بصيرة بالعواقب كأنما ناجته بما يكون، وسريرة لا تراقب إلا ما لم يألف من السكون، لكن الأقدار ما أسعفته بتمام هذا الأمل لا ولا كحلت له الأمر، ومن ذا الذي تمَّ أمره أو كمل.
وكان ذا دولة خدمتها الأكابر، وما منهم إلا من أغدق كرمه وشرق وغرب مدحه.
فمنهم عبد العزيز بن أبي عبدة (١) وفيه يقول بكر بن قيس: [من الطويل]
ألكني إلى عبد العزيز أخي النّدا … ثناء وقولًا قلته متعرقا
لعمري لنعم المستغاث وجدته … لدُنْ جئت صفرًا من المال مُمْلِقَا
لأضحى وزيرًا للخليفة حاجبًا … ترى رأيه إذا قال صدقا
فهذا يرى وجه النصيحة قوله … وهذا يرى وجه النصيحة موثقا
لفازت لبثوا حسان منه بسابقٍ … هنيئًا مريئًا أن يفوز ويسبقا
ومنهم: عبد الكريم (٢) بن مغيث، وهو الذي امن طليطلة، وبذله لأهلها مع القدرة من غير مسألة، إلا إنه اشترط عليهم شروطًا خافوا منها العنت لكتاب جاءه من الحكم جارية فيما احتكم، وفيه يقول غُرَيْب بن عبد الله: [من البسيط]
يا فارس الناس في الهيجا ومعقلهم … هناك ربك ما أعطى وأولاكا
حفظت في نسْلِهِ قيسًا وحطتهم … كأن قيسًا بنا إذ مات أو صاكا
إن كان سرّك ما جاء البريد به … فلا لعمر أبي ماسر ناداكا
بَلْ سرنا منك نعماء بدأت بها … ما كان ضرك لو أتممت نعماكا
وفي أيامه في سنة سبع وتسعين ومائة كانت الشدة التي عمت أرض الأندلس أجمعها ومات منها اكثر الخلق واجتاز بعضهم البحر إلى ارض العدوة لانتجاع خصبها وارتجاع ما فاتها بأرض الأندلس من جَدْبِها.
стр. 8437
قال صاحب المقتبس: وكان المقلّون يطوفون الايام دون تعلل بطعام.
وفي سنة اثنتين ومائتين كانت الوقعة العظمى بقرطبة، وهي المعروفة بوقعة الربض (١)، وهي نوبة كانت من أهل قرطبة، هاجوها يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رمضان غبّ أحقاد حملوها على الحكم بن هشام فحملوا السلاح بغتةً وَزَحَفُوا إلى قَصْرِهِ جملةً فلم يتزحزح عن سريره وإنما بعث مواليه وأهل ولائه فقاتلوهم حتى هزموهم، واستمروا بالطلب لهم ولزموهم وأمسك منهم خلقًا كثيرة وصَلَب منهم ثلثمائة رجل صفوفًا أمام قصره، وأعظم فيهم الحادثة، وأفشى المثلة، ثم أَمَرَ بالكف ونادى فيهم بالجلاء فتفرقوا في بلاد الأندلس أيدي سبأ، وعبر إلى بر العودة منهم فل ممن لا قتل ولا سبي.
وقال الحكم في ذلك (٢): [من الطويل]
رأبت صُدُوع الأرض بالسيف راقعا … وقدمًا لأمْتُ الشِّعْب مُذْ كنت يافعا
فسائل ثُغوري هل بها اليوم ثَغْرَةً … أُبادِرُها مُسْتَنْضِي السيف دارِعا
وسائل (٣) على الأرض الفضاء جماجمًا … كأحقاف شِرْبان الهبيد (٤) لوامعا
تنبيك أني لم أكن في قِراعِهِمْ … بوانٍ وقدمًا (٥) كنت بالسيف فارعا
واني إذا حادوا جزاعًا (٦) عن الردى … فما كنتُ ذا حَيْدٍ عن الموت جازعا
حميت ذماري فاستبحتُ ذِمارهم … ومَنْ لا يحامي ظل خزيان ضارعا
ولما تساقينا سجال (٧) حروبنا … سقيتهم سجلًا من الموت ناقعا
وهل زدتُ أن وفيتهم صاع قرْضِهِم … فلاقوا منايا قدرت ومصارعا
فهاك سلاحي أنني قد جعلتها (٨) … مهادًا ولم أترك عليها منازعا
стр. 8438
وحكى عامر بن المثنى النحوي (١) المؤدب قال: قدم علينا بعد الوقعة عباس (٢) بن ناصح قرطبة أيام عبد الرحمن بن الحكم، فاستنشدني شعر الحكم بن هشام في الهيج فأنشدته إياه: فلما بَلَغْتُ قوله: وهل زدت فيهم أن وفيتهم صاع قرضهم .. البيت قال عباس: لو أن الحكم حوجي للخصومة بينه وبين أهل الربض لقام بعذره هذا البيت.
وقال أبو بكر بن القوطية: لم يتمل الحكم حلاوة العيش بعد وقعة الربض وامتحن بعلّة صعبةً طاوَلَتْهُ أربعة أعوام في آخر عمره فلت عزمه وأطالت ضناه، واحتجب فيها آخر مدّته واستناب ولده عبد الرحمن في تدبير ملكه، فمات أسيفًا على توبة من ذنوبه، وندم على ما اقترف، وعرضت له رقة شديدة ألانتْ صلابته، وطفق يكثر الذكر، ويفرغ إلى استقراء القرآن ويأنس بالتلاوة إلى أن مات على حاله تلك فكانوا يرجون له خيرًا.
ولما أحس بدنو المنيّة عهد إلى ولديه عبد الرحمن والمغيرة عهدًا أشهد عليه الأشهاد، ثم نزل المغيرة لأخيه عبد الرحمن عن طيب نفس وإذعان، ونقل الحكم ابنه عبد الرحمن إلى القصر، وقام بالاحكام معه ودونه.
وأول ما أحدثه وأبوه الحكم حيّ أن صلب ربيع بن ندار رأس النصارى بقرطبة، وكان جديرًا بالصلب والمثلة لسوء أثره في المسلمين.
فقال في ذلك عبد الله بن الشمر النديم (٣): [من الرمل]
يا ولي الامر من بعد الحكم … بك جاد الصنع للخلق وتم
خُذْ بشكر نعمة الله التي … هي من خير العطايا والقسم
واشكر الله على نعمته … أن في الشكر مزيدًا للنعم
فلقد قربت قربانًا به … تلج الفردوس من طاغي العجم
كافرًا سلّمه أشياعه … وبه حلت من الله النقم
стр. 8439
ثم تخلى له أبوه الحكم عن النظر في أمور الخلافة، واراد أن يُخلى له قصر الامارة، فأبى ابن عبد الرحمن وقال: بل اكتفي بالقعود على باب السدة مقعد صاحب المدينة فاستحسن رأيه، وبدأ بتغيير المنكر، وأمر بهدم الفندق السلطاني المعد لبيع الخمور وسكن المومسات الخواطئ، فهدمت بنيته وصُبّت أشربته، وكُسرت آنيته، وخُليت من العواهر أفنيته، فضجّ الناس بالدعاء له، وعَلتْ أصواتهم حتى سمعها الحكم، فارتاع وسئل عما أوْجَبَ ضجيج الرعاع فلما أُعلم بما صنع ابنه سَكَنَ وقال هو أعلم بما صنع.
وتوفى الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين ومولده سنة أربع وخمسين ومائة، ومدة خلافته نحو ست وعشرين سنة وشهر ونصف شهر وسنه ثلاث وخمسون سنة وصلّى عليه ابن عبد الرحمن (وكان) (١) طوالًا أشم نحيفًا لا يخضب.
стр. 8440
[٤] دولة ابنه عبد الرحمن (١) بن الحكم، أبي المطرف
كان أثيرًا عند أبيه الحكم، كثيرًا مما يظهر به من الحكم، أَشْبَهَ في حكمته المأمون، وفي حرمته هارون، وتطلب الكتب القديمة، وتطبب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخراج جمانها، رغبةً في إقامة براهينها، وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الاندلس عن أوطانها. ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فَغَلبَ بحججها القاطعة، وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة.
وكان هو أول من أدخل الاندلس الحكمة بثها في أقطارها، وقد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل رأد ضحى قريبًا بعيدًا، بل زاد حتى سطا بارسطاطاليس، وفل افلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علمًا وما لا أحاط، فذكت قريحته، وزَكت صيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفته هذه الحقائق يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، لهذا انتعش لديه حظه من خاطرِهِ، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطرِهِ ويجلوه في حلل اغنته عنها قطره هذا … مع استقلال بجنوده صاب نوؤه، وأصاب شدد الظلام ضوؤه.
قال الرازي (٢): عبد الرحمن بن الحكم، أول من فخم الملك بالأندلس من
стр. 8441
خلفاء بني مروان، وكساه أبهة الجلالة للأعمال، واستوزر الأكفاء فعظم شأنه، وكاتبته ملوك البلاد، ثم شيَّد القصور واتخذ المصانع وجلب الماء.
وحكى معاوية بن هشام انه كان يتشبّه بالوليد بن عبد الملك في شرف نفسه وعلاء همته، وفخامة سلطانِهِ ودعةِ أيَّامِهِ، وما شاد من البناء، وشق من الأنهار، وغرس من الأشجار. وزاد في المسجد الجامع.
وفيه قال عبد الله بن الشمر. (١): [من الطويل]
بنى مسجدًا لم يُبْنَ في الأرض مثله … وهل مثله في حوزة الأرض مسجد
له عَمَدٌ حمر وخضر كأنّما … تلوح يواقيت بها وزبرجد
قال الرازي: وفي أيامه أحدث بقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس الطرز لأنواع الكسوة والوطاء، واستنبطت فيها الأعمال. وتدرج فيها إلى التجويد في ذلك. وقال الرازي: وفيها اتخذت بقرطبة السكة، وقام فيها ضرب الدارهم، ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب. وإنما كانوا يتعاملون بما يُحمل إليهم من دراهم أهل المشرق.
قلت: وهذا أوان صارت الأندلس مصرًا، وصارت تُعد بستانًا وقصرًا، وبعد أن مَضَتْ برهة من الدهر لا يوصف إلا بأنه يُصفق في جنباتها النهر.
وكان عبد الرحمن أشم أقنى أعين، أسود العينين طوالًا ضخمًا. مسبلًا عظيم اللحية.
[٥] دولة ابنه محمد (٢) بن عبد الرحمن
وهي المتصرمة عن افتراق الجماعة المقسمة في آخرها بفراق الطاعة، المسلمة من يده إلى الإضاعة المحوّله لا إلى مَنْهَلٍ عذب.
المحوّله رداها لا بمنصل عضب، بل بنجوم النفاق بكل وجه، وعدم الوفاق على ماتكون به السرائر مرفهة لقضاء سبق علمه. لا لاقتضاء بسوء فعل إلا أنه قسمه، وقد كان ذا كرم، غمر اليدين، وهمم تسع صدر الفرقدين.
стр. 8442
وبصيرة ثاقبة، وسريرة الله مراقبة، إلا أنها الأقدار لا تُعاند، والأسرار لا تبيد ذممها ولا تعاهد.
استخلف يوم مات أبوه. ودخل القصر على ملأ من الناس وحماء ممن يريد هدم ذلك الأساس. وقيل بل دخل متخفيًا، ثم أصبح على السرير جالسًا. ثم علا صهوة المنبر فارسًا، وتولى أخذ البيعة له ابن شهيد (١) لمشهدِهِ واستناب يده له عن يده، وقام لدية مؤمن (٢) ابن سعيد منشدًا: [من الطويل]
وزلزلها موت الإمام وفقده … فقال لها الله اسكني بمحمد
تهلل بطن الأرض لما ثوى بها … إمام الهدى الثاوي بها بطن ملحِدِ
ثم كان من أكثر القواد تأنيًا، وأوفر لما في النفوس تمنيًا، وصفا العيش في ظل خلافته. وكفى المسيء اعتذارًا فضل رأفته، وكان له في مدته الآثار الجملية والفتوح العظيمة، والعناية التامة بمصالح المسلمين والاهتمام بالثغور وحفظ الأطراف، والتحرز من قبل البحر.
قال الرازي: كان لا يجري في رتبة الوزارة جارية إلا عن معرفته.
قال: وهو الذي قسم مراتب أهل الخدمة، وأغلا رتبة الوزارة، ورجح اهل الشام على أهل الأندلس. وأعلا رتبة الوزراة منهم في الجلوس. انتهى كلامه.
قال صاحب المقتبس: وزاد في توسعة الجامع بقرطبة فقال العباس (٣) ابن فرناس: [من البسيط]
محمد خير مسترعى ومؤتمن … للمسلمين جميعًا حيثما كانوا
بني لهم مسجدًا جلت عجائبه … لولا السماء لما ضاهاه بنيان
стр. 8443
قال: وكان مجبول الطباع على حب البنيان، مشغوفا بتشييد مبانيه، مبالغًا في اتقانه، سخيًا بالإنفاق عليه، منه قصور قرطبة والرصافة ومنية كيتس. وفيها يقول أحمد (١) بن عبد ربه: [من الطويل]
ألما على قصر الخليفة وانظرا … إلى منية زهراء شيدت لأزهرا
مروّقة يستودع النجم سترها … فتحسبه يَصغي إليها لتخبرا
بناء إذا ما الليل حلَّ قناعَهُ … بدا الصبح من أعرافه الشمس مُسْفرا
ترى المنية البيضاء في كلّ شارقٍ … تَلَبَّسَ وجه الشمس ثوبًا معصفرا
ودونك فانظر هل ترى من تفاوت … به أو رأت عيناك أحسن منظرا
تذكّر بالفردوس من كان لاهيًا … وتُلهي بالفردوس من قد تذكرا
كأن السماء استوهبت لون أرضها … وأنجمها من نُورِها حين نوّرا
وكان ممدحًا، وفي قال فيه عماد بن المنبي (٢): [من الطويل]
غدا في أسارير الأمير محمد … إمام الهدى بدر وفي كفّه بحرُ
فلو ملك الله الرعية عُمْرَها … لكان له من ذلك العُمُرِ الشطر
إذا ذخر الاملاك مالًا فماله … سوى المجد فبالمعروف كنز ولا ذخر
مهيب إذا أبصرت غرة وجهه … تكاد له من هيبة يصدع الصدر
وكان كثير الخروج إلى الصحراء للتنزه في نواحيها، والتوسع في سعة ضواحيها، وكان معجبا بدربد وهو مكان قتلى اشبيلية. مرج اخضر كأنه زمرد شارب. ونهر يتكسر ماؤه كأنه عسل ممزوج لشارب.
فابتناى به ابنية رفيعة إلا أنها خيام. وقرّ هناك قراره إلا أنه هيام، فقال الوزير تمام بن أحمد: [من الطويل]
لعمري لما يوم من الدهر كله … بأنعم من يوم عللنا بدربد
لدن روضة خضرا ما إن تخالها … لعمرك إلا معدنًا للزمرد
стр. 8444
ودام في بَلَهْنيةٍ من الملك إلى أن ثارت إليه الثوائر. ودارت عليه الدوائر. وسار إلى مغالبته كل سائر، وطار لمواثبته في البر والبحر كل طائر. ولم يكفيه انفتاق الفتوق. وانبثاق البثوق واختلاف كلمة أهل ملكه حتى قصدته ملوك الكفار، وأجهدته بالنهود إلى الاسفار وما رُمي بأهل الصليب على انفرادهم حتى مني بالمجوس من أقصى بلادهم. وكان في هذه النوائب تارةً وتارة، ومرة ومرة، آونة حلاوة وآونة مرارة. وفي بعض غزواته التي أثخن فيها في أهل الخلاف، أمعن في زيادة الاختلاف، قال مؤمن بن (١) سعيد: [من البسيط]
دع اللهى يفتها محمدها … اسنى بني غالب وأمجدها
أشياع لب سنابل خشعتْ … أعناقها فالسيوف تحصدها
دانوا وهو وارد بهم … حياض حتف يعاف موردها
كعابد النار وهي تحرقُهُ … بُعدًا لمثواه حين يعيدها
ساؤوا ملوكًا هم لهم خَوَلٌ … وهل يسامي الملوك أعْبُدُها
أضحوا أحاديث للمواسم … عن ظبي السيوف استفاض مُسْنِدُها
وعارضه محمد بن عبد العزيز القيسي فقال: [من البسيط]
دع الوغى لم يزل محمدها … يوقد نيرانها ويخمدها
فليس تروى السيوف إن ظمئت … إلا إذا علّها محمدها
سيف هدى تشهد السيوف له … يوم الوغى أنه مهندها
تقيل في ظلّه المنون إذا … هاجرة الحرب مار موقدها
فتلك دار العدوّ خاليةً … أو حين نور الأنيس معهدها
أطفأ عنابسيفه فتنًا … أوقدها في البلاد أعبدها
ثم طغت الفتنة ومَرَدَ النفاق، وانبعث الفساد، ودبَّ الوهن في أقطار الدولة حتى وَهَتْ أركانها. وهَوَتْ أقمارها وعمي المبصر وصم السامع، وخرس الناطق، وعم الأندلس بلاء أطل سحابُهُ وعُظُمُ شتات لم يذير له امرؤ كيف ذهابه.
ثم توفي محمد بن عبد الرحمن ليلة الخميس لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث
стр. 8445
وسبعين ومائتين (١)، ومولده في ذي القعدة سنة سبع ومائتين، وبلغ من السن خمسًا وخمسين سنة وثلاثة أشهر، منها مدة خلافته نحو أربع وثلاثين سنة وأحد عشر شهرًا.
وكان أبيض مشربًا حمرة، مستدير الوجه، ربعةً، تام اللحية أصهبها، به شيء من وقص (٢) يخضب بالحناء والكتم.
[٦] دولة إبنه المنذر (٣) بن محمد
استفتح خلافته بالاحسان، واستمنح رأفته كل إنسان، فاستصبح الهلال بجبينه، واستصلح الاختلال بجود يمينه، واستقبح مقابلته العدوّ خوفًا وما أصْحَرَ ليثُهُ من عرينه، زمانه ما طال، وليانه ما خلا فجره الكاذب من مطال، على أنه منذ ولي شد نطاقه واحتزم وجد انطلاقه واعتزم. حتى كاد يستقيم الأود، ويستديم صلاح ما فسد.
وكان على نقص حظه من الأدب مكرم أهله الكرام إكرامًا تتطامن له الأقدار، وتتفاطن به الأعمار، لكرم كان عليه مجبولًا وجود كان به كلفًا متبولًا. قدم قرطبة بعد موت أبيه. فَصَح المعتل وصلح المختل. وخَضَعَ مَنْ كان رفع أسه، وخَلَعَ نجاده من تقلّد السيف وقرت أفراسه، وبويع البيعة العامة، وتتبع التبعة الطامة، وبقي ينقب عمن قصده عنادا، وقصر على البغي مرادًا، وكان يتدفق مروءة، أحدق ببني مروان موكبها، وأشرق من عبد شمس لبعد شمس كوكبها، فما ورثها من أبائه الغطاريف الألى عن كلالة، ولا استحقها إرثًا بالولا.
قال صاحب المقتبس: وكان سبب وفاته انه اقتصد يوم السبت للنصف من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو يوم العنصرة مهرجان الأندلس، وكتم موته وأبردوا بريدًا إلى أخيه عبد الله بن محمد، فوافي سريعًا، وبادر بدفن أخيه المنذر بن محمد، وكانت خلافته سنتين الأخمسة عشر يومًا، وكان سنة ستًا وأربعين سنة وكان أسمر
стр. 8446
طوالا أجعد الشعر. كث اللحية، بوجهه آثار جدري يخضب بالحناء والكتم.
[٧] دولة أخيه عبد الله (١) بن محمد
أتاه نعي أخيه وهو غائب، ووافاه الطلب بالخلافة وهو آيب، فلما فشى في العسكر موت أخيه الذاهب، تفرقت أهواؤهم، وشقشقت أنوارهم، ورام كل منهم أمرًا قصيًا لم يدرك تمامه. وراض صعبًا أبيًا لم يملك زمامه، ولم يبق إلا من نزا به شيطانه، ونزل بداره سلطانه، ظنًا هَوَوْا في أوْدِيته، وحووا سوء الذكر في أنديته، حتى أشار عليه بعض نصحائه بعض برحائه ومواراة أخيه الهالك هناك واللحاق بقرطبة مُسرعًا، والسباق إليها قبل الا يجد موضعًا، فقال: هيهات أن أتدنس بهذه الدنية، أو أتلبس بقبح هذه المزيّة، ثم سار ومعه جثة أخيه على أناته واستقام أمره على هناته. ودخل قرطبة وصلى على أخيه بها، وأودع ذهبه المكنوز في تربها. ودَفَنَهُ في القصر بالروضة مقبرة الخلائف، مأثرة تلك اللطائف، ثم بويع البيعة التي استقامت له على ظَلَعِها، واستدامت على وَلَعِها، وأخَذَ في حَسْم أدواء الخلاف وحصد رؤوس منهم أيْنَعَتْ لقطاف (٢) وكان أمر الفتنة قد استحكم واستفحل داؤه فلم يُحْسَم. وكثرت على مثل أولئك وأشباههم، وكبرت منهم كلمة تخرج من أفواههم. فأعيا سُقْمُها الطبي المداوي، وأعدا فيها ذا الرشد الغاوي، ونبح في كل نائحة نابح … إلا أنه العاوي، ونضنض (٣) أفعى إلا أنه لا يدخل في سلّة الحاوي:
وذكر صاحب المقتبس عن الرازي عن أبيه قال: كانوا يعدون عبد الله من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس وأمثلهم طريقةً، وأتمَّهم معرفة وأمتنهم ديانةً، كان يتهجد بالليل، ويقوم ليالي شهر رمضان بالنافلة مع الأئمة المرتبين لها بالمسجد الجامع، وكانت نيته في ذلك نية المخبت (٤) الورع الراغب في الخير.
وحكي عن بعض الفتيان الخاصة: أنه كان كثير التلاوة للقرآن مثابرًا على درسه
стр. 8447
محبًا لمن حفظه. وقال: وكان لا يقدم أمرًا ولا يؤخّره إلا عن مشورة أهل العلم والفقه.
قال أبو صالح أيوب بن سليمان (١) أنه كان متصرفًا في فنون العلم محققًا للسان العرب، بصيرًا بلغاتها وأيامها، حافظًا للغريب، آخذًا من الشعر بنصيب، ولم يسمع أحد مثل إيجازه إذا أمل ولا مثل بلاغته إن (تمثل) (٢) وكان على كمال فضائله مُسْرِعًا إلى سفك الدماء حتى من ولديه وأخويه وخاصة صحبه.
وتوفي في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلثمائة لبث منها خليفة خمسًا وعشرين سنة ونصف.
[٨] دولة ابن ابنه عبد الرحمن (٣) بن محمد بن عبد الله بن محمد الناصر
ولي بعد جده، ووطئ أسارير مَهْدِهِ، ووافق زمانه زمان المقتدر (٤)، وقد، ضعفت الخلافة ببغداد، ووهنت قواها، وَوَهَنتْ الدولة العباسية حتى طمع فيها من سواها، فأبرز عبد الرحمن ما عنده وباح وقال علوة (٥) وكشف الغطاء واستراح، وأظهر التسمية بالخلافة بأمير المؤمنين، وهو أوّل مَنْ تسمّى في الأندلس بها، وسما بالتحلّي بلقبها، وكان رجل حزم ورجل عزم وبارق مضاء وسابق قضاء، وبطل إقدام
стр. 8448
وعطل مقدام، وسيف جلاد، وطيف رعب تجنّه ضمائر بلاد، فلهذا قدح لهذا الراي زنده، وفتح الباب لمن جاء بعده، ولم يكن في سباقه من كشف هذا العطاء ولا كف عن ذروة السرير هذا الامتطاء. وإنما كان الواحد منهم وإن عظم شأنه وكرم سلطانه لا يزيد في التسمية على الأمير ولا يريد أكثر من هذا الخطاب المييز الممير، حتى اتخذها هذا الناصر عبد الرحمن عليهم علمًا، وأنطلق بها لسانًا وقلمًا، وتسيرها في الآفاق كلما، صيرها في الأندلس شبيهة بالعراق مثلما، وقد ترجم له صاحب المقتبس وقال:
ذكر الدلالة على عظم شأن الخليفة الناصر في سلطانه واجرائه على الايفاء على من تقدمه من الخلفاء، وجده في جمع الأموال. وبذله لها في ابتغاء دول الآمال. وتوسعه في الحال، وقسره لتعويض الأشياء. وتفخيمه لصنائع الميناء. وسد الفروج دون الأعداء، وتوقله لقلل الاعتداء.
وكان لا يهيب خطرًا يركبه، ولا يستكثر شيئًا يهبه، وبنى المباني العجيبة والمنارة البديعة، وشيّد الخلافة بقرطبة وعمل الناعورة المحكمة الصنعة، المضروب بها المثل، البيضاء والزهراء، وغير ذلك مما ذكره وفي منبرة هذه الناعورة قال أبو عثمان عبيد الله بن يحيى (١):
تبوأ بين الحزن والسهل منزلًا … بأفيح فضفاض البساط على النهر
تصعد في ساحته الخضر ماؤه … تصعّد أنفاس المتيم بالذكر
ترقى بها في الجو ثم تعيده … إلى مستقرّ الأرض ناعورة تجري
تُغرد تغريد الطيور وتارةً … ترجع ترجيع الأهازيج في الزمر
وكان ممدحًا، فمما قال فيه أبو عثمان هذا، وقد رآه في موقف حرب أبان فيه قمرًا من وجهه يغطى ضوء القمر ويُخفيه: [من الكامل]
стр. 8449
أغمامة بين البوارق تهمعُ … أم شارق وسط الكتائب يَلْمَعُ
أم غرة القمر المنير يحفّها … زهر النجوم أم الهصور الأرْوَعُ
لا بل هو الملك الذي في درعه … ونجاده هذي الصفات الأربع
وتوفي الناصر عبد الرحمن في شهر رمضان سنة خمسين وثلثمائة.
[٩] دولة ابنه الحكم (١) المستنصر بن عبد الرحمن الناصر أبي العاص
وهو الحكم العادل، والعالم الذي لا تطاوله الجنادل. والكرم الذي لا يصغي إلى قول العاذل، ولا يبغي طاقة الباذل، نطق منذ كان صبيًا بالحكم وصدق. فكان في بيته يؤتي الحكم. ونفقت في أيامه سوق الفضائل، ووثقت بأنعامه الطائل. ولم يكن فيه عيب إلا قصر أيامه، وقصور مدته عن مرامه، وأهل الأندلس تعده من أصلح خلفائها، وأرجح أهل وفائه بها، ولم يكن من أهل الفضائل إلا من يزدلف إليه بما لديه، ويقرب كرمه السابغ عليه من يديه، وكان الناظر لا يكاد يرى إلا عالمًا ومعلمًا أو مقدمًا أو متقدمًا، وما بقي من رعاياه إلا من رعاه حرمه ودعاه كرمه، فلم يدع منهم إلا راضيًا عن زمانِهِ، أو قاضيًا له منه بأمانِهِ، ثم ما زال مزيدًا في الصلاح ومتجددًا به عموم الفلاح حتى أتاه اليقين وأراه موضعه في أماكن المتقين.
وأجرى مرّةً خيله للسباق. فأحرز قصباته وغبر في وجوه السباق فقال محمد بن حسين الطبني (٢): [من الرجز]
أعارض عجلان في البحر خَفَق
أم نَفَس الريح تجارى واستبق
أم الجياد أُحضرت بلا عنق
تطلب عند البعد ثارًا بحنق
стр. 8450
وطارت الحصباء عنهن فلق
وثار مجموع الغبار وافترق
يرفع ثوب الصدع من ثوب الغسق
لو خطرت على لياه (١) لاحترق
من لهب الشدّ وحرّ المنطلق
حتى إذا ما سكبت ماء العرق
وسِرْنَ سير الطير ينفضن اللثق
قد بلغت من زبد انسى البلق
وانغمس الأدهم في لون نهق
كالورق المنسوخ أمثال الورق
وماح (٢) منهنّ الهواء والتصق
وازدحمت فيه عليهن الحدق
من زمن لو سابق الريح سبق
طرف كلحظ الطرف أوهى فرتق
أو لحظة البرق مع الريح برق
أو خطفة الجنّي للسمع استرق
أو سرعة الطيف إذا الطيف طرق
من نازح يُعدي الكرى على الأرق
لعبشمي كان بالسبق
كأنما غرته نور الفلق
نواله في الناس فيض
ممسكةٌ من كلِّ نَفس برمق
للمرتجي أمن وللمال فرق
стр. 8451
وبأسه أشبه شيء بالصعق
إذا تدافعن الرماح والذرق
كأنما ماذيه إذا نطق
يبث في الناس أفانين العبق
مستنصر بالله يرعى مَنْ خَلَقْ
لخيله فضل على الخيل نسق
كفضل ما بين الملوك والسوق
وحكى صاحب المقتبس عن المستنصر هذا سعادة فيما يطلبه من الأمور.
وما عقد له به لواء الظفر والتأييد، وأنشد كثيرًا مما مدح به في وقائعه التي كان له فيها الغلب، وبان لأعين النظارة له فيها حسن المنقلب، فمنها قول محمد بن المحاسن: [من الطويل]
أقمت حدود الله حتى تحددت … معالمه فينا واشْرَق نورها
وأَلْبَسْتَ دُنيانا شبابًا وبهجةً … فراق جمالا سوءها وسرورها
وجرَّدت سيف الحق في كل بدعة … معفى على آثاءها وثبيرها
نهجت لغاويها الطريق فلم يجد … ولا ضل أعماها فكيف بصيرها
وثقنا مذاستنصرت بالله أنه … نصيرك مما تتقي ونصيرها
عن الله ترمي فهو عنك مدافع … ودائرة السوء على من يديرها
ومنها: قول سعيد بن عبد الملك: [من الطويل]
إمام جلا عن أرضنا الظلم عدله … فعاد إلى معناه من كان جاليا
إذا ما بدا يومًا لعين فقد رأت … به كل شيء يملأ العين باديا
من العبشميين الذين أكفهم … سحائب تنسيك السحاب الغواديا
لقاؤهم يغنيك إن كنت مُمْلِقًا … وبِشْرُهُمُ يرويك إن كنت صاديا
ومنها: قول محمد بن شُخيص (١): [من الطويل]
стр. 8452
كأنك اليوم المعجل للعدى … بوضع الحبالي أو تشيب المراضع
تواضعت كي تزداد عزًّا وإنّما … يقدم عن الله عزّ التواضع
وقمت بما أدى عن الله أحمد … وأدَّيْتَ حقًا ضائعا غير
رأى ولد الفاروق بيعة جدّه … فبايع تبصيرًا لمن لم يبايع
وقد زمها مروان في يوم راهط … برأي لأهواء الجماعة جامع
ورأيه شورى لو أُعيدت لما دَعَتْ … لدعوته الاذان دعوى منازع
ولا شاع في مصر لصحب محمد … أذىً لم يكن من قبل فيها بشائع
ومنها: قول يوسف (١) بن هارون الرقاشي ملمحًا في بعض أغزاله، وملحًا بها لحلو مقاله، وقد أبرز للقاء جعفر الفارق لمعد صاحب إفريقية جيشًا أبرقت مناصله، وبرزت سهامه كأنها لواحظ أغيد لا تخطئ مقاتله، وهو: [من الكامل]
ولقد عجبت لغفلة المستنصر … إذا برز الجيش اللهام لجعفر
ولو أن من أهواهُ يُبْرِزُ وجْهَهُ … قامت لواحظه مقام العسكر
وقد ذكر صاحب بلغة الظرفاء الحكم المستنصر وأورد له شعرًا ورد به منهل الشعرى، وهو قوله: [من الطويل]
ألسنا بني مروان كيف تبدلت … بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا وُلِدَ المولود منا تهللَتْ … له الأرض واهتزت إليه المنابر
بويع المستنصر في رمضان سنة خمسين وثلثمائة. ولد مستهل رجب سنة اثنين وثلثمائة، وتوفي في صفر سنة ست وستين وثلثمائة، وكانت مدته نحو ست عشرة سنة، وكان أبيض، طوالًا شثن اليدين جسيمًا وسيمًا أسود العينين، أصهب، عظيم اللحية، يخضب بسواد.
стр. 8453
[١٠] دولة ابنه هشام (١) المؤيد بن الحكم
امتدت الأيدي لمبايعته وسنّه لعشرة أعوام. وغصْنُه ما أميطت من تمائمه الأكام. قوى عزيمة ابيه الحكم على العهد إليه النساء والخدم. فَعهَدَ إليه. ثم داخله الندم، فما استحسن ان يخلع عن معطفيه ذاك الرداء. ولا أن يقطع عن المنابر من اسمه ذاك النداء. وقد كانت طوائف الشعراء عرضت بذكر هشام لأبيه تقربًا إلى خاطره، وتحبّبًا إليه ان لا يخرج عنه شطر مشاطره.
فمنها: قول محمد بن حسين الطبني (٢) مما يخاطب به أباه: [من الكامل]
حُسَيْنٌ به دين النبي محمد … وأرقم به أَوْدَ الزمان الأعوج
لهجت بيعتيه النفوس فاخذها … من أَوْجَبَ الأشياء إن لم تَلْهَج
عود النبوة والخلافة عوده … فالقرع من تلك العروق الوَشْج
وإذا تبلج وجه صُبح مقبل … فالشمس تحت ضيائه المتبلج
هو زهرة الدنيا وباب سرورها … فاعهد وسُرَّ به البرية وابهج
وارم المشارق باسمه فليفتحن … ما بين مصر إلى بلاد الزنج
يارب بلغه جميع رجائه … لأبي الوليد وزده مالم يرتجي
لِيَدُم سراج اللد في هذا الورى … فضياؤه من نور المسرج
وفيه يقول أيضًا: [من الكامل]
وأشد بذكر أبي الوليد فشد به … مجدًا هشاميًا عزًا غبطا
стр. 8454
مافوق بيعته مد امنيةٍ … فيمن تسامى في المنى وتشططا
نعم الذخيرة للعزائم ينتضي … دون لخلافة والمنابر تمتطى
نظرت قريش في كريم نظامها … فرأته منها في القلادة أوسطا
هي بيعة الرضوان يجني كل من … أصفى ويقبل سعيها من خلطا
أربط به الأيدي فإنَّ قلوبنا … مكفيّةٌ بودادها ان تُربطا
شرطت محبّته على أهل النهي … ما لاكاد موثق أن يشرطا
ثم لما مات الحكم وبويع ابنه هشام المؤيد لان جانبه حتى ذل، وكثر حِلْمُهُ حتى قل، وعقد انتقامه بالعفو فحلّ، واستقام بقدمه على منهج المسالمة فزل، على أنه أول مَنْ (١) بويع بالخلافة. كان يخلط بالعسل صابه، وبالشفاء أوصابة. وفيه قال محمد بن شخيص (٢): [من الطويل]
وجدنا هشامًا للأئمة عاشرًا … إذا كمل التسعين فالملك تاسع
أتانا بتصديق الرواية مذ أتى … به أول الشهب الدراري رابع
فسارت بأعراق النجابة إِذْ سَرَتْ … من الحكم المهدي فيه طبائع
تحلّ به نجم على أنجم الدجى … منيفُ ومَنْ شرح الخلافة طالع
ومن فخره إن العبيد بظلّه … ملوك كما أن الملوك صنائع
وشافع آمال البرية أنها … إلى عهده المأمول صور بوازع
وكان المؤيد مغلّبًا منذ ولي، استحجب المنصور أبا عامر محمد بن عامر (٣) فحَجَبَهُ، وقام دونه، ثم استحجب ابنه المظفر عبد الملك (٤) بن محمد بن عامر فسلك
стр. 8455
سبيل أبيه، ثم استحجب ابنه المظفر عبد الملك بن محمد بن عامر فسلك سبيل أبيه، ثم استحجب أخاه عبد الرحمن، وكان ثالثهما، وغزا أسابية (١)، وأَوْغَلَ في بلاد الجلاهقة. فحمل يقدم على لقائه وتحصن منه في رؤوس الجبال ولم يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار وكثرة الثلوج، فأثخَنَ في البلاد التي وطئها، وخرج موفورًا، فبلغه في طريقه ظهور محمد (٢) بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر بن عبد الرحمن بقرطبة، وأخذه المؤيد اسيرًا، ففرق عنه عسكره. ولم يبق إلا في خاصته فسار إلى قرطبة ليلًا في ذلك الخطب، فخرج عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة، وطافوا به ثم صلبوه، وكان ظهور محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه اثنا عشر رجلًا، فبايعه الناس وتلقب بالمهدي، وملك قرطبة، وأخذ المؤيد وتركه في محبسه حيث لا جليس له سوى رجع نفسه، وقام هذا محمد بن هشام بن عبد الجبار بالأمر ستة عشر شهرًا برز بها سرير الملك قهرًا ونجسه لولم تجد له بماء الماضيات طهرًا.
حكى ابن الأثير (٣) إن محمد بن (٤) بن هشام بن عبد الجبار أَخَذَ المؤيد وحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات، وقد كان مات إنسان نصراني يشبه المؤيد فأبرزه للناس في شعبان وذكر لهم أنَّه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه ودفنوه في مقابر المسلمين، ثم أنه أظْهَرَهُ على ما نذكره، وأكذب نفسه. وكانت مدة المؤيد هذه إلى أن حبس ثلاثًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر.
стр. 8456
وخرج هشام (١) بن سليمان بن الناصر عبد الرحمن عليه لأن أهل الأندلس أبغضوا ابن عبد الجبار فاخرجوه من داره وبايعوه ولقبوه بالرشيد في شوال سنة تسع وتسعين. واجتمعوا بظاهر قرطبة. وحضروا ابن عبد الجبار وترددت الرسل بينهم، لينخلع ابن عبد الجبار من الملك على أن يؤمنه وأهله، ثم إن ابن عبد الجبار جمع أصحابه، وأخذ هشامًا أسيرًا فقتله ابن عبد الجبار وكان عم هشام ثم إن سليمان (٢) بن الحكم بن سليمان بن الناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول خرج وتلقب بالمستعين، ثم تلقب بالظاهر، وساروا إلى النصارى فانجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة، فاقتتلوا هم وابن عبد الجبار بقنتيج، وهي الوقعة المشهورة غزوا فيها، وقتل ما لا يُحصى فانهزم ابن عبد الجبار وتحصن بقصر قرطبة. ودخل سليمان القصر وبايعه الناس بالخلافة في شوال سنة أربعمائة، وبقي بقرطبة أيامًا، وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة وثلاثين ألفًا.
ثم لما اختفى ابن عبد الجبار سار سرًّا إلى طليطلة وأتاه واضح العامري (٣) في أصحابه، وجمع له النصارى، وسار بهم إلى قرطبة فخرج إليهم سليمان فالتقوا بقرب عقبة الورق فاقتتلوا أشدّ قتال فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة أربعمائة. ومضى سليمان إلى شاطبة. ودخل ابن عبد الجبار قرطبة، وجدد البيعة لنفسه، وجعل الحجابة لواضح، وتصرف بالاختيار.
ثم إن جماعة من الفتيان العامرية منهم: عنبر وعمرون وغيرهما كان مسلمين، فارسلوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم وأن يجعلهم في جملة رجاله، فأجابهم فلما كان تاسع ذي الحجة سنة أربعمائة اجتمعوا بالقصر فملكوه. وأخذوا ابن عبد الجبار أسيرًا واخرجوا المؤيد من محبسه، وأجلسوه في صدر مجلسه وبايعوه بالخلافة ثانية وتابعوه سرًا وعلانيةً، وأحضروا ابن عبد الجبار بين يديه، فعدد ذنوبه عليه، ثم قتله، وطيف برأسه في قرطبة وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة.
стр. 8457
قلت: وهذه الأخبار شرطها كان أن تذكر مفصَّلَةً، وقد ذكرناها الآن جملةً لتعلق بعضها ببعض، وسأذكر من تخلَّل في اثناء دولة هشام المؤيد بتراجم مفردة. ثم ألم بذكر هشام المؤيد ثانيًا حيث عادت دولته، وانتهت إليه في الملك ثانيًا نوبته.
حكى ابن الأثير (١) في حوادث سنة أربعمائة. وقد ذكر عود هشام المؤيد ما معناه، وكان عوده تاسع ذي الحجة وكان الحكم في دولته الى واضح العامري، وأدخل إليه أهل قرطبة فوعدهم ومناهم وكتب إلى بربر سليمان بن الحكم ودعاهم إلى الطاعة فلم يجيبوه، فأمر بالاحتياط ثم شعر بأن نفرًا من الأمويين [بقرطبة قد كاتبوا سليمان وواعدوه ليكون بقرطبة في السابع والعشرين من ذي الحجة ليسلموا له البلد] (٢) فركب هشام إليهم، فعاد البربر واستنجدوا بملك الفرنج، فأرسل يعلم هشامًا بذلك ويستنزله عن حصون تجاوره، ففعل فيئس البربر من إنجاد الفرنج فنزلوا قريب قرطبة، وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالًا، فعمل هشام على قرطبة أمام السور الكبر سورًا وخندقًا، ثم نازل سليمان قرطبة، ثم الزهراء. فسلمه بعض الحفظة باب الزهراء، فملكها، واشتد الأمر بقرطبة، وظهر في هذه المدة بطليطلة عبيد الله (٣) بن محمد بن عبد الجبار وبايعه أهلها، فسيّر إليهم هشام جيشًا، فعادوا إلى الطاعة وأخذ عبيد الله وقتل في شعبان سنة إحدى وأربعمائة. ثم قاتل هشام البربر فقتل منهم أممًا وغرق في النهر مثلهم، فرحلوا إلى إشبيلية، فجهز هشام جيشًا فحماها، فسارت البربر إلى قلعة رباح (٤) فملكوها وغنموا ما فيها، واتخذوها دارًا، عادوا إلى قرطبة فحصروها وملكوها، ودخلها سليمان بن الحكم عنوة وأخرج هشام من القصر، وحمل إلى سليمان في منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة. وبويع سليمان، ثم جرت لهشام المؤيد معه قصص طويلة ثم خرج إلى شرق الأندلس، فكان آخر خبره ونهاية أمره، ثم عمي الخفاء على أثره، وها أنا أذكر:
стр. 8458
[١١] دولة محمد (١) المهدي بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر
المتخلّلة لدولة المؤيد هشام، المخلّة بشروط الوفاء والذمام، قد ذكرنا، نأتي على المقصود منها في تلك الترجمة، ونُجْلي بصباح البيان أمورها المظلمة.
كان هذا محمد المهدي خفيف العقل، طائش الرأي لا يتمسك بدين ولا يتنسك كالمهتدين.
قال ابن الأثير عنه ما معناه: انه اتخذ النبيذ في بيعة حتى سمى نباذًا، وتصرّمت أيامه على هذا. وابتز الملك وما هني بما لبسه، ولا هيئ له إلا المآتم ليلة عرسه. وبما تقدّم اكتفاء لمن أراد الوقوف على خبره وجلاء البصيرة من لم يره حقيقةً ببصره، وكان خليقًا إن لا يذكر مستقلًا، ولا يذكر إلا في بعض حوادث دولة هشام، بل لا. وأما ما كان بعد هشام المؤيد فسأذكره بمشيئة الله تعالى فأقول:
[١٢] دولة سليمان (٢) بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر
قد قدمنا ما كان بينه وبين هشام من نوب الأيام، ثم لما كانت له هذه الكرة ودانت له قرطبة هذه المرة، وهي ولايته الثانية، وإيالته الدانية، تلقب بالمستعين. وتغلب بعدما غلب بعد حين، وكانت ولايته هذه منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة، وبايعه الناس بيعة عنوة لا عناية، وخافوا تبعة السيف تصريحًا لا كناية، وكان أديبًا خطيبًا شاعرًا، فاتكًا باتكا داعرًا خرج إليه أهل قرطبة للسلام عليه، فلما مثلوا بين يديه ابتدأ مثلًا، وانشد متمثلًا (٣): [من الطويل]
стр. 8459
إذا ما رأوني طالعًا من ثنيّةٍ … يقولون مَنْ وقد عرفوني
يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا … ولو ظفروابي ساعة قتلوني
ثم تمت له المبايعة، وانقادت له أهل قرطبة بأنفس طائعة، ونخوة أحماها ما كانت بالكف قانعة. وبالصغار تحت غطاء الذلّ مصانعة وقد حكى صاحب بلغة الظرفاء انه تلقب أولًا بالمستعين، ثم تلقب بالظافر بحول الله. وأنشد قول هارون الرشيد ﵀ (١): [من الكامل]
ملك الثلاث الآنسات عناني … وحَلَلْنَ من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلُّها … وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى … وبه قوين أعز من سلطاني
فقال سليمان المستعين:
عجبًا يهاب الليث حدّ سناني … وأهاب لحظ فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيبًا … منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى … زُهْرُ الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظر … من فوق أغصان على كثبانِ
هذي الهلال وتلك بنت المشترى … حُسْنًا وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهنّ السُّلو إلى الصبا … فقضى لسلطان على سلطان
فأبحن من قلبي للحمى وثنينني … في عزّ (٢) ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا مَلِكًا تذلَّلَ في الهوى … ذُلُّ الهوى عن وملك ثاني (٣)
إن لم أطِع فيهنَّ سلطان الهوى … كلفًا بهنَّ فلستُ مِنْ مروان
قلت: وخلا المستعين هذا يومًا بلذاتِهِ، واقتصر على لذاته، وقد برز الجو في مُمْسِك طرازه قوس قزح، والنور قد قلّد جنده من لؤلؤ الطلّ سُبح، وقد مدّ الغمام ستارةً طرزت رفرفيها البروق وطرفت جانبي يومها كؤوس الصبوح والغبوق. ثم وافي الليل فَصَدَم جيشه كتائب تلك السحائب فمزقها، ولطم بحره أفواج تلك الأمواج
стр. 8460
ففرقها. وتوقدت لوامع النجوم للاقتباس. ولاح الهلال لِخَأْنُه شطر طوق في جيد زرقاء اللباس، فقال: [من الكامل]
عرى النهار الليل ملبس دجنه … وغزاغمائمه بجيش مقبل
عجبًا له من سيف يوم مذهب … لولا الظلام يدوسه لم ينجل
أو ما ترى زُهْرَ النجوم كأنّها … هي والهلال اسِنَّةٌ في قسطل
قال ابن الأثير (١) ما ملخصه: أن خيران (٢) العامري لم يكن راضيًا بولاية سليمان بن الحكم لأنه كان من أصحاب هشام المؤيد. فلما ملك انهزم وكاتب له كاتب (٣) ثم أتى شرق الاندلس فكثر به جمعه وقاتل البربر وملك المرية (٤) وترأس هو وعلي (٥) بن حمود العلوي صاحب سبتة (٦)، ووافقه على ان المؤيد كان قد عهد إليه ودعا له بولاية العهد. فعبر علي بن حمود إليه، وأتى مالقة فسلمها إليه عامر بن فتوح (٧) ثم سار خيران إليه وتلاقيا بالمنكب (٨) سنة ست واربعمائة، وبايعوا علي بن حمود على طاعة المؤيد هشام الأموي، فلما بلغوا غرناطة وافقهم أميرها وساروا إلى
стр. 8461
قرطبة، فخرج إليهم سليمان بالبربر. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سليمان، فاخذ أسيرًا فحمل إلى ابن حمود. ودخل ابن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع وأربعمائة.
وداروا القصور طمعًا أن يكون بها المؤيد فلم يجدوه. ورأوا قبرًا منبوشًا وجدوا به جثة ميت قالوا إنه المؤيد ولم يكن به. وإنما قالوه خوفًا من علي بن حمود، لأنه طمع بالاستقلال، فاخذ ابن حمود سليمان بن الحكم فقتله واستولى ابن حمود على قرطبة، وبدلت الخلافة الأموية بالخلافة العلوية (١) على ماذكر في مكانه ثم إنه تنكر لخير ان فتنكر له خيران، وأظهر عليه الخلاف، وأرسل يسأل عن بني أمية، فدلّ على عبد الرحمن (٢) بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وقد كان خرج الخيران جيان (٣)، وكان اصلح بني أمية فبايعه خيران ولقبه المرتضى، وراسل (شرف طه) (٤) والثغر الأعلى وشاطبة (٥) وبلنسية وطرطوشة (٦) فأجابوا إلى بيعته، ثم ساروا إلى صنهاجة على قصد غرناطة. وحصل من المرتضى إعراض عن خيران فتخلّى عنه وانجلى حصارهم لغرناطة عن هزيمتهم وقتل المرتضى. ثم استقل علي بن حمود. ثم القاسم ثم يحيى بن علي بن حمود، ثم عادت دولة بني أمية على ما نذكره، فكان أولها بعد الدولة العلوية:
[١٣] دولة المستظهر عبد الرحمن (٧) بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر
أبي المطرف، وكان سبب ملكه ما قدمناه، وموجب تقديمه التيمن بسناه، وحب
стр. 8462
أهل قرطبة لبني أمية الحب الذي تمكّن في حشاهم وملأهم به شغفا وحشاهم، فلما غشيهم موج الفتنة وغشاهم، وأرْجَلَ ذلا فوارسهم ومُشاهم، صافحوا بالبيعة يمناه، ونافحوا من حال دون ما تمناه هوى أمويًا علقوه وجوى خفيًا عاهدوا الله عليه لو صدقوه.
بويع في شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة وعمره اثنان وعشرون سنة. واختان القدر ملكه وما مكنه، وأظن الأدب أدرَكَهُ، بحرفته وأملكه. بذنب معرفته لأنه كان شاعرًا مجيدًا رقيق الطبع، لا تبلى بأيدي من دموعه الربع. ولم تتم ولايته ولم يقم للخلافة حوايته وكانت مدته شهرًا واحدًا وسبعة عشر يومًا، ثم قتل ورد عهده بعد ان قُتل، وكانت جالبة حمامه وخالبة روحه باغتلاق سمامة، جهالة أركبه الشيطان غرورها. واكْسَبَه محذورها. وكان السبب انه أخذ جماعة من أعيان قرطبة فسجنهم لميلهم إلى سليمان بن المرتضى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر. واخَذَ أموالهم فسعوا عليه من السجن، وصدعوا جباله مزقًا كالعهن. وألبوا الناس عليه، وتأهبوا لاستلال روحه من بين جنبيه، فأهانهم صاحب شرطته فأهين، وجُرع كأس ردائه في الحين، وكان ممن وافقهم على فعلتهم وواثقهم على مثل مثلتهم أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأموي في جماعة كثيرة وطاعة جعلت إلى الأمر مصيرة، وكان أبيض أشعر أعين العين شئن الكفين رحب الصدر.
[١٤] دولة محمد (١) بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر
أبي عبد الرحمن المستكفي، ولم يكن من رجال بيته في شيء من الأشياء ولا كان إلا سيئًا في صورة الأحياء، لعدم صرامته وعظم خمود لشهامة ما كانه
стр. 8463
قد مَرَّ مروانُ أمامه. ولا قَدَّمَ عبدُ الرحمن الداخل قدامه، لا عُدَّ من هذا البيت هشامه. عدا عبد الملك فعلا. ومعاوية فضلًا وكان همه فَرْجُهُ وبَطْنُهُ، وعَزْمُهُ عينه وأذنه، لا يفكر في شيء الا ما يهمه ولا يَلم إلا بما لا يفارقه مُلَمُّهُ. الا انه ممن أقامه الحظ السابق على من تقدَّمه حتى تأخر لامتداد الأجل وقدمه.
بويع في ذي العقدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، وبقي سنة وأربعة أشهر وايامًا، ثم خلعوه خَلْعَ الحِذاء، ودفعوه دفع الذباب عن الغذاء، فخرج في جماعة ممن حفظ عهده المضاع. ولَحَظَ وُدَّهُ ملاحظة الطفل لأيام الرضاع، فأتى بهم مدينة سالم (١) وأقام بها غير مسلّم ولا سالم فضجر منه بعض أصحابه ممن هجر أوان اتساع رحابه، فعمد إلى دجاجةٍ (نُمًّا) (٢) فشواها، وعمل فيها سُمًّا رمى بها مهجته فأصاب شواها، فأراح الدنيا من تخلفه، وخففت اثقالها بما كانت تحمله من تكلفه.
وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة (سبع وأربعمائة) (٣) وكان ربعة أشقر أزرق مدور الوجه، ضخم الجسم قارب في العمر خمسين سنة ثم اقيمت الدعوة ليحيى (٤) بن علي بن حمود، ثم آل آخره إلى أن قطعت دعوته، ومنعت أن يُستجاب لها دعوته. ثم أعيدت الدولة أموية، وجدت عهودها المذكورة بسحب الدموع الروية. وها أنا أذكرها فأقول:
[١٥] دولة هشام (٥) بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر
أبي بكر، قام بنصر أبي (٦) الحزم جهور، وقام بالحزم وما تهور، راسل أهل
стр. 8464
الثغور المتغلبين فوافقوه. ورأوا رأيه وما وافقوه. كتبوا ببيعتهم إلى هشام بن محمد، وكان مقيمًا ببعض الثغور. منذ قتل أخوه الرضى. وقيل قد أغمد سيفه المنتضى. ثم أصفقَتْ أيدي الناس ببيعته، وصانَتْ عهده المحفوظ من ضيعته، ولقب أصفقت وكان أسن من أخيه المرتضى، وأشدَّ منه في كل مقتضى، فنهض إلى الثغور وطلع فيها نجمه لا يغور، وجرت له بها فِتَنْ عَقَدتَ بالسماء عنان عجاجتها، وعلقت في مجرى الأسماء بنان مجاجتها، وقوى هنالك هيج الاضطراب وأخذ موج السيوف في الضراب، ثم ساروا إلى قرطبة وسالوا في تلك الشعاب، سيلان جيش قحطبة (١) فأتاها مثل أوله ووافاها حالًا في صدر منزله، وأقام منذ بويع نحو خمسين سنة حتى خُلع رداؤه، وقطع عن مسامع المنابر نداؤه، وكان موجب النقمة عليه سوء تدبير وزيره ابي العاص بن سعيد (٢) لأنه أخذ أموال التجار وأعطاه البربر.
فنفرت خواطر أهل قرطبة لهذا وانكروه، ووضعوا عليه أناسًا قتلوه. ثم خلعوا هشامًا و نَبَذَ عهده فريق منهم، واتخذ عهده الوثيق ما رفعه قلم التكليف عنهم، وقام ابنه (٣) عبد الرحمن بن هشام في جماعة من الأحداث. فتسوروا القصر وعلوا شُرفاته، وتصوروا له أمرًا أدركه وفاته، وبايعه كثير من سواد الناس، ونهض بهم فما قام منهم جَسَدٌ بلا رأس، فقال له بعض أهل قرطبة نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة، فإنّ السعادة قد ولت عنكم فقال: بايعوني اليوم واقتلوني غدا، فأنفذ أعيان قرطبة اليه وإلى ابنه المعتمد بالخروج عن قرطبة، فاودع المعتمد أهله وخرج إلى حصن ابن الشوب (٤)، فاعتقلوه ثم أخرجوه إلى حصن آخر فحبسوه
стр. 8465
فيه، فتحيل للخروج حتى خرج منه ليلًا.
وسار إلى سليمان (١) بن هود الجذامي وبقي عنده حتى مات في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ودفن في ناحية لارده، وسكَنَ بها صوب سُحُبِهِ الراعدة، وماتت دولة بني أمية في الاندلس وسائر أقطار الأرض بموته، وخمد حسّها اسمه صوته، فسبحان الحي الباقي، وكل شيء هالك. الملك الدائم ملكه، بعد ذهاب ملكة الملوك والمالك ونعوذ به ونتوكل عليه، ونسأله من خير ما لديه انه لا حول ولا قوة لنا إلا به (٢).
وقال ابن بسام: وقد ذكر قصر مدة المستظهر عبد الرحمن الذي تقدم ذكره: لم ينشر له فيها طاعة، ولا تتامت جماعة، وكان على حدوث سنه ذكيًا يقظًا لبيبًا أديبًا حسن الكلام حاد القريحة، يتصرف فيما شاء من الخطاب بذهنه ورويته، ويصوغ قطعًا من الشعر مستجادة بطهارة أثواب وعفةٍ وبراءةٍ من شراب النبيذ سرًا وعلانية، وكان نسيج وحده، و به ختم فضل أهل بيته الناصريين.
ومن شعره: [من مجزوء الرمل]
طال عمر الليل عندي … مُذْ تولَّعتُ بصد
ياغزالًا نقض الود … ولم يوفِ بِعَهْدِ
أنسيت العهد إذ … بتناعلى مفرش وَرْدِ
واجتمعنا في وشاح … وانتظمنا نظم عِقْدِ
ونجوم الليل تحكي … ذهبًا في لا زِوَرْدِ
وقد تقدم (٣).
* * *
стр. 8466
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
يتضمن الجزء الخامس والعشرون من:
«مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»
دول ما قبل الإسلام، فأرّخ لحكام بني إسرائيل، وذكر زكريا وعيسى ابن مريم ﵉، وخراب البيت المقدس، ثم تحدث عن أخبار ملوك الهند والصين والترك، وأخبار ملوك مصر الأولى والفرس واليونان والسريان وملوك الإفرنجة والسودان، كما جاءت في المصادر العربية. ثم ملوك قحطان وآل جفنة وأخبار ملوك الحيرة، ثم ذكر أيام العرب وما شجر بين القبائل من حروب. وانتهى إلى الدولة الإسلامية، فابتدأ بالسنة الأولى للهجرة واستمر إلى نهاية الجزء في أحداث سنة ١٦٠ هـ. وقد تطلب تحقيق هذه الاشتات من الموضوعات والدول جهدًا مضاعفًا ورجوعًا إلى مصادر شتى لضبط الأسماء وتوثيق الأحداث.
اعتمدت في تحقيق هذه الجزء على نشرة الدكتور فؤاد سركين المصورة عن مخطوطة أيا صوفيا تحت رقم ٣٤٣٧ - مكتبة السليمانية، استانبول، وهي نسخة تامة لم يتخللها إلا قليل من البياضات والخرجات في بضعة صفحات منها، يقع هذا الجزء في ٢٧٣ صفحة، كتبت الصفحات (٢ - ٣٦) بخط معتاد واضح وبحروف معجمة، وكتبت الصفحات ٣٧ - ١٣٤ بخط النسخ الجميل الواضح مع إعجام وضبط، ومن الصفحة ١٣٥ حتى آخر الجزء بخط يشبه الأول، وهو يشبه إلى حد بعيد خط الجزء (٢٦) الذي
стр. 8467
كتبه محمد بن شكر الشافعي، إلا أن نهاية الجزء كتبت بخط مغاير، فقد كتب بآخره وبقلم النسخ: آخر الجزء الخامس والعشرين من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر السادس والعشرين سنة إحدى وستين ومائة. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، حسبنا الله ونعم الوكيل.
ولم يذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ.
وقد شطب على بعض الأخبار منذ ابتدأ في أحداث الدولة الإسلامية، وهي الأحداث التي لا علاقة لها بالسياسة وأعمال الإدارة والحرب، كما شطب على وفيات الأعلام من غير أرباب الدولة كالفقهاء والشعراء والأدباء وغيرهم، وقد فعل ذلك في الأجزاء التالية المتممة لأحداث الدولة الإسلامية والمصدر الرئيس لهذا الجزء هو تاريخ أبي الفداء (المختصر في تاريخ البشر) ومنذ بداية الدولة الإسلامية في السنة الأولى للهجرة عمد المؤلف على اتباع نظام الحوليات في تسجيل الأحداث، وحسبت أن المؤلف كلّف أحد النساخ بنقل الأحداث عن (المختصر) ثم نظر هو فيما انتسخ له فشطب على ما لم يجده جديرًا بالتسجيل. إذ اقتصر على الأحداث السياسية وما يتصل بها من إدارة وحرب وغير ذلك. وعلى هذا أرى أن هذه المخطوطة كتبت في حياة المؤلف.
حاولت جاهدًا أن أشير إلى مصادر الأحداث، واضبط الأسماء وخاصة غير العربية، واذكر اختلاف الرسم وفقًا لما ورد في هذه المصادر.
أرجو أن أكون قد وفقت في إخراج هذا الجزء من موسوعة ابن فضل العمري محققًا بالشكل الذي يقتضيه العلم ويقبله العلماء، ورحم الله من أهدى إلى عيوبي، والحمد لله رب العالمين.
المسيب - العراق
٢١ محرم ١٤٢٥ هـ
٣/¬١٢/¬٢٠٠٤ م
مهدي ع. الحسين النجم
стр. 8468
[حكام بني إسرائيل]
قد كثر اللغط والغلط فيه، لبعد زمنه ولكونه باللغة العبرانية، فتعين (١) النطق بألفاظه على الصحة.
قال الملك المؤيد المذكور (٢): لم أجد في نسخ التواريخ التي وقعت (٣) في هذا الفن ما أعتمد على صحته؛ لأن كل نسخة (٤) تخالف الأخرى، إما في أسماء الحكام، وإما في عددهم وإما في مدد إستيلائهم. ولليهود الكتب الأربعة والعشرون (٥)، وهي
стр. 8469
عندهم متواترة وقديمة، ولم تُعرَّب إلى الآن، بل هي باللغة العبرانية، فأحضرت منها سفري قضاة بني إسرائيل وملوكها، وأحضَرْتُ إنسانًا عارفًا باللغة العبرانية والعربية، وتركته يقرؤها، وأحضرت لها ثلاث نسخ، وكتبت منها ما ظهر لي صحته، وضبطت الأسماء بالحروف والحركات حسب ما أطقته، والله الموفق للصواب.
ذكر يوشع:
ولما مات (١) موسى ﵇، قام بتدبير بني إسرائيل يوشع (٢) بن نون بن اليشاماع بن عميهوذ بن لعدان بن تاحن بن تالخ (٣) بن راشف بن رافح بن بريعا بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب. وأقام مع بني إسرائيل في التيه ثلاثة أيام، ثم ارتحل يوشع ببني إسرائيل وأتى الشريعة، وهو النهر الذي بالغور (٤)، وأسمه الأردن في عاشر نيسان من السنة التي توفي فيها موسى، فلم يجد للعبور سبيلًا، فأمر يوشع حاملي صندوق الشهادة (٥) الذي فيه الألواح بأن ينزلوا على حافة الشريعة، فوقفت الشريعة حتى انكشف أرضها وعبر بنو إسرائيل، ثم بَعْدَ ذلك عادت الشريعة، ونزل يوشع ببني إسرائيل على أريحا محاصرًا لها، وصار في كل يوم يدور حولها مرة واحدة، وفي اليوم السابع (٦) أمر بني إسرائيل أن يطوفوا حولها سبع مرات، وأن يصوّتوا بالقرون (٧)، فعند ذلك هبطت الأسوار ورسخت وتساوت الخنادق بها، ودخل بنو إسرائيل أريحا بالسيف عنوة، وقتلوا أهلها وبعد فراغه من أريحا سار إلى نابلس، إلى المكان الذي بيع فيه يوسف، ودفن به عظام يوسف، وكان موسى قد استخرج يوسف من مصر (٨).
стр. 8470
واستصحبه معه إلى التيه، فبقي معهم أربعين سنة، وتسلمه يوشع، فلما فَرَغَ من أريحا سار به ودَفَنَهُ هناك، وملك يوشع الشام، وفرق عماله فيه، واستمر يدبر بني إسرائيل نحو ثمان وعشرين سنة، ثم توفي ودفن في كفر حارس، وله من العمر مائة وعشر سنين.
قال: ورأيت في تاريخ ابن سعيد (١): أن يوشع مدفون بالمعرة، والله أعلم (٢).
قال: فكانت وفاة يوشع سنة ثمان وعشرين لوفاة موسى. وبعد وفاة يوشع أقام بتدبيرهم (٣):
فينحاس بن العزر بن هارون (٤) بن عمران وكالاب بن يوقنا:
وكان فينحاس هو الإمام، (وهو من سبط يهوذا) (٥)، وكان كالاب يحكم بينهم، وكان أمرهما في بني إسرائيل ضعيفًا، ودام بنو إسرائيل على ذلك سبعة عشر سنة، ثم طغوا وعصوا، فسلّط الله عليهم كوشان (٦) ملك الجزيرة، وقيل إنها جزيرة قبرس، وقيل بل كان كوشان المذكور ملك الأرمن وكان من ولد العيص (٧)، فاستولى على بني إسرائيل واستعبدهم ثمان سنين، فاستغاثوا إلى الله تعالى وكان لكالاب أخ من أمه يقال له: عثنيال بن قناز، فأقام كالاب المذكور أخاه عثنيال المذكور على بني إسرائيل. قال الملك المؤيد المذكور (٨): فكان خلاص بني إسرائيل من كوشان المذكور في سنة اثنتين وخمسين لوفاة موسى ﵇؛ لأن كوشان حكم عليهم ثمان سنين ثم قام فيهم بعد استيلاء كوشان.
عثنيال بن قناز:
من سبط يهوذا، وأزال ما كان على بني إسرائيل لصاحب الجزيرة من القطيعة.
стр. 8471
وأصلح حال بني إسرائيل، وكان عثنيال رجلًا صالحًا، واستمر يدبر أمر بني إسرائيل) (١) أربعين سنة، وتوفي، وقال: فتكون وفاته في أواخر اثنتين وتسعين لوفاة موسى.
ثم من بعد وفاة عثنيال أكثر بنو إسرائيل المعاصي، وعبدوا الأصنام، فسلط الله عليهم عغلون ملك مآب (٢) من ولد لوط ﵇. واستعبد بني إسرائيل، فاستغاث بنو إسرائيل إلى الله أن ينقذهم من عغلون المذكور، واستمروا تحت مضايقته ثماني عشرة سنة، فيكون خلاصهم منه في أواخر سنة عشر ومائة.
ثم أقام الله على بني إسرائيل إهو ذ (٣)، من سبط بنيامين، فكف إهوذ عنهم أذية عغلون ومضايقته، وأقام أهوذا يُدَبّرهم ثمانين سنة. فتكون وفاة أهوذ في أواخر سنة تسعين ومائة لوفاة موسى. ولما مات أهوذ قام بتدبيرهم من بعده شمكار بن عنوث (٤) دون سنة، فتكون ولاية شمكار ووفاته في أواخر سنة إحدى وتسعين ومائة لوفاة موسى.
ثم طغى بنو إسرائيل، فأسلمهم الله تعالى في يد بعض ملوك الشام وأسمه يابين (٥) فاستعبدهم عشرين سنة، حتى خلصوا منه، فيكون خلاصهم منه في أواخر سنة إحدى عشرة ومائتين لوفاة موسى.
ثم قام فيهم رجل من سبط نعتالي يقال له:
باراق ابن (أبي نعم) (٦)، وامرأة يقال لها دَثُورًا (٧):
فقهر أيابين، ودبّر أمر بني إسرائيل أربعين سنة، فيكون انقضاء مدتهما في أواخر سنة إحدى وخمسين ومائتين لوفاة موسى.
ثم إنَّ بني إسرائيل أخطأوا وارتكبوا المعاصي بغير مدبر لهم من بني إسرائيل مدة سبع سنين، واستولى عليهم أعداؤهم من أهل مدين تلك المدة. فيكون آخر هذه الفترة في أواخر سنة ثمان وخمسين ومائتين لوفاة موسى ﵇، فاستغاثوا إلى الله تعالى، فأقام فيهم:
стр. 8472
كِدْعُون (١) بن يُواش:
فقتل أعداءهم، وأقام منار دينهم، واستمرّ فيهم أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة ثمان وتسعين ومائتين لوفاة موسى.
ثم قام فيهم بعد كِدْعُون ابنه أَبِيمالَخ (٢) ثلاث سنين، فتكون وفاته في أواخر سنة إحدى وثلثمائة لوفاة موسى.
ثم قام فيهم بعد أبيمالخ رجل من سبط يَساخر (٣) يقال له يُؤا إِيْرُ الجُرْشي (٤) اثنين وعشرين سنة فتكون وفاته لمضي ثلثمائة وثلاث وعشرين سنة من وفاة موسى ﵇.
ثم إنَّ بني إسرائيل أخطأوا وارتكبوا المعاصي، فسلط الله عليهم بني عمون من ولد لوط، وكان ملك بني عمون (٥) إذ ذاك يقال له أمينطو وقيل أمونيطو فاستولى على بني إسرائيل ثماني عشرة سنة، حتى خلصوا منه فيكون انقضاء مدته في أواخر سنة إحدى وأربعين وثلثمائة لوفاة موسى.
ثم استغاث بنو إسرائيل إلى الله، فأقام فيهم رَجُلًا اسمه يَفْتَح (٦) الجُرْشي من سبط مَنْشَا. فكفاهم شرّ بني عمون، وقتل منهم خلقًا، ودبّر بني إسرائيل ست سنين، فتكون وفاته في أواخر سنة ثلثمائة وسبع وأربعين لوفاة موسى.
ثم قام فيهم بعد يفتح، رجل من سبط يهوذا اسمه أَبْصُنْ (٧) سبع سنين فتكون وفاته في أواخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم دبّرهم بعد أَبْصُنْ رجل من سبط زيولون اسمه (آلون) (٨) عشر سنين، فتكون وفاته في سنة أربع وستين وثلثمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم دبرهم بعد آلون رجل من سبط أفرانيم اسمه عبدون بن هلال (٩) من سبط أفرايم بن يوسف ثمان سنين، فتكون وفاته سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة لوفاة موسى. ثم
стр. 8473
إن بني إسرائيل أخطأوا وعملوا المعاصي، فسلط الله عليهم أهل فلسطين واستولوا عليهم أربعين سنة (١)، فيكون آخر استيلاء أهل فلسطين عليهم في أواخر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لوفاة موسى ﵇. فاستغاثوا إلى الله تعالى فأقام لهم من سبط يهوذا، وقيل بل هو من سبط دون رجل اسمه شمشون بن مانوخ (٢)، وكان لشمشون قوة عظيمة، ويعرف بشمشون الجبار، فدافع أهل فلسطين، ودبّر بني إسرائيل عشرين سنة، ثم غَلَبَهُ أهل فلسطين وأسروه ودخلوا به إلى كنيستهم، وكانت مركبة على أعمدة، فأمسك العواميد، وحرّكها بقوّته حتى وقعت الكنيسة، فقتلته وقَتَلَتْ كل مَنْ فيها من أهل فلسطين، وكان فيها جماعة من كبارهم، فيكون انقضاء مدة شمشون في أواخر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة من وفاة موسى ﵇.
ثم كانت فترة، وصار بنو إسرائيل بغير مدبّر منهم عشرين سنة، وقيل عشرة، فيكون انقضاء مدة الفترة في أواخر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة لوفاة موسى.
ثم قام فيهم رجل من ولد إيثامور بن هارون (٣) اسمه: عالي (٤) الكاهن وأصل الكاهن في لغتهم كوهن، ومعناه الإمام، وكان عالي المذكور رجلًا صالحًا، فدبّر بني إسرائيل أربعين سنة، وكان عمره لما ولي ثمانيًا وخمسين سنة. فتكون مدة عمره ثمانيًا وتسعين سنة، وفي أول سنة من ولايته، ولد شمويل (٥) النبي بقرية على باب القدس يقال لها شيلو (٦).
وفي السنة الثالثة والعشرين من ولايته ولد داود النبي فتكون وفاة عالي المذكور في أواخر سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇.
ثم دبر بني إسرائيل اشمويل النبي ﵇ وكان قد تنبأ لما صار له من
стр. 8474
العمر أربعون سنةً، وذلك عند وفاة عالي، فدبّر اشمويل بني إسرائيل إحدى عشرة سنة (١)، ومنتهى هذه الإحدى عشرة سنة هي آخر سني حكام بني إسرائيل وقضاتهم، فإن جميع من ذكر من حكام بني إسرائيل كانوا بمنزلة القضاة، وسدّوا مسدّ ملوكهم وبعد الإحدى عشرة سنة التي دبرهم اشمويل قام لبني إسرائيل ملوك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فيكون انقضاء سني حكامهم في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇ ثم حضر بنو إسرائيل إلى اشمويل وسألوه أن يقيم فيهم ملكًا. فأقام فيهم شاول، وهو طالوت بن قيس من سبط بنيامين، ولم يكن طالوت من أعيانهم، وقيل إنه كان راعيًا (٢) فملك طالوت سنتين، واقتتل هو وجالوت. وكان جالوت من جبابرة الكنعانيين، وكان ملكه بجهات فلسطين، وكان من الشدّة وطول القامة بمكان عظيم، فلما برز للقتال لم يقدر على مبارزته أحد، فذكر شمويل علامة الشخص الذي يقتل جالوت، فاعتبر طالوت جميع عسكره فلم يكن فيهم من توافقه تلك العلامة، وكان داود ﵇ أصغر بني أبيه، وكان يرعى غنم أبيه (٣)، فطلبه طالوت، واعتبره اشمويل بالعلامة وهي دهن كان يستدير على رأس من يكون فيه السرّ، وأحضر أيضًا تنور حديد، وقال: الشخص الذي يقتل جالوت يكون ملء هذا التنور (٤)، فوضعوا داود في التنور فملأه واستدار الدهن على رأسه، ولما تحقق ذلك بالعلامة أمره طالوت بمبارزة جالوت، فبارزه وقتل داود جالوت، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة، ثم بعد ذلك مات اشمويل فدفنه بنو إسرائيل في الليل وناحوا عليه، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة، وأحبّ الناس داود ومالوا إليه فحسده طالوت، وقصد قتله مرةً بعد أخرى، فهرب داود منه وبقي متحرزًا على نفسه، وفي آخر الحال ندم طالوت على ما كان منه من قصد قتل داود وغير ذلك، وقصد أن يكفّر الله عن ذنوبه بموته في الغزاة، فقصد الفلسطينيين وقاتلهم، حتى قتل هو وأولاده (٥)، فيكون موت طالوت في أواخر سنة خمس وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى.
ولما قتل طالوت افترقت الأسباط، فملك على أحد عشر سبطًا إيش بوشت (٦) بن
стр. 8475
طالوت واستمر إيش بوشت ملكًا على الأسباط المذكورين ثلاث سنين، وانفرد عن إيش بوشت سبط يهوذا فقط، وملك عليهم داود بيشار بن عوفيد بن بوعز بن سلمون بن نحمون بن عمينوذب بن رم بن حصمون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب (١).
وحزن داود على طالوت، ولعن موضع مصرعه، وكان مقام داود بحبرون (٢)، فلما استوثق له الملك ودخلت جميع الأسباط تحت طاعته (٣)، وذلك في سنة ثمان وثلاثين من عمر داود انتقل إلى القدس، ثم إن داود فتح في الشام فتوحات كثيرة من أرض فلسطين وبلد عمان ومآب وحلب ونصيبين وبلاد الأرمن وغير ذلك. ولما أوقع داود بصاحب حلب وعكسره، كان صاحب حماة إذ ذاك اسمه تاعور، وكان بينه وبين صاحب حلب عداوة، فأرسل صاحب حماة المذكور (٤) وزيره بالسلام والدعاء إلى داود، وأرسل معه هدايا كثيرة فرحًا بقتل صاحب حلب، ولما صار لداود ثمان وخمسون سنة، وهي السنة الثامنة والعشرون من ملكه كانت قصته مع أوريا وزوجته، وهي واقعة مشهورة (٥).
وفي سنة ستين من عمر داود خرج عليه ابنه ابشولوم بن داود فقتله بعض قواد داود من بني إسرائيل (٦)، وملك داود أربعين سنة. ولما صار لداود سبعون سنة توفي، فتكون وفاة داود في أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى.
وأوصى (٧) داود قبل موته بالملك إلى سليمان ولدِهِ، وأوصاه بعمارة بيت