← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

الملك بن مروان، ستذكر عند انتهائها في ذلك الأوان، ثم لما انقضت دولة بني حرب وفرغت منها الأيام، ونزعت في صدور الزمان شياطين أنصارها اللثام، أعقبتها الدولة المروانية، تنزّوا قردتهم على المنابر، ويعلوا صغارهم مكان الأكابر، إلا فرد رجل واحد، غَلَبَتْ عليه شيمة خاله لا عمّه، وما مال الى جده لأبيه إلا لأمه (١). وأولها: [٥] دولة مروان بن الحكم ابن ابي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ابو عبد الملك، كان أبوه الحكم طريد رسول الله ﷺ ، الى أن تلقى عثمان الأمر وتسلّم، وهو أحد ما انتقد على عثمان وحقد على ابن أبي سفيان، كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص (٢)، ويراقب منه سطوة الأسد على القناص، خوفًا من توثيه، وخوضًا في حديث كان يخشى بسببه، فكان يُداريه ويَدْرًا حدّه بشبهة أنّه يوليه، ولم يزل مُذ كان، عيبه عناد، وغيبه ما توارى في زباد، ويقدح كل سرّ، ويجدح حماه كل ضر، ويقسو في موضع اللين، ويعتو في متبع الدين، إلا انه كان من رجال قريش حزمًا لا يغلط، وعزمًا لا يغمط، ملقح حرب حيال، وملحق ترح بحي حلال، يلف آخر الخيل بأولها، ويدير مدبرها على مقبلها، تعرّض للحرب حتى صلي بها، وبلى لما بلى عجم عيدانها بصليبها، أخرجه عمّال ابن الزبير على المدينة في بني أمية، وأحوجه الاستعجال على الخروج على عمية، فخرج أجرأ من ابن سمية (٣)، وأجرى من عمرو بن أمية (٤)، قال منتهكا، وآب ملكًا، ما برح يسول له القيام، ويناجي بها

стр. 8367

ضمائره، وينادي سرائره، حتى أخرج هذا المخرج، خرج لضائقة المخرج، فسار يريد الشام، وهو لا يعرف كيف يسير، ولا على رشد يمشي أم تغرير، فلما كان بالطريق، وَهَنَ لقلة ناصِرِهِ، وذلة أهل أواصِرِهِ، فهم أن يعطي بالمبايعة يَدَهُ، ويُعري من لبوس المقارعة جَسَدَهُ، فقال له رجال: أو مثلك وأنت شيخ بني عبد مناف ترضى أن تكون لفتى من بني أسد مربوبًا، ومعه هذه الرماح ما قصف من صلبها أنبوبا، وهذه الأسنة تتقد، ولا تدع جمر الحرب مشبوبا، فحينئذ ألوى بأنفه الشمم، وبعطفه التيه على منابت اللحم، ودعى الى نفسه وسعى كالأرقم بكسر أنيابه لنهشه، وكان الأمر قد كاد يتم لابن الزبير، ويدم (١) من أجمع على خير، ومما دان له دمشق وسائر الشام إلا حمص (٢)، ولم يكونوا على نزاعه أهل حرص، إلا أن عامل بني أمية كان بها متماسكًا، وبزمام حزبها ماسكًا، هذا مع ما كان قد اجتمع له من طاعة أهل الحجاز والعراق، وقلة طماعة من تظاهر له بالشقاق، وإنما مروان قام غير منتكل، بسير ولا ضَجِرٍ ولا وَكِل، وعضُدَهُ من ذوي قرابته رجال بل نصال لا مجال معها لانفصال، وقامت اليمانية معه على القيسية، وصوّب كل قبيل الى الآخر قسيه، وكانت اليمانية أموية والقيسية زهرية بلا مثنوية، ودخل مروان دمشق وأتى تل راهط (٣)، بجأش حلّ كل رابط، وهنالك كان موعد اللقاء ومورد عدم البقاء، وشبّت الحرب العوان، وشبّت بعد المشيب همة مروان، حتى أحرز من الملك ما ورثه بنوه بعده، ومات وأورثه ولده، وأمه آمنة بنت علقمة الكناني، وأمها الزرقاء التي يعيرون بها، وهي مارية بنت موهب الكندي، وكان موهب قينًا، وكان مروان يسمى خيط باطل، لطوله ودقته، شبّه بالخيط الأبيض الذي يرى في الشمس، وكان قارئًا للقرآن حازمًا، حزمًا. كان كما قلنا رأس كل هوى، وأنّ كلّ بلوى، ولما نَهَضَتْ سمعة ابن الزبير كتب الى عبد الله بن مطيع، وكان عامله على المدينة في نفي (٤) بني أمية ومروان يومئذ شيخهم، وابنه عبد الملك ناسكهم وموضع رأيهم، وكان بعبد الملك جدري قد ظهر به، فَوَجَدُوا مشقة عظيمة لمخرجهم، فحمل عبد الملك على جمل شُدَّ عليه

стр. 8368

شدًا، وأكبر قريش هذا على ابن الزبير، وقالوا له: إنما بعثت عليك أراقم لا يَرقى سليمها، فكتب الى ابن مطيع بإقرارهم بالمدينة، فبعث بِرَدهم، فأبوا أن يردّوا، وقد سوّل لمروان الأمر، فأتوا الشام وقد بايع الناس لمعاوية وهو كاره لذلك، ثم لم يلبثوا أن مات معاوية وظنّ ابن الزبير ان قد صفا له الأمر، وبث ولاته، وأطاعه أكثر أهل الشام إلا حسان بن بحدل (١) وقوم معه (٢)، فإنهم دعوا لخالد بن يزيد، فقال له ابن عضاه الأشعري: أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد، وهو حديث السن، فقال: إنه معدن الملك، ومقرّ السياسة والرئاسة، فأتى ابن عضاه خالدًا فوجده نائمًا ضحى نهار، فقال: يا قوم، أنجعل نحورنا غرضًا للأسنة والسهام لهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة، وإنما صاحب هذا الأمر المجد المشمر الحازم المتيقظ، فأتى مروان بن الحكم فألفاه في فسطاطه، وإذا دِرعه الى جنبه، وعليه سيفه والرمح مركوز بفنائه، وفرسه مربوط اليجانب الفسطاط، والمصحف بين يديه، وهو يقرأ القرآن فقال ابن عضاه: يا قوم هذا صاحبنا الذي يصلح له الأمر، فرجعوا الى حسان بن مالك فأخبروه بخبر خالد ومروان، وأعلموه أنهم مجمعون على مروان، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنما كرهت أن تخرج الخلافة من أهل هذا البيت، ثم قام حسان خطيبًا، فحمد الله ثم ذكر مروان وأثنى عليه، وقال: قوموا فبايعوه، فقاموا فبايعوه، وأقبل الضحاك حتى نزل مرج راهط داعيًا الى ابن الزبير وقد اجتمعت بنو أُميّة بالجابية، فقال مالك بن هُبيرة (٣) للحصين: هَلُمَّ نبايع لخالد بن يزيد فقد عرفت مرتبتنا كانت من أبيه، فقال الحصين: لا والله لا يأتينا الناس بشيخ، ونأتيهم بصبي، فقال مالك: ويحك إنَّ مروان وآل مروان يحسدوك على سوطك وشراك نعلك، وظل شجرة تُظلّ بها، وهو أبو عشرة وأخو عشرة، وعم عشرة، فإن بايعتموه كنتم عبيدًا لهم، فقال: مروان شيخ قريش، ومَنْ يدبرنا ويسوسنا خير من نُدبّره ونسوسُهُ، فأجمعوا على مروان على أن يكون بعده خالد بن يزيد ثم عمرو بن سعيد، فبويع مروان، ولم يقع لهما اسم معه، فلما دان لمروان أصحابه سار بهم يريد

стр. 8369

تل راهط وعلى ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وجعل الضحاك على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي وعلى ميسرته زحر بن أبي شمر الهلالي وثار يزيد بن أبي النمس (١) على دمشق فَغَلَبَ عليها. ودام القتال بين مروان والضحاك عشرين ليلة وكان مروان يرتجز فيها ويقول (٢): [من الرجز] لما رأيتُ الأمر أمرًا صعبا سيرتُ للقوم سراةً غلبا (٣) لا يأخذون الملك إلا غَصْبا فإن دنت قيس فقل لا قربا ثم كانت آخر تلك الايام ونهاية ذلك القتال اللزام ان انجلت سحابة الحرب العوان عن تبلج النصر على قسمات مروان، ودخل دمشق فبايع له أهلها واستوسق له الشام والجزيرة، وأنشده بعض الانصار (٤): [من الرجز] الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عَوْقها عنك ويأبى الله إلا سوقها إليك حتى قلّدوك طوقها وأنشده زياد الاعجم (٥): [من الوافر] رأيتك أمس خير بني لؤي … وأنت اليوم خير منك أمس (٦)

стр. 8370

وأنت غدًا تزيد الضعف خيرًا … كذاك تكون سادة عبد شمس فأجازه ألف دينار، وقيل بَلْ كان إنشاده إياها وهو بالمدينة، ولما انجلت نوبة تل راهط عن نصرة مروان فر زفر بن الحارث الكلابي (١) الى قرقيسياء (٢) فدخلها وجعل يرثي قتلى راهط، فمن ذلك قوله (٣): [من الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … لمروان صَدْعًا بينًا متساويا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا … وتترك قتلى راهط وهي ماهيا وقد ينبت المرعى على دمن الثرى … وتبقى حزازات النفوس كما هيا أبَعْدَ ابن صقر وابن عمرو تتابعا … ومصرع همام أمنا الأمانيا فأجابه ابن مخلاة الكلبي (٤): [من الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … على زُفْرِ داء من الداء باقيا يُبكي على قتلى سليم وعامر … وذبيان معروفًا (٥) ويُبكي البواكيا ومما قال زفر أيضًا: [من الطويل] ويوم ترى الرايات بيضًا كأنها … حوائم طير مستدير وواقع مضى أربع بعد اللقاء وأربع … وبالمرج باق من دم القوم ناقع طعنا زيادًا في استه وهو مدبر … وثور أصابته السيوف القواطع ونجى حبيبًا ملهب ذو غلالة … وقد جُدِّ من يمني يديه الأصابع وقد شهد الصفين عمرو بن محرز … فضاق عليه المرج والمرج واسع ثم استخلف مروان ابنه عبد الملك بدمشق فسار الى مصر، وكان عليها عامل ابن الزبير فافتتحها (٦)، ثم تزوج أم خالد ليغض من ابنها خالد بن يزيد، وكان هو

стр. 8371

وعمرو بن سعيد يدعيان إن الأمر لهما بعد مروان، فكلم حسان بن مالك في ذلك وقال: إني أريد أن أعهد الى ابني عبد الملك ثم عبد العزيز، فقال: أنا أكفيك هذا الأمر، فلما اجتمع الناس عند مروان قام ابن بحدل فقال: انه يبلغنا ان رجالًا يتمنون أماني ويدعون أباطيل، فقوموا فبايعوا لعبد الملك ابن أمير المؤمنين بالعهد ولعبد العزيز من بعده، فقام الناس مسارعين من عند آخرهم، وكان مروان قال لحسان: بلغني انك تقول اني اشترطت على مروان ان يولي خالد بن يزيد الخلافة من بعده، فحداه ذلك على الجد وبيعة عبد الملك ليكذب ما أبلغ مروان عنه، ثم عقد مروان لعبيد الله بن زياد على العراق والجزيرة، ووجهه فقتل بالموصل قتله ابراهيم بن الاشتر (١)، وبعث الى ابن الزبير جيشًا عليه يوسف بن الحكم الثقفي ومعه يومئذ ابنه الحجاج (٢)، فأتوا وادي القرى، فهرب عامل ابن الزبير عليها، ووضعوا عليها ضريبةً ادوها إليهم، ثم نزلوا بذي المروة فلقى أهلها منهم عنتًا، وبلغ أهل المدينة ما نابهم، فتغيب بشر من الصالحين وقيل لسعيد بن المسيب لو تغيّبت أو أتيت البادية، فقال: فأين فضل الجماعة، والله لا رآني الله والناس أخوف عندي منه، ثم ساروا حتى أتوا المدينة، ثم صعد يوسف بن الحكم الثقفي المنبر فقال (٣): يا أهل المدينة يقول الله تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنُغرينّك بهم ثم لا يُجاورونك فيها إلا قليلا، فكيف رأيتم ما صنع الله بكم، والله لا يتكلم أحد منكم بكلمة إلا ضربته بسيفي هذا، ثم لاقوا بالربذة جيشًا كان قد أقدمه ابن الزبير من البصرة (٤)، وكانت الدائرة على جيش مروان، وفرّ يوسف الثقفي ورديفه ابنه الحجاج على فرس، وكان الحجاج يقول: ما أقبح الهزيمة، لقد كنتُ ورجل آخر يعني أباه، فانهزمنا على فرس فركضنا ثلاثين ميلًا حتى قام بنا الفرس وأنه

стр. 8372

ليخيل إلينا ان رماح القوم في اكتافنا، وجعل ابن الزبير (١) لمن يأتيه بيوسف الثقفي وابنه جُعَلًا، فلم يقدر عليهما. ثم كان بين مروان وبين خالد بن يزيد كلام فقال له: يا ابن الرطبة، فقال خالد: والله لقد أضيعت الأمانة وفَضَحْتَ الستر، ثم دخل عليها فقال: يا أماه ماذا ألحقت بي من العار؟ قالت: وما ذاك يا بني؟ فقال لها ما كان من قول مروان، فقالت: أما والله لا تسمع منه شيئًا تكرهه بعدها أبدًا، فلما دَخَلَ عليها مروان قال لها: قد كان مني الى خالد كلام فهل قاله لك؟ فقالت: أنْتَ يا أمير المؤمنين أجل في صدر خالد وأكبر في عينه من ذلك، ثم تركته حتى نام وعمدت الى مرفقة محشوة ريشًا فجعلتها على وجهه وجلست عليها حتى مات غمًا، ثم صرخت وجواريها وقلن: مات أمير المؤمنين فجأة، وقيل بل كان يعجبه اللبن فجاءته بلبن مسموم، فقال: ائتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه فشربه، فاعتقل لسانه، وصرخ جواريها، وأقبل يشير الى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم أنها قتلتني، وجَعَلَتْ هي تقول: أما ترونه يوصيكم بي، ويشير إليكم بحفظي (٢). وولد مروان لثلاث من الهجرة، وتوفي في رمضان سنة خمس وستين وهو في ثلاث وستين سنة، ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام وقبره بدمشق. ثم دولة ابنه [٦] عبد الملك (٣) بن مروان، ابن الحكم، أبو الوليد الفحل الذي لم يُحْطم، والرمح الذي لم يُحَطّم، سهم لا تعد له خطا، وسيف لا يحدث لنبوته نبا ثارت عليه ثوار فوطئهم بمنسمِهِ، وأبكاهم دمًا بدوام تبسمه، كان ابن الزبير بمكة، وأخوه مصعب بالعراق، وخرج عليه عمرو بن سعيد بدمشق، وكاد يصيبه الرشق، ويصل إليه من تفريق الخطبة المشق، وأحاط به البلاء واداركَتْ عليه النوب الولاء، وظن انه قد أُخِذ، وان ملكه قد تمزق مما جيذ، وهو مع هذا

стр. 8373

جمل يحمل ما حُمِّل، وجَبَلٌ لو تقسَّمَهُ أهل الارض ما حوّل، فجثا على ركبتيه، وجفا المنام مقلتيه، وادّكر تحيف القوم لممالكه، وتحيّن الأوقات لمهالكه، فشمر لطلابها، وضمر خيله لغلابها، وبدأ بالعود الى دمشق، وخادع عمرو بن سعيد (١) حتى استنزله عن سريرها، واستقله ان يبيت ضجيع سرورها، وما زال به حتى استدعاه خاليًا، واستدناه مماليا، حتى إذا كان قريبًا منه وثَبَ عليه، وبثَّ سرّ حتفه إليه، ثم أشرف فهاله تجمّع أصحابه بداره ليوقع ما به وبداره، وكان لا طاعة له على جمعهم، ولا طاقة له بدفعهم، فَوَجَدَ الحيلة أنصر له وأقدر على هدر دم من قتله، فكأنما كان سكرًا أصحابه، فألقى رأسه الى أصابه مقرونًا بنثار من الذهب شغلهم لَقْطُهُ عن أخذ ثار من ذهب، فراح دَمُهُ مطلولًا، وطاح لا يجد عنه سائلًا ولا مسؤولًا، ثم يطلب الاثنين ولم يُبْدِ اكتراثه، ولا قال وما شرّ الثلاثة (٢)، فوجه الحجاج نحو ابن الزبير يمحو بقية ذلك الخير، ففعل تلك القبائح وأكثر بمكة لا بمنى الذبائح، من دماء محرّمات سفكها وحرمات انتهكها، ورمى بخطارة المنجنيق حجارة البيت العتيق، نَصَبها على أبي قبيس وقيقعان (٣)، ورمى الكعبة، فتجافتها الحجارة، ورامتها فما أوْمى لها بنانها بإشارة، وحَمَتْ الملائكة حماها، وصانت عن تقبيل ثغور تلك الحجارة لماها، ففطن ان الملائكة تدفع عن أركانها، وتمنع من مكانها، فلطخ الحجارة بالعذرة وألقاها، إذ كانت الملائكة تَتَوَقاها، فأصاب جدارها، وأصار الى الأرض أحجارها، فأحلّ من الحرم ما لم يحلّ، واستحل ما لا يجوز لمستحل، وبث الأضاليل، ونصب حبائل الأباطيل، وقصد بيت الله بأشدّ مما قصده أبرهة عام الفيل، إلا أن حرمة تسميته بالإسلام دَفَعَت عنه عاجل البلاء وأخرته، وما نقول انها سامحته، ولكنّها أنظرته، ثم لما قتل ابن الزبير أمر له بجذع فَنُصب، ومن به إليه فَصْلِب، وكانت أُمّه قد قالت له: يا بني لأن تقتل خير من أن تُخْتَلْ (٤)، فقال: أخشى أن يمثلوا بي فقد نمى إلي أنهم تقبلوا له بصلبي، يا بني لا يضرك هرير النبح فالشاة لا يؤلمها السلخ بعد الذبح، وكان ابن عمر رضي الله

стр. 8374

عنهما يقول: جنبوني خشبة ابن الزبير، ويتجنبها، ويمشي بها ولا يقربها، فعبر ليلةً عليها، فوقف عليه مترحمًا وقال: والله لقد عهدتك صوّاما قوامًا، وإنما أعجبتك بغلات معاوية، وولى ودموعه هاوية. وذلك بعد أن نَهَدَ عبد الملك الى مصعب ونهض، كأنه جَمَلٌ مصعب، فسار يتقدم في فرسانه ويتحطّم في أرسانه، ولم يكن همته فيما يصان به عرينها، حصان عليها عقد درّ يزينها (١)، إذ كان من قوم من عهد لؤي ابن غالب، ما لوى به غالب، إذا حاربوا شدّوا دون النساء مآزرهم، وشدّ بصدق الحفيظة موازرهم، وأعمل الحيلة على مصعب بكتب الى أصحابه كتبها، وأعاجيب كذب كذبها، ثم كان الملتقى فَخَذَلَ مصعبًا أصحابُهُ وخَزَل جمعه حتى خَلَتْ منهم رحابه، فتركوه وأسلموه، وخلوه لمضارب السيوف، وسلّموه. وكان عبد الملك يكنى بأبي الذباب لبَخَرِهِ، كانت لثته تدمى دائمًا فتتغير ريحها، وكان مظفرًا على أعدائه، فإنه غَلَبَ في أيامه على عدة رجال أكابر، كلهم كانوا في زمانه يبارزونه في السلطان مثل عبد الله بن الزبير والمصعب أخوه وعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الرحمن بن الأشعث (٢)، فكل واحد منهم ما قام له معه قائمة، وكلهم قتل، وحكم قاضيه ومع هذا فلم ينفعه ولا أغنى عنه شيئًا حتى تمت أيامه، وأتاه حمامه، ويؤيد هذا خبر الرجل الذي وَرَدَ على معاوية وكان من أهل الكتاب والعلم بالحدثان، فقال له معاوية: أتجدني في شيء من كتاب الله؟ قال: أي والله حتى لو كنت في أمة من الأمم لوضعتُ يدي عليك من بينهم، قال: فكيف تجدني؟ قال: أول من يحوّل الخلافة ملكًا، والخشونة لينًا، ثم ان ربك من بعدها لغفور رحيم، قال له معاوية: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون منك رجلٌ شرّابٌ للخمر، سفاك للدماء، يصطنع الرجال، ويحتجز الأموال، ويجنب الخيول، ويبيح حرمة الرسول، قال: ثم

стр. 8375

ماذا؟ قال: ثم تكون فتنة تتشعب بقوم حتى يفضي الأمر الى رجل أعرفه بعينه، يبيع الدار الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس، فيجتمع عليه من آلك وليس منك، لا يزال لعدوّه قاهرًا، وعلى مَنْ ناوأه ظاهرًا، ويكون له قرين أمين مبين، قال: أفتعرفه إن رأيته؟ قال: أشدّ ما، فأراه من بني أمية بالشام، قال: ما أراه ها هنا، فوجهه الى المدينة مع ثقاة من قومه، فبينما هو يمشي في أزقة المدينة إذ رأى عبد الملك يلعب بطائر على يده، فقال: ها هو ذا، ثم صاح به: أبو مَنْ؟ فقال: أبو الوليد، فقال: يا أبا الوليد بشرتك ببشارة تسرّك، ما/ يكون لي عندك؟ فقال: وما مقدارها حتى أرى مقدارها من الجعل، قال: أن تملك الأرض، قال: ما لي من مال، ولكن أرأيت ان تكلفتُ لك جعلًا أتاني ذلك قبل وقته؟ قال: لا، قال: إن حرمتك أيؤخر ذلك عن وقته؟ قال: لا، قال: فحسبك، وكان عبد الملك من أكثر الناس علمًا وأبرعهم أدبًا وأحسنهم ديانةً في شبيبته، وكان يواظب المساجد حتى سمى حمامة المساجد، وكان لا يعيا بجواب إلا إن كلّم أخاه عبد العزيز (١). حكي ان عبد الملك استقبل أخاه عبد العزيز حين رجع من مصر على ألف جمل، فقال له: على كم كانت البدأة؟ فقال: على مائة، فقال عبد الملك: ما عير أحق بأن يقال لها: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٢) من عيركم هذه، فقال له عبد العزيز: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). ويحكى عن عبد الملك انه لما أراد الخروج الى مصعب تعلّقت به عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وجعلت تبكي حتى بكى لبكائها حَشَمُها، فقال: قاتل الله كثيرًا، كان يرى موقفنا هذا حيث يقول (٤): [من الطويل] إِذَا هَمَّ بالأَعدَاءِ لَمْ تَثْنِ هِمَّهُ … حِصَانٌ عَلَيْهَا عِقْدُ دُرٍّ يُزَيِّنُهَا نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ … بَكَتْ فَبَكَى مِمَّا شَجاهَا قَطِينُهَا ثم خرج يريد مصعبًا وكثير في موكبه، فقال: يا أبا جمعة، ذكرتك الساعة ببيتين من شعرك، فإن أصبتهما فلك حكمك، قال: نعم أردت الخروج فبكت عاتكة بنت يزيد وبكى حَشَمُها فذكرت قولي وأنشده البيتين، قال: نعم، وأعطاه ما طلب، ثم نظر إليه في عرض الناس مفكرًا، فقال: عليَّ بأبي جمعة، فجيء به، فقال: إن

стр. 8376

عرفتك بفكرتك فيما هي فلي حكمي، قال: نعم، قال: قلت في نفسك أنا في شرّ حال خرجتُ مع رجل من أهل النار، وليس على نحلتي، وربما أصابني سهم غرب فأتلفني لغير معنى، قال: والله يا أمير المؤمنين ما أخطأت ما في نفسي، قال: فاحتكم، قال: حكمي ان آمر لك بعشرة آلاف درهم،// واردك الى منزلك، ففعل به ذلك، فمدح كثير عبد الملك، فمما قال فيه (١): [من الطويل] يجيئون بسّامين طورًا وتارةً … يجيئون عبّاسون شوس الحواجب من النفر البيض الذين إذا انتخوا … أقرّت لنجواهم لؤي بن غالب كريم يؤل الراغبون ببابِهِ … الى واسع المعروف جزل المواهب إمام هدى قد سدَّدَ الله رأيه … وقد أحْكَمَتْهُ ماضيات التجارب والتقى عبد الملك ومصعب بالجاثليق (٢)، فبقى مصعب كلما قال لرجل احمل في خيلك اعتل عليه، ولحق غالبهم بعبد الملك، وبقي مصعب في شرذمة قليلة وحمل عليه عبد الله بن زياد بن ظبيان فرفع يده ليضربه فَبَدَره مصعب فضربه على البيضة فنشب السيف في البيضة، فجاء غلام لعبيد الله فضرب مصعبًا فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه الى عبد الملك، فخر ساجدًا، فقال عبيد الله: ما ندمت على شيء ندمي على عبد الملك حين سَجَدَ إِذْ لم أضرب عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد، وفي ذلك يقول: [من الطويل] هَمَمْتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني … فَعَلْتُ فأدمنت البكا لأقاربه فاوردتها في النار بكر بن وائل … وألحقتُ من قد خرَّ شكرًا بصاحِبِهِ وأما حديث (٣) قتل عمرو بن سعيد الأشدق، وأبوه سعيد بن العاصي، وكان يقال لعمرو لطيم الشيطان، فهو أن مروان لما قام يطلب الأمر عضده عمرو بن سعيد واتفق معه على أن يكون له الأمر بعده، فلما كبر أمر مروان صير الأمر لابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز على أن يصير الأمر لعمرو بعدهما، فلما كاتب أهل العراق عبد الملك خرج نحوهم، وكان في العراق مصعب فقال له عمرو: إن الأمر كان لي بعد

стр. 8377

مروان، ثم صيّره لك، لكن اكتب لي أنت به بعدك، فسكت عبد الملك، وخرج لوجهه نحو مصعب، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل كر عمرو راجعًا في الليل الى دمشق، وغلق أبوابها في وجه عبد الملك، وتسمى بالخلافة، فرجع عبد الملك حتى نزل على دمشق وحاصرها، فصالحه عمرو على أن يكون له الأمر من بعده، وأن له مع كل عامل عاملًا، ففتح دمشق، وكان بيت المال بيد عمرو، فأرسل إليه عبد الملك أن أخرج أرزاق الحرس، فقال عمرو: إن كان له حرس، فإن لنا حرسًا، قال: وأخرج لحرسك أيضًا، فلما كان ذات يوم أرسل عبد الملك الى عمرو أن آتني يا أبا أمية حتى أدبر معك أمرًا، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه، فإني أخافه عليك، فقال: أبو ذبان والله لو كنت نائمًا ما أيقضاني، فقالت: والله ما آمنة عليك، وإني لأجد ريح دم، فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها، وقام فلبس درعه تحت ثيابه، فلما أراد الخروج عثر بالبساط، ثم مضى، وكان معه أربعة آلاف في السلاح، وكان عمرو عظيم الكبر، لا يلتفت وراءه ولو انطبقت الأرض إعجابًا وزهوًا، فلما وصل القصر الذي فيه عبد الملك غلقت الأبواب، فلم يدخل معه إلا غلام وهو لا يدري، فلما حصل لعبد الملك قال لغلامه: اذهب للناس (وقل) (١) ما به بأس فقال عبد الملك: تريد أن تخدعني خذوه، فلما أخذوه قال له عبد الملك: إني أقسمت أن أعمل في عنقك جامعة، وهذه جامعة من فضة أريد أن أبرّ بها قسمي، فطرحها في عُنُقِهِ ثم جذبه إلى الأرض بيده، فضرب فمه في جانب السرير، فانكسرت ثنيته، فجعل عبد الملك يتأملها، فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين عظم انكسر، ثم قال: سألتك بالله يا أمير المؤمنين لا تخرجني (٢) إلى الناس على هذه الحالة، فقال له: مكرًا يا أبا أمية وأنت في الحديد، فبينما هو في ذلك إذ جاءه المؤذن يؤذنه بالصلاة، فقام إليها وقال لأخيه عبد العزيز: اقْتُله، فقال عمرو: يا عبد العزيز لا تكن أنت من بينهم قاتلي، فتركه، فلما رآه عبد الملك رآه جالسًا فلام عبد العزيز، ثم أخذ الحربة بيده وقال: قرّبوه إلي، فقال عمرو: فعلتها يابن الزرقاء فقال له عبد الملك: لو علمت أنك تبقى ويسلم لي ملكي لفديتك بدم النواظر، ولكن قل ما اجتمع فحلان على مذود (٣) إلا بغى أحدهما على صاحبه، ثم ضَرَبَ بالحربة في صدره فلم تُغْنِ شيئًا، فضرب بيده على عاتقه فأصاب الدرع تحت ثيابه، فقال: لقد

стр. 8378

كنت معتدًا يا أبا أمية، اضربوا به الأرض، فَصُرع له، ووقف على صدره فذبحه، ولما لم يخرج عمرو الى الصلاة قاتل أصحابه البوابين، وشُجَّ الوليد بن عبد الملك، فلما رأى ذلك قبيصة ابن أبي ذؤيب (١)، قال لعبد الملك، إرم إليهم بالرأس وأنثر الدنانير عليهم ليشتغلوا ويتفرقوا، فَفَعَل، وكان الأمر على ما قال ابن أبي ذؤيب، وذهب دم عمرو هدرًا. ويحكى أنه لما قَتَلَ عمرو بن سعيد وتسمى بالخلافة سُلّم عليه، سلم عليه أول تسليمة والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك، وكان في عنفوان نسكه صدق من أهل الكتاب يقال له يوسف (٢)، وكان قد أسلم، فقال له عبد الملك يومًا وقد مضت جيوش يزيد بن معاوية مع مسلم بن عقبة المري يريد المدينة ألا (تر) (٣) خيل عدو الله كيف تقصد حرم رسول الله، فقال له يوسف: جيشك والله الى حرم الله أكبر من جيشه الى حرم رسول الله، فقال عبد الملك: عياذًا بالله، فقال له يوسف: والله ما قلتُ شاكًا ولا مرتابًا وأني لأجدك بجميع أوصافك، قال عبد الملك: فيكون ماذا؟ قال: يتداولها رهطك الى أن تخرج الرايات السود من خراسان. [٧] عبد الله (٤) بن الزبير ﵁ وكان يكنى أبا بكر، ويكنيه مَنْ ذمَّهُ أبا خبيب، فإنه لما قتل أخوه مصعب، وبايع الناس عبد الملك ودخل الكوفة قال له الحجاج: يا أمير المؤمنين، إني رأيتُ في المنام كأني أسلخ ابن الزبير من رأسه الى قدمه فقال له عبد الملك: أنت/ ٢٥٩/ صاحبه، فأخْرَجَ معه الجيوش، فسار بها حتى نزل على مكة، ونصب المجانيق على أبي قبيس وعلى قعيقعان، وما زال يحاصره ويضيّق عليه، فلما كان في الليلة التي قتل صبيحتها جمع القرشيين فقال لهم: ما ترون؟ فقال رجل من بني مخزوم: والله لقد

стр. 8379

قاتلنا معك حتى لا نجد مقتلًا، والله لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين، إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما ان تأذن لنا فنخرج، فقال له رجل: اكتب الى عبد الملك، قال: وكيف اكتب، من عبد الله أمير المؤمنين الى عبد الملك بن مروان، فوالله لا يقبل هذا أبدًا، أو اكتب لعبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، فوالله لئن تقع الخضراء على الغبراء أهون عليَّ من ذلك، فقال له عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك إسوة، قال: ومن؟ قال: الحسن بن علي خَلَعَ نفسه وبايع معاوية، فرفع عبد الله رجله ورَكَضَهُ في رجله ركضة أرماه عن السرير، وقال: يا عروة قلبي إذن مثل قلبك، والله لو قلتها ما عشت إلا قليلًا، وقد أخذتني الدنيا، ولئن أضرب بسيف من عز خير من أن ألطم في ذلّ، فلما أصبح دَخَلَ على امرأته أم هاشم بنت منظور وهي التي يقول فيها الفرزدق إذ نافرته زوجته النوّار الى عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ونزلت زوجته النوار على بنت منظور بن زبان، فكان كلما أصلح حمزة من شأن الفرزدق عند أبيه نهارًا أَفْسَدَتْهُ زوجته ام هاشم ليلًا، حتى غلبته النوّار ففي ذلك يقول (١): [من البسيط] أما البنون فلم تقبل شفاعتهم … وشفّعت بنت منظورين زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرًا … مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا فلما دَخَلَ ابن الزبير على أم هاشم قال لها: اصنعي لي طعامًا، فلما صَنَعَتْ له ذلك أخَذَ منه لقمة فلاكها، ثم لفظها، وقال: اسقوني لبنا، ثم اغتسل وتحنط، وتطيب، ثم أتى أُمه اسماء ذات النطاقين، فقال: ما ترين يا أماه؟ فقد خذلني الناس، فقالت: لا يلعب بك صبيان بني أمية، عِش كريمًا، ومُتْ كريمًا، قال لها: إني أخشى أن يُمثل بي بعد الموت، فقالت: إن الشاة لا تألم بالسلخ بعد الذبح، فقبل بين عينيها وودعها، وخرج، وأسند ظهره الى الكعبة، وجعل يقاتل، فلا يؤم جمعًا إلا هذه، فقال رجل شامي اسمه حلبوب اما يمكنكم أخذه إذا ولى؟ قيل له: فخذه أنت إذا ولى، قال: نعم، وهو يريد أن يحتضنه من خَلْفِهِ، فعطف عليه فقطع ذراعيه، فصاح، فقال: اصبر حلبوب (٢)، ثم جعل يقول: [من الرجز]

стр. 8380

قد جد أصحابي ضرب الأعناق وصارت الحرب بينهم على ساق (١) فبينا هو يقاتل جاء حجر من حجارة المنجنيق (وهم) يرتجزون: خطاره مثل الفنيق المزيد يُرمى بها عُوّاذ أهل المسجد (٢) ولما صَرَعَهُ المنجنيق اقتحم عليه أهل الشام، فحملوه، فذهبوا به الى الحجاج فدعا بالنطع، وحزّ رأسه بيده، وبعث به الى عبد الملك، ثم أتى الحجاج أمه ليعزيها فيه، قالت له يا حجاج أقتلت عبد الله؟ قال لها: يا ابنة أبي بكر إني قاتل الملحدين، قالت له: قاتل الموحدين، قال لها: كيف رأيتني صنعت بابنك؟ قال: رأيتُك أَفْسَدْتِ عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، ولا ضير إن أكرمه على يديك، ولقد أهدى رأس زكريا الى بغي من بغايا بني اسرائيل. وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان عثمان بن عفان قد استخلف عبد الله ابن الزبير على الدار فبذلك ادعى الخلافة. ثم لما صُلب الزبير كان عبد الله بن عمر يقول لقائده: جنبني خشبة ابن الزبير، فوقف ودعا له وقال: إن عَلَتْك رجلاك - وكان منكسًا - لطالما وقفت عليهما في صلاتك، وإن قومًا كنت شرهم، لقوم كلهم أخيار (٣) ثم قال لأصحابه: أما والله ما عرفته إلا صوّامًا، قوّامًا، ولكن ما زلت أخاف عليه مذ رأيته أعجبته بغلات معاوية الشهب، وكان معاوية قد حجّ فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل الأرجوان فيها الجواري عليهن الحُلي والمعصفرات، فَفَتَنتِ الناس. وإذ إنتهينا في ذكر ابن الزبير، فلنعد الى تتمة أخبار عبد الملك بن مروان، قال المدائني: دخل عبد الملك على يزيد بن معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك أرضًا بوادي القرى ولا غلة لها، فإن رأيت أن تأمر لي بها، فقال يزيد: إنا لا نخدع عن صغير، ولا نبخل بكبير، قال: فإنها تغلّ كذا وكذا، قال: هي لك، فلما

стр. 8381

ولي قال يزيد: هذا الذي يقال إنه يلي بعدنا، فإن كان ذلك باطلًا فقد وصلناه، وإن كان حقًا فقد صانعناه (١). وعن ذكوان قال: كان فقهاء المدينة يعدّون أربعة منهم عبد الملك بن مروان (٢). وعن نافع قال: لقد رأيت بالمدينة وما بها شاب أشدّ تشميرًا ولا أملك لنفسه ولا أظهر مروءة من عبد الملك، قال: وكان يقال لعبد الملك بالمدينة حمامة المسجد لعبادته (٣). وشكى بعض العمال الى ابن عمر وعبد الملك يُصلّى الى ساريته، فقال ابن عمر: لو وليهم عبد الملك هذا ما رضوا به، يضرب به المثل في الفضل والصلاح (٤). قال الشعبي: دخَلْتُ على عبد الملك فقلت: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين، فقال: لو لم نعرفك لم نأذن لك، فلم أدْرِ ما أقول، ثم قال علّم بني الشعر فإنه ينجدهم ويمجدهم (٥). وقال: وفدت على عبد الملك، فما أخذتُ في حديث أرى أنه لم يسمعه إلا سبقني إليه، وربما غلطت في الشيء وقد علمه فيتغافل عنّي تكرّمًا. وقال عبد الملك: شممت الطيب حتى ما أبالي ما وجدتُ، وأتيت النساء حتى ما أبالي أرأيتُ إمرأةً أم حائطًا، وأكلتُ الطعام حتى ما أبالي ما أكلت وما بقيت لي لذة إلا في محادثه رجل ألقي التحفظ بيني وبينه (٦). وأوصى أهل بيته (٧) فقال: يا بني مروان إبذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، وأعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تحلفوا إذا سألتنم، فإنه مَنْ ضيّق ضيق عليه، ومَنْ وسَّعَ وُسع عليه. وقيل له: لقد شِبْتَ يا أمير المؤمنين، فقال: وكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس كل جمعة، يعني الخطبة (٨) وقال: وقد قيل له هذا مرة أخرى: لقد شيبتني قعقعة لجام البريد وصرير أعواد المنابر. وعن جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب لم يُظلم فيه مسلم ولا معاهد، قد عرف وجوهه، فكان يُصدق منه النساء ويشتري منه الإماء اللاتي يتخذهن أمهات أولاد، ويقول: لا أستحلّ انكح إلا طيبًا، فإن ذلك

стр. 8382

(يظهر) (١) في الأولاد. وحكى البلاذري (٢): أن عبد الملك كان يشتو بالصنبرة (٣) من الأردن فإذا انسلخ الشتاء نزل الجابية حتى إذا حان حمارة القيظ أتى بعلبك فأقام بها حتى تهيج رياح الشتاء فيرجع إلى دمشق، فإذا اشتد البرد خرج إلى الصنبرة. وعن المدائني (٤) قال: أرى عبد الملك كأنه بال في الكعبة، فبعث إلى سعيد بن المسيب من سأله عنه، وقال له: لا تخبره أنني رأيتها، فقال له الرجل: أني رأيت كذا، فقال له سعيد: مثلك لا يرى هذه الرؤيا فرجع إلى عبد الملك، فأخبره إني رأيتها، فرجع إليه فأخبره، فقال: يخرج من صلبه مَنْ يلي الخلافة. وعن حبيب بن قنيع قال: جلست إلى سعيد بن المسيب (٥) يومًا والمسجد خال فجاءه رَجُلٌ فقال: يا أبا محمد رأيت في النوم كأني أخذتُ عبد الملك بن مروان فوتدتُ في ظهرِهِ أربعة أوتاد، وتدًا بعد وتد، فقال: ما أنت رأيت هذه الرؤيا، فاخبرني من رآها. قال: اين الزبير، قال: الآن صدقت، وإن صدقت الرؤيا قتل عبد الملك عبد الله بن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة. قال: فرحلت الى عبد الملك، فدخلت عليه وهو في الخضراء (٦) بدمشق فأخبرته الخبر، وسألني عن ابن المسيب، ثم سألني عن ديني فقلت: أربعمائة دينار فأمر لي بها من ساعته ومائة دينار أخرى وإبل أحملني عليها وحملني طعامًا وزيتًا وكساء، فانصرفت راجعًا إلى المدينة (٧). وقال عبد الملك لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد، صرتُ أعمل الخير فلا أسرّ به، وأفعل الشر فلا أساء له، قال: الآن تكامل فيك موت القلب (٨). وكان يقال: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم (٩)، وكان على ديوان الصدقة حتى كانت الفتنة (١٠).

стр. 8383

وذكر البلاذري (١): انه لما ورد كتاب الحجاج على عبد الملك في أمر ابن الأشعث (٢)، نزل عن سريره وأرسل الى أبي هاشم خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب فلما رأى ما به من الجزع والارتياع قال: إنما تخاف الحدث من خراسان وهذا الحدث من سجستان فلا تخفه، ثم خرج عبد الملك على الناس فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ان أهل العراق قد استطالوا عمري فاستعجلوا قدرتي، فسلط اللهم عليهم سيوف أهل الشام حتى تبلغ رضاك. وصار الحجاج الى البصرة فأقام بها وعزم على لقاء ابن الاشعث وجعل فرسان أهل الشام يأتونه أرسالًا في اليوم المائة والعشرة، والأقل من ذلك وأكثر، وسار الحجاج فنزل، الأهواز، وتلاقت المقدمتان فانتصرت مقدمة الحجاج، فلما رأى ابن الاشعث ما فعل بأصحابه عبر الى أصحاب الحجاج فاقتحم الناس خيولهم في دجيل حتى صاروا الى موضع الوقعة في يوم ضباب لا يكاد الرجل يتبين فيه صاحبه، فهزم ابن الاشعث أصحاب الحجاج، ودخل ابن الأشعث البصرة، ونزل الحجاج الزاوية، ثم اقتتلوا، وكان النصر لأصحاب الحجاج، وفقد ابن الأشعث فأمر الحجاج فرفعت راية أمان، فأتوه طائعين، ودخل البصرة، فخطب خطبة قال فيها: ان الله لم ينصركم بأهل الشام على عدوّكم، ولكنكم كنتم أهل الطاعة وهم أهل المعصية، فنصركم بغير حول منكم ولا قوة، فاحمدوا الله على نعمة ولا تبغوا ولا تظلموا، وإياكم أن يبلغني أن رجلًا منكم دَخَلَ بيت امرأة فلا يكون له عندي عقوبة إلا السيف، ثم أتي الحجاج بآل الأشعث فلم يقتل إلا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وابن عمه عبد الله بن إسحاق (٣)، ودَخَلَ البراء بن قبيصة الثقفي على عبد الملك، وكان الحجاج قد طلبه لخروجه مع ابن الاشعث، فأنشده قوله (٤):

стр. 8384

[من الطويل] أرى كلُّ جارٍ قد وفى بجواره … وجارٌ أمين الله في الأرض يُحْذَلُ فما هكذا كنتم إذا ما أجرتُمُ … وما هكذا كانَتْ أُمية تفعل فقال عبد الملك: صدقت، وأمر الحجاج أن يمسك عنه. وكان (١) عبد الله بن أنس (٢) بن مالك قد قتل مع ابن الجارود (٣)، وكان شجاعًا شديد البطش، حَمَلَ بخراسان بدرةً بفمِهِ فَعَبَرَ بها نهرًا، فلما بَلَغَ الحجاج خبر مقتله قال: لا أرى أنسًا إلاّ يُعين عليّ، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا ولا أهلًا إيها يا شيخ ضلالة، جوّال في الفتن مع أبي تراب مرّة، ومرة مع ابن الزبير ومرة مع ابن الجارود، أما والله لأجردنك جَرْدَ القضيب، ولأعْصَبنّك عَصْب السَّلَمة، ولأقلعنّك قَلْعَ الصمغة، فقال أنس: مَنْ يعني الأمير؟ قال: إياك أصَمَّ الله صداك، فرجع أنس فأخبر ولده بما لقيه من الحجاج، فأجابه (٤) عبد الملك جوابًا لطيفًا، وكتب الى الحجاج: أما بعد (٥) يابن ام الحجاج، فإنك عبدٌ طَمَّت بك الأمور حتى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وايم الله يابن المستعجمة بالزبيب (٦) لاغمزنك غمزة (٧) كبعض غمزات الليوث للثعالب، ولأخبطنك خبطة (٨) تودّ لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك (٩) بالطائف حين كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، وهم يحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك

стр. 8385

في اللؤم والدناءة في المرؤة والخلع وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك الى أنس بن مالك جراءةً وإقدامًا، وأظنّ أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فَتَعْلَم إنكاره أو إغضاؤه عنه، فإن سوءك ما كان منك مضيت عليه إقدامًا، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصلّ الرجلين ممسوح الجاعرتين (١). ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ الى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسًا فيحكم فيك، فأكرم أنسًا وأهل بيته، واعرف له حقه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك ويُشمت بك عدوّك، وألقه في بيته متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله والسلام. وبعث بالكتاب مع إسماعيل (٢) بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسًا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فَجَعَل يقرأه ووجهه يتغيّر ويتمعّر (٣)، وجبينه يرشح عرقًا وهو يقول يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنّه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لاسماعيل، انطلق بنا الى أنس، قال اسماعيل: فقلت: يأتيك، قال: فقم إذًا، فأتى أنسًا، فأقبلا جميعًا حتى دخلا على الحجاج، فرحب به الحجاج وأدناه، وقال: يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والتنكية الى أمير المؤمنين، قبل أن يَعْلَم كل الذي لك عندي، إنَّ الذي فرط مني إليك عن غير نية ولا رضى بما فعلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان إذا بلغتُ منك ما بلغت كنت بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ الجهد (٤)، وقد زعمت إننا الأشرار وسمانا الله الأنصار (٥)، وزعمت إنا أهل النفاق، ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك فهو أقدر على الغير (٦)، لا يشبه الحق عنده الباطل ولا الصدق

стр. 8386

الكذب وزعمت انك أتخذتني ذريعة وسلمًا الى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرّم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوّة فوكلتك الى الله والى أمير المؤمنين، فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله إن النصارى على كفرهم لو رأوا رَجُلًا خَدَم المسيح ابن مريم ﵇ يومًا واحدًا لعرفوا من حقه ما لم تَعْرِفُهُ من حقي، وقد خدَمْتُ رسول الله ﷺ عشر سنين وبعد فإن رأينا خيرًا حمدنا الله عليه، وإن رأينا غير ذلك صبرنا، والله المستعان (١)، فردّ الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم. وأراد عبد الملك أخاه عبد العزيز على أن يخلع نفسه فأبى، فكتب إليه يعتبه ويقول: احمل إلي خراج مصر، فكتب إليه (٢): يا أمير المؤمنين إنا قد بلغنا سنًّا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه بَعْدَها قليلا، وأنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولًا، فإن رأيت ألا تُغثّث (٣) عليّ بقيّة عمري فافعل، فرق له عبد الملك، وقال: لعمري لا فعلت ذلك، ولا سؤت أخي، وقال لبنيه، إن يُرد الله يُعْطِكم إياها، ثم لم يلبث أن أتاه نعي عبد العزيز، فاسترجع وبكى وَوَجَم ساعة، ثم قال: رحم الله عبد العزيز، فقد مضى لسبيله ولا بُدَّ للناس من علم يسكنون له، وقائم يقوم بالأمر بعدي، وكان مؤثرًا للوليد من بنيه على حبه لكلّهم، وكان الحجاج يكتب إليه بأن يعهد إلى الوليد، فعهد الى الوليد، ثم الى سليمان، وكتب ببيعته الى المدينة وسائر الآفاق. مرض عبد الملك مرض موته، فقال بعض الاطباء: إن شرب الماء مات فاشتد عطشه، فقال: يا وليد اسقني قال: لا أعين عليك، فقال: يا فاطمة اسقيني،، فقامت لتسقيه فمنعها الوليد، فقال له عبد الملك (٤): لتدعنها أو لأخلعنك، فقال: لم يبق بعد هذا شيء، فسقته، فَحْمَدَ. وكان عبد الملك قد كرب للموت، فقال: اصعدوا بي أعلا الدار فصعدوا فرأى من كوّة فيها قصارًا ومن حوله حمار له يرتع، فقال: يا ليتني كنت قصارًا، يا ليتني كنت حمار القصار، فأتى الوليد يسأل عنه وفاطمة بنت عبد الملك تبكي، ففتح عبد الملك عينه وأنْشَدَ (٥): [من الطويل]

стр. 8387

ومستخبر عنّا يُريد لنا الرَّدى … ومستخبرات والدّموع تسيلُ ثم طلب ابنه الوليد وقال له (١): إذا أنا مت فضعني في قبري ولا تعصر عينيك عَصْر الأمة، ولكن شَمِّر وأَبْرِز والبس للناس جلد نَمِر، فمن قال برأسه كذا فقل بسيفك هكذا، فقلما اجتمع فحلان في ذود إلا بغى أحدهما على الآخر، فكن أنت الباغي، ثم بقي بمنتهه يقول: إنه لا يقول: إنه لا يجتمع فحلان في ذود، ولا سيفان في غمد. ولد عبد الملك في رمضان سنة ست وعشرين، وتوفي في نصف شعبان سنة ست وثمانين وعمره ثلاث وستون سنة ومدة ولايته بعد مقتل ابن الزبير وهي الخلافة المجمع عليها ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا، وكانت الفتنة نحو تسع سنين، وقبره خارج باب الجابية بدمشق، وقال شاعر يرثيه (٢): [من الطويل] سقاك ابن مروان من الغيث مُسْبِلُ … اجَشُّ سماحي يَجُودُ وَيَهْطِلُ فما في حياة بعد موتك رغْبَةٌ … لِحُرِّ وإن كان الوليد يُؤَمَّلُ [٨] دولة ابنه الوليد (٣) بن عبد الملك، أبي العباس عَمَّر بيوت الله التي أذن أن تُرفع، وسطّر في صحفه من أجرها ما ينفع، عم المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ لها الرحال، ولَمَّ شعثها في أيْسَرِ حال، وعنى بمسجد دمشق حتى انتاش من أيدي النصارى شطره، وكمل بالمساحة قُطره، فقوّم شقه المائل، واستسلم كافره المتحايل، فقام المؤذن لا يشوش عليه صوت ناقوس، والإمام لا يخلط عليه ترنم قسوس، وحسم في الشق المائل منه العِلَّة، ونصب وجه المديح الى القبلة، وأصبح الدين كله لله من بعدما أعرض، ونأى بجانبه، وشا كفره جُهْدَ مُناصِبِهِ، وعوَّض النصارى بما كان للمسلمين من نصف كنيسة مريم، وعوَّل على ما رآه وصمم، ثم أغرب بناءه وأغرب سماءه، حتى رفع على السماك سمكه، ووضع بإزاء السماء حبكه، ولو كان هذا موضع القول لأطلت وأطنبتُ وأمللت، إلا أن الوليد كان يُعاب لُبه بالفراغ، ورأسه بخفة الدماغ، كان أخف من خطرة نسيم،

стр. 8388

وأطيش من نارٍ في هشيم، وكان يَتَلَجْلَج لحنًا، ويتحرج ولا يقول كلامًا لا معنى، غالبه مثل كلام النائم أو السكران، هي ألفاظ إلا أنّه لا يفهمها الانسان، فكان خفيفًا لحانًا، لا يقيم لسانه خطأً ولا عقله امتحانًا، وكان على هَوجِهِ الشديد وعوجه عن النهج السديد، شديد المهابة مجيد الإصابة، سعادةً أخْدَمَتْه بها الأقدار، وقدّمته إليها أضعاف المقدار، وكان معظمًا لجانب الحجاج، حتى أنه كان أمكن عنده بما كان عند أبيه عقدة، وأقرب مكانًا ومودّة، وإمكانًا في رخاء وشدّة، وكان الوليد إذا ذكره قال: هو الذي مهد لمنابرنا وسهد جفونه لنوم أكابرنا، يُعدّد صنعة السالف، وردعة المخالف، ويرى أنّه من أكرم زُلَفِهِ وأعظم ما جاءَهُ الدهر به من تُحَفِهِ، وكذلك كان الحجاج، له صدق ولاء لا يُكذِّب، واجماع لا يُشَذَّب، حتى إنه لما احتضر كتب إليه كتابًا أوْدَعَه ما فارقه به وودعه، زَعَمَ فيه أن رضى الوليد سبب مفازه، وموجب دخوله الى الجنة وجوازه، وقال فيه: [من الطويل] إذا لقيت الله عنّي راضيًا … فإن سرور النفس فيما هنالك ولما رجع الوليد من جنازة أبيه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (١): لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثله ثوابًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون لعظم المصيبة، والحمد لله على حسن العطية، إني قد كفيت ما كفت الخلفاء قبل تتكلم به فمن كان في قلبه حب فليمت بدائه، ومن مال به أملنا رأسه. وولي عمر بن عبد العزيز المدينة (٢) وأمره أن يبني مسجدها ويجعله مائتي ذراع، وبَعَثَ بالفَعَلَةِ من الشام، وكتب الى ملك الروم أن يُعينه في بنائه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، ومائة فاعل وأربعين جملًا فسيفساء (٣) مذهبة وبعث الى عاملة بمكة في عمل الفسيفساء (٤) وترخيم الجُدَر بالمسجد، وبَعَثَ في عمارة المسجد الأقصى، وشرع هو في عمارة مسجد دمشق، وقال (٥) لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل واحد بلبنة، فجعل رجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال: يا أهل العراق، تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة اصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي: ان الوليد حين بنى مسجد دمشق مَرَّ برجل ممن يعمل فيه وهو يبكي، فقال: ما قصتك؟

стр. 8389

فقال: يا أمير المؤمنين، كنت رجلًا جمالا، فلقيني يومًا رَجُلٌ فقال لي: أتحملني الى مكان كذا، وذكر لي موضعًا في البرية، فقلت: نعم، فلما سرنا بعض الطريق الْتَفَتَ إِليَّ فقال: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك أغنيتُك، وإن مِتُّ فاحمل جثتي الى حيث أصف لك، فإن ثم قصرًا خرابًا فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة نهار، ثم عد سبع شرفات من القصر، واحفر تحت ظل السابع قدر قامه تجد بلاطة فاقلعها، تجد مغارة ترى فيها سريرين على أحدهما رجل ميت، فاجعلني على السرير الآخر، وحمّل ما معك مالًا من المغارة وارجع الى بلدك، فمات الرجل في الطريق، فَفَعَلْتُ ما أمرني به، وكان معي أربعة جمال وحمارةً، فاوسقتها كلّها مالًا، من المغارة، وسرتُ بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيتُ إملاءها، وداخلني الشَّرَهُ، فرجعتُ بها وترَكْتُ الجمال والحمارة، فلم أجد المكان، ورجعتُ فلم أجد الدواب، فبقيت أدور، فلما يئست رجعت الى دمشق ولم أحصل على شيء، واضطرني الأمر الى ما ترى، أعمل في التراب كل يوم بدرهم، وكلّما ذكرت حالي لم أملك نفسي أن أبكي، فقال له الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئًا، وإليَّ صارت وبنيت بها هذا المسجد. وعزل المجذمين في مكان، وأعطاهم، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا (١). وكان (٢) صاحب بناء واتخاذ مصانع، وكان عند أهل الشام من أفضل خلفائهم قال ابن الاثير (٣): وفتح في ولايته فتوحات عظام، منها الاندلس وكاشغر والهند، ثم قال: يمرّ بالبقال فيقف عليه يأخذ حزمة بقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زِدْ فيها. قلت: وقد قيل أنه أوّل من تجبر من الخلفاء، وقال الوليد (٤). أنا أنفق على الكعبة وأكسوها وأطيبها، فعلام يأخذ بنو شيبة هداياها، لأمنعنهم إياها العام، فأَرْمَضَهُم، وخرج الوليد حاجًا فخرجوا يتلقونه، فوجدوا الحجاج معه، فقالوا له: أنت وإن كنت معزولا عنا، فإنك محمود عندنا، وحُرْمتُنا لا تنكر، وقد بلغنا كذا، ففزعنا إليك، فقال: إذا دخلتم على أمير المؤمنين فتجنبوني عنده، ثم سلّموا عليه خالي الوجه، ودعوني أكفيكموه، ففعلوا، فلما خرجوا قال الحجاج: على ما يدعُ هؤلاء وهدايا الكعبة، قال: قد أجمعت على أخذها، قال: فافعل، فإني أشرت بهذا على أمير المؤمنين عبد الملك، فقال: أنا أبرأ الى الله من هذا؟ فقال الوليد: أنا أبرأ مما برأ منه أمير المؤمنين عبد الملك، وتركها لهم.

стр. 8390

واستعمل عاملًا له، فأتاه رجلٌ (فقال) (١): نصيحة، قال: إن كانت لك رددناها عليك، وإن كانت لنا فلا حاجة لنا فيها، قال: جارٌ لي أخل بمركزه، فقال: بئس الجار أنت، نحن ناظرون فيما ذكرت، فإن كنت صادقًا مقتناك/ ٢٧١/ وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن أحْبَبْتَ ان نعفيك عافيناك، قال: اعفني، قال: قد فعلت. وعن عامر بن عبد الأعلى قال (٢): حُدِّثَ الوليد أن (رجلًا) (٣) جمع بين هند بنت الخسّ (٤) العمليقي (٥) وبين جمعة بنت عابس الأيادي، فقيل لجمعة: أي الرجال أحبُّ إليكِ؟ قالت: الغليظ الكتد، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد، ثم قيل لهند: أي الرجال أحبُّ إليك؟ قالت: القريب الأمد، الواسع البلد الذي يوفد إليه ولا يفد، فقال الوليد: مَنْ هذا الرجل؟ فقال له هشام (٦) ابن عبد الأعلى الفزاري: أنت يا أمير المؤمنين. وحكى المدائني: قال (٧): مرض الوليد بن عبد الملك، فرهقته غَشْيَةٌ فَمَكَثَ عامة يومه عندهم ميتًا، فبكي عليه، وخرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج بذلك، فاسترجع، ثم أمر بحبل فَشُدَّ في يدِهِ ثم أُوْثَقَ الى اسطوانة، ثم قال: اللهم لا تُسلّط عليّ مَنْ لا رحمة له، فطالما سألتك أن تُميتني قبل أمير المؤمنين، فبينا هو كذلك إذ قدم عليه بريد بإفاقته، فخرَّ ساجدًا وأعتق كلّ مملوك له، وصدق بصدقةٍ كثيرة، ولم يكن أَحَدٌ أسر بعافيته من الحجاج، وبعث إليه كتابًا بالتهنئة ومعه من تُحف الهند وخراسان، ثم (٨) لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد فقال خادم للوليد: إني الأرضيه يومًا لصلاة الغداة، إذ مَدَّ يده فجعلتُ أصبُّ عليها الماء وهو ساءٍ والماء يسيل ولا أقدر أن أتكلّم، ثم نَضَحَ الماء في وجهي وقال: أناعِس أنت؟ ثم رفع رأسه إليَّ فقال: ويلك أتدري ما جاء الليلة، [قلت: لا] (٩) قال: ويلك مات الحجاج، فاسترجعت، فقال: اسكت ما يسرّ مولاك أنَّ في يده تفاحة يشمها، وانه لم يمت، ثم قال: رحم الله الحجاج، لقد كان منا أهل البيت. وحج (١٠) الوليد، فوفاه محمد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن، وحمل هدايا

стр. 8391

للوليد، فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد: اجعل لي هدية محمد بن يوسف فأمر بصرفها إليها، فجاءت رسل أم البنين الى محمد بن يوسف بقبض الهدايا، فأبى وقال: لا أسلمها حتى يراها أمير المؤمنين، فغضبت ودخَلَتْ على الوليد فقالت: (لا حاجة) (١) لي في هدايا محمد فإنه بلغني أنه أخَذَها من الناس ظلمًا وغصبًا وأنه يسخرهم بعملها، فلما حملها الى الوليد قال له: بَلَغَني انك اغتصبتها الناس وكلّفهم عملها وظلمتهم، فقال: معاذ الله، فأحْلَفَهُ خمسين يمينًا بين الركن والمقام انه ما ظَلَمَ أَحَدًا وما أصابها إلا من طيب، فَحَلَفَ، فقبلها الوليد وبَعَثَ بها إلى أم البنين، ومات محمد بن يوسف باليمن، أصابه داء تقطع منه. واستند الى حائط يلي زمزم والفضل (٢) بن عباس بن أبي لهب يستقي من زمزم ويقول (٣): [من الرجز] يا أيها السائل عن علي (٤) تسأل عن يدر لنا بدري مردّد في المجد ابطحي زمزم يا بوركت من ركي بوركت للساقي وللمسقي اسقي على مأثرة النبي ثم أتى الوليد منها بماء فشربه، ومسح منه على وجهه ولم ينكر عليه قوله، إلا أنه لم يصله حتى كلّم فيه. وعن مدرك بن حجوة أن قومًا دخلوا على الوليد وعنده أخوه مسلمة، فشكوا أمرًا

стр. 8392

من أمرهم فلم يبينوا ولا أحسنوا العبارة، فتكلم رَجُلٌ منهم فأفصح وأوضح، وعبّر عن نفسه وعن القوم، فقال مسلمة: ما شبّهت كلام هذا الرجل إلا بسحابة لبدت عجاجًا (١). ولما (٢) مرض الوليد بن عبد الملك ذكر له موسى بن نصير طبيبًا قدم به معه من المغرب روميًا، فأدخَلَهُ عليه وعنده ابن راس البغل ويقال ابن راس الحمار (٣) طبيب عمه عبد العزيز بن مروان، وكان من أهل الاسكندرية فتراطنا بالرومية، فقال أحدهما لصاحبه: ما تأوّله (٤) قال: السل، قال: صدقت، ودعا له صاحب موسى بفرخ فطبخ، وألقى عليه مرقة دواء وحسّاه منه جُرَعًا فلم يثبت في جوفه وقاءه، وقال: لا أرى هذا وافقك وعندي/ ٢٧٣/ ما هو أسهل منه وأنا آتيك به غدًا، فخرج من عنده وقال: والله لا يصبح حيًا، فمات في السحر، وتوفي سنة ست وتسعين وهو ابن تسع وأربعين (٥)، وملك تسع سنين ودفن خارج باب الصغير بدمشق، وكان نقش خاتمه (أذكر الموت يا وليد) وقيل بل كان (يا وليد إنك ميت) (٦). [٩] دولة سليمان (٧) بن عبد الملك بن مروان، أبي أيوب وكان ألذ من غفوة النوم، وجفوة اللوم لطيب زمانه، ووطئ المخاوف بأمانه، وكان مفرط الغيرة، يؤاخذ بالظنون وينابذ بريب المنون، سمع رجلًا يرجع في الغناء فتوجع وقال: هذا رائد الزنا، وأمر بأن يُخصى فجد انثييه، وبذ السوابق بما جنى عليه، وكان مدّة أبيه عبد الملك وأخيه الوليد مغرى بعيب الحجاج، مُعنّى منه بما

стр. 8393

يكثر ريب اللجاج، وكان ينوي إن صارت إليه نوبة الخلافة، له نومة كل آفة، فمات قبل ذلك الحجاج، وفات الحجاج، فسبقت نيّة سليمان فعله، وسيفه عذله، وكان سليمان نهمًا لا يشبع، ملتهمًا يأكل مع اللقمة الاضبع، حتى استأسد واستسبع، وأكل ما طار بجناح أو مشى على أربع، وامه وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزي العبسي، نشأ في أخواله بني عبس، ونأى في أحواله عن اللبس، وكان أبيض جعدًا، كاد محياه يندى، نظر يومًا الى المرآة، وقد لبس حلّةً خضراء، رَفَلَ في سندسها ونحل نوار الخمائل من أنواره ضوء مشمسها، فقال: أنا الملك الفتى، أو قال انا الملك الشاب، لما داخله بالملك الإعجاب ومرَّ في خروجه الى مصلاه بجارية له كان بها كلفًا، وبحبّها شغفًا، فلما قال لها هذا القول قالت (١): [من الخفيف] أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما علمته فيك عَيْبٌ … كان في الناس غير أنك فان (٢) فتطير من قولها وتشاءم، وراجع الفكر في هذا وداوم، ثم أتى المنبر، فخطب فأسمع، ثم تقدم الى المحراب وصوته لا يتعدى له خرق مسمع، فعاد الى منزله ساكنًا يتوجع، وطلب تلك الجارية كالمنكر عليها، فأقْسَمَت أنها لم تره ذلك اليوم أجمع، فعلم أنه نعي، وأنه إنما خرج ليودع، وكان ملك حُسْنٍ وإحسان، وخليفة يُمن وأمان، ولي سنة ست وتسعين، فجاء جميل المذهب، كأنما أيامه الطراز المذهب، أبقى من حسن السيرة ذكرًا لا يَبْلى، وأثرًا لا يذهب، ملك أمره فما شعث ولا تشعب، وأنصف من الظالم فأخْمَدَ سورة من تشعّب، وأخرج من الحبوس، ونزع عن المستورين لباس البوس، وكساهم حُلل الكرامة، وأنساهم بعدله ما مسهم من السامة، ورد عنه بردهم الملامة، وأخذ الظلامة، وراقب الله كأنما يتمثل وقوفه بين يديه يوم القيامة. وكان الوليد أخوه ولاه فلسطين فأحدث مدينة الرملة وبنى مسجدها وأتاه نعي الوليد وكان ولي العهد بعده، فخرج من فلسطين الى دمشق، فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، فأسف الرعايا على ملكه القصير، وزمانه الغض النضير، ولكن ليالي الوصل فيهنّ تقصير، ومات بدابق (٣) ودفن بها، وكفّن ثم وسّد في مضاجع تربها،

стр. 8394

وذلك في سنة تسع وتسعين، وكان يوم مات ابن خمس وأربعين (١)، وحسبه من حسن الخاتمة في الدنيا والامارة الدالة على تنقله في الدرجات العليا أن صلى عليه الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ﵀، وَرَحَل من حرم الخلافة المستباح الى حرز الله الحريز. وكان له أولاد منهم أيوب (٢) المكنّى به، وكان من (أكثر) (٣) قريش عفافًا وأدبًا وكان أبوه قد بايع له بالعهد، وكان مؤدبه وحاضنه عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر وقال فيه جرير: [من البسيط] إن الامام الذي ترجى فواضله … بعد الامام ولي العهد أيوب وهلك في حياة أبيه، فرثاه عبد الله بن عبد الأعلى بقصيدة يقول فيها (٤): [من الكامل] قد بان أيوب الذي لفراقه … سر (٥) العدوّ غضاضتي وتخشعي أيوب كنت تجود عند سؤالهم … وتظلَّ مُنْخَذِعًا وإن لم تُخْدَعِ قال البلاذري (٦): خرج سليمان الى دابق ليُغزي منها، فأغزاهم وعليهم ابنه أيوب ومعه مسلمة بن عبد الملك، وكان أيوب ولي عهده، فلما احتضر سليمان قال: إن ابني أيوب بإزاء عدوّ، ولا أدري ما يحدث به، فإن أهمل الأمر الى قدومه ضاع وانتشر، ولم تؤمن الفتنة على الناس في جميع الأقطار، ولعل الحدثان أن يكون قد غاله، على أني وليته العهد وأنا أظنّ أن عمري يطول، وهو حدث، فولى عمر بن عبد العزيز، ولقد وفّق في نظرِهِ الوجيه ورأيه الوجيز فارق الناس على وجه جميل، واختار لهم ما لا يمين مع الهوى ولا يميل، عمر وما أدراك ما عُمَر، نَزَعَ من جده عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين الى أحسن السير،. وعهد سليمان بعد عمر بن عبد العزيز الى يزيد بن عبد الملك، ثم أيوب إن كان بعد يزيد، وكره أن يخرجها من ولد عبد الملك فيختلفوا، وصوّب رجاء بن حيوة (٧).

стр. 8395

رأيه في ذلك، وقوى عزمه، وهو هالك، وتوفي أيوب في غزاته، وقيل أن أباه علم بمماته قبل وفاتِهِ، فَفَعَل ما فعل، وما عسى أن يُغني قول ليت ولعل. وقال المدائني (١): دَخَلَ رَجُلٌ على سليمان بن عبد الملك فتكلّم، فأراد أن يسبر عقله فإذا هو مضعوف، فقال سليمان: زيادة منطق على عقل خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن (من) (٢) ذلك ما زان بعضه بعضًا. ومن كلامه: الحسود لا يسود (٣). وقال سليمان ليزيد (٤) بن أبي مسلم: ما تقول في الحجاج؟ قال: يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك فَضَعْهُ حيث شئت. وقال المدائني: دَخَلَ (٥) أيوب بن سليمان على أبيه فقال: مالك يا بني؟ قال: خدرت رجلي، فقال: يا بني أذكر أحبَّ الناس إليك، فقال: صلى الله على محمد، فقال سليمان ابني سيد، وإني عنه لفي غفلة، فولاه عهده. وتذاكر هو ورجل كان يأنسه الملاذ، فقال سليمان: والله لقد أكلنا الطيب ولبسنا اللين، وامتطينا الصافن، وأتينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح فيما بيني وبينه مؤنة التحفظ. وضم (٦) سليمان عون (٧) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الى ابنه أيوب، فأتاه فحَجَبَه، فجلس في بيته فعتب أيوب عليه، فعاتبه عون فغضب وشكاه الى أبيه ولامه، فقال: ضمَمْتَني الى رجل إن أتيته حجب، وإن جَلَسْت عنه عتب، وإن عاتبته غضب. وكان سليمان يؤتى في كل يوم صلاة الغداة بعشر رقاقات وخروفين عظيمين، ودجاجتين سمينتين، فيأكل ذلك كله [نجل فيه الجذان ومري] (٨).

стр. 8396

وحج (١) سليمان فقال لقيمه على طعامه، أطعمني من خرفان المدينة، أو قال: من جدائها (٢)، فجعل القيم يأتيه بواحد واحد فيتناول حرمًا جزه (٣) ويضرب بيده الى شحم كليته (٤)، فأكل أربعة وثمانين جرمًا زجة لشحم أربعة وثمانين كلية، ثم قال: ادْعُ يا غلام عمر بن عبد العزيز، وأذن للناس، ووضع الغداء فأكل معهم كما أكلوا. وأتى (٥) الطائف فلقيه ابن أبي زهير الثقفي، رجل من أهلها، فسأل أن ينزل عليه، قال: إني أخاف أن أنهمك (٦)، قال: قد رزق الله خيرًا كثيرًا، فنزل عليه، فجعل يأتيه من حائطه وهو فيه بخمس رمانات خمس رُمّانات حتى أكل مائة وسبعين رمانة، ثم أتي بخروف وست دجاجات، فأكل، ثم أتي بمكوك زبيب فأكله، ثم وضع الطعام، فأكل وأكل الناس، وفتح ابن أبي زهير أبواب الحيطان، فأكل (٧) الناس من الفاكهة، فقال سليمان: قد أضررنا بالرجل، وأقام بالطائف سبعًا، ثم صار الى مكة، فقال: الحقني، فلم يفعل فقيل له: لو لحقته، أقول ماذا، اعطني ثمن طعامي. وأتاه (٨) بدابق رجل نصراني كان منقطعًا إليه من قبل الولاية، فقال له: هل أهديت لي شيئًا؟ قال: نعم، وأتاه بزنبيل مملوء بيضًا مطبوخًا، وزنبيل ملؤه تينًا، فجعل يقشر له البيض فيأكل بيضةً بتينة حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بقصعة مملوءة مخًا مخلوطًا بسكر، فأكل ذلك ومرض ومات. وقال (٩) سليمان وقد ذكر عنده تشقيق الخطب والاسهاب: مَنْ أكثر القول فأحسن، قدر على أن يُقلّ فيحسن، وليس مَنْ قَصَّرَ فأحسن بقادر على أن يطيل فيحسن. وقام (١٠) إليه رجل وهو يأكل فقال: إني زوجت ابني وليس عندي ما أجمع به أهله

стр. 8397

إليه، فأسلفني من بيت المال، فقال: ما يزال عاض لبطن أمه يقوم إلينا فَيُفْسِد علينا طعامنا، فتنحى الرجل وجلس، فلما فرغ من طعامه قال: قلت ماذا الله أبوك؟ فرد عليه مسألته، فقال: فكم عطاؤك؟ قال: مائتا دينار فقال: يا قسامة، أعطه مائتي دينار ومائتي دينار ومائتي دينار، وطول نفسه (١)، حتى انقطع، فنظر فإذا جميع ذلك قيمة اثنين وسبعين ألف درهم، ثم قال: أيارُجَي (٢) رضيت؟ قال: نعم فرضى الله عنك يا أمير المؤمنين، فقال: يا قسامة اضعفها له، فأخذ مائة ألف وأربعين ألف درهم. وحدث محمد بن سعد عن الواقدي، قال (٣): انصرف سليمان من صلاة الجمعة، فأكل شحم كلى أربعين جديًا وصحيفة مملوءة مخًا وغير ذلك، ثم جامع فقام عن الجارية موعوكًا، فمات بدابق. وقال جرير (٤): [من الطويل] فيا قوم ما بالي وبال ابن نَوْفَلٍ … وبال بكائي نوفل بن مساحق ولكنها كانت سوابق عبرةٍ … على نوفل من كاذب غير صادق فهلًا على قبر الوليد سفحتها … وقبر سليمان الذي عند دابق قال المدائني (٥): الثبت أن أيوب بن سليمان توفى بالشام ولم يكن غازيًا، إنما كان الغازي مسلمة بن عبد الملك، وكان سليمان أراد أن يُغزيه على الجيش فمرض، فلما احتضر أيوب دَخَلَ عليه وهو يجود بنفسه ومعه عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة، فجعل ينظر في وجهِهِ فتخنقه العبرة فيردّها، فلما قضى نحبه ودفن وقف على قبره وقال: [من الطويل] وقفت على قبر مُقيم بقفرةٍ … متاعٌ قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب: [من السريع] كنت لنا أُنسًا ففارقتنا … فالعيش من بعدك مر المذاق ثم ركب دابته وقال: [من البسيط]

стр. 8398

فإن صبرت فلم الفظك من بَزَعٍ … وان جَزِعتُ فعلقٌ مُنْفَس ذهبا [١٠] دولة [عمر بن (١) عبد العزيز بن مروان، أبي حفص ناهيك بفذ لا يُقرن بتوأم، وَمَلك كانت أيامه كالمنام ورعاياه نُوَّم، تقابل في منابت أبيه وأمه، وتماثل بمناصب خالِهِ وعمّه، تكنفه من قبل الأبوة النسب الأموي، ومن قبل الأمومة الحسب العدوي، فطابت نبعته، وطافت الأرض بأغضر الأنفاس سمعته، وأخذ نفسه بسلوك سيرة جده لأمه عمر بن الخطاب ﵁، فقارب فعل سميه وقارن منهم ذلك الولي بوسميه (٢)، وجَدَّ فما قصّر، وَوَجَدَ محاسن ما تبصر، وقد كان من آثق بني أبيه تمتعًا، حتى شمر، وانف إخوانه تمنعا حتى تأمر، فلما ولي ولى بتلك الزخارف ولوى ورقات تلك المطارف، وسَأَلَ عن مذاهب الراشدين، ثم ما تعدّاها، وتَجَلْبَب تلك الخلائق الظاهرة وَتَرَدّاها، وأوّل ما بدأ به أمْرُهُ أَنْ أَبْدَلَ سبَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣) وأبدل تلك السيئة بهذه الحسنة الباقية الإحسان (٤)، وأزال تلك السبة ومحاها، وأزاح ليلها الدامي بارتفاع ضحاها، فَخَلَصت الذمم من إرهاقها، واستراحت المنابر مما كانت تحمله من إثم هذه الخطبة في أعناقها، وقنع بالقليل من القوت طلبًا لحلّه وسببًا لتخفيف حمله، وهَجَرَ النساء منذ ولي، وقال لزوجته: إن رضيت بهذا وإلا فاعتزلي، ثم أَمَرَها أن ترد إلى بيت المال ما كان أبوها عبد الملك نَحَلَها، وألزم بمثل هذا سائر بني أمية، واستعاد نقلها، وقال: هذه فواضل أموال لبيت المال لا يجوز أن تحتجز، ولا أن تؤخذ بأيديكم عبثًا وتكتنز، ولقد أعطاكموها أئمة جورٍ، أعْطَت ما لم تملك، وأعدت بالهلاك بها ما لم يهلك، وأخْلَصَ الله كل عملِهِ، وخلّى جُلَّ أمَلِهِ، وكان يُبرد البريد إلى المدينة لابلاغ سلامه لساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام، لا يشغل له غيره خاصة ولا لعامة الاسلام، ودام حميدًا حتى توفى وما بلغ الأربعين، وأنشد باب الخير فلا لَهُ فاعل

стр. 8399

ولا عليه معين، ما طالت مدته فما سَلّم حتى ودّع، وما أَوْمَضَ بارِقُهُ حتى انطوى وكأنه لم يَلْمَع، دفن بخناصره (١)، وغيب الحق في ذلك الثرى ناصره، ولم يقم بعده ملك ولا إمام، ولم يتم مثله في موضعه سقاه الغمام، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، وأمها بنت الامرأة التي كانت تمذق اللبن بالماء، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهاها فتنتهي لمحضره ثم تعاود فعلها في مغيبه، وحديث ابنتها معها مشهور، وهو كان سبب تزويج عاصم بن عمر بها برأي أبيه عمر، قال البلاذري (٢): ولى سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز الخلافة، وكتب كتابًا سمّاه فيه، ويزيد بن عبد الملك إن كان من بعده، فلما مات سليمان أخرج رجاء بن حيوة الكتاب، وأظهر اسمه وبايعه الناس بدابق، فقال لرجاء ذبحتموني بغير سكين، وكان عمر بن عبد العزيز، أشجّ، ضربه حمار وهو بمصر فما رآه أخوه الأصبغ (٣) قال: هذا والله أشجّ بني أمية الذي يملأ الأرض عدلًا، وكانت خلافته ثلاثين شهرًا، ووفاته وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وتوفي في سنة إحدى ومائة، ودفن بدير سمعان (٤)، وكان نزوله بخناصرة من عمل جند قنسرين (٥)، وبها وفاته وصلى عليه رجاء بن حيوة الكندي، ويقال مسلمة بن عبد الملك. ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (٦): أيها الناس، من صحبنا، فَلْيَصْحَبنا بخمس، يبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ويدلنا من العدل على ما لم نهتد له، ويؤدي الأمانة إذا حملها، ويُعيننا على الخير، ويدع ما لا يعنيه، فمن كان كذلك فَحَيّ هلا به، ومن لم يكن كذلك فلا يقربنا، قال أبو سنان ضرار: فحجبوا والله دونه، قال: وهذا والله أوّل كلام تكلم به حين استخلف. ولما ترعرع عمر بن عبد العزيز استأذن أباه في إتيان المدينة، وقال: أحبّ أن

стр. 8400

اكتب العلم وأحضر قبر رسول الله ﷺ ، ويقرب علي الحج، فأذن له في ذلك، فأتى المدينة، وقال الواقدي (١): أذن له أبوه في إتيان المدينة وقال له: اجتنب آل عبد الرحمن بن عوف وآل سعيد بن العاص فإنّ ثمّ شرارة وشراسة (٢)، وسوء أخلاق، فكان يجالس أهل الفقه والورع، وقال المدائني (٣): أوصى عبد العزيز لعمر بأربعين ألف دينار، ودفعها إلى ابن رمانة مولى لبعض أهل المدينة، فلما توفي عبد العزيز أتاه بالمال فقبضه ثم ذهب ابن رمانة فَحُدِّثَ بذلك أبا بكر بن عبد العزيز، فَغَضِبَ وكتب الى عمر: إنك أخذْتَ هذا المال دوننا، ثم شخص عمر من المدينة، فقدم الشام فلما استخلف الوليد بن عبد الملك، وهو صهره، إذ كانت أم البنين بنت عبد العزيز عنده، ولاه الوليد المدينة، فأحْسَنَ السيرة، إلا أنه كان لباسًا عَطِرًا، وإنما تقشفه بعد ذلك، فكان يعمل له ثوب الخز بمائة دينار (٤) فيستخشنه، ثم إنه كان يؤتى بالثوب الخشن بأقل من دينار أو بدينار (٥)، فيقول: ما أصنع بهذا إئتوني بأخشن منه وأقل ثمنًا، وكان ابن رمانة لمغاضبته إياه يرفع على عماله ويقع فيهم حين عُزِل عن المدينة، فقال عمر: لو أشاء أن آخذ كتاب الوليد الى عامل المدينة في ضرب ابن رمانة مائة سوط وحلق رأسه ولحيته فعلْتُ، ولكنّي رأيت مُتّقى الله منجًا (٦). وفي ولاية عمر المدينة يقول الأحوص (٧): [من الكامل] وأرى المدينة إذ وليت أمورها … أَمِنَ البريء بها وخاف المذنب (٨) وقال أيضًا: وأرى المدينة حين كنت أميرها … أَمِنَ البريء بها ونام الأعزل (٩) وأراك تفعل ما تقول وبَعْضُهم … مَذِق الحديث يقول ما لا يَفْعَلُ

стр. 8401

وكان (١) عمر يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب، وقال عمر لرجل: مَنْ سيّد قومك؟ فقال: أنا، قال: لو كنت كذلك ما قلته. وقال المدائني (٢): جمع عمر بني مروان فقال: يا بني مروان، أني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم، فأدوا بعض ما عندكم الى بيت مال المسلمين، فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا، فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان ان الله فيكم ذبحًا ولولا أن تستعينوا عليَّ بمن أطلب هذا المال منه لأضرعتُ خدودكم. وقال المدائني (٣): كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه ان مدينتنا تحتاج الى مرمة (٤)، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، فحصن مدينتك بالعدل، ونقها من الظلم والسلام. وقال: كتب عمر إلى عبد الحميد (٥) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة: اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات والسلام. وقيل لعمر: أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد المرء هواه (٦). وقال المدائني: قال رجاء بن حيوة: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فكاد المصباح يُطفى، فقمتُ لأصلحه، فقال: مَه ان جهلًا بالرجل أن يستخدم ضيفه ثم قام فوجد غلامه نائمًا فلم يُوقظه، وتولى صلاح المصباح، ثم عاد فقال: قُمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز، وقعدت وأنا ذاك (٧). قالوا (٨): وكان عبد الملك ابنه زاهدًا خيرًا، فقال له: يا بني لأن تكون في ميزاني أحبُّ إليّ أن أكون في ميزانك، فقال: ولأن يكون ما تحبّ أحبّ إليَّ من أن يكون ما أحبّ، فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس، وقد اكتحل، فسأل عنه فقال: قد سكن (علزه) (٩) ورجاه أهله، وما كان في حال أحب إلي من

стр. 8402

حاله، ثم علم بموته، فقيل له: فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان وانصرف من جنازته، فرأى قومًا ينتضلون، فقال لبعضهم، أخطأت، فافعل كذا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس في موت عبد الملك ما يُشغل عن نصيحة المسلم. وكان سعيد بن مسعود المازني عاملًا لعدي بن أرطاة (١) على عُمان فأخَذَ رجلًا من الأزد (فضربه) (٢) مائة سوط في ناقةٍ أرادها منه، فأتى الى عمر وشكى إليه وأنشده قول كعب الأشقري (٣): [من الكامل] إن كنت تحفظ ما يليك فإنما … عمال أرضك بالعراق ذئاب (٤) لن يستقيموا للذي تدعواله … حتى تضرب بالسيوف رقاب (٥) بأكف منصلتين أهْلِ بصائر … في رفعهن مواعظ وعقاب (٦) لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيتُ منقطعًا بي الأسباب (٧) فقال عمر: لمن هذا الشعر؟ فقال: لرجل من أزد عمان يقال له كعب، فقال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون بمثل هذا الشعر، فكتب إلى عدي بن أرطاة: إنّ استعمالك سعيد بن مسعود قَدَرٌ من الله قَدَّرَهُ عليك، وبليّة ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليَّ مشدودًا موثقًا، فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدًا الى عمر، فلما دَخَلَ عليه كلَّمَهُ عمر فقال: أصلحك الله، اتكلّمني وأنا موثق؟ أطلق عنّي حتى أتكلّم بحجتي، فأطلق عنه، وقال للأزدي: أضْرِبْهُ، فقال قُمير بن سعيد: أنا الذي ضربته ولم يضربه أبي، قال: فاعط الأزدي

стр. 8403

سوطًا، وقال عمر: قم فاجلده كما جَلَدَكَ، فَجَلَد قميرًا مائة سوط، فقال له أبوه: يا قمير أضرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعض على نواجذك، وأذكر أحاديث غَدْ، وإياك وذكر الله فإنه معجزة. وقال المدائني (١): قال عمر: ما قرن شيء الى شيء أحسن من علم الى حلم وعفو الى مقدرة. وقال (٢): وقال عمر: تعلموا العلم، فإنه زين للغنيّ، وعون للفقير لا أقول انه يكسب به ولكنّه يدعوه الى القناعة. وقال البلاذري (٣): قدم وفد على عمر من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتهيأ للكلام، فقال عمر: ليتكلم أكبركم سِنًّا، فقال الفتي: يا أمير المؤمنين ليس الأمر بالسن، ولو كان كذلك لكان في المسلمين مَنْ هو أَسَنُّ منك، قال: صدقت، فتكلّم، فقال: إنا لم نأتِكَ رَغبةً ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا ودخَلَتْ علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنا قد أمناها بعدلك، قال: فما أنتم؟ قال: نحن وفد الشكر، فنظر محمد بن كعب القرظي (٤) الى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين: لا يغلبن جهالة القوم، بل معرفتك بنفسك (٥) فإن من الناس ناسًا غرَّهم الستر، وخَدَعهم حُسْنُ الثناء، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم، فبكي عمر ﵀. وقال البلاذري (٦): وَفَدَ جرير على عمر بن عبد العزيز فَغَبَر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يريد الدخول عليه، قال: كان قارئًا، فقام إليه جرير فقال له: [من البسيط] يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني (٧) أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنَّي لدى الباب كالمقرون في قَرَنِ فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلتُ إن شاء الله، فلما دخل عون على عمر سلّم

стр. 8404

وجَلَسَ حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عون عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن ببابك جرير بن عطية الشاعر وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يُمنع أحد من الدخول علي، قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه يطلب إذنًا خاصًا ينشدك فيه، فقال: يا غلام، أدخل جريرًا، فأدخل عليه وعون جالس، فأنشد جرير: [من البسيط] أأذكر الجهد والبلوى التي شَمَلَتْ … ام اكتفي بالذي أبليت من خبري (١) كم بالمواسم من شعثاء مُرمِلَة (٢) … ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممن ترجى له من بعد والدِهِ … كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر فبكى عمر حتى بلت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء، فقال جرير: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر فقال له: يا جرير، أأنت من المهاجرين الأولين؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد الأنصار؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد التابعين باحسان؟ قال: لا، قال: أفمن فقراء المسلمين فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدري فوق ذلك، قال: أفأنت ابن سبيل فنُعينك على سفرك؟ قال: وقدري فوق ذلك، فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفتين حقًا، فولّى جرير، فقال عون: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء كانت تعود الاحسان، وإن مثل لسانه يتقى، فقال عمر: ردّه، فردّ، فقال: يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارًا وأربعة أثواب، فأقاسمك ذلك؟ فقال: بل نوفّر يا أمير المؤمنين، ونحمد، فلما خرج تلقاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني له لحامد، ولم يذكره بسوء، ورثاه حين مات. وقال البلاذري (٣): كتب عدي بن أرطاة الى عمر يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج امتنعوا من أداء ما عليهم، فكتب إليه: أما بَعْدُ فالعجب كل العجب من استأذانك إياي في عذاب البشر، كأنّي جُنّة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوًا فاقبله، ومن قامت عليه البيئة فخذه بما ثبت بالبينة عليه، ومَنْ أنكر استحلفه، فوالله لأن تلقوا الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم والسلام.

стр. 8405

وقال كاتبه اسماعيل بن أبي حكيم: ما كتبت له قط في أكثر من شبر حتى خرج من الدنيا (١). و دخل (٢) عليه مسلمة بن عبد الملك في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي بمعروف يا أمير المؤمنين؟ قال: بِمَ أوصي، والله ليس لي مال؟ قال مسلمة: هذه مائة ألف فَمُر فيها بما أحْبَبْتَ، فقال: أَوَ تَفْعَل؟ قال: نعم، قال: تردّ على مَنْ أُخِذتْ مِنْهُ ظلمًا، فبكى مسلمة وقال: رحمك الله، لقد ألِنْتَ لنا قلوبًا قاسية، وأبقيت منا في الصالحين ذكرًا. [١١] دولة يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبي خالد عريق في العظام البالية، حقيق بالملك، أبواه مروان ومعاوية (٣)، بايعه بالعهد أخوه سليمان، وقد كان هم بهذا أبوه عبد الملك بن مروان، وقال سليمان إذ عهد إليه بعد عمر بن عبد العزيز: لولا إني أخاف اختلاف بني مروان ووقوع الفتنة ما وليت يزيد ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز. وقال عمر حين احتضر (٤): لو اخترت للأمة غير يزيد كان ذلك أولى، ولكني أخاف أن أخرجتها من بني عبد الملك أن تقع فتنة وفرقة، وأنا أولي سليمان ما تولى، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم. وهو أول من غالى بالقيان، وعالى في تشييد هذا البنيان، وما منع هواه عن قينة، ولا قطع في غير مناه آونةً ولا فينة، وانعكف على اللهو والطرب والزهو بخرائد العرب، ولبث مدة ملكه بين النساء يجرّ ذيول الغانيات، ويُسَرّبهن بائنات ودانيات، عشق سلامة (٥) وحبابة (٦) وطفق على المدامة والصبابة، فظل يرتشف ثغر قدح أو
следующие страницы →