← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

وكان (١) عمر يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب، وقال عمر لرجل: مَنْ سيّد قومك؟ فقال: أنا، قال: لو كنت كذلك ما قلته. وقال المدائني (٢): جمع عمر بني مروان فقال: يا بني مروان، أني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم، فأدوا بعض ما عندكم الى بيت مال المسلمين، فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا، فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان ان الله فيكم ذبحًا ولولا أن تستعينوا عليَّ بمن أطلب هذا المال منه لأضرعتُ خدودكم. وقال المدائني (٣): كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه ان مدينتنا تحتاج الى مرمة (٤)، فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، فحصن مدينتك بالعدل، ونقها من الظلم والسلام. وقال: كتب عمر إلى عبد الحميد (٥) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة: اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات والسلام. وقيل لعمر: أي الجهاد أفضل؟ قال: جهاد المرء هواه (٦). وقال المدائني: قال رجاء بن حيوة: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فكاد المصباح يُطفى، فقمتُ لأصلحه، فقال: مَه ان جهلًا بالرجل أن يستخدم ضيفه ثم قام فوجد غلامه نائمًا فلم يُوقظه، وتولى صلاح المصباح، ثم عاد فقال: قُمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز، وقعدت وأنا ذاك (٧). قالوا (٨): وكان عبد الملك ابنه زاهدًا خيرًا، فقال له: يا بني لأن تكون في ميزاني أحبُّ إليّ أن أكون في ميزانك، فقال: ولأن يكون ما تحبّ أحبّ إليَّ من أن يكون ما أحبّ، فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس، وقد اكتحل، فسأل عنه فقال: قد سكن (علزه) (٩) ورجاه أهله، وما كان في حال أحب إلي من

стр. 8402

حاله، ثم علم بموته، فقيل له: فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان وانصرف من جنازته، فرأى قومًا ينتضلون، فقال لبعضهم، أخطأت، فافعل كذا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس في موت عبد الملك ما يُشغل عن نصيحة المسلم. وكان سعيد بن مسعود المازني عاملًا لعدي بن أرطاة (١) على عُمان فأخَذَ رجلًا من الأزد (فضربه) (٢) مائة سوط في ناقةٍ أرادها منه، فأتى الى عمر وشكى إليه وأنشده قول كعب الأشقري (٣): [من الكامل] إن كنت تحفظ ما يليك فإنما … عمال أرضك بالعراق ذئاب (٤) لن يستقيموا للذي تدعواله … حتى تضرب بالسيوف رقاب (٥) بأكف منصلتين أهْلِ بصائر … في رفعهن مواعظ وعقاب (٦) لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيتُ منقطعًا بي الأسباب (٧) فقال عمر: لمن هذا الشعر؟ فقال: لرجل من أزد عمان يقال له كعب، فقال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون بمثل هذا الشعر، فكتب إلى عدي بن أرطاة: إنّ استعمالك سعيد بن مسعود قَدَرٌ من الله قَدَّرَهُ عليك، وبليّة ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليَّ مشدودًا موثقًا، فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدًا الى عمر، فلما دَخَلَ عليه كلَّمَهُ عمر فقال: أصلحك الله، اتكلّمني وأنا موثق؟ أطلق عنّي حتى أتكلّم بحجتي، فأطلق عنه، وقال للأزدي: أضْرِبْهُ، فقال قُمير بن سعيد: أنا الذي ضربته ولم يضربه أبي، قال: فاعط الأزدي

стр. 8403

سوطًا، وقال عمر: قم فاجلده كما جَلَدَكَ، فَجَلَد قميرًا مائة سوط، فقال له أبوه: يا قمير أضرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعض على نواجذك، وأذكر أحاديث غَدْ، وإياك وذكر الله فإنه معجزة. وقال المدائني (١): قال عمر: ما قرن شيء الى شيء أحسن من علم الى حلم وعفو الى مقدرة. وقال (٢): وقال عمر: تعلموا العلم، فإنه زين للغنيّ، وعون للفقير لا أقول انه يكسب به ولكنّه يدعوه الى القناعة. وقال البلاذري (٣): قدم وفد على عمر من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتهيأ للكلام، فقال عمر: ليتكلم أكبركم سِنًّا، فقال الفتي: يا أمير المؤمنين ليس الأمر بالسن، ولو كان كذلك لكان في المسلمين مَنْ هو أَسَنُّ منك، قال: صدقت، فتكلّم، فقال: إنا لم نأتِكَ رَغبةً ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا ودخَلَتْ علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنا قد أمناها بعدلك، قال: فما أنتم؟ قال: نحن وفد الشكر، فنظر محمد بن كعب القرظي (٤) الى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين: لا يغلبن جهالة القوم، بل معرفتك بنفسك (٥) فإن من الناس ناسًا غرَّهم الستر، وخَدَعهم حُسْنُ الثناء، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم، فبكي عمر ﵀. وقال البلاذري (٦): وَفَدَ جرير على عمر بن عبد العزيز فَغَبَر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يريد الدخول عليه، قال: كان قارئًا، فقام إليه جرير فقال له: [من البسيط] يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني (٧) أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنَّي لدى الباب كالمقرون في قَرَنِ فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلتُ إن شاء الله، فلما دخل عون على عمر سلّم

стр. 8404

وجَلَسَ حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عون عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن ببابك جرير بن عطية الشاعر وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يُمنع أحد من الدخول علي، قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه يطلب إذنًا خاصًا ينشدك فيه، فقال: يا غلام، أدخل جريرًا، فأدخل عليه وعون جالس، فأنشد جرير: [من البسيط] أأذكر الجهد والبلوى التي شَمَلَتْ … ام اكتفي بالذي أبليت من خبري (١) كم بالمواسم من شعثاء مُرمِلَة (٢) … ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممن ترجى له من بعد والدِهِ … كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر فبكى عمر حتى بلت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء، فقال جرير: هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر فقال له: يا جرير، أأنت من المهاجرين الأولين؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد الأنصار؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد التابعين باحسان؟ قال: لا، قال: أفمن فقراء المسلمين فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدري فوق ذلك، قال: أفأنت ابن سبيل فنُعينك على سفرك؟ قال: وقدري فوق ذلك، فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفتين حقًا، فولّى جرير، فقال عون: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء كانت تعود الاحسان، وإن مثل لسانه يتقى، فقال عمر: ردّه، فردّ، فقال: يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارًا وأربعة أثواب، فأقاسمك ذلك؟ فقال: بل نوفّر يا أمير المؤمنين، ونحمد، فلما خرج تلقاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني له لحامد، ولم يذكره بسوء، ورثاه حين مات. وقال البلاذري (٣): كتب عدي بن أرطاة الى عمر يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج امتنعوا من أداء ما عليهم، فكتب إليه: أما بَعْدُ فالعجب كل العجب من استأذانك إياي في عذاب البشر، كأنّي جُنّة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوًا فاقبله، ومن قامت عليه البيئة فخذه بما ثبت بالبينة عليه، ومَنْ أنكر استحلفه، فوالله لأن تلقوا الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم والسلام.

стр. 8405

وقال كاتبه اسماعيل بن أبي حكيم: ما كتبت له قط في أكثر من شبر حتى خرج من الدنيا (١). و دخل (٢) عليه مسلمة بن عبد الملك في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي بمعروف يا أمير المؤمنين؟ قال: بِمَ أوصي، والله ليس لي مال؟ قال مسلمة: هذه مائة ألف فَمُر فيها بما أحْبَبْتَ، فقال: أَوَ تَفْعَل؟ قال: نعم، قال: تردّ على مَنْ أُخِذتْ مِنْهُ ظلمًا، فبكى مسلمة وقال: رحمك الله، لقد ألِنْتَ لنا قلوبًا قاسية، وأبقيت منا في الصالحين ذكرًا. [١١] دولة يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبي خالد عريق في العظام البالية، حقيق بالملك، أبواه مروان ومعاوية (٣)، بايعه بالعهد أخوه سليمان، وقد كان هم بهذا أبوه عبد الملك بن مروان، وقال سليمان إذ عهد إليه بعد عمر بن عبد العزيز: لولا إني أخاف اختلاف بني مروان ووقوع الفتنة ما وليت يزيد ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز. وقال عمر حين احتضر (٤): لو اخترت للأمة غير يزيد كان ذلك أولى، ولكني أخاف أن أخرجتها من بني عبد الملك أن تقع فتنة وفرقة، وأنا أولي سليمان ما تولى، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم. وهو أول من غالى بالقيان، وعالى في تشييد هذا البنيان، وما منع هواه عن قينة، ولا قطع في غير مناه آونةً ولا فينة، وانعكف على اللهو والطرب والزهو بخرائد العرب، ولبث مدة ملكه بين النساء يجرّ ذيول الغانيات، ويُسَرّبهن بائنات ودانيات، عشق سلامة (٥) وحبابة (٦) وطفق على المدامة والصبابة، فظل يرتشف ثغر قدح أو

стр. 8406

جارية، لا يطبي (١) شيخ ولا جارية، كأن العرب ليسوا بآبائه، أو بالعرب ليسوا على آبائه، وعَمَدَ يزيد الى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لا يوافق رَأْيَهُ ولا يطابق تنكبه عن الحق ولائه، فردَّهُ الى ما كان عليه قبل عمر وعدَّه من إحسان ما أمر، ولم يخف فيه إثمًا في دنيا و لا آخرة، ولا كلّما ظلمًا تبع به أوائله واستلحق أواخره، إصرارًا على الحنث العظيم، واغترارًا بالله الحليم، هذا وهو كريم يقفى على منهجه، ويُعفى صنائع السحاب بانصباب خُلُجِهِ، وله فتوّة ما أخْلَقَ انهماكه على الطرب، يردها، ولا أخْلَف عهدها لما خُلق في عنصره القرشي طباعا واطبق على جوهره الاموي شعاعا. حكى المدائني عن محمد بن خالد قال: كان لسعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسد (٢) قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فكان يزيد إذا ركب الى الجمعة توافيا في موضع واحد، فقال له يزيد في بعض الجمع: ما أراك تخل في جمعة واحدة، فقال له سعيد: إن قصري بحيال قصرك، فإذا ركبت ركبت فتلاقينا في هذا الموضع، فقال يزيد: فإنّ لي إليك حاجة، قال: إذا لا يرد عنها أمير المؤمنين، قال: تهبني قصرك، قال: هو لك يا أمير المؤمنين، قال يزيد: فلك خمس حوائج، قال سعيد: أن تردّ قصري عليّ، قال: نعم قد فَعَلْتُ، فاذكر الأربع، فذكرها، فقضاها له يزيد. وها أنا اذكر شيئًا من أمره مع سلامة وحبابة (٣). أما سلامة فكانت لرجل من أهل الكوفة اشتراها سهيل الزهري (٤) ثم اتصلت بيزيد، وكانت تعرف بسلامة القس لأنه كان يهواها صفوان (٥) بن أمية الجمحي

стр. 8407

المسمّى بالقس لعبادته، هوىً لا يكدره آثام، ولا يغيره أن هواؤه مرت ريحه على حرام، وله فيها شعر منه: [من الكامل] ما بال قلبك لا يزال يهيجُهُ … ذِكرى عواقب غبهنّ سَقَامُ (١) باتت تعللنا وتحسب أنّنا … في ذاك أيقاظ ونحن نيام حتى سطع الصباح لناظر … فغدا وقربك بيننا أحلام (٢) قد كنت أعذر (٣) في السفاهة أهلها … فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأَعْلَمُ أنّما … سُبُل الضلالة والهدى أقسام أما حبابة، فكانت تسمى العالية، كانت لرجل من الموالي بالمدينة، ثم اشتراها يزيد، وكان بكل واحدة منهما كلفًا هائمًا، لا يقبل فيهما عادلًا ولا لائمًا، قد قصر على مجالستهما زمانه، وعلى مؤانستهما بيانه صادف هواهما قلبه فارغًا فتمكن في سويدائه وتوطن به شغَفَه بهما حتى صار أكبر دائه (٤). [١٢] دولة هشام (٥) بن عبد الملك أبي العباس ملك همام، وفلك لا يطاوله يَذْبُل ولا شمام (٦)، بعزمةٍ لا يفري فَرْيُها، وهمة لا يقصر عبقريها، هو الأحول الحول، المنوّه المنوّل، وهو واحد القوم، ولا لوم، لم يكن في القوم أحوط منه حزمًا، ولا أحوج إلى أن لا يجد عزمًا، بما طاوَعَتْهُ المقادير وتابعته، لا يلوى بالمعاذير، ومنه البقية الأموية الداخلة الى الاندلس أيام

стр. 8408

السفاح، الداخرة لخوفها في قصوره تحت العمد والصفاح حتى هبت ريحها، وذهبت فيحها، وإنما كانت بقية من سعادتِهِ رُدَّت على الأعقاب، وردت ملابس الملك الجدد للأعقاب، حتى توقد جمرهم الخامد، وكان هشام فحل بني مروان عزمةً لا يفت في عضدها، وهمةً لا يفوت حصول مقصدها، ولقد كان المنصور على اتساع عِلْمِهِ، وإجماع الناس على حزمِهِ، يعظم شأن هشام إذا ذكره، وإذا ذُكر في مجلسِهِ شَكَرَه، ولا يكشف العوائد إلا من دواوينه، وثوقًا بضبطه، ووقوفًا على أمور الملك على شرطه، وجمع هشام من الأموال ما طاول جُدر الخزائن اعتلاء، وأخرج صدور البيوت إمتلاء، وأحوج الشمس ان يظهرها اجتلاء، إلا أنه كان مفرطًا في البخل، لو تخيل أن له شبيهًا في ضَنانِتِه يُخل، كانت يده مغلولة، ومدده كلها لا يُرى له فيها صرة محلولة، ما عرفت أنامِلُهُ يومًا بسطا، ولا نائله مكانًا إليه يتخطى، إلا أن رأيه كان يصيب المقاتل، ويصيد المخاتل، بتوفيق ما خانه منذ عاهده، ولا حلّ رأيه تأييده منذ عاقده، فما حال حائل بينه وبين من عائده، ولا حوّل حتى راجع ما أراده وعاوده. وكانت خلفاء بني العباس تؤامر دواوينه وتداوم قوانينه، وثوقًا بحزمه الذي لم يكن فيه مطمع، وعزمه الذي ما رآه السيف إلا أوى إليه بالسجود أو انحنى ليركع. قال البلاذري (١): كنيته أبو الوليد، وكان أحول بخيلًا، وأمه أم هشام بنت الوليد بن المغيرة (٢) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال: عائشة بنت هشام ويقال: مريم بنت هشام، وكانت أمه حمقاء، وكانت تُثني الوسادة، ثم تركبها وتزجرها، فطلقها عبد الملك، وسار الى مصعب وهي حامل، فلما قتله بَلَغَهُ مولد هشام، فسماه منصورًا تفاؤلًا بذلك، وسمَّتْهُ أُمُّه هشامًا باسم أبيها، وولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب سنة اثنين وسبعين، وأَتَتْهُ الخلافة وهو بالزيتونة (٣)، ومات بالرصافة التي بقرب الرقة في شهر ربيع الآخر لست خَلَوْنَ منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر، ومات ليلة الاربعاء لسبع خَلَوْنَ من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة وهو

стр. 8409

ابن ثلاث وخمسين سنة. قال المدائني (١): لما خُلِعَ يزيد (٢) بن المهلب وجّه إليه يزيد بن عبد الملك مسلمة ابن عبد الملك والعباس (٣) بن الوليد بن عبد الملك، وقال: أمير الجيش مسلم فإن حَدَثَ به حدث فالعباس بن الوليد، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق قوم غُدُر كثيرٌ إرْجافُهُم، وأنت توجّهني محاربًا، والأحداث تحدث، ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا مات أمير المؤمنين ولم يعهد، فيفت ذلك في أعضاد أهل الشام ويدخلهم له الوهن والفشل، فلو بايعت لعبد العزيز (٤) بن الوليد، قال: غدًا إن شاء الله، وبلغ مسلمة ذلك فَدَخَلَ على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أَوَلَدُ عبد الملك أحبُّ إليك أم ولد الوليد؟ قال: ولد عبد الملك إخوتي، وأحَبُّ إليَّ، قال: أفابنُ أخيك أحبُّ إليك وأحق بالخلافة من أخيك؟ قال: لا، قال: أفتبايع لعبد العزيز؟ قال: لا غدًا أبايع لهشام أخي، وبعده للوليد ابني، وبلغ عبد العزيز قوله، وأتاه مولى له وهو لا يعرف الخبر فقال له: يا أبا الاصبغ غدًا يبايع لك، قال عبد العزيز: هيهات، أفْسَدَ ذلك علينا مَسْلَمة ونقضه، فلما كان الغد بايع لهشام ومن بعده لابنه الوليد بن يزيد، فكان يزيد إذا نظر إلى الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشامًا بيني وبينك. وقال المدائني (٥): كتب سليمان بن عبد الملك إلى أبيه، إن بغلتي عجزت عني،

стр. 8410

فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة، فكتب إليه: قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وقد ظنّ أمير المؤمنين ان عجز بغلتك عنك من قلة تعهدك لها، وان علفها يضيع، فتعهد دابتك وقم عليها وسيرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك إن شاء الله، والسلام. قال (١): وكتب الى بعضهم: قد أتت أمير المؤمنين الكمأة التي بعثت بها إليه وهي خمسون، وقد تغيّر بعضُها، ولم يُؤت ذلك إلا من قبل حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين بشيء من الكمأة، فأجد الحشو في طرقه بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضها بعضًا إن شاء الله. قال (٢): وقال الابرش، وهو سعيد بن الوليد بن عبد عمرو لهشام، وكان جليسه وأنيسه: يا أمير المؤمنين، لو ينادى رجل في عرض الناس: يا مفلس، فسمع رجل من جلسائك نداءه ما ظنّ أنَّه عنى غيره. ودخل أبو النجم (٣) العجلي على هشام، فقال له: كيف رأيك في النساء؟ قال: ما لي عندهن خير، ولا لهنّ عندي خير، فقال: ما ظنّك بأمير المؤمنين؟ قال: مثل ظني بنفسي، فبعث هشام إلى جواريه، فأخبرهنّ بما قال أبو النجم فقلن: كذب عدو الله ما منا جارية تصلي حتى تغتسل، فوهب لأبي النجم جارية منهنّ، ثم سأله عما صنع،، فأنشده (٤): [من الكامل] نَظَرت فأعجبها الذي في درعها … من حسنه ونظرتُ في سرباليا فرأت لها كفلا ينوء بخصرها … ثقلًا وأخثم في المجسة رابيا ورأيت منتشر العجانُ مقَلَّصًا … رَخْوًا حمائِلُهُ وجِلْدًا باليا أدني له الركب الحليق كأنما … أدني إليه عقاربًا وأفاعيا وهم (٥) هشام ان يكتب الى عامله على المدينة بإشخاص أشْعَبَ الطامع إليه، فقال له الأبرش: أتتحدث الناس بأنك كتبت على عاملك بمدينة رسول الله ﷺ ،

стр. 8411

فأشخص منها مضحكًا لتلهو به، فقال: أمسكوا أمسكوا، فإنها وصمة عظيمة، ثم قال بيتًا زعموا أنه لم يقل قط بيتًا غيره، ويقال أنه تمثل به: [من الطويل] إذا أنت لم تُعْصِ الهوى قادك الهوى (١) … إلى بعض ما فيه عليك مَقَالُ فقال المدائني (٢): رأى عبد الملك بن مروان كأن ابنة هشام بن إسماعيل فلقت رأسه، فلطعت منه عشرين لطعة، فغمَّهُ ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيب من قصها عليه، فقال سعيد: تَلِدُ غلامًا يملك عشرين سنة، فولدت هشامًا. قال المدائني (٣): كان هشام يتكلم بكلمات في العيدين في خطبة لا يقولهن في غير هذين اليومين، ثم يخطب بعد ذلك: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى وما شاء منع، ومن شاء خَفَض ومن رَفَع، ومن شاء ضرّ ومَنْ شاء نفع. وقال المدائني (٤) وغيره: قال مسلمة بن عبد الملك لهشام وتلاحيا في شيء: كيف ترجو الخلافة وأنت جبان بخيل؟ فقال: لأني عفيف حليم. وقال المدائني (٥): كان المنصور يذكر هشامًا فيقول: كان رجل القوم. قال (٦): وبعث هشام إلى أبي حازم (٧) الأعرج فأبطأ عليه، ثم أتاه، فقال: ما منعك من إتياني؟ قال: والله لولا مخافة شرِّك ما أتيتك، قال: ما ترى في إنفاق هذا المال؟ قال: إن أخذته من حلّه ووضعته في حقه سلمت، وإلا فهو ما تعلم. قال (٨): وكان هشام إذا حدث قال: ألقوا عنّي مؤنة التحفظ. قال (٩): وكان المنصور إذا ذَكَرَ بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبارًا لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونًا، وأما سليمان فكان همه بطنُهُ وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام. قالوا: وكان الجَعْدُ بن (١٠) درهم، مؤدب مروان بن محمد ومعلمه، وكان دهريًا

стр. 8412

ويقال له: معتزليًا، شهد عليه ميمون (١) بن مهران، وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، وطلبه هشام فهرب إلى حرّان ثم إنه ظفر به، فحمل إلى هشام، فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد (٢) بن عبد الله القسري، وهو عامله على العراق بأن يحبسه عنده، فلم يزل محبوسًا حينًا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره تعلمه بطول حبسه وسوء حال عياله، فقال: أو حي هو؟ وكتب إلى خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس، انصرفوا إلى أضاحيكم فإني مضح بعدو الله الجعد بن درهم. قالوا (٣): وكان غيلان يقول: كلّمت جعدًا فوجدته معطلا. قال المدائني (٤): وكان عقال بن شبة يقول: دخلتُ على هشام، فدخَلْتُ على رجل محشو عقلًا. قال البلاذري (٥): بعث يوسف بن عمر الى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من الكف، وحبَّة لؤلؤ من أعظم ما يكون من الحبّ، قال الرسول: فدخلت على هشام فدنوت منه، فلم أر وجْهَهُ من السرير وكثرة الفرش فلما تناول والحجر والحبّة قال: كتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين هما أَجَلّ بأن يكتب بوزنهما، ومن أيْنَ يوجد مثلهما؟ قال: صدقت، وكانت الياقوتة لرابعة جارية خالد بن عبد الله القسري، اشترتها بثلاثة وتسعين ألف دينار. ومات هشام (٦) بالذبحة، فروى عن سالم ابي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يومًا وهو كئيب، يُعرف ذلك فيه، مسترخي الثياب، قد أرخى عنان دابته، فقال: ادعوا الأبرش، فدعي، فسار بيني وبين الأبرش، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين:

стр. 8413

لقد رأيت منك ما غَمَّني، قال: ويحك يا أبرش، وكيف لا أغْتَم وقد زعم أهلي اني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يومًا. قال الأبرش: فلما انصرفت الى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجِبْ واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عَرَضَتْ له مَرَّة فتداوى بذلك الدواء، فانتفع به، قال: فأتيته ومعي الدواء، فتغرغر به فازداد الوجَعُ شدّةً، ثم سكَنَ، فقال: قد سَكَنَ بعض السكون، فانصرف إلى أهلك، وخلّف الدواء عندي، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقمًا يسخن فيه ماء لِغَسْلِهِ فما وجدوه، حتى استعاروا قمقمًا، وكان الوليد (١) شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلّف عياض بن مسلم، مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه الأخبار، فَعَتَب عليه هشام، فضربه وحبسه، وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئًا فمنعه، فقال: أرانا إنما كنا خزانًا للوليد، ثم مات من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وُجِدَ له كَفَنُ، حتى كفَّنَهُ غالب مولى هشام، فتبًا لدنيا متاعها قليل وعزيزها ذليل، بينما المرء خليفة، فإذا به جيفة. ومن كلام هشام (٢): اثنان يتعجلان النصب، ولعلهما ان يظفرا بالبغية: الحريص في حرصه، ومعلم البليد ما لا يبلغه فهمه. [١٣] دولة الوليد (٣) بن يزيد بن عبد الملك الجبار العنيد لقبًا ما عداه، ولقمًا سلكه فما هداه، حقيقةً تَمَهَّجَها، وطريقةً تهجمها فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعايب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، فبئس الورد المورود، والبرد المودي في ذلك اليوم المشهود، رَشَقَ المصحف بالسهام (٤)، وفَسَقَ ولم يخف.

стр. 8414

الأنام، وهو يُدعى بالإمام، ويسعى بما لم يحمد الله ولا الأنام، وأبرز جارية وطئها لتصلي بالناس في زي غلام (١)، ورضيها استخفافًا منه بذلك المقام، ولكنه كان فتى من فتيان قريش يرتاح للندى، ويلتاح قمرًا إذا بدا، لم يكن في بني مروان أفخم منه وسامة، ولا أفخر إذا لبس العمامة، يُعطي الألاف الآلاف، ولا يُبالي بالتلاف، جودًا خُلق من عنصره، وخُلق وهو نطفةً من عنبره، استنشد طوائف الشعراء وأجازهم، واستقدم أهل الغناء ليكمل به مجلسه وما عازهم، وما سَمِعَ بفتاة ذات جمال إلا هام بها، وهان عليه ما يبذل بسببها، لإفراط ولوعه بالقيان، ونزوعه الى المشاهدة منهنَّ والعيان، هوى سلمى وسعدى (٢)، وفنى بهما تيمًا ووجدا، خطبهما في آل عثمان اختين بكل واحدة منهن كَلَفًا انتهب خلبه، وشغَفَ شَغَفًَا سَلَبَ من صدره قلبه، حتى كانت تلك الميتة ميتته، وتلك البيتة التي صبح في غداتها بيتته ولجب عليه الدار، ولجت في طلبه بالدمار، فلما علم أن الموت قد أبرز له من خبء الضلوع دفائنه، وأنْشَبَ به من مدى الأعداء براثنه تاب حين لا متاب، وعتب حين لا ينفع الاعتاب ولا يُسمع العتاب، وأخَذَ المصحف وقعد يقرأ القرآن، ويدرأ الحد بالتظاهر بالإيمان، وبعد عن نفسه حين لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا يكفر سيئات إحسانها، ظنًا أنه بقية الإيمان، ويقول: يوم كيوم عثمان، وهيهات وقد حَضَرَت المنية، ونظرت إلى مواضعها في بيوته الرزيّة، ونَضَجَت على وريده رشاش البلية، وإنما عوقب بحق واضح، وحوبِ فاضح، انتهك حرمة الاسلام فأُخِذَ تلك الأخذة الرابية. وحكى ابن الاثير (٣): ان الوليد هذا قال: الغناء يزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وينوب عن الخمر، ويفعل ما لا يفعل السكر، فإن كنتم ولا بُدَّ فاعلين

стр. 8415

ف جنبوه النساء، فإن الغناء فيه الزنا، وأني لأقول ذلك على أنه أحَبُّ إليَّ من كل لذة، وأشهى لنفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع. حكى البلاذري (١) قال: وكانت عنده ابنة سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان فزارتها أختها سلمى بنت سعيد، وكانت من أحسن الناس وجهًا، فبصر بها الوليد ومن حديث المدائني قال (٢): دخل الوليد يومًا فجلس هشام، ثم أقبل هشام، فما كان الوليد يتزحزح له عن صدر المجلس، فرحل قليلًا، وجلس هشام، فقال: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح، قال: ما فَعَلَتْ برابطك؟ قال: معلمة، قال: فكيف ندماؤك؟ قال: لعنهم الله إن كانوا شرًّا من جلسائك، فغضب هشام وقال: أوجؤا عنقه، فلم يفعلوا ودفعوه دفعًا رفيقًا، فقال الوليد (٣): [من البسيط] أنا الوليد ابو العباس قد عُلِمتْ … عُلْيا مَعَد مدى كري وإقدامي أكون في الذروة العليا أن نسبوا … مقابلًا بين أخوالي وأعمامي (٤) وقال (٥): [من الطويل] أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي … ومروان جدي ذو الفعال وعامر أنا ابن عظيم القريتين وعِزُّها … ثقيفٌ وفهر والرجال الأكابر (٦) نبي الهدى خالي ومن يك خاله … نبي الهدى يعل النهى في المفاخر (٧) ولما زاد ضَرَرُ هشام به ونظر إلى ما يغشاه من قطيعته وسبّه، كتب إليه يقول (٨): [من الطويل] رأيتك تبني جاهدًا في قطيعتي (٩) … فلو كنت ذا عقل لهدمت ما تبني

стр. 8416

سترتك (١) للباقين عني ضغينة … وويل لهم ان مت من شر ما تجني وقال (٢) الهيثم بن عدي: كان الوليد يسمى البيطار، لأنه كان يصيد الحمر الوحشية، فَيَسِمُها بالوليد، ثم يخليها، فوجدت في أيام السفاح والمنصور (حُمُرٌ) (٣) موسومة باسمه، وكان يحبّ دخول الكوفة والحيرة، فخرج كالمتبدي (٤)، ثم أتى الكوفة فنادمه شراعة (٥)، ومطيع بن أياس (٦) وحماد الراوية (٧) وحماد عجرد (٨) وبعض آل أبي معيط (٩)، وكان ممن سمع بها فأعجبه غناء قينتين لعبد الله بن هلال الهجري المعروف بصديق إبليس، فقال (١٠): [من الكامل] يا أهل بابل ما نفست عليكم … من عيشكم إلا ثلاث خلال خمر العراق وليل قيظ باردٍ … وسماع مُسمعتين لابن هلال

стр. 8417

روى البلاذري (١) عن اسحاق بن محمد (٢)، قال: دخلت على منصور (٣) بن جمهور وعنده جاريتان من جواري الوليد فقال: اسمع ما يحدثانك به، فقالتا: كنا آثر جواريه عنده فوطئ هذه، فجاء المؤذن يؤذنه بالصلاة، فأخرجها وهي جنب متلثمة فصلت بالناس. وحكى أن نقش خاتمه كان: أؤمن بالله مخلصًا، وإنه كان يقول: عقيب كل حوب استغفر الله. قال البلاذري (٤): كان الوليد شديد البطش، طويل أصابع اليدين والرجلين تُوتّر له سكة الحديد، وفيها خيط، ويُشدّ الخيط في رجله، ويؤتي بالدابة فيثب عليها، فينزع السكة ويركب، ما يمس الدابة بيده. ورو (٥) مسلمة بن محارب: إن أيوب (٦) السختياني قال حين بَلَغَهُ مقتل الوليد: ليتهم تركوا لنا خليفتنا فلم يقتلوه، قلت (٧): وإنما قال ذلك خوفًا من الفتنة. وقال (٨) المهدي يوما وقد ذكر الوليد ﵀ ولا رحم قاتله فإنه قد كان إمامًا مجمعًا عليه، فقيل له: إن الوليد كان زنديقًا، فقال: إن خلافة الله (أجل) (٩) من أن يوليها من لا يؤمن به. قلت: ولئن صح أن المهدي قال هذا من سوء رأي القوم في أخيار بني أمية

стр. 8418

كيف في شرارهم!! فإنما قاله إقامة لحرمة الخلافة أن تنتهك، وللوليد (١): [من الطويل] واقسم ما ادنيت كفي لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تُصبني مصيبةٌ … من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي [١٤] دولة يزيد (٢) بن الوليد بن عبد الملك، أبي خالد وكان أقيل، وأمه شاهفريد (٣) بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار، مقابل في الملك بين أبيه وأمه، وعزمه وعجمه، تطرّف بجلبابي تقى ونسك، وخلافة وملك، يجاذبه طرفا شرف حلّ فيهما وما حلّ في طرف. وكان يلقب بالناقص، لأنه نقص في العطاء، وغصص على البعداء والخلطاء، وما أراد إلا مناقضة الوليد ومعارضة سفاهه بالرأي السديد، (فأداه فعله الى خلاف ما يريد، وعداه الغرض في الاقتصاد الى التشديد) (٤) فكره على عظيم شرفيه، وكريم فخاره الملتقين من طرفيه، وما كان موسومًا به من الجمال الفائق، ومعلومًا منه من الكمال اللائق، ومعروفًا به من النسك والتألّه، وموصوفًا به من التخلق بأخلاق السَّلَف الأول والتشبه وافراطه في التواضع حتى كأنه ما امتاز عن الناس، ولا حاز ما يشمخ بدونِهِ الراس، على أنه تذكّر يومًا سَلَفَهُ فذكر شرفه فقال (٥): [من الرجز] أنا ابن كرى وأبي مروان وقيصر جدي وجدي خاقان

стр. 8419

قلت: وإنما جعل قيصر وخاقان جدّيه لأن أم فيروز بن يزدجر بن كسرى شرويه أم أبيه وأمها ابنة قيصر، وأم شيروية ابنة خاقان ملك الترك، ذكره ابن الاثير (١)، وكان أبوه الوليد بن عبد الملك يذكر وِلْدَهُ فيقول (٢): عبد العزيز سيدهم، والعباس أفرسهم، ويزيد ناسكم، وروح عالمهم وعمر فحلهم (٣) وبشر فتاهم. ولقي (٤) يزيد بن الوليد أيوب السختياني في السنة التي حج بها فكتب عنه وكان كثير الصلاة طول الليل. وقال ابن الاثير (٥) عنه: قيل إنه كان قدريًا، وكان أسمر طويلًا صغير الرأس جميلًا، وقال: إنه أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح، قال: وكان آخر ما تكلّم به، يعني عند موته: واحسرتاه واأسفاه. وكان نقش خاتمه: العظمة لله، ولما ولى الخلافة عاتبته (٦) امرأته هند الكلبية التي تدعى بنت الحضرمية فقالت: أوسع علينا، فقال لها: لقد فسدت علي فيمن فسد، أما لو علمت أنكم تميلون الى الدنيا هذا الميل لكان أن أخرّ من السماء الى الأرض أحب إلي من أن أتلبس بما تلبستُ (٧) به، ومالك في هذا المال إلا بالسوداء أو حمراء من المسلمين، ولكن ائتيني بثيابي، فجاءت تنحب، فقال لها: هذه ثياب كنت أتزيّن بها، فشأنك فخذيها فإنه لا حاجة لي اليوم فيها، فأما مال المسلمين، فلا حق لي ولا لك فيه الا مثل ما للمسلمين (٨). ولما ولى خطب الناس فقال (٩): أيها الناس إني والله ما خرجت بطرًا (١٠) ولا حرصًا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما أقول هذا إطراء لنفسي (١١)، إني لظلوم لها (١٢) إن لم يرحمنى ربّي، ولكن خرجتُ غَضَبًا لله ولدينه (١٣)، وداعيًا الى الله وكتابه وسنّة نبيه، لما هدمت معالم الدين، وعفا أثر الحق وأطفئ نور الهدى (١٤)، وظهر الجبار العنيد المستحلّ لكل حرمة، الراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يُصدِّق

стр. 8420

بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمّي في النسب، وكفيي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في امره (١) حتى أراح الله منه بحول الله وقوته لا بحولي وقوتي. أيها (الناس) (٢) ان لكم أن لا أضع حجرًا على حجر، ولا لبنةً على لبنة، ولا أكري فيكم نهرًا، ولا أبني قصرًا، ولا أكنز مالًا ولا أوثر به (٣) زوجةً ولا وَلَدًا، ولا أنقل مالًا من بلد الى بلد حتى أسد ثغره وخصاصة (٤) أهله بما يُغنيهم، فإن فضل فَضْل نقلته الى البلد الذي يليه مما هو إليه أحوج (٥)، وعليكم أن لا أغلق (٦) بابي دونكم فيأكل قويّكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يُجليهم عن بلادكم (٧)، وعندي إدرار عطاياكم (٨) في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيتُ لكم بما قلت، فعليكم السمع والطاعة، وحُسْن المؤازرة، وإن أنا لم أفعل (٩) فلكم أن تخلعوني (١٠). ثم لما مات يزيد بن الوليد انبثقت البثوق (١١) وكثرت الخوارج ودعا كل الى نفسه. [١٥] دولة إبراهيم (١٢) بن الوليد بن عبد الملك، أبي إسحاق وكان مغلبا لا يغلب، ومضعفًا لا يرغب ولا يُرهب، عدما في ذي وجود،

стр. 8421

ومعدمًا في مثل ذي مال وجنود، بايَعَهُ الناس لما ولى أخوه يزيد بالعهد بعده، وعقدوا له عقدةً وما أحكموا شده، فلما مات يزيد جدّدت له بيعة ما تمت، وجندت له قلوب ما خصّت مولاتها ولا عنّت، وكان بدمشق، ما نفذ له أمر وراء سورها، بل ولا جاز فناء دورها، وكان يخاطب تارةً بالخلافة وتارة بالامارة، وهو كالبعير، لا عير لديه ولا نكير، ولا رمح ضرير ولا سيف شهير، ولا اتباع مأمور ولا متابعة أمير، وقد كان حين وثب أخوه على الوليد حصاة لا يستلينها نفس بازغ، لكنه مني بعوائق الخذلان، ورمي سوابق الخلان، خَذَله أصحابه، وهزله أربابه، فما هم بأمر فقدر عليه، ولا قهر سواه حتى وصل إليه، ولم تكن مبايعته إلا شقوةً طبع بطابعها، وهفوة ضربت عنقه بأسياف مطامعها، ودام ملك بني أمية على هذا الهوان حتى ملك مروان، ورفع بالسيف هذا العار، ونزع ما جلّلهم من شبه هذا الرداء المعار. وقال البلاذري (١): قالوا بويع ابراهيم وهو المخلوع، وأمه ام ولد، بالخلافة في أول سنة سبع وعشرين ومائة (٢) بعد موت يزيد أخيه الناقص وكان نقش خاتمه إبراهيم يثق بالله، وكان مروان بن محمد بن مروان حين قتل الوليد قدم الجزيرة فدعا الى نفسه سرًا، وسمى الوليد الخليفة المظلوم وأظهر أنه يطلب بدمه، وقال: إنما قتلته قدرية غيلانية، فبايعه خلق من أهل الجزيرة، ثم ظهر أمره بعد بيعة إبراهيم بنحو شهر بحران، وقال: أمري شبيه بأمر معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ثم انه سار بأهل الجزيرة وقنسرين وحمص يريد إبراهيم، وبعث الى الناس ان إنهضوا المحاربة هذا القدري أخي القدري الغيلاني المبتز لأمور الناس بالبدعة (٣) والضلالة فإن جهاده واجب على كل مسلم، فقد كنت على مجاهدة أخيه، فسبقني بهِ أجَلُه، فوجه إليه إبراهيم أخويه بشرًا ومسرورًا ابني الوليد، فأسرهما وفض عسكرهما، فوجه إليه ابراهيم سليمان (٤) بن هشام بن عبد الملك في خيول أهل دمشق، فالتقيا بعين الجر (٥) من البقاع من عمل بعلبك في صفر سنة سبع وعشرين، فتناوشوا يومهم،

стр. 8422

ثم بكّروا على الحرب، فاقتتلوا أشدّ قتال، فانهزم سليمان ومن معه، فلحق بإبراهيم، وكتب مروان الى وجوه أهل دمشق، يُعلمهم أن الذين بايعوا يزيد الناقص شرارهم ورعاعهم وغواتهم ودعاهم الى طاعته، ووعدهم ومناهم على الوفاء والاحسان، فانتقضوا على إبراهيم، ونزل مروان بن محمد الغوطة (١)، فخرج إليه خلق فبايعوه، فلما رأى ذلك عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ويزيد بن خالد بن عبد الله القسري أخذا عثمان والحكم ابني الوليد فقتلاهما في محبسهما وخافا أن يتخلّصا فكان الناس يقولون: يا معشر الفتيان، أين الحكم وعثمان؟ وقال الشاعر حين أقبل مروان: [من الرجز] أتاك مروان شبيه مروان يجرّ جيشًا غضبًا للرحمن بتغلب الغلبا وقيس عيلان وَوَهَن أمر إبراهيم، واستخفى، ثم أخذ له الأمان وظهر، فكان مع مروان في طاعته، ولم يزل حيًا حتى قتله عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس مع من قتل من بني أمية، وكانت أيام ابراهيم أربعة أشهر ويقال ثلاثة اشهر وبعضهم يقول أربعين يومًا. ولما دخل مروان دمشق طلب عبد العزيز بن الحجاج ويزيد بن خالد القسري فظفر بهما فقتلهما بعثمان والحكم وجعلهما على باب الجابية (٢) أو باب الفراديس (٣). [١٦] دولة مروان (٤) بن محمد بن مروان أبي عبد الملك المنبوز بالجعدي وبالحمار، أما قولهم الجعدي فنسبة الى الجعد بن الدرهم، لأنه كان على مثل رأيه المبهم، وأما قولهم الحمار فقيل لشدته في الحرب تشبيهًا بحمار الوحش، إذ كان أحمى حامٍ لِسِريه، ومحامٍ عن مزاحمة الغرائب له في شربه.

стр. 8423

وكان مروان بن محمد رجل الدهر، إلا أنّه خانه، وبطل الكتيبة إلا أن الحظ ما أعانه، كان بالجزيرة ورعى كلأها، وهو بأطراف الأسنّة وبيل، وحمى ملأها وما لمدارج الرياح إليها سبيل، ثم كان بأرمينية يسد ثغرها وهو يَهْتِمُهُ، ويسد أمرها وهو يهدمه، ثم آب الى دمشق وفي ظنّه لم شعثها ويرم منتكثها، حتى تفرقت بها الآراء المجتمعة، وتمزقت الأمراء في طلب الدعة، وقوى هيج الرعايا للرعاع، وموج الثعالب الحقيرة لأكل السباع، وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره شكره وقال: هو فحل القوم، وإنما غلبناه بالجد لا باليد. وكان عبد الملك (١) بن صالح رجل بني العباس أمه أم ولد كانت لمروان بن محمد، ثم صارت الى صالح بن علي فولدت له عبد الملك، ويقال إنها حملت به من مروان وولدته على فراش صالح، فلما كان من توهم الرشيد منه ما كان، قال له يومًا كالمعير له: أنت لمروان لست لصالح، فقال: لا أبالي لأي الفحلين كنت، فلما غاب عنه قال الرشيد: لعمري إنه لا يبالي لأيهما كان. وقدم مروان دمشق وقد تصرّمت فتنها، وتصررت بحمل الحقود إحنها، فهدأ به اضطرابها، وتألفت به بنو أمية وبدأ اقترابها، ولكن بعد دماء أطلها، ودماء ساوى بالقتلى مطلها، فلما ظن ان السيف له قد دوّخ، والمغير عليه قد نوّخ، واطمأن وساده القلق، وعفى بالمسالمة من جفنه الأرق، ثارت عليه من خراسان تلك الثائرة، وانقلبت عليه تلك الدائرة، وأظلّت عليه الرايات العباسية ليالي تُطلع بدورا، ولمم شبيبة تتلألأ لأنها الوجوه نورا، فتراكم بسواد الشعار العباسي السيل، وأدبر بياض العلم المرواني في النهار لإقبال الليل. قال البلاذري (٢): أم مروان كردية، أَخَذَهَا أبوه من عسكر ابن الاشتر (٣)، وكان مروان بخيلًا، وبويع لأربع عشرة ليلة خَلَت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أبيض أحمر أزرق أهدل الشفة لا يخضب، ولم يكن بالذاهب طولًا، وكنت إذا

стр. 8424

استدبرته ظننت إن على كتفيه رجلين جالسين، واسع الصدر، وكان يقول: اللهم لا تبلني بطلب ما لم تجعل لي فيه رزقًا، وكان يقول في خطبته: اللهم (إنك) (١) أعْلَم بولينا وعدونا منا، فكن لنا وليًا وحافظًا، وكان غيورًا، وَجَدَ كتابًا الى جارية له من أمها فقال: مَنْ أَدْخَلَ هذا الكتاب، فقال خصي له: أنا، رحمتُ أمها لبكائها فأخذت كتابها، فقطع يد الخصي. وعرض الجند فشكوا في حلية رجل فأسقطه فقال: [من السريع] هَلاَّ بِعَينِ الجُرِّ خَلَّيتَني … لمَّا تَوافَى القَومُ في الخَندَقِ (٢) فأجازه. وهو أول من حلى الجند، وفيه يقول الشاعر: [من الرجز] يا أيها السائل عن مروانا دونك مروان بعسقلانا يجيد ضرب القوم والعطانا (٣) حتى ترى قتلاهم ألوانا قال البلاذري (٤): لما سار مروان بجند أهل الجزيرة، وتفرّق أصحاب بشر ومسرور من غير قتال، وجّه إبراهيم المخلوع بسليمان (٥) بن هشام، فنزل بعين الجرّ في خلق كثير، فنزل مروان بدير الأبرش في زهاء سبعين ألفًا وبينهما ثلاثة أميال، وكتب مروان كتابًا منه إلى أهل فلسطين: إني نزلت بدير الأبرش وسليمان بعين الجرّ، وطالعت عسكره بنفسي، فرأيتُ جمعًا كثيفًا، وأنا متوجه إليكم في طريق كذا، ودفع الكتاب إلى رجل وقال له: تعرّض لهم، ففعل، فأخذ وأتي به سليمان، فلما قرأ الكتاب قال: أنا أبو أيوب، هرب مروان والله لأحولن بينه وبين ذلك، وقال مروان

стр. 8425

لابنه اني مرتحل غدوة، فإن ارتحل سليمان من هذا المنزل فانزله وخلّفه في غَيْضَةٍ هناك كامنًا في ألفين، وأصبح مروان يوم الأربعاء فغدا (١) متوجهًا في طريق العرب، وخرج سليمان زَعَمَ يبارده الى الطريق التي ذكر مروان في كتابه انه يسلكها، وأقبل ابن مروان فنزل معسكره وسرح الى أبيه رسولًا يُعلمه ذلك فلما أَعْلَمَهُ الرسول رجع، وقد سار ستة أميال فصار في عسكر سليمان، فقال سليمان: مكر بنا مروان، وإنما فعل مروان ذلك لأن عسكر سليمان أخصب وأحصن وأكثر مياهًا، فقاتلهم مروان فظفر بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة يقال عشرة آلاف، ومضى سليمان منهزمًا الى دمشق، فأخذ مالها وقسمه، ثم كان من انتهاء الأمر من يد المخلوع إبراهيم الى مروان، وكان دخوله دمشق من باب الجابية وأتاه إبراهيم وخلع نفسه، فآمنه، وجاء سليمان بن هشام فآمنه، ثم حمل مروان ما كان بدمشق من الأموال وتحوّل الى الجزيرة، فنزل حران، وأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم بَلَغَهُ ان ثابت بن نعيم (٢) عامله على فلسطين قد خَلَعَ، فسار يريده، قالوا: وكان سبب خلع ثابت بن نعيم أن عطية (٣) ابن الأسود قال: [من البسيط] يا ثابت بن نُعَيْمٍ دعوةً جَمَعَتْ … عَقَّتْ (٤) أباها وعَقَّتْ أُمَّها اليمن أتاركٌ أنت مال الله تأكله … عَيْرَ الجزيرة والأشراف تُمتهن أوْقِدْ على مُضَرٍ نارًا يمانيةً … تشفي الغليل وتحيا بعدها السنن قلت (٥): وأقبل ثابت في زهاء خمسين ألف من لخم وجذام وغيرهم، فحصروا طبرية مدينة الأردن، وبها الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك عامل مروان فسار إليه أبو الورد (٦)، فلما التقوا خرج إليهم الوليد عامل طبرية في أهل الأردن

стр. 8426

فهزموا ثابتًا وقتلوا أصحابه، وتفرّق من بقي منهم عنه ومضى ثابت الى فلسطين واتبعه (أبو) (١) الورد ولحق ثابت بجبال الشراة (٢)، فظفرت به خيل لمروان قد كان وجهها مادةً لأبي الورد فأخذوه وأتوا به مروان وهو بدير أيوب، فقتله وأَفْلَتَ ابنه رفاعة. ثم كانت من أحوال مروان المتناقضة وأموره المتعارضة، وخلافته المحلولة المعاقد، ومملكته المتجاذبة بأيدي الثوائر، وجنوده المختلفة الآراء، وبنوده المنكسة بالخذلان ما كان حتى ابتزّت منه الدولة العباسية الخلافة قهرًا بالسيف. وحكى الحسن بن زيد بفرغانة قال: بَلَغَني أن مروان بن محمد مر على راهب في صومعةٍ وهو هارب من جيش أبي مسلم فأشرف عليه الراهب فسلم عليه، فقال له: يا راهب هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم، عندي من تلوّنه ألوان، قال: هل تبلغ الدنيا من الحر أن تجعله مملوكًا؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: هل تحبها؟ قال: نعم، قال: فأنت مملوك لها، قال: فكيف السبيل الى العتق؟ قال: تبغضها والتخلي عنها، قال: هذا ما لا يكون قال الراهب: أما تخليها منك فسيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك، قال: هل تعرفني؟ قال: نعم، أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان، وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك. قلت: ولمروان شعر يُروى منه (٣): [من الطويل] وما زال يدعوني الى الصبر ما أرى … فأبى ويُدنيني الذي لك في صدري سأبكيك لا مستبقيًا فيضَ عَبْرَةٍ … ولا طالبًا بالصبر عاقبة الصبر ويقال: ان نقش خاتمه كان: رضيت بالله العظيم. وقتل مروان بيوصير (٤)، وصار آخره الى ذلك المصير على ما هو ملمح، به في ترجمة أبي العباس السفاح، وملمع بخلوق دَمِهِ درع ذلك الصباح، وبهزيمة مروان على الزاب (٥) زال عن جمهور المعمور ميسم بني مروان، وطالما افْتَرَّ بدولتهم مَبْسَم الزمان، إلا انها الأيام لا يُطْمَئِنَّ الى خُداعها، ولا يوثق بعواري متاعها، لا تبقي أحدًا، ولا تثبت على حالة أبدًا، ومهما نَوَّلَتْ في اليوم سَلَبَتْ

стр. 8427

غدًا، فسبحان الباقي بلا زوال. ولما قتل مروان قصد عامر بن اسماعيل (١) قاتله الكنيسة التي فيها حرم مروان وقد كان وكّل بهنّ مروان خادمًا له، وأمره ان يقتلهن بعده، فأَخَذَهُ عامر، وأخَذَ نساء مروان وبناته فسيرهن (٢) الى صالح بن علي، فلما دَخَلْنَ عليه، تكلّمت ابنة مروان الكبرى، فقالت: يا عم أمير المؤمنين حفظ الله من أمرك ما تحب أن يحفظ، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوك ما وسعكم من جورنا، قال: إذن لا استبقين منكن واحدةً، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الامام، ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلبه في الكوفة، ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان، ألم يقتل زياد الدعي مسلم بن عقيل، ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي، ألَمْ يخرج إليه بحرم رسول الله ﷺ سبايا فوقفهنّ موقف السبي، ألم يُحمل إليه رأس الحسين، فقرع دماغه، فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن؟ قالت: فليسعنا عفوكم قال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل، قالت: وأي حين عرس هذا؟ بل تلحقنا بحران، فحملهنّ إليها مكرمات، فلما دخلنها ورأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء، قلت: وهيهات البكاء، والبكاء لا يرد الفائت، ولا ينقع الغليل، فأُفٌ للدنيا، وتبًا لخدع الغرور، مرّت ببني مروان، ونَسَفَت ملك آل أبي سفيان، وخضبت دمًا شيب عثمان، وفَعَلَتْ ببني أُميّة ما فَعَلَتْ، وتَفْعَل بسائر أبناء الزمان. وإذا انتهينا إلى آخر دولتهم التي لم يبق لهم بعدها إلا ما برقَتْ لهم به بارقة بالأندلس، فنقول وبالله التوفيق: ثم كانت: الدولة الأموية بالأندلس نهض غدها وهو عاثر، ونظم عقدها وهو متناثر، وأضاء خَلَلَ الرماد لها وميض جمر، وأطل لها نهوض أمْرٍ، وذلك بدخول عبد الرحمن بن عبد الله بن هشام الى (٣)

стр. 8428

الاندلس، مُصَمَّمًا كالمشير في العضب، مُتَمِّمًا رُقى ذلك الهضب، بِهِمَّةٍ لو قُذِفَ بها البحر لما عب زاخِرُه، أو الفلك لما دارت دوائره، وَوُجِدَ بالأفق الغربي مواليه، ومَنْ مَرَّ النسب العربي من يواليه، مَنْ صَدَمَ بهم صدور الخيل الشُرَّب حتى أدفأ صدور الرجال العُزَّب، واحتبى النصر تبرق أسِرَّتُه، وتُحدِق مِسَرَّتُه، وتعبق بأطراف الأسنة رائحته، وتعلق بأطراف الأعنّة بساتينه، واقتطع من المعمورة ذلك الاقليم الجليل، وصيَّره له دار خلافة طالت ذوائبها، وصالَتْ كتائبها، ودان له أهل تلك الجهة وذلت له مناكبها، وظلت تقدم لها منابرها، ويُعلن باسمه خاطبها خلافة ابتزها من بني العباس قهرًا بالأيد، وقسرًا بالكيد، ونصرًا لم تحتج الى سُلَّم ولم يحتج الى زيد ولا عمرو، أَخَذَهَا غَصْبًا من أفواههم الفاغرة، ونهبًا من أيديهم وأعناقهم صاغرة، بعزائم ما فلّت السيوف ضرابها، ولا ملَّتْ السيول غلابها، حتى اجتمعت له دائرتها، وارتفعت به نائرتها، وخَشَعَتْ الدولة العباسية خوفًا لا تهب الدولة الأموية وتثور ثائرتها. وها أنا أذكر هذه الدولة ما زخر به في الاندلس بحرها، وفَخَرَ بما تحلّى بهِ مآثرهم نحرها، وأوّلها الباني لها وموج المنايا حولها متلاطم، وفوج الرزايا ببابها متزاحم المنقض بأفقها عقابه القشعم المنبت بأرضها شجاعه الأرقم. هي: [١] دولة عبد الرحمن (١) بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الداخل الحق المطرف رجل العالم وبطل بني آدم، خلص من لهوات

стр. 8429

القواضب وهفوات العدوّ المغاضب، وعبر الفرات يشقها عومًا بذراعه، ثم الفلاة يقطعها فردًا من أصحابه وأتباعِهِ، حتى أتى المغرب، وبَلَغَهُ اختلاف المضرية واليمانية بالأندلس، فبعث بدرًا مولاه ليستميل أي الفريقين والاه، فأتى اليمانية إثر نوبة كانت للمضريّة عليهم، فاستمالهم ووعدهم عنه ومنى آمالهم، ولما أراد الحرب عقد نقيبه عبد الله بن خالد لواءه، وكان أبوه خالد عقد لواء مروان بن الحكم يوم المرج (١) فكشف لأواءه، فتيمن بتلك النقيبة، ولهذا خص بعقد اللواء نقيبه، وخرج يوسف (٢) بن عبد الرحمن فيمن بقي من طاعتِهِ، ووقى باس التفرق من جماعته، وكان الزمان ربيعًا لرجاء إثر جدب ما مر النسيم على مخلصه، ولا رَمَّ شَعَثَ الناس إلا ما كل نَقْله، وسارا على نهر اشبيلية كل منهما على ضفة منه، ثم تقابلا مقابلة تكاد تكون اجتماعًا وتراسلًا لا لشيء إلا خداعًا، وكان ذلك يوم عرفة فبات يوسف بن عبد الرحمن همه ذبح الجزر ونهبة الطعام، وعبد الرحمن الداخل همه في تسوية الصفوف وإثارة القتام، فلما أصبح يوم الأضحى جازت خيل عبد الرحمن النهر، وجادت بالحديد مثقلة الظهر، وتناوش الفريقان الحرب يشبعون شعب رماحهم ويهيجون سَغَبَ صفاحهم، وكان عبد الرحمن على فرس سابق، فخاف أهل معسكره ان ينهزم (٣)، وجاء من كان له يتهم، وقالوا: شاب غر وتحته فرس يرمي به المرامي، نخاف إن عضتنا الحرب أن يطير عليه على بعض الموامي فلما نُميّ إليه هذا الخبر، استدعى بغلًا أشهب كان معه وركب عليه، لا يفارق موضعه فاطمأنوا الى الثبات، وارجحنوا كالجبال لولا الوثبات، فانهزم يوسف هزيمة لم ير بعدها جدًا مُقْبِلًا، ولا حَدًا إلا مفلَّلًا، وَدَخَل الداخل قرطبة، وحلّ بها صدر المرتبة، ثم كان آخر أمر يوسف بن عبد الرحمن مع عبد الرحمن إنه انتظم في جُنْدِهِ، وارتطم بالأرض خضوعًا تحت بنده.

стр. 8430

قال صاحب المقتبس (١): ولما كان يوم المصارة (٢) واستحرَّ القتل، مشي العلاء بن جابر العقيلي الى الصميل بن حاتم (٣)، وكلاهما من عسكر يوسف بن عبد الرحمن فقال له: يا أبا جوشن، اتق الله، فوالله ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج، وإن عار ذلك لباق علينا الى اليوم، وإن الأمور ليهتدي إليها بالأشباه والأمثال أموي وفهري وقيس ويمن، ووزير الفهري ذلك اليوم قيسي وهو زفر بن الحارث، ووزير هذا اليوم أنت وأنت قيسي، ويوم عيد في يوم جمعة ويوم المرج يوم عيد في يوم جمعة، الأمر والله علينا ما أشك فيه، فاتق الله واغتنم بنا تلافيه، فلم يفد كلامه، وفي هذه الوقعة يقول ابن السنبسية: [من الكامل] أهداك ربك رحمة لعبادِهِ … لما تضرَّمَت البلاد وقودا فسبقت أطراف الأسنة في العدى … حتى دوين فما يرون مزيدا والخيل تعثر في القنا وكأنّما … فوق السنابك إذ حنين قيودا والمشرفية لن تبيد صقالها … مثل الكواكب يتقدن وقودا حتى أطرن جماجمًا مكنونة … تحت المغافر فانكفأن سجودا كان عبد الرحمن يدعو لأبي جعفر المنصور حتى دخل الأندلس عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم (٤) ووافي عبد الرحمن فآواه وعزّزه وكرم مثواه، فلما حَضَرَ معه الجمعة وسمع الدعاء لأبي جعفر أنكره وقال: إن من الحكم جهلًا، وأي هوادة

стр. 8431

بيننا وبين هؤلاء، عدوا علينا، ولم يرقبوا إلا ولا ذمة، واستحلوا منا كل حرمة، وأخرجونا من أرض الله الواسعة فألجأوا فلنا الى هذه القاصية الشاسعة، ثم هانحن الآن نساترهم فيها، ونمد لهم خيط باطلهم بالدعاء لهم، أعطي الله عهدًا لئن لم تحوّل الدعوة لهم الى البراءة منهم لانقلبن على وجهي مبادرًا في هذه الأرض العريضة، وقد كان من هوى عبد الرحمن الداخل إلا أنّه آثر الأناة الى أن استضاء برأي ابن عمه، فترك الخطبة لأبي جعفر، وتفرّد بالدعاء لنفسه وذلك بعد سنة من دخوله الأندلس. ثم شرع في تعظيم قرطبة، فجدّد مغانيها، وشيد مبانيها وحصنها بالسور حتى أشرف بناؤه، وابتنى بها قصر الإمارة والمسجد الجامع وكان سلف المسلمين قد اقتصروا عند افتتاحهم لقرطبة حتى اتخاذهم مسجدهم الجامع فيما خصهم من شطر الكنيسة العظمى بها المعروفة بشنت بحيث كما كان بدمشق، ودام الأمر على هذا التهالك الولاة بالأندلس على الامارة وهواهم في ضلال الشحناء الى أن جمع شتاتهم عبد الرحمن الداخل، وسَمَت نفسُهُ الى ما تسموا إليه أنفس الخلفاء فصالح النصارى على شطرهم بمواضع مما كان أخذه بالعنوة من كنائسهم، وذلك سنة تسع وستين ومائة، ثم لما وسَّعَ فناءه ووسع بناءه تخطى بنظره الى مساجد الكور بالأندلس، ثم ابتنى منية الرصافة متنزّهًا له تشبها بجده هشام واتخذها قصرًا حسنًا ودحا بها جنانًا واسعةً نقل إليها غرائب الغراس، وأكارم الشجر من كل ناحية مما أتت به رسله من الشام، فمثلت أشجارًا معتمةً أثمرت بغرائب الفواكه وعجائب الثمرات، ورأى أوّل ما نزل هذه الرصافة نخلةً فنّةً ذكرته باغترابها غربتة وانثنائها عن أشباهها أحبته، فقال (١): تَبَدَّتْ لنا وسط الرصافة نخلةٌ … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلتُ شبيهي بالتغرّب والنوى … وطول انثنائي عن بني وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبةٌ … فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي سقتك غوادي المزن من صوبها الذي … يسح ويستمري السماكين بالوبل

стр. 8432

وحكى صاحب المقتبس ما معناه ان عبد الرحمن الداخل في سنة ثلاث وستين ومائة أشاع الرحيل الى الشام لانتزاعها من يد الدولة العباسية وإدراك ثأره، وذكر إن كتب جماعة ممن بها من أهل بيته ومواليه وشيعته توالت عليه بضعف المسودة وفتور فورتهم وثقل ذلّتهم على الناس، فعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة ويذهب بعامة من أطاعه ويحمل من ضروب المماليك أربعين ألفًا، فاخترم دون ذلك (١). وتوفى يوم الثلاثاء لستة بقين من ربيع الآخر سنة سبعين ومائة (٢) وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر، ومولده قريب تدمر من الشام سنة ثلاث عشرة ومائة، ولبث من يوم بويع الى أن مات ثلاثًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، ودفن في القصر وصلى عليه ابنه عبد الله بن عبد الرحمن المولود ببلنسية، وكان يقال له صقر قريش، وكان أصهب خفيف العارضين، بوجهه خال طويل القامة، نحيف الجسم له ضفيرتان. وحكى الحافظ: إنه كان أخشم لا يشم رائحة. [٢] دولة ابنه هشام (٣) بن عبد الرحمن، أبي الوليد ولد بالأندلس، ووجد أبوه به الأنس، وكان يفضّله على ولده الاكبر سليمان، وكان سليمان ممن ولد بالشام وقدم الشام (٤) إلا أنه لم يطال همة هشام، ولما مات أبوه عبد الرحمن حتى ذكره، وحني من ورق الحديد الأخضر نصره، ونازعه أخواه فلم يجدا في قوسه منزعًا، ولا في قوله الفصل مطمعًا حتى أتاه الأمر طائعًا، ووافاه سرير الملك، وقَدْ مَدَّ عُنَقَهُ خاضعًا، واستهل ذلك الجو سجايًا روى الأوام، واستقل في ذلك الأفق بدرًا ينجاب عنه الظلام، وجَرَتْ له أمور، ووجبت عليه نذور لموافقة السعادة لمراده، ومؤازرة النصر لامداده، ومساورة الصواب لنجوى

стр. 8433

فؤاده، فكان لا ينقض إبرامه مريرته، ولا ينقل مرامه عن الحسنى سريرته، فكان يُعَدُّ من خير أملاكهم حظًا سعيدًا، ولفظًا سديدًا، تسع الدنيا همة العوال ويجمع النعماء بعض ما يهبه من النوال، وكان على هذا كله تقي الورع، نقي المجتمع، لا تحضر مجلسه الغيبة، ولا تحلّ ملبسة الريبة، مع رأي أسد من السهم نفاذًا، وأشدّ من الوهم بالضمير ملاذًا، وكان أبوه عبد الرحمن يحضره مشورته، وينظره من الرأي صورته، وربما تكلّم بين يدي أبيه فقال صوابا وقاس الأمور على أشباهها فبرع جوابا، ولهذا كان أبوه يقدّمه ويثقفه تثقيف السمهري ويقومه، ويؤاخذه في الأمور، وما يريد إلا أنه يبصره ويُفهمه. حكى صاحب المقتبس ما مضمونه: إنه كان عند وفاة أبيه عبد الرحمن بمدينة ماردة (١)، وكان أخوه بمدينة طليطلة، وكان أخوهما عبد الله البلنسي حاضرًا بقرطبة، فشهد موت أبيه دونهما، وشدَّ الأمر بعده، وبادر بالكتابة لأخيه هشام يعلمه أن أباه مات وعهد إليه وحَثَّه على البدار نحوه، فخرج من فوره الى قرطبة، وتسلّم الملك، وبويع على الامارة، وكان أوّل مَنْ بايَعُهُ أخوه عبد الله على زغل نواه وغل بين جوانحه طواه. وحكى محمد بن حفص: انه لما انكشف وجه هشام من غمة حروبه مع أخويه سليمان وعبد الله (٢) صَفَتْ له الأندلس جمعًا، واجتمع له طاعة أهلها طرًا، وكانت يومئذ أكثر ما كانت، فسما لجهاد عدوّهم سموًّا استفرغ فيه وسعَهُ، فأعطى فيهم نصرًا لا كفاء له، وافتتح مدينة أربونة (٣) وبَلَغَ من تحكمه فيهم ان اشترط على المعاهدين من أهل جليقية (٤) لما سألوه المسالمة نقل عددٍ من أحمال التراب من سور أريونة الى باب قرطبة، فلما أكمل نقل هذا التراب ابتنى منه مسجدًا قدام باب

стр. 8434

الجنان (١)، وهو الذي كان يصلّي فيه مَنْ حَضَر باب السلطان. قلت: وأربونة كانت فتحت قبل هذا الفتح، ودامت بأيدي بلاد الاسلام حتى عبد الرحمن الداخل، وأقر عليها عبد الرحمن بن علقمة اللخمي عامل يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ثم غلب عليها العدو، واجتذبها من يد الاسلام، الى أن فتحت هذا الفتح. وحكى محمد بن (٢) عمر بن القوطية كلامًا معناه: أن هشامًا سأل الضبي (٣) المنجم عما تقتضيه النجامة من أمره، وكان الضبي بطليموس عصره حِذْقًا وإصابة، فسأله الإعفاء، فلم يُجِبْهُ، فلما لم يجد بدًا من إخباره قال له: نعم أصلح الله الأمير، سوف يستقر ملكك سعيدًا، وحدّك لمن ناوأك إلا ان مدتك تكون ثمانية أعوام، فأطرق هشام ساعةً ثم رفع رأسه وقال: يا ضبي ما أخوفني أن يكون النذير كلمني بلسانك ثم والله لو كانت المدة كانت في سجدة واحدة الله لقلت طاعة له، وَوَصَل الضبي وصرفه. ثم شمر هشام للعمل لمعادِهِ، وضمر بطنه لتحصيل زاده حتى مضى وهو على جهاده، وكانت وفاته بمرض سوداوي لحقه ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من صفر سنة ثمانين ومائة، وكان ابن تسع وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، لبث بها خليفة سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام. وكان أبيض مشربةً حمرةً، بعينيه حول. وقال بكر الكناني يرثيه: [من الطويل] لقد فجع الاسلام موت هشام … نجيب قروم مُنْجبين كرام هشام العمري كان للدين راعيًا … بعين مراعاة وحد حسام إذا صال كان الليث يحمى عرينه … وغيثًا إذا ما كان يوم سلام

стр. 8435

دولة [٣] ابنه الحكم (١) بن هشام الربضي (٢) وكان حمي الأنف عزمًا يتوقد صرامة، (إلي الابق غدا) (٣) لا يستسهل مراحه. لا يستلان له جانب ولا يستهان به الأدهياء أو مقانب، بصوارم فلَّلَتْ الصفوف (٤) ومكارم قللت الألوف. فما أتاه جَمْعُ عدو ولامال إلا فرّقَةُ. ولا قاواه جَلْدٌ وطيش ولا لبس الا مزَّقَهُ، وسعد جَدُّهُ المقبل، وصعد رفدة على الغمام المسيل: ولم يبق له معاند إلا احترق بنارِهِ أو صادف جدوله فغرق في تياره، في عدة نوب عدمت البصيرة فيها حذارها، ثم قدمت السهام لها إنذارها. ثم أقدمت السيوف وأبلت فيها أعذارها وخَفَقَتْ فيها أعلامها الأمويه، يرنّحها التأييد، ويصحبها النصر مستطيرًا من برق الحديد، في حروب منها ما باشَرَهُ، ومنها ما قعد عنه، وعُقِدَ له لواء لم يكن سواه ناشره، فما عادت عساكره إلا وقد شفت مناه، وكفت همة ما عناه، حتى أوْدَعَ بطون الثرى أعداءه، وودع القيام في استقى لمنابت الرماح أنداءه. وصفا له الأندلس من شوائب الأعداد ونوائب الإعداد للأعداء. واستقر سريره لا يُقَلْقَل له إلا في دور ملكه مضجع، ولا يقلّب له إلا بين جواريه ذهاب أو مرجج، واستوفد اكرامه طوائف العلماء، واستبيح كرمه قرائح الشعراء، فغصت أبوابه بالوفود. وقصت أجنحة زوّراه وماقصها سوى الجود، وكان أوّل أموي باح في الأندلس بمكنون سِرِّهِ ومضمون ما كان يُلَجْلَجُ في فكره، ولم يخش دولة بني العباس أن ترمي إليه مدنها، أو ترسي عليه سفنها، وما راعَهُ سواد ذلك العلم، ولا أقْلَقَه تشكي ذلك الألم، ولا خاف أن يُصيبه من العراق سهم أصاب وراميه بذي سلم (٥) كل هذا مع

стр. 8436

بصيرة بالعواقب كأنما ناجته بما يكون، وسريرة لا تراقب إلا ما لم يألف من السكون، لكن الأقدار ما أسعفته بتمام هذا الأمل لا ولا كحلت له الأمر، ومن ذا الذي تمَّ أمره أو كمل. وكان ذا دولة خدمتها الأكابر، وما منهم إلا من أغدق كرمه وشرق وغرب مدحه. فمنهم عبد العزيز بن أبي عبدة (١) وفيه يقول بكر بن قيس: [من الطويل] ألكني إلى عبد العزيز أخي النّدا … ثناء وقولًا قلته متعرقا لعمري لنعم المستغاث وجدته … لدُنْ جئت صفرًا من المال مُمْلِقَا لأضحى وزيرًا للخليفة حاجبًا … ترى رأيه إذا قال صدقا فهذا يرى وجه النصيحة قوله … وهذا يرى وجه النصيحة موثقا لفازت لبثوا حسان منه بسابقٍ … هنيئًا مريئًا أن يفوز ويسبقا ومنهم: عبد الكريم (٢) بن مغيث، وهو الذي امن طليطلة، وبذله لأهلها مع القدرة من غير مسألة، إلا إنه اشترط عليهم شروطًا خافوا منها العنت لكتاب جاءه من الحكم جارية فيما احتكم، وفيه يقول غُرَيْب بن عبد الله: [من البسيط] يا فارس الناس في الهيجا ومعقلهم … هناك ربك ما أعطى وأولاكا حفظت في نسْلِهِ قيسًا وحطتهم … كأن قيسًا بنا إذ مات أو صاكا إن كان سرّك ما جاء البريد به … فلا لعمر أبي ماسر ناداكا بَلْ سرنا منك نعماء بدأت بها … ما كان ضرك لو أتممت نعماكا وفي أيامه في سنة سبع وتسعين ومائة كانت الشدة التي عمت أرض الأندلس أجمعها ومات منها اكثر الخلق واجتاز بعضهم البحر إلى ارض العدوة لانتجاع خصبها وارتجاع ما فاتها بأرض الأندلس من جَدْبِها.

стр. 8437

قال صاحب المقتبس: وكان المقلّون يطوفون الايام دون تعلل بطعام. وفي سنة اثنتين ومائتين كانت الوقعة العظمى بقرطبة، وهي المعروفة بوقعة الربض (١)، وهي نوبة كانت من أهل قرطبة، هاجوها يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رمضان غبّ أحقاد حملوها على الحكم بن هشام فحملوا السلاح بغتةً وَزَحَفُوا إلى قَصْرِهِ جملةً فلم يتزحزح عن سريره وإنما بعث مواليه وأهل ولائه فقاتلوهم حتى هزموهم، واستمروا بالطلب لهم ولزموهم وأمسك منهم خلقًا كثيرة وصَلَب منهم ثلثمائة رجل صفوفًا أمام قصره، وأعظم فيهم الحادثة، وأفشى المثلة، ثم أَمَرَ بالكف ونادى فيهم بالجلاء فتفرقوا في بلاد الأندلس أيدي سبأ، وعبر إلى بر العودة منهم فل ممن لا قتل ولا سبي. وقال الحكم في ذلك (٢): [من الطويل] رأبت صُدُوع الأرض بالسيف راقعا … وقدمًا لأمْتُ الشِّعْب مُذْ كنت يافعا فسائل ثُغوري هل بها اليوم ثَغْرَةً … أُبادِرُها مُسْتَنْضِي السيف دارِعا وسائل (٣) على الأرض الفضاء جماجمًا … كأحقاف شِرْبان الهبيد (٤) لوامعا تنبيك أني لم أكن في قِراعِهِمْ … بوانٍ وقدمًا (٥) كنت بالسيف فارعا واني إذا حادوا جزاعًا (٦) عن الردى … فما كنتُ ذا حَيْدٍ عن الموت جازعا حميت ذماري فاستبحتُ ذِمارهم … ومَنْ لا يحامي ظل خزيان ضارعا ولما تساقينا سجال (٧) حروبنا … سقيتهم سجلًا من الموت ناقعا وهل زدتُ أن وفيتهم صاع قرْضِهِم … فلاقوا منايا قدرت ومصارعا فهاك سلاحي أنني قد جعلتها (٨) … مهادًا ولم أترك عليها منازعا

стр. 8438

وحكى عامر بن المثنى النحوي (١) المؤدب قال: قدم علينا بعد الوقعة عباس (٢) بن ناصح قرطبة أيام عبد الرحمن بن الحكم، فاستنشدني شعر الحكم بن هشام في الهيج فأنشدته إياه: فلما بَلَغْتُ قوله: وهل زدت فيهم أن وفيتهم صاع قرضهم .. البيت قال عباس: لو أن الحكم حوجي للخصومة بينه وبين أهل الربض لقام بعذره هذا البيت. وقال أبو بكر بن القوطية: لم يتمل الحكم حلاوة العيش بعد وقعة الربض وامتحن بعلّة صعبةً طاوَلَتْهُ أربعة أعوام في آخر عمره فلت عزمه وأطالت ضناه، واحتجب فيها آخر مدّته واستناب ولده عبد الرحمن في تدبير ملكه، فمات أسيفًا على توبة من ذنوبه، وندم على ما اقترف، وعرضت له رقة شديدة ألانتْ صلابته، وطفق يكثر الذكر، ويفرغ إلى استقراء القرآن ويأنس بالتلاوة إلى أن مات على حاله تلك فكانوا يرجون له خيرًا. ولما أحس بدنو المنيّة عهد إلى ولديه عبد الرحمن والمغيرة عهدًا أشهد عليه الأشهاد، ثم نزل المغيرة لأخيه عبد الرحمن عن طيب نفس وإذعان، ونقل الحكم ابنه عبد الرحمن إلى القصر، وقام بالاحكام معه ودونه. وأول ما أحدثه وأبوه الحكم حيّ أن صلب ربيع بن ندار رأس النصارى بقرطبة، وكان جديرًا بالصلب والمثلة لسوء أثره في المسلمين. فقال في ذلك عبد الله بن الشمر النديم (٣): [من الرمل] يا ولي الامر من بعد الحكم … بك جاد الصنع للخلق وتم خُذْ بشكر نعمة الله التي … هي من خير العطايا والقسم واشكر الله على نعمته … أن في الشكر مزيدًا للنعم فلقد قربت قربانًا به … تلج الفردوس من طاغي العجم كافرًا سلّمه أشياعه … وبه حلت من الله النقم

стр. 8439

ثم تخلى له أبوه الحكم عن النظر في أمور الخلافة، واراد أن يُخلى له قصر الامارة، فأبى ابن عبد الرحمن وقال: بل اكتفي بالقعود على باب السدة مقعد صاحب المدينة فاستحسن رأيه، وبدأ بتغيير المنكر، وأمر بهدم الفندق السلطاني المعد لبيع الخمور وسكن المومسات الخواطئ، فهدمت بنيته وصُبّت أشربته، وكُسرت آنيته، وخُليت من العواهر أفنيته، فضجّ الناس بالدعاء له، وعَلتْ أصواتهم حتى سمعها الحكم، فارتاع وسئل عما أوْجَبَ ضجيج الرعاع فلما أُعلم بما صنع ابنه سَكَنَ وقال هو أعلم بما صنع. وتوفى الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين ومولده سنة أربع وخمسين ومائة، ومدة خلافته نحو ست وعشرين سنة وشهر ونصف شهر وسنه ثلاث وخمسون سنة وصلّى عليه ابن عبد الرحمن (وكان) (١) طوالًا أشم نحيفًا لا يخضب.

стр. 8440

[٤] دولة ابنه عبد الرحمن (١) بن الحكم، أبي المطرف كان أثيرًا عند أبيه الحكم، كثيرًا مما يظهر به من الحكم، أَشْبَهَ في حكمته المأمون، وفي حرمته هارون، وتطلب الكتب القديمة، وتطبب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخراج جمانها، رغبةً في إقامة براهينها، وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الاندلس عن أوطانها. ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فَغَلبَ بحججها القاطعة، وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة. وكان هو أول من أدخل الاندلس الحكمة بثها في أقطارها، وقد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل رأد ضحى قريبًا بعيدًا، بل زاد حتى سطا بارسطاطاليس، وفل افلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علمًا وما لا أحاط، فذكت قريحته، وزَكت صيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفته هذه الحقائق يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، لهذا انتعش لديه حظه من خاطرِهِ، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطرِهِ ويجلوه في حلل اغنته عنها قطره هذا … مع استقلال بجنوده صاب نوؤه، وأصاب شدد الظلام ضوؤه. قال الرازي (٢): عبد الرحمن بن الحكم، أول من فخم الملك بالأندلس من
следующие страницы →