديتك كما هاديت أصحابك ولكني إذا انصرفت إليكم مرّةً أخرى سأعرف حقك، فلما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطف وأربى في هديته على أصحابه حتى اطمأن إليه البطريق، ثم قال له: كنت أحبّ أن تجلب إلي من بلاد المسلمين بساط ديباج يكون على ألوان الزهر، فقال له: نعم، ثم رجع إلى معاوية فأخبره بما طلب، فأمر أن يُشترى له بساط على ما وصف له، وقال له: إذا دَخَلْتَ وادي القسطنطينية أخرج البساط وأبسطه على ظهر المركب وتربص حتى يصل إليه الخبر لعله يحمله الشر على الدخول إليك، فإذا حصل عندك عرفت رجالك بالامارة ليخرجو المجاديف المخبأة وتكرّ به راجعًا إلى بلاد الاسلام، ففعل ما أمره به فلما بسط ذلك البساط على مركبه وأتى البطريق الخبر فحمله الحرص والنشاط إلى أن دخل عليه، فلما حصل في المركب، أظهر الامارة التي كانت بينه وبين رجاله، وكر به راجعًا الى بلاد الاسلام حتى وصل به الى معاوية فأحضر معاوية القرشي، وقال له: هذا صاحبك؟ قال: نعم، قال: فقم فاصنع به مثلما صنع بك ولا تزد، فقام القرشي فوكزه كما كان فعل به العلج، ثم قال معاوية للعلج: ارجع الى ملكك وقل له: تركت ملك الاسلام يقتص ممن حولك، ثم قال للذي أتى به: انصرف به الى أول أرض الروم واتركه واترك له البساط وكل ما سألك أن تحمله إليه من هدية، فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية فوجد ملك الروم قد صنع سلسلة على فم الوادي ووكل بها الرجال فلا يدخل أحد الوادي إلا بإذنه، فأخرج به العلج وكل من كان معه ومن معه، فلما وَصَلَ إلى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال: هذا ملك كثير الحيلة، فعظم معاوية في أعينهم وفي نفوسهم فوق ما كان. ومن حِيلِهِ التي انعكست عليه: أمر زينب (١) بنت اسحق زوج عبد الله بن سلام

стр. 8348

القُرشيُّ، وكان واليًا على العراق (١) لمعاوية، وكانت زينب مثلًا في نساء زمانها جمالًا ومالًا وشرفًا وآدابًا، وكان يزيد بن معاوية قد سمع بما هي عليه، ففتن بها، فلما عيل صبره فاستراح بالحديث الى بعض خِصيان أبيه، وكان ذلك الخصي خاصًا بمعاوية فذكر له ذلك، فبعث معاوية الى يزيد فسأله، فبَثَّ له حاله، فقال: مهلًا يا يزيد، فقال: أتأمرني بالمُهَل وقد عيل الصبر، فقال: اكتم يا بني أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمْرَهُ فيك، ثم أخذ معاوية في الحيلة ليزيد فكتب الى عبد الله بن سلام أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا لأمر فيه حظك، فلما قدم عليه ابن سلام أمَرَ معاوية أن يُنزل منزلًا قد هيأه له، وأعَدَّ فيه نزله ثم قال لأبي هريرة (٢) وأبي الدَّرداء (٣)، وكانا يومئذ عنده: ان الله قد قسم بين عباده نعمًا أوجب عليهم فيها شكرها، وختم عليهم حفظها، فحباني منها بأتم الشرف ليبلوني أأشكر أم أكفر، وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده أمر من لا غناء به عنه، وقد بَلَغَتْ لي ابنة أُريد نكاحها وقد رضيت لها عبد الله بن سلام القُرشي لشرفه ودينه وفضله، ثم قال لهما: ألا فاذكرا ذلك له، وكنت قد جعلتُ لها في نفسها شورى غير أني أرجو أن لا تخرج من رأيي، فأتيا ابن سلام فذكرا ذلك له، ثم دخل على ابنته فقال لها: إذا دخل إليك أبو هريرة وأبو الدرداء فعرضا عليك أمر ابن سلام، قولي لهما عبد الله كفؤ كريم، وقريب حميم، غير أن تحته زينب بنت اسحق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتناول منه ما يسخط الله فيه، ولستُ بفاعلة حتى يفارقها، فلما ذكرا ذلك لابن سلام قال لهما: حبذا ذلك ومن أين لي به فجاءا معاوية فذكرا له ما قال قال: فادخلا إذن إليها، فاستأمراها، فلما دخلا إليها قالت لهما ذلك القول، فقال: اذهبا فاعلماه، فأتياه فأعلمه أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب، اشهدهما بطلاقها، وبعث بها إليها خاطبين، فلما أتيا، أظهر الكرامة لفعله، وقال: ما كنت لاستحسن له طلاق امرأته، فانصرفا الى غَدٍ، ثم استأذناها، ثم كتب الى ابنه يزيد بالخبر، ثم شرع في مطل ابن سلام والأخذ به من يوم الى يوم، ثم أبت بنت معاوية إلا المنع، فعلم انه إنما خُدع، واجتمع له عقله، واستد ت (٤) له رأيه ليس بدافع

стр. 8349

عن نفسه قدرًا برأي ولا كيد، ولعلّ ما سوّلوا به واستجدلوا به (١)، لا يدوم لهم سروره، ولا يُصرف عنهم محذوره، فلما انقضت اقراؤها وجه معاوية أبا الدرداء الى العراق خاطبًا لزينب على ابنه يزيد، خرج حتى قدمها، وبها يومئذ الحسن بن علي ﵄ فبدأ أبو الدرداء بزيارته، فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالًا لصحبته، ثم قال له: ما أتى بك يا أبا الدرداء؟ قال: وجهني معاوية خاطبًا على ابنه يزيد زينب بنت اسحق، فقال له الحسن: لقد كنت أريد نكاحها، وما أخرته إلا لينقضي إقراؤها، فاخطب رحمك الله عليَّ وعليه، وابذل لها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه، فقال: أفعل، فلما دخل عليها أعلمها بما كان، فقالت: يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاء في وأنت غائب لأشخصْتُ فيه الرسل إليك، واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك، فأما إذا كنت أنت المرسل فقد فوّضتُ أمري بعد الله إليك، وجعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، والله شاهد عليك، فاقض في قصدي بالتحري، ولا يصدنّك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيًا، ولا أنت عما طوقتك غنيًا، فقال أبو الدرداء: ايتها المرأة إنما عليَّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك، قالت: عفا الله عنك إنما أنا ابنة اخيك، ولا غنى لي عنك فلا تمنعك رهبة أحَدٍ من قول الحق فيما طوقتك، فقد وَجَبَ عليك أداء الأمانة فيما حملتك، والله خير مَنْ روعي وخيف، إنه بنا خبير لطيف، فلما لم يجد بدًا من القول، قال: أي بنية، ابن بنت رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ والله أعلم بخيرهما لك، وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعًا شفتيه على شفتي حسن، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه، قالت: قد اخترته فتزوجها الحسن ﵇، ساق لها مهرًا عظيمًا، وبلغ معاوية ما فعل أبو الدرداء، فتعاظمه جدًّا ولامه شديدًا، وقال: مَنْ يرسل ذا بَلَه وعمى ركب خلاف ما يهوى، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها مالًا قبل شخوصه الى الشام مالًا عظيمًا، فلما طال مكث ابن سلام بدمشق جفاه معاوية لقوله فيه أنه قد خدعه، فشخص الى العراق وهو لا يظنّ إلا جحودها الوديعة لطلاقها لها من غير سبب، وبقي لا يعرف ما يصنع، فأتى الحسن ﵁، فأخبره بخبر الوديعة ليقول لها، فلما أتاها قال لها: إن ابن سلام أتاني فذكر لي أنه كان استودعك مالًا، فادّ إليه أمانته، فإنه لم يَقُلْ إلا صدقًا، ولم يطلب إلا حقًا، قالت: لعمري لقد صدق، ولقد أَوْدَعَني مالًا لا أدري ما هو فادفعه إليه بطابعه، فأثنى عليها الحسن خيرًا، ثم قال: ألا أدخله عليك حتى تبرأي إليه منه كما دفعه إليك، ثم لقى عبد الله وقال له ما قالت، فأدخل عليها وتوفَّ مالك منها، ثم أَخَذَه ودخل به عليها، فأخرجت إليه المال فشكر وأثنى، ثم أعطاها بعضه، وقال: خُذي فهذا مني، فبكيا حتى عَلَتْ أصواتهما

стр. 8350

بالبكاء أَسَفًَا على ما ابتليا به من الفراق، فرق الحسن لهما، ثم قال: اللهم أنت تعلم اني لم استنكحها رغبةً في مالها ولا جمالها، ولكن اردت إحلالها لبعلها، وأنا اشهدك انها طالق ثلاثًا، فشكراه، فسألته زينب أن تُعيد إليه ما كان ساق إليها، فأبى، فلما انقضى إقراؤها تزوجها ابن سلام، ثم بقيا زوجين متصافيين الى ان فرق الموت بينما وحرمها الله يزيد بن معاوية. وكان معاوية يقول: لا (١) أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، فإذا لم أجد بدا من السيف ركبته. ومما روي من حلمه انه كلّم الأحنف (٢) يومًا كلامًا عتبه فيه، فقال له الأحنف: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإن القلوب التي أبغضناك بها بين جنوبنا، وإن السيوف التي قاتلنك بها على عواتقنا، وإن الخيل التي طاردناك بها لفي مرابطنا، وأن الرجال الذين (٣) دهمناك بهم لحول بيوتنا، فإياك وأن (٤) تردّها فتنة، فقال: عذرًا يا أبا بحر. وبعث معاوية إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار، فاستقلها، فأقسم على إبنه أن يأتي بها معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى أتاه فقال: ما جاء بك يا ابن أخي، قال: يا أمير المؤمنين، إن لأبي طيرة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمة الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: إفعل ما أَمَرَكَ به أبوك، وارفق بعمّك، فرمي بالدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فَدَخَلَ على معاوية مغضبًا فقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفْتُ أن يُعدَّ ذلك منك ضعفًا، فقال: إي بني إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة (٥). وذكر عمرو بن العلاء: إن جابر بن عبد الله الأنصاري (٦) وَفَدَ على معاوية، فاستأذن، فأبطأ عليه الإذن، ثم أُذن له، فقال له: ويلك يا معاوية، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حَجَبَ ذا حاجةٍ حَجَبَهُ يوم حاجَتِهِ، وفاقته، فقال له معاوية: صبرت يا جابر

стр. 8351

فخرج جابر مغضبًا، فركب ناقته يريد المدينة، فأقبل يزيد على أبيه، وَقَلَّ ما تكلّم بخير، فقال بعيد الشقة، عانوا الزيارة، أتاك فَحَجَبته وتجهمته، قال: لم أصبر عندما سمعت كلامه، قال الحقه، فأعطه خمسمائة دينار، فلحقه يزيد، فقال له: إن أبي يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذه على سفرك، فقال له جابر: أرددها عليه وقل له: [من الطويل] وإني لأختار الحياء (١) على الغنى … إذا اجتمعا والصبر (٢) بالبارد المحض وأنزع أثواب الغنى ولقد أرى (٣) … مكان الغنى ألا أهين لها عرضي فجاء يزيد فأخبر أباه بشعره فقال: ارجع فارددها إليه وقل له: [من الطويل] سأمنحكم عرضي ولو شئت مسَّكُم … قوارع تبري العظم من كلم مص ولا أحرم المعتر إن جاء طالبًا … ولا البخل فعلي من سمائي ولا أرضي فعاد يزيد فأخبر جابرًا بشعر أبيه، فقال: أرددها عليه، وقل له ما كنت أرى يا ابن آكله الأكباد في صحيفتك حسنةً أنا سببها. وبَلَغَ معاوية أن يزيد ضَرَب غلامًا له فقال: يا بني كيف طوّعت لك نفسك قتل مَنْ لا يستطيع امتناعًا منك (٤)؟ ولما قدم عبد الرحمن (٥) بن حسان على معاوية، طال مقامه، فقال شعرًا شَبَّبَ فيه بأخت معاوية، فَغَضَبَ يزيد بن معاوية، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، أقتل عبد الرحمن بن حسان، قال: ولم يا بني، قال: لأنّه شبّب بأختك، قال: وما قال؟ قال: قال: [من الخفيف] طال ليلي وبت كالمحزون … ومَلَلْتُ الثَّواء في جيرون قال: وما علينا من طول ليله وحزنه، أبعده الله، قال: إنه يقول: وذلك اغْتَرَبْتُ بالشام حتى … ظن أهلي مُرْجَماتِ الظُّنُون قال: وما علينا من ظنّ أهله؟ قال: إنه يقول: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّا … ص ميزت من جوهر مكنون قال: صدق يا بني، وإنها لمن جوهر مكنون، قال: وإنه يقول: وإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دون قال: بحمد الله هي كذلك، قال: وإنه يقول:

стр. 8352

ثم خاصرتها الى القبة الخضراء … تمشي في مَرْمَرٍ مسنون قال: لا ولا كل هذا، وضحك وقال: ما قال أيضًا؟ قال: وقال: قُبَّةٌ (١) من مراجل ضربوها … عند حد (٢) الشتاء في قيطون عن يساري إذا دخلت من الباب … وإذا كنتُ خارجًا عن يميني تجعل الند والألوة … والمسك صلاءً لها على الكانون وقباب قد أسرجت وبيوت … نظفوها (٣) بالآس والزيتون قال: يا بني، لا يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل تغريه فيزيد في قوله، ولكن نلقه بالتجاوز والصّلة، فوصله وصَرَفَهُ، وعن زيد بن عياض، قال (٤): قال معاوية: الأرض لله وأنا خليفة الله، فما أخذتُ فلي، وما تركته للناس فالفضل مني، قال صعصعة (٥) بن صوحان: بل أنت وأقصى الأمة سواء، ولكن من ملك استأثر، فغضب معاوية وقال: لهممتُ بك، فقال صعصعة: ما كلُّ مَنْ هم فعل، قال: ومَنْ يحول بيني وبينك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه (٦)، قال له: صدقت، ولم يعرض له. ودخل عليه أبو الأسود الدؤلي (٧)، فإنه ليحدثه إذْ حَبِقَ، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عائذ بالله وبسترك، ثم خرج ودخل عمرو بن العاص فحدّثه، فبلغ أبا الأسود، فأتاه فقال: يا معاوية، إنّ الذي قد كان مني قد كان مثله منك ومن أبيك، ومن لم يؤمن على ضرطة لجدير ألا يؤمن على أمر الأمة (٨)، وأتى معاوية رجُلٌ فسأله

стр. 8353

بالرحم، فقال معاوية: ذكرتني رحمًا بعيدة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرحم شنّة إن بللتها ابتلت، وإن تركتها تقصفت، ثم أخذ يغلظ القول، فقال له معاوية: دع عنك هذا وسَلْ حاجتك، قال: مائة ناقة مُتّبع وألف شاة ربّى (١)، فأمر له بذلك. وعن عنيز بن القسم (٢): قال معاوية ما شيء أعجب إلي من غيظ أتجرعه، أرجو بذلك ثواب الله . وزوج (٣) معاوية ابنته رملة من عمرو بن عثمان بن عفان، فسمعت مروان بن الحكم يقول له وقد عاده: إنما ولي معاوية الخلافة بذكر أبيك فما يمنعك من النهوض لطلب حقك؟ فنحن أكثر من آل حرب عددًا، فما أظهرت انها تسمع، ومكثت إلى أن خرج عمرو بن عثمان حاجًا فاستأذنته في زيارة أبيها، فأذن لها، فأتته، فقال لها: مالكِ أطلقك زوجكِ؟ قالت: الكلب أظنّ بشحمته، وحدثته حديث مروان واستكثاره آل ابي العاص، واستقلاله آل حرب، فكتب معاوية الى مروان: [من الطويل] أواضِعُ رجلٌ فوقَ رِجْلِ تَعُدُّنا … كعدَّ الحصى ما إنْ نراكَ تكاثر (٤) وأمُّكمْ ترجي تؤامًا لبعلها … وأمُّ أخيكم نزْرةُ الولد عاقر وَدَخَل (٥) اعرابي المسجد ومعاوية يخطب، فقال: أيها المتكلم (٦) أسكت، أنشد جَمَلي، فسكت معاوية، فقال الاعرابي: أيها الناس، من دعا الى جمل عليه قَتَب، فردَّد القول مرارًا، فقال معاوية: ايها الأعرابي حِلْهُ حِلْيّة سوى القتب، فلعل القتب قد ضاع، ثم مضى في خطبته، ودخل (٧) على معاوية عدي بن حاتم (٨)، وعنده ابن

стр. 8354

الزبير، فقال ابن الزبير: إن عند هذا الأعور جوابًا، فأحركه؟ قال: نعم، فقال له: يا عدي، أين ذهبت عينك؟ قال: يوم ذَهَبَ أبوك هاربًا، وضُربت أنت على قفاك موليا، وأنا يومئذ مع الحق وأنت على الباطل. وعن (١) حبيب بن مسلمة (٢) الفهري، قال: ركب معاوية وأنا معه، فبينا نحنُ نسير إذ طلع علينا رجل جميل (٣) الهيئة، فلم أرَهُ أكْبَرَ معاوية ولا اكترث له، وأَكْبَرَهُ معاوية وأعْظَمَهُ إعظامًا شديدًا، ثم قال: أجئت زائرًا أم طالب حاجة؟ قال: لم آتِ لشيء من ذلك، ولكني جئت مجاهدًا، وأرجع زاهدًا، فمضى معاوية عنه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا عقبة بن عامر الجهني (٤)، قلت: ما أدري ما أراد بقوله خيرًا أم شرًّا؟ قال: دعه فلعمري إن كان أراد الشرّ إنّ الشر لعائد بالسوء على أهله، قلت: سبحان الله، مَا وَلَدَتْ قرشية أذلَّ منك، فقال: يا حبيب، أأحلم عنهم ويجتمعون خيرًا، أم أجهل ويتفرقون؟ قلت: بل تحلم ويجتمعون، ثم قال: امض، فما ولدت قرشية قرشيًا له مثل قلبي قلت: إني أخاف أن يكون ما تصنع ذلًا؟ قال: وكيف وقد قاتلتُ عليًا، فصبرت على مناواءهم وبغضهم. وعن (٥) سحيم بن حفص، قال: كانت لعبد الله بن الزبير أرض الى جانب أرض لمعاوية، فاقتتل غلمان معاوية وغلمان ابن الزبير، فكتب ابن الزبير لمعاوية: أما بعد، فقد غَلَبتنا بحمرانك وسودانك، ولو قد التقتا حلقتا البطان (٦) فاستوت بنا وبك

стр. 8355

الأقدام علمت إن حمرانك (١) وسودانك لا يغنون عنك شيئًا، فقرأ معاوية الكتاب ثم رمى به الى ابنه يزيد فقال: ما عندك؟ قال: تبعث إليه مَنْ يقتله فتستريح، من حمقه وعُجْبِهِ، قال: يا بني له بنون وعشيرة تمنعه إن بعثت بمائة رجل أعطيت كل رجل ألفًا فبلغ ذلك مائة ألف ولا أدري على مَنْ تكون الدائرة (٢)، فإن غلبوا بعثتُ ألفًا وأعطيتهم ألف ألف، ولكني اكتب إليه: من معاوية أمير المؤمنين الى عبد الله بن الزبير، أما بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر إنا غلبناك بحمراننا وسوداننا وإنه لو التقت حَلَقَتا البطان واستوت بنا الأقدام علمت ان حمراننا وسوداننا لا يُغنون عنا شيئا، وأني قد وهبت لك ذلك المال بحمرانه وسودانه، فخذه خضرًا ذخرًا والسلام. فكتب إليه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، أما بعد، فقد غلبتنا بحلمك، وجدت لنا بمالك، فجزاك الله يا أمير المؤمنين خيرًا، فلما أتى الكتاب معاوية قال ليزيد يا بني أهذا خير أم ما أردت؟ وأنشد معاوية رجلٌ شعرًا قاله عبد الله بن همام السلولي (٣): [من الوافر] حشينا الغيظ حتى لو سُقينا … دماء بني أمية ما روينا (٤) لقد ضاعت رعيتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينا فقال: ما ترك ابن همام شيئًا، وذكر انه لو شرب دماءنا ما اشتفى اللهم اكفناه. وعن المدائني قال: قال معاوية: إني لأرفع نفسي عن أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعَوْرَةٌ لا أُواريها بستري، وإساءة لا تمحوها حسناتي (٥)، وكان يقول: لو أنَّ بيني وبين الناس شعرة لما انقَطَعَتْ، قيل له: كيف؟ قل: إن جذبوها أرسلتها، وإن خلوها جذبتها (٦). ومما يؤثر عنه انه قال لابنه يزيد: يا بني اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب

стр. 8356

لتستميل به مودتهم وتعظم به في أعينهم، وتكفُّ به عنك عاديتهم، وإياك والمنع، فإنه مفسدة للمروءة وإزراء بالشرف (١). ونظر معاوية الى النخار (٢) العذري في عباءة فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلّمك وإنما يكلمك مَنْ فيها (٣). وقال يومًا: أعِنْتُ على علي بكتمان سرّي وفشي أسراره، وبطاعة أهل الشام لي ومعصية أصحابه له، وبذلي المال وإمساكه إياه (٤). وكان معاوية أكولًا نهما (٥)، وهو أوّل مَنْ نوّع في هذه الأمة المطاعم. وحج (٦) معاوية، فلما كان بالأبواء خرج يستقري مياه كنانة حتى إذا صار لعجوز، فقال لها: مِمَّنْ (٧) أنتِ؟ فقالت: من الذين يقول فيهم الشاعر: [من الطويل] هم منعوا جيش الأحابيش عنوة … وهم نَهْنَهُوا عنهم غزاة بني بكر فقال لها معاوية: فإذن أنت دولية (٨)، قالت: فإني دؤلية، قال: أعندك قرى؟ قالت: عندي خبز خمير وحيسًا كثير (٩)، ولين خرير (١٠) وماء نمير، فأناخ وجَعَلَ يأخُذ الفلذة من الخبز فيملؤها من الحيس فيغمسه في اللبن، ثم يأكل حتى فرغ، قال: حاجتك؟ قالت: حوائج الحيّ، فنودي فيهم، فأتاه الأعراب، فرفعوا حوائجهم، فقضاها، وامتنعت العجوز أن تأخذ شيئًا لنفسها، وقالت: لا آخذ لقراي ثمنًا. وكان معاوية يجوع في رمضان جوعًا شديدًا، فشكا ذلك لابن أثال (١١) الطبيب، فاتخذ له الكنافة، فكان يأكلها في السحور، فهو أول من اتخذها.

стр. 8357

وحكي: ان أبا هريرة ﵁ حضر صفين، فكان يصلي خلف عليّ ويأكل على سماط معاوية، فإذا قامت الحرب اعتزل الفئتين، وقَعَدَ على تل هناك، ينظر إليهما، فقيل له: ما رأينا رجلًا يصنع مثل صنعك، فقال: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم. وكان يقال: انه على سعة كرمه ربما بَخَلَ على الطعام. وحكي: إن رجلًا أكل معه، فنظر معاوية إلى الرجل فرأى شعرةً في لُقْمَةٍ تناولها من الطعام، فقال له: أزل الشعرة، فألقاها من يده ثم أبى أن يأكل وقام ينشد: [من الطويل] وللموت خير من زيارة باخل … يلاحظ أطراف الأكيل على عَمْدِ وأكل معه صعصعة بن صوحان، فتناول شيئًا بين يديه، فقال له معاوية: لقد أَبْعَدْتَ النجعة، فقال: مَنْ أجدب انتجع (١). وتغدى معه يومًا عبيد الله بن أبي بكرة (٢)، ومعه ابنه بشير، فاكثر ابنه من الأكل، ومعاوية يَلْحَظه، فلما خرج ابن عبد الله لامه أبوه على ما صنع، ثم عاد عبد الله وليس معه ابنه، فقال له معاوية: ما فَعَلَ ابنك التلقامة؟ قال (اشتكى) (٣)، قال: قد علمت إن أكله سيورثه داءً. ولد قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين، وتوفي في رجب سنة ستين، ومدة عمره ثمان وسبعون سنة تقريبًا، ومدة خلافته تسع عشرة سنة وأشهر، وقبره خارج باب الصغير بدمشق. ثم دولة ابنه [٢] يزيد بن معاوية (٤) أبي خالد فتى الف صباه، وكلف بنجد وصباه، ونام على فرش الرفاهة، ونادم أهْلَ الفكاهة، وهام بما يهيم به الكَلِف، ويدوم عليه الشَّعف (٥)، لا يرد عن جماع (٦)

стр. 8358

غوايته، ولا يرتد عن طماح غايته، وعمر أيام الشبيبة بإلمام الحبيبة، وتيم قلبه بالنساء تتيم ذي الرمة بالخنساء (١)، وَوَجَدَ بكلّ غانيةٍ سمع بها وَجْدَ الفرزدق بنوّار، وعمرو بعرار، وكان من دمشق في عرائش الكروم، وعرائس الكروم، من جنى أعناب كأن عصارتها جنى عناب، فعكف عليها مثواه، وعطف إليها هواه، وثوى يهتصر قطوفها، ويَعْتَصِر صنوفها، وزفها أوقات أُنْسِهِ عروسًا، وحفّها حول مجلسه شموسًا، وأقام لا يُريم بين كاس وريم، لا يرى إلا بنانًا مخضوبًا بالعنم، أو بحمراء صافية كالعلم، ويُروى له شعر اكثره لا يصح له، بكبرِهِ من جهله، وكان أبوه يؤثره، ويعظم قليله ويكثره، ويتوسم مخايل نجابته، ويتنسم لدلايل اجابته، فمهّد له في تقدمه، ووطد له أكناف السرير لِقَدَمِهِ، ولما خاف أن لا يتم له ما أراد، ولا يلم فيه رأيه بالمراد، بَذَلَ له جهد سيفه ودرهمه، فكف جهل عذالِهِ ولوَّمِهِ، ولم يبق إلا ثلاثة قريش شرفًا وسؤددًا وسَلَفًا، يُخرس لددًا، الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، فجدَّ في مداراتهم فما قَدَر، وجَهَدَ على إرادتهم وما قَسَر، فَنَصَبَ مصايد حِيلِهِ، ومكائد طيله، وأمر بأن يجمع الناس بالمدينة، وفيهم أولئك الأماجد، وأوْقَفَ على رؤوسهم رجالًا بأيديهم السيوف جرائد، ثم أمر بأخذ البيعة ليزيد (٢) وأخذ من خالَفَ الأخذَ الشديد، وقال: مَنْ تكلَّم من هؤلاء وأشار الى الثلاثة فاضربوا عنقه، وأضرموا بجذوة السيف حَنَقَه، فلما اجتمع الناس، قام فيهم مروان وقال: أيها (الناس) (٣) إن هؤلاء رؤوسكم وسادتكم، وقد أعطوا البيعة، فقوموا فبايعوا، فما منهم إلا مَنْ بايع ومن تابع، إلا أولئك النفر، إلا أنهم ما استطاعوا أن يتكلموا، ولا استطالوا الى أكثر من أن يتألّموا، ثم كان من خروج الحسين وابن الزبير ما كان، هذا الى العراق وهذا الى مكة، وما فتئا فيما يزعزع ملكه، إلا أن الحمام عاجل سيد الشهداء الحسين، وأدلى له الحين، وفرغ ابن الزبير لمنابذته، وقَرَعَ ظُبّةَ الحرب لمؤاخذته، ثم لم يتمكن من قتاله، ولم يتبين له وجه احتياله، فأخرها الى أوانها، وادخرها الى إبانها، ثم وثَبَ لها وثوب الفهد، ودأب لها دؤب الفرس النهد، وأما ابن عمر، فدخل فيما أجمع الناس عليه، وبايع، وجمع أطراف قومه وما نازع، ثم كان من مصرع الحسين ما صَرَعَ الدموع، وصدع الضلوع، وكَسَرَ القلوب كسرًا لا يُجْبَر، وأمات للاسلام ميّتًا لا يُقبر، فاهًا لها رزيّة فتت العضد، وفلت السيف

стр. 8359

والغمد، لقد انضبتَ الثمد، وانضت بطلاب مثلها المهرية الأجد (١)، فيا لها فجيعة، ويالها من مصيبة وجيعة، لعمرو أبيه لقد نُبذ غير مليم، ولقد عكفت الطير منه على لحم كريم، وقد تقدم منه طرف في ذكره، وهذا الآن موضع شرحه، وسنذكر منه ما يزيد القلب قرحًا على قرحه، ويُتبعه وما اندمل الأول جرحًا على جرحه، وصفى الأمر ليزيد ليته لا صفا، واشتفى ليته لو كان أصبح على شفا، فكم أساء على قصر مدة أيامه مرة، وأذاب القلوب وأسال عن المدامع الحرّة، فأما كربلاء، فتلك كرب وبلاء، وبالطف ماطف، وكم بوارق بات يوقدها، وبوائق مات وهو يحقدها، هذا كله من وراء تخلّف لا كفاية، وتعسّف لا بدراية، كان يلعب بالنرد، وينادم القرد، ويشتري لهو الحديث بمال الله لا بمالِهِ، ويُسخط بعمله هذا وسائر أعماله، ودام على قبح فعلاته، وفضوح ضلالاته، حتى مات وليته لا ولد ولا عرف، فلا ذُمّ ولا حمد. أتاه وهو بحوارين موت (٢) أبيه معاوية، فجاء وقد دفن فقال (٣): [من البسيط] جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم (٤)؟ … قال: الخليفة أمسى مثبتًا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأنّ أغْبَرَ من أركانها انقلعا ثم ابتعثنا على خوص مُرمَّمَةٍ … نرمي الفجاج بها لا نأتلي سُوَعا وما نبالي إذا بلَّغْنَ أَرْجُلَنا … ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا لما انتهينا وباب الدار منصفقٌ … لصوت رملة ريع القلب فانصدعا ثم ارعوى القلب منّى بعد طيرته … والنفس تعلم ان قد اثبتت جَزَعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كانا جميعًا خليطا قاطنين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا ثم صعد الضحاك (٥) بن قيس الفهري المنبر، وفي يده أكفان معاوية، فحمد الله

стр. 8360

وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين كان عود العرب وحدها ونابها، قطع الله به الفتنة، وجمع به الكلمة، وملكه خزائن العباد، وفتح له البلاد، إلا انه قد مات، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ثم مدلجوه قبره، ومخلّون بينه وبين ربه، ثم هو البرزخ (١) الى يوم القيامة، فمن كان يُريد أن يشهده فليحضر عند الظهر، ثم أتى يزيد بن معاوية قبر معاوية، وترحم عليه، ثم أتى المنبر فخطب، ثم قال: إن معاوية، كان عبدًا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قَبَضَهُ إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من قبله، ولا أزكيه على الله فهو أعلم به، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فَبِذَنْبِهِ، واني (لن أني) (٢) عن طلب أعتذر عن تفريط، وعلى رسلكم إذا أراد الله شيئًا كان. فقام إليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي (٣)، فقال: يا أمير المؤمنين إنك رزيت الخليفة وأعطيت الخلافة، قضى معاوية نَحْبَهُ، فغفر الله ذنبه، ووليت الرياسة، وأنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على حسن العطية، أعظم الله على أمير المؤمنين أَجْرَك، وأَحْسَنَ على الخلافة عونك، ثم أتاه عبد الله بن همام السلولي، فقال: يا أمير المؤمنين، أَعْظَمَ الله أجرك في الخليفة وبارك الله لك في الخلافة، ثم أنشد (٤): [من البسيط] اصْبِر يزيد فقد فارقت ذا ثِقَةٍ (٥) … واشكر عطاء (٦) الذي بالملك أصفاكا أَصْبَحْتَ لا رُزْءَ في الأقوام نَعْلَمُهُ … كما رُزِئت ولا عُقْبي كعُقْباكا أعطيت طاعة أهل الأرض (٧) كلّهم … فأنت تَرْعاهُمُ واللهُ يَرْعاكا وفي معاوية (الباقي) (٨) لنا خَلَفٌ … إذا قعدت (٩) ولا نَسمع بمنعاكا

стр. 8361

وأرسل يزيد الى الوليد بن عتبة (١) بأخذ البيعة على الحسين وابن عمر وابن الزبير، ثم سائر الناس، فقال لمروان: ما عندك في هذا؟ قال: أُطلبهم ليلًا، وخذهم بالبيعة، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم، فطلبهم ليلًا فأتوه (٢)، فطلبهم بالبيعة، فخاف ابن الزبير أن يهنأ فبدر فقال: ما عندنا خلاف ولكن يقال إنما بايعوا خوفًا، وإنما ادعوا الناس الى المسجد النبايع تشهد الناس، وبايع الناس، فقال: أفعل، فأومى إليه مروان ان اضرب أعناقهم، فأبى، وخرجوا من عنده، فقال له مروان: والله لا أصبح منهم بالمدينة أحد فكان هكذا، خرجوا ليلتهم تلك من المدينة، فأما ابن عمر فذهب الى مال له وبعث يقول: اذا اجتمع الناس بايعت، فتركوه لعلمهم بزهده، وأما ابن الزبير فانطلق الى مكة، وأما الحسين، فألهاهم عنه طلب ابن الزبير، ثم سار الحسين يريد مكة، فقال: ما كنت لأنطلق على مكان به ابن عمر ولا أراه، فأتاه فاعلمه أن أهل العراق بعثوا إليه كتبًا وقر جمل، فقال: إياك وهم، فهم أهل غدر، ولقد كان أبوك اكرم عليهم منك وما وفوا له، فلما أبي عانقه وقال: استودعك الله من قتيل، ثم أتى الحسين عبد الله بن مطيع العدوي (٣)، فقال له نحو قول ابن عمر فأبى وأتى مكة، فرأى بن الزبير إنه لا يتم له (أمر) (٤) مع وجود الحسين، فحسن له قصد، العراق، حتى ذهب فقتل كما تقدم في ذكره (٥)، ثم قام ابن الزبير يذكر قَتْلَتَهُ ويلعن قتلته ويدعوا الى الشورى ويستر أمره، ويقول: أنا عائذ هذا البيت، ثم باح ومَدَّ يَدَهُ للمبايعة فبويع، وأغزاه يزيد الجيش، ثم لم تحن منيته إلا في زمن عبد الملك على ما يأتي ذكره بعد. وحكى البلاذري (٦) عن يزيد أنه أول من أظهر شرب الشراب والاشتهار بالغناء والصيد، واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود

стр. 8362

والمعافرة (١) بالكلاب والديكة، ثم جرى في زمنه قتل الحسين بن علي ﵉، وقتل أهل الحرّة، ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح العقيدة (٢)، ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا ركبه، ووقع بين غلمانه وغلمان عمرو بن سعيد الأشدق (٣) فأغْضَبَه ذلك، وأمر باحضار اولئك الغلمان فلما أتي بهم قال: خَلّوا سبيلهم، ثم قال: إن القدرة تذهب الحفيظة. وأخطأ (٤) يزيد في شيء وهو صغير، فقال له مؤدبه: أخطأت يا غلام، قال يزيد: الجواد يعثر، قال المؤدب: إي والله ويُضرب، قال يزيد: أي والله ويرمح (٥) سائسه فيحطمه. وكان يزيد على علاته جوادًا كريمًا، فيما روي انه أجاز عبد الله بن جعفر (٦) ﵄ أربعة آلاف ألف درهم، وكان لا يعد وغدًا بكرم إلا أنجزه وفيه يقول عبيد بن حصين الراعي (٧): راحت كما راح أو تَغْدُو بغدوتِهِ … عَنْسٌ وخُودٌ عليها راكبٌ يَفِدُ (٨) تَنْتابُ آل أبي سفيان واثقةً … بِسَيْبِ أبيض منجاز لما يَعِدُ (٩) وكان أيام أبيه معاوية خير من يحضره من جلساءه. حكي إن عقيل بن أبي طالب دَخَلَ يومًا على معاوية وقد كف بصره فأجْلَسَهُ الى جانبه على سريره، ثم جاء بعده عتبة (١٠) أخو معاوية فأجلسه بينه وبين عقيل فلم يَرَهُ،

стр. 8363

فقال له معاوية: أنتم يا بني هاشم لم تصابون في أبصاركم؟ فقال عقيل: كما تصابون يا معشر بني أمية في بصائركم، فتنحْنَحَ عتبة ليتكلّم بشر، فأومى إليه معاوية أن اسكت، فقال عقيل: من هذا الذي أجْلَسْتَهُ يا معاوية الى جانبي، فقال معاوية: هو أخوك وابن عمك عتبة، فقال عقيل: لئن كان أقرب مني إليك، فأنا أقرب منه ومنك إلى رسول الله ﷺ وأنتم مع رسول الله ﷺ تحت سماء، وكان يزيد غلامًا واقفًا في الشبيبة، فابتدر فقال: يا عم أنْتَ كما وصفت ورسول الله ﷺ فوق ما ذكرت، وأمير المؤمنين عالم بحقك، ولك عندنا مما تحبّ أكثر مما لنا عندك مما تكره، فأسْكَتَ عقيلا وكان لسان قريش. وولد يزيد (سنة خمس أو ست وعشرين) (١) وركض فرسًا، فأرداه فمات يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خَلَتْ عن شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، ومدة عمره تسع وثلاثون سنة وقيل ست وثلاثون، ومدة ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر تقريبًا، وقبره بحوارين، وقيل إنه نقل إلى مقبرة باب الصغير بدمشق (٢). ثم: [٣] دولة معاوية (٣) بن يزيد بن معاوية: أبي عبد الرحمن ويعرف بأبي ليلى، وهو دُرٌّ تكَشَّفَ عنه صَدَف، وفجر تكشَّط عنه سُدَف، وتِبْرٌ أخرجهُ رُغام، وزهرٌ أَنْبَتَهُ رُكام أتى وبنو حرب قد أسرت على الرقاب ظباهم، وعَقَدَتْ على الملك خباهم، فما أهمه زخرفهم، وما أعْظَمَهُ أن عرضوا مصرفهم، فكان عجبًا في أولئك، وعجلا الى الاتكاء على الأرائك، زهد فيما رَغَبَ فيه بنو أبيه، وغرب نجمه وما طَلَعَ على ما كانوا فيه، أَتَتْهُ الدنيا منقادة فردّها، وجاءته مواصلة فَصَدَّها، فما غَرَّهُ بُرْدُها القشيب، ولا سرّه وردها قبل المشيب، عصمةً من الله وَقَتْهُ سهام عوادتها، وكفته سمام اعادتها، وكان أجَلَه قصيرًا، وما أجَلَهُ إلا يسيرًا، أقام أربعين يومًا، ثم انتقل وما تزوّد شكرًا ولا لوما، ومات ولم يعهد، ومال

стр. 8364

سريره ولم يشهد، ولقد قالت له أُمُّهُ: يا بني اعهد، فبالغ في ردها، وقال ما كنت لأذهب بحرها ويذهب بنو حرب ببرْدِها، فأبى أن يتطوّق بها لا حيًا ولا ميتا، أو يتعلّق بها لا منجزًا ولا موقتًا، وبموته انقضت دولة بني حرب، ونقضت حبالها في كل شرق وغرب، ثم لم تَقُم لهم قائمة إلا مَنْ نَجَمَ وما طلع، وتحامل فأَعْجَزَهُ الظلع، إلا ما وضَعَه خالد بن يزيد (١) ان ستكون لهم دولة يقوم بها قائم يسمى السفياني، أراد بهم أن لا تنقطع منهم الأماني، ولقد خرج منهم بأطراف الشام من تسمى بهذا (٢)، ثم ما طار حتى وقع، ولا أسْفَرَ محياه حتى امْتَقَعْ، ولا أشرف رأسه حتى خضع، ولا أشرف حتى بطل ما خلّد خالد وما وضع. ذكر البلاذري (٣): إن أباه يزيد بن معاوية كان قد مرض بعد ولايته بسنتين من كبده، فلما برء واستقل، أتاه ابنُهُ معاوية وأُمُّهُ أم هاشم (٤) بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عنده، وكانت امرأةً بَرْزَةً عاقلةً، فقالت له: لو عهدت إلى معاوية، فقال: هكذا أفعل، ثم قال لحسان بن مالك بن بحدل (٥): إني أريد البيعة لمعاوية بن يزيد فقال: افعل، فدعاه يزيد فصافقه بولاية العهد، وبايع له حسان بن مالك والناس وهو كاره، وكان معاوية بن يزيد فتى صالحًا متألها، كثير الفكر في أمر معادِهِ، لا يكاد يلتفت الى أمر الدنيا، ولا يبالي كيف تقضت به، وإنما كنى أبا ليلى للينه وهي كنية كل ضعيف، ثم جدد يزيد له البيعة حين احتضر، فلما مات بايعه الناس، وأتَتْهُ بيعة الآفاق إلا ما كان (من) (٦) ابن الزبير، ولما أفضى الأمر إليه قام خطيبًا، فقال (٧): أيها الناس، إن يكن هذا الأمر خيرًا فقد استكثر منه آل أبي

стр. 8365

سفيان، وإن يكن شرًا فما أولاهم بتركه، والله ما أحب أن أذهب إلى الآخرة وأدع لهم الدنيا، ألا فليصل بكم حسان بن مالك، وتشاوروا في أمركم، عَزَمَ الله لكم الرشد والخيرة في قضائه، ثم نزل، فأغلق بابه وتمارض فلم ينظر في شيء، ولم يعزل معاوية أحدًا من عمال أبيه، ولا حرّك شيئًا ولا أمر ولا نهى، وكان حسان يصلي بالناس وهم منكرون لأمرهم حتى مات، ولما (١) مرض قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد، فإنّه أخوك لأبيك وأمك، فقال: يا سبحان الله كفيتها في حياتي، وأتقلّدها بعد موتي يا حسان بن مالك، اضبط ما قبلك، وصل بالناس الى أن يرضى المسلمون بامام يجتمعون عليه، وأخلعوني فأنتم في حلّ من بيعتي، فقالت له أُمُّهُ أم هاشم: لوددت يا بني إنك كنت نسيًا منسيا، قال: وددت والله إني كنت نسيًا منسيًا ولم أسمع بذكر جهنم، ثم دخل عليه مروان بن الحكم وكان قد قدم من دمشق، فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطي الذليل المهين، ثم رفع صوته، فقال: من أراد أن ينظر في خلافة آل حرب (٢) بن أمية فلينظر الى هذا، فقال له معاوية: يا ابن الزرقاء، أخرج عنّي لا قَبِل الله لك عذرًا يوم القيامة. ويقال: انه لما مات قام مروان على قبره وقال: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد قال: بل دفنتم أبا ليلى، فعرف فيما بعد بها. ثم كانت لبني أسد بن عبد العزى دولة قام بها: [٤] عبد الله بن الزبير ﵁ وكانت دولة صلاح، ومدّة فلاح، وزمان ملك شحاح غير كريم زنده شماح، وعهده ما فيه سوى صوب دَم سحاح، وهو أول مولود ولد في الاسلام بالمدينة للمهاجرة، وضجت بالتكبير لمولدِهِ أرجاء تلك الحاضرة، وقد كانت يهود زعَمَتْ أنه لا يولد لهم ولا ينتج طير طيبة نسْلُهُم (٣)، وكان زعيم يوم الجمل، وكان هو الذي يصلّي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في مدة تلك الوقيعة الدائرة بمحنها، والنوبة التي أَشابَتْ نواصي الليالي أيام، فتنها، ثم كانت مقدمة لبلية صفين، وشفاء صدور قوم وما شفين، ودامت مدّته، ثم لم تُزَل إلا على يد الحجاج زمان عبد

стр. 8366

الملك بن مروان، ستذكر عند انتهائها في ذلك الأوان، ثم لما انقضت دولة بني حرب وفرغت منها الأيام، ونزعت في صدور الزمان شياطين أنصارها اللثام، أعقبتها الدولة المروانية، تنزّوا قردتهم على المنابر، ويعلوا صغارهم مكان الأكابر، إلا فرد رجل واحد، غَلَبَتْ عليه شيمة خاله لا عمّه، وما مال الى جده لأبيه إلا لأمه (١). وأولها: [٥] دولة مروان بن الحكم ابن ابي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ابو عبد الملك، كان أبوه الحكم طريد رسول الله ﷺ ، الى أن تلقى عثمان الأمر وتسلّم، وهو أحد ما انتقد على عثمان وحقد على ابن أبي سفيان، كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص (٢)، ويراقب منه سطوة الأسد على القناص، خوفًا من توثيه، وخوضًا في حديث كان يخشى بسببه، فكان يُداريه ويَدْرًا حدّه بشبهة أنّه يوليه، ولم يزل مُذ كان، عيبه عناد، وغيبه ما توارى في زباد، ويقدح كل سرّ، ويجدح حماه كل ضر، ويقسو في موضع اللين، ويعتو في متبع الدين، إلا انه كان من رجال قريش حزمًا لا يغلط، وعزمًا لا يغمط، ملقح حرب حيال، وملحق ترح بحي حلال، يلف آخر الخيل بأولها، ويدير مدبرها على مقبلها، تعرّض للحرب حتى صلي بها، وبلى لما بلى عجم عيدانها بصليبها، أخرجه عمّال ابن الزبير على المدينة في بني أمية، وأحوجه الاستعجال على الخروج على عمية، فخرج أجرأ من ابن سمية (٣)، وأجرى من عمرو بن أمية (٤)، قال منتهكا، وآب ملكًا، ما برح يسول له القيام، ويناجي بها

стр. 8367

ضمائره، وينادي سرائره، حتى أخرج هذا المخرج، خرج لضائقة المخرج، فسار يريد الشام، وهو لا يعرف كيف يسير، ولا على رشد يمشي أم تغرير، فلما كان بالطريق، وَهَنَ لقلة ناصِرِهِ، وذلة أهل أواصِرِهِ، فهم أن يعطي بالمبايعة يَدَهُ، ويُعري من لبوس المقارعة جَسَدَهُ، فقال له رجال: أو مثلك وأنت شيخ بني عبد مناف ترضى أن تكون لفتى من بني أسد مربوبًا، ومعه هذه الرماح ما قصف من صلبها أنبوبا، وهذه الأسنة تتقد، ولا تدع جمر الحرب مشبوبا، فحينئذ ألوى بأنفه الشمم، وبعطفه التيه على منابت اللحم، ودعى الى نفسه وسعى كالأرقم بكسر أنيابه لنهشه، وكان الأمر قد كاد يتم لابن الزبير، ويدم (١) من أجمع على خير، ومما دان له دمشق وسائر الشام إلا حمص (٢)، ولم يكونوا على نزاعه أهل حرص، إلا أن عامل بني أمية كان بها متماسكًا، وبزمام حزبها ماسكًا، هذا مع ما كان قد اجتمع له من طاعة أهل الحجاز والعراق، وقلة طماعة من تظاهر له بالشقاق، وإنما مروان قام غير منتكل، بسير ولا ضَجِرٍ ولا وَكِل، وعضُدَهُ من ذوي قرابته رجال بل نصال لا مجال معها لانفصال، وقامت اليمانية معه على القيسية، وصوّب كل قبيل الى الآخر قسيه، وكانت اليمانية أموية والقيسية زهرية بلا مثنوية، ودخل مروان دمشق وأتى تل راهط (٣)، بجأش حلّ كل رابط، وهنالك كان موعد اللقاء ومورد عدم البقاء، وشبّت الحرب العوان، وشبّت بعد المشيب همة مروان، حتى أحرز من الملك ما ورثه بنوه بعده، ومات وأورثه ولده، وأمه آمنة بنت علقمة الكناني، وأمها الزرقاء التي يعيرون بها، وهي مارية بنت موهب الكندي، وكان موهب قينًا، وكان مروان يسمى خيط باطل، لطوله ودقته، شبّه بالخيط الأبيض الذي يرى في الشمس، وكان قارئًا للقرآن حازمًا، حزمًا. كان كما قلنا رأس كل هوى، وأنّ كلّ بلوى، ولما نَهَضَتْ سمعة ابن الزبير كتب الى عبد الله بن مطيع، وكان عامله على المدينة في نفي (٤) بني أمية ومروان يومئذ شيخهم، وابنه عبد الملك ناسكهم وموضع رأيهم، وكان بعبد الملك جدري قد ظهر به، فَوَجَدُوا مشقة عظيمة لمخرجهم، فحمل عبد الملك على جمل شُدَّ عليه

стр. 8368

شدًا، وأكبر قريش هذا على ابن الزبير، وقالوا له: إنما بعثت عليك أراقم لا يَرقى سليمها، فكتب الى ابن مطيع بإقرارهم بالمدينة، فبعث بِرَدهم، فأبوا أن يردّوا، وقد سوّل لمروان الأمر، فأتوا الشام وقد بايع الناس لمعاوية وهو كاره لذلك، ثم لم يلبثوا أن مات معاوية وظنّ ابن الزبير ان قد صفا له الأمر، وبث ولاته، وأطاعه أكثر أهل الشام إلا حسان بن بحدل (١) وقوم معه (٢)، فإنهم دعوا لخالد بن يزيد، فقال له ابن عضاه الأشعري: أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد، وهو حديث السن، فقال: إنه معدن الملك، ومقرّ السياسة والرئاسة، فأتى ابن عضاه خالدًا فوجده نائمًا ضحى نهار، فقال: يا قوم، أنجعل نحورنا غرضًا للأسنة والسهام لهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة، وإنما صاحب هذا الأمر المجد المشمر الحازم المتيقظ، فأتى مروان بن الحكم فألفاه في فسطاطه، وإذا دِرعه الى جنبه، وعليه سيفه والرمح مركوز بفنائه، وفرسه مربوط اليجانب الفسطاط، والمصحف بين يديه، وهو يقرأ القرآن فقال ابن عضاه: يا قوم هذا صاحبنا الذي يصلح له الأمر، فرجعوا الى حسان بن مالك فأخبروه بخبر خالد ومروان، وأعلموه أنهم مجمعون على مروان، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنما كرهت أن تخرج الخلافة من أهل هذا البيت، ثم قام حسان خطيبًا، فحمد الله ثم ذكر مروان وأثنى عليه، وقال: قوموا فبايعوه، فقاموا فبايعوه، وأقبل الضحاك حتى نزل مرج راهط داعيًا الى ابن الزبير وقد اجتمعت بنو أُميّة بالجابية، فقال مالك بن هُبيرة (٣) للحصين: هَلُمَّ نبايع لخالد بن يزيد فقد عرفت مرتبتنا كانت من أبيه، فقال الحصين: لا والله لا يأتينا الناس بشيخ، ونأتيهم بصبي، فقال مالك: ويحك إنَّ مروان وآل مروان يحسدوك على سوطك وشراك نعلك، وظل شجرة تُظلّ بها، وهو أبو عشرة وأخو عشرة، وعم عشرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدًا لهم، فقال: مروان شيخ قريش، ومَنْ يدبرنا ويسوسنا خير من نُدبّره ونسوسُهُ، فأجمعوا على مروان على أن يكون بعده خالد بن يزيد ثم عمرو بن سعيد، فبويع مروان، ولم يقع لهما اسم معه، فلما دان لمروان أصحابه سار بهم يريد

стр. 8369

تل راهط وعلى ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وجعل الضحاك على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي وعلى ميسرته زحر بن أبي شمر الهلالي وثار يزيد بن أبي النمس (١) على دمشق فَغَلَبَ عليها. ودام القتال بين مروان والضحاك عشرين ليلة وكان مروان يرتجز فيها ويقول (٢): [من الرجز] لما رأيتُ الأمر أمرًا صعبا سيرتُ للقوم سراةً غلبا (٣) لا يأخذون الملك إلا غَصْبا فإن دنت قيس فقل لا قربا ثم كانت آخر تلك الايام ونهاية ذلك القتال اللزام ان انجلت سحابة الحرب العوان عن تبلج النصر على قسمات مروان، ودخل دمشق فبايع له أهلها واستوسق له الشام والجزيرة، وأنشده بعض الانصار (٤): [من الرجز] الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عَوْقها عنك ويأبى الله إلا سوقها إليك حتى قلّدوك طوقها وأنشده زياد الاعجم (٥): [من الوافر] رأيتك أمس خير بني لؤي … وأنت اليوم خير منك أمس (٦)

стр. 8370

وأنت غدًا تزيد الضعف خيرًا … كذاك تكون سادة عبد شمس فأجازه ألف دينار، وقيل بَلْ كان إنشاده إياها وهو بالمدينة، ولما انجلت نوبة تل راهط عن نصرة مروان فر زفر بن الحارث الكلابي (١) الى قرقيسياء (٢) فدخلها وجعل يرثي قتلى راهط، فمن ذلك قوله (٣): [من الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … لمروان صَدْعًا بينًا متساويا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا … وتترك قتلى راهط وهي ماهيا وقد ينبت المرعى على دمن الثرى … وتبقى حزازات النفوس كما هيا أبَعْدَ ابن صقر وابن عمرو تتابعا … ومصرع همام أمنا الأمانيا فأجابه ابن مخلاة الكلبي (٤): [من الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … على زُفْرِ داء من الداء باقيا يُبكي على قتلى سليم وعامر … وذبيان معروفًا (٥) ويُبكي البواكيا ومما قال زفر أيضًا: [من الطويل] ويوم ترى الرايات بيضًا كأنها … حوائم طير مستدير وواقع مضى أربع بعد اللقاء وأربع … وبالمرج باق من دم القوم ناقع طعنا زيادًا في استه وهو مدبر … وثور أصابته السيوف القواطع ونجى حبيبًا ملهب ذو غلالة … وقد جُدِّ من يمني يديه الأصابع وقد شهد الصفين عمرو بن محرز … فضاق عليه المرج والمرج واسع ثم استخلف مروان ابنه عبد الملك بدمشق فسار الى مصر، وكان عليها عامل ابن الزبير فافتتحها (٦)، ثم تزوج أم خالد ليغض من ابنها خالد بن يزيد، وكان هو
следующие страницы →